الوجه السابع و العشرون للعشق 🌹
أنت الذي حين أتيتني ظننتُك لروحي منقذًا،
واهتدى الفؤادُ إلى جوارك، وملكْتَ النفسَ أمرَها.
وحسبتُ أنك لعُهودِ الهوى ستكونُ حافظًا،
فباغتني غدرك بطعنةٍ لم يحسبْ لها قلبي حسابًا.
أينَ اليمينُ الذي أقسمتَه؟ بأن تصونَ الروحَ وتحفظَ ودَّها؟
وهل لجُرحي ذريعةٌ تُشفعُ، وتُمحى بها جُرمً بحقي كان جائرًا؟
نورهان العشري ✍️
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
أخذ أدهم يُكيل اللكمات لذلك القذر الذي كان يحاول الاعتداء على حبيبته، وكانت غرام ترتعب مما يحدث حولها، لكنه كان طوق النجاة الذي أنقذها من ذلك المصير السيئ الذي كانت ستلقاه على يد ذلك المجرم لولا تدخّله.
لمعت عيناها فجأة عندما لمحت القادم تجاههم يصوّب فوهة مسدسه إلى ظهر حبيبها ومنقذها، فاندفعت دون وعيٍ نحوه قائلةً بصوتٍ عالٍ:
_ حاسب يا أدهم!
رفع أدهم رأسه من فوق ذلك المجرم الذي انقطعت أنفاسه من شدة لكماته، ليجد غرام تُلقي بنفسها فوقه، فتتخطاهما الرصاصة بأعجوبة وتصيب الحائط خلفهما. لم يستطع أدهم تصديق ما حدث، فهل فعلًا قامت بإنقاذه من تلك الرصاصة الطائشة بعد كل ما فعله معها؟
اصطدمت أجسادهما بشدة على الأرضية الصلبة، مما أدى إلى فقدان غرام الوعي في الحال، وأغلقت جفونها تزامنًا مع خروج سائلٍ لزجٍ بلّل يديه أسفلها، فهَوَى قلبه بين ضلوعه خوفًا من سكونها بتلك الطريقة، لتخرج الكلمات من بين شفتيه بصعوبةٍ بالغة:
_ غ... غرام؟ غرام، ردي عليّا! إنتِ كويسة؟
لا إجابة ولا استجابة منها.
_ أدهم! انتوا كويسين؟
كان هذا صوت يوسف، الذي ما إن رأى ذلك النذل يذهب حاملًا سلاحه في الاتجاه الذي توجه إليه أدهم حتى لحق به. وفور أن أُطلقت تلك الرصاصة باغته يوسف بضربةٍ قويةٍ خلف رأسه بمؤخرة سلاحه جعلته يفقد وعيه في الحال، ثم هرول للاطمئنان عليهما، ليشهد اصطدامهما بالأرض وأدهم الذي جحظت عيناه عندما شاهد دماءها، فأخذ يتلمس وجهها بخفةٍ كي يوقظها مناديًا عليها بكل ما يعتمل بداخله من رعب:
_ غرام! غرام، أرجوكِ فوقي، متعمليش فيّا كده!
أبعده يوسف عنها ما إن رأى الدماء التي افترشت الأرضية، ووضع إصبعيه فوق شريانها النابض ليقول بعجالة:
_ نبضها ضعيف، لازم تتنقل المستشفى دلوقتي حالًا!
نظر له أدهم بضياع، لا يدري ماذا يفعل، وكأن كل حواسه توقفت لحظة أن ألقت بنفسها فوقه لتحميه من الموت المحتم، ليصرخ به يوسف قائلًا:
_ أدهم! خدها واطلع على أقرب مستشفى دلوقتي، وأنا هكلمهم يبعتوا عربية إسعاف تقابلكم. مفيش وقت للصدمات، حياتها في خطر!
أفاق أدهم من صدمته، وقام بحملها وخرج بها مهرولًا، والقهر يتساقط من لهجته حين أخذ يتوسل إليها قائلًا:
_ غرام! متستسلميش، أرجوكِ قاومي... عشان خاطري!
كان يشعر وكأنه يحمل قلبه بين ذراعيه، فإن استسلمت توقّف قلبه مستسلمًا هو الآخر...
