الفصل 31 | من 57 فصل

رواية للعشق وجوه كثيرة الفصل الحادي وثلاثون 31 - بقلم نورهان العشري

المشاهدات
22
كلمة
8,718
وقت القراءة
44 د
التقدم في الرواية 54%
حجم الخط: 18

الوجه الثلاثون للعشق 🌹

ذلك الثبات الذي أبدو عليه لم أصل إليه بسهولة و لم يكُن منحة من الحياة،  بل كان ثمرة ألف خيبة تجرعتها بصمت، وجرحتني حتى النضج، ثم تجاوزتها وحدي، لأعاود النهوض أقوى مما كنت.

نورهان العشري ✍️

🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁

أعتقد أن النظرات قادرة على سرد روايات العشق أبلغ من ألف حديث، فهناك مشاعر أقوى بكثير من أن يستطيع اللسان وصفها.

هكذا كانت نظرات أدهم إلى غرام، فلو أنها رأت كيف يطالعها لتجاوزت عن جميع أخطائه في حقها، وهرولت إليه؛ فقد كانت عيناه تحملان أطنانًا من العشق القادر على محو جميع الجروح العالقة بقلبها.

ولكنها للأسف كانت مستلقية مغمضة العينين، وقد خانها قلبها وأخذت تتذكر أجمل لحظاتها معه، فأخذ قلبها يرتجف داخلها من فرط العشق الممزوج بالوجع، لتسقط دمعة خائنة من عينيها.

وسرعان ما امتدت أصابعه ليمسحها، فابتسمت غرام ابتسامة خفيفة، فقد كانت تظن أنها واهمة، وأنها من فرط اشتياقها له تتخيل رائحته.

لكن قشعريرة سرت في كامل جسدها عندما شعرت بيديه تمسح دمعتها، ففتحت عينيها بسرعة، والتفتت إلى الجهة الأخرى لتجد معذبها ينظر إليها بتلك النظرات التي أذابت عظامها، ليتساءل قلبها بلهفة:

أنت هنا بجد؟

أجابها أدهم، الذي كانت كل خلية فيه ترغب في احتوائها، علّه يطفئ تلك النيران التي تأكله من فرط الوجع والعشق أيضًا:

مادام سألتي السؤال دا، يبقى قلبِك كان بيحلم بيا.

لم تستطع زحزحة عينيها عن عينيه، فقد كانت تأسرها نظراته وتكبلها بقيود عشقٍ خُلِق لها وبها، فلم تقوَ شفتاها على التفوه بحرفٍ واحد قد يُكذّب حديثه.

فلا طاقة لها على الكذب أو محاولة إخفاء ما يدور بداخلها، فقد أنهكتها تلك المعارك التي خاضتها اليوم، فلجأت إلى الصمت أمام عينيه اللتين كانتا وكأنهما تحتويان ملامحها شوقًا.

ولو أن الشوق بداخله فاق حدود الوصف؛ فقد اختبر في غيابها أقسى ما قد يشعر به الإنسان في حياته، ولم يعد لديه طاقة للمقاومة أكثر، فأعلن قلبه وعقله معًا رايتهما البيضاء، مستسلمين لغزوها الضاري.

لذا فقد فعل المعجزات ليختلي بها، حتى يتسنى له أن يُعبّر عن مكنونات قلبه ويزيل الرماد المحترق الذي لا يزال مشتعلًا منذ سنين.

لكنها لم تستطع أن تصمد أكثر أمام عينيه، فأدارت رأسها إلى الجهة الأخرى قائلة بخفوت:

جاي ليه يا أدهم؟

امتدت يداه ليعيدها إلى النظر إليه مرة أخرى، فهو أكثر من يعلم ذلك الصراع الدائر بين قلبها العاشق وعقلها الرافض، فقد كان فريستها لوقتٍ طويل، لذا قال بحنو:

بصيلي، متدوريش عينيكِ الناحية التانية، عشان قلبِك هيفضل باصصلي.

حاولت جاهدًة ارتداء قناع القوة والثبات أمامه، لكن ذلك كان شاقًا للغاية، خاصةً وأنها تقاوم نفسها أولًا، فكررت سؤالها بصوتٍ حاولت أن تجعله ثابتًا:

جاي ليه يا أدهم؟

في بينّا كلام كتير لسه مخلصش.

قالها أدهم بهدوء، فأجابته بنبرةٍ حزينة آلمته كثيرًا:

مبقاش في بينا كلام يتقال، اللي عندي إنت عارفه، ومتفتكرش إن اللي حصل دا ممكن يغيره.

بس أنا مش جاي أكلّمك إنتِ يا غرام، أنا جاي أكلّم قلبِك، اللي حس بيا قبل ما أتكلم، واللي كان بيناديني في حلمه وجابني على ملا وشي جري.

آلمتها كلماته وذكّرتها بمعاناتها بسببه، لتندفع قائلةً بغضبٍ وحزنٍ أرهقها كثيرًا:

قلبي؟ مش دا برضو اللي دوست عليه بعد ما اتأكدت إنه حبك واتعلّق بيك؟

كان أدهم ثابتًا على غير عادته، فقد أقسم أنه سيراضيها بكل الطرق، ولن يترك المجال لجنونه أن يُدمّر كل شيء مرة أخرى، لذا أخذ نفسًا عميقًا، ثم بدأ الحديث عن جراحٍ دُفنت لسنوات:

عارفة يا غرام، أوحش حاجة في الدنيا إنك تراهن الناس كلها على شخص، وفي الآخر يخذلك. مش هقولك إن طفولتي كانت صعبة أو غير مستقرة، بس مكنتش حابب بيتنا دا أبدًا.

صمت قليلًا يسترجع مرارة المراهقة التي قضاها في ذلك القصر، ثم أضاف بنبرةٍ مشجبة:

اللي يشوفه من برّه قصر كبير وفخم، أي حد يتمنى يعيش فيه، إلا الناس اللي عايشة فيه! تخيلي القصر دا كان فيه أكتر ناس طيبة ممكن تقابليها في حياتِك، وأكتر ناس شريرة كمان ممكن تقابليها. كنتِ ممكن تقعدي على نفس السفرة مع ناس بيكرهوك وبيتمنّوا لك الموت، ومجبرة تضحكي في وشهم وتتعاملي عادي كمان.

زفر رماد الذكريات الثقيلة عن قلبه، ثم تابع:

الوقت اللي كنت بقضيه في البيت دا كان أصعب وقت في حياتي. مكنش بيعدي يوم من غير مشكلة. كبرت وأنا رافض كل دا، ومكنش بيصبرني على البيت دا غير وجود أمي فيه، وطبعًا يوسف وروفان.

