من كلِّ أكاذيب العالم، الكذبة الوحيدة التي تستحق التصديق هي الحُبّ!
___________________________________________
رمت الهاتف بقوه على الأرض ليتهشم الى عده قطع متفرقه، بعد ان فشلت للمره الألف للتحدث معه، وهو بكل بساطه يقوم برفض مكالماتها بقلب بارد...
هدرت بغضب حاد: انت مبتردش ليه، ليه، قاعد مع الهانم صح، قاعد معاها وسايبني هنا لوحدي، وحتى مفكرتش فيا..
خللت اناملها بخصلاتها وهي تتمتم: انا لازم اعرف مين البت دي، لازم اعرف والا هتجنن، ايوه لازم اعرف..
اقرنت كلماتها وهي تتجه خارج غرفتها قاصده الأسفل، وصلت الى الصاله لتجده يجلس على الكنبه بأريحيه تامه ممسكاً بهاتفه وعلى شفتيه ابتسامه سخيفه..
_ رامـــــــز!!.
زمجرت بها بصوت جوهوري جعله ينتفض بفزع لينظر لها بانشداه مفاجئ من ضهورها امامه فجأة...
استقام واقفاً حين تقدمت نحوه بسرعه، وقبل ان ينطق بحرف انقضت عليه هي ممسكه بياقه قميصه بشراسه وتسحبه نحوها بقوه لا يعلم كيف اتت لفتاه مثلها...
هدرت من بين اسنانه: مين البت دي، قول هي مين؟.
امسك بقبضتيها ليبعدها عنه قائلاً باقتضاب مستفز: معرفش...
دفعته من صدره بقوه ليتراجع خطوه الى الخلف وهي تصيح: كداب، انت تعرف هي مين بس مش عايز تقول عشان خايف منه..
رد ببرود: انا مش خايف من حد، انتي سألتي وانا جاوبت، وعلى فكره انا مش مضطر اجاوب على كل اسألتك!.
اقتربت منه بغضب صائحه: انت نسيت نفسك ولا ايه، دا انت حته سواق عندنا...
_ وطالما انا حته سواق، جايه تسأليني ليه؟.
_ متجننيش يا "رامز..
_ انتي اصلاً مجنونه، مش محتاج اجننك انا...
استفزازه وصل لحده، فلم تستطع الصمود اكثر، رفعت ذراعها عالياً قاصده ضربه لكن يدها تعلقت بالهواء بسبب كفه الذي قبض على ذراعها بعنف اوجعها..
حدقت به بدموع متألمه حين اقترب برأسه منها هاتفاً بتحذير: مش عشان سكتلك هتسوقي فيها، الزمي حدك وخدي بالك من تصرفاتك، ولو مره تانيه فكرتي انك ترفعي ايدك عليا هتشوفي "رامز" تاني، انا بسكت عن اهانتك انتي وابن عمك عشان انا بحبكم وبعتبركم اخواتي، لكن توصل لكده انا مش هعرفكم اصلاً، آمين؟.
نفضها عنه بقوه لتتراجع الى الخلف ودموعها قد تساقطت على وجنتيها بصمت، نكست رأسها للأسفل لتجهش في البكاء، فهي لا تتحمل هذا الكلام من شخص عزيز عليها، فـ "رامز" بالنسبه لها كأبن عمها واخيها، هو تربى معهم منذ الصغر وكان شاهد على كل معاناتهم، بل كان هو الحائط الذي تستند عليه هي و"أسيف"، "رامز" بالنسبه لهم حافظ اسرارهم وأمانهم، هو ملجأهم في وقت الصعاب، لذالم تتحمل منه كلمه تضايقها...
أنب نفسه كثيراً على كلامه الاحمق معها، يبدو انه قد نسى نفسه فعلاً، وغضبه قد اعماه، كيف استطاع ان يتحدث معها بتلك الطريقه وأيضاً انزل دموعها...
زم شفتيه بذنب ليقترب منها متمتماً بأسف: انا بجد اسف، والله مش قصدي اكلمك كده، حقك عليا...
ازداد بكائها بصمت آلمه كثيراً ليردف: بطلي عياط والنبي، عشان خاطري كفايه متوجعيش قلبي اكتر..
تمتمت بشهقات من بين دموعها بعد ان رفعت عينيها ناظره له: انت.. انت كمان بقيت.. بقيت زيه.. انت كمان مش.. مش بتحبتي.. انتم كرهتوني...
قاطعها قائلاً بلهفه: اوعي تقولي كده، والله احنا بنحبك اوي، متفكريش كده تاني...
اقترب منها كثر ليرفع انامله ماسحاً دموعها بحنان ثم يردف: دموعك غاليه اوي، متنزليهاش...
