الماضي أبداً لم يمت...
هو حتى بعد لم يمض!!.
_____________________________________________
يومان قد مرا كأنهم عامين على "هشام"، كان يعد الساعات والدقائق والثواني لمقابلته مع من ستكشف له جميع اسرار وخبايا خصمه الخطير، كان ينهك نفسه في العمل حتى لا يشعر بمرور الوقت، لكن هيهات ان يهدئ عقله عن التفكير بتلك المقابله التي ستغير الكثير حتماً...
يومان مرا على "أسيف" بهدوء وسلام في منزله، يومان لم يشهد بهما اي مشاجره او صوت عالي من الفتاتين، بل كانتا اكثر هدوئاً وبدأن يتبادلن اطراف الحديث، حتى لو كان حديث مقتضب لكن يكفيه انهن يتحدثاً مع بعضهن كأي امرأتين ناضجتين، وهذا الأمر اشعره بالتحسن حقاً...
يومان مرا على "سابين" بسعاده كونها تتحدث مع من شغل عقلها وتفكيرها "هشام"، كم تعشق ان تردد هذا الأسم بين شفتيها بهمس، هذا الـ" هشام" الذي اقتحم حياتها بسبب صدفه عابره اصبح الآن حياتها باكملها، هي تعترف، يومها لا يكون مكتملاً دون سماعها صوته العذب وهو يطرق على مسامعها احلى كلمات الغزل التي تشعرها بانوثتها وانها السيده الوحيده على الأرض، حتى لو لم تقابله وجهاً لوجه، يكفي انها تستمع لصوته، يكفي انه يطمئن عليها كل ليله، يكفي انه يشعرها بالأهتمام ومعزتها داخل قلبه، هي لا تريد اكثر من هذا، هذا يكفيها...
وها قد اتى اليوم الموعود الذي سيتم فيه كشف حقائق كثيره دُفنت منذ سنين طوال وتناثر التراب فوقها ليشهد على عوده ماضي مؤلم سبب عقده نفسيه لطفل لم يتجاوز السابعه من عمره بعد، ماضي كان سبباً في حِطام فتاه في الثالثه عشر من عمرها على يد اقرب الناس لها، ماضي كان سبباً في جعل طفل ذات خمس سنوات يتحمل مسؤوليه وعبئ طفلين آخرين ويكون مخزن اسرارهم، والآن سيُكشف كل شيئ ويصبح واضحاً!!.
في احدى المطاعم الراقيه يجلس على طاولته التي اختارها بعيداً عن الأعين وخاليه من الوافدين حتى يتحدث مع ضيفته باريحيه تامه...
كان يهز قدمه بتوتر كبير وينظر في ساعته كل برهه وهو يتساءل لما تأخرت هكذا، الم تخبره انها وصلت المطار منذ الصباح وستذهب لتستأجر غرفه في احد الفنادق، اذاً لما لم تحضر الى الآن...
استمع لصوت كعب يطرق أرضيه المطعم بهدوء فاستدار بجسده بسرعه حتى يرى من هذا...
ابتسامه صغيره اعتلت شفتيه حين وجد ضيفته تسير باتجاهه بكل كبرياء وثقه تليقان بها، تمعن النظر اليها جيداً بهذا الطول الفاره والجسد الممشوق المتناسق والذي يجعلها فتاه في ريعان شبابها وليس أمره في منتصف عقدها الرابع، حقاً هي تبدو اجمل في الحقيقه اكثر من الصوره التي يمتلكها لها...
استقام واقفاً كي يكون في استقبالها فوقفت هي امامه مباشرةً ليسارع هو القول بترحيب ماداً يده لها: نورتي مصر من تاني يا "هايدي" هانم!.
صافحته بيد والاخرى رفعت بها نظارتها عن عينيها لتردد بثقه: اهلاً فيك يا سياده النقيب، اتشرفت بمعرفتك!.
_ الشرف ليا يافندم، اتفضلي!.
اشار لها بالجلوس فانصاعت هي له بصمت وجلست في المقعد المواجه له...
تساءل بلطف: تشربي ايه حضرتك؟.
ردت بهدوء: مرسي مش عايزه حاجه، ياريت تدخل في الموضوع على طول؟!.
اخذ نفس عميقاً ثم زفره بتمهل ليصبح على استعداد تام للحديث...
نظر لها بقوه مستطرداً: انا عايز اعرف كل حاجه عن ماضي "أسيف الجارحي"!.
ظلت نظراتها الهادئه تتمعن بملامحه الوسيمه لتتساءل: ودا هينفعك بأيه، وليه عايز تعرفه؟.
رد بتلقائيه واصرار: هيفيدني كتير، واول حاجه هستفاد منها هي اني اكشف السفاح!.
عقدت ما بين حاجبيها باستغراب شديد قبل ان تتساءل: مش فاهمه، يعني ايه هتكشف السفاح، اللي عرفته من الأخبار اللي بقراها ان السفاح دا مجرم خطير جداً ولحد دلوقتي مفيش حد قدر يكشف هويته الحقيقيه، كأنه كائن خيالي، بس مش فاهمه ايه اللي دخل السفاح بماضي "أسيف"؟!.
_ لا ليه دخل طبعاً، عشان "أسيف" هو نفسه السفاح!.
رمشت بعينيها عده مرات بذهول وهو يطالعها بنفس الثقه قبل ان ترتسم ابتسامه اعلى شفتيها لتتحول بعدها الى ضحكه عاليه دوى صوتها في المكان حتى ادمعت عيناها وهو فقط يطالعها بتعجب وعدم فهم...
ضحكها المتواصل اشعره بالضيق بعض الشيئ ليهتف بها: هو انا قولت حاجه اتضحك حضرتك؟.
اجابت من بين ضحكتها: طبعاً قولت، انا بجد مش قادره استوعب اللي بتقوله دا!.
تساءل باستغراب: ليه، وايه الغلط اللي قولته؟.
