الفصل 30 | من 57 فصل

رواية للعشق وجوه كثيرة الفصل الثلاثون 30 - بقلم نورهان العشري

المشاهدات
20
كلمة
7,265
وقت القراءة
37 د
التقدم في الرواية 53%
حجم الخط: 18

الوجه التاسع و العشرون للعشق 🌹

مؤخرًا أصبحت لا أثق بالإنطلباع الأول للناس، ولا أطمئن لملامح الوجوه في بداياتها، فهي عادةً ما تكون مُحملة برائحة النفاق، فالإنسان بطبعه يسعى لإظهار جانبه الجيد، فيُبرِز أجمل ما فيه، ويُخفي ما لا يُراد رؤيته، حتى تأتي المواقف، فتكشف الحقيقة، وتُزيح الغبار عن تلك القشرة اللامعة التي تخفي ما تحتها، و كم صُدمت بوجوه ظننتها نقية، فإذا بها أقنعة مُتقنة الصنع، تتخفى ورائها ملامح مرعبةً من الزيف والمثالية المزعومة، ولهذا فأنا مدينة لتلك الصدمات كثيرًا، و التي رغمًا عن قسوتها فقد كشفت لي معادن الناس من حولي.

نورهان العشري ✍️

🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁

كان عليّ في طريقه إلى المشفى حين رنّ هاتفه مُعلنًا عن اتصالٍ من رقمٍ مجهول، فأجاب على الفور:

_ أيوا يا شادي؟

_ عايز أقابلك ضروري.

_ في حاجة ولا إيه؟

_ جبتلك شوية معلومات بخصوص الجدع اللي خلتني أراقبه وأتحرى عنه.
قطّب عليّ جبينه، ثم سرعان ما فطن إلى حديث شادي، فقال بلهفة:

_ آه، صح! معلش، كان عندي شوية ظروف كده نسّيتني. طب أنا هحاول أنزل مصر في أقرب وقت ونشوف الموضوع ده.

_ أنا كده كده عندي مأمورية ناحيتكم، فممكن أعدّي عليك بكرة ونتقابل.

_ تمام أوي، يبقى نتقابل بكرة إن شاء الله.

أنهى عليّ مكالمته تزامنًا مع وصوله إلى غرفة غرام، ليجد كُلًّا من أدهم ورامي على وشك القتال، فقال بصوتٍ جهوري:

_ في إيه بيحصل هنا؟

توجّهت أنظارهما إلى عليّ، فبادر رامي بالحديث بنبرةٍ ساخرة، وهو الذي كان على وشك تحطيم أسنانه من شدة ضغطه عليها بفعل بركان الغضب الثائر بداخله:

_ أبدًا يا علي، كنت بشكر أدهم بيه على اللي عمله ومساعدته لينا في إنقاذ كارما وغرام، وكنت هدخل عشان أطمن على خطيبتي!

قال جملته الأخيرة بنبرة ذات مغزى لم تَفُت على عليّ، كما لاحظ احمرار وجه أدهم وذلك العِرق في رقبته الذي كان على وشك الانفجار، فتابع رامي بمكر:

_ هسيبكوا بقى وادخل أطمن عليها.

امتدت يد أدهم تلقائيًا ودون وعي لتمسك بمعصم رامي فوق مقبض الباب، قائلًا من بين أسنانه:
_ الدكتور قال إن غرام تعبانة، وطلب إن محدّش يزعجها.

سارع رامي بالحديث قائلًا بلهفة:
_ ما أنا هدخل أطمن عليها بصفتي دكتور برضو يا أدهم بيه. متقلقش، غرام معايا بأمان.

قطع عليّ الحديث قائلًا بصرامة:

_ ادخل يا دكتور رامي، اطمن على غرام، وأنا جاي وراك.

ابتسم رامي ابتسامة جانبية ساخرة، ارتسمت على ملامحه وهو يطالع أدهم بشماتةٍ وتشفي، قبل أن يفتح باب الغرفة ويغلقه بعنفٍ في وجه أدهم، الذي كان غضبه عظيمًا، واشتدّ تنفّسه، واسودّت عيناه حتى بدتا وكأنهما قادمتان من الجحيم.

اقترب عليّ منه يناظره بعينين ثاقبتين، قائلًا بجفاء:

_ ألف شكر يا أدهم، تعبناك معانا. بس أنا مضطر أقولك إن دورك انتهى لحد كده.

قطّب أدهم جبينه وقال من بين أسنانه:

_ تقصد إيه يا علي؟

_ أقصد إن اللي بتفكر فيه، واللي أنا شايفه في عينيك من أول ما عرفت باللي حصل، ما ينفعش يا أدهم. غرام مخطوبة، وهي اللي اختارت خطيبها وموافقة عليه. بيتهيألي كده فهمت أنا أقصد إيه.

هكذا أجاب عليّ، ليرد أدهم ساخرًا:
_ وانت شايف إنه مناسب ليها، صح؟

_ مناسب أو لا، دي حاجة متخصكش يا أدهم. لو سمحت خلينا حبايب زي ما إحنا، واتفضل من هنا. ومرة تانية شكرًا على وقفتك معانا، واتأكد إن ده هيفضل دين في رقبتي، وأول ما ييجي وقته هردهولك. عن إذنك.

أنهى عليّ حديثه، ثم تقدم إلى داخل غرفة غرام مغلقًا الباب خلفه، فوجدها ما زالت لم تستفق بعد، فوجه حديثه إلى رامي قائلًا:

_ طمّني يا دكتور رامي، غرام عاملة إيه؟

أجابه رامي بهدوء:
_ مؤشراتها الحيوية كويسة الحمد لله، وممكن تفوق في أي وقت.

_ طب الحمد لله، ألف شكر يا دكتور رامي، تعبناك معانا.

قال عليّ جملته الأخيرة وهو ينظر إلى رامي نظرةً ذات معنى، فطن إليها رامي الذي قال بلهفة:

_ إيه اللي انت بتقوله ده يا علي؟ غرام خطيبتي، وده واجب عليّ.

ابتسم عليّ ساخرًا ثم قال:
_ لا والله؟ تصدق إني نسيت الموضوع ده؟! ولما هي خطيبتك، سيبتنا وإحنا رايحين ننقذها وروحت فين؟

توتر رامي من حديث عليّ وقال مندفعًا:

_ يوسف أجبرني أروح أوصل كاميليا، وما جيتش معاكم.

قاطعه عليّ هازئًا:

_ ليه؟ هو يوسف وليّ أمرك ولا إيه؟ بص يا رامي، أيا كان اللي حصل وخلاك تسيبنا في ظرف زي ده وتمشي، فالنتيجة بالنسبالي واحدة، ومالهاش عندي غير رد واحد برضو:

انت غير جدير بأختي، ومن اللحظة دي تعتبر خطوبتك ليها اتفسخت.

اغتاظ رامي بشدة وقال بصوتٍ عالٍ نسبيًا:

_ مش من حقك تقول كده! الرأي رأي غرام، وأنا مش هسمع منك. هستناها لما تفوق وتقول هي بلسانها إنها مش عايزاني.

_ بس أنا فعلاً مش عايزاك.

***************

كان يوسف أمام باب المشفى في انتظار سيارات الحراسة التي كانت في طريقها إليهم لتحضر كاميليا التي لم تستطع الانتظار حتى عودتهم، فأمر يوسف رجاله بإحضارها إليهم. وما إن توقفت السيارة حتى اندفعت مُهرولة نحوه لترتمي بين طيات صدره، فقد نهش الخوف داخلها بشراسة، ولم تستطع الانتظار دقيقة واحدة، فتلقّفها يوسف الذي كان أكثر من مرحّب بوجودها بعد هذا اليوم العصيب، فقد كان وجودها بجانبه هو أقوى مُهدئ على الإطلاق يمكن أن يحظى به.

دفن وجهه بين حنايا قربها مستنشقًا عبيرها الفاتن، ساحبًا أكبر قدر ممكن من رائحتها العذبة إلى داخله. ظلّا على هذه الحال لوقتٍ ليس بقليل حتى رفعت كاميليا رأسها تطالع كل إنشٍ في وجهه وجسده بنظراتها العاشقة للاطمئنان عليه، لتقول بصوتٍ مُتلهف:

_ يوسف... إنت كويس؟

ابتسم يوسف بحب، ونثر عشقه فوق مقدمة رأسها قائلًا بلهجةٍ مطمئنة:
_ أنا كويس، متقلقيش.

تقاذفت العَبَرات من عينيها تحكي مقدار قلقها، مع تلك الرجفة في صوتها حين قالت:
_ أنا كنت هموت من الرعب.

احتوى وجهها بعد أن امتدت أصابعه لتزيل تلك العبرات الغالية كثيرًا على قلبه، وهو يقول بحب:

_ بعد الشر عنكِ، أنا زي الفل قدامك أهو. بلاش دموع بقى.

_ غصب عني والله، خفت أوي. طمّني طيب، غرام وكارما كويسين بجد زي ما قولتلي؟

مازحها قائلًا:
_ بتموتي في النكد قد عنيكي! ما قولت كويسين للمرة المليون، بطّلي عياط بقى.

أشعلت كلماته فتيل التمرد بداخلها، فقامت بإزاحة كفيه اللتين كانت
تُحيطان وجهها، رافعةً أنفها بشموخٍ تجلّى في نبرتها حين قالت:

_ أي إنسان عنده ذرة إحساس أكيد هيتأثر بالموقف اللي حصل، وبما إني إنسانة حساسة جدًا فأكيد غصب عني هعيّط، يعني مش نكدية زي ما بتقول!

كان يراقب تعبيرات وجهها التي يعشقها، بدايةً من حاجبها الذي ترفعه بغيظ، مرورًا بعينيها اللتين اشتعلتا ببريق التحدي، وصولًا إلى حركة شفتيها التي كانت تمطّها بطريقةٍ طفوليةٍ محببةٍ إليه كثيرًا، فقد كانت أمامه كالفاكهة الشهية التي يودّ التهامها في الحال. لكنه أراد أن يُشاكسها قليلًا ليستمتع بمظهرها الطفولي المُغري أكثر، فقال متخابثًا:

_ حساسة، اممم، قولتِلي... يعني مش عشان كنتِ هتموتي من القلق عليا زي ما قولتِ من شوية وما صدّقتي شوفتيني وكده؟

اغتاظت من لهجته، فقد كانت مكشوفة أمامه كثيرًا، وهذا لا يروقها في ذلك الوقت تحديدًا وهي غاضبة منه، فقالت بنفيٍ ولهجةٍ غاضبةٍ وصوتٍ عالٍ نسبيًا:
_ لا طبعًا! أنا كنت هموت من القلق عشان غرام وكارما، مش عشان حد تاني!

رفع إحدى حاجبيه قائلًا بلهجةٍ محذّرة:

_ صوتك يا كاميليا.

زادت كلمته من غضبها، لكنها خفّضت صوتها قائلة:

_ تحب أخرس خالص بدل صوتي مضايقك؟

أجابها بهدوءٍ وهو يُجاهد ليخفي ابتسامته:

_ وبعدين؟

_ صالحني.

خرجت الكلمة من فمها باندفاعٍ وغضب، فصُدم من حديثها، وحين أوشك على إجابتها بادرته قائلة:

_ ومتقوليش "عملتِ إيه"، عشان إنت عارف عملت إيه زعلني!

أنهت كلماتها ثم توجهت إلى الداخل، فما كادت أن تخطو خطوتين حتى تسمرت في مكانها بفعل ندائه الغاضب:

_ كاميليا!

لم تلتفت حتى لا يرى مقدار تأثيره عليها، لكنها ظلت ثابتة في مكانها، لتأكل أقدامه الخطوات الفاصلة بينهما، وتمتد يداه لتقبض على معصمها بشدة، ثم أدارها نحوه قائلًا بصرامة:

_ أول وآخر مرة نبقى واقفين بنتكلم وتسيبيني وتمشي... فاهمة؟

لم تُجب عليه، فقد كانت تغلي من شدة الغضب، ليُكرر سؤاله هذه المرة بنبرةٍ أعلى:

_ فاهمة؟

أجابته بصوتٍ مكتوم، إذ كانت داخليًا تأبى الانصياع لأوامره:

_ فاهمة.

ضحكةٌ رائعة زينت محياه على هيئتها، ثم رفع يدها إلى فمه واضعًا قبلةً عميقةً عليها، وحاوطها بيده الأخرى ليقربها منه، ثم قال متخابثًا:

_ بعد كده لما تزعلي مني، قوليلي بيني وبينك، مش قدام الناس كده... عشان أعرف أصالحك صح.

قال الأخيرة ثم اتبعها بغمزةٍ عابثةٍ أربكتها، ثم أضاف بنفس لهجته العابثة:

_ بس برضو ما يمنعش إني أصالحك نصّ صلح كده... لحد ما نبقى لوحدنا.

أنهى كلماته واقترب منها، فتراجعت على الفور قائلةً بلهفة:

_ يوسف، اعقل! إحنا قدام الناس!

زاد من اقترابه منها وهو يقول بعبث:

_ والله أبدًا، لازم أصالحك، ميرضنيش تفضلي زعلانة كده.

أجابته بلهفة وقد كانت ملامحها تقطر خجلًا:

_ أقسم بالله عمري ما فكرت أزعل منك.

قهقه على مظهرها ووجنتيها اللتين غزاهما الاحمرار، وقال من بين ضحكاته:

_ جبانة! مش قد اللعب، متلعبيش... وبرضو لما نروح هصالحك، ما يرضنيش زعلك أبدًا.

أنهى كلماته ثم أخذ يدها وتوجها إلى الداخل. وما إن وصلا إلى الطابق الذي تقع فيه غرفة كارما — التي أصرّ مازن على إجراء بعض الفحوصات لها ليطمئن عليها — حتى وجدا ذلك الخروج العاصف لأدهم الذي كان لا يرى أمامه. كان مظهره يوحي بأنه على وشك ارتكاب جريمة، فقالت كاميليا بلهفة:

_ في إيه يا يوسف؟ أدهم شكله كده ليه؟ تكون غرام حصلها حاجة؟

تفهم يوسف حالة شقيقه، فهو يعلم بأن رامي جاء إلى المشفى، فاقترب منها ليطمئنها قائلًا:

_ متقلقيش، مفيش حاجة، غرام كويسة. ادخلي إنتِ عند كارما ومازن، وهما ياخدوكي عند غرام، وأنا هروح أشوف ماله.

لم يكن مظهره يسمح لها بالجدال معه، فاكتفت بهزّ رأسها إيجابًا وتوجهت إلى داخل الغرفة.

*********

من المُؤلم أن تُغادر وطنًا كنت تظنه لك، وأن تترك خلفك جزءًا منك يسكن طرقاته وزواياه. لكن الأشد وجعًا، أن يأتي بك الحنين جرًا لتعود إليه، فتجده لم يعُد لك. بل صار موطنًا لغيرك. حينها فقط تدرك معنى أن يأكلك الندم حيًا.

نورهان العشري ✍️

🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁

شعر أدهم وكأن حديث علي وكلماته طعناتٌ نافذة غُرزت داخل قلبه، لكن أكثر ما آلمه واعتصر فؤاده من الداخل هو وجود ذلك الرجل إلى جانب حبيبته؛ فقد كان على حافة الجنون. كيف يمكن لرجلٍ آخر أن يكون بجانبها في هذا الوقت؟

هو فقط يشتعل من مجرد أن يراها أحد، فكيف بوجود ذلك الغبي بجانبها بصفته خطيبها؟
تلك الفكرة كادت أن تقتله، فقد كان يمشي هائمًا على وجهه، لا يرى ولا يسمع كل تلك الأبواق التي انطلقت من السيارات التي كانت تعبر الطريق الذي قطعه دون النظر حوله، فتوالت عليه اللعنات والسباب من الناس حوله، لكنه كان كمن فقد عقله.
هناك ألمٌ شديد على يساره، قادرٌ على إنهاء حياته في تلك اللحظة، ليظل في طريقه إلى أن وصل إلى شاطئ البحر.

فأخذ ينظر إليه، تسبقه مياهُ عينيه التي انهمرت بشدة، وأخذ يهذي بكلماتٍ غير مفهومة وهو يعتصر رأسه بين كفيه قائلًا بهستيريا:

_ لا يا رب، لا... أنا مش هستحمل كده، أبدًا... لا... لاااااااااااااا...

أوقف هذيانه يدُ يوسف التي امتدت، وأدارته إليه بعد أن جفَّ حلقه من كثرة النداء عليه، عندما رآه يعبر الشارع بتلك الصورة الهمجية، فقد علم أن مقدار وجع أخيه قد تخطى حدود المعقول، ليقول بصوتٍ جهوري:

_ أدهم! في إيه؟ وإيه اللي عامِل فيك كده؟

نفض أدهم يد يوسف عنه وقال بقلبٍ ممزقٍ وصراخٍ جَرَح أحباله الصوتية:

_ بموت يا يوسف... بموووت!

ذُعِر يوسف من مظهر شقيقه الرث، وتلك الحالة التي كان عليها، فهو في حياته لم يره ضعيفًا مجروحًا هكذا، ليقترب منه قائلًا بمواساة:

_ اهدى يا أدهم وفهّمني... في إيه؟ إيه اللي حصل وخلاك في الحالة دي؟

قال أدهم بانهيارٍ تمزق له قلب يوسف:

_ اللي حصل إني حيوان... ضيّعت مني الحاجة الحلوة الوحيدة في حياتي. ضيّعتها يا يوسف... ضيّعت غرام من إيدي، والنتيجة؟ إني بموت هنا... والحيوان ده قاعد فوق معاها!
هو له الحق يكون معاها وأنا لأ؟ له الحق يشوفها ويطمن عليها وأنا لأ؟ عرفت ليه بموت؟

أضاء عقل يوسف بفكرةٍ اقشعرّ لها جسده، فطالعه بنظرةٍ تحذيرية وقال بجفاء:
_ وانت عملت إيه يا أدهم عشان تخليها تضيع من إيدك وتبقى لغيرك؟

صمت أدهم، وتولت عيناه الإجابة، وملامح وجهه التي يأكلها الندم، فاقترب منه يوسف ممسكًا بتلابيبه قائلًا من بين أسنانه:

_ أوعى يكون وسّخت معاها يا أدهم! وإلا هكون أنا اللي مموتك بإيدي!

أسدل أدهم كتفيه بانهزامٍ، ونكّس رأسه قائلًا بقهر:
_ مقدرتش... والله ما قدرت أعمل فيها كده.

_ مقدرتش! يعني حاولت؟ حاولت تأذيها يا حيوان؟!

أنهى حديثه بكلمةٍ قاسية من يده اليمنى سقطت على خد أدهم الأيسر، فحطمته دون أدنى مقاومةٍ منه، وعندما أوشك أن يلكمه مرة ثانية وجد يد مازن التي امتدت تمنعه من تحطيم وجهه، فهو — بنظره — قد تخطى جميع الخطوط الحمراء.

تدخل مازن بينهما، وقام بتخليص أدهم المستسلم تمامًا من يد يوسف الغاضب بشدة، وهو يقول في محاولةٍ لتهدئة ذلك الثور الغاضب:
_ اهدى يا يوسف! مش شايف حالته؟!

تحدث يوسف صارخًا:
_ ده عايز الحرق بالنار! يستاهل كل اللي يجراله!

_ خلاص يا يوسف، الكلام ده لا وقته ولا مكانه!
تحدث مازن بغضب، ليجيبه يوسف وقد هدأت نبرته لتتحول من غاضبة إلى ساخرة:
_ الكلام خلص خلاص... عارف يا أدهم؟ الضرب خسارة فيك!

أنا هسيب نارك اللي هنا دي تحرقك، وهو ده العقاب اللي تستحقه.
وضرب بيديه موضع قلبه الذي يدق بجنون، ثم أنهى كلماته وتحرك إلى داخل المشفى وهو يلعن أدهم في داخله، ثم وقف بعد بضع خطوات والتفت قائلًا بلهجةٍ صارمة:

_ ومن النهارده أنا اللي هقفلك لو فكرت تقرّب لها خطوة واحدة!

هنا خرج أدهم عن شعوره، فها هو سدٌّ آخر قد بُني بينه وبينها، فصرخ قائلًا بانفعال:
_ مش هتقدر يا يوسف! محدش هيقدر يقف بيني وبينها!

ليجيبه يوسف بنفس لهجته بل أعلى:
_ لا، هقدر يا ابن الحسيني! أصلًا لو كنت أعرف اللي عملته ده، عمري ما كنت آمنتك عليها لحظة واحدة! بس غلطة وهتتصلّح، وطول ما غرام هنا... إياك تقرّب من المستشفى، فاهم؟

كان أدهم على وشك الصراخ حين تدخل مازن مانعًا إياه من الحديث، قائلًا بصرامة:
_ ما تهدى بقى يا أخي! إيه فاضل إيه غلط ما عملتوش؟ حتى يوسف اللي كان ممكن يساعدك بقى ضدك! بطل أسلوبك الهمجي ده بقى!

ثار أدهم مرة أخرى وقال بقهر:
_ مش سامع بيقول إيه؟!

_ لا، سامع ومتوقّع هيقول إيه لما يعرف عملتك المهبّبة دي!
وأوعي تفكر إن عشان واقف معاك، إني موافقك.
أنا بس مُشفق عليك، وعارف اللي مريت بيه قبل كده،
ولولا كده كنت كسرت دماغك الشمال دي!

يأس من الحديث، وقد شعر بأن كل العالم اتّحد ضده وأخذ يحاسبه على فعلته النكراء، ليقول بإحباط:
_ والحل إيه دلوقتي؟ أنا هموت يا مازن... هموت!
هاين عليّ أطلع أقتل رامي ده وأشدّها من إيدها وأقولها: "إنتِ بتاعتي أنا... حبيبتي أنا... ملكي أنا وبس!"

صمت لثوانٍ، يفرك وجهه بتعبٍ قبل أن يُضيف بقهر:

_ أنا لو فضلت على كده ممكن يا أرتكب جناية يا أموت من القهرة.
زفر مازن حانقًا من ذلك المجنون وقال من بين أسنانه:
_ ممكن تهدى عشان نشوف هنتصرف إزاي؟
وخصوصًا مع يوسف اللي أول واحد هيقف في وشّك، وممكن يطرّبق الدنيا على دماغك، ومش هيهمه أي حد ولا هيعمل اعتبار لأي حاجة!

أمسك أدهم رأسه، وأخذ يدور حول نفسه وهو لا يدري ما عليه أن يفعل، ليقول بيأس:
_ أنا مش هقدر أصبر لحظة واحدة، والحيوان ده قاعد معاها فوق!
أنا هطلع أطير رقبته وأخلّص منه!

أنهى كلماته ثم خطا مهرولًا إلى المشفى، لتوقفه يد مازن ما إن خطا بضع خطوات، وهو يقول بغضب:
_ الله يخرب بيتك! بطل جنان بقى! هتودينا في داهية!
علي بس اللي معاها فوق!

التفت أدهم ونظر إليه بارتياب ثم قال مستفهمًا:
_ بجد يا مازن؟ ولا بتقول كده عشان أهدى؟

تحدث مازن بحنق، فقد ضاق ذرعًا بحماقته، ليقول بنفاد صبر:
_ والله ما بكذب عليك! روّحت أودي كاميليا وكارما عندها، لقيتها فاقت وقاعدة مع علي.
جيت جري ألحقك لما كاميليا قالت لي على شكلك وإنت خارج،
وعلى فكرة، شكل علي ما كانش يطمن لما شفته.
علي لو شمّ خبر عن اللي كان بينك وبين أخته، هو اللي هيطير رقبتك بجد!

استكان أدهم، وسرعان ما هدأت ضربات قلبه تدريجيًا عندما سمع حديث مازن، وهو أن ذلك الرجل ليس بجوارها، ليتنفس الصعداء قائلًا:
_ متقلقش، مش هيعرف حاجة خالص... أنا بس عايزك تساعدني وتقف جنبي، وأنا هصلّح كل حاجة عملتها.

لوى مازن شفتيه ثم قال بامتعاض:
_ وأنا المفروض أساعد جنابك إزاي؟

قال أدهم بغموض:
_ هقولك.

***********

أفتقدك رغم يقيني التام بأنك لم تكن لي يومًا ،
لكنّ هناك جزءًا صغيرًا بداخلي لا يخجل من الاعتراف بأنك تنتمي إليه

نورهان العشري ✍️

🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁

_ غرام، انتِ بتقولي إيه؟_
ارتبكت غرام قليلًا، فهي كانت مستيقظة منذ دخول علي، لكنها تظاهرت بالنوم، فلا طاقة لها على الحديث. إلا أن الكلمات سرعان ما خرجت من بين شفتيها عندما وجدت رامي ما زال متمسكًا بها.
_ كلامي واضح يا دكتور رامي، أعتقد إنك كنت مديني وقت أفكر وأردّ عليك، وأنا دلوقتي بقولك: أنا آسفة، أنا فعلًا اتسرعت لما وافقت على خطوبتنا، لو سمحت يا ريت تفهمني._

هزّ رامي رأسه متفهمًا، وقد شعر بأنه وضع نفسه موضع الأحمق حين أقحم نفسه في تلك العلاقة، فحتى وإن كابرت غرام، فهناك شعور كبير تكنّه بداخلها لذلك الرجل، وهذا ما أغضبه، فقد كان يريد الانتقام منه لتطاوله عليه بالمشفى، لكنه لا ينكر أن هناك شعورًا قويًا بداخله تجاه تلك الفتاة، إلا أن كرامته أغلى بكثير.
تحمحم رامي ووجّه أنظاره إلى علي الذي كان يتابع الموقف بصمت تام

_ تمام يا علي، كل شيء قَسَمة ونصيب، وأنا بنسحب من حياة غرام، بس قبل ما أمشي، عايز أوضّح نقطة واحدة. أنا ما سبِتكمش ورُحت مع كاميليا عشان أنا واطي أو غير أمين على أختك! أنا رُحت عشان دا واجبي، وكاميليا دي حالتي وأنا الدكتور بتاعها، ومكنش ينفع أسيبها._

وافقه علي الرأي وقال بتأييد:
_ عندك حق، دي حالتك وده واجبك، بس واجبي تجاه أختي يخليني أديها للإنسان اللي يسيب الدنيا كلها ويجري عليها لما تكون محتاجاه. واحد تكون هي رقم واحد في حياته، واعتقد إنك مش الإنسان ده، عشان كده بقولك: فرصة سعيدة يا دكتور رامي، واتشرفت بمعرفتك._

أنهى علي كلماته التي وضعت الحقيقة أمام رامي ليدركها بعد فوات الأوان، ناظرًا إلى يد علي الممدودة ليصافحه بصمت، ثم غادر الغرفة دون أن ينظر خلفه. لم يلحظ تلك التنهيدة التي خرجت من جوف غرام بارتياح، فقد كان كابوس رامي أكبر من كابوس اختطافها. لم تلحظ تبدل ملامح علي الذي اقترب من سريرها، جاذبًا الكرسي ليجلس بجانبها قائلًا بنبرة ذات مغزى:
_ ياااه، رامي كان تقيل على قلبك أوي كده؟ أومّال وافقتي عليه ليه من الأول يا غرام؟_

ارتبكت كثيرًا من حديث علي ونظراته الثاقبة، فلم تجد ما تقوله فخفضت رأسها، والندم يأكلها من الداخل. شعر علي بما يدور بداخلها، فقرر تغيير الحديث قائلًا بنبرة حانية:
_ عاملة إيه دلوقتي؟_

_ الحمد لله._

_ في حاجة بتوجعك؟_

هزّت رأسها نافية، فمدّ يده وأمسك بيدها قائلًا بحنان:
_ باصّة لتحت ليه؟ بصّيلي._

رفعت غرام رأسها تطالعه بنظرات يكسوها الندم، فبادرها علي قائلًا:
_ زعلانة عشان رامي؟_

_ زعلانة عشان انت زعلان مني يا علي._

خرجت تنهيدة قوية من جوفه، اتبعها بحديثٍ شقّ قلبها إلى نصفين:
_ من يوم ما بابا الله يرحمه مات، وأنا باعتبرك إنتِ وكارما بناتي. بفهمكوا من نظرة عينيكوا، وحاولت على قد ما أقدر أعوّضكم عن حنان الأب. كنت بدلعكوا وعمري ما قسيت عليكم، عندي استعداد أعمل المستحيل عشان أشوفكم مبسوطين وفرحانين، حتى لو على حساب نفسي. كنت دايمًا بوقف قدام ماما لما تزعل واحدة فيكم أو تقسى عليها، لكن مش معنى كده إني غبي يا غرام، ولا معنى إني بديكم المساحة والحرية إنكِ تستغفليني._

قاطعته غرام بلهفة:
_ علي..._

إشارة واحدة من يده كانت كفيلة بجعلها تبتلع حروفها، خاصة عندما أكمل حديثه الذي أصابها في الصميم:
_ الحب مش عيب يا غرام، ومحدش يقدر يحاسب حد على مشاعره، بس الإنسان بيتحاسب على تصرفاته، وتصرفاتك الفترة اللي فاتت أكدت لي إنك مش مسئولة. حسّستيني إني كنت غلط لما وثقت فيكِ زيادة._

هطلت العبرات من عينيها، فقد كان أصعب شيء عليها أن تتسبب في حزن أخيها الذي كان بمثابة الأب لها. هو الذي فعل المستحيل لتوفير كل ما تحتاجه، ماديًا ومعنويًا، ولم يشتكِ يومًا. كان نعم الأب والأخ والصديق، لا يستحق منها أن تطعنه في ظهره بهذه الطريقة، لكنها أخطأت، وعليها أن تدفع الثمن، حتى لو كان غاليًا جدًا على قلبها، وهو خسارة ثقته بها.
لم تستطع سوى أن تتمتم ببعض عبارات الأسف التي لم تغيّر شيئًا من ملامحه الجامدة ونظراته الحزينة، لينتصب واقفًا قائلًا بجمود:

_ مفيش حد فينا ما بيغلطش، بس الأهم إننا نتعلم من غلطنا ونحاول نصلحه، وما نصححش الغلط بغلط أكبر، وما نبقاش فريسة لانفعالاتنا ونزواتنا. حمد الله على سلامتك._

أنهى حديثه ثم توجه إلى الخارج، فما إن فتح باب الغرفة حتى وجد كاميليا وكارما على وشك الدخول، فتخطاهما خارجًا. اندفعت كاميليا مستفسرة:
_ علي مالُه؟ في إيه؟_

أجابتها كارما بقلق:

_ معرفش يا كاميليا، شكله مش مطمِّن. بصّي، ادخلي إنتِ لغرام، وأنا هروح أشوفه._

وبالفعل انطلقت كارما خلف علي، بينما دخلت كاميليا إلى غرام التي كانت تبكي بهستيريا، فسرعان ما تلقفتها كاميليا في محاولة لتهدئتها:

_ غرام، مالك يا حبيبتي؟ فيكِ إيه؟_

أخذت غرام تبكي بحرقة بين ذراعي كاميليا حتى استطاعت أخيرًا الحديث قائلة من بين دموعها:

_ علي زعلان مني أوي يا كاميليا._

قطبت كاميليا جبينها وقالت مستفهمة:

_ وعلي زعلان منك ليه؟ دا كان هيجنن عليكِ إنتي وكارما! معقول برضو يزعل منك؟!_
همست غرام من بين عبراتها:

_ أيوه زعلان مني، أوي كمان... أنا خُنت ثقته فيَّ يا كاميليا._

رفعت كاميليا إحدى حاجبيها لتقول غرام بخفوت:
_ هحكيلِك._

أخذت غرام تقصّ على كاميليا ما حدث منذ لقائها الأول بأدهم، إلى يوم اختطافها، مرورًا بخطبتها المزعومة لرامي، وكل ما جرى بينهما. كانت ملامح كاميليا تتبدل بين الدهشة والحزن والذهول، وأخيرًا الغضب. ولأدهم كان النصيب الأكبر من ذلك الغضب. ثم قالت بعد لحظة صمت راقبت خلالها غرام بنظرات مترقّبة:

_ كل دا حصل يا غرام وأنا معرفش؟_

خفضت غرام رأسها قائلة بخفوت:

_ مكنتش قادرة أقول لحد خالص، إنتي أول واحدة أحكيلها._

_ وعلي بقى يعرف الفيلم الهندي دا كله؟_

هكذا سألت كاميليا، لتجيبها غرام بلهفة:
_ لا طبعًا، علي ميعرفش حاجة. هو بس حاسس إن في حاجة بيني وبين أدهم، وطبعًا خطوبة رامي خلتُه يحس إني مكنتش صريحة معاه، وعشان كده زعل مني._

قالت كاميليا بنبرة تقريع:
_ ومتخيلة لو عرف اللي حصل بينك وبين أدهم دا يا غرام ممكن يعمل فيكِ إيه؟_
شهقت غرام برعب:
_ أنا والله ما عملتش حاجة غلط، أنا بس حبيته._

ردت كاميليا باستهجان:
_ ما عملتيش حاجة غلط؟ وسهرك طول الليل تكلميه في التليفون دا إيه؟ وخروجك معاه من ورا أهلك؟ وإنك تقبلي دعوته على العشا في السويت بتاعه دا مش غلط؟_

لم تُجبها غرام، فتابعت كاميليا بتقريع:
_ فاضل إيه غلط ما عملتِهوش؟ وزعلانة إنه فكر إنك إنسانة وحشة وحاول يعمل فيك كده؟ أمال المفروض يفكر فيكِ إيه؟ قوليلي حاجة واحدة بس عملتيها تخليه يفكر فيكِ غير كده؟_

كانت غرام مصدومة من كلمات كاميليا القاسية التي وضعتها أمام الحقيقة، فلم تجد ما تقوله ردًا على اتهاماتها، فهي كانت محقة تمامًا. لتزيد كاميليا من تعنيفها قائلة:
_ عارفة يا غرام، إنتِ عملتِ كل حاجة في الدنيا ممكن تخلي راجل يقول مرة واحدة إن البنت دي مش كويسة._

قالت غرام بحزن، والدموع تتساقط من عينيها:
_ بس أنا والله ما كنتش أقصد أي حاجة من دي._

_ عارفة إنك ما كنتيش تقصدي، بس دا لأني أعرفك يا غرام، لكن هو يعرفك منين؟ واحد شايف واحدة رايحة جاية معاه وكلام وخروج، هيفكر فيها إزاي؟_

اقتربت منها كاميليا بلهجة أهدأ:
_ بصي يا غرام، لو إنتِ رخصتي نفسك، محدش في الدنيا هيغليها. لا فلوس، ولا عيلة، ولا نفوذ، ولا أي حاجة. نفسك دي أمانة ربنا ادهالك عشان تحافظي عليها، مش عشان تهينيها كده. أنا عارفة إنك بريئة وطيبة وبتتصرفي بعفوية، بس دا ما ينفعش مع كل الناس._

احتوت وجهها بين يديها وقالت بحنان، على عكس لهجتها السابقة:
_ الناس وحشة أوي يا غرام، ما ينفعش معاهم الطيبة والبراءة دي كلها، وبالذات الرجالة. لازم تبقي دايمًا فوق، نجمة بعيدة في سابع سما، ما يطولِكيش غير لما يطلع عينه عشان يعرف قيمتك، لإن لو إيده طالتك بسهولة، هيفرّط فيكِ بسهولة._

انهارت غرام في أحضان كاميليا قائلة بنبرة محشوة بالوجع:
_ أنا عارفة إني غلطت، بس ما كنتش أعرف إني غلطت أوي كده، وإنّي رخصت نفسي للدرجة دي، والله ما كنت أعرف._

ربتت كاميليا على كتفها قائلة بمواساة:
_ اهدى يا حبيبتي، أنا عارفة إنك ما كنتيش تعرفي، بس عارفة؟ أنا عجبني أسلوبك مع الحيوان اللي اسمه أدهم دا._

زادت ضربات قلب غرام عندما سمعت اسمه، لكنها أبت أن تفتح جراحها مجددًا، فاختارت الهروب من شبح حبه الذي قد يقتلها يومًا، وقالت باستنكار:
_ أرجوك يا كاميليا، متجيبيش سيرته، خلاص، ما بقاش له وجود في حياتي._

رفعت كاميليا حاجبها بمكر قائلة:
_ براحتك، أنا كنت عايزة أحكيلِك هو كان هيجنن عليكِ إزاي وإنتِ مخطوفة._

نبش الفضول أنيابه في قلبها، فودّت لو تسمع ما يسكّن ألمها قليلًا، فقالت بلهجة حاولت أن تبدو ثابتة:
_ مين اللي كان هيجنن عليا؟ تلاقيه كان حاسس بالذنب بس... دا لو عنده ضمير يعني._

نظرت كاميليا إلى عينيها وقالت بصدق:
_ بصي يا غرام، أنا يعلم ربنا مش طايقة أدهم ولا طايقة أشوف وشّه بعد اللي عمله، بس بأمانة، هو فعلًا كان هيموت من القلق عليكِ. أنا عارفة أدهم كويس، أدهم مش بيحبك بس... دا بيموت فيكِ. وإنتِ كمان بتموتي فيه، ومتعملِيش نفسك مش واخدة بالك._

_ والحل يا كاميليا؟ بعد اللي عمله دا، تفتكري أقدر أرجعله تاني؟_

_ الموضوع هيبقى صعب، أنا عارفة، بس المستحيل بجد إن أدهم اللي شُفته وإنتِ مخطوفة دا يقدر يبعد عنك لحظة واحدة._

صمتت كاميليا لثوانٍ قبل أن تقول بمكر:

_ بصي، أنا مش بقولك ارجعيله، لكن هقولك رَبّيه، خدي حقك منه تالت ومتلت لحد ما تحسي إن نارك بردت، وقدرتي تسامحيه، وقلبك يصفاله. وتقريبًا، إنتِ قطعتي نص الطريق باللي حكيتيهولي دا._

زفرت غرام بتعب، فهي محقة، فلا طاقة لها على الحياة بدونه، فكيف تفارقه وهي التي رمت بنفسها في الموت لتنقذه؟ لكن ما عساها أن تفعل، فقلبها الذي يعشقه هو نفسه الذي يأمرها بالابتعاد عنه. فما كسره داخلها لا يمكن إصلاحه ببساطة... فما العمل؟

قطع سير أفكارها رنين هاتف كاميليا معلنًا وصول رسالة. وما إن نظرت إلى فحواها حتى اعتذرت لغرام، وتوجهت إلى الخارج، تاركة إياها غارقة بأفكارها، فلم تلحظ ذلك الذي اقتحم غرفتها مغلقًا الباب خلفه، يناظرها بنظرات غامضة... فقد وصل أخيرًا إلى مبتغاه.

**********

كانت نيفين تنظر إلى روفان وهي تلهو مع زين في الحديقة، وعيناها تلمعان بالسعادة، فها هي خطتها تسير على النهج المطلوب، وقريبًا ستحقق مبتغاها. فتلك الحيّة سميرة تخرج كعادتها عندما يكون جدها يأخذ وقت استراحته، ولكن تلك المرة كانت تعلم وجهتها، ولم تُصدم كثيرًا، فقد أصبحت على علمٍ تامٍ بحقارة تلك المرأة، وقد آن الأوان للتخلص منها.
لكن مهلاً، بقي القليل، وأيضًا فقد اقترب وقت عودتها، لذا بدأت في تنفيذ جزء آخر من خطتها. اقتربت من روفان وزين وجلست على الأرجوحة أمامهما، لتطالعها روفان بنظرات خالية من الود وتقول لـزين بلهجة حادة:
يلا يا زينو نمشي من هنا ونروح نلعب في حتة طراوة، أصل الأكسجين اختفى من حوالينا.

طاوعها ذلك الطفل البريء وهو لا يدري ماذا يحدث حوله، لكن استوقفته تلك الأصوات المكتومة بالبكاء القادمة من تلك الفتاة التي يشعر برفضها له منذ دخوله إلى هذا المنزل، ليجذب يد روفان وهو يقول ببراءة:

الحقّي يا لوفي، دي بتعيّط.

نظرت إليها روفان بنصف عين وقالت بسخرية:
سيبك منها يا زين، هتلاقيها ملقتش حد تنكد عليه النهارده فصعبت عليها نفسها. يلا نمشي من هنا.

زادت شهقات نيفين وتوجهت إلى مكانهما، ورسمت الحزن على ملامحها وهي تقول بصوت مبحوح ونبرة تقطر ألمًا:
أنا مش قصدي أضايقكوا والله، أنا بس جيت أقعد قصادكوا عشان مكنتش لوحدي. بس لو ضايقتكوا أنا آسفة، هطلع أوضتي تاني.

لعبت تلك الماكرة على أوتار الضمير عند روفان التي قطّبت جبينها وزمّت شفتيها، وأخذت وخزات الندم تنخر بداخلها، فاستوقفتها قائلة بلهفة:

استني عندك...

تقدمت روفان بضع خطوات لتمسك بيدها وهي تنظر داخل عينيها قائلة بتشكك:
إنتِ بتعيّطي بجد ولا دي لعبة من لعبك وهلاقيني راشقة في مصيبة بسببك؟

أخفضت نيفين نظرها للأسفل وقالت بلهجة يائسة:
أنا عارفة إني كنت وحشة أوي معاكوا، وعارفة كمان إننا عمرنا ما هنبقى أصحاب ولا هتحبيني، أنا بس كنت مخنوقة شوية، مقدرتش أقعد لوحدي، فقلت أتفرّج عليكوا من بعيد. مش عايزة منكِ لا تتقبليني ولا تتعاملي معايا. عن إذنك.

تلك اللهجة كانت جديدة عليها، فهي دائمًا ما تكون سليطة اللسان، وخاصةً عندما تنفرد بها. فرفعت روفان إحدى حاجبيها، ووضعت يدها أسفل ذقنها وأخذت تدور حول نيفين تطالعها بنصف عين قائلة:

أمممم، وحيدة! أمال الحيزبونة...
أخطأت روفان في الحديث وسرعان ما عدّلت من قولها فقالت بلهجة طفولية:
آاااقصد طنط سميرة فين؟

طالعتها نيفين بنظرة مستنكرة ثم خفضت نظرها وقالت بصوت خافت:
ماما خرجت لما عرفت إن جدي نايم.
إيه؟ طنط سميرة خرجت من غير ما جدو يعرف؟! يا ماما! يا جدي!

اندفعت روفان وخرجت الكلمات منها تلقائيًا وبنبرة عالية جدًا، فأخذت نيفين تحاول أن تكمم فمها وهي تترجاها بخوف:
أبوس إيدك وطي صوتك، لو عرفت إني قولتلك هتموتني!

صُدمت روفان من حديث نيفين المبهم ونبرتها الراجية، لتخفض صوتها قائلة باستفهام:
إيه "هتموتك" دي؟ ليه يا نيفين؟ في إيه؟

تابعت نيفين بحزن:
مفيش حاجة، بس ورحمة عمي ما تقولي لحد إني قولتلك. أنا خلاص مش هضايقكوا تاني وهطلع أوضتي.

همّت نيفين بالمغادرة، فتمسكت بها روفان التي شعرت بوجود خطبٍ ما، لتقول بلهفة:
خلاص يا نيفين، اهدي، مش هقول حاجة. وخليكِ قاعدة معانا، إحنا كده كده كنا بنلعب أنا وزين، يعني لو حابة تقعدي تلعبي معانا براحتك.

ابتسمت نيفين ابتسامة باهتة وقالت بنبرة خافتة:
بجد يا روفان؟ ينفع ألعب معاكوا؟ مش هتضايقوا مني؟

ترددت روفان في البداية، ثم حسمت أمرها سريعًا وقالت بتأكيد:
يا ستي، لا، تعالي العبي معانا، ما هو برضو زي أخوكي.

هكذا بدأت الفتيات بالركض خلف زين محاولاتٍ إمساكه، وقد كانت ضحكاتهم تملأ المكان، ليتفاجأن بذلك الصوت الغاضب يقترب منهن:
نيفيييييين!

ارتعبت نيفين من مظهر والدتها الغاضب التي كانت تقترب منها وعيناها تقدحان شررًا، فاقتربت لتقف خلف روفان التي كانت ترتجف داخليًا من تلك المرأة، فقالت بخوف:
نعم ياختي، إنتِ جايّة تستخبي ورايا ليه؟ وأنا مالي؟ أنا اللي كنت قولتلك تعالي العبي معانا؟

عيب يا لوفي كده، تتخلي عن صديقتنا الجديدة! تعالي جمبي يا نيفو وأنا هحميكي من طنط الحيزبونة.

سمعت سميرة حديث ذلك الطفل الذي تمقته بشدة، فثارت ثائرتها واقتربت منهن قائلة بصياح:
إنتِ بتهبّبي إيه هنا يا ست هانم؟ بتلعبي مع ابن ضرتي! إياكِ تكوني فكرتِ إنه أخوكي بصحيح؟

ما هو أخويا فعلًا يا ماما.

اخرسي!

نال خد نيفين صفعة قاسية من سميرة، لتتفاجأ بتلك اليد التي أمسكت بخصلات شعرها تُبعدها عنها، وصاحبها صوتٌ غاضب يتوعدها بشتى أنواع العقاب، حتى أخذ صوته يهز أرجاء القصر:
إنتِ اتجننتي؟ بتمدّي إيدك على بنتي؟ نسيتي نفسك يا زبالة؟ دا لولاها كان زماني راميكِ في الشارع من زمان!

أخذ مراد ينهال على سميرة باللكمات حتى خرج جميع من في القصر على صوته، فهرولت صفية ورحيم وجميع الخدم يحاولون فك أسرها من بين يديه، فأخذت نيفين تصرخ بهستيريا قائلة:

حرام عليكوا! ارحموني بقى! حولتوا حياتي لجحيم! مش كفاية كل اللي أنا عارفاه وساكته عنه!

هنا سكتت كل الأفواه، وتسلطت جميع العيون عليها، فقد آن الأوان لكشف جميع الأسرار التي يكتظ بها ذلك القصر الكبير، ليخرج ذلك الصوت الغاضب قائلًا بقوة:
وإيه اللي تعرفيه وساكته عنه يا نيفين؟

يتبع..

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...