نظرت له بضعف قبل ان ترتمي باحضانه باكيه بقوه، فضل هو متصنماً بوقفته، لا يعلم ماذا يفعل، فهذه المره الاولى التي تحتضنه فتاه، حتى خطيبته لم تتجرأ وتفعل هذا، لذا لا يعلم ماذا يفعل، كل ما يعلمه ان "سابين" تحتاج الى احد بجانبها لمواساتها والتخفيف عنها، فرفع ذراعيه بتردد ثم يحاوطها برقه كانها شيئى ثمين يخاف عليه ان ينكسر..
ملس على خصلاتها متمتماً بحنو: هششش، خلاص خلاص بطلي عياط..
هتفت بنشيج: انا معدتش اهم حد فيكم، بقيتو بتتخانقو معايا، وتعلو صوتكم عليا، وكمان محدش معبرني، ومش راضيين تقولولي وتفهموني حاجه...
رد بتبرير: غصب عننا والله، يعني انتي كنتي هتضربني وعايزاني اسكت؟!.
_ ايوه تسكت، عشان لازم تتحملني، انتم التنين لازم تتحملوني غصب عنكم عشان انا مليش غيركم في الدنيا، انتم عيلتي وحياتي كلها..
ابتسم بلطف مردداً: طب خلاص يا ستي، حقك عليا ومش هتتكرر تاني، وهستحملك!.
ابتعدت عن عناقه ناظره لوجهه كطفله صغيره لتردد بتبرم: قولي مين البت دي، وليه بيقول انه جوزها، هو متجوزها بجد؟.
زفر بثقل كبير ولم يجد حل سوى ان يجيب على اسألتها حتى لو كانت اجابات مقتضبه: البنت دي اسمها "ليلى"، تشتغل بمطعم، الباشا كان يروح على المطعم اللي هي شغاله فيه، حصلت مشكله بينهم، انا مش عارف ايه نوع المشكله، بس الواضح انها مشكله كبيره، وهي جتله الشركه عشان تعتذر منه، بس هو اهانها وطردتها، بس كده..
رددت بعدم اقتناع: طب وهو ليه كان خايف عليها اوي كده وكانها حبيبته، وليه قال انها مراته..
_ هو مكانش خايف عليها، هو كان خايف عليكي انتي، عشان انتي اللي خبطتيها بعربيتك، وكمان الحادثه حصلت قدام الشركه، فلو البنت ماتت كانت كل حاجه هتتهد وانتي هتتسجني، فكان خايف عليها للسبب دا، وليه قال انها مراته، فدا عشان بس يعرف حالتها الصحيه، الدكتور مكانش هيديه معلومات لو مقالش انه جوزها، يعني هو مش متجوزها، فهمتي...
_ طيب هو ليه مجاش القسم معايا وسابني لوحدي؟.
_ اولاً انتي مش لوحدك، انا كنت معاكي، ثانياً هو فضل هناك عشان كان مستنيها تصحى ويشوف هي هتعمل ايه بموضوع الحادثه، دا حتى لما قرايب البنت سألوه عن اللي عمل الحادثه، قلهم بنت منعرفاش، وقال انها لسه في القسم، ومستنيين" ليلى" تفوق عشان تقرر، من الآخر هو عمل كل دا عشانك، فهمتي يا هانم ياللي دايماً فاهمه غلط؟!.
هتف باخر جمله بمرح ليستطيع اضحاكها وقد نجح بذلك حين ارتسمت على شفتيها ابتسامه صغيره مريحه لمعرفتها الحقيقه...
لكن شكوكها لم تنتهي بعد فاردفت بحذر: يعني.. هو مبيحبهاش، ومفيش حاجه بينهم؟.
صمت للحظات قبل ان يبتسم بثقه ضاهره ثم يحثها على السير للجلوس على الكنبه مردداً: حسب معرفتك بـ "أسيف"، تتوقعي انه ممكن يحب بجد؟!.
دار السؤال برأسها لتجيب باحباط ساخر: مضنش دا، هو لو يقدر يحب كان حبني انا من زمان!!.
رغم سخريتها وتهكمها لكن كلماتها كانت تحمل الكثير من المعاناه، هو يعلم لحبها الى ابن عمها منذ الصغر، يعلم محاولاتها المستميته التي لم تجدي نفعاً معه فقط لتجعله يحبها، لكن الأخير كان كالصخر، لا يشعر ولا يرى، هو يحبها لكن كأخته لا غير....
تمتم بهدوء: انتي لسه بتحبيه؟.
ردت بابتسامة حزينه: وعمري ما هبطل عن حبه، هفضل احبه لآخر نفس فيا!.
