الفصل 35 | من 57 فصل

رواية للعشق وجوه كثيرة الفصل الخامس وثلاثون 35 - بقلم نورهان العشري

المشاهدات
16
كلمة
6,639
وقت القراءة
34 د
التقدم في الرواية 61%
حجم الخط: 18

الوجه الرابع و الثلاثون للعشق 🌹

الأمر مُعقّد، قليلًا، لكن ما يقتلني حقًا هو ذلك الشعور الذي ينهش صدري كلما تذكرت أنني منحت قلبي لمن لم يُكلف نفسه حتى عناء البحث عني، فهل حقًا غلو الأشياء يكمُن في العناء المبذول للوصول إليها؟ أم أن حبي له كان أكبر من مدار قلبه، وأعمق من قدرته على الفهم فانسحب مني بتلك السهولة القاسية؟

الحقيقة أنني لم أعثر بعد على إجابة تُطفئ النار المشتعلة على يساري، ولا على تفسير يخفف هذا الوجع الذي يسكنني كغريب لا يريد الرحيل. لكني و أخيرًا توصلت إلى يقينٍ واحد لا يتزعزع:

أنّ الفراق الذي سببه عزة نفسي لم يكن خسارة أبدًا، بل كان النجاة التي تشبه الانتصار.

نورهان العشري

🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁

وقع خبر إصابة مراد كالصاعقة على مسامع الجميع، وخاصةً على ذلك الرجل الذي تجددت في داخله أسوأ ذكرياته وكوابيسه. فها هو المشهد نفسه يتكرر بالسيناريو ذاته للمرة الثالثة؛ يأتيه خبر إصابة أحد أبنائه، فيتجدد الشعور نفسه، تلك الصدمة التي ما إن يستوعبها حتى تتحول إلى طلقة تستقر في منتصف قلبه، لا تقتله فقط بل تتركه غارقًا في ألم قاتل وجروح دامية تلازمه طوال الحياة. وها هو قد حدث أكثر ما كان يخشاه، وتلقى الرصاصة الثالثة التي أسقطته على الكرسي خلفه، عاجزًا حتى عن النطق بحرف واحد؛ حتى التنفس أصبح ثقيلاً عليه.

انطلقت الأصوات حوله: صرخات استنكار، وصيحات ألم حقيقية، وأخرى زائفة سرعان ما خمدت عندما سأل أدهم الخادمة شريفة بفزع:

ــ إنتِ بتقولي إيه؟ عمي مراد جراله إيه؟

أجابته الخادمة وسط شهقاتها:

ــ مراد بيه لقيوه مضروب بالنار ومرمي على طريق (...) وولاد الحلال ودّوه المستشفى... وحالته خطر.

تنفّس أدهم الصعداء فور سماع كلامها، فقد اطمأن قليلًا لكون مراد ما زال على قيد الحياة. وللمرة الأولى يشفق على ذلك العجوز الذي تبدلت ملامح القوة والجبروت على وجهه لمنتهى الضعف والألم. فتوجه إليه وجثا على ركبتيه، معتصرًا كفّيه بين أنامله وهو يقول بحزم:

ــ عمي مراد ممتش يا جدي... عمي مراد هيعيش إن شاء الله.

طالعَه رحيم بنظرات ضائعة، لا يدري ماذا يقول أو ماذا يفعل. كان يشعر بدوامة تجذبه نحو عالم اللاوعي، خوفًا من أن يعيش المأساة ذاتها مرة أخرى. لكن كاميليا، التي أشفقَت هي الأخرى على العجوز الذي لم يرحمها يومًا، تقدمت نحوه وأمسكت بإحدى يديه قائلة بقوة:

ــ فوق يا جدو... عمي مراد عايش، ولازم نكون حواليه مش قاعدين نعيط هنا.

وكأن صوتها جاء من بعيد لينتشله من الهوّة العميقة التي كادت تبتلعه. نهض من مكانه قائلًا بقوة:

ــ أيوه... صح، لازم نكون جمبه ومعاه.

توجّهت أنظار أدهم إلى شريفة، قائلًا باستفهام:

ــ مقالوش ودّوه مستشفى إيه؟

شريفة بلهفة:

ــ أيوه... ودّوه مستشفى (...).

كاميليا بلهفة:

ــ يلّا بينا على هناك.

