الفصل 19 | من 57 فصل

رواية للعشق وجوه كثيرة الفصل التاسع عشر 19 - بقلم نورهان العشري

المشاهدات
20
كلمة
7,428
وقت القراءة
38 د
التقدم في الرواية 33%
حجم الخط: 18

الوجه الثامن عشر للعشق 🌹

حبيبتي، لو تعلمين كم أتمنى أن أختبئ معكِ في قلبي، وأُغلق جميع النوافذ والأبواب حتى لا يتسلَّل إلينا شيءٌ من وحشة هذا العالم الخارجي؛ لأرتوي من ذلك العشق الذي جفت لأجله مياهُ عينيَّ، وأُرمِّم به تلك الحفر والندوب التي خلَّفها انتظاري لكِ.
إن هذا القليلَ الذي أراه منكِ كثيرٌ إلى حدّ يجعلني أحيا حاملاً في صدري شيئًا رائعًا يُسمى الأمل؛ الأمل الذي كان يفرُّ هاربًا من كل طريق أسلكه، واليوم أصبح رفيقي في انتظارك.
أعلم أن عشقي مخيف، وقلبكِ الرهيف يخشى جموحه، ولَكنّي رجلٌ كانت حياته ساحةَ حربٍ صامتة، وبكِ انتصر. فلا تلومي صبري على غيظه، ولا تستهيني بسلطان الهوى الذي على رجلٍ مثلي تجبر و اقتدر.

نورهان العشري ✍️

🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁

شهقةٌ قوية خرجت من جوفه، فجعلت تلك الغاضبة التي لبسها شيطانُ الغيرة، وتملكتها عاصفةٌ هوجاء أطاحت بكامل ثباته، وتخبطت لأجلها سَحَبه، فهطلت أمطارُ عينيه تحكي مدى معاناته، فتسمّرت في مكانها من فرط الصدمة، والتي زادت أضعافًا عندما سمعت نبرة صوته التي احتلها الألم، وهو يقول بصوتٍ مختنق بسبب البكاء:

امشي... امشي يا كارما ومتبصيش وراكِ حتى.
ده أحسنلك، إنتِ متنفعِيش تكوني في حياتي. أنا واحد وحش، بأذي كل اللي حواليَّ وبتسبب في نهايتهم. إنتِ عندِك حق، مبقاش ينفع يكون في كلام بينا.

وكأن كلماته جمراتٌ مشتعلة تدحرجت من فمه فوق قلبها لتكويه بنار الندم، فعضَّت على شفتيها بكل ما تحمل من حزنٍ لكلماته التي مزقتها، والتفتت، لتضرب قلبها صاعقةٌ أظهرت ملامحه المبعثرة، وارتجافة شفتيه، وجمود عينيه اللتين أخيرًا أطلقتا سراح دموعٍ حبيسة ظلّت تحاربه لسنوات...

مازن! إنت... إنت بتقول ليه كدا؟

لم تستطع أن تُخرج من جوفها سوى تلك الكلمات الخاوية، فهي لم تُفق بعدُ من صدمة انهياره.

وأخيرًا، قرر خلع ثوب الكبرياء جانبًا، وإخراج ذلك البركان الثائر في أعماقه، والذي كان يتعمد دفنه لسنوات، ونبش تلك الجروح التي كان يتجاهل آلامها حتى بلغ ذروته وضاق قلبه ذرعًا بتحمُّلها...

كل الناس الغاليين عليَّ في حياتي أنا اتسببت في نهايتهم. أبوي وأمي اللي ماتوا غضبانين عليا، واللي كانوا بيتوسلوا إني مسبهمش.

صمت لثوانٍ وهو يُريح رأسه على المقعد خلفه قبل أن يقول بقهر:

أمي كان في عينيها توسل كبير إني ممشيش وأسيبها، كأنها كانت حاسّة وبتقولي: خليك جنبنا، محتاجينك. وأبويا اللي كان بيترجاني بطريقته، وهددني: لو خرجت من البيت دا، متدخلش من بابه تاني. بس أنا عاندت واتحديتهم ومشيت وسبتهم.

صمت يحاول التحكم في شهقة ألمٍ قوية تُهدد بالانفلات:

ورجعت على أسوأ خبر سمعته في حياتي. مش قادر أنسى منظرهم، ولا البرودة اللي اتسربت لقلبي وأنا ماسك إيد أمي اللي كانت أشبه بالثلج وهي ميتة، كأنها بتقولي: الدفا اللي هربت منه، مش هتشوفه تاني طول حياتك. وفعلاً، مشفتوش...

أخذ يهز رأسه يمينًا ويسارًا قبل أن يُضيف بتحسُّر:

ولا أحمد، صاحبي اللي كان أقرب حد ليا، اللي كنت بدخل بيتهم عشان أحس بطعم الحنان والدفا. لما كنت ببص في عيني أمه وهي فخورة بيه، وكأنها بتحضنه بعينيها، كنت بتوجع أوي، بس كنت بحب أشوف نظرتها ليه، اللي كانت بتفكرني بالدفا اللي اتحرمت منه. وبرضه اتسببت في موته...

اسودّت عيناه وهو يُضيف بقهر:

أنا سرحت لحظة واحدة بس، وفجأة الدنيا اتقلبت من حواليّا. ومحسّتش غير وهو في حضني، ودمه سايح، بيوصيني على أخته وأمه. محمود مات عشان فداني بروحه، وخد الطلقة مكاني. مات وهو بيقولي: افرح وعيش يا صاحبي، وكفاية تعذّب نفسك.

أخفض رأسه بقهر:

ونفس الإحساس اتكرر تاني... نفس العذاب من تاني...
وحبل الذنب اللي كان ملفوف حوالين رقبتي ضاق بزيادة، لحد ما في يوم أمه قالتلي: "يا ابني، إنت مكان محمود الله يرحمه، وإحنا اتنين ستات لوحدنا، وسيدرا كبرت، والناس ابتدت تتكلم عليها..."