توقفت عن الضحك لكن ضلت ابتسامه فوق شفتيها لتجيبه باستخفاف: "أسيف" ايه وسفاح ايه اللي بتقول عليه دا، "أسيف" دا بيخاف من خياله عايزني اصدق الكلام اللي بتقوله ازاي بقى؟.
استغرابه تزايد اكثر من كلماتها المبهمه ليتساءل بحذر: مش فاهم قصدك ايه، يعني ايه بيخاف من خياله، دا "أسيف الجارحي" اللي الناس كلها تشهد بقوته وجبروته!.
هزت رأسها بيأس مع ضحكه صغيره لتردف: الضاهر انكم كلكم مخدوعين فيه فعلاً، "أسيف" دا اضعف واحد عرفته في حياتي، يمكن تشوفوه قوي وشخص عصبي بس دا من برا بس، انما من جوا هو شخص ضعيف وخواف وبيستقوى باللي حواليه!.
_ واضح انك عارفه كل حاجه عنه، اتمنى انك تحكيلي؟.
مطت شفتيها بعدم اكتراث لتجيب: اوك هحكيلك، قولي عايز تعرف ايه؟.
رد بسرعه: كل حاجه، عيلته اصحابه حياته، عايز اعرف كل حاجه من اليوم اللي اتولد فيه لحد اما بعدتي عنهم!.
أومأت بموافقه لتردد: تمام، يبقى ركز معايا كويس، "أسيف" عاش مع امه وابوه "آسيا" و"عادل"، "عادل" طبعاً كان زمان من اكبر رجال الأعمال مش في مصر بس، اسمه كان قادر يهز اي حد يقف قصاده، بس هو كان راجل صايع الصراحه، يعني الصبح تلاقيه راجل محترم وبيهتم بشغله، بس بالليل بيقضيها في الكباريهات والنسوان، اما "آسيا" كانت ست محترمه فعلاً ومن عيله راقيه وكانت هي وحيده ابوها، للأسف حبت "عادل" او تقدر تقول ضحك عليها وخلاها تحبه لحد اما اتجوزها، علاقتهم كانت كويسه في البدايه و"عادل" بطل اللي يعمله لحد اما "أسيف" اتولد ووالد "آسيا" مات، وقتها "عادل" رجع زي مكان وأسوء، بقى يخونها كل يوم وبيضربها كل يوم ويهينها ويذلها قدام اي حد ومعملهاش اعتبار أبداً، بس مع دا "آسيا" عمرها ما ضعفت وفضلت تتحداه وتصده عشان خاطر ابنها بس، وفضل الحال دا لحد اما "أسيف" بدأ يكبر، بس كبر وهو بيشوف خناق امه وابوه، وبيشوف ازاي امه بتتعذب قدامه، "عادل" كان بييجي كل ليله سكران وبيعمل حاجات مقرفه مع "آسيا"، يا اما يضربها بالحزام ويحبسها او يغتصبها قدام ابنه،"أسيف" كان شايف كل دا وساكت ومع ذلك شر ابوه طاله هو كمان، "عادل" بقى يعذب "أسيف" مع امه، وبيحبسه في المخزن ومفكرش ان طفل زيه هيحصله ايه لو اتحبس واضرب بالشكل دا، انا عرفت كل دا من "آسيا" ذات نفسها، كانت تحب اتفضفضلي وانا اواسيها مكانش بأيدي حاجه اعملها غير اني اواسيها وبس، لحد اما "أسيف" بقى عنده سبع سنين، فاكره وقتها اني كنت قاعده في بيتي انا "وسالم" الله يجحمه مطرح ما هو، فجأة لقينا "عادل" داخل علينا وبيقولنا ان "آسيا" هربت مع عشيقها وسابت ابنها، طبعاً الكلب "سالم" صدق دا وقعدو يشتموها بالفاظ مقرفه، بس انا مصدقتش، انا عارفه "آسيا" كويس اوي، هي مستحيل تعمل كده او انها تسيب ابنها مع اللي مبيرحموش، بس سكت غصب عني واتقبلت الوضع عشان خاطر بنتي "سابين" اللي كان عندها سنتين بس، مكنتش اعرف حاجه عن "أسيف" وقتها غير انه قاعد في اوضته بس، بعدها بأسبوع واحد بس وصلنا خبر ان فيلا "عادل" ولعت كلها و"عادل" جواها ومعاه بنت و"أسيف" هو اللي طلع عايش من الحريقه، وبكده "عادل" مات اسوء موته والبوليس قال ان الحريق حصل بسبب ماس كهربائي وانتهى كل حاجه وقتها، جبنا "أسيف" عشان يعيش معانا وياريته ما جيه، بعد ما خلص من كابوس "عادل" طلعله كابوس اسوء، "سالم" اللي كلمه حيوان ووحش قليله بحقه، كان بيعذب الطفل بشكل مش طبيعي ويسيبه من غير اكل وشرب لأيام كتير ويحبسه في اوضه مع الفيران، كان يقلعه هدومه وبيربطه ويضربه بالحزام ومبيسيبهوش غير لما يشوف دمه، انا متأكده ان آثر الضرب لحد دلوقتي موجوده في جسم "أسيف"، المهم مع الأيام"أسيف" ابتدا يتغير تماماً، كان لما يتضرب بيصرخ او يعيط بس كل دا اختفى فجأة وبدل ما يعيط كان بيضحك بشكل غريب جداً انا ذات نفسي استغربت من التصرف دا، ضربه بقى شيئ عادي جداً، ولو يوم "سالم" مضربوش كان بيخلق مشكله عشان يضربه كأنه بيستمتع كده، تصرفاته اختلفت 180 درجه، كلامه مكانش بينم عن طفل عنده سبع سنين، كان بيتكلم زي الكبار، عنيه مكانش فيها اي برائه طفل، بالعكس كان بيبص بطريقه اتخوف وبقى يروح لوحده ويقعد في الاوضه اللي كان بيحبسه فيها "سالم" وبينام فيها كمان، ومرت سنتين واحنا على الحال دا، وفي يوم بالليل سمعت صوت جاي من الاوضه، روحت على مهلي عشان اشوف في ايه، وشوفت اللي جمد الدم بجسمي...