كان كل هذا يحدث أمام سميرة التي ارتعبت مما سمعته؛ فمراد ما زال على قيد الحياة... وهذه هي الكارثة بعينها. أخذت ترتجف بمجرد أن تذكرت ما حدث بالأمس.

---

عودة إلى وقت سابق

اتسعت عينا مراد حين رأى زوجته في هذا الوضع مع رجل آخر، وكانت الصدمة الأعظم أن يكون ذلك الرجل هو عدوّهم اللدود: راغب نصّار.

هتف بعدم تصديق:

ــ إنت؟

صدمة امتزجت بالرعب كانت تسيطر على كِلَي راغب وسميرة، خاصةً عندما رأيا السلاح في يد مراد. حاول راغب مراوغته حتى يمنعه من القيام بأي تصرف طائش، فقال بصوت مهزوز:

ــ مراد... اهدى. متضيعش نفسك.

مراد بغضب:

ــ يا كلب! مكفّكش اللي عملته زمان في أخويا؟ جاي دلوقتي تكمل وِساختك مع الكلبة دي؟

سميرة ببكاء:

ــ محصلش والله يا مراد! انت فاهم غلط.

مراد باستنكار:

ــ فاهم غلط؟ على أساس إنّي هكذّب عنيا وأصدقك؟ ولا على أساس إني معرفش تاريخك القذر من أول ما جريتي ورا أحمد أخويا وهو رماكي زي الكلبة؟ وجيتي تلفي حواليا، وأنا زي الغبي صدقتك... وبسبب قذارتك خسرت أنضف إنسانة في الدنيا!...

ده انتِ المادة الخام للقذارة. اتفو!

بصق مراد على وجه سميرة، فاشتعل الحقد في جوفها، وكادت تتحدث، إلا أن راغب استبقها وقال بمهادنة:

ــ إديك قولت إنها واحدة قذرة... يبقى ليه توسّخ إيدك بدمها؟ اهدى، وكل حاجة تتحل بالعقل.

مراد بغضب جهنمي:

ــ إنت تخرس خالص يا حيوان! أخويا اتقتل بسببك إنت وأخوك... دخلتوا بيتنا وكلتوا من خيرنا، وعضّيتوا الإيد اللي اتمدّتلكوا! بس ملحوقة... التار اللي بقاله تلاتين سنة هيخلص النهارده.

أنهى كلامه وشد أجزاء سلاحه، عاقدًا العزم على إنهاء كل بذور الشر. لكن يد الغدر سبقته؛ إذ ضربه الحارس بمؤخرة سلاحه ضربة قوية أسقطته مغشيًا عليه. كان الحارس قد أفاق من إغماءته التي تسبب له بها مراد، وتوجه ناحية الأصوات العالية، وهناك تلقى إشارة خفية من راغب للتخلص من مراد.

تنفّس كل من راغب وسميرة الصعداء عند سقوطه، لكن سميرة بدأت تولول وتنوح:

ــ يا فضيحتي يا سميرة! خلاص... كل حاجة راحت! هعمل إيه لو مراد فاق؟ هيخلص عليا!

راغب بصراخ:

ــ بطّلي ولولة... مش ناقص قرف! كل عقدة ولها حل.

سميرة باستنكار:

ــ حل؟ ده هيولّع فيّا أول ما يفوق!

راغب بمكر:

ــ ومين قالك إنه هيفوق؟

ضربت سميرة صدرها بفزع:

ــ يالهووي! إنت ناوي تعمل فيه إيه؟

راغب بملل:

ــ هعمل فيه إيه يعني؟ هودّيه عند إخواته... أصل شكله وحّشهم.

زاد نواح سميرة:

ــ يا نهار أسود! إنت اتجننت؟ هتقتله؟

راغب بغضب:

ــ إيه؟ صعبان عليكي؟ لا، يا أختي... حددي موقفك. يا معايا... يا عليا. وساعتها متلوميش غير نفسك.

ارتعبت سميرة وقالت بتلعثم:

ــ لا... عليك إيه؟ اعمل اللي تعمله... أهم حاجة اسمي ميجيش في الموضوع.

قهقه راغب بشر، ثم قال بمكر:

ــ تعجبيني... ومتقلقيش، الموضوع ده براكي.

أنا هجهّز لرحيم الحسيني هدية حلوة كده... وأبعتهاله، زي اللي قبلها.