_ انتي عارفه ان حبك ليه مستحيل..
_ عارفه!، بس هفضل على الأمل دا لحد اما ربنا يفرح قلبي ويعوضني عن كل اللي عشته زمان!.
تغيرت نبرتها الى الهمس وهي تسترسل بتأني: بس لو طلع في حاجه بينهم بجد، انا مش هسيبها، انت عارف دا صح؟.
زم شفتيه بأستياء، فعلى ما يبدو ان هذه الـ "ليلى" لن تتخلص بسهوله من هذين المجنونين..
تنهد بقوه ليردف: "أسيف" مش ليكي، هو شايفك اخته، وعمره ماهيفكر بغير كده، شوفي حياتك، وختاري اللي يحبك ويخليكي مراته..
ابتسمت بتهكم مرير مردده: ومين دا اللي هيبقل بواحده زيي، ما انت عارف اللي فيها يا "رامز"!.
لمعت عينيه بشفقه على حال تلك الصبيه التي تدمرت حياتها وهي في سن صغير بسبب أب كان اقل ما يقال عنه حيوان بري، فعل بأبنته الوحيده ما لم يفعله أب على وجه الأرض، زاغت عيناه بشرود يتذكر تلك الأيام، يتذكر صراخها الحاد الذي ما زال وكأنه يتردد صداه داخل رأسه، توسلها المستميت، استغاثتها لأي مخلوق يستطيع انقاذها، لم يستطع احد انقاذها من تحت انياب والدها، فقط "أسيف" من استطاع ايقافه بطريقته الخاصه، لكن بعد فوات الأوان، بعد ان كادت "سابين" تلفظ انفاسها الأخيره، لكن "أسيف" استطاع وبجداره انقاذها، لا يمكنه نسيان هذا اليوم مهما حيا، فهذا كان يوم ذبح طفله بريئه على يد أب لا يعرف للرحمه عنوان..
فاق من شروده على صوتها الخافت: "رامز" انت روحت فين؟.
طرد تلك الذكريات من رأسه ليقول بعد تنهيده طويله: انا معاكي، المهم قومي يله واطلعي اوضتك ونامي ورتاحي تمام، ومش عايزك تفكري بحاجه خالص!.
زمت شفتيها ببرائه وهي تومأ رأسها بانصياع شديد ثم نهضت مستقيمه بجسدها لتتجهه الى الأعلى قاصده غرفتها...
ضل يتابعها الى ان اختفى اثرها من امامه ليردد لنفسه بأسى: انا مش عايز حاجه من الدنيا غير ان ربنا يصلح حالك انتي و"أسيف"، وربنا يعوضكم عن كل اللي عشتوه، عشان اللي شفتوه واللي عشتوه مش شويه، وقادر يهد جبل بكل بساطه، ربنا يريح قلبكم ويفرحكم، ويرحم "ليلى" من المصايب اللي هتوقع فوق دماغها!!.
___________________________________________
نظرات ناريه بين الأثنين كادت تحرق الغرفه وجميع الجالس بها من قوه حدتها وغضبها..
فقد كان "أسيف" يجلس على الكرسي مستنداً عليه بساعديه ويحرك سبابته على ذقنه، وعينيه مركزه عليها بغضب سعيري..
اما "ليلى" فكانت نظراتها لا تقل حده عن نظراته وهي جالسه على سريرها دون انصات الى حديث الطبيبه التي تقوم بتفحصها، فقد كان كل همها ذلك المغرور الذي يجلس امامها بكل برود...
انتبهت الى صوت الطبيبه حين قالت بابتسامة: الف سلامه عليكي يا مدام، ان شاءلله هتبقي بخير عن قريب...
لفت انتباهها وانتباه الجميع كلمه *مدام* فحدقو بالطبيبه ببلاهه وعدم فهم الا هو فقد تطلع لها بحذر، فهو لم يفكر بنتائج كذبته تلك...
همت "ليلى" بالتساءل لكن قاطعها دخول فردين من رجال الشرطه مرتدين الزي الرسمي...
نهض "أسيف" عن كرسيه ليتابعهم باهتمام وهو يراى احد الرجال يقترب من "ليلى" هاتفاً برسميه: حمدالله على سلامتك يا آنسه..
اومات بخفه مردده: الله يسلمك، خير في حاجه؟.
_ احنا جايين بخصوص البنت اللي تسببت بالحادثه، عايزين نعرف ان كنتي هتعملي بلاغ ولا لا...
كان العم "كريم" قد اخبرها عن تلك الفتاه وعن وجودها في القسم، وقد علمت سبب الحادث الذي حدث بالخطأ..