تنهدت بثقل وعمق وهي تتذكر هاذا اليوم الذي لن تنساه مهما حيت...
Flash Back...
تقدمت "هايدي" بخطوات حذره نحو الغرفه التي يجلس بها الصغير الى ان وصلت لها، كان الباب مفتوح قليلاً، فتقدمت بقلب وجل لتنظر عن كثب الى ذلك الصوت الغريب...
اتسعت حدقتيها بهلع كبير مما تراه امامها، كان "أسيف" يقف في منتصف الغرفه مجرداً من قميصه و يلف حول معصمه حزام جلدي اسود، ويقوم بجلد نفسه بقوه لا تعلم كيف اتت لطفل مثله، والأسوء انه لا يتألم بل يخرج تأوهات مستمتعه مع كل جلده حتى خرجت دمائه...
كتمت شهقه خائفه كادت تفلت من بين شفتيها حين تلمس آثار الضرب بانامله الصغيره لتتلطخ بالدماء ثم يقوم برفعهم ليستنشق رائحه الدماء بابتسامه عريضه متشفيه وهو يعود برأسه الى الخلف متنهداً براحه غريبه وكأنه يشعر بنشوه من استنشاقه لتلك الدماء...
_ ادخلي يا مرات عمي!.
سمحت لشهقتها بالخروج أخيراً بفزع حين تمتم بتلك الكلمات بهدوء حتى دون ان ينظر لها مما جعل نبضات قلبها تتسابق من فرط خوفها...
تراجعت عده خطوات الى الخلف حين التفت ناظراً لها بوجوم ثم يتقدم منها بتأني الى ان وقف امامها مباشرةً..
رفع رأسه ناحيتها يطالعها بابتسامه صافيه قبل ان يرفع انامله الصغيره ويمسك بيدها ثم يسحبها معه داخل الغرفه وهي لم تصدر اي رد فعل، فقط صامته وقلبها يكاد يخرج من مكانه بسبب سرعه نبضاته...
جلس على الأرض لينظر لها متمتماً بخفوت: اقعدي جنبي!.
انصاعت له كالمنومه مغناطيسياً وجلست بجانبه، اجفلت حين وضع رأسه بين قدميها ويتمدد بجسده على الأرض دون ان ينطق بحرف...
طال صمتهم لتتشجع هي قليلاً وترفع اناملها رابته على خصلاته الناعمه ثم تتمتم بترقب: ليه كنت بتعمل كده في نفسك يا "أسيف"؟.
اجابها بنبره شارده: عشان لما ييجي عمي ويضربني بكرا محسش بوجع ولا اعيط قدامه!.
_ ايه اللي بتقوله دا، اللي عملته مينفعش انت كده بتأذي نفسك اكتر!.
ضم نفسه داخل احضانها اكثر ليردف بكلمات متناقضه مع سؤالها خرجت بصوته البريئ الذي اوشك على البكاء: ماما وحشتني اوي، انا عايز اروحلها، قوليلها تيجي تاخدني!.
رق قلبها لنبرته التي تفطر القلب لتهتف بشفقه: ما انا لو اعرف مكان مامتك كنت جبتها من زمان، المشكله اني معرفش هي راحت فين؟.
رفع رأسه من بين قدميها ليناظرها بعينيه التي انسابت منهم الدموع بلوعه ليردد ببكاء: بس انا عارف هي فين!.
حدقت به بذهول لتردف: طب وليه مقولتش من الأول انك تعرف مكانها، كنت بعتك عندها من زمان، بس مش مشكله قولي دلوقتي هي فين وانا هبعتك ليها!.
تساقطت دموعه اكثر وهو يجيب: هي راحت لمكان بعيد اوي ومش هترجع منه تاني ولا هتخليني اشوفها!.
_ ليه بتقول كدا ياحبيبي، ماما بتحبك وهي اكيد دلوقتي عايزه اتشوفك وتاخدك في حضنها، قولي بس هي فين وانا هجيبهالك؟!.
طالعها بدموعه المنسابه للحظات قبل ان ينطق بكلمه جعلت قلبها يسقط بين قدميها: ماتت!!.
كانها لم تستوعب بعد تلك الكلمه التي تفوه بها لتوه لتعاود التساءل بصعوبه: هي.. هي مين دي اللي ماتت يا "أسيف"؟!.
اجاب بنفس نبرته الباكيه: ماما، هي ماتت، والميتين مش هيرجعو تاني، عشان كده هي مش هتخليني اشوفها!.
_ انت مين قالك الكلام دا؟.
_ مش هينفع اقول عشان، عشان انا خايف اوي!.
_ خايف من مين؟.
_ خايف من بابا، هو.. هو هيجي وهيضربني تاني!.
تعجبت كثيراً طريقته في الحديث لتهتف: بس باباك مات خلاص ياحبيبي ومش هيضربك...
قاطعها بنبره خائفه: بس عمي لسه موجود، وهو هيضربني بداله...
تفاجأت به يحتضنها بقوه حتى انه جلس فوق ركبتيها وكأنه يحتمي بها ليكمل: انا.. انا بخاف منهم اوي، بس.. بس بعمل نفسي مش خايف قدام عمي عشان ميقولش اني جبان وبخاف، بس انا بخاف اوي لما.. لما بشوفه ماسك الحزام ولما بيربطني، وكمان الفيران.. في هنا فيران كتير يا عمتو وشكلهم بيخوف، انا خايف اوي، انا عايز اروح لماما!.
شددت من احتضانها له لتبثه بعض الأمان فيبدو انه قد خرج عن السيطره الآن خصوصاً بأن جسده بدأ بالأرتعاش بشكل هستيري وعينيه زائغتين في انحاء الغرفه ذات الضوء الخافت...