آخر جملة قالها بغموض أزعج سميرة، لكنها لم تُعلّق. ثم التفت إلى الحارس وقال:

ــ خده... وانت عارف هتعمل إيه. مش عايز أي غلط. الشغل يبقى على مية بيضة.

أومأ الحارس، وسحب مراد الملقى على الأرض فاقدًا للوعي. غادرت سميرة مسرعة لتعود إلى القصر، تدخل خلسة وهي ترتجف من شدة الخوف، ولم تغادر غرفتها حتى طمأنها راغب بأن مراد أصبح من الموتى. لم تنتبه إلى تلك "الأفعى" التي كانت تراقبها وتترصد ملامح الرعب عليها، ففطنت إلى أن كارثة ما قد حدثت.

وفي الصباح، حين وجدتها في المنزل بلا خدش، بينما مراد لم يعد، فهمت الحقيقة كاملة:

سميرة وراغب تخلّصا منه... لكن للقدر كلمته.

مراد لم يمت، وهكذا راحت سميرة ترتجف كورقة في مهبّ الريح.

---

فاقت نيفين من شرودها على مشهد كاميليا وهي تمسك بيد جدّها لتهدئته، فاشتعل غضبها. توجهت نحوه وهي تمثل الانهيار، وأبعدت كاميليا بعنف لترتمي في أحضان رحيم قائلة بانهيارٍ زائف:

ــ قتلوا بابا يا جدو! بابا هيموت ويسيبني!

انشق قلب رحيم حزنًا عليها، واحتضنها بقوة، وانهمرت دموعه وهو يقول مهدئًا:

ــ لا يا نيفين... أبوكي عايش، ممتش. أبوكي عمره ما هيسيبنا... ده الأمل اللي فاضلي في الدنيا دي.

تألم الجميع لكلماته، فقال أدهم بنفاد صبر:

ــ مفيش وقت للي بتعملوه ده! لازم نروح نطمن عليه ونشوف حالته إيه.

وافق الجميع، إلا سميرة التي ما تزال مشلولة من الرعب، فبادرها أدهم قائلًا:

ــ إيه يا مرات عمي... مش عايزة تطمني على جوزِك اللي بين الحياة والموت ولا إيه؟

سميرة بلهفة وقد أفاقت من صدمتها:

ــ طبعًا... طبعًا هاجي معاكم.

انطلق أدهم، يتبعه الجميع نحو السيارات المتجهة إلى المستشفى للاطمئنان على حالة مراد...

************

كان رائد ينظر إلى تلك النائمة بسلام، بفعل المنوِّم الذي أعطاها إيّاه طبيبها الخاص حتى لا تتعرض لنوبات الذعر التي تأتيها دون أن يعرف سببها حتى الآن، لكنه كان يرجّح أنها بسبب تلك الحادثة التي تعرضت لها، وكان ذلك يزيد من غضبه ورغبته في الانتقام أكثر، ولكن الانتقام بطريقته الخاصة.

أخذ يمسّد شعر والدته بحب، وهو يتمنى لو يستطيع معانقتها في تلك اللحظة احتفالًا بتحقيقه خطوة أخرى في طريق انتقامه ممن تسببوا في تسميم حياتهم، لكنه لم يُرِد أن يرهقها، حتى عندما طلبت منه الحديث تهرّب منها، واعدًا إيّاها أنه سيتحدث معها في أقرب وقت عندما تستعيد عافيتها.

ارتسمت تجعيدة على جبهتها وهي نائمة عند رنين الهاتف الذي أعلن عن اتصال انتظره كثيرًا، فأجاب بنبرة حاول أن تكون حزينة:

_ إيوا يا يوسف، انت فين؟

يوسف بجمود:

ـ مش مهم. عايزك تروح الشركة دلوقتي.

رائد باستفهام:

ـ  ليه؟

_ هتلاقي فايل على مكتبي، هتاخده وتروح بيه لعاصم ممدوح مدير البنك اللي بنتعامل معاه، وهو هيتصرف.

رائد باندهاش:

_ انت ناوي تعمل إيه يا يوسف؟

يوسف بجمود:

_ هرهن القصر وباقي الممتلكات، وهحاول أجمع أكبر مبلغ ممكن.