فاردفت دون تفكير: انا مش عايزه اعمل بلاغ ولا غيره حضرتك، انا كويسه الحمدلله، والموضوع حصل بالغلط..
أومأ الرجل بتفهم ليردد: تمام حضرتك، احنا هنقفل المحضر..
هتفت بسرعه: وياريت لو سمحت تخرج البنت من القسم، المسكينه معملتش حاجه!.
تابع "أسيف" الرجل بحذر شديد حين ردد باستغراب: بس البنت خرجت من زمان..
استغربو جميعهم من ذلك الرد، فعقدت هي ما بين حاجبيها بتعجب متمتمه: خرجت ازاي يعني، اللي اعرفه انها لسه في القسم!.
اجاب ببساطه: لا هي خرجت اول ما اتدفعت كفالتها، هو الباشا مقلكوش ولا ايه؟.
اغمض "أسيف" عينيه بحنق وبدأ يشتم تحت لسانه حين قام هذا الأحمق بالأشاره اليه، تنفس بعمق ليسيطر على انفعالاته قبل ان يفتح عينيه ليجد جميع الأنظار متجهه نحوه بتساءل...
عادت "ليلى" بنظرها الى الرجل متساءله بحذر: الباشا يقولنا ايه، هو ماله في الموضوع دا؟.
رد بهدوء مستفز وكأنه يخبرهم بخبر سار لا يعلم انه سيقلب الطاوله على راس "أسيف": الباشا هو اللي دفع الكفاله للبنت، عشان البنت دي تبقى بنت عمه!.
اتسعت عيناها بذهول لتردد: بنت عمه!!.
نظرو له جميعهم بانشداه بسبب كذبه عليهم، اما هو فقد زاغت عينيه بغضب كالجحيم ناحيه ذلك الأبله الذي دمر جميع مخططاته بكل سهوله، لولا وجود "ليلى" والبقيه الآن لكان فتك به دون رحمه...
استأذن الرجل ليذهب هو ورفيقه من الغرفه وضلو هم في الغرفه يحدقون به بتساءل..
استأذنت الطبيبه للخروج لتتركهم على انفراد، ضنت ان هذه امور عائليه في ما بينهم ولا يجب عليها الأستماع لها..
هتف العم "كريم" بتعجب: ليه مقولتش من الأول يابني ان البنت تبقى بنت عمك، ليه كدبت علينا؟.
نظر امامه بجمود وصمت، ماذا يجيب، هل يخبرهم انه كذب حتى لا يخسر حبيبته، التي ضن انها ستكرهه اكثر حين تعلم بأن ابنه عمه هي من تسببت بحادثتها، ماذا يخبرهم...
هتفت هي باستنكار: انت كدبت ليه، كنت فاكر لو عرفت انها بنت عمك مش هتنازل عن البلاغ يعني؟.
رفع عينيه ناحيتها ليردد بهدوء عجيب: انا مبفكرش كده، عشان عارف طيبه قلبك وانك مستحيل ترضي ان بنت عمي او اي بنت تانيه تفضل في السجن...
_ اومال مقولتش الحقيقه ليه؟.
_ انا حر بتصرفاتي، محدش ليه حق يدخل!.
_ على فكره الموضوع دا يخصني انا، مبيخصكش انت بس، يعني انت مش حر في الموضوع دا...
_ انت مضايقه نفسك ليه دلوقتي، ما خلاص انتي اتنازلتي والموضوع انتهى، وانتي كده كده اكيد كنتي هتخرجي البنت، خلاص قفلي على السيره دي!.
حدقو به جميعهم باستنكار لهدوئه المستفز للأعصاب وكأنه لم يفعل شيئ...
هزت رأسها متمتمه بامتعاض: تصدق الكلام معاك مفيش منه فايده...
التفتت الى العم لتكمل: انا عايزه اخرج يا عمي، مش عايزه افضل هنا!.
هم العم بالرد لكن صوته الحاد قاطعه: مفيش خروج من هنا غير لما تبقي كويسه، فاهمه؟!.
صاحت به بانفعال: وانت مالك، بتدخل في اللي ميخصكش ليه؟.
هدر بنفس انفعالها: صوتك ميعلاش في وشي احسن ما اندمك، وانا قولت كلمتي، خروج من هنا مفيش...
_ انت مالك اعلي صوتي ولا لأ، انت مين اصلا عشان تدخل في حياتي، هرجع وقولك انت مش مسؤول عني، انت لا ابويا ولا اخويا ولا جوزي، متدخلش احسنلك....
_ لا انا مسؤول عنك، من النهردا انتي تخصيني، اي حاجه تخصك هتبقى تخصني، سامعه...
