الفصل 34 | من 57 فصل

رواية للعشق وجوه كثيرة الفصل الرابع وثلاثون 34 - بقلم نورهان العشري

المشاهدات
19
كلمة
7,908
وقت القراءة
40 د
التقدم في الرواية 60%
حجم الخط: 18


الوجه الثالث و الثلاثون للعشق 🌹

كتبت غادة السمان لغسان كنفاني: "أعلم أنك تفتقدني لكنك لا تبحث عني، وإنك تحبني ولا تُخبرني، وستظل كما أنت، صمتك يقتلني."

‏جاء رد غسان: ‏"ولكنني متأكد من شيء واحد على الأقل، هو قيمتك عندي، كل ما بداخلي يندفع لك بشراهة، لكن مظهري ثابت."

فكتبت له غاده: ‏"لا يعنيني شعورك العظيم الذي تكنهُ لي، إن كنت تتصرف على عكسهُ تمامًا."

🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁

_ ممكن أعرف إيه اللي كان بيحصل جوا؟

شهقت كاميليا بفزع إثر هذا الصوت الذي أخافها، ولكن سرعان ما تحوّل فزعها إلى غضب شديد وهي ترى روفان تنفجر في الضحك على مظهرها المرتعب لتقول من بين ضحكاتها:

_ يخربيت الضحك. نفسي أصوّرك دلوقتي وأوريكِ شكلك عامل إزاي؟

اقتربت منها كاميليا قائلة بغضب:

_ تصدّقي إنك عَيِّلة غبية؟ خوّفتيني.

تابعت روفان حديثها قائلة باستفزاز:

_ يا جبانة.

_ جبانة في عينِك! فكرتك طنط صفية.

استنكرت روفان حديثها قائلة:

_ طنط صفية برضو؟ ولا خوّفتي لا تكون الحيزابونة أو بنتها؟

أجابتها كاميليا بصدق:

_ الصراحة هما الاتنين يِرعبوا بلد، وخصوصًا إن بنتها كانت لسه جوا في المكتب، وعينيها بتطّق شرار.

قهقهت روفان على حديثها قائلة بمرح:

_ آه مانا شوفتها طالعة من المكتب جري كإن في شياطين بتجري وراها.

قطعت روفان حديثها ثم نظرت لكاميليا بنصف عين وقالت متخابثة:

_ ألا قوليلي يا كامي... هي نيفين شافت إيه جوا خلاها كانت هتموت كده؟

ارتبكت كاميليا قليلًا وقالت متلعثمة:

_ إيه هتكون شافت إيه يعني؟

أجابتها روفان بمكر:

_ اللي شافته وجننها... هو نفسه اللي خلاكِ طالعة من جوا جري مش قادرة تاخدي نفسك، يا عيني! وعمالة تحمّري وتخضّري وتصفّري كده. قوليلي قوليلي... دانا ستر وغطا عليكي برضو.

ارتبكت من حديث روفان ونظراتها، ولكنها أرادت قلب الأدوار فقالت بمكر:

_ من عنيا يا روفي طبعًا هقولّك، هو أنا ليا غيرك؟ بس معلش أنا مشغولة دلوقتي... أصل خالتو فاطمة وعلي... هاه علي، وكارما، وغرام جايين من الإسكندرية، وزمانهم على وصول، والمفروض إني أجهّز عشان أروح أسلّم عليهم. ولما أرجع بقى هبقى أقولّك حصل إيه.

قالت الأخيرة بشماتة ثم توجهت إلى الأعلى، ولكن سرعان ما تبعتها روفان مهرولة وهي تصيح باستعطاف:

_ كاااامي! قلبي وروحي! صاحبي اللي ماليش غيره!

توقفت كاميليا ما أن أمسكت بمعصمها يدُ روفان لتُديرها ناظرةً إليها باستعطاف، فبادلتها كاميليا بنظرات متعالية ونبرة تُشبهها:

_ أممممم... دلوقتي بقيتِ صاحبتي؟ مش كنتِ من شوية مِيّتة على نفسك من الضحك وشمتانة فيّ؟

أجابتها روفان باستنكار:

_ أنا يا بنتي؟ طب إن شاء الله أعدِمك لو كنت بضحك عليكِ! دانا كنت بضحك على شكل البت نيفين وهي خارجة زي القطر كده.

_ لا والله؟ وأنا الهبلة اللي صدّقتك، صح؟

اغتاظت روفان من عدم تصديق كاميليا لحديثها فقالت بغضب:

_ بِتّ! إنتِ بقولّك إيه؟ مانا هاجي معاكي يعني هاجي معاكي. ذوق عافية هاجي معاكي!

ضحكت كاميليا على حديثها وقالت بإندهاش:

_ دانِتِ واقعة بقى!

روفان بتلعثم:

_ إيه! إنتِ تقصدي إيه؟ أوعي تكوني مفكراني هموت وأروح عشان ابن خالتك القمر ده! لا طبعًا. أنا رايحة عشان أسلّم على بنات خالتك وأصاحبهم... يا حرام دول لسه جايين هنا، ومالهمش صحاب، ونتخلى عنهم يعني؟

كاميليا بسخرية:

_ آه يا عيني... وأنا اللي كنت ظالماكي!

أوشكت روفان على الحديث ليقاطعها دخول أدهم من باب القصر، الذي ما إن شاهدهما حتى اقترب قائلًا بعجالة:

_ يوسف هنا ولا في الشركة؟

أجابته روفان بسخرية:

_ الله يسلمك يا أدهم يا حبيبي! تصدّق وحشتني؟ وأنا كمان كويسة... وماما كويسة الحمد لله... وإنت إيه أخبارك؟ إن شاء الله تكون بخير؟

طالعها أدهم باستهزاء قائلًا:

_ أنجزي، يوسف فين؟

أشارت له روفان إلى غرفة المكتب، فأومأ برأسه ثم وجّه أنظارًا مترقّبة إلى كاميليا التي كانت تطالعه بغضب لم يَخفَ عليه، فقال:

_ كاميليا... عايزِك في موضوع.

أجابته بلامبالاة:

_ مش فاضية، ورايا مشوار. وبعدين وفّر على نفسك أي كلام عايز تقوله عشان مالوش لازمة.

زفر حانقًا قبل أن يقول بسخط:

_ كاميليا... ورحمة أمّك ما تشتغليني! قولتلك عايزك في موضوع.

تدخلت روفان قائلة بفضول:

_ موضوع إيه؟ هااه؟

أدهم بحَنَق:

_ مالكيش فيه! هتنجزي؟ نخلص نقول الكلمتين ولا لأ؟

طالعته كاميليا بشماتة قائلة:

_ لما أرجع من مشواري.