رائد بسعادة غلّفها بالاستنكار:

_ إيه اللي انت بتقوله دا يا يوسف؟

يوسف بصراخ:

_ اللي سمعته! دا قراري ومحدش يناقشني فيه.

رائد بحزن زائف:

_ وهو المبلغ اللي هتجمعه هيكفي إيه ولا إيه؟

يوسف:

_ نجهز الفلوس بس، وبعد كدا هنحاول نتفاوض معاهم إنهم يقسّطولنا المبلغ. واعمل حسابك إنك بالكتير قدامك عشر أيام وتسافر لهم عشان تتفاوض معاهم.

رائد بحزن زائف:

_ دي مجازفة كبيرة... انت متأكد من اللي هتعمله دا؟

يوسف بنفاد صبر:

_ صفقة الألمان دي لازم تتم بأي شكل وبأي طريقة. دي أملنا الوحيد إننا ننقذ الشركة.

رائد مستسلمًا:

_ اللي تشوفه. أهم حاجة خليك انت في اللي انت فيه، وأنا هتابع شغل الشركة، متقلقش.

يوسف بتساؤل:

_ تقصد إيه؟

رائد:

_ هو انت متعرفش؟

يوسف بفظاظة:

_ أعرف إيه؟ اخلص!

رائد بحزن حقيقي:

_ عمو مراد في المستشفى بين الحياة والموت... لقيوه مضروب بالنار ومرمي على طريق (...).

***********

في المشفى كان الجميع على صفيحٍ ساخن عندما أخبروهم بأن مراد حالته خطيرة، وأنه يخضع لعملية جراحية صعبة للغاية. فأخذ الجميع يدعو له بالشفاء، إلا تلك الأفعى سميرة التي كانت تتمنى موته؛ فنجاته تعني هلاكها. فمن يراها يظنها زوجة صالحة ترتجف رعبًا من فقدان زوجها، بينما هي امرأة منحطّة مخادعة دنستها الرذيلة، فقتلت إنسانيتها إلى الحد الذي جعلها تتمنى موته.

وعلى الجانب الآخر كانت تلك النسخة الأكثر شرًا منها، والتي كان عقلها يعمل في جميع الاتجاهات بحثًا عن طريقة لاستغلال الموقف لصالحها، ومن هنا أتتها فكرة خطيرة وقررت البدء في تنفيذها. اقتربت من رحيم وأمسكت بكفه تزامنًا مع نزول عبراتها الزائفة ثم قالت بخوفٍ مصطنع:

_ اقعد ارتاح يا جدو... شكلك تعبان قوي._

حاوط رحيم كتفها وقبّل رأسها ثم قال بوهن:

_ ومين يقدر يرتاح يا بنتي؟ والغالي نايم جوا بين الحياة والموت._

أتقنت نيفين تمثيل دور الانهيار جيدًا، فأخذت تذرف الكثير من الدموع وتنتحب بقوة. وكانت كاميليا تنظر إليها بشفقة، فهي تعرف جيدًا شعور القلق من فقدان شخص عزيز على القلب. ازدحمت الذكريات السيئة بداخلها فاستندت بوهن إلى الحائط وراءها، وأغمضت عينيها بشدة تتمنى أن يأتي في تلك اللحظة، فهي بحاجة ماسّة إلى وجوده وإلى الاطمئنان عليه حتى تستطيع تجاوز أحزانها. وما إن أنهت دعاءها الخفي حتى فاجأها صوت نيفين وهي تهرول نحوه قائلة بانهيار:

يوسف! إلحقنا يا يوسف... بابا بيضيع منّا!

اختتمت نيفين جملتها ملقيةً بنفسها بين ذراعيه، فودّ لو يقذفها بعيدًا قدر المستطاع، ولكنه لم يكن يملك حيلة، فاكتفى بأن ربت على كتفها بتحفّظ قائلًا بمواساة:

اهدي يا نيفين... إن شاء الله هيقوم بالسلامة.

ثم تركها مارًا بالجميع وتوجّه إلى رحيم الذي نظر إليه وكأنه السبيل الوحيد لإنقاذه وقال بضعف:

عمّك بيموت يا يوسف... نفس المشهد بيتكرر للمرة التالتة يا ابني...

يوسف مواسيًا: اهدَ يا جدي... عمي مراد أقوى مما تتخيل، وإن شاء الله هيقوم ويبقى أحسن من الأول. قول يا رب.