كفكف عباراته قبل أن يُضيف بحشرجة قوية:

حسيت من عينيها ومن نبرة صوتها برجاء وجع قلبي. وفي لحظة ومن غير ما أفكر، لقيتني بطلب إيد سيدرا للجواز. وبعد كدا عرفت منها إن دا اقتراح سيدرا...

ألقى بسهام حديثه ثم التفت لها بعينين تقطران قهرًا ووجعًا، وأضاف من أعماق ذلك الجرح الغائر بداخله:

أيوه، طلبتها للجواز. وكنت ناوي أتجوزها وأكمل حياتي معاها، حتى لو هعيش تعيس، مش مهم. المهم إني أنفّذ وصية محمود، وأحافظ على أخته وأمه. حتى لو هعيش أتمناكِ طول عمري، عارف إنك زي الفاكهة المحرمة عليا، مش هقدر أوصلك حتى لو بموتي...

وأضاف عندما لمح وميض عينيها الذي لمع للحظة حين ذكر عشقه لها، حتى وهي بعيدة:

أنا عمري ما نسيتك ولا لحظة، بس مكنتش قادر أهوّب ناحية بيتنا تاني. مكنتش قادر أقرب من هناك أبدًا. كنت أجبن من إني أواجه ذنبي. أنا حكيت لمحمود عنك، وكنا متفقين إننا بعد المهمة دي هنروح إسكندرية عشان أشوفك وأقولك: أنا عمري ما نسيتك.

صمت يسترجع مرارة ما مرّ به، وأضاف بنبرة تتضور وجعًا:

بس كالعادة، الحياة بتديني القلم اللي تضمن بيه إنها تقضي على أي أمل جوايا، وخدت مني الإنسان الوحيد اللي كان هيقف معايا وأنا بواجه أسوأ كوابيسي...

كان يتحدث ودموعه لا تتوقف، كأنه يحمل حزن أهل الأرض جميعًا:

إنتِ عارفة سيدرا؟ دي كانت ملاك صغير، بشعر أصفر. كانت بالنسبالي عوض إني مكنش عندي أخت. كانت بتتشعبط في رقبتي أول ما أوصل، وتستنى مني حاجات حلوة وأنا جاي. وكانت تتخانق معايا لو مجبتش.

حبل الذكريات المريرة طوّق عنقه بقوة، فجاءت نبرته متحشرجة حين أضاف:

كنت بعمل لها ضفاير كأنها بنتي بالظبط... كانت شقية وجميلة وبريئة. شوفي دلوقتي بقيت عاملة إزاي؟ بقت واحدة محطمة، مطفية، مكسورة. وكل دا بسببي. أنا مقدرتش أحميها حتى من نفسي...

زادت شهقاته لدرجة لم يعد قادرًا على كتمانها، فكان أشبه بطفل صغير تُرك عند باب منزل مهجور في منتصف الليل، يبكي وحشته وغربته وهجرانه...

تحدثت بلهفة، مدافعةً عن ذلك القلب الذي ينتفض ألمًا، نافيةً حقارة التهم التي يقذف بها ذاته:

مازن، أرجوك! كفاية، متعملش في نفسك كدا. إنتَ معملتش فيها حاجة. هي اللي حبتك واتعلقت بيك من غير أمل.

واصل الإقرار بذنبه أمامها:

أنا اللي اديتها الأمل دا يوم ما خطبتها. وبعدها أهملتها، وكأنها ملهاش وجود في حياتي. بعد ما كنت بعاملها زي الأميرة، فجأة ابتديت أتجاهل وجودها، لدرجة خلتها تتعرف على ناس زبالة وتحاول تثير غيرتي عشان تحس إنها بنت جميلة ومرغوبة، وخطيبها بيغير عليها.

همست بصدمة:

إيه؟
بسببي كان مستقبلها هيتضيع لولا أن القدر رأف بيا وبحالتي وخلّاني أدخل في اللحظة الأخيرة وأنقذها. أنا وحش أوي يا كارما، أنا شيطان بيسحب الروح من كل اللي حواليه وهو في نفس الوقت بيحبو. كل اللي أتأذّوا بسببي كان غلطهم الوحيد أنهم حبّوني أوي...

التفت يُناظرها بتوسل ينافي قسوة كلماته حين قال:

_ الحقّي نفسك وابعُدي عني قبل ما تطولك لعنتي وتدمر حياتك أو تنهيها. وقتها مش هَتحمِل أبدًا. الموت عندي أهون.

قال الأخيرة بقهر جعل قلبها ينتفض حزنًا ووجعًا عليه، وكانت تتمنى لو يهرب من بين ضلوعها إلى عناقه كي يبثه ذلك الدفء الذي افتقده ويُزيل عنه تلك الوحشة التي تملكته، وكل تلك الذنوب التي يحملها على عاتقه والتي لم يكن له بها يد...

وبالفعل اندفع قلبها ساحبًا إياها لتستقر بين جنبات صدره، وهي تقول بلوعه ودموعها تغرق وجهها لتمتزج بدموعه التي أغرقت صدره:

أنا بحبّك، بحبّك أوي يا مازن. استنيتك السنين دي كلها، وعندي استعداد أستناك قدهم بس أكون ليك في الآخر حتى لو ليوم واحد — أنا موافقة...

تابعت بقلب محترق:

_ لو موتي هييجي على إيدك، أنا مستعدة أموت دلوقتي بس أموت وأنا جنبك. أنا بحبّك أوي والله، بحبّك. أوعي تقول عن نفسك كده تاني. أنا اللي هاموت وهضيع في الدنيا دي لو انت مش معايا وجنبي. أوعي تسبني، أنا هموت من غيرك، والله هموت.

وكأن كل خلية في جسده تعانده للتشبث بها وإخبارها بأنها الماء والهواء بالنسبة له، فوجد نفسه دون وعي يطوقها بأصفاده كأنها طوق نجاته من بحر الندم الثائر الذي يغرقه شيئًا فشيئًا. وكلما كان عقله ينهره ويأمره بالتراجع والابتعاد عنها، زاد اشتداد حصاره معاندًا، كأنه يعلن تمرده عليه لأجل تلك المرأة التي يجد بين حناياها ذلك الدفء القادر على إذابة جبال الثلج الراسخة حول جدران قلبه...