*************
كان مازن يبحث في الغرف كمن فقد عقله، ويتبعه علي، إلى أن سمعا صوت بكاءٍ مكتومٍ آتٍ من إحدى الغرف، فاندفعا معًا نحو الباب ليُصعقا من ذلك المشهد؛ فقد كان المجرم محمد يمسك بكارما واضعًا يده حول عنقها، والأخرى ممسكة بسكينٍ موجهةٍ نحو شريانها النابض، بينما كان ماجد ملقى على الأرض خلفهما.
وقع قلب كليهما من هول المشهد، خاصةً حين قال ذلك المجرم:
_ زي الحلوين كده، تنزلوا السلاح اللي في إيديكم... أحسن أطير رقبة الأمورة!
نظر كلٌّ من علي ومازن إلى الآخر، ثم وضعا أسلحتهما على الأرض امتثالًا لأوامر المجرم، ورعبًا على تلك التي ترتجف من شدة الخوف، ويرتجف معها قلب مازن، فرؤيتها هكذا وهو مقيد غير قادرٍ على إنقاذها أشعره بالعجز، وهو أصعب شعور يمكن أن يعيشه رجل تجاه حبيبته؛ العجز عن حمايتها.
تبرقت عروق يده من شدة ضغطه عليها بفعل الغضب الذي يأكله، وكان حال علي مشابهًا، إذ قال بهدوءٍ مناقضٍ تمامًا لما يشعر به:
_ اهدى، إحنا رمينا السلاح هوّه زي ما انت عايز، سيبها بقى وخلينا نتفاهم.
ابتسم محمد بسخريةٍ وقال باستهزاء:
_ انت فاكرني أهبل؟ أسيب مين؟ دا انتوا تفرتكوني! أنا مش هسيبها غير لما أخرج من هنا وأتأكد إن مفيش حد ورايا.
_ سيبها وأنا أضمن لك إن محدش هيتعرضلك.
ابتسم محمد بشرٍّ وقال بفحيحٍ كالأفعى:
_ تعجبني يا بيه! ما هو أصل أنا ماليش ذنب في كل دا... دا العاشق الولهان هو اللي خطط ودبّر، أنا بس عرّفته على حمو، غير كده ماعملتش حاجة!
أثناء ذلك، كان يوسف قد تأكد من تأمين سيارة إسعاف لتقابل أدهم وغرام، ثم أخذ يبحث عن البقية، ليلفت انتباهه علي ومازن الواقفين داخل إحدى الغرف كالتماثيل، بل والأدهى من ذلك أن أسلحتهما كانت ملقاة تحت أقدامهما!
ففطن إلى الأمر بسرعة، وتراجع للخلف وخرج إلى الناحية الخلفية، ليجد نافذةً تطل على تلك الغرفة، فاقترب منها بهدوء، وقام بتصويب فوهة مسدسه عبر الشق الذي يتوسطها، وقبل أن يطلق بثوانٍ، وجد ذلك الذي خرج من العدم وضرب محمد فوق رأسه بقطعةٍ حديدية، فاختل توازنه وانفلتت كارما من بين يديه صارخةً، سرعان ما تلقفتها يدا مازن، فيما انخفض علي يمسك بسلاحه، ليرى محمد قد التفّ، غارسًا نصل سكينه الحاد في قلب ماجد الذي استفاق على عرض محمد الرخيص وهو ممسكٌ بكارما، فحاول احتواء ألمه لإنقاذها، وهَوَى بالقطعة المعدنية على رأس محمد الذي وجّه إليه تلك الطعنة، ولكن في نفس التوقيت انطلقت رصاصتان من سلاحَي يوسف وعلي، استقرتا في منتصف رأس محمد، ليخرَّ صريعًا في الحال.
أخذت كارما تنتفض في يدي مازن، الذي حجب عن عينيها رؤية المشهد البشع كي لا تنهار، ثم حملها خارج المكان وهو يحاول تهدئتها قائلًا:
_ كارما، حبيبتي، اهدي... أنا جنبك، كل حاجة خلصت خلاص.
ظلت كارما ترتجف وهي تحرك رأسها يمينًا ويسارًا بصورةٍ هستيرية، حتى استطاع مازن احتواءها، فبدأت تهدأ تدريجيًا وسط كلماته المطمئنة بانتهاء الكابوس. رفعت أنظارها إليه غير مصدقةٍ وجودها معه، وقبل أن تتمكن من الحديث لمحت علي القادم من الداخل، فخرجت من بين يدي مازن مندفعه تجاه شقيقها، لترتمي بين أحضانه غير مصدقة أنه هنا معها.
عضّ مازن على شفتيه بغضبٍ أعمى وغيرةٍ هوجاء، فكيف تتركه لتندفع إلى أحضان غيره، حتى وإن كان شقيقها؟
اقترب منه يوسف، الذي كانت كل معالم السخرية والشماتة تلوّن وجهه، وقال بتشفٍّ:
_ حيلك يا عم الدنجوان! يطقلك عِرق... دا أخوها برضو!
أجابه مازن بغيظ:
_ شوف بنت الجزمة اللي كنت هتجنن عشانها، سابتني زي خربتها وطلعت تجري على أخوها!
قهقه يوسف شامتًا وقال من بين ضحكاته:
_ الصراحة شكلك وحش أوي يا مازن! دي حلقتلك حِتّة حلقة، إنما إيه! في الجون! نعيمًا يا معلم.
اغتاظ مازن أكثر من حديثه فصاح غاضبًا:
_ فرحان فيّا أوي! طبعًا مزاجك عنب، كاميليا لا أخ ولا أخت، يعني بيضا لك في القفص!
قال يوسف بفظاظة:
_ اهي عينك دي هي اللي جايبانا ورا، بس بصراحة... شمتان من قلبي فيك.
تعاظم الغضب بداخله، فنحّى يوسف المزاح جانبًا وقال بتعقل:
_ افهم يا غبي! البنت عملت الصح. علي لو كان شاف لقاء المطار ده، كان غربلك بالسلاح اللي في إيده. احمد ربنا إنها أنقذتك.
لمع وميض الغرور في عيني مازن وهو يقول:
_ أنا برضو بقول البِت كارما بتحبني، مش معقول تحلق لي كده إلا لو كانت خايفة على مصلحتي... يا حبيبتي يا كارما، وأنا اللي كنت ظالمك!
أنهى كلماته ثم أخذ يعض على شفتيه بغيرةٍ وقال:
_ هو ماله متبت فيها كده ليه؟ كل دا حضن؟ أبو تباتت أهله يا خي!
_ مش أخته يا غبي! وكانت مخطوفة... وكمان هو عرف اللي حصل لغرام، عشان كده خايف عليها أوي.
هكذا كان رد يوسف، وما إن سمعه مازن حتى قطّب جبينه وقال بلهفة:
_ آه، صحيح! فين غرام؟ وفين أدهم؟ وإيه اللي حصلها؟
قصّ يوسف على مازن ما حدث، واختتم كلامه قائلًا:
_ أنا طبعًا مقولتش لعلي كده، قلتله إنها وقعت وهي بتجري منهم، وأدهم لحقها وودّاها المستشفى.
حزن مازن كثيرًا، فغرام بمثابة شقيقته الصغرى، وقال باهتمام:
_ طب حالتها عاملة إيه دلوقتي؟ اطمنتوا عليها؟
_ علي كلّم أدهم أول ما عرف، وقاله إنهم في عربية الإسعاف وقربوا يوصلوا المستشفى.
_ ربنا يستر... مش عايز كارما تعرف، خايف عليها.
_ مش عايزني أعرف إيه يا مازن؟
كان هذا استفهام كارما التي اقتربت منهم، وهي ما زالت تحت ذراعي علي، الذي لعن مازن في سره، ليصمت الثلاثة لا يعلمون كيف يخبروها بما حدث، لتندفع الدموع من مقلتيها وهي تقول بجزع:
_ غرام جرالها حاجة، صح؟
زاد علي من احتضانها وقال محاولًا تهدئتها:
_ اهدي يا كارما... غرام كويسة، هي بس اتخبطت في راسها، وأدهم وداها المستشفى، وهي دلوقتي بخير، متقلقيش.
_ لا يا علي، انت بتكذب عليا!
شدّ علي من احتضانها وقال مطمئنًا:
_ والله ما بكذب عليكِ يا حبيبتي، هي كويسة، متقلقيش.
_ خلاص، يلا نروحلها... عايزة أطمن عليها بنفسي.
لعن مازن في داخله من إصرارها على الذهاب إلى المشفى، لكنه استغرب من حديث علي المبهم:
_ خلاص يا كارما، يوسف ومازن هيودوكي عند غرام في المستشفى، وأنا هحصلكم.
رفع مازن أحد حاجبيه تزامنًا مع اقتراب يوسف الذي كان يهاتف كاميليا ليطمئنها، والذي فهم ما يرمي إليه علي، فقال بفظاظة:
_ يلا يا مازن، نوديها على المستشفى، وعلي هيلم الليلة هنا.
كان مازن يريد أن يختلي بذلك الحقير الذي تسبب في كل هذا العذاب لحبيبته، فقال بعناد:
_ لا، روحوا انتوا... أنا ورايا شغل مهم.
فهم علي ويوسف ما يرمي إليه مازن، فقال يوسف بلهجةٍ قاطعة:
_ وجودك مالوش لزوم... كل حاجة خلصت خلاص!
فهم مازن ما يقصده يوسف، بأن المدعو ماجد قد توفي إثر تلك الطعنة، فهدأت نيرانه قليلًا وقال موافقًا:
_ تمام، يلا بينا.
ركب يوسف في مقعد السائق وبجانبه مازن، وكارما التي جلست في الخلف، وانطلقوا في وجهتهم.
لكن ما إن ابتعدوا عن المكان حتى أوقف يوسف السيارة إذعانًا لطلب مازن بالنزول ليجلس بجانب كارما التي كانت ترتجف، فهي لم تتغلب بعد على ما حدث. كانت تنظر إلى النافذة بضياع حتى إنها لم تلحظ توقف السيارة ولا ركوب مازن بجانبها، لكن قشعريرة سرت في أنحاء جسدها عندما امتدت يداه لتحتويها، فأراحت رأسها بين طيات صدره تنشد الأمان، وظلت ساكنة لبضع لحظات ثم قالت:
_ مات... مش كده؟
_ انسي يا كارما ومتفكريش. أخد جزاؤه.
قالت كارما بحزن:
_ بس هو أنقذني من الموت وضحّى بحياته عشاني.
غضب مازن كثيرًا لحديثها، ولولا الظروف لكان هزّها بعنف، لكنه آثر الهدوء وقال بحدةٍ طفيفة:
_ قصدِك هو اللي رماكي للموت بإيده! ولولا إننا قدرنا نعرف مكانكم ونتدخل في الوقت المناسب، كان زمانكم لسه تحت رحمة المجرمين دول، اللي يا عالم كانوا هيعملوا فيكم إيه! هو اللي عمل في نفسه كده يا كارما.
رفعت كارما رأسها وهمّت بالحديث، ليقوم مازن باحتواء وجهها بين كفّيه قائلًا بلهجةٍ حانيةٍ ولكن حازمة:
_ انسي يا كارما، وأوعي تحسي بالذنب أو يأنّبك ضميرك ولو لحظة، عشان هو اللي جنى على نفسه... اختار نهايته بإيده.
عند هذا الحد لم تستطع كارما الحديث، فقد لمست الغضب والحزن والتوسل في عينيه، لتومئ برأسها علامةً على الموافقة، فيُعيد رأسها بالقرب من قلبه مرة أخرى في محاولةٍ لتهدئتها.
***********
كان أدهم ينظر إلى غرام الغائبة عن الوعي بقلبٍ ممزقٍ، وعينان تتساقط منهما الدموع كالأنهار. مشهدها وهي تُلقي بنفسها لتُنقذه لا يبارح مخيلته، فيعتصر قلبه من الألم؛ فكيف يمكن أن تكون رائعةً إلى هذا الحد معه بعد ما فعله بها؟
لا يدري ماذا دهاه حين فكر في أذيتها بتلك الطريقة، كيف يفعل ذلك وهي الوحيدة التي جعلته يشعر بكل تلك المشاعر التي لم يعرفها إلا برفقتها؟ أين كان عقله وقتها؟
امتدت يداه تُزيح خُصلةً شاردةً فوق جبينها، وهو يقول بحبٍ امتزج بمياه عينيه التي سقطت على وجنتيها لتزيد من نيرانه:
_ عارفة؟ كل شوية بتأكد إنك أنقى حد قابلته في حياتي. كل اللي بيحصل فيّ بسببك بيأكدلي إن ذنبي في حقك كبير أوي.
صمت لثوانٍ محاولًا تجاهل تلك الغصة التي نشبت حوافرها في حلقه، قبل أن يُضيف بلهجةٍ تقطر قهرًا:
_ آه لو يرجع بيا الزمن لورا... كان زمانك ساكنة جوا قلبي زي ما إنتِ ساكنة فيه ومحتلاه كده.
توسّل قلبه قبل شفتيه حين قال:
_ أوعي تسيبيني، وحياة حبي اللي خلاكِ ترمي نفسك قدام الرصاص عشان تنقذيني... قاومي! أوعي تسيبيني، إنتِ أحسن حاجة حصلتلي في حياتي كلها.
أنهى كلماته تزامنًا مع وصول سيارة الإسعاف إلى المشفى، ليقوم طاقم التمريض بدورهم في نقلها إلى الداخل، حيث وصلوا لغرفة الطوارئ، مانعين أدهم من الدخول ليقوموا بالإجراءات اللازمة.
مر بعض الوقت حتى وصل كلٌّ من مازن وكارما ويوسف إلى المشفى، ليجدوا أدهم يزرع المكان بخطواتٍ حائرة. تقدمت كارما منه بلهفة قائلة:
_ غرام عاملة إيه يا أدهم؟ طمّني!
أجابها أدهم بيأسٍ:
_ معرفش، من وقت ما دخلوها جوه مقالوش حاجة، ومفيش حد طلع من عندها.
ارتعبت كارما من حديثه، وهمّت بالكلام، لكن خروج الأطباء من غرفتها أوقفها، فاقترب أدهم منهم بلهفة مستفسرًا عن حالتها:
_ طمّني يا دكتور، هي عاملة إيه دلوقتي؟
تحدث الطبيب بعمليةٍ هادئة:
_ الخبطة كانت قوية، عملنا لها أشعة، والحمد لله مفيش كسور داخلية ولا أي خطر على المخ، بس واضح إن حالتها النفسية كانت سيئة، وكمان شكلها مكلتش بقالها كتير، وده عملها هبوط حاد في الدورة الدموية... بس الحمد لله عملنا اللازم.
أجابته كارما بسرعة:
_ يعني مفيش خطر على حياتها يا دكتور؟
_ لا، الحمد لله، مفيش أي خطر.
تنفسوا جميعهم الصعداء، فتحدث أدهم برجاء:
_ دكتور، أنا ممكن أدخل أطمن عليها؟
_ لما ينقلوها أوضتها، تقدروا تشوفوها... عن إذنكم.
مر بعض الوقت حتى جاءت الممرضة إليهم لتخبرهم بأنه تم نقل غرام إلى الغرفة الخاصة بها، فانطلق أدهم يسبقه قلبه إليها.
وما إن امتدت كفّه لتقبض على مقبض الباب، حتى أوقفته يدٌ قبضت على معصمه، ليقول صاحبها بسخرية:
_ على فين يا أدهم بيه؟ اللي جوه دي خطيبتي، وأنا أولى أكون معاها وأطمن عليها دلوقتي.
اشتعلت نيران أدهم من ذلك المتطفل، واسودّت عيناه من شدة الغضب، ليقول من بين أسنانه:
_ لو مستغني عن إيدك متشيلهاش، ولو مستغني عن عمرك... خليك واقف مكانك!
ابتسم رامي بسماجةٍ وقال بسخرية:
_ لو مفكر إنك كده بتخوّفني، فأنت غلطان. وياريت تتفضل تمشي، عشان وجودك هنا مالوش لازمة.
اشتدت قبضة أدهم وأوشك على الانقضاض فوق رامي، ليوقفه ذلك الصوت الغاضب:
_ في إيه بيحصل هنا؟
**********
كان رائد ينظر إلى والدته الراقدة بفعل المُهدِّئ، ولا يدري أليَشعر بالفرح لعودتها أم بالخوف لحالتها تلك؟ وما الذي أوصلها إلى تلك الحالة؟ فهو منذ سنوات يحاول أن يجعلها تخرج من عالمها الوهمي الذي كانت تعيش فيه، لكنها لم تستجب أبدًا. لتأتي هي وتتركها معها لنصف ساعة، فتجعل والدته تنهار بهذا الشكل!
لا يدري هل يشكرها أم يعنِّفها؟ وهروبها أيضًا أثار شكوكه، فحتى هاتفها أغلقته، وهو لا يستطيع ترك والدته والذهاب إليها. قلبه يؤلمه، ويشعر وكأن شيئًا سيئًا على وشك الحدوث، ولا يدري ماذا عليه أن يفعل. فقد كانت تلك التخبّطات والتساؤلات تنهش في عقله بلا رحمة، ولأول مرة يقف حائرًا في المنتصف هكذا.
لكنه قرر أخيرًا أن ينتظر مع والدته، وأن يُحادث الحارس المكلَّف بمراقبتها ليَستفسر منه عن مكان تواجدها، فأخبره بأنها أتت إلى المنزل في حالة مزرية، ومنذ أن دخلت لم تخرج. فاطمأن قلبه نوعًا ما إلى وجودها في منزله، ولكن عقله ما زال يعمل في جميع الاتجاهات باحثًا عن إجابات لكل أسئلته...
كانت هند تنظر حولها بضياع إلى تلك الشقة التي تمكنت من استئجارها في ذلك الحي الشعبي تمهيدًا لهروبها، فهي عندما علمت بسفر يوسف قررت انتهاز الفرصة والهرب إلى أي مكانٍ مخفيٍّ عن الأنظار، إلى أن يستطيع يامن تأمين مكانٍ لها ولعائلتها.
وكانت تعلم بأن رائد يراقبها، فقد غافلت الحراسة التي ظنت أنها لم تلاحظها، وتسللت من الباب الخلفي للشقة، خاصةً وأنها قد اتفقت مع والدتها وأختها على الغداء في الخارج، ليخرجوا في غيابها أثناء تواجد الحرس حولها دون أن يدروا شيئًا عن مخططها.
ولكن قبل أن تهرب قررت ألا تزيد معاناته في البحث عنها، فتركت له أوراق تلك الصفقة المهمة التي كان يبحث عنها، ذلك بالإضافة إلى الجواب الذي أحرقت كلماته كل ذرة في قلبه:
> "رائد... وقت ما تقرأ الجواب دا هكون أنا مش موجودة، ومش هتقدر تلاقيني، وأرجوك متدورش عليّ.
أنا مكنش ينفع أفضَل معاك أكتر من كده، مش عشاني، دا عشان أهلي اللي ملهمش ذنب في انتقامك وماضيك اللي ضيّعوك وضَيّعوني معاك.
أنا عمري ما كنت أتمنى أجرحك ولا أعذبك، حتى بعد اللي عملته فيّا وغدرك بيا، قلبي مكنش بيطاوعني أأذيك.
بس الموضوع بقى أكبر مني.
لو كان عليّا كنت هفضل جنبك ومعاك لحد ما توصل لبرّ الأمان، بس غصب عني... ماما وورد ملهمش ذنب.
أرجوك سامحني زي ما أنا هحاول أسامحك.
أنا سبتلك ورق الصفقة اللي كنت قالب الدنيا عليه، أتمنى أكون قدرت أساعدك لآخر مرة.
خليك فاكر إني كنت بحبك... وخلي بالك من نفسك، وانساني، وأوعى تدور عليّ، عشان مش هتلاقيني...
هند"
أنهى رائد قراءته لذلك الجواب الذي وجده مع أوراق الصفقة في المظروف الموضوع على الكنبة الخلفية لسيارته، ليشعر بيدٍ قوية تعتصر قلبه وتمنع عنه التنفس.
هل يمكن أن يكون هذا حقيقيًا؟ هل يمكن أن تغادره بتلك السهولة؟
خاصةً عندما اتخذ قراره بفتح قلبه لها، واطلاعها على ماضيه، بدايةً من والدته!
هل يمكن أن تطاله يد الغدر ثانيةً عن طريق أكثر إنسانة أحبها في حياته؟
هل ستظل الحياة قاسية معه هكذا دومًا؟ فدائمًا ما تأخذ منه أحبّاءه ليظل وحيدًا.
دون إرادته سقطت دمعة يتيمة من عينيه، ليصرخ قلبه بعدها بصوتٍ ممزقٍ من الحزن ولوعة الفراق قائلًا:
_ هندددددددددد!
---
_ تعالي يا فاطمة، اقعدي... محتاج أتكلم معاكِ شوية.
كان هذا صوت هاشم الرفاعي، الذي أخذ عهدًا على نفسه بمعاملة فاطمة معاملة حسنة، فهو يريد أحفاده بجانبه، ولهذا يجب أن يتغاضى عمّا حدث في الماضي.
فقد قرر، بالاتفاق مع علي، أن تأتي فاطمة لزيارته نظرًا لتدهور حالته، وذلك خوفًا عليها من معرفتها بأمر اختطاف الفتيات، فهي حتمًا لن تحتمل.
وما إن خاطبه أحد رجاله وأخبره بأمر العثور عليهما سالمتين، حتى تهللت أساريره وقرر الحديث مع فاطمة وتكملة الجزء الباقي من خطته...
_ نعم يا هاشم بيه، اتفضل... سمعاك.
_ طبعًا لازم أشكرك إنك وافقتي تيجي وتشوفيني وأنا تعبان.
أجابته فاطمة بهدوء:
_ تشكرني على إيه؟ زيارة المريض واجب.
_ فاطمة، أنا ماليش في اللف والدوران، هدخل في الموضوع على طول. أنا عايزك تقنعي عليّ والبنات يجوا يعيشوا معايا هنا.
قطبت فاطمة جبينها وقالت بابتسامة بسيطة:
_ والله الموضوع دا مش في إيدي، عليّ وإخواته مبقوش صغيرين، ويقدروا يقرروا عايزين يعيشوا فين ومع مين.
زفر هاشم بقوة وقال بلهجة متسلطة:
_ إنتِ عارفة كويس أوي هما مش عايزين يجوا يعيشوا معايا ليه... وعشان مين؟
_ مفيش داعي ترمي الكلام يا هاشم بيه، لو مفكر إن أنا اللي بعداهم عنك تبقى غلطان.
قاطَعها هاشم بغضب:
_ لا، مش غلطان! إنتِ اللي واقفة بيني وبين ولاد ابني.
أجابته فاطمة بقوة:
_ لا يا هاشم بيه، غلطان! اللي واقف بينك وبينهم دلوقتي هو اللي وقف بينك وبين أبوهم زمان.
أجابها هاشم بصوتٍ مرتفع:
_ بين قوسين، إنتِ يا فاطمة! ابني عمره ما كان هيعاديني ولا يخرج عن طوعي لولاكي. إنتِ اللي ضحكتي عليه وخليتيه ينسى أهله وناسه، وخدتيه وهربتي بيه من هنا!
ابتسمت فاطمة بسخرية وقالت:
_ ابنك كان خارج عن طوعك من زمان وانت عارف. ابنك أصلًا عمره ما كان تحت طوعك، وطول عمره رأيه من دماغه.
وبعدين أنا مخدتش وهربت، سالم هو اللي اختار يبعد عنكم وعن جبروتكم، لما شاف اللي اتعمل في صاحب عمره من أقرب الناس ليه، مقدرش يستنى أكتر من كده. مقدرش يعيش وسطكم بأنانيتكم وظلمكم.
قاطَعها هاشم صارخًا:
_ جبروتنا وظلمنا؟ تقصدي مين يا فاطمة؟ تقصدي رحيم اللي خسر ولاده التلاتة بسببكم؟ دفن اتنين منهم بإيده، وبرضو هو اللي أناني؟!
أجابته فاطمة بقوة:
_ دي أعمار مكتوبة يا هاشم، ومالهاش علاقة بحد! واللي ماتت مع أحمد دي تبقى مين؟ ما هي أختي! إيه؟ هتقول إنها كمان اللي اتسببت في موته؟
قال هاشم ساخرًا:
_ ومحبيتش تذكري اللي قبله ليه؟ مين اتسبب في موته؟
لم يتلقَّ أي إجابة من فاطمة التي بدا الألم واضحًا على ملامحها، ليتابع قائلًا:
_ أقولك أنا... اللي تسبب في موته الخيانة، لأنه سلم قلبه للي ما يستحقوش، ودي كانت نهايته.
_ مش هقدر أتكلم في اللي معرفوش، بس اللي واثقة منه إن اللي بيحب عمره ما يقدر يخون.
ودلوقتي قُصر الكلام: طلبك بالنسبالي مرفوض.
لو الولاد حبوا يجوا يعيشوا معاك هنا مش همنعهم، لكن لو مرضيوش... عمري ما هحاول أقنعهم أبدًا. عن إذنك.
أنهت حديثها وتوجهت نحو الخارج، حين باغتها هاشم بتفجير تلك القنبلة التي جمدتها في مكانها:
_ لو ما نفذتيش طلبي، هقول لعلي إنك مش أمه!
يتبع....
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!