نظر رحيم إليه بأمل، ونطق قلبه قبل لسانه برجاء: يا رب.

يوسف باستفهام: الدكتور قال إيه؟

أدهم بيأس: الدكاترة كلهم جوا بقالهم ساعتين... ومحدش طلع يطمنّا ولا قالنا حاجة.

زفر يوسف بتعب ثم التفت يبحث عنها، لتلتقي العيون بنظرات قادرة على سرد ألف رواية من روايات العشق. فقد بثّته نظراتها الكثير من المواساة التي نطق بها القلب للقلب من دون أن تتحرك الشفاه. وبثّها هو الأمان بوجوده الذي طغى على أحزانها وأعطاها القوة لتقاوم، وسط تلك النظرات القاتلة المليئة بالحقد والكُره التي ترمقها بها الأفعى ووالدتها، والتي ازدادت أضعافًا عندما توجّه إلى حيث كانت تقف هي ووالدته التي انهارت بين ذراعيه، فأخذ يربّت على ظهرها ويهدّئها، ثم أخيرًا فعل أول ما أراده منذ أن وطئت قدماه المشفى: ضمّها إلى صدره الممتلئ بالهموم التي تكفي جميع سكان الأرض. لتكون هي البلسم الذي يطيب جروحه ويهدّئها، خاصة عندما تخلّت عن خجلها وبادلته احتواءه بقوة، غير مبالين بكل تلك العيون التي تراقبهما... منها بحب، ومنها بغضب، ومنها بحقد كبير، وهو ما جعل الأفعى تقول لابنتها بصوت منخفض:

شفتي واقفين قريبين من بعض إزاي؟ ولا عاملين اعتبار لحد!

أجابتها نيفين بحقد: شفتي مقربها منه؟ وكأن مفيش في الدنيا غيرها! بس أنا... فالح يطبطب عليّا كأني اللي مرمي جوا دا مش أبويا! زي ما يكونوا قاصدين يقهروني... بس وحياة حرقة قلبي دي لأحرّق قلوبهم كلهم!

نظر أدهم إلى نيفين التي كانت تنظر إلى أخيه وزوجته بعينين تقطران حقدًا، فاقترب منهم وربت على كتف يوسف، الذي استفاق من جنّة ذراعيها بعد أن أخذ جرعة من السلام كافية ليواجه كل الكوارث من حوله، فقال له أدهم:

عامل إيه دلوقتي؟

يوسف باختصار: الحمد لله.

نظر له أدهم نظرة ذات مغزى، فترك يوسف يدها على مضض، وابتعد معه خطوتين، فقال أدهم:

"معرفتش مين اللي عمل كدا؟"

زفر أدهم يائسًا: "للأسف لسه... إحنا لسه عارفين من ساعة. سيبتهم وجيت هنا أطمن عليه الأول، وبعد كدا هقلب الدنيا ورا الكلاب اللي عملوا كدا..."

نظر يوسف أمامه بشرود قائلًا بغموض: "متقلقش... كل واحد هياخد جزاءه."

لم يستطع أدهم الاستفسار أكثر، فقد فاجأتهم الممرضة وهي تهرول قائلة:

"إحنا محتاجين دم بسرعة... فصيلة (...) وهي فصيلة نادرة ومش متوفّرة في المستشفى."

اندفعت كاميليا من بين الجموع وقالت بلهفة: "دي فصيلة دمي! أنا ممكن أديكي اللي تحتاجيه!"

لكن نيفين دفعتها بعنف وهي تقول: "دي فصيلة دمي أنا كمان... وأنا اللي هتبرّع!"

قالتها وهي تنظر لكاميليا شذرًا، فتنحت الأخيرة جانبًا ليتدخل صوت قوي:

"لا انتي ولا هي! أنا اللي هتبرّع بالدم."

نظر يوسف إلى الممرضة وقال بحزم: "خدي مني اللي انتي عايزاه... المهم تنقذوه."

"اتفضل معايا."

سار يوسف خلفها، لكنه جذب كاميليا معه بخفة؛ فهو لا يضمن تركها وسط تلك العيون التي تكاد تأكلها حقدًا. وصلا معًا إلى غرفة سحب الدم، وغرست الممرضة الإبرة في شريانه، بينما كانت كاميليا تجلس بجانبه في هدوء. امتدت يده الحرة وأمسك بكفها، ليرفعه إلى شفتيه ويقبّله برقة قائلًا:

"هيبقى كويس إن شاء الله."