تمتمت باستماته: "أسيف" انت لازم تقولي ايه اللي حصل مع "آسيا"، ارجوك قول؟!.
ابتعد عنها بسرعه ليعود بجسده الى الخلف حتى التصق ضهره بالحائط ليضم ركبتيه الصغيرتين الى صدره وهو يهز رأسه قائلاً بهستيريه: لا لا لا لا لا لا.. مش هقول.. مش هقول.. لو قولت عمي هيضربني جامد وكمان هيضرب ماما وهيضربك ويضرب "سابين" و"رامز" لا مش هقول.. مش هقول!!.
ضل يردد تلك الكلمات باستمرار كأنه ليس بوعيه، جسده الصغير يرتعش بشكل ملحوظ ودموعه تملئ وجهه وهي تتابعه فقط بشفقه وعدم فهم، كل ما استطاعت استيعابه ان "آسيا" والدته قد انتهت وحسم الأمر!!.
Back...
زفرت بقوه وكأن حمل كان فوق قلبها لتكمل بأستياء: في الليله دي عرفت ان "آسيا" ماتت، بس ازاي وليه وفين دا اللي معرفتوش، حاولت كتير اكلم "أسيف" واقنعه يقول، بس خوفه منعه، بس اللي متأكده منه ان "سالم" كان عارف بموضوع موتها ومقالش!.
كان طوال حديثها يستمع لها بمشاعر عده، عدم تصديق، صدمه، ذهول، بلاهه، غضب، شفقه، والكثير، عقله لا يستوعب بعد ما سمعه وما كانو يفعلونه لطفل في السابعه من عمره، احقاً يوجد أناس هكذا، لا يرحمون حتى ابنائهم، الأبناء، تلك النعمه التي يمدها الله بهم ليكونو خيراً لهم ولحياتهم، هم يعاملونهم بهذا الشكل الحيواني والغير منصف أبداً، هل كانو يجدون متعه في تعذيب طفل صغير ام ماذا، بل كيف طاوعتهم ايديهم بان ترتفع على مخلوق بريئ لا يفقه شيئاً ويعرضونه لأقسى انواع العذاب له ولوالدته، هؤلاء ليسو بشراً ولا حتى حيوانات، بل سيظلم البشر والحيوانات ان شبههم بهم، هؤلاء مجرد وحوش سيطر الجشع والحقد على نفوسهم ليكونو بتلك الهيئه!!.
اخذ نفس عميق ليسيطر على انفعالته ثم يزفره بحراره ليتساءل بنبره حاول جعلها هادئه: طب وطالما انتي كنتي متأكده ان جوزك كان عارف بموت مدام "آسيا" ليه مروحتيش وسألتيه؟.
ابتسمت بجانبيه ساخره لترد: ليه هو حد قالك اني مستغنيه عن روحي مثلاً، انا لو سألته كان هيقتلني اكيد!.
ضحك بتهكم قائلاً: هو في ايه، دا ايه العيله الأوسخ من بعض دي؟.
اجابت بمراره: واكتر يا سياده النقيب، "عادل" لو كان وحش فـ "سالم" دا الشيطان بعينه، التنين اتربو على الكره والحقد، كانو دايماً بيتخانقو بس يرجعو يكلمو بعض عشان مصالحهم بس، العيله دي كانت عامله زي اللعنه علينا وانا الوحيده اللي قدرت اهرب منها!.
تساءل باهتمام: هو جوزك كان بيضربك انتي وبنتك؟.
أومأت بنعم قائله: ايوه، صدقني اللي كان بيحصل لـ "آسيا" زي اللي بيحصل معايا بالضبط، بس الفرق انها حبت "عادل" واتجوزته، انما انا طول عمري بكره "سالم" دا، انا كنت سكرتيرته الخاصه، عجبته وكذا مره حاول يتطاول معايا بس انا بصده، بس بين يوم وليله بقيت مراته، اشتراني بفلوسه واهلي مصدقو طبعاً، فقامو باعوني بالرخيص ليه، وخلاني اكره حياتي كلها، كل يوم ضرب واهانه وقله قيمه ودايماً يحسسني اني اقل امنه ودا مش مكفيه عشان يروح ويأذي "سابين"، تخيل بنت عندها سنتين تتضرب بشكل همجي من واحد معندوش قلب!.
_ طب ممكن افهم انتي ازاي قدرتي تطلقي منه بالسهوله دي؟.
_ مين قالك اني اطلقت بسهوله، تؤ، انت غلطان، انا ضحيت بأغلى حاجه على قلبي عشان بس اخلص منه!.
_ بنتك صح؟.
قالها بسخريه لاذعه لتجيبه هي بحزن: ايوه، ضحيت بـ "سابين" عشان بس ابعد عنه وعن شره!.
اردف بتوبيخ: فضلتي حياتك على بنتك وسبتيها عند ابوها اللي بيعذبها، وبتقولي انك ضحيتي؟دي مش تضحيه ياهانم، دي اسمها انانيه، فكرتي بنفسك ونسيتي بنتك!.
ردت بسرعه: بس انا عملت كده غصب عني، كنت مضطره اسيبها عشان انا اعيش وهي تعيش، انا لو فضلت معاه اكتر كان هيقتلني ويقتلها بسبب الهباب اللي بيشربه!.
_ مفيش حاجه اسمها غصب عني، ومفيش أم تسيب بنتها الوحيده بأيد كلب ميسواش، انتي عملتي كده عشان تخلصي نفسك منه وتعيشي شبابك اللي ادفن معاه صح؟.