_ انت مجنون؟..
_ ايوه مجنون، وافضلك متجربيش جناني عشان انا لو خرجت جناني هقلب الدنيا، اقعدي عاقله يا "ليلى" احسنلك!.
هزت رأسها مستنكره تصرفاته الغريبه لتتمتم: انت مساحيل تكون واحد عاقل مستحيل...
التفتت الى صديقتها "عزه" لتأمرها: روحي ناديلي اي حد من الدكاتره، عايزه اخرج من هنا!.
_ لــــــــــــيـــــــــــــلــــــــــــــى!!.
انتفضت على صوته الجوهوري لتجد ان غضبه قد وصل مبتغاه، واصبح كالقنبله المؤقته التي ستنفجر بالجميع ان حدث اي خطأ، ابتلعت ريقها بخيفه من شكله وخصوصاً عينيه التي تحولت الى اللون الأحمر القاتم ليصبح شكله مرعب بحق...
رفع سبابته امام وجهها قائلاً بتحذير وهو يضغط على كل كلمه: كلمتي متتكررش مرتين، قولت خروج من هنا مفيش، يبقى مش هتخرجي، والا ورحمه امي لكون مولع في المستشفى واللي فيها، وهقولهالك للمره التانيه، اتقي شري...
التفت خارجاً من الغرفه وهذه المره خرج من المشفى برمتها متجهاً الى سيارته ليتسابق بها مع الرياح فقط لينفس عن غضبه الذي لا تتوانى تلك الحمقاء عن اشعاله كل دقيقه!!.
___________________________________________
حل المساء وقد طلبت "ليلى" من العم ومن رفيقاتها الذهاب لمنازلهم، رفضو رفضاً شديداً، لكن بسبب الحاحها اضطرو الى الأنصياع لها على مضض وقد ذهبوا من المشفى، وبقت بمفردها...
نظرت الى المكان حولها، وكانت اول مره ترى الغرفه جيداً، يبدو ان الغرفه راقيه جداً من تصميمها الرقيق، لابد ان هذه المشفى فخمه، لكن كيف اتت الى هنا؟ تذكرت قميصه المليئ بالدماء لتيقن انه هو من احظرها هنا...
تنهدت بقوه وحاولت التمدد على ضهرها لكنها وجدت صعوبه في ذلك..
تأففت بضيق من حالتها تلك، فهي لم تتعود على الجلوس دون حركه، وهذا الوضع ممل جداً...
نظرت باتجاه الباب حين فُتح لتدخل منه ممرضه جميله واللطافه واضحه على ملامحها...
اقتربت من "ليلى" متمتمه بابتسامة: حمدلله على سلامتك يا "مدام"..
رغم استغرابها من تلك الكلمه التي ترددت على مسامعها للمره الثانيه لكنها تجاهلتها لترد برقه: الله يسلمك!.
_ قوليلي، حضرتك محتاجه حاجه اعملهالك؟.
أومأت بخفه مردده: ايوه، من بعد اذنك يعني، عايزاكي تساعديني عشان اقدر انام على ضهري، مش قادره اتحرك...
هتفت برحابه: اكيد طبعاً، انت تؤمري!.
ساعدتها برفق على التمدد والأستلقاء على ضهرها باريحيه تامه لتتمتم "ليلى" بامتنان: بجد شكراً، لولاكي مكنتش هعرف اعمل حاجه!.
اجابت بود: متقوليش كده، دا واجبي، واصلاً جوزك موصيني عليكي، صحيح هو فين، مش شايفاه يعني؟!..
اتسعت عيناها بصدمه الجمت لسانه لكنها جاهدت لتخرج صوتها لتردد: جـ.. جـ.. جوز.. جوز مين؟.
ردت الممرضه ببساطه: جوز حضرتك!.
_ مـ.. مين دا؟.
_ الباشا اللي كان معاكي، "أسيف" باشا، انتي نسيتي جوزك ولا ايه؟.
تمتمت بها الممرضه باستغراب لتردد الأخرى بانشداه: هو.. هو قال انه جوزي؟.
اجابت بابتسامة عريضه: ايوه هو قال انه جوزك لما الدكتور سأله، انا سمعته، انتي مش عارفه حالته كانت عامله ازاي اول ما جابك المستشفى، كان شايلك بين ايديه، وقعد يزعق بالكل عشان ييجي حد وينقذك، بجد هو باين انه بيحبك اوي، دا حتى مرضاش يروح مع بنت عمه للقسم، وقالها انه ميقدرش يسيبك، ربنا يخليكم لبعض ويحفظه ليكي يارب، انتم التنين لايقين على بعض اوي بجد...