أومأت بابتسامة باهتة لم تصل إلى عينيها. وبعد انتهاء سحب الدم، سألته بخفوت:

"انت كويس؟"

فأجاب باختصار: "الحمد لله."

لم تعقّب، فنظر إليها ورفع ذقنها بإصبعه ليلتقي بعينيها، فوجد بحر العسل الذي يعشقه وقد انطفأ بريقه، فقال بحنان:

"مالك؟"

كانت كلمته الإذن لانهيار السدود، فانهمرت دموعها وقالت بين شهقاتها:

أنا آسفة... حقك عليّا. أنا عارفة إني السبب في اللي حصل لك... والله ما قصدت.

اندهش يوسف واحتوى وجهها بين كفيه وقال بحنو: اهدَي... مين اللي قالك الكلام الغلط دا؟

توترت وقالت بحزن: مش محتاجة حد يقولي... أنا عارفة إني عبء عليك... وإن كل اللي بيحصلك سببه ارتباطك بيا.

ابتسم يوسف بسخرية ثم قال بحدّة: كاميليا... آخر مرة! مين اللي قالك الكلام دا؟ سميرة؟ ولا نيفين؟

نفت سريعًا: والله أبدًا... محدش قالّي حاجة.

يوسف بغضب: يبقى جدي... صح؟

ارتبكت: هو مكنش يقصد... كان متعصب لما عرف إنكم خسرتوا المناقصة.

تنهد يوسف بأسف ثم قال بخشونة: وإنتِ صدقتيه؟

نزلت دمعة وقالت: كلامه صح يا يوسف...

قربها منه حتى صار رأسه فوق صدرها وقال بصوت أجش: عارفة؟ أكتر حاجة بتصبرني على التعب والضغط دا... وجودك. انتي اللي مهوّنة عليّا كل حاجة.

همست بوهن: يوسف...

فأجابها بحب: قلب يوسف مابيدقّش غير ليكي.

"تفتكري يا كاميليا... لو مكنتيش موجودة في حياتي... كنت هعرف أواجه اللي أنا فيه دا؟"

طالعته بعشق ممزوج بالحزن، فتابع: أنا بحارب في الدنيا دي عشان آخد جنتي في الآخر... وجنتي هي انتي.

انهارت بين يديه: مقدرتش... والله ما قدرت. حسيت إن الموت أهون من لحظة أعيشها بعيد عنك. مش هبعد تاني يا يوسف. مش هكرر غلطي أبدًا مهما حصل. انا بحبك اوي .

ولأول مرة منذ أن طوقها عشقه، خلعت ثوب الخجل جانبًا لتضع ضفتي التوت خاصتها فوق خاصته، تعبر له عن عشقٍ يجري في دمائها وقد بلغ ذروته، فلم تعد قادرة على التحمل. فليذهب كل شيء إلى الجحيم، فهو بمثابة الهواء الذي تتنفسه، ولا قدرة لها على الاستغناء عنه. فأخذ هو يبادلها ولعها بشغفٍ أقوى، وقد تولى زمام الأمور بعد أن تغلب على صدمته من فعلها غير المتوقّع، والذي جاء كقطرات مطر على أرضٍ جفت من شدة العناء، ليعيد إليها الحياة من جديد. فأخذ الثنائي يتبادلان العشق بقوة، وكأن قلوبهما تتنافس في مَن يعشق الآخر أكثر.

كان الأمر أشبه بملحمة تُغذيها نيران العشق التي لا يقدر على إخمادها انهار العالم أجمع، ولكن لا قدرة لأجسادهم الفانية على احتمال نوبات العشق الجنونية تلك؛ فصارت رئتاهما تصرخ طلبًا لبعض الهواء. وعندها تركها مرغمًا، وهو يود لو يحتجزها بين قضبانه إلى الأبد، فلا طاقة له على البعد، وقد كانت هي الأخرى تشاطره نفس الشعور. فظلت دوّامات العشق تتقاذفهما إلى أن جاء ذلك الهاتف الذي جعل يوسف يتركها مرغمًا وهو يجيب باختصار:

ـ عملت اللي قلتلك عليه؟ طب استنّى مني تليفون.