أنهت حديثها ثم توجهت إلى غرفتها، تاركة أدهم يشتعل غيظًا، جعله يصيح بانفعال:

_ ومشوار الست هانم ده هيخلّص إمتى؟

أجابته روفان بثرثرة:

_ لااا... انسى إنك تكلّمها النهارده! أصلها يا سيدي رايحة تقابل ولاد خالتها اللي جايين النهارده من الإسكندرية عشان يعيشوا في القاهرة.

ما إن أنهت حديثها حتى لمعت عينا أدهم بوميض الفرح، فها هو القدَر يهيّئ له فرصة ذهبية لرؤيتها دون أن يتدخل، فقال بمكر:

_ عشان كده الست كاميليا كانت عمالة تتفرد وتتنّي عليّا... ماشي يا كاميليا، أما وريّتك.

روفان بقهر:

_ أيوه! وبتتفرّد وتتنّي عليّا أنا كمان! ومش راضية تاخدني معاها!

لمعت عيناه بوميض المكر ثم نظر إلى روفان قائلًا بحماس:

_ ولا تزعلي نفسك! اطلعي البسي يالا، وأنا هودّيكوا.

روفان بلهفة:

_ بجد يا أدهم؟

_ طبعًا بجد! ما تخلّقش لسه اللي يزعّل روفان الحسيني وأنا موجود. يالا روحي البسي.

_ بصّ... هو أنا حاسة إنك مش عامل كده لله في لله، ومتاكدة إنك ليك مصلحة... الله وأعلم إيه هي! بس أنا ناوية أعمل عبيطة وأصدقك.

ما إن أوشك أدهم على الرد حتى وضعت كفها أمام شفتيه تمنعه من الحديث قائلة بمزاح:

_ والله ما انتَ شاتم ولا معكّر دمَّك... أنا أوزعة! ولساني متبرّي مني! هروح ألبس وأجيلك.

اختتمت حديثها ثم فرت إلى غرفتها، وتركته وقد عزم الأمر على التحدث مع أخيه وفضّ ذلك الخلاف بينهما، فتوجه إلى غرفة المكتب وطرق الباب ثم فتحه ليجد يوسف الذي كان يتحدث في الهاتف تلك المحادثات السرية التي كان أدهم يلاحظها كثيرًا في الفترة الماضية، ولكنه لم يسأل عنها؛ فهو يعرف طبع أخيه الكتوم، والذي حتمًا لن يخبره.

تقدم إلى الداخل، وقبل أن يبدأ الحديث بادره يوسف الذي أنهى مكالمته سريعًا وألقى ملفًا مغلقًا أمامه. تناوله أدهم وشرع في فتحه وتصفحه سريعًا ثم قال باستغراب:

_ مش المفروض الملف ده يكون معاك؟

يوسف بفظاظة:

_ لا. هتروح بُكرة إنت ورائد. أنا ورايا حاجات مهمة.

أدهم بإندهاش:

_ بس المناقصة دي تقريبًا من أهم المناقصات في تاريخ الشركة! وخصوصًا إنك شايف وضعنا بعد ما خسرنا المناقصتين اللي فاتوا.

يوسف بسخرية:

_ كويس والله إنك عارف وضعنا.

زفر أدهم بيأس ثم قال بنبرة صادقة:

_ أنا آسف يا يوسف.

يوسف بجفاء:

_ الأسف ده في المكان الغلط يا أدهم.

_ عارف إني غلطت يا يوسف، وأوعدك أصلّح غلطتي. بس أهم حاجة عندي إنك تسامحني.

يوسف بفظاظة:

_ حياتك الشخصية متهمّنيش، بس بنت الناس مش هسمحلك تأذيها تاني ولا تقرّب منها حتى.

أدهم برجاء:

_ يوسف! ورحمة أبوك ما تعمل معايا كده... أنت أكتر واحد في الدنيا عارفني. ده انت اللي مربّيني.

تنهد يائسًا قبل أن يقول بنبرة معاتِبة:

_ أنا رَبّيتك تكون راجل... تقف جنب الناس وتساعدهم. مش إنت اللي تظلمهم.

أدهم بندم:

_ والله أنا بحبها... لا ده أنا ما حبيتش غيرها أصلًا. وعارف إني غلطت غلطة كبيرة، ومستعد أعمل أي حاجة في الدنيا عشان أصلّحها.

يوسف بنفاد صبر:

_ ماشي يا أدهم... سيب الموضوع ده دلوقتي. خلينا في المهم. المناقصة دي مينفعش تضيع مننا. أنا داخل فيها بتقيل. من غيرها مش هنقدر نتمّم الصفقة مع الألمان.

أدهم بثقة:

_ متقلقش، إن شاء الله هترسي علينا. أصلًا إنت مقدّم سعر استحالة حد يتوقعه. خلاص بقى سامح أخوك.

_ إنت عارف هسامحك إمتى... ويالا من غير كلام كتير عشان معايا تليفون مهم.

أدهم بمزاح:

_ معرفش ليه قلبي بيقولّي إنك بتخون كاميليا!

لم يتجاوب يوسف معه، بل رفع أحد حاجبيه بمعنى "إلى الخارج"، فانسحب أدهم، ثم وصل إلى باب الغرفة قائلًا:

_ بقولك إيه... خلي عم عبده هنا. أنا هوصّل كاميليا وروفان لبيت السباعي بيه.

أومأ إليه بمعنى نعم، ثم أجاب على مكالمته بعد أن تأكد من خروج أدهم.

**********

كان رائد في عالم آخر ما بين والدته، التي منذ آخر حديث بينهم وانهيارها بين يديه وهي حالتها غير مستقرة. دائمًا ما تكون نائمة، وأحيانًا تدّعي النوم. لا يدري ماذا حدث لها؟ ولماذا انهارت بهذا الشكل عندما ذكر لها اسم عمه؟ وأيضًا حديثها المزعوم عن براءة تلك العائلة من كل تلك الأحداث التي تسببت في تسميم حياته...

فكيف يكون ذلك صحيحًا وهو قد رأى أباه يُقتل على يد عامر الحسيني؟ كيف يمكن أن يكون للقصة أبعاد أخرى؟

نجحت والدته في زرع بُذور الشك في عقله تجاه عمه، حتى ولو لم تكن تقصد ذلك، ولكنه يحتاج إلى أن يكتشف ماهية حقيقته، خاصةً وهو يعلم بأن راغب يخفي أكثر مما يُفصح، ويشعر بأن هناك شيئًا خفيًّا يجعله يريد الانتقام من تلك العائلة، ولأجل ذلك يسانده؛ لأن هدفهما واحد، ولهذا يحتاج ألّا يخسره في مثل هذا الوقت...

قاطع تفكيره رنين هاتفه السري.

_ أيوه يا فايز.

_ إيه يا رائد؟ انت فين؟ بحاول أوصلك بقالي كتير وانت مش هنا. انت ناسي إن عندنا مناقصة مهمة بكرة ولا إيه؟

رائد بنفاد صبر:

_ لا مش ناسي... بس كمان انت معاك نسخة من ملف المناقصة اللي يوسف هيقدّمه، وكل حاجة مترتّبة. يبقى ليه وجع الدماغ بقى؟

فايز بغضب:

_ عشان ده يوسف الحسيني يا رائد! يعني تِعلِب ومحدّش يقدر يجيب دماغه! ودي أهم مناقصة لشركته. لو خسرها يبقى راح في ستين داهية، ونبقى ضربناه في مقتل... وانت قاعد مكبّر دماغك وحاطط في بطنك بطيخة صيفي!

رائد بملل:

_ تقريبًا كل الكلام ده أنا عارفه... وضيف عليه إن كده نبقى طيّرنا منه صفقة الألمان كمان. إيه بقى اللي شاغلك؟ تكون قلقان عليه ولا حاجة؟

استشاط فايز غضبًا وصاح بانفعال:

_ يا بني آدم افهم! أنا خايف ليكون مجهّزلنا مصيبة. ما هو مش معقول يوقّع كده بسهولة!

رائد بحنق:

_ هي فين السهولة دي؟ ده أنا طلع عين أهلي عشان أجيب الورق ده! تقولي سهولة؟! وبعدين خوفك لا هيقدّم ولا هيأخّر. يا ريت تريح دماغك من الأوهام دي، وتفكّر في مناقصة بكرة... وتسبّني عشان مش رايق لك. سلام.

أغلق رائد الخط، وأخذ يفرك وجهه بيديه؛ فقد أرهقته كل هذه المؤامرات والخطط. يريد أن ينهيها واحدة تلو الأخرى، فقد سئم كل هذا الخداع. يريد أن يطفئ نيرانه كي يستعيد ما تبقّى من حياته مع والدته في سلام بعد أن يأخذ ثأر والده، حتى تطمئن روحه المعذّبة...

هكذا أقنع نفسه، ولم يستطع الاعتراف بأن الشوق للغائب كاد يفتك به وبقلبه. فقدها... تلك التي كانت بمثابة شعاع من الضوء يتسرب إلى قلبه من بين كل الظلمات المحيطة به. فقد أبى كبرياؤه الاعتراف بأن راحته لن تتحقق بدونها، وبأنها أمله الوحيد للنجاة من كل ذلك العذاب... ولكنها ذهبت دون أن ترفق بذلك القلب الذي يكاد يقتله شوقه لها...

**********

_ والله يا حبيبي مش عارفة أعمل إيه. مراد هنا، والزفت اللي اسمه رحيم ده كإنّ حد مسلّطه عليّا وممانعني أخرج غير بسين وجيم. كل الحجج اللي عندي خلصت خلاص. أقولّه هخرج إزاي؟

_ ماليش فيه يا سميرة. قولتلك عايز أشوفك النهاردة.

_ مستحيل هعرف أخرج النهاردة إلا لو حصلت معجزة. معرفش... حاسّة إن مراد شاكك فيّا، بيبصّلي بُصّات مش مريحة.

الشخص الآخر بملل:

_ خلاص يا سميرة... مش طالبة معايا أسمع سيرة الزفت ده.

_ طب اقفل دلوقتي، وهشوف هعرف أعمل إيه... وهكلّمك.

أنهت سميرة محادثتها، وأخذت تنظر إلى النافذة تفكّر في طريقة تُمكّنها من الخروج دون أن يعلم كلا من رحيم أو مراد، فقطع تفكيرها طرقات على الباب، فالتفتت قائلة:

_ مين؟

_ ممكن أدخل؟

نظرت سميرة إلى نيفين التي تقف أمام باب الغرفة مطأطِئة الرأس، تُظهر على وجهها كل ملامح الاعتذار والخجل، فطالعتها سميرة باستهزاء قائلة:

_ وده من إمتى الأدب ده كله!

تقدّمت نيفين بخطوات بطيئة إلى داخل الغرفة بعد أن أغلقت الباب خلفها، ثم نظرت إلى سميرة قائلة بنبرة خافتة:

_ عايزة أتكلم معاكِ شوية.

طالعتها سميرة بشك، ثم تقدّمت وجلست على الأريكة واضعة قدمًا فوق الأخرى، وقالت بملل:

_ قولي اللي عندِك يا نيفين، وبلاش الحركات دي معايا.

اقتربت نيفين منها بحنق، قائلة بلهجة قوية تتنافى تمامًا مع لهجتها السابقة:

_ بصّي بقى يا ماما... أنا مبقتش قادرة أتحمّل. إحنا مش هنفضل عايشين بالطريقة دي طول حياتنا.

سميرة بسخرية:

_ ومالها حياتنا يا عين أمّك؟

_ أقصد حياتك إنتِ وبابا. هتفضلوا العمر كله كده؟

_ وإيه الجديد؟ ما إنتِ من يوم ما وعيتي على الدنيا وهو كده.

نيفين بغضب:

_ وبعدين؟! هتفضل كده لآخر حياتنا يعني؟ يا ماما إنتِ صعبانة عليّا... حياتِك وشبابِك اللي بيتدفنوا وإنتِ لسه حلوة وفي عزّ شبابك.

سميرة باستهزاء:

_ صعبانة عليكِ! ومصعبِتش عليكِ لما رحتي لزقتي في ابن ضرّتي عشان تقرّبي من روفان وتصاحبيها؟ ولا لما أبوكي ضربني علقة موت بسببك؟! جاية أصعب عليكِ دلوقتي؟ بتخططي لإيه على قفايا يا نيفين؟

نيفين بمكر:

_ ما هو إنتِ اللي مفهمتينيش يا ماما... وقعدتي تزعّقي وتِبهدلي الدنيا من غير ما تسمعيني ولا تدّيني فرصة أشرحلك خطتي.

سميرة بشك:

_ خطة إيه دي إن شاء الله؟

_ إحنا لازم نخلي بابا في جيبنا... خصوصًا بعد ما طلعنا زين ده من تحت الأرض. كده تلتين ثروته هيروح له بما إنه الولد، وطبعًا إحنا مش لازم نسكت على الكلام ده.

سميرة بسخرية:

_ لا والله! لسه واخدة بالك دلوقتي؟! أمال أنا كنت هتجنّن ليه وحاولت أخلّص منه وأطلّعه بره البيت؟

_ وإنتِ بالجنان هتعرفي تطلّعيه بره البيت؟

سميرة باستفهام:

_ قصدِك إيه؟

نيفين بتخابث:

_ قصدي إننا لازم نخلّص منه... يعني ميكونش له أثر.

شهقت سميرة بفزع:

_ قصدك نقتله؟! إنتِ أكيد اتجننتي!

_ مش بالضبط... إحنا بس هنهيّئ له الظروف اللي تخلّيه يروح في داهية ويغور من حياتنا.

سميرة بسخرية:

_ وإنتِ فاكرة إن الواد ده لو جراله حاجة، مراد هيسيبنا في حالنا؟ ده إحنا أول ناس هيشك فيهم!

نيفين وقد وصلت للنقطة اللي عايزاها، قالت بمكر:

_ ما هي دي الخطة اللي أنا برسم لها... وعلشان كده لازم نتعامل معاه كويس، ونمثّل إننا بنحبّه، وإنك يا عيني تقبّلتي وجوده. بحيث لو حصل حاجة... نبقى إحنا برّه الليلة.

سميرة باقتناع:

_ طب وده هيحصل إزاي؟

_ بصّي يا ستي... أنا عايزاكِ تبدي الأول تحسّني علاقتك ببابا، وتعيشوا مع بعض زي أي زوجين.

سميرة بقهر:

_ ده عشم إبليس في الجنة... مراد مبيكرهش قدّي في الدنيا.

نيفين بإقناع:

_ بس راجل بالنهاية... واللي كان بيسيبه ويروح لها ماتت وغارت في داهية، والساحة فضيتلك. إنتِ بقى استغلي النقطة دي.

_ يعني أعمل إيه؟

_ يعني مثلًا كلمتين حلوين... على شوية نظرات انكسار وحزن بعد اللي عمله فيكِ، وشوية معاملة حلوة مع الواد ابنه ده. وأنا طبعًا مش هسكت... شوية "تعالوا نخرج سوا"، وشوية "ده ماما تعبانة يا بابا اطلع شوفها"، وكل شوية صدفة تخليكِ تستفردي بيه. ومعتقدش إنك مش عارفة هتعملي إيه لو جهولِك برجليه.

سميرة بلهفة:

_ هو ييجي بس... ومبقاش سميرة لو مخلّيتوش يندم ندم عمره على كل لحظة بَعِد عنّي فيها.

نيفين بمكر:

_ حلو قوي... نيجي للشغل العملي. بصّي بقى: إنتِ محتاجة تروحي للكوافير تزّبطي نفسك، وتشتري لك شوية حاجات كده من بتوع المتجوزين... علشان نظبط الأداء.

سميرة بحزن زائف:

_ طب وهخرج إزاي؟ ده إنتِ شايفة جدّك عامل عليّا حصار وممانعني من الخروج بسبب اللي حصل آخر مرة.

نيفين بتخابث:

_ سيبي الموضوع ده عليّا. أنا هغطي على غيابك... بس متتأخريش، بالكثير ساعتين تلاتة.

اتّسعت عينا سميرة فقد وجدت حلًّا لمعضلتها أخيرًا، وقالت بلهفة:

_ عيب عليكي يا نيفو... قبل كده هكون عندِك.

هكذا قالت سميرة، لكنها تذكرت شيئًا آخر، فقالت بغيظ:

_ طب وصفية دي؟ ما بتخبيش عن جدّك دَبّة النملة؟

_ لا... دي متقلقيش منها خالص، سيبيها عليّا. يلا... أنا هقوم أروح لجدي، وإنتِ بقى جهزي نفسك ومتتأخريش. آه... ومتنسيش تتوصّي بمراد بيه الحسيني... عايزينه ينسى اسمه.

أتبعَت نيفين حديثها بغمزة جعلت سميرة تبتسم بخبث على سذاجتها، ثم بعد خروجها قامت بإجراء مكالمة هاتفية:

_ أيوه يا حبيبي... استنّاني في الشقة اللي بنتقابل فيها. جايالك.

************

وصلت السيارات أمام ذلك القصر الكبير، وما هي إلا ثوانٍ حتى ترجلوا جميعًا إلى الخارج، كلٌّ يكتنفه شعور مختلف عن الآخر، لكنهم جميعًا أجمعوا على شعور الخوف من المستقبل. كانت الفتاتان تشعران بالغربة وأخذتا تنظران حولهما، ثم تحولت نظراتهما إلى علي الذي لم يختلف شعوره عنهما، لكنه ابتسم تجاههما ابتسامة طمأنة. وسرعان ما وجدوا الخدم يفتحون باب القصر، وذلك العجوز الذي يمشي مستندًا إلى عصاه قادمًا بلهفة تجاههم، يحاوطه الخدم من كل جهة خشية أن يسقط من فرط لهفته باستقبالهم، فها هي أمنيته الوحيدة في هذه الحياة تتحقق بجمع شمل أحفاده حوله.

اقترب منهم هاشم الرفاعي وهو يهلل بفرح:

_ أهلًا أهلًا يا ولاد الغالي. نورتوا بيتكم.

تقدم علي نحوه، تلاه شقيقتاه بعد أن تلقوا إيماءة من والدتهم بمعنى "اقتربوا". فحاوطهم هاشم وهو يسلم عليهم بترحاب شديد، وقد لمسوا مدى حبه لهم وفرحته بمجيئهم. ولم يفت عليه تحية علي المتحفظة معه ليبادر هو بعناقه، فاستجاب له علي، ليشاطره أختاه العناق المحموم بأنواع شتى من المشاعر المتضاربة: الندم والشوق والمحبة والحزن. ليقطع الحديث أخيرًا مساعد هاشم قائلًا باحترام:

_ هاشم بيه، أنا مقدّر الحالة اللي حضرتك فيها، بس الانفعال الزيادة ده غلط على صحتك.

أجابه هاشم بصوت متحشرج:

_ مش فارق... المهم إني عشت وشفت ولاد الغالي في حضني. مش مهم أي حاجة بعد كده. أنا مستعد أموت دلوقتي ومش هيهمني.

نطقوا جميعًا في آن واحد:

_ بعد الشر عنك يا جدو... ما تقولش كده يا جدو... ربنا يطوّل لنا في عمرك.

هاشم بتأثر:

_ ربنا ما يحرمني منكم يا حبايب جدو.

كان مازن يقف من بعيد يراقب ما يحدث بتأثر، دون أن يحاول الاقتراب احترامًا لخصوصية اللقاء الحار. نظر إلى فاطمة المتأثرة ثم اقترب منها قائلًا بلهجة حانية:

_ أكتر حاجة صح عملتيها إنك وافقتي إنهم ييجوا يعيشوا معاه. صدقيني فرحته دي كلها وهو في حالته دي ثوابها كبير عند ربنا. ده غير إن عمي سالم الله يرحمه لو كان عايش كان زمانه طاير من الفرحة دلوقتي.

نظرت إليه فاطمة بحنان وقد سقطت دموعها تأثرًا دون التفوّه بحرف، حتى تحدث هاشم قائلًا بصوته الواهن:

_ اتفضلي يا ست أم علي... نورتي بيتِك وبيت ولادِك.

نظر الإخوة الثلاثة إلى بعضهم في ترقب واندهاش من لهجة جدهم الحانية التي يرتسم بها الاحترام لوالدتهم. تقدمت فاطمة بعد أن أمسك مازن بيدها، فمد هاشم يده إليها وفي عينيه نظرات خاصة لم يستطع أحد تفسيرها. ظلت فاطمة لثوانٍ تبادله النظرات ثم مدت يدها إليه وسلّمت. ثم دعاهم هاشم إلى الداخل بعدما أمر الخدم بحمل أمتعتهم إلى غرفهم التي جُهزت خصيصًا لهم.

في الداخل، وما أن جلسوا جميعًا في غرفة الصالون حتى سمعوا صوت الباب يُفتح، وصوتٌ عذبٌ يقول بشقاوة:

_ جدو هاشم... يا جدو!

_ أهلًا بحبيبة جدو... أنا هنا في الصالون، تعالي.

نظروا جميعًا نحو مصدر الصوت بدهشة وترقب لرؤية تلك الفتاة التي تنادي على جدهم بكل تلك الحميمية. أمّا هو فكان قلبه يدق كالطبول... فصوت محبوبته الذي غرد كالعصفور أشعل نبضه، وتحوّل انتظاره لرؤيتها إلى لهفة تكاد تخنقه. وما إن دخلت بهيئتها الملائكية وشقاوتها المعتادة حتى شعر وكأن الأرض تدور من تحته.

تقدمت روفان، وكل خلية فيها ترتجف شوقًا وخجلًا. اندفعت مُهرولة حتى جذبتها كاميليا من معصمها هامسة:

_ اهدِي يا شيخة... أدهم جاي ورانا. لو حس بحاجة هينفخك.

روفان بذعر:

_ بالهُوِي! ده أنا نسيت أدهم خالص!

_ لأ افتكري... عشان ما نتعلّقش بسببك.

تقدمتا إلى الداخل، وما إن رأت الفتياتُ كاميليا حتى اندفعن نحوها بالعناق والترحيب، بينما وقفت روفان خلفهن، وشعرت بنظراته تحرق وجنتيها. كانت نظرة شوق صريحة جعلتها تستمد القوة لتنظر إليه... لتكتشف أنه اشتاقها بقدر ما اشتاقته. لاحظ هاشم تلك النظرات الخفية فانشرح قلبه وناداها ببهجة:

_ روفان، حبيبة جدو... إيه المفاجأة الجميلة دي؟

اقتربت منه روفان بخجل وهي تعانقه:

_ أهلًا يا جدو... حضرتك عامل إيه دلوقتي؟

_ بقيت أحسن لما شفت أحفادي... وكملت فرحتي لما إنتي جيتي.

_ ربنا يخليك لينا يا جدو.

ظلّت الفتيات يعانقن بعضهن بمحبة، ولم يخلُ ترحيبهن من مشاكسات غرام التي دفعت كارما مازحة:

_ يا بنتي اوعي... سيبيني أحضنها شويه، دي وحشاني.

وما إن احتضنت كاميليا حتى انتبهت إلى أنفاسها المتسارعة، وارتباكها الفاضح. التفتت لتجده يقف عند الباب، يداه في جيبيه، يرسم ابتسامة جعلت عظامها تذوب. لكنها تماسكت، وارتدت قناع اللامبالاة، تتفحصه بنظرة مستفزة، فأجابها بابتسامة أكثر وقاحة، تبعتها غمزة جعلتها تثور بداخلها.

ناداهم هاشم:

_ تعالوا يا بنات... أما أعرفكم على حبيبتي اللي كانت بتصبرني على غيابكم.

التفتت الفتيات، وعرّفهم على روفان:

_ دي روفان حفيدة رحيم الحسيني... صاحب عمري. ودول يا روفان كارما وغرام أحفادي.

تبادلوا التحية، ثم جلسوا، ودخل أدهم بعد مكالمة هاتفية قصيرة. سلّم على الجميع حتى وقف أمامها... وتوقف الزمن.

امتدت يده... وامتدت يدها.

ارتعشت.

نظرت إليه بصعوبة.

قسا على أناملها قليلًا... كأنه يعاتبها.

كانت لحظات قصيرة لكنها بدت دهراً.

أطلقت تنهيدة طويلة بعدما ابتعد، لم تخفَ على كاميليا التي همست:

_ يا عيني على التنهيدة... صحيح الحب بهدلة.

ضحكت كاميليا بخفوت، بينما لفت انتباههم حديث هاشم لأدهم:

_ تعرف الطريق ولا سألت حد وإنت جاي؟ أصلّك مجيتش هنا من وإنت في إعدادي.

تضاحكوا، وقال مازن بخبث:

_ بصراحة يا هاشم بيه... أدهم بيموت فيك وبيجيب سيرتك طول الوقت، خصوصًا اليومين دول.

فهم هاشم المقصود، ونظر بخبث إلى غرام المرتبكة:

_ ياااه للدرجة دي يا أدهم! ده شيء يسعدني والله. أتمنى أشوفك كتير الفترة الجاية.

_ لا ده إحنا راشقين لك الفترة الجاية... متقلّقش.

قهقهوا، ما عدا علي الذي كان منشغلًا برسائل نصية. سأله:

_ إيه اللي بيضحك كده؟

قال هاشم بخبث:

_ ما أنت مش مركز معانا يا حضرة الظابط... واللي واخد عقلك يتهنّى بيه.

تحمحم علي محرجًا:

_ لا أبدًا يا جدي... ده شُغل.

ابتسم هاشم له، بينما تابع مازن المزاح مع علي. ثم قاطعهم دخول عمرو، فاندفعت غرام نحوه بحب ولهفة:

_ عمّور! وحشتني!

عمرو بمحبة:

_ ميمو... وحشتيني.

ظلّت تتعلق بذراعه وتتمشى بجواره بدلال لم يكن بريئًا... فهي تشعر بلهيب نظرات أدهم من خلفها وتستمتع بذلك.

التفتت مصادفة فوجدت عينيه كجمر، غضب وألم واشتعال... فارتعشت لوهلة، ثم تجاهلته بابتسامة فتانة.

عندما جاء دور أدهم للسلام على عمرو بقي مُتجهمًا، وصافحه من باب الأدب فقط، وعمرو لم يكن أقل تحفظًا.

لم يحتمل أدهم. الحريق داخله اشتعل. اقترب من علي وقال بنبرة متماسكة رغم اضطرابه:

_ علي... لو سمحت، عايزك في كلمتين.

_ تمام، نطلع الجنينة.

خرج الاثنان، وتوقفا أمام الأرجوحة. كان صوت أنفاس أدهم مسموعًا من شدة الغضب. فقال له علي:

_ خير يا أدهم... سامعك.

فأجاب أدهم بلا مقدمات، وبصوت ثابت يخفي وراءه طوفانًا كاملًا من المشاعر:

_ أنا عايز أتجوز غرام... أختك.

********

_ فاضي ولا هعطّلك؟

خرج مراد من شروده والتفت للصوت القادم من الخارج، فوجد نيفين تُطلّ برأسها من باب المرسم الخاص به، فابتسم لها مرحِّبًا وقال بحب:

_ ولو مش فاضي هفضالك.

دخلت نيفين مغلقةً الباب خلفها قائلةً بمزاح:

_ سيدي يا سيدي... إيه الرضا دا كله؟

تقدّم مراد منها وقام باحتضانها وإجلاسها بجانبه على الأريكة قائلًا بصدق:

_ أنا طول عمري راضي عنك يا حبيبتي... المهم إنتِ تبقي راضية.

_ أنا راضية طبعًا... بس عندي طلب.

_ اؤمريني.

ترددت نيفين قبل أن تقول بخفوت:

_ بابا... أنا نفسي تتصالح إنت وماما ونعيش حياة سعيدة سوا.

انتفض مراد من مجلسه كمن لُدغته أفعى، قائلًا بغضب:

_ نيفين، اقفلي على الموضوع دا خالص ومتتكلميش فيه.

نيفين بصراخ:

_ أومال أتكلم في إيه يا بابا؟ هو أنا مش من حقي أعيش في جو هادئ وسط أب وأم بيحبّوا وبيحترموا بعض؟

مراد بصرامة:

_ أمّك دي آخر واحدة في الدنيا ينفع تتحب أو تستاهل الاحترام.

_ يا بابا أرجوك اسمعني... ماما فيها عيوب كتير أنا عارفة، بس والله بتحبك ومستعدة تتغير عشانك.

طالعها مراد بسخرية وقال باستهزاء:

_ وهي بقى اللي حفظتك البُوقين الحَمضانين دول؟

نيفين بنفي ولهجة مستعطفة:

_ والله أبدًا... دي ماما بتحبك، بس هي اللي أسلوبها وحش. دي حتى فاكرة إن عيد ميلادك بعد بُكرة، وقالت لي إنها هتخرج تجيب لك هدية، ووصّتني أغطّي على غيابها لحد ما تروح تجيبها وترجع ووو...

تعمدت نيفين التوقف عند تلك النقطة، وقامت بصفع مقدمة رأسها بغضبٍ مفتعل وهي تقول:

_ أوووف! فَتنت وقلت المفاجأة!

التفت مراد إليها كليًا وقد جحظت عيناه من فرط الغضب، فتقدّم منها وهو يقول بحدّة:

_ إنتِ بتقولي إيه؟

تلعثمت نيفين قائلةً بتوترٍ مفتعل:

_ أصلها كانت ناوية تعملّك حفلة عيد ميلاد وكده، وكانت عايزة تخرج بأي طريقة عشان تجيب لك هدية، فطلبت مني إني أغطّي على غيابها ساعتين لحد ما ترجع.

مراد وقد زاد غضبه من مكر تلك الحيّة، وقد تأكدت ظنونه بخداعها، فقال بصوت مرعب:

_ وخرجت إمتى بالظبط؟

نيفين بذعر، فقد هالها مظهره الغاضب:

_ وأنا جيالك كانت لسه نازلة.

تركها مراد بغتة، وقام بإخراج سلاحه من المكتب الخاص به، وأخذ هاتفه وانطلق مسرعًا، وهو ينوي كشف ألاعيب تلك المرأة والتخلّص منها نهائيًا.

********

نزلت سميرة من سيارة الأجرة وتوجّهت إلى صالون التجميل الذي كانت ترتاده دائمًا، ثم بعد لحظات دخلت إلى الحمّام وانتظرت ربع ساعة، ثم عاودت الخروج من الباب الخلفي لتصعد إلى السيارة التي كانت في انتظارها، غافلةً عن تلك العيون التي تتوعّدها بالهلاك، فلقد كان مراد يراقبها من بعيد وقد تأكّد من خيانتها؛ فهو منذ آخر حديث له مع نيفين قد تيقّن بأن تلك الأفعى تُخفي شيئًا، وها هو الآن بصدد كشفه.

انطلق مراد خلف تلك السيارة تاركًا مسافة لا بأس بها حتى لا يتم كشفه، والتي توقفت أمام بناية كبيرة في أحد الأحياء الراقية. نزلت سميرة وتوجّهت إلى الداخل، ويبدو أن حارس العقار يعرفها فلم يوقفها عندما دخلت البناء. فانطلق مراد خلفها، لكن أوقفه الحارس ما إن اقترب منه، فقال:

_ طالع فين يا حضرة؟

أخرج مراد رُزمة كبيرة من النقود وأعطاها للحارس وهو يقول:

_ بقولّك... الست اللي طلعت دلوقتي دي طالعة الدور الكام؟ وفي أنهي شقة؟

لمعت عينا الحارس عند رؤيته النقود، فأخذها ووضعها في جيبه سريعًا ثم قال:

_ طالعة الدور السادس... الشقة اللي على شمال الأسانسير.

شكره مراد واستقل الأسانسير الآخر وصعد خلفها، لكن جاءه اتصال من يوسف. رفضه، فأعاد الاتصال مرة أخرى، فردّ مراد قائلًا بعجالة:

_ أيوه يا يوسف.

_ عمي مراد... إنت فين؟

مراد باختصار:

_ أنا في مشوار مهم... في حاجة؟

يوسف بهدوء:

_ كنت عايز أتكلم معاك في موضوع مهم.

_ مش وقته يا يوسف.

كانت نبرة مراد مهزوزة، وقد لاحظ يوسف ذلك، فقال بقلق:

_ إنت كويس يا عمي؟!

_ أنا كويس... متقلقش عليّا. أنا عايز أطلب منك طلب من غير ما تسألني ليه.

_ اتفضل.

_ نيفين وزين في رقبتك... ولو جرالي حاجة خلي بالك منهم.

شعر يوسف بوجود خطب ما، فهبّ من مقعده قائلًا بجفاء:

_ عمي مراد... إنت فين؟ وليه بتقول الكلام دا؟

مراد بهدوء:

_ اسمع يا يوسف... ومتقلقش عليّا. أنا كويس، بس محدّش ضامن عمره. أنا هقفل دلوقتي وهقابلك في البيت بالليل.

لم يستطع يوسف الرد، فقد أغلق مراد الخط بعد أن عزم الأمر على مداهمة تلك الشقة ليكشف ما تفعله تلك الحمقاء. أصبح شبه متأكد من خيانتها. وما إن أوشك على ضرب الجرس، فوجئ بتوقف الأسانسير في نفس الطابق، فاختبأ في الناحية الأخرى.

فوجد السائق الذي أوصل زوجته يحمل الكثير من الحقائب البلاستيكية التي تحتوي على بعض الخمور، وكان يخرج مفتاحًا ليضعه في قفل الباب. ففاجأه مراد بضربة في مؤخرة الرأس بسلاحه أفقدته الوعي، ثم أدار المفتاح في القفل وتسلّل بهدوء إلى الداخل.

لكنّه سمع أصواتًا جعلت الدماء تفور في عروقه؛ فتلك الخائنة مع عشيـ... ليندفع تجاه الصوت ويركل الباب بقدميه ليجد زوجته مع آخر.

ولكن مهلًا... من هذا الشخص الذي ما إن رآه مراد حتى جحظت عيناه من هول الصاعقة التي رآها قائلاً بصدمة:

_ أنت!

**********

كانت كاميليا تقف أمام النافذة تنتظر عودته، فقد تأخّر كثيرًا، وقد علمت من أدهم أن هناك مناقصة مهمّة جدًا لشركتهم وأنهم سيسهرون لوقت متأخّر في الشركة، لكن أدهم قد عاد وهو لم يأتِ، فظلّت ساهرة وقد جافاها النوم دون أن تطمئن عليه. ولا تعلم لِمَ شعرت بأن شيئًا سيئًا قد حدث؛ ظلّ هذا الشعور يراودها منذ أن عادت من عند خالتها وعلمت بغيابه، وخاصة عندما أغلق هاتفه ولم تستطع التوصل إليه.

بقيت على حالتها تلك تنتظر عودته قرابة الست ساعات، فيا تُرى ماذا حدث؟ وأين اختفى؟

حاولت مرارًا مهاتفته لكن دون جدوى، فهاتفه ما زال مغلقًا. ففكّرت في محادثة مازن لعلّه يعلم أي شيء عنه، فهَمَّت بالاتصال به، لكنّها فوجئت بضوء سيارته يشقّ الظلام من حولها.

اندفعت ترتدي روبها وهرعت إلى الأسفل لتلتقي به؛ فقد اشتاقته وقلقت عليه كثيرًا. وما إن خطت خطوتها الأولى على الدرج، وجدته يدخل إلى المكتب مغلقًا الباب خلفه، ثم نزع جاكيت بدلته وارتمى على الأريكة مُرخيًا جسده بتعب، واضعًا إحدى يديه فوق رأسه مغمضًا عينيه، وهو يتمنى من أعماقه لو كان بإمكانه في تلك اللحظة أن يحتويها بين ذراعيه حتى تخفف عنه كل تلك الأعباء الملقاة على عاتقه والتي صار حملها ثقيلًا عليه.

وكأن السماء قد استمعت لدعاء قلبه، إذ شعر برائحتها العطرة تغزو أنفه، ويدها الرقيقة تتلمس ملامح وجهه، ففتح عينيه ببطء ورفع يده إليها وهو يهمس بعدم تصديق:

ـ إنتِ هنا بجد؟

طالعته كاميليا بحب يغمر نبرتها وهي تقول:

_ لو مكنتش هنا... هكون فين؟

امتدت يداه تتحسسان ملامحها الفاتنة التي يعشقها وقال بصوت أجش:

_ قبل ثواني بالضبط... كان قلبي بيدعي إني أفتح عيني ألاقيكِ جنبي.

قالت بحب تناثر من بين كلماتها:

_ وقلبي حسّ بيك... وبقلبك... وجابني لحد عندك جري.

_ سهرانة ليه لحد دلوقتي؟

_ وهيجيلي نوم إزاي وانت مش جنبي؟

مازحها قائلًا:

_ على أساس إن كل يوم بنام جنبك يعني؟

صادقته القول:

_ لا... بس ريحتك بتكون محوْطاني ومونساني. عارف؟

أنا دايمًا بسأل نفسي يا ترى النومه جنبك طعمها إيه؟

لما تكون ريحتك وإنت في أوضة وأنا في أوضة بتطمني... وبتخليني أنام وأنا مش خايفة ولا قلقانة... أمال لو نمت جنبك هكون عاملة إزاي؟

كانت كلماتها كالفتيل الذي أشعل نيران شوقه وعشقه لها في آن واحد، فأصبحت براكين مشتعلة يصعب السيطرة عليها. امتدت يداه تحتوي جيدها ثم رفعها ليضعها بجانبه على الأريكة، وتحرك هو ليصبح أمامها مباشرةً، يحاوطها من جميع الاتجاهات، ينظر إليها بنظرات ملتهبة، ويقول بلهجة مثيرة اجتمعت فيها الرغبة مع العشق:

_ هتكوني جزء مني... ولو الناس دي كلها اتجمعت... عمرها ما هتقدر تفصله عني.

اليوم دا لما ييجي... هخليكي تشوفي بعنيكي يعني إيه عشق... وتعيشي كل تفصيلة فيه... تلمسيها وتحسيها.

صمت لثوانٍ قبل أن يتابع بعينين يبلّورهما العشق:

_ وهتعرفي بعدها... إن كل السعادة اللي مرت عليكِ في حياتك... كانت ولا حاجة قصاد اللحظة اللي هنجتمع فيها... ونبقى واحد.

شعرت بتيار ملتهب يسري في جسدها كله، وكأن دماءها أصبحت شلالات من النيران الموقَدة جرّاء كلماته التي أيقظت بداخلها مشاعر قوية مختلفة؛ تسعدها وتخيفها في الوقت نفسه.

خرج صوتها متحشرجًا من شدّة المشاعر وهي تقول:

_ يوسف... متخوّفنيش.

قاطعها واضعًا إصبعه أمام شفتيها وقائلًا بهسيس خشن:

_ هششش... اوعي تخافي مني. عمري ما هأذيكي... أبدًا.

حُبّي ليكي يخوّف، أنا عارف... بس عشانك إنتِ بقدر أحتويه... وربنا يعلم إني بستنفد كل طاقتي عشان معملش حاجة تخوّفك... أو تخلّينا نندم.

راقَتها كلماته عن حبّه لها وعن تأثيرها عليه، فقالت بخفوت ودلال مثير:

_ نفسي قوي أفضل جنبك لحد ما أروح في النوم... ممكن؟

قال يوسف بصوت أجش:

_ ومين قالك إني هسيبك تقومي من جنبي؟

أنا من شوية كنت هاموت وأشوفك... تفتكري هضحي باللحظة دي دلوقتي؟

امتدت يد كاميليا تتلمس ملامح وجهه قائلة بصدق:

_ بحبك قوي.

تنهد بتعب، ثم خفض رأسه ليُلثم شريانها النابض بجنون يوازي جنون دقات قلبه، ونثر عشقه بمنتهى الرقة والحب، ثم رفع رأسه قائلًا بإرهاق:

_ نامي يا كاميليا... وربنا يعيني ويعدّي الليلة دي على خير.

ابتسمت واقتربت منه قائلة بمزاح:

_ متقلقش... أنا واثقة في حبيبي جدًا.

بادلها يوسف المزاح:

_ والله حبيبِك مش واثق في نفسه أصلًا... وممكن يقوم يفترسك دلوقتي. نامي أحسن.

ابتسمت كاميليا بحب على كلماته، ثم وضعت رأسها فوق صدره، وآخر شيء تذكرته... كانت يده الحانية وهي تُمَسّد خصلات شعرها بدلال.

*********

في صباح اليوم التالي استيقظت كاميليا من نومها بعد أن قضت ليلة هانئة بجانبه، والتي حتمًا لن تنساها طوال حياتها، ولأول مرة تشعر بمثل تلك الراحة والسلام. أخذت تتلفت حولها وهي تشعر بالاندهاش لوجودها في غرفتها نائمة على سريرها، فظنت لوهلة أن ما عاشته معه كان حلمًا. التفتت إلى الجهة الأخرى من السرير لتجد تلك الورقة بجانبها وتلك الوردة الحمراء، فتأكدت أن ما عاشته معه كان الحقيقة بعينها. امتدت يداها تمسكان بالوردة تقبّلها وتستنشق رائحتها العطرة وهي تقرأ تلك الكلمات التي جعلتها تحلّق في سماء الحب:

_ صباح الفراولة على أحلى فراولة في الدنيا. بحبك.

_ وأنا بعشقك يا قلب الفراولة.

قالت كلمتها بصوت عالٍ، فقد جعلتها تلك الرسالة تطير من السعادة. ثم نهضت من على سريرها على عُجالة لترتدي ملابسها بسرعة حتى تنزل إلى الأسفل لرؤيته، فهي قد اشتاقته كثيرًا وافتقدت دفء وجوده، وتريد أن تشبع روحها من رائحته الجميلة. ارتدت أجمل ثيابها وتزيّنت حتى أصبحت في أبهى صورة لها، ونزلت الدرج مسرعة. وفي طريقها إلى باب المكتب سمعت شجارًا حادًا، وعندما همّت بالدخول وجدت الباب يُفتح وذلك الخروج العاصف لرحيم الحسيني الذي نظر إليها ببغض قائلًا بشرّ:

_ إنتِ السبب في كل حاجة وحشة حصلت له وهتحصل له.

تراجعت كاميليا خطوة إلى الخلف، فقد هالها مظهره المرعب وتلك الكلمات التي استقرت في قلبها كالرصاص، لكن أكثر ما أفزعها هو ما يلمّح إليه. دخلت إلى غرفة المكتب تبحث عنه لتطمئن قلبها المذعور، فوجدت أدهم يجلس فوق تلك الأريكة التي شهدت ليلة من أجمل ليالي عمرها معه، وكان مطأطئ الرأس واضعًا يديه فوق جبهته. فبادرت كاميليا بالحديث بنبرة مهزوزة خائفة:

_ يوسف فين؟

رفع أدهم رأسه ببطء وقد شعر بالشفقة عليها من حديث جدّه، فقال بهدوء:

_ للأسف منعرفش.

قالت كاميليا بفزع:

_ يعني إيه ما تعرفوش؟

أدهم بأسف:

_ النهارده كان في مناقصة كبيرة للشركة، وكان عندنا أمل كبير نكسبها، بس للأسف خسرناها، ويوسف من ساعة ما عرف وهو مختفي، ومحدش يعرف راح فين.

_ طب ويوسف اختفى إزاي؟ وبعدين دي لا أول ولا آخر مناقصة تخسروها، ويوسف دايمًا يقول إن الشغل مكسب وخسارة.

زفر أدهم بحنق قائلًا:

_ للأسف يا كاميليا المرة دي الخسارة كبيرة قوي، والشركة ممكن تفلس.

سقطت على المقعد خلفها وهي تقول بأسى:

_ طب إزاي دا حصل؟ يوسف اشتغل جامد قوي على المناقصة دي. إزاي ضاعت كده؟

_ دي حقيقة... يوسف كان حاطط سعر محدش يقدر يتوقعه، وتقريبًا كنا ضامنين المكسب.

كاميليا بشك:

_ ودا معناه إيه؟

أدهم بغضب:

_ معناه إن في خاين في الشركة!

أوشكت على الحديث، لكن أوقفها تلك الصرخات التي أتت من داخل المنزل. خرج أدهم مهرولًا تتبعه كاميليا لمعرفة ما حدث، ليصدموا جميعًا بما تفوّهت به الخادمة:

_ مراد بيه لاقوه مضروب بالنار ومرمي على الطريق..!

يتبع .......

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...