**************

كيف حالكِ، حين يُثقِل جفنيكِ النعاسُ في الرابعة فجـرًا،
بعد ليلةٍ شاقة تتقلب فيها على جمراتِ عشقٍ أهوج
أحرق أنفاسكِ واستباح سكينتك، ثمّ يوقظك الحنين في السادسةُ صباحًا على موجةِ شوقٍ عاتيةٍ تشطر قلبكِ نصفين، وتجعل من راحتك حلمًا بعيدًا المنال؟

نورهان العشري ✍️

🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁

استيقظ يوسف في السادسة صباحًا بعد أن نام أقل من ساعتين، فقد ظل مستيقظًا طوال الليل يحارب طيفها من ذاكرته، خاصةً بعد ما عرفه عن ذلك الماضي المليء بالألغاز، والذي أخذ ينهش عقله بلا رحمة.

كم يودّ لو يحتويها بين جنبات صدره، ليحميها من كل تلك الأسرار والظلال. فصغيرته نقية كالثلج، ولا يريد لأي شيء من ذلك الماضي اللعين أن يلطّخ بياض قلبها. لكنه لا يعرف ماذا عليه أن يفعل حتى يقيها شروره وآثامه.

يعلم أن تلك المرأة لم تخبره الحقيقة كاملة، وبداخله شعور قوي بأن الحقائق المختبئة خلف الستار تحمل كوارث حقيقية قد تقلب حياتهم رأسًا على عقب...

وما كان يزيد من معاناته شدّة شوقه لها، فلم يهدأ له بال إلا بعد أن أرسل له أدهم تلك الرسالة التي يطمئنه فيها بأن الوضع تحت السيطرة. ولكن، ماذا يفعل بقلبه الذي لا يقبل إلا بوجودها إلى جواره؟

كيف سيستطيع الابتعاد عنها نهائيًا وهو يعاني الأمرّين من غيابها لبضع ساعات فقط؟

وما يزيد قلبه ألمًا وجنونه يقينه بعشقها له؛ فما زال يتذكر صورته وذلك القميص الذي وجده في حقيبتها. فكيف تريد الهروب منه وهي تحمل متعلقاته معها أينما ذهبت؟

إن لم تكن متأكدة من مشاعرها نحوه، وتريد التحرر من قيوده، فلمَ تأخذ معها ما يذكّرها به؟

زفرة حانقة خرجت من جوفه؛ فتلك المرأة تقوده إلى الجنون بأفعالها. يحتاج إلى إرادة أهل الأرض جميعًا كي يحارب حبه لها، وجيوش شوقه التي تحاصره كل ليلة، تطالبه بها، تتوسله ألا يُفلتها، وأن يتمسك بذلك الخيط الرفيع الذي يخبره بأنها تعشقه حدّ النخاع...

أخيرًا، استطاع أن ينهض من فوق مخدعه ويدخل إلى الحمام، لعلّ المياه تُطفئ النيران المندلعة في قلبه والمتسللة إلى عقله. خرج بعد وقت قصير مرتديًا ملابسه، وهو يلتقط الهاتف لإجراء مكالمة مهمّة:

أيوه يا ناصر، لسه ما وصلتش لحاجة؟

لسه يا يوسف بيه، ادينا شوية وقت، إحنا بنحاول نلاقيه.

قاطعه يوسف بغضب:

بقالك قد إيه بتحاول؟ هتعرفلي طريق الزفت دا إمتى؟! ولما ما فيش جديد، اتصلت بيا ليه امبارح؟

يا يوسف بيه، إحنا قلبنا إسكندرية كلها وما لقيناش له أثر. المكتب بتاعه مقفول من يومها، والموظفين ما يعرفوش عنه حاجة. دا حتى ما قالهمش قبل ما يقفل المكتب. وبيته محدش دخله من اليوم دا. وأنا معين عليه حراسة، لو في أي جديد هيبلغوني.

زمجر يوسف غاضبًا:

يعني إيه عفريت؟! فص ملح وذاب! راجعوا الكاميرات اللي على الطرق الرئيسية كلها.

في الحقيقة يا فندم، دا السبب اللي خلاني أتصل بحضرتك. من خلال مراجعتنا للكاميرات لقينا حاجة غريبة. في عربية نوعها (...) اتقلبت في نفس اليوم دا، لكن لما طلعوها من المية ما لقوش عليها نمر، وكمان ما لقوش جثة لحد دلوقتي. ومحدش سأل عنها، ولا حد جاب سيرة الحادثة.

وإنت عرفت الكلام دا منين؟

في واحد ميكانيكي فاتح ورشة هناك، هو اللي قال لراجلنا لما راح يسأله.

طب إزاي البوليس ما حققش في الواقعة دي؟

بيقول حققوا، ولما ما لقوش حاجة، ومحدش قدّم بلاغات عن اختفاء حد، الموضوع اتقفل. خصوصًا إنهم دَوَّروا كتير على جثة في المية وما لقوش حاجة.

تمام. ابعتلي اسم الراجل دا وعنوان ورشته، وشوف شغلك.

أغلق يوسف الهاتف، وقد بدأت الشكوك تتجمع داخله. هاجمه هاجس غريب بأن هناك لغزًا كبيرًا وراء اختفاء هذا الوغد وانقلاب تلك السيارة، وأن بينهما رابطًا خفيًا.

أجرى يوسف مكالمة أخرى، فجاءه صوت مازن الناعس، فهو الآخر لم تمر ليلته بسلام، وقد نام عند طلوع النهار ليباغته رنين الهاتف المستمر:

عايز إيه؟

كل دا على ما ترد؟ إيه، ميت؟!

كنت نايم يا ابني... الساعة كام دلوقتي؟
يوسف بجفاء:

الساعة ستة وربع.

ستة وربع!

انتفض مازن من مكانه، ظنًّا منه أنه نام حتى هذا الوقت المتأخر، لكنه اصطدم بالهواء البارد الذي لفح وجهه ما إن فتح النافذة. تحولت صدمته إلى غضب شديد وهو يقول من بين أسنانه:

وحياة أهلك، مصحيني ستة الصبح تتخانق معايا عشان نايم، وسيادتك مختفي بقالك أسبوعين! تصدق إنك بجح؟!

بطل رغي وانجز، عايزك دلوقتي في مشوار مهم. هقابلك عند (...) كمان ساعة بالكتير، عشان هننزل القاهرة النهارده.

أجابه مازن بحنق واستنكار:

يا ابني هو أنا مرمطون أهلك؟ مش نازل مصر دلوقتي، ورايا حاجات لسه مخلصتهاش.

يوسف بسخرية:

لا، ما أنا هجيب الحاجات دي معايا القاهرة وتخلصها هناك براحتك.

قطب مازن حاجبيه بعدم فهم:

تقصد إيه؟ مش فاهم.

أقطع دراعي إن ما كنتش دخلت الداخلية بالواسطة... قدامك نص ساعة ألاقيك قدامي.

أغلق يوسف الهاتف، وقد عزم على كشف كل الألغاز التي تحيط به، خاصةً ما يتعلّق بها.

بعد مرور ساعة، التقى يوسف بمازن ليتوجها معًا لمقابلة ذلك الرجل ومعرفة سرّ الحادث.

الموضوع دا وراه حاجة كبيرة يا يوسف...

قال مازن بعد أن قصّ عليه يوسف ما حدث، ثم تابع:

أعتقد إن اللي زق أحمد على كاميليا واحد من أعداءك في السوق.

واللي اتصل عشان ينبهني يبقى تبع مين؟

قالها يوسف بسخرية، فثار مازن حانقًا:

من غير استظراف! مين هيكون عايز يأذي كاميليا غير عشان هي مراتك؟

ومين يعرف إنها مراتي؟

كان استفهامًا يستحق التأمل، فقال مازن بحيرة:

تقصد إيه؟

يوسف بفظاظة:

أقصد إن اللي كان عايز يخطف كاميليا عارف إنها مراتي. واللي اتصل عشان ينقذها برضو عارف، وقالها لي بالنص: "كاميليا الحسيني مراتك". ومحدش يعرف إنها مراتي غير اللي في القصر.

قال مازن بحذر:

كلامك كبير ومعناه خطير يا يوسف...

يوسف بغضب:

ما هو عشان كدا لازم أوصل لحقيقة الموضوع دا. ولحد ما أوصل، كل الناس موضع شك عندي.

أنهى يوسف حديثه وألقى نظرة ذات مغزى، فهمها مازن على الفور، لكنه قال بغموض:
أخبار الخاين اللي في الشركة إيه؟ لسه ما عرفتوش؟

يوسف باختصار
ـ مش وقته يا مازن.

************

أنا مش هقدر أسافر يا ماما.

تحدثت غرام بخفوت وهي تنظر في جميع الاتجاهات ما عدا النظر إلى والدتها، حتى لا تكشف سرًّا تخبئه عيناها عن غدر رجلٍ جعل شعلة الحياة تنطفئ بداخلها.

ليه يا غرام؟ مش عايزة تشوفي كاميليا بنت خالتك وتطمني عليها؟

تحدثت فاطمة متظاهرةً بأنها لم تلاحظ تبدّل حال غرام منذ عدة أيام؛ فقد أخبرها قلبها بأن صغيرتها قد تألمت بقسوة، لكنها لم تضغط عليها وآثرت أن تعالج الموضوع من جانبٍ آخر، متجنبةً مواجهة قد تضرّ أكثر مما تنفع.

تحدثت غرام بلهفة:

طبعًا عايزة أروح وأطمّن عليها، بس أصل...

أصل إيه؟

غرام بمراوغة:

أصلي... تعبانة شوية.

فاطمة بهدوء مستفز:

سلامتك. إيه اللي بيوجعك؟

تلعثمت غرام قائلة:

أ... أصل... قومت من النوم عندي شوية برد وجسمي واجعني.

تحدثت فاطمة بحنو:

تعالي يا غرام اقعدي جمبي.

تقدمت غرام بخطوات ثقيلة تجاه والدتها، وجلست بجانبها مخفضة الرأس غير قادرة على النظر إليها. لاحظت فاطمة ذلك، فوضعت أناملها تحت ذقن غرام لترفَع رأسها وقالت بحزم:

أوعي أشوفك مطيّة راسك تاني، فاهمة؟

ثم أخذت تمرر يدها على خصلاتها الحريرية قائلة بحنان:

الحياة مش كلها وردي يا غرام... الحياة بتدينا دروس على هيئة صدمات، والشاطر هو اللي يخلي الصدمات دي تقوّيه مش تضعفه، وإنتِ طول عمرك شاطرة.

التقطت دمعاتٌ في عيني غرام، فتابعت فاطمة بتعقل:

الست الضعيفة يا بنتي بيتداس عليها في الزمن دا... أنا عايزاكِ قوية وتغلبي كل مخاوفك. مش عايزاكِ تبقي جبانة وتهربي من حاجة أو من حد. واجهي مخاوفك لحد ما تهزميها، واجهي ضعفك حتي لو كان شخص.

اثبتي لنفسك وللي حواليك إنك أقوى من أي حاجة تكسرك.

استمهلت نفسها قبل أن تقول بنصح:

واللي يبيعك، بيعيه — أو أقولك اتبرعي بيه من غير ما يتهز منك شعره — وكوني عارفة إن ربنا هيبعتلك اللي يليق بقلبك...

اهتزت نبرة غرام وهي تقول باستهلال:

حضرتك بتتكلمي عن إيه؟ مفيش حاجة...

قاطعتها فاطمة قائلة:

هششّ، مش عايزاك تكذبي عليا. أنا بعرف كل حاجة من عنيكِ. يمكن ماعرفش التفاصيل بس عارفة إن اللي بيوجعك دا...

كانت تشير إلى موضع قلبها ثم تابعت بحنو:

عايزة بنوتي الحلوة ترجع تنور زي الشمس تاني، مش عايزة نورها يطفي أبدًا...

أنا بحبّك أوي يا ماما.

قالتها غرام، ثم اندفعت في حضن والدتها تنشد الراحة والحنان، وبكت كثيرًا حتى شعرت أنها أخيرًا استطاعت أن تتنفس براحة، وأن تلك الغصة العالقة بقلبها قد رحلت. تنهدت بعمق حتى ملأت رئتيها بذلك الهواء النقي النابع من تلك الجنة بين أحضان والدتها، التي قالت بحب:

ربنا يريح قلبك يا بنتي...

ثم أردفت بمرح:

يلا قومي بلاش دلع يا بنات. روحي البسي واتجهي كده، واثبتي للي وجعك إنه ملوش وجود جواك أصلاً. أكتر حاجة بتجنن الراجل وبتخليه يحس إنه مالوش قيمة هي التجاهل، وخليه يحس إنه اتطرد من مكان كان مكتوب باسمه.

ثم أضافت بتخابث:

مش هو برده كان مكتوب باسمه يا غرامة؟

هبَطت غرام من مكانها كمن لدغتها أفعى وقالت بعجل:

أنا هروح أجهّز نفسي بقى عشان ما نتأخّرش.

ثم هرولت للخارج، لكنها تراجعت إلى والدتها ثانيةً لتسألها:

ماما، طب إحنا هنقعد هناك كام يوم؟ يعني عشان أجهّز شنطتي وكده.

مش كتير، يعني يومين. أطمّن على كاميليا وأشوف عليها. بيه مظهر اللي عمل فيها جيمس بوند وقعد هناك وقالي عدّولي.

*************

بعد عدة ساعات كان الجميع في الطريق إلى القاهرة، وكانوا مقسّمين إلى قسمين: فاطمة مع يوسف في سيارته، وغرام وكارما مع مازن في سيارته. وما إن رآها، كم كانت جميلة وبريئة وناعمة، حتى لعن نفسه عندما تذكر كم جرحها البارحة.

عودة لوقت سابق

بعد دقائق غير معلومة عددها، رفعت كارما رأسها من على كتفه لتحتوي وجهه بحنان أنثى كفيل بتخدير جميع جروحه، وقالت بصوت يحمل من العشق ما يفوق ألمه بمراحل:

إنت نعمة يا مازن في حياة أي حد. طول عمرك أحن قلب في الدنيا. طول عمر أهلك كانوا فخورين بيك... إنت حققت حلم باباك ودخلت الكلية اللي كان نفسه إنك تدخلها.
وحافظت على أهل صاحبك وحميت أخته، وجيت على نفسك وسعادتك عشان خاطرهم، وحافظت عليها من نفسها. بس إنت متملكش سلطة عالقلوب يا مازن. لو قلبها دقلك، فدا مكتوب لها. وزي ما اتوجعت، زي ما ربنا هيعوضها.

صمتت لثوانٍ ثم تفننت في سكب الطمأنينة فوق تصدعات قلبه:

ربنا عادل أوي يا مازن. تخيل إنه يردك لقلبي بعد السنين دي كلها، وبعد العذاب والمعاناة اللي عشتهم في بعدك، أتكافئ بيك! وإنك تبقى جمبي ومعايا وبتحبني. في عوض أحلى من كدا؟

عاند تلك الراحة التي تسللت إلى قلبه جراء كلماتها، وقال بجفاء:

أنا مش الملاك اللي إنتِ شايفاه يا كارما. أنا في أقرب فرصة ممكن أجرحك وأوجعك حتى لو مش بقصدي... شوفي، إحنا مكملناش مع بعض شهر، وجرحتك ووجعتك كام مرة؟!

تحركت أناملها بخفة على ملامحه التي تعشقها وقالت بحب:

وأنا مش عايزاك ملاك، عشان أنا كمان مش ملاك. إحنا بشر بنغلط ودا حقنا. ولو تفتكر، أنا كمان جرحتك وزعلتك كتير. بس بحبك حُب يكفي العالم دا كله ويفيض. يبقى منستسلمش لليأس ونسيب الحياة تسرق مننا كل حاجة حلوة. لازم نعاندها وننتصر عليها ونصبر على الوجع عشان ربنا يعوضنا خير. مش بيقولوا: بعد الصبر جبر؟ وأنا ربنا جبر قلبي بيك، وبعتني عشان أقف جنبك وأطيب كل الجروح اللي جواك دي.

كانت كلماتها كالبلسم لجروحه، وتلك النظرات الحانية التي تشع حبًا لم يكن يتخيله قط. فطفلته البريئة أصبحت امرأة جميلة تستطيع بحنانها أن تمتص جميع أوجاعه وآلامه...

اقترب منها أكثر، وقام بإسناد جبهته على خاصتها، وخرجت من جوفه تنهيدة أحرقت بحرارتها نعومة بشرتها، ليقول بصوت أجش:

خايف أوي... خايف تضيعي مني زيهم. خاايف...

قاطعته واضعة إبهامها أمام شفتيه، وقالت بنبرة قاطعة أذهلته وبددت خوفه في لحظات:

أوعى تخاف أبدًا. ربنا مخلقناش عشان يعذبنا يا مازن. وخوفك دا ضعف إيمان منك، وأنا مش عايزاك تكون كدا. إحنا هنحط إيدنا في إيد بعض ونكمل مشوار حياتنا سوا، ونرمي حمولنا على ربنا. مش كل حاجة هتحصلنا هنحمل نفسنا ذنبها. في قدر مكتوب منقدرش نمنعه أو نقف قدامه. كل اللي نقدر نعمله إننا نقول "يا رب" وبس، ونحاول نصلح اللي الدنيا لخبطته.

تقطيبة بين عينيه ظهرت لتجعلها تقول بتوضيح:

يعني هننفذ وصية محمود، الله يرحمه. هنقف جنب بعض ونخلي سيدرا تتعالج وترجع لحياتها الطبيعية تاني. ونرجع البنت الجميلة البريئة اللي ضحكتها مالية وشها. وهتقف جنبها كإنك محمود، الله يرحمه. وهتثبتلها إن اللي هي فيه دا وهم في دماغها، بحكم إنك الراجل الوحيد اللي في حياتها. وأنا هكون جنبك وهساعدك.

لاحَت الاستفهامات في عينيه، فأجابته بصدق:

هبقى بالنسبالها الأخت اللي بعتها لها الحياة بعد السنين دي كلها، ومش همل ولا هزهق ولا أغير منها أبدًا، حتى لو قالتلي ألف مرة إنها بتحبك.

وإيه مخليكي متأكدة كدا إنها مش بتحبني؟

باغتها سؤاله الذي أربكها للحظات، لكنها أبت التراجع أو إظهار الخوف من احتمالية أن تكون تعشقه بالفعل، فقالت بعملية:

من خلال دراستي وقراءتي لعلم النفس، فهمت إن سيدرا متعلقة بيك تعلق مرضي. شايفة إنك عوض عن أخوها، الله يرحمه، اللي الموت أخده منها. فإنت بالنسبالها بديل له. بالإضافة لأنها اتعودت على وجودك الدايم في حياتها. فكرة إنك تبعد عنها أو حد ياخدك منها، دي فكرة مستحيلة بالنسبة لها. عشان كدا اقترحت على مامتها موضوع الخطوبة. عشان تضمن إنك تفضل جنبهم ومعاهم، وموفرلهم عنصر الأمان اللي اختفى بموت أخوها.

أوشك على مقاطعتها، فلم تُعطه الفرصة، إذ تابعت بثقة:

ولما خطبتها وأهملتها، جرحت كبرياءها كأنثى، فعملت اللي عملته دا عشان تخليك تغير. وبكدا ترجعلها ثقتها بنفسها اللي ضيعها إهمالك ليها.

بدأ بالاقتناع، لكنها لم تبتر بذور الشك من قلبه:

كل دي احتمالات. بس لو مكنتش بتحبني، مكنتش رجعت تاني.

عاندته في محاولة لإثبات وجهة نظرها:

وبردو لو كانت بتحبك، مكنتش هتقول عنك اللي قالته وتسيء لسمعتها بإيدها، عشان بس تبعدني عنك. وهي عارفة ومتأكدة إنك عمرك ما هتتجوزها بعد اللي هي عملته. ولو تفتكر وإحنا مع بعض في الكافيه، كانت بتتكلم إنها مهمة في حياتك وليها وجود فيها. ودا اللي هي عايزة تحافظ عليه: حيز وجودها في حياتك. وصدقني، دا كل اللي يهمها... إنها تفضل ليها مكان جواك.

بات حديثها يتغلغل إلى بواطن عقله، فيقنعه بمنطقية كلامها، خاصة وهو يتذكر كم كانت سيدرا منهارة بعد وفاة أخيها، ولم تجد من يحنو عليها سواه. فقد كانت دائمًا تحكي له أدق تفاصيلها وأسرارها. لكن تبدّل كل هذا عندما أخبرته والدتها بأن تلك الخطبة لن تستمر طويلًا، وأنها ستنتهي عند إنهائها جامعتها، وأنهما سيسافران إلى الخارج. فتبدل حالها عندما علمت هذا الاتفاق الذي وضعته والدتها، حين شعرت بمدى ثقل تلك العلاقة على مازن. لكن واجبه كان يمنعه من الإفصاح عما يدور بداخله. وأصبحت فتاة مختلفة عن التي عرفها، فبدأت محاولاتها للفت انتباهه لها بالعديد من الحيل والأساليب الغريبة التي كان يتجاهلها عمدًا، إلى أن انتهى بها الحال بتلك المحاولة الغبية التي كانت ستودي بمستقبلها إلى الهلاك، لولا العناية الإلهية التي أرسلت مازن في تلك اللحظة ليمنع حدوث الكارثة...

عند هذه النقطة آلمه قلبه كثيرًا وتذكر ما وضعت نفسها فيه بسببه، وقال بلا وعي:

إنتِ بتقولي كل الكلام دا بس عشان تجبريني أفضل معاكي وأتخلص من إحساسي بالذنب ناحيتها. إنتِ متعرفيش هي كانت هتعمل إيه في نفسها عشان تخليني أغير عليها؟!

صدمها حديثه وطريقته، وخاصة حين تابع:

دي صاحبت شلة زبالة نصحوها تمثل إنها تعرف واحد عليا عشان قال إيه أغير عليها! وفعلاً عرفوها على واحد بحجة إنه أخو صاحبتها، ومتفقين معاه إنها تغيظني بيه. والحيوان دا استغل سذاجتها وعبطها، وطلب منها إنه يقابلها عشان يتفقوا هيعملوا إيه.

صمت يحاول كظم غيظه قدر الإمكان، قبل أن يقول بحرقة:

وهناك كان عايز يعتدي عليها، لولا إن مامتها كانت شاكّة فيها، وسمعت جزء من مكالمتها معاه، وكلمتني. ولحقتها في آخر لحظة. وعشان كدا مامتها أجبرتها إنها تسافر. وتيجي دلوقتي تقوليلي دي مبتحبكش وموهومة بيك؟!

غضبت كارما من حديثه وغلى داخلها غيظًا من إصراره على التمسك بحقيقة أنها تعشقه، لكنها تمالكت نفسها قائلة بقوة وبنبرة حازمة:

أنا هتجاهل النص الأول من كلامك، عشان أنا وإنت عارفين إني عمري ما هجبرك تكون معايا أبدًا. ولو إنت مكنتش عايز تبقى معايا بنسبة مليون في المية، فأنا اللي مش عايزاك...

تابعت ما إن وجدت كلماتها تصل إلى منتصف الهدف، وتجلى ذلك في نظرات عينيه التي أرسلت اعتذارات صامتة، وملامحه التي لانت قليلًا، وأيضًا تلك التنهيدة التي خرجت من منتصف قلبه الذي عنّفه بشدة على غباء كلماته، وذكّره بصدق حديثها:

كلامك اللي إنت بتقوله دا كله بيبين إن كلامي صح. لما حست إن إنت مش هتكون في حياتها، بدأت تلجأ لأي حاجة تقربك منها. لو فكرت في كلامي بعقلك، وركنت قلبك على جنب، هتعرف إن عندي حق...

ألقت كلماتها في وجهه، وهمّت بالخروج من سيارته. فلم تعد قادرة على البقاء معه دون أن تنخرط في نوبة بكاء عنيفة جراء ذلك الجرح الذي سببته كلماته. لكن أوقفتها قبضته بلهفة؛ فقد أوشك قلبه على الانخلاع عندما رآها تغادره، وهذا الشيء لن يسمح به أبدًا. فهو إن كان يحبها سابقًا، فبعد ذلك السلام الذي وجده بجانبها، فقد أصبح يعشقها ولن يقدر على فراقها قلبه مادام ينبض بالحياة.

رايحة فين وسايباني؟

تلك اللهفة في صوته هزت قلبها بعنف، ولكنها حاولت التماسك أمام سحر عشقه الذي يطوقها، والتفتت له قائلة:

ماشية عشان منكونش بجبرك تفضل معايا.

آلمه قلبه لحزنها الواضح في عينيها الجميلة، واقترب منها محاولًا أن يراضيها، لكنها فاجأته بوضع يدها حائلًا بينهما، وهي تقول بحزم:

على فكرة يا مازن، باباك ومامتك ممتوش غضبانين عليك ولا حاجة. عشان بابا وماما راحوا عندهم بعد ما إنت مشيت، وبابا اتكلم مع أنكل توفيق وفهمه إن أسلوبه معاك غلط. وهو اعترف بدا، ونوى يصالحك أول ما ترجع. وطنط كمان كان دا رأيها، وكانت بتعيط وبتتوسلك عشان متخرجش من البيت وإنت زعلان منهم. ودا اللي قالته لماما...

تفشّت الصدمة على ملامح وجهه، وخاصةً حين تابعت:

_ ومحمود صاحبك كمان، انت ما أجبرتوش إنه ياخد الطلقة بدالك ويضحي بروحه عشان خاطرك، لو هو ماكانش شايف إنك تستحق دا ماكانش عمل كدا...

تبدّلت نظراتها إلى أخرى قاسية قبل أن تتابع:

_ أمّا بقى سيدرا، فاللي يخصها انت أكتر واحد أدري بيه وعارف إذا كانت غلطت ولا لأ؟ ولو عايز تعتبره ذنب بدل اللي اتشال من على كتافك فصدقني مش همنعك، واستمتع بالمعاناة بقى براحتك... عن إذنك.

عودة للوقت الحالي

أضاء قلب كارما من جديد عندما قرأت تلك الرسالة على هاتفها من ذلك الذي كان يقود السيارة بسلاسة ولا يدري شيئًا عن كل تلك المشاعر التي أثارتها كلماته البسيطة في قلبها:

"وحشتي قلبي اللي طول الليل سهران يفكر فيكِ و خاصمني عشان خاطرك."

أغلقت كارما هاتفها بأصابع مرتعشة ودقات قلب جنونية، فهي نوت عدم الرد عليه عقابًا له على حديثه الأخير معها، ففاجأها برسالة أخرى؛ فقد التقطت عيناه يديها المرتجفة وهي تمسك بهاتفها وقد عزمت على عدم الرد عليه كما توقّع:

"طب ما تجربي تطاوعي قلبك المسكين دا اللي وصلني صوت دقاته من هنا."

ارتبكت كثيرًا، هل لهذه الدرجة هي مكشوفة أمام عينيه؟ وهل فعلاً سمع دقات قلبها الجنونية؟! فبلّلت شفتيها من فرط الخجل، ففاجأها برسالة أخرى صدمتها:

"وحياة أمك لو عملتي الحركة دي تاني، لهوقف العربية في نص الطريق وأديكِ بوسة ترجع عقلك لراسك تاني."

شهقت كارما من وقاحته والتفتت إليه غاضبة، لكنها أمسكت لسانها في آخر لحظة حتى لا تشتبك معه، فهي قد أقسمت ألا تحادثه طوال الطريق.

"انت قليل الأدب ووقح جدًا."

أنهت كارما رسالتها وضغطت على زر الإرسال، ليفاجئها مازن بضحكة صاخبة وكأنه راق له حديثها كثيرًا.

"قليل الأدب دا بيعشقك."

أرسل مازن رسالته ليتورّد وجهها خجلاً فتصبح كالبدر في سماه.

"مش هرد عليك."

أرسلت رسالتها بعد أن عاندت قلبها ورفضت التسليم لعشقه الذي يأسرها، ليجيبها بحب:

"مش مستنيكِ تردي عشان عارف الإجابة... أنا بس نفسي أدوّقه."

"هو إيه دا؟"

أرسلت رسالتها بعد ما احتارت في معنى كلماته، ليفاجئها برسالته الوقحة:

"التوت اللي في شفايفك دا... هموت وأدوّقه."

قامت كارما بلكمه في كتفه قائلة بغضب مصطنع:

"بطل قلّة..."

ليقاطعها بابتسامة ساحرة قائلاً:

"بحبك..."

غرقا للحظات في بحر من العشق، فهي لأوّل مرة تراه ينظر إليها بتلك النظرات؛ كانت عيناه خاليتين من كل شيء سوى عشقه لها.
لأوّل مرة تجد صورتها المنعكسة في عينيه بمثل هذا الصفاء، والذي يوحي بأنه قد تخلّص من ذلك الذنب الذي كان يشوب ملامحه ويُضفي على عينيه ذلك الانطفاء والحزن.
كان ينظر إليها وكأنه يراها للمرة الأولى، يرغب بالسعادة معها من كل قلبه... يشعر وكأنه وُلد من جديد معها؛ فإن كان سابقًا يحبها، فالآن بات يعشقها.

"بعد إذن الحب... ياريت نبص عالطريق قدامنا، مش عايزة أموت وأنا في عز شبابي!"

كان هذا صوت غرام الغاضب من خلفهما، لينتفضا فزعين ويدرك مازن أنهم كادوا يتسببون في حادث، وتوالت عليه اللعنات والسباب من السائقين حوله، لتضحك غرام بشدة على مظهره الغاضب من أولئك المجانين وتقول من بين ضحكاتها:

"وسع صدرك يا ميزو، لسه ياما هتتشتم وهتتمرمط بسبب الحب. ولا انت عايز تاخد الصاروخ الروسي كدا سوليطي موليطي ولا إيه يا كوكو؟"

"بس يا بيئة..."

تحدّثت كارما بعد أن حاولت السيطرة على خجلها، وأردف مازن متوعدًا:

"ماشي يا غرام الكلب... أما وريتك."

غرام باستخفاف:

"ولا تقدر تعملي حاجة."

تجاهل حديثها وقال مقترحًا:

"بقولك إيه يا ميمو، ما تنامي. الطريق لسه طويل قدامنا بتاع سبع ساعات على ما نوصل، وأكيد هتتعبي."

"ليه إن شاء الله؟ راكبين سلحفاة؟! هنوصل في سبع ساعات! وبعدين مين دي اللي تنام عشان أصحى ألاقي نفسي بتحاسب في القبر ولا إيه؟"

قالت كارما بلهفة:

"بعد الشر عنك يا ميمو... ما تقوليش كدا."

"أيوه ياختي ثبّتيني. مانا هنام من هنا، تقضّوها انتو نظرات وهمسات من هنا، وغرام الغلبانة تروح في الرجلين! لا يا حبايبي، قاعدة على قلبكوا..."

انفلتت ضحكة ناعمة من ثغر كارما لتُشعل في جوفه نيران الشوق، فصاح في غرام متوسلاً:

"أبوس إيد أهلك... نامي نص ساعة بس. عايزها في موضوع مهم."

تحدثت غرام التي كانت تعرف ما يريده ذلك الماكر، فصاحت بمكر:

"موضوع مهم! آه عليا أنا الكلام دا! ودا موضوع نظري ولا عملي؟ ولا تكون ناوي تجرّب التوت؟! انسى يا بابا... أنا قاعدة على قلبك. أساسًا أمي بعتاني معاكوا نادورجي. أي حاجة هكا ولا هكا تلاقوني على دماغكوا على طول، فاهمني طبعًا؟"

"وديني لهكون مربيها!"

قالها مازن لكارما مغتاظًا، لتطلق الأخيرة ضحكة كي تغيظه أكثر.
فاقترب منها قليلًا ليقول من بين أسنانه بصوت خفيض لا يسمعه سواها:

"اضحكي ضحكة زي دي تاني... وأنا ورحمة أمي لهكون شارحلك الموضوع عملي، وواكل التوت كله قدامها، وتبقي توريني هتعملي إيه... بنت فاطمة."

ألقى كلماته وعاد يعتدل في جلسته أمام المقود، تاركًا تلك التي كان الخجل يغمرها وتتملكها السعادة الغامرة بعشقه لها...

*****************

آلو.. أيوا يا شادي.. عرفتلي المعلومات اللي طلبتها منك؟ تمااام، أنا مسافة السكة هكون عندك.

أنهى علاء مكالمته ثم توجه نحو أدهم، الذي كان يتناول قهوته ويشتعل قلبه شوقًا لحبيبته التي لم تفارقه صورتها منذ ذلك اليوم الذي افترقا فيه، وتلك النبرة الحزينة التي رمقته بها عندما غادرته، وكلماتها السامة التي تقتله ببطء، والتي تتردد في أذنه طوال الوقت لتذكره بمدى حقارته معها.

آه، لو تعلم كم يعشقها؟ كم يتمنى أن يغمض عينيه ويفتحهما ليراها أمامه؟

يكاد يقسم أنه سيغرسها بجانب قلبه ولن يسمح لها بمغادرته أبدًا.

أخرجه من شروده صوت علي الذي قال:

أدهم، هخلع أنا ساعتين، ورايا مشوار مهم وبعدين هرجع عشان...

قاطعه رنين هاتف أدهم، فأشار له بالانتظار ليرد على المكالمة الواردة.

أيوا يا رائد.

تنبه علي عندما سمع ذلك الاسم، لينصب تركيزه على تلك المكالمة التي ما إن انتهت حتى قال أدهم:

أنا مضطر أمشي أنا كمان، عشان في شغل متعطل في الشركة ويوسف مش موجود.

تمام، روح، وأنا كمان هخلص مشواري وارجع على طول. إلا قولي يا أدهم، هو مش رائد دا اللي كان هنا وجدك طرده؟

قال أدهم بامتعاض:

آه يا سيدي، دا واحد من الناس اللي جدي غضبان عليهم، ورافض صداقته مع يوسف، وحتى كمان رافض وجوده في الشركة.

وليه كدا؟

استفهم علي محاولًا ألا يُظهر الاهتمام، الذي بدا جليًا في عينيه.

بعدين بقى يا علوة، انت مش وراك مشوار مهم؟ نتكلم لما تيجي، يالا بينا.

انصرف كلٌ منهما إلى وجهته، وبعد مرور ساعة كان علي يدخل إلى المقهى، وعيناه تبحثان عن ضالته، حتى وجد ذلك الرجل بانتظاره يلوّح له، فتقدّم منه وتبادلا السلامات، ليدخل علي في الموضوع قائلًا:

قولي، عرفت إيه عنه؟

اسمه رائد محمود نصار و...

يتبع ......

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...