هدرت بانفعال: لا مش صح، وانا مسمحلكش تتهمني اتهام باطل زي دا وانت متعرفش حاجه، الكلب اللي بتقول عليه دا حاول يقتلني وهو سكران بس انا قدرت انقذ نفسي وروحت استخبيت في الأوضه اللي قاعد فيها "أسيف"، اتخبيت فيها انا وبنتي وقفلنا الباب علينا، كنت خايفه وقتها ابقى زي"آسيا"،اموت ومحدش يعرفلي طريق انا وبنتي، وستنيت لتاني يوم الصبح لما يرجع لوعيه وطلبت الطلاق، هو وقتها اتجنن عليا وطبعاً ضربني واتهمني اني بحب واحد وعايزه اطلق عشانه، بس انا فضلت اترجاه حتى كنت مستعده ابوس جزمته عشان يخلصني من جهنم اللي معيشهالي، وبعد كلام طويل هو وافق بس كان عنده شرط، قالي لو عايزه تطلقي تسيبي بنتي معايا وانتي تختفي من مصر كلها، طبعاً وقتها رفضت بس هو هددني وقالي اني بعد ماطلبت الطلاق حكمت على نفسي بالموت، وكان قدامي حلين، يا اما اروح ومش هرجع تاني، يا اما افضل ويقتلني انا و"سابين"، انا كنت متأكده انه يقدر يعمل كده، دا معندوش رحمه، عشان كده انا وافقت، واطلقت وخرجت من مصر كلها وانا سايبه بنتي ورايا، قولي دلوقتي يا حضره الضابط، انا ذنبي ايه، انا مش انانيه، انا كنت خايفه على حياه بنتي من واحد مجنون، عرفت انا ليه سبتها ومشيت؟!.
يالهي، قذاره هذان الأخين إلا تنتهي أبداً، ياترى ماذا سيكتشف بعد عن تلك العائله؟.
زفر بضيق ليعاود التحدث بعقلانيه: طب اللي محيرني، ليه "عادل" و"سالم" بيعاملوكم بالطريقه دي، دي مش طريقه بني ادمين؟!.
اجابت بحنق: ولا طريقه حيوانات حتى، الحيونات يمكن عندها شويه شفقه على ولادها وبتحميهم وبتدافع عنهم، بس التنين دول مش عارفه الاقيلهم تشبيه يليق بيهم الصراحه، هما كانو بيحسو باستمتاع غريب لما يعذبونا او يضربونا، بيحبو يسمعو صوت صريخنا وعياطنا، كانو مرضى نفسيين، بيحبو التعنيف الجسدي، بيرتاحو بتعذيب غيرهم ومش مهم ان كان راجل او ست او حتى طفل، بس "سالم" كانت مشكلته مع "أسيف" هي الفلوس، بعد موت "عادل" كل املاكه انتقلت لوريثه الشرعي ويللي هو "أسيف" طبعاً، وبما ان "أسيف" كان صغير وقتها، "سالم" هو اللي بقى وصي عليه واستلم الشركات كلها، بس دا مكافاهوش ولا كفى طمعه، كان عايز كل حاجه تبقى بأسمه هو، وبدأ يعذب "أسيف " قال ايه لازم اخوفه مني عشان لما يكبر ميتفرعنش علينا، ولما اطلب منه يسجل كل حاجه بأسمي هيسجلها من الخوف، دا اللي كان في دماغه!.
استطرد بجديه: لحد كده تمام، دلوقتي عايز اعرف "رامز" ايه حكايته؟.
للعجب ارتسمت ابتسامه صغيره على شفتيها وهي تجيب: "رامز" دا انا بحبه اوي، هو راجل فعلاً من وهو صغير، ابوه كان شغال سواق عندنا وامه متوفيه، كان عنده خمس سنين لما "أسيف" جيه عندنا، كان مبسوط اوي وقتها عشان هييجي حد ويلعب معاه عشان هو بيعتبر وحيد، و"سالم" كان ميسمحلوش يقرب من "سابين" خالص، ففرحته بـ "أسيف" كانت كبيره اوي، بس زي ما بنقول كده فرحته متمتش وهو بيشوف "أسيف" بيتعذب على ايد "سالم"، كان يقف يتفرج على صاحبه وهو بيعيط وبيتضرب وكان بيعيط معاه، وكذا مره وقف في وش" سالم" عشان يمنع اللي هو بيعمله، بس الكلب مرحمش حتى المسكين دا، وبقى يضربه مع "أسيف" وكمان حبسهم مع بعض، وعم "براهيم" والد "رامز" قعد يترجاه ان يسيب ابنه ويحلفله انه مش هيعمل كده تاني، بس ببساطه هو رفض، وفضل "رامز" محبوس مع "أسيف" يومين من غير اكل وشرب لحد اما عفى عنه وخرجه، بس طبعاً "رامز" محرمش بعد اللي حصله، وفضل كتير يحاول يبعد "سالم" عن"أسيف"، مع انه كان صغير بس قلبه قلب رجاله وشهامته تعادل ميه راجل، دي حكايه "رامز"، حتى المسكين دا مترحمش من الشيطان!.
زفر بحراره وضيق وهو يفرك وجهه بقوه عاود النظر لها مسترسلاً: وبعدين ايه اللي حصل، كملي؟.
اجابت بهدوء: بعد ما انا سافرت معرفتش عنهم اي حاجه، لا عن بنتي ولا"أسيف"، دورت شغل ولقيت في شركه محترمه وفاتت سنين كتيره وانا معرفش حاجه عنهم ولا اقدر اوصلهم، بس بعد 8 سنين بالضبط وصلني خبر انهم لقو "سالم" مدبوح في بيته!.
اتسعت عيناه بصدمه ليردد بعدها: مدبوح؟!.
اومأت قائله: ايوه مدبوح، وعرفت كمان ان "أسيف" و"سابين" و"رامز" كانو في المستشفى، وقتها مفكرتش بحاجه وحجزت على اول طياره نازله مصر، ورجعت على مصر تاني، وروحت على طول المستشفى، بس اتفاجأت ان الولاد مش موجودين، ولما سألت عليهم قالولي انهم خرجو...
قاطعها بلهفه: طب معرفتيش مين اللي قتل "سالم"؟.