كانت دهشتها تتزايد مع كل كلمه تنطق بها، لا تصدق ما تسمعه، هو اخبرهم انها زوجته، كان يشعر بالخوف لأجلها، ترك ابنه عمه لوحدها فقط ليضل معها، لكن لما، لما يفعل مثل هذا الأمر..
-بحبك!!.
توقف تفكيرها عند تلك النقطه، هل ما سمعته صحيح، لم يكن مجرد حلم، هو كان يتحدث معها، يمسك بكفها بحنان وقد اودعه بقبله حنون ادخلت السكينه لقلبها، وأخيراً همسه لها بجانب اذنها وانفاسه الحاره تلفح عنقها، -احبك-، هو اعترف بهذا حقاً..
نظرت الى الممرضه لتتساءل بحذر: ممكن اعرف مين اللي كان قاعد معايا بعد ما نقلتوني للأوضه دي وقبل ما عيلتي تييجي؟.
_ "أسيف" باشا هو اللي كان قاعد معاكي!.
نبض قلبها بقوه ليضرب قفصها بعنف حين استمعت الى رد الممرضه العفوي، هو كان هنا حقاً، هو اخبرها بحبه ناحيتها، لكن كيف ومتى حدث هذا، متى احبها، ولما عاملها بتلك القسوه، لما...
امسكت رأسها بألم من كثره التفكير لتسارع الممرضه القول بقلق: خير يا مدام، انتي كويسه؟.
اشارت لها بكفها وهي تجيب بضعف: انا كويسه كويسه، بس.. بس عايزه ارتاح من بعد اذنك..
أومأت بتفهم لتهتف بابتسامة ودوده: تمام، ارتاحي، ولو عوزتي اي حاجه دوسي على الزورار دا وانا اجيلك فوراً..
قالتها وهي تشير الى زر احمر بجانب السرير، فأومأت لها "ليلى" بخفه، تابعتها بعينيها الى ان اختفت من داخل الغرفه وهي تغلق الباب خلفها...
زفرت بعمق وارهاق وما زال تفكيرها منشغل بما قالته تلك الممرضه ولأسئله تدور داخل رأسها، ما الذي سيحدث ياترى، ماذا ستفعل، ماذا ان علم اهل منطقتها بكذبته، ماذا سيكون موقفها امامهم، هل سمع العم وصديقتيها بتلك الكذبه، هل صدقو يا ترى، ماذا سيحدث ياللهي!!.
___________________________________________
اوقف السياره امام القصر، ترجل منها بهدوء واتجه الى داخل منزله وهو يحمل سترته فوق كتفه..
عقد ما بين حاجبيه بريبه حين وجد الباب مفتوح، خطى نحو الداخل بخطوات حذره، ليتفاجأ بحاله القصر المزريه، فجميع ما بالصاله مبعثر، ويوجد زجاج على الأرض، دار بعينيه المكان الى ان توقف على ذلك الذي يجلس باريحيه، مسنداً ضهره على الكنبه ويمدد ساقيه على الطاوله امامه، ممسكاً بهاتفه وفي حجره طبق من الفاكهه...
كور قبضته بغيض ليهدر بصوت جوهوري: رامـــــــــــــــز
انتفض واقفاً بسرعه بعد ان وقع الهاتف وطبق الفاكهه على الأرض..
وجد مديره امامه وملامحه لا تبشر بخير ليردد لنفسه بغيض: الله يخربيت "رامز"، دا انا كرهت اسمي بسببك انت وبنت عمك يا شيخ، كل شويه واحد يشخط فيا ويخضني لحد اما هقطع الخلف!.
اقترب منه بحنق هاتفاً: انت بتقول ايه، سمعني؟!.
اجاب بامتعاض: مبقولش حاجه..
حدجه بنظره ناريه وهو يشير الى حاله المنزل بيده: ايه كل دا؟.
رد ببساطه: ما انا قولتلك الصبح ان "سابين" كسرت البيت، انت لحقت تنسى؟!.
عض على شفتيه السفلى بغيض ليردف بعدها من بين اسنانه: ولما هي "سابين" كسرت البيت انت منظفتوش ليه؟.
رد بعفويه: الله، يعني هي اتكسر وانا اللي انظف..
نظره ناريه الجمته عن تكميل جملته ليتنحنح قليلاً كي يكمل بلطف: ياباشا انا مبفهمش في الشغل دا، والشغاله مجاتش النهردا، يعني اعمل ايه، سبته كده!.
اغمض عينيه ليجلب الهدوء لداخله، فهو لا يريد الغضب اكثر، فيكفي ما اشعلت بداخله تلك القصيره من مشاعر متناقضه، ما بين الخوف والشوق والغيره والغضب، حقاً لا يستطيع تحمل اي شيئ اخر، يكفي الا هنا...