أرادت كاميليا الاستفسار عمّا يحدث، لكنه لم يمهلها الوقت، بل بادرها بالحديث قائلًا بحزم:

ـ أول وآخر مرة تفكّري تبعدي يا كاميليا.

تشتت انتباهها بالكامل إلى جملته التي نفتها بلهجة قاطعة وهي تقول بلهفة:

ـ والله أبدًا يا يوسف! أنا لغيت الفكرة في لحظتها. أنا قلتلك عشان أكون صريحة معاك.

يوسف بجمود:

ـ  خلاص يا كاميليا، اقفلي عالموضوع دا. وسيبك من الفكرة العبيطة بتاعت إنك السبب في كل اللي بيحصلي دا، عشان الكلام دا مش صح. إنتِ مالكيش ذنب في أي حاجة. الموضوع بره عنك خالص.

كاميليا بقلق:

ـ طب طمني... هتعمل إيه بعد موضوع المناقصة؟

زفر متعبًا قبل أن يجيب:

ـ هتتحل إن شاء الله.

ـ إن شاء الله.

أردفت بخفوت:

ـ  أدهم قالي إنّهم شاكين في خاين في الشركة؟

أجابها بأسف:

ـ دي حقيقة.

ـ ولسه ماعرفتوش مين؟

يوسف نافيًا:

ـ لأ لسه. أنا ورائد وأدهم بندور عليه، وأكيد هنعرفه في أقرب وقت.

شحبت ملامح وجهها عندما نطق باسم رائد، وبدأ تأنيب الضمير ينخر عظامها. هل تُخبره أن هذا الصديق الذي يراه أوفى الناس هو الخائن؟ لكن لو أخبرته، سينكشف سرها أمامه، وقد يحدث أسوأ كوابيسها... ماذا عليها أن تفعل؟

لم تستطع التفوّه بحرفٍ واحد، نظرًا لدخول الممرضة مسرعة وهي تقول:

ـ للأسف محتاجين دم تاني، ومنقدرش ناخد من حضرتك. ممكن ناخد من الآنسة؟ لأن للأسف البنت التانية حالتها ماتسمحش ناخد منها.

قطّب يوسف جبينه وقال باستفهام:

ـ بنت مين؟

الممرضة:

ـ  اللي هي تقريبًا بنت المريض اللي في العمليات.

ـ يعني إيه حالتها ما تسمحش؟

الممرضة بعجالة:

ـ  حالتها الدكتور هيشرحها لك. بس أنا دلوقتي محتاجة دم للمريض، ومقدرش آخد الكمية دي كلها من حضرتك، فهضطر آخد من الآنسة.

أوشك على الاعتراض، فتدخلت كاميليا برجاء:

ـ عشان خاطري يا يوسف... سيبني أتبرع بالدم. وماتخافش عليا... أرجوك.

لم يستطع مقاومة رجائها، فوافق على مضض، وتمت المهمة بنجاح. وأخذها يوسف متوجّهًا حيث الجميع ينتظر على أحر من الجمر. وفي طريقهما، أوقفته ممرضة أخرى تخبره بأن الطبيب يريده لأمرٍ هام، فاختارت كاميليا أن تسبقه ليعرف ما يريد الطبيب منه، وذهبت إلى حيث وجدت الجميع مثلما تركتهم.

ومر بعض الوقت، ثم التفتوا جميعًا إلى ذلك الصوت القادم من خلفهم:

ـ طمنّوني... عمو مراد عامل إيه؟

كان صوت روفان، التي استطاعت تهدئة زين بعد نوبة الذعر التي شهدها عند سماع صراخهم، وتركتْه مع الخادمة وجاءت مهرولة للاطمئنان على مراد. وما إن همّت كاميليا بإجابتها حتى خرج الطبيب وقال بتعب:

ـ للأسف العملية كانت صعبة، والرصاصة كانت جنب شريان رئيسي. قدرنا نخرجها بصعوبة... بس الحالة لسه غير مستقرة.

أدهم باستفهام:

ـ يعني إيه يا دكتور؟ لسه في خطر على حياته؟

ـ للأسف أه. دا غير إننا لسه ما نعرفش حالة المخ هتبقى عاملة إزاي؛ لأنه واخد خبطة جامدة في مكان حساس في دماغه.

رحيم