ردت ببساطه: طبعاً سألت، قالولي انهم بعد ما حققو مع "أسيف" و"رامز" هم قالو ان في شخص دخل عليهم الفيلا وحبسهم في اوضه وقفل الباب عليهم، وبعدها سمعو صوت زعيق وتكسير وبعد كده الصوت اختفى، وبعد ما البيت بقى هادي "أسيف" كسر الباب والولاد خرجو وطلعو لاوضه "سالم"، وقالو انهم لقوه مدبوح وغرقان في دمه، ومن خوفهم هم جريو عشان يهربو من البيت بس" سابين" وقعت من على السلم واغمى عليها عشان كده هم اخدوها على المستشفى وكمان بلغو البوليس بس مقدروش يوصلو لحاجه، وكده "سالم" مات من غير ما حد يعرف مين اللي قتله، والولاد كانو لوحدهم عشان العم "ابراهيم" كان متوفي وقتها، روحتلهم البيت عشان اطمن عليهم وافضل معاهم، بس اللي فاجأني ان "أسيف" وقف قدامي ومنعني اني ادخل البيت حتى، هو كان عنده وقتها 18 سنه، بقى كبير وفاهم، شكله اتغير وشخصيته كمان، بقى فيه شبه من ابوه، ملامحه كانت قاسيه ومفيهاش رحمه خالص، كلمته وقولتله عايزه اشوف بنتي، بس ببساطه رفض وطردني، حاولت كتير معاه حتى "رامز" كلمه بس هو كان مصر على رأيه، وفي الوقت دا "سابين" نزلت عشان تشوفني، افتكرت انها هتتبسط لما تشوفني وهتترمي بحضني بس اللي حصل العكس، هي عملت زي ابن عمها واكتر كمان، قعدت تزعقلي وتعيط وطردتني وكانت تقولي انتي السبب في اللي حصلي، مفهمتش وقتها تقصد ايه بكلامها ولا كنت عايزه افكر حتى، كل اللي همني هو بنتي وحالتها الغريبه، كانت شبه الميتين بالضبط، حالتها كانت تصعب على الكافر، ولما حاولت احضنها هي بعدتني عنها وقعدت تصرخ بشكل مش طبيعي واستخبت بحضن "رامز" وفضلت تقول ابعدي عني، انتي السبب، وقبل ما افهم اي حاجه "أسيف" خرجني من البيت بالغصب وقالي مش عايزين نشوف وشك تاني، انتي اخترتي تبعدي عننا يبقى هتفضلي بعيده طول عمرك، وللأسف مكانش بأيدي حاجه تانيه اعملها غير اني ابعد تاني خصوصاً مع رفض "سابين" ليا، ومن بعد اليوم دا معرفتش حاجه عنهم، هي دي كل الحكايه يا حضره الضابط، ودا ماضي عيله "الجارحي" اللي محدش يعرفه غير اللي عاشه!.
ضل صامت لمده طويله بعد ان انتهت من سرد ذكريات مؤلمه كافيه لتحطيم اي شخص، فكيف لأطفال صغار عايشوها منذ نعومه اضافرهم...
تمتم بجديه بعد صمته: ممكن اعرف ليه مروحتيش انتي او مدام "آسيا" للبوليس وتشتكو على التنين دول وعلى اللي كانو بيعملوه فيكم، ليه؟.
ردت بسخريه: اشتكي على مين حضرتك، انا بقولك التنين دول كانو اكبر رجال اعمال في مصر ومحدش يقدر يقف في وشهم، وحتى لو اشتكينا محدش كان هيساعدنا عشان ببساطه مش هيقدرو، بس كده!.
نفخ بقوه قبل ان يردف: يعني دلوقتي اللي فهمته من كلامك ان "عادل" مات بسبب ماس كهربائي، و"سالم" حد دبحه ومحدش عارف مين دا والقضيه اتقيدت ضد مجهول، صح؟.
أومأت بهدوء ليسترسل: طب دا ملفتش نظرك لحاجه؟.
تساءلت باستغراب: حاجه ايه دي، مش فاهمه؟.
_ الفيلا اللي ولعت في "عادل" "أسيف" هو اللي خرج منها سليم، و"سالم"ادبح على ايد واحد غريب دخل الفيلا وقتل واحد من غير ما يأذي حد تاني، مش ملاحظه حاجه غريبه يعني؟.
ضلت تحدق به بعدم فهم ليجيب هو على تساؤلاتها الصامته بنبره جديه: "أسيف" هو اللي قتل التنين دول!.
زفرت بيأس لتقول وهي تهز رأسها: ايه اللي بتقوله دا، بقولك "أسيف" كان عنده سبع سنين لما "عادل" مات...
قاطعها بصرامه: ايوه بس كان عنده 18 سنه لما "سالم" اتقتل، يعني كبير وواعي وقادر يعمل كده، ولا ايه رأيك يا مدام؟.
_ بس هو ليه يقتله بعد السنين دي كلها، طالما انت متأكد انه قتل ابوه وهو عنده سبع سنين، يبقى ليه مقتلش "سالم" من زمان ليع يستنى السنين دي كلها؟.
_ وهو دا اللي عايز اعرفه، في حلقه مفقوده في كلامك، في حاجه حصلت في الـ 8 سنين اللي بعدتي عنهم فيها، حاجه خلته يقتل عمه...
_ اووووف، انت مش عايز تفهم ليه، "أسيف" دا بيخاف من التنين دول ومستحيل حتى يفكر ان يأذي شعره منهم، دا لما بيخاف لما يسمع اسمهم ازاي بتقول دلوقتي انه قتلهم؟.