فتح عينيه ليتنهد بعمق طويل قبل ان يتساءل بتريث: "سابين" فين؟.
رد "رامز" بهدوء: فوق في اوضتها!.
_ هي نايمه؟.
_ ايوه نايمه!!.
أومأ برأسه بتعب قبل ان يلتفت قاصداً الأعلى، لكنه توقف على صوت "رامز" الذي تساءل: "ليلى" بقت كويسه؟.
تطلع له ليردد: ايوه كويسه، بس هي لسه في المستشفى..
_ طيب وايه اللي حصل في موضوع "سابين"؟.
_ هي تنازلت، ومرضيتش تعمل محظر!.
أومأ بخفه قبل ان يردف: طب الحمدلله، انا همشي دلوقتي على بيتي ياباشا، محتاج حاجه؟.
اجاب بهدوء: متمشيش النهردا، خليك هنا!.
تساءل باستغراب: ليه هفضل هنا، ما انت جيت؟.
_ انا مش هفضل بالبيت، هغير هدومي وارجع على المستشفى عشان "ليلى" لوحدها، واه صح قبل ما انسى، انت مخصوم منك شهرين، وفرحك هيتأجل شهرين برضو، دا عقابي ليك!.
لم ينتظر اجابه منه، ولم يهتم الى "رامز" الذي سقط فكه للأسفل باستنكار وانشداه مصدوم، بل ادار ضهره وتوجه الى الاعلى ليأخذ دوش سريع ويغير ثيابه التي كان بها بقع دماء...
___________________________________________
تململت بفراشها بضجر، فهي لم تود ان تستيقظ الآن بعد محاولات كثيره للنوم، والآن تستيقظ فقط لانها تشعر بالعطش..
فتحت عينيها ببطئ لتصتدم مباشره بعينيه، اتسعت حدقتيها بدهشه وهي تراه يجلس على الكرسي ويستند بذراعيه على ركبتيه وواضعاً يده تحت ذقنه، وعينيه مثبته عليها بهدوء..
حاولت جلب السكون لقلبها والتحدث معه بهدوء دون شجار او تحدي..
وضعت مرفقيها على جانبي السرير كمحاوله منها للنهوض لكن هذا الأمر كان صعب عليها..
_ خليني اساعدك!.
رفعت عينيها لتجده يقف بجانبها بهدوء، ابتلعت ريقها لتتمتم بخفوت حرج: شكراً، انا هقدر اقوم...
قاطعها بيأس: مره واحده اسمعي الكلام من غير ما تعاندي، عشان بجد تعبتيني معاكي!.
تنهدت باستسلام لتتمتم: طيب، ممكن تساعدني!.
مد يده نحوها لترفع هي كفها بتردد وتضعها داخل راحته، فشعرت بكهرباء تسير بجسدها حين قام بالصغط على كفها برقه، اغمضت عينيها بخجل شديد وقد احمر وجهها وشعرت بتلك القشعريره اللطيفه حين قام بوضع ذراعه الآخر على ضهرها كي يجعلها تجلس براحه..
نجح في مساعدته له لتتمتم بخجل: ممكن تناولي قزازه المياه؟.
امسك الزجاجه وناولها اياها بصمت، شربت المياه لتروي عطشها ثم ناولتها له ثانياً ليعيدها مكانها..
همهمت بشكر خجل: شـ.. شكراً!.
ابتسم بجانبيه محببه مردداً: انتي بتبقي حلوه اوي لما تحمري كده!!.
ازداد خجلها اكثر من تغزله بها، اردات تغيير دفه الحديث فهتفت بتوتر: هو.. هو انت.. انت جيت امتى.. وليه.. ليه رجعت.. انت مش كنت روحت، ليه رجعت؟.
ابتسم بخفه قبل ان يقوم بسحب الكرسي ويجعله بالقرب منها وهي تتابعه بارتباك واضح..
جلس على الكرسي ليجيب بهدوء: انا جيت عشان عارف انك فضلتي لوحدك، وانا مقدرش اسيبك وانتي لوحدك وحالتك كده، قلبي ميطاوعنيش!!.
حدقت بعينيه مطولاً، تنظر الى تلك اللمعه الجذابه داخل سوداوتيه، ترى حب كبير داخلهما، كم احبت هذا، فهذه المره التي ينظر لها شخص بتلك الطريقه، وكم شعرت بالأمتنان له لكونه يفكر بها ولم يتركها وحدها، فهي مهما كانت قريبه من صديقتيها والعم "كريم" الا انهم لم يستطيعو ملأ الفراغ داخلها، فراغ رحيل عائلتها بالكامل، دائماً تشعر بالنقص، والوحده، وانها بمفردها بلا سند، لكن مع تلك الكلمات التي كانت كالبلسم لقلبها استطاع وبجداره ان يشعرها بالأمان منذ زمن لم تشعر بها، لكن ضل السؤال داخل عقلها.. لما؟.