لاحَت ابتسامة مريرة على شفتيه توازي مرارة لهجته حين تابع:

كنت بحس إن ماما معتبرانا عِوضها من ربنا في الدنيا، وإن اللي مصبّرها على الحياة دي هو وجودنا حواليها، وكان كفاية أوي اللي شافته واللي حصلها زمان، فكنت مجبر أتحمّل حياتي معاهم... لحد ما قابلتها.

جميع حواسها انتبهت عند تلك الكلمة، وأخذ قلبها ينتفض من فرط الترقب والخوف، وعيناها تتابعانه عندما انتقل من مكانه متجهًا إلى النافذة.

وقد لاحظ هو ما يدور على ملامحها من انفعالات، لكنه واصل الحديث مرة ثانية:

مقابلتي ليها كانت صدفة، زي اللي بنشوفها في الأفلام كده. كنت سايق عربيتي وماشي في طريقي، فجأة لقيت واحدة بتعدّي الطريق، ودوخت ووقعت قدّام العربية بتاعتي. طبعًا وقفت ونزلت أشوف فيها إيه، وأصريت أوديها المستشفى عشان أطمن عليها. ومن هنا بدأت القصة... لقيتها بنت جميلة وهادية وبريئة، أو دا اللي حسيته وقتها.

كانت ملامحه تتلون بمرارة لهجته حين تابع:

ابتدت علاقتنا تقوى أكتر، ونقرب من بعض أكتر، ولأنها ممثلة شاطرة، قدرت تخدعني صح وتوقعني في حبها. كانت بالنسبالي طوق النجاة، والحاجة الوحيدة الحقيقية في حياتي. عشت معاها أحلى قصة حب، وطبعًا حكاية "سندريلا البنت الفقيرة اللي وقع في حبها الشاب الغني" دي أكيد وصلت لرحيم بيه، فحاول يبعدني عنها بحجة إنها طمعانة في فلوسي وفي نفوذ عيلتي. وأنا الحب عامي قلبي، بس لما لقاني متمسك بيها أوي، قالي: يبقى مالكش أهل ولا عيلة، وقرر يطردني من البيت ويحرمني من الميراث.

تبدلت ملامحه إلى السخرية حين تابع:

يوسف وماما حاولوا يقفوا جنبي وقتها بالرغم إنهم مكنوش مقتنعين بيها، ويوسف نفسه حذرني منها ومارتاحلهاش، بس اللي مكنوش يعرفوه إني كنت مستني اللحظة دي، اللحظة اللي أتحرر فيها من البيت والعيلة دي للأبد. هتصدقي لو قلتلك إني كنت مستني يقولي كده؟

كانت تتابع انفعالاته بلهفة، خاصةً حين تابع بمرارة...

وحكتلها وقلت لها إني هبدأ من الصفر معاها، وإن معايا اللي هيسندني. بس طبعًا ملايين الحسيني مش هتبقى موجودة، وانتِ أكيد سمعتي عن البوقين اللي بيتقالوا في الظروف دي: "أنا جنبك ومعاك ومش هسيبك أبدًا"، والحقيقة إن اللي حصل كان عكس كده خالص. بقت تتهرب مني، وكل ما أجي أطلبها للجواز تتحجج، لحد ما في يوم اختفت خالص، وكنت وقتها عامل زي المجنون، مش عارف أروح فين ولا لمين. لحد ما في يوم جت لي رسالة إنها موجودة في مكان معين، وروحت المكان ده، لقيتها بتكتب كتابها!

لم يكن الألم باديًا على ملامحه، إنما الاشمئزاز، وقد صدمها هذا كثيرًا.

الدنيا كلها بالنسبالي وقفت عند النقطة دي، وطبعًا العريس كان أغنى مني وعنده ملايين كتير، بس اللي مستغربتوش بقى إنه كان تقريبًا قد أبوها.

ابتسم أدهم ساخرًا ثم أكمل:

عرفت بعدها إن يوسف هو اللي بعت لي الرسالة دي عشان يفوقني، حتى إنه بعت لي مازن يقف جنبي، ومَرضيش ييجي هو عشان ما يكسّرش نفسي، وطلعوا صح، وأنا اللي كنت غلط. وبعدها اتحولت لأدهم اللي إنتِ شفتيه.

أصاب ملامحه الجمود، وكذلك لهجته، حين قال:

أنا حتى ما ادّيتش لنفسي وقت إني أحزن أو أستوعب اللي حصل. كتمت كل حاجة في قلبي، وروحت تاني يوم الشركة، قعدت في مكاني وكملت من مكان ما وقفت. محدش قدر يتكلم ولا يسأل حتى، بما فيهم جدي، وده بأمر من يوسف. وكملت حياتي وأنا مقتنع إن الستات دول أرخص حاجة في الدنيا، نستمتع بيهم ونرميهم. والحقيقة إن كل اللي قابلتهم بعد كده أكدولي الكلام ده... لحد ما قابلتك.

اختتم حديثه ناظرًا إليها، ليجد ملامحها المتألمة من أجله ومن أجلها، ولا ننسى الغيرة التي نالت منها، خاصةً وهو يتحدث عن غريمتها التي لم تكن تعلم حتى بوجودها. تألم قلبها كثيرًا، فهناك حبٌّ آخر قد ملأ قلبه سابقًا، ولأجله يتألم الآن.

نهش الفضول عقلها، فتحركت من مكانها متوجهة إليه لتقف قبالته قائلةً بصوتٍ مهزوز:

حبيتها؟

لاحَت ابتسامة خافتة على محيّاه، فقد علم المغزى وراء سؤالها، ولمح الغيرة القاتلة المرتسمة في عينيها والتي تحاول إخفاءها عنه، لكن المرأة تستطيع أن تُخفي ألف شعور بداخلها ما عدا الغيرة. أجابها باختصار:

قبل ما أعرفك كنت مفكر إني بحبها، بس اللي اكتشفته بعد كده إني كنت محتاج لها... وبس.

قطّبت جبينها وقالت بعدم فهم:

محتاج لها؟!

مش محتاج ليها كشخص، بس كنت محتاج لحد يظهر في حياتي في الفترة دي، والصُدف خلتها الشخص ده. أنا كنت راسم في خيالي صورة للبنت اللي أتمنى أكمل حياتي معاها، حتى لو مش هحبها، بس كنت عايز فيها صفات معينة. ولإنها جت لي في وقت كنت فيه متدمّر نفسيًا، وهي رسمت دورها صح، فأنا كمان حاولت أحطها في إطار الشخصية اللي في خيالي، ودي اللي أنا حبيتها فعلًا... لكن هي في الحقيقة كانت عكس كده خالص. ودي أكبر غلطة ممكن الإنسان يغلطها في حياته.

أراحتها فكرة أنه لم يكن عاشقًا لتلك المرأة قليلًا، لكنها هيهات أن تخمد تساؤلاتها، لذا واصلت الحديث محاولة التوغل في أعماقه قدر الإمكان:

إنت قلت إنك قبل ما تعرفني كنت فاكر إنك بتحبها... اشمعنى بقى؟ يعني، أقصد، أنا إيه علاقتي بالموضوع؟

أنهت حديثها المتلعثم، وكانت تنظر في جميع الاتجاهات ما عدا إليه، فمد إصبعيه تحت ذقنها وأدار وجهها إليه، قائلًا بصدقٍ ترك صداه علامةً كبيرة في قلبها:

عشان عرفت معاك يعني إيه حب.

أصابت كلماته صميم قلبها، الذي ودَّ الهروب من بين ضلوعها إلى ذراعيه في تلك اللحظة، متجاهلةً نزيف جراحها التي كان هو المتسبب الرئيسي بها.

لكن العقل أرسل إشارات الخطر — خطر وجود ذلك الرجل أمامها — فهبّت كالمذعورة من بين يديه، وأدارت رأسها إلى الجهة الأخرى قائلةً بنبرةٍ قوية:

بتحكيلي كل ده ليه يا أدهم؟

زفر أدهم بعمق، وقال بلهجةٍ جادة:

"عشان أبدأ معاك بداية صح."

التفتت إليه غرام رافعةً إحدى حاجبيها قائلةً باستنكار:

وإيه اللي مخليك متأكد كده إني هوافق أبدأ معاك؟

بلغ الغضب ذروته داخل أدهم، فقد تراكمت عليه جميع الأحداث السابقة لتشكّل بركانًا ثائرًا بداخله، لكنه آثر الحديث بهدوء، وقال:

عندي سببين مهمين أوي يخلّوني متأكد من كلامي.

أولهم؟

اقترب منها ناظرًا بقوة إلى داخل عينيها، ثم قال بلهجة خشنة:

إنك بتحبيني زي ما بحبك، وإلا مكنتيش حاولتي تفديني بروحك، وماترددتيش لحظة تعملي كده.

ارتبكت كثيرًا من حديثه الصحيح واقترابه منها إلى هذا الحد، فمرت ثوانٍ حاولت أن تستجمع فيها شتات نفسها حتى لا تُهزَم من أول معركة أمامه، فحاولت الثبات قدر الإمكان لتقول بدفاع:

إنت أنقذتني الأول، وكان لازم لما ألاقيك في خطر إني أعمل كده، وعلى فكرة أنا كنت هعمل كده مع أي حد غيرك.

ابتسم أدهم وطالعها بحب قائلًا:

مفيش، ولا هيكون، غيري يا غرام. أقلمي نفسك على كده. آه، وده السبب التاني.

اغتاظت كثيرًا من لهجته الواثقة، فبدلًا من أن يداوي جراحها التي كانت بيديه ويطلب منها السماح، يرغمها على تقبّل وجوده وكأن شيئًا لم يكن!

فاندفعت دماء التمرد تجري في عروقها، لتقول بقوة:

أبدًا يا أدهم! بدل ما تيجي تقولي آسف وتطلب مني أسامحك، جاي تقولي كده؟!

ابتسامة ساخرة لوّنت ثغرها قبل أن تقول بلهجةٍ قوية:

أوعى تفكر، ولو للحظة، إني ممكن أكون ليك... ولا حتى في أحلامك.

نصب أدهم قامته قائلًا بفظاظة:

ما عنديش وقت أحلم يا غرام، أنا هنفّذ على طول. الخيار ليك، لو مش بمزاجك... هيبقى غصب عنك. وأبدًا مش هطلب منك تسامحيني، أنا هجبِرك تعملي كده.

بلغ غضبها الذروة من فظاظته وغروره، فانتفضت من مكانها صارخةً:

بأي حق ترغمني على وجودك في حياتي؟

لم يستطع أدهم السيطرة على جنون غضبه أكثر، فاندفع نحوها قابضًا على ذراعيها قائلًا بقسوة:

بحق كل لحظة شُفت فيها الموت وأنا بعيد عنك، وبحق كل لحظة اتمنيته فيها وإنتِ مخطوفة ومش عارف أوصلك، وبحق النار اللي كانت بتقيد فيّ كل ما أتخيل الحيوان ده جنبك!

صمت لثوانٍ يحاول ابتلاع غصةً صدئة تشكّلت في حلقه، ثم قال بعنفوان:

مش هبعد عنك يا غرام... ورحمة أبويا، لهتكوني ليا، وبكرة تشوفي.

أنهى كلماته وتوجه إلى باب الغرفة، تاركًا خلفه كتلةً من النيران التي أشعلها هو، ليوقفه نداؤها:

أدهم...

رقص قلبه بين ضلوعه عندما سمع نداءها بتلك الطريقة المُغوية، فقد ظنّ أنها قد انصاعت لأوامر قلبها أخيرًا، فالتفت ناظرًا إليها بأمل، فوجدها تقترب منه بتمهّل قائلة بلهجة هادئة مثيرة:

هتفضل عمرك كله تحلم بيا ومش هتطولني يا أدهم. هتفضل عمرك كله في نار إني كنت في حياتك ومحافظتش عليّا، وده وعد مني.

وهل يوجد تناقض أكبر من أن يتفوّه الإنسان بحديثٍ وتنفيه عيناه بآخر مناقض له تمامًا؟

هكذا كان حالها، فلو أنه ألقى بالًا لحديثها لهدم المكان من حولها، ولكن ما جعله يهدأ هو تلك النظرات المختبئة بين تمرد عينيها؛ فكيف تتحدث بتلك الثقة وعيناها تهتزان أمامه بتلك الطريقة؟ شفتاها تخبرانه شيئًا، وعيناها تنفيانه تمامًا.

لذا قرر أنه لن يُبالي بما تقوله، بل سيكتفي بما يراه، لكن كبرياء الرجل بداخله أبى أن تكون لها الكلمة الأخيرة، فامتدت يداه تُمسكها أسفل رأسها، يُقربها إليه ليحتوي شفتيها بطريقة محمومة فجّر بها جميع براكين شوقه وغضبه.

ولم تستطع هي التمرد أو المقاومة، فقد تغلّب القلب على العقل وغيّبه تمامًا، ليجرفها تيار عشقه ويلقي بها في دوّامة من المشاعر التي أرهقتها كثيرًا حتى أوشكت على الاختناق.

تركها أدهم رأفةً بها، فقد كان يودّ لو يطول اقترابهما إلى ما لا نهاية، ولكن لا الزمان ولا المكان يسمحان له بذلك.

لم يُمهلها الوقت للتفكير أو الاعتراض، بل اقترب من أذنها قائلًا بصوت أجش:

المرة الجاية اللي هعمل فيها كده هتكوني مراتي، وده هيكون قريب أوي إن شاء الله.

أنهى كلماته ثم اختفى كالحلم، ليتركها وحيدة تواجه كبرياءها الذي حتمًا سيعاقبها، وبشدة، على استسلامها المخزي له...

---

ما إن وصلت كاميليا رسالة مازن حتى هرولت للأسفل لترى ما الأمر، فوجدته ينتظرها في الرواق، فتوجهت إليه لتسأله بلهفة:

خير يا مازن، في إيه؟ رسالتك قلقتني.

تحمحم مازن، فهو لا يدري مدى معرفتها بالأمر، لكنه كان يجب أن يساعد صديقه، وقرر أن يُقحمها في مخططاته، فهي الوحيدة التي تستطيع إخماد نيران الوحش عند اندلاعها.

بصراحة يا كاميليا، أنا عايزك تعطّلي يوسف شوية.

رفعت كاميليا إحدى حاجبيها ونظرت إليه قائلة بعدم فهم:

تعطّليه؟ يعني إيه تعطّليه؟

تحدث مازن بنفاد صبر:

يعني تعطّليه يا كاميليا! تقعدي معاه شوية تنسيه فيها الناس كلها... أنا اللي هقولك يعني.

أيوه، ليه عايزني أعمل كده؟

أمممم، ليه؟ بصي، الموضوع معقد شوية... أقولك، يوسف متضايق شوية وعايزك تفرفشيه.

شعرت كاميليا بأن هناك خطبًا ما، فمظهر مازن المرتبك وكلماته غير المرتبة أشعراها بالقلق، لتقرر أن تعرف ما هناك، فهتفت بغضب:

في إيه يا مازن بالضبط؟ عشان أنا مش مرتاحة لك.

زفر مازن حانقًا وقال بملل:

ما تسمعي الكلام وانتي ساكتة، وتبطّلي أسئلة ملهاش لازمة.

أجابته كاميليا بمكر:

ما هو لو ما قلتليش في إيه، هروح أقول ليوسف إنك جايبني مخصوص من فوق عشان أنزل أُعطّله! يعني أكيد في مصيبة وانت مش عايز يعرف، وهو بقى هيعرف يقرّرك إزاي بطريقته.

قال مازن بتهكم:

طبعًا هستنى إيه من تربية يوسف الحسيني؟! لا ومراته كمان... أنا كان إيه رماني على العيلة دي يا ربي بس؟!

أنجز وقول، في إيه؟

تحدث مازن بنفاد صبر:

من الآخر، كدت أدهم كان عايز يتطمن على غرام، ويوسف أصلًا مش طايقه، وحالف لو قربلها هيكسر دماغه.

تعاظم الغضب بداخلها وقالت بحدة:

والحيوان ده عايز إيه من غرام؟

لحظة، استدركت الأمر فهتفت وقد تبدلت لهجتها إلى القلق:

لحظة، هو يوسف عرف بعملته المهببة دي؟

أجابها مازن بصدمة:

إيه ده؟ هو إنتِ كمان عارفة؟! الله يخرب بيته يا أدهم، دي مصر كلها عارفة.

أنا لسه عارفة من شوية، غرام هي اللي حكتلي... والزفت ده عايز منها إيه بقى؟

تأفف مازن وقال بملل:

ملناش فيه يا كاميليا، هما حرّين سوا.

أوشكت كاميليا على الرد فتفاجأت بدخول يوسف، الذي كان ينهي بعض المكالمات المتعلقة بالعمل، ليجدها تتحدث مع مازن، فقال بفظاظة:

"إنتِ إيه اللي موقفك هنا؟"

تلعثمت كاميليا قليلًا، فهو يبدو عليه الغضب فعلًا، وهذا أرعبها.

آآآه... عادي، أنا كنت نازلة أدور عليك!

لم يرتَح يوسف لتلعثمها، فوجه نظراته إلى مازن الذي كان ينظر أمامه غير قادر على النظر إليه، ومن ثم وجّه أنظاره إليها مرة أخرى قائلًا بفظاظة:

وبتدوري عليا ليه؟ هو أنا تايه ولا حاجة؟!

كانت لهجته غاضبة وملامحه لا تبشر بالخير، فحاولت إيجاد مبرر مقنع وهي تشعر بالخوف من جفائه الغريب، فقالت بصوت خافت:

لأ أبدًا، أنا كنت عايزة أسألك إحنا هنسافر إمتى، فنزلت أدور عليك.

شعر يوسف بتغيّر ملامحها وخفوت نبرة صوتها، فعلم أنه أحزنها، ولكنه الآن في أقصى مراحل غضبه، فآثر الصمت حتى لا يُحزنها أكثر، واكتفى بإيماءة بسيطة من رأسه.

لكن مظهر مازن أثار شكوكه، فنظر إليه قائلًا:

وانت بتعمل إيه هنا؟

أجابه مازن سريعًا لتزداد شكوكه أكثر:

كنت بشم شوية هوا.

وأدهم فين؟

تلعثم مازن ولم يجد ما يقوله، فهو لا يحب الكذب ولا يريد المشاكل، وأيضًا يرى أن أدهم يحتاج إلى فرصة، وأن يوسف كان ظالمًا معه، فاضطر آسفًا إلى الكذب قائلًا:

أدهم مشي.

وهنا تدخلت كاميليا عندما نظر إليها يوسف، وقد بهتت معالمها، فقالت باندفاع:

آه، مشي... قال يروح يرتاح وكده.

كان الكذب يطلّ من عينيها إلى الحد الذي جعل الغضب يتعاظم بداخله، فقال بهسيسٍ خشن:

مشي؟! على كده عليّ وكارما فين هما كمان؟

كاميليا بعفوية:

عليّ وكارما في الجنينه برّه...

هنا تأكدت شكوك يوسف فازداد غضبه وتضاعف كثيرًا لاشتراكها بالكذب عليه، فقال بجفاء:

عليّ وكارما قاعدين في الجنينه، وإنتِ بتدوري عليا، وإنت بتشم هوا، وأدهم راح! ده ما يبقاش ابن الحسيني لو عملها! بتشتغلوني إنتوا الاتنين؟!

قال الأخيرة بصراخ جعل كاميليا تنتفض من مكانها، ليجيبه مازن محاولًا تهدئته:

اهدَى يا يوسف، محدش بيشتغلك.

قال يوسف بقسوة:

بتكذبوا عليا عيني عينك كده عادي! شايفيني عيل صغير قدامكوا؟

التفت إلى كاميليا التي أخفضت رأسها بحزن، وقد غلفت عينيها طبقة كريستالية رقيقة من الدموع التي تهدد بالهطول، فقال بنفس نبرته:

والهانم بتكذب وعينيها في عيني عادي؟!

هنا تدخل مازن الذي شاهد حالة كاميليا، فحاول تهدئة الوضع قائلًا:

يوسف، لو سمحت، اهدى ووطي صوتك... كاميليا ملهاش ذنب، أنا اللي طلبت منها تعمل كده.

تدخلت كاميليا التي شعرت بإهانة كبيرة من حديثه معها قائلة:

ثواني يا مازن... أنا ماقصدتش أكذب عليك، أنا كنت هقولك بس تهدى شوية، عشان إنت ما بتشوفش شكلك وانت متضايق بيكون عامل إزاي!

تأثر يوسف بمظهرها وحديثها، لكن فكرة أن تكذب عليه أغضبته كثيرًا، فأكّد مازن على كلماتها:

إحنا فعلًا كنا هنقولك، بس بعد ما تهدى ونقدر نتكلم معاك وتفهمنا.

استنكر يوسف حديثهم فقال ساخرًا:

تفهموني! هو أنا في حاجة تانية لسه مفهمتهاش؟

اندفعت كاميليا بغضب قائلة:

أه، فيه! محدش له الحق يمنع أدهم عن غرام غير غرام نفسها. حتى لو هو غلط في حقها، عمره ما يوقفه عند حده غيرها. هي بس اللي في إيدها القرار: تسامحه أو تقوله إنها مش عايزاه في حياتها. لكن لو مين وقف، مش هيقدر يمنعه، وإنت عارف كده كويس.

ده قرارهم هما الاتنين، إحنا ملناش دخل فيه.

علت نبرة صوتها من فرط الغضب والحزن الذي يأكل قلبها من الداخل، فرأت في عينيه نظرات التحذير، لتقرر الهرب في تلك اللحظة خوفًا من عدم سيطرتها على عَبَراتها التي لم تعد جفونها قادرة على حملها أكثر من ذلك، فقالت بجمود:

أنا هطلع أشوف كارما وعلي.

وما إن خطت خطوتين حتى أوقفتها لهجته الآمرة:

استني عندك.

وما إن التفتت إليه، فاجأتها نظراته الغاضبة وكلماته التي أحزنتها أكثر:

ما تطلعيش لوحدِك، روح معاها يا مازن، واعملي حسابك، ساعة وهنسافر.

هزت رأسها بالإيجاب، والتفتت للجهة الأخرى تجاهد منع دموعها، ليلحق بها مازن الذي لعن بداخله جميع عائلة الحسيني، فقد شعر بالذنب لإقحام كاميليا في هذا الوضع.

---

كانت كارما تحاول أن تعرف ماذا حدث بين علي وغرام، لكن الأخير لم يُعطِها أي إجابة، بل ظل صامتًا طوال الوقت ناظرًا أمامه، فآثرت كارما الصمت هي الأخرى، والذي قطعه ظهور مازن بجانبه كاميليا، التي كانت ملامح وجهها توحي بالحزن الكبير، فتوجهت إليها كارما لتسألها بلهفة:

في إيه يا كاميليا؟ مالِك؟ إنتِ معَيِّطة ولا إيه؟

لا أبدًا، مفيش حاجة.

هكذا أجابتها كاميليا، ليتدخل علي قائلًا باهتمام:

أمال مالِك كده؟

زعلانة عشان يوسف قال هيمشوا كمان شوية.

تولى مازن الإجابة بدلًا عنها لينقذها من نظرات علي النافذة، لتومئ برأسها بالإيجاب، فاحتضنتها كارما بحب قائلة:

"كده يا كامي، هتمشي تاني؟ ده إحنا ما صدقنا جيتي!"

بادلتها كاميليا الاحتضان وقد سمحت لبعض العَبَرات بالهطول، وقالت بحزن كبير:

غصب عني يا كارما، أنا لو كان عليّ، مش عايزة أسيبكوا أبدًا وامشي.

صاح مازن بامتعاض:

آه، إنتوا هتقلبوها نكد بقى؟ لا والنبي كفاية اللي شفناه التلت أيام اللي فاتوا، ارحمونا شوية.

وافقه علي الرأي قائلًا:

أول مرة تقول حاجة صح في حياتك. بالله عليك، إنتِ وهي خُدوا بعض واقعدوا على جنب، عيّطوا براحتكوا، إحنا دماغنا خِربِت.

نظرت إليهم كارما شذرًا ثم قالت بسخرية:

عالم متبلدة المشاعر، منعدمين الإحساس.

قاطعها مازن قائلًا بهيام:

طب وِربنا، أنا كلي إحساس، إنتِ اللي مش واخدة بالك.

باغته علي بلكمة في كتفه قائلًا بغضب:

ولا إنت هتِسبِّلها قدامي؟! بقولك إيه، أنا أساسًا على آخري، متخليهاش تيجي فيك.

قال مازن بحنق:

إنت طالع لي من أنهي داهية معرفش! ياخي ارحمني، سيبني أقول كلمتين من نفسي.

لا، ما تقولش. اسكت خالص أحسن.

وجَّه علي أنظاره إلى كاميليا وقال باهتمام:

أخبار غرام إيه؟

حاولت كاميليا أن تُخفي ارتباكها قدر الإمكان، فقالت بخفوت:

كويسة.

وصلت رسالة نصية على هاتف مازن، الذي تنفس الصعداء إثرها، فقد كان يحبس أنفاسه عند سماع سؤال علي، ليقول بنبرة مرحة أثارت دهشتهم:

ما تيجوا نطلع كلنا نطمن عليها؟

التفتت إليه كاميليا بحدة، لكن نظراته طمأنتها فارتاحت هي الأخرى، وأيّدت اقتراحه، ليتوجهوا جميعًا إلى غرام، التي كانت لا تزال تحت تأثير قربه الذي أطاح بكيانها. فتارة تلوم نفسها وتُعنّفها، وتارة تتلمس شفتيها وتتخيل ما حدث لتزداد جنون دقات قلبها؛ فكيف تستطيع مقاومة هذا الرجل؟! فقد حطمها سابقًا، والآن يأتي ليخبرها أنها تنتمي إليه! والغريب أن جزءًا كبيرًا منها يؤيده ويشعر بالانتماء إليه، فكيف تستطيع التغلب على معاناتها معه؟

فاقت من شرودها على اقتحام كارما غرفتها، والتي هرولت لترتمي في أحضانها، لتبادلها غرام الحضن مع نزول أنهار من الدموع من كليهما، فقد خاضت الاثنتان تجربة قاسية، لكن لطف الله تدخّل في الوقت المناسب لينقذهما، وهما أكثر من شاكرَتَيْن.

ما خلاص بقى، إنتوا مصرين تخلوني أعيط ليه؟

هكذا تحدثت كاميليا التي هطلت دموعها هي الأخرى تأثرًا بهذا المشهد، فامتدت يد كارما تقرّبها منهما قائلة من بين دموعها:

تعالي، عيّطي معانا، تعالي.

اقترب مازن من علي قائلًا باستنكار:

"هو إيه الأوفر ده؟"

أجابه علي بيأس:

أمال أنا أعمل إيه يا ابني؟! عايش مع الأوفر ده طول حياتي.

الله يكون في عونك يا عم.

نظر له علي بطرف عينه، وقرر إغاظته قليلًا، فقال بنبرة عالية:

قصدك إيه الله يكون في عونك دي يا مازن؟ مش تحاسب على كلامك! كارما عمرها ما كانت نكدية.

التفتت كارما إثر حديث علي، ونظرت إلى مازن بطرف عينيها وقد تبدلت ملامحها من الحزن إلى الغضب:

إيه يا مازن؟ مين دي اللي نكدية؟

صُدم مازن من تبدل حالها بتلك السرعة، وقال بلهفة:

والله ما قولت كده!

أومال إيه يعني؟ علي هيكذب؟

أجابها مازن وقد غضب من ذلك الماكر، فنظر إليه وقال بحدة:

ودي محتاجة سؤال؟ طبعًا بيكذب!

تصنّع علي الحزن قائلًا:

أخص عليك يا مازن! أنا هكذب؟!

اندفعت كارما وقالت صائحة:

"مازن، أنا بحذّرك! أوعى تقول على علي كذاب مرة تانية!"

اغتاظ مازن من لهجتها وانحيازها الواضح لأخيها، فقال بانفعال:

ما تيجي تاخدي لك قلمين أحسن!

إيه يا ابني؟ إنت اتجننت؟ هتزعق لأختي وأنا واقف؟!

هكذا تحدث علي بغضب زائف، ثم وجّه أنظاره إلى كارما وقال بحنوٍّ مفتعل أثار حنق مازن بشدة:

مش قولتلك يا كارما يا حبيبتي؟ ده ما ينفعناش، ده بيعلي صوته عليكِ من دلوقتي، ولسه ملبسش دِبلة حتى! أمال هيعمل إيه لما يكتب كتابه؟!

اندفعت كارما بغضب:

تصدق عندك حق يا علي، ده مالوش أمان.

تعاظم غضب مازن وحنقه على ذلك الماكر علي، الذي يريد الإيقاع بينهما فحسب، وتلك البلهاء التي تنساق خلف مخططه دون أن تدري، فقال بجفاء:

تصدقي إن أنا عايز ضرب الجزمة؟ ممرمط نفسي عشان سيادتك، وفي الآخر طلعت ماليش أمان!

لم يتسنَّ لها الرد عليه، فقد قاطعهم عدة طرقات على باب الغرفة ارتجف لها قلب كاميليا، فقد شعرت بأنه هو من يقف خلف الباب، وصدق حدسها حين انفتح الباب وأطلّ عليهم بهيبته الطاغية، فتَصنّعت اللامبالاة وآثرت عدم الالتفات نحوه، لكن جميع حواسها كانت معه.

حمد الله على سلامتك، عاملة إيه دلوقتي؟

هكذا تحدث موجهًا كلماته إلى غرام التي أجابته بامتنان:

الحمد لله يا يوسف، ميرسي على كل اللي عملته عشاني أنا وكارما.

أجابها بخشونة:

أنا معملتش حاجة، حمد الله على سلامتك مرة تانية.

تحدثت كارما هي الأخرى قائلة بعرفان:

بجد يا يوسف، إحنا مش عارفين نشكرك إزاي؟ حقيقي ميرسي أوي.

كانت كلماتها كالبنزين الذي سُكِب على نار مازن، فاندفع يُقلدها بطريقة مضحكة:

ميرسي أوي يا يوسف، مش عارفين نشكرك إزاي؟ على أساس إني كنت رايح أسوق لهم العربية! ما أنا طلع عيني أنا كمان، واللي ما حد قالي كلمة عدلة! توحِّدوا الله! فالحه بس عماله تطبّلي لأخوكي على قفايا!

أجابه علي بشماتة:

يا ابني بطل حقد، وبعدين ما لازم تطبّلي، إنت مين أصلًا؟ هو إحنا نعرفك؟

تعالت ضحكاتهم جميعًا، بما فيهم يوسف الذي كان ينظر إلى تلك التي تتحاشى بكل الطرق التقاء أعينهم، فهو يعلم أنه أحزنها كثيرًا، وقد لام نفسه على جفائه وحدّته معها بهذا الشكل، ولكن لا مجال للندم الآن، فما حدث قد حدث، فقرّر إنهاء هذا الحديث الدائر والمغادرة، فهو يريد الانفراد بها بأي شكل، ليقول بفظاظة:

أنا مضطر آخد كاميليا وننزل عشان قدامنا سفر طويل.

التفت إليه علي قائلًا باستفهام:

بسرعة كده؟ خليكوا معانا كمان يومين.

معلش يا علي، مش هقدر. في شغل في الشركة كتير متعطّل، ولازم أرجع ضروري.

ربنا يعينك، كنت عايز أتكلم معاك شوية قبل ما تمشي.

هكذا تحدث علي، فوافق يوسف مقترحًا:

"تعالى نطلع نتكلم بره، على ما كاميليا تسلِّم على البنات."

اختتم حديثه ونظر إليها قائلًا بجفاء:

هستناكي بره.

خرج دون أن ينتظر ليسمع ردّها، وقد تضاعف حزنها أكثر، لكنها لم تُظهر ذلك، وأخذت تتبادل الحديث مع الفتيات.

أما في الخارج، فكان يوسف يتحدث مع علي الذي قال بعرفان:

بصراحة يا يوسف، مش عارف أشكرك إزاي على كل اللي عملته معانا عشان نقدر نرجّع البنات تاني.

قال يوسف بخشونة:

ما تقولش كده يا علي، إحنا أهل. المهم إنهم رجعوا بالسلامة.

أكيد طبعًا أهل، بس كان لازم أشكرك، وإن شاء الله ده دين في رقبتي، ولازم أردهولك في يوم من الأيام.

يوسف بهدوء:

مالوش لزوم الكلام ده يا علي، قولتلك إحنا أهل.

علي بامتنان:

ده شرف ليا. كان نفسي حقيقي تفضلوا معانا شوية، بس مش هقدر أعلّطك عن شغلك أكتر من كده.

تتعوّض إن شاء الله.

خرجت كاميليا يليها مازن، الذي اقترب من يوسف يحاول ممازحته:

جوووو، لسه ناوي عالرحيل؟

نظر إليه يوسف شذرًا ولم يُجبه، ثم وجّه أنظاره إلى كاميليا قائلًا باختصار:

جاهزة عشان نمشي؟

أجابته بجفاء:

جاهزة.

وجّهت كاميليا أنظارها إلى علي وقالت بخفوت:

خلي بالك من غرام، نفسيتها مش مظبوطة خالص.

فهم علي ما ترمي إليه وأجابها بهدوء قائلًا:

ما تقلقيش يا كاميليا، خلي بالك إنتِ من نفسك، ولو احتجتي أي حاجة كلّيميني.

نظرت إليه بعرفان وقد أشعرتها كلماته بشعور رائع كانت تفتقده وتتمناه منذ زمن، وهو وجود أخٍ لها، فقالت بتأثر:

حاضر، وإنت كمان خلي بالك من نفسك ومن البنات، وأنا هحاول أقابل خالتو فاطمة لما أنزل القاهرة.

كاميليا، هنتأخر!

كانت هذه كلمات يوسف الحادة، التي فهم معناها كلٌّ من مازن وعلي، فابتسم الأخير بخفة، إذ شعر بلهيب الغيرة يشتعل في الأجواء من حولهم، فلم يُطل أكثر، واستأذن منهما للاطمئنان على شقيقتيه.

وجّه يوسف أنظاره إلى مازن قائلًا بإيجاز:

هشوفك في القاهرة.

تقدّمته كاميليا بصمت دون أن تلتفت إليه، رغم أن نيران غضبه كانت تصل إليها، لكنها لم تُبالِ، فهو أغضبها، وهو أيضًا جرحها كثيرًا، فليغضب أكثر، وأكثر. فقد استطاع في ساعة واحدة أن يُثير بداخلها مختلف المشاعر المؤلمة دون أن ينظر إليها حتى.

صعد كلاهما إلى السيارة، ومرّ بعض الوقت دون أي حديث، ليقطعه يوسف قائلًا من بين أسنانه:

آخر مرة تتكلمي مع أي راجل بالطريقة اللي اتكلمتي بيها مع علي، فاهمة؟

التفتت إليه بحدة، بينما خرجت كلماتها مدهوشة تنافي حزنها الداخلي:

طريقة إيه اللي اتكلمت بيها مع علي؟

علت نبرة صوته وقد بلغ غضبه ذروته:

فاهمة؟!

ارتعبت من مظهره وآلمتها طريقته في الحديث إليها، إلى جانب مواقفه معها الليلة، إضافةً إلى كلماته التي كان وقعها قاسيًا عليها، لذا لجأت إلى الصمت قبل أن تقول بجفاء:

فاهمة.

أدارت وجهها للناحية الأخرى تخفي عَبَراتٍ لم تعد جفونها قادرة على حملها، وقد تسلّل إلى قلبه شعور مقيت بالألم، فالتفت يناظرها بندم لم يتجاوز حدود شفتيه، فقد أثارت غضبه وغيرته أيضًا، والأخيرة كانت أشد ما يُجنِّنه. فقد كان ينوي أن يُراضيها، لكن طريقتها مع علي جعلت الدماء تفور في عروقه، ورغمًا عنه جرحها.

امتدت يداه تحت ذقنها يديرها إليه، فانفطر قلبه لمظهرها الباكي، ومد إصبعه ليمسح لآلئ عَبَراتها التي تنهمر كالأمطار، وتبدلت لهجته الحادة إلى أخرى مُعاتبة:

هو كل ما يحصل بينا مشكلة هتزعلي وتِقعدي تعيّطي كده؟

لم تكن في حالة تسمح لها بالحديث، لذا أدارت وجهها إلى الطريق أمامها وهي تقول بجفاء:

مشكلة؟! أبدًا، مفيش أي مشكلة، إنت أمرتني وأنا دوري أنفّذ. ولو على دموعي، فمتقلقش، مش عشانك أنا بعيّط، عشان كارما وغرام هيوحشوني، ومش عارفة هعرف أشوفهم تاني إمتى.

كزّ على أسنانه غاضبًا، بينما توالت اللعنات بداخله، فقد أوصلها بغبائه إلى تلك الحالة من الحزن والغضب. فقام بصفّ السيارة جانبًا، ودون مقدمات اقترب منها يحتويها بقوة بين جنبات صدره، وكان احتواءً يحمل من الأعذار ما يعجز اللسان عن البوح به. فرغمًا عنها تشبّثت به وكأنه طوق نجاتها في بحر العذاب الذي كاد أن يُغرقها، تاركةً العنان لعَبَراتها لتخبره أي ألمٍ يجيش بصدرها.

بعد وقتٍ ليس بقليل، بادرت بالانسحاب بعيدًا عنه، ليأتي دوره حين تشبّث هو بها رافضًا تركها، فسكنت لثوانٍ دون حديث، ليمزّق هذا الصمت المُحيط بهما حين قال بخشونة:

ـ حقك عليا.

لم تستطع قبول اعتذاره ولا الانسلاخ عنه، لذا قالت بجفاءٍ ونبرةٍ متحشرجة:

ـ يلا عشان نمشي.

لم يُفلتها، ولن يسمح بأن يطول الأمر أكثر من ذلك، لذا قال بلهجةٍ أرق:

ـ كاميليا، عشان خاطري.

قاطعته برجاء مزق نياط قلبه

عشان خاطري إنت، أنا فعلًا مش قادرة أتكلم، خلينا نمشي.

على مضض تركها، بينما أطلق زفرةً يائسة تجاهلتها وهي تعود إلى مقعدها، فأدار السيارة وانطلق بسرعة كبيرة أفزعتها، لكنها ظلت على جمودها. وعندما وصلت إليها أنفاسه العالية علمت أن الغضب ما زال يأكله، وما إن همّ بالحديث حتى بادرت هي قائلةً بصوتٍ خفيض:

"هناَم شوية عشان تعبانة أوي."

ضغط على أسنانه بغيظ، فهي تُغلق أمامه جميع أبواب السلام وتُعلن حربًا صامتة لا يُحبذها على الإطلاق، ناهيك عن مُخططاته التي باءت جميعها بالفشل، لكن أبى كبرياؤه أن يتوسل إليها للحديث، فقال من بين أسنانه:

تمام.

التفتت إلى الجهة الأخرى ما إن خفّض مستوى المقعد قليلًا حتى تستطيع النوم براحة، ولم تستطع منع ظهور ابتسامةٍ خبيثة على ملامحها، فقد أرادت معاقبته بشدة على تعنيفه لها، ونجحت في ذلك، وهي أكثر من سعيدةٍ بغضبه الشديد هذا، وتمتمت بداخلها بانتصار:

اصبر عليّ يا ابن الحسيني، أما جننتك مبقاش أنا كاميليا.

---

عند انطلاق صوت أذان الفجر من أحد المساجد بالإسكندرية، كان علي يفتح باب منزلهما بعد إصرار غرام على مغادرة المشفى والرجوع إلى المنزل.

قام علي بالضغط على زر الإضاءة ليتفاجأ بوجود والدته التي طالعتهم بالكثير من الغضب وهي تقول:

حمد لله على السلامة.

صُدم ثلاثتهم من وجود فاطمة في المنزل، فعندما سألت غرام عن مكان والدتها، أجابتها كارما بأنها لا تعلم شيئًا، وأنها عند جدهم بالقاهرة، فماذا حدث ليجدوها في مثل هذا الوقت في المنزل؟ ومن الواضح أنها كانت تنتظرهم.

سرعان ما تغلّب علي على صدمته واقترب منها قائلًا بحبور:

ماما، حضرتك جيتِ إمتى؟

مبقاليش كتير.

اندفعت الفتاتان تجاه والدتهما، والتي سرعان ما تلقّتهما بين أحضانها لتطمئن عليهما، فقد شعرت بالرعب من مظهر غرام وتلك الضمادة فوق رأسها، فقالت بلهفة:

حصل إيه؟ وإيه اللي على دماغك دا يا غرام؟

تبادلت غرام وكارما النظرات، ثم وجهتا أنظارهما إلى علي كي ينقذهما من هذا الموقف، فهَمّ علي بالحديث، لكن يد فاطمة أوقفته قبل أن يبدأ، لتقول بلهجةٍ آمرة:

عايزة الصراحة يا علي، أي كذب مش هتهاون فيه.

زفر علي بيأس وقال بنفاد صبر:

طب اتفضّلي اقعدي وأنا هحكيلك.

جلسوا جميعًا، وقام علي بقصّ جميع الأحداث التي وقعت في غياب فاطمة، والتي صدمها ما سمعته، وسرعان ما تحوّلت صدمتها إلى ذعرٍ كبير؛ فهل كانت على وشك خسارة ابنتيها في لحظة؟

انتفضت من مكانها صارخة:

إنت بتقول إيه يا علي؟! بقى بناتي يتخطفوا ويحصل فيهم كل دا وأنا معرفش حاجة؟!

حاول علي تهدئتها قائلًا:

ماما، لو سمحتي اهدي شوية. أنا مردتش أقولك عشان خوفت عليكِ. الدكتور قال غلط تتعرضي لأي انفعال.

قاطعته مستنكرة:

خوفت عليّا! ولما كان يحصل لواحدة فيهم حاجة كنت هتعمل إيه؟ كنت هتفضل مخبّي عليّا العمر كله؟!

تدخلت كارما محاولة تهدئة الوضع قليلًا:

ماما، أرجوكِ اهدي، كدا غلط على صحتك. علي مالوش ذنب، هو خاف يقولك يحصلّك بعد الشر زي ما حصل قبل كدا.

زاد انفعال فاطمة فقالت بغضب:

مين إدّاله الحق يقرّر حاجة زي كدا؟! لا، وكمان يبعتني عند جده كأني عيلة صغيرة بيوزعها! للدرجادي شُفت نفسك كبرت عليّا يا سيادة الرائد؟!

تدخلت غرام هي الأخرى وقد شعرت بالحزن لهذا الظلم الواقع على شقيقها، فقالت بانفعال:

ماما، علي مالوش ذنب في كل اللي حصل. كان قالب الدنيا عشان يلاقينا. لو كان قالك، ولا قدر الله حصل لحضرتك حاجة، كان هيعمل إيه؟! هيسيبنا ويفضل جنبك، ولا يجري يدور علينا ويسيبك بين الحياة والموت؟

والله عال يا ست غرام! إنتِ كمان بتعلّي صوتك عليّا؟

ماما، أنا ما قصدتش.

قاطعتها فاطمة صارخة:

اسكتي خالص!

أخيرًا تحدث علي الذي ضاق ذرعًا بكل ما يدور حوله، فقرر إنهاء هذا النقاش قائلًا:

اسكتي يا غرام لو سمحتي. حقك عليّا يا ماما، أنا آسف، يمكن اتصرّفت غلط بس غصب عني. مكنتش هقدر أتحمل إنك تتعبي أو بعد الشر يحصلّك حاجة.

قالت فاطمة بجفاء:

اللي مكتوبله حاجة هيشوفها، وبعد كدا ياريت ما تاخدش قرارات من نفسك، والبنات دول مُلزَمين مني أنا، مش منك إنت. لما أبقى أموت ابقى اعمل اللي إنت عايزه.

صُدم ثلاثتهم من حديث فاطمة وتلك اللهجة التي تتحدث بها مع علي للمرة الأولى، ولم تكتفِ بذلك فقط، بل ألقت تلك القنبلة التي أفزعتهم جميعًا:

جهّزوا نفسكم إنتوا التلاتة، عشان خلال أسبوع هنمشي من هنا ونروح نعيش عند جدّكوا في القاهرة.

قطب علي جبينه وقال باستنكار:

ماما، إيه اللي بتقوليه دا؟

قالت فاطمة بصرامة:

مش عايزة نقاش، اللي قلته هيتنفذ سواء رفضتوا أو قبلتوا. كل واحد يأقلم نفسه على كدا.

اندفعت غرام بغضب قائلة:

إزاي؟! ودراستنا؟ دي الامتحانات خلاص قرّبت!

جدّك هيخلّص كل الحاجات دي في أسرع وقت، ما تشيلوش هم. ياريت تجهّزوا نفسكم، وإنت يا سيادة الرائد، ابدأ في ورق إجراءات نقلك، ولو سمعت منك أي اعتراض، يبقى اعتبر من اللحظة دي إنك مالكش أم.

ألقت فاطمة قذائف كلماتها ثم هرولت إلى غرفتها، فقد بلغ الحزن والغضب ذروته بداخلها، فهي للمرة الأولى تتحدث معه بتلك الطريقة، ولكن ما باليد حيلة، فهي لا تريد خسارته أبدًا.

أما علي، فقد أصابت كلمات والدته صميم قلبه، فأخذ مفاتيحه وخرج فورًا من باب المنزل، لا يدري إلى أين هو ذاهب، كل ما يريده هو التنفيس عن ذلك الغضب الذي كان يأكله.

---

بعد مرور أسبوعٍ حمل الكثير من الأحداث، نأتي لذلك اليوم الموعود لسفر فاطمة وأولادها إلى القاهرة، فقد جاء مازن وسيد البوّاب ومعهم علي غير الراضي تمامًا عن تلك الخطوة، لكنه رفض أن يُجادل والدته في قرارها.

وأثناء حمل سيد إحدى الصناديق التي تخص والدته، سقط منه وتناثرت محتوياته، وكانت عبارة عن صورٍ قديمة، فقام علي بلملمتها، لكن لفت انتباهه صورةٌ لامرأة جميلة في ريعان شبابها وبجانبها طفلٌ صغير. شعر علي بأنه يعرف تلك المرأة وذلك الطفل أيضًا، فأتاه صوت والدته من الخلف قائلةً:

إيه اللي موقفك كدا يا علي؟

التفت إليها قائلًا باستفهام:

"مين الست اللي في الصورة دي؟"

التقطت الصورة من بين يديه ونظرت إليها ثم قالت باختصار:

دي ناهد بنت خالي، ودا ابنها.

برقت عيناه من شدة الصدمة وقال دون وعي:

إيه؟

يتبع.....

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...