_ يا مدام "هايدي" ارجوكي حاولي تفهمي كلامي كويس، انا متأكد ان "أسيف" هو السفاح، "أسيف" عنده هوس القتل، هو مريض نفسي، ودخل المصحه من كام سنه، بس مقدرش يستحمل اللي كانو بيعملوه فيه هناك وكان هيقتل الدكاتره كلهم لولا ان "رامز" لحقه وخرجه من هناك من غير ما يعمل شوشره، والموضوع دا محدش يعرفه، يعني هو دخل المصحه وخرج منها بشكل سري، انا من خلال تحقيقاتي عرفت دا بس بعد ما طلعت روحي، "أسيف" ارتكب جرايم كتير بحق ناس بريئه، وعارف انه بيعمل كده غصب عنه مش بأرادته، انا عايزك تساعديني عشان اثبت ان هو واحد مجنون، عايز اي حاجه تثبت ان شخص مختل عقلياً، كده هنقذ ناس كتير من هوسه دا؟.
لا تنكر صدمتها في هذا الوقت من سماعها لتلك الحقائق وعن دخول "أسيف" المصحه...
تمتمت وما زالت علامات الدهشه باديه على ملامحها: انا صحيح كنت شاكه ان "أسيف" مريض نفسي، او يمكن يكون عنده عقده نفسيه بسبب التعذيب اللي حصله، بس متخيلتش انه ممكن يدخل المصحه!.
_ هو دا اللي حصل يا هانم، "أسيف" لو فضل كده هيبقى خطر على كل اللي حواليه، حتى على بنتك!.
استقصد ان يذكر "سابين" حتى يثير ريبتها وقد نجح بهذا حين اردفت بقلق: قصدك ايه، هو ممكن يأذي "سابين" يعني؟.
_ ايوه، دا واحد مش بوعيه وميقدرش يسيطر على غضبه وحاله الجنون اللي بتجيه دايماً، انتي قولتيلي من شويه انه كان بيأذي نفسه، فمش هتكون صعبه عليه انه يأذيها!.
هزت رأسها برفض قائله: لا لا، هو بيحب "سابين" جداً، دا ممكن يفديها بروحه، اكيد مش هيعملها حاجه...
قاطعها بقوه: لا هيأذيها، لو تعرفي اللي عمله بمراته هتتأكدي انه هيأذيها!.
تمتمت بذهول: هو اتجوز؟.
_ ايوه اتجوز، بس بعد ما دمر البنت، هي بنت على اد حالها، الأول قتل خطيبها وبعد كده فضحها قدام الناس واتجوزها غصب عنها، عمل كل دا عشان بس بيحبها، فازاي بتقولي انه مش هيأذي "سابين"، صدقيني هيأذيها عشان هي على خلاف دائم مع مراته، وهو بيعتبر مراته خط احمر!.
لسذاجتها صدقت بسرعه خوفاً على ابنتها الوحيده لتهتف: بس انا معنديش حاجه تثبت انه مجنون، انت مش قولت انه دخل المصحه، تقدر تروح وتطلب المساعده من الدكاتره اللي كانو بيعالجوه، او من ملفات المرضى الموجوده جوا المستشفى!.
رد بيأس: انا عملت كده فعلاً، بس المشكله اني مقدرتش اوصل لأي حد كأنهم فص ملح وداب، مفيش اثر لواحد فيهم، وكمان كل ملفات وتقارير المرضى اللي في المصحه اتحرقت بين يوم وليله وكدا كل دليل عليه اختفى، وانا متأكد ان هو اللي عمل كده...
همهمت بتردد: طب.. طب انت ليه متأكد ان "أسيف" هو السفاح فعلاً، ما يمكن تكون غلطان؟.
اخذ نفس عميق ليزفره بهدوء ثم يتمتم بعدها بهدوء: انا هحكيلك كل حاجه، وانتي احكمي عليه!.
بدأ في سرده لضحايا السفاح ومواجهتهم لـ "أسيف" قبل موتهم، وملاحقته له ونقله لمكان اخر، وأيضاً مقتل"سالم" و"احمد" وفضح زوجته امام الجميع وطردهم لها، واجبارها على الزواج منه...
اكمل حين انتهى من سرده: ها، لسه عندك شك ان "أسيف" بريئ؟.
هزت رأسها بعدم استيعاب لتقول: بجد مش قادره استوعب ان "أسيف" يعمل كل دا، دا بيخاف من خياله، ازاي بقى كده؟.
_ انتي بتتكلمي عن "أسيف" الطفل اللي كان بيتعذب، بس اللي موجود دلوقتي هو نسخه تانيه من "عادل" و"سالم"، التنين دول نجحو انهم يصنعو وحش زيهم واسوء منهم كمان، ودلوقتي مفيش قدامي غيرك، انتي أملي الوحيد عشان اقدر اكشف السفاح!.
صمت لدقائق تقكر ملياً بحديثه الى ان اتخذت قرارها اخيراً لتردف بحسم: انا قولتلك كل اللي اعرفه ومعنديش حاجه تانيه اقولها لحضرتك، كان نفسي بجد اقدر اساعدك بس للاسف معنديش حاجه تثبت ان "أسيف" مجنون!.
هتف باستماته: ارجوكي افتكري، اكيد كان في حاجه تخليه يفقد احساسه وادراكه عن كل اللي حواليه، حاولي تساعديني؟!.
_ اسفه، كل اللي عندي قولته، وكده مهمتي خلصت، عن اذنك!.
نهضت ناويه الذهاب ليوقفها هو بصوته المتوسل بعد ان وقف امامها: يامدام اسمعيني ارجوكي، انا مقدرش اسيبك تمشي بالسهوله دي بعد ما وصلتلك، لازم اعرف حاجه توصلني للسفاح!.
هتفت به بصرامه: انا قولت اللي عندي يا حضره الضابط واظن انا كده ساعدتك بما فيه الكفايه، معنديش حاجه تانيه احكيها، عن اذنك!.
تخطته لتسير بعيداً عنه خارجه من المطعم برمته وهي تنوي فعل ما تفكر به، حتى لو كانت فكره خطره ومجنونه بعض الشيئ، لكنها مجبره على فعلها!.
اما هو فقد تهاوى بجسده على الكرسي بخيبه أمل كبيره، ها هو أمل اخر يتلاشى من بين يديه دون ان يصل لمراده، صحيح انه توصل لماضي السفاح لكن هناك حلقه مفقوده، وهو هكذا لن يستطيع الوصول لشيئ أبداً وسيضل يلهث وراء حقائق يبدو انها لن تنكشف أبداً الا بعد موت السفاح شخصياً!!.
___________________________________________
_ لا بقى كده كتير والله، انا مش عارفه اختار حاجه!.
صاحت بها "ليلى" بتذمر طفولي وهي جالسه بصاله المنزل ممسكه بهاتفها النقال تتصفح به وبرفقتها زوجها الذي يعمل على حاسوبه و"سابين" التي تعبث بهاتفها والذين انتفضو على صوتها ليطالعوها بعدم فهم!.
تساءل "أسيف" بدهشه: مالك ياحبيبتي، في ايه، ايه اللي مش عارفه تختاريه دا؟.
اجابته بتبرم: انا مش عارفه اختار فستان الفرح يا "أسيف"، والفرح مش فاضله غير كام يوم!.
زفر بغيض من تلك المجنونه، ظن ان هناك شيئ مهم، لكن كالعاده، تتحدث عن امر تافهه كهذا منذ يومين وهو اختيار فستان زفافها، وكالعاده" سابين" هي من ستجيبها، وقد صدق حدسه...
هتفت "سابين" باهتمام: تعالي خليني اشوف معاكي يمكن اساعدك!.
نهضت لتتجه لها وتجلس بجانبها وهي تناولها الهاتف قائله بغيض: اهو بصي، في فساتين كتير وكل واحد احلى من التاني، وانا مش عارفه اختار ايه؟!..
مطت "سابين" شفتيها بتفكير وهي تتمعن في النظر لتلك الفساتين الراقيه ومن افضل المصممين...
اردفت باهتمام وهي تنظر لها: بصي هي فعلاً التصاميم دي كل واحد احلى من التاني واختيار واحد منهم هيكون صعب، فأنا من رأيي اننا نروح ونشوف التصاميم دي بنفسنا عشان تقيسيهم وتختاري اللي يناسبك، ها قولتي ايه؟.
لمعت عيناها بفرحه لتهتف: اكيد موافقه، المهم اني الاقي الفستان بقى!.
ايدتها قائله بابتسامه: اوك يبقى نروح بكرا او اللي بعده شوفي اللي يناسبك؟!.
_ خلاص نروح بكرا، وطبعاً "أسيف" هييجي معانا، مش كده ياحبيبي؟.
رفع عينيه عن حاسوبه ليرد باستياء: وانا مالي يا "ليلى"، ما تروحو لوحدكم، دي حاجات ستت انا مليش دعوه بيها، روحو انتم التنين وخدو معاكم كام راجل من اللي برا تمام؟.
اعترضت بتبرم: لا مش تمام، انت هتيجي معانا وانا وانت هنختار الفستان، مليش دعوه!.
_ بلاش شغل العيال دا، انا عندي شغل!.
_" أسيف " انت لو مجيتش معايا بكرا انا مش هاجي الفرح، ايه رأيك بقى؟.
طالعها باستنكار على عكس "سابين" التي ضحكت بقوه وهي تقول: البس يا معلم!!.
تمتم بصبر: ايه اللي بتقوليه دا، انتي فاكره انك كده بتلوي دراعي يعني، انا مش هاجي ياروحي عشان بكرا عندي اجتماع مهم مع وفد الماني ومينفعش أأجل الأجتماع عشان فستان سعادتك، وانتي هتيجي الفرح غصب عنك، ولو مجيتيش انة هشيلك واربطك في الكوشه، ودا اخر كلام!.
شهقت باستنكار هاتفه: يعني اجتماعك والألماني دا اهم من مراتك وفستانها، وكمان عايز تربطني في الكوشه هي وصلت فيك كده؟!.
رد بعدم اهتمام: واكتر من كده، قولتلك روحو انتم التنين وخلاص، اعفوني انا من مهمتكم دي وشغل الستات بتاعكم واللف بتاعكم اللي اقل حاجه هيبقى خمس ساعات وانا مش مستغني عن رجلي!.
تذمرت قائله: يا "أسيف" بقى، عشان خاطري!.
رد بصرامه مصطنعه: قولت لا يعني لا، متحاوليش!..
ضل الأثنان يتشاجرون بشكل ساخر و"سابين" جالسه في المنتصف تضحك بسخريه...
قاطعهم صوت رنين جرس الباب فقامت "ليلى" من فورها لتقول: انا اللي هفتح!!
ركضت نحو الباب بسرعه كطفله صغير ليهز هو رأسه بقله حيله من القزم الصغيره!.
فتحت الباب لتتفاجئ بوجود تلك المرأة الطويله امامها، عقدت ما بين حاجبيها متساءله: اتفضلي حضرتك؟.
ظلت المرأة تنظر الى "ليلى" بنظرات غريبه ما بين الدهشه والأستنكار والسخريه بسبب هذا الطول المضحك، ويبدو انها قد عرفت هويتها!..
_ مين يا "ليلى"؟.
كان هذا صوت" أسيف " الذي اتى من الخلف بتساءل عن هويه الضيف...
همت "ليلى" بالرد لكن تلك المرأة دفعت كتفها برفق لتتخطاها دالفه الى الداخل مما سبب الذهول لها منفظاظتها...
_ انا يا "أسيف"!.
تمتمت بها المرأة بابتسامة واثقه وهي تنظر في وجه الاثنان اللذين نهضو كمن لسعتهم افعى ليضلو يحدقون بها بصدمه سيطرت على جميع اطرافهم!..
تمتم "أسيف" بهمس صادم: هايدي!!.
___________________________________________
دي ندى
دي هايدي
توقعاتكم...
دمتم سالمين احبتي...
#byan
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!