لم تتردد لثانيه حين هتفت: ليه؟
اردف باستغراب: ليه ايه؟.
_ ليه تعمل معايا كده، ليه أحياناً بشوفك ملاك من السماء، ومره بلاقيك قلبت على واحد قاسي ومغرور، مره تعاملني بحنيه، ومره تشخط فيا وتزعقلي، ليه كدبت بموضوع بنت عمك، وليه مروحتش معاها القسم لما هي طلبت منك، ليه روحت ورجعت، ليه دلوقتي بتقولي ان قلبك ميطاوعكش اني افضل لوحدي، وليه.. ليه قولت اني مراتك؟!.
لم يتفاجأ أبداً من اسألتها فهو كان متأكد من انها ستعلم بالكذبه التي ألفها بخصوص زواجهم..
خرج صوته هادئ وعميق مع ابتسامه عاشقه تتراقص فوق ثغره: انا قولت انك مراتي عشان بس اعرف حالتك من الدكتور، عشان لو قولتله اني مش بقربلك حاجه هو مكانش هيديني اي معلومه تريح قلبي، وانا كدبت بموضوع بنت عمي عشان.. عشان كنت خايف انك تكرهيني يا "ليلى"، خايف تكرهيني وترفضي تقابليني تاني وخصوصاً بعد اللي عملته معاكي بالشركه..
لمعت الدموع بعينيها وهي تتذكر معاملته لها في الشركه فقاطعته بنبره متحشرجه: انت ليه كلمتني كده الصبح، انا كنت جايه عشان اعتذر مع اني معملتش حاجه غلط، بس مكنتش عاوزه انك تزعل مني، بس انت عاملتني وحش وطردتني وأهنتني قدام الكل، ليه عملت كده؟.
اجاب بغصه مريره: عشان انتي متعرفيش كلامك أثر فيا اد ايه، كلامك وجعني اوي وانتي بتقولي اني معانيتش بحياتي، انتي متعرفيش اللي عشته يا"ليلى" ولا حياتي كانت عامله ازاي، عشان كده انا زعلت وتضايقت منك اوي، واول ما شوفتك معرفش ايه اللي حصلي، كان كل همي اني ازعلك واوجعك وخلاص، بس والله ندمت على كل حرف خرج مني بحقك، انا اسف!.
_ يعني، هي دي اجوبتك على كل اللي سألتهولك؟.
صمت قليلاً ليتفرس ملامحها المترقبه قبل ان يتمتم: عايزه تعرفي ايه بالظبط؟.
ردت بارتباك: يعني.. يعني انت ليه بتعاملني كده، وليه.. ليه قولت ان انا بخصك، ليه؟.
اجاب بهدوء: وانا مقولتش حاجه غلط، انتي فعلاً تخصيني!.
_ اخصك ازاي يعني، انا بعنيلك ايه؟.
_ كل حاجه، انتي بتعنيلي كل حاجه!.
صمتت مجبره لتهدئ من ضربات قلبها التي تقسم انها قد وصلت لمسامعه، ازدادت وتيره انفاسها حين امسك كفها بين راحه يده ليتخلل الدفئ داخلها..
نظرت داخل عينيه حين تمتم بصدق بان في عينيه: انتي بقيتي كل حياتي، بقيتي جزء مني، انا معرفتش قيمتك غير لما كنتي هتسيبيني، حسيت ان قلبي هيقف وقتها وانا شايفك واقعه على الأرض والدم تحت راسك، لاول مره اخاف، خوفت بجد انك تسيبيني وتمشي زي ما امي عملت، وجودك في حياتي مهم يا "ليلى"..
ادمعت عيناها تأثراً بكلماته النابعه من قلبه فلم تجد سوى انها تتمتم مجدداً بنفس السؤال: ليه، ليه كل دا؟.
عاد لصمته ثانياً ليفكر بما سيقوله والى اين سيؤدي، اتخذ قراره اخيراً ليردف: عايزه تعرفي ليه؟.
اجابت بسرعه: ياريت!!.
ابتسم بحب صادق ليتمتم بعيون لامعه: عشان بحبك!!.
___________________________________________
بعتذر عن التأخير بس اشتراك النت خلص 🙂
توقعاتكم...
دمتم سالمين احبتي...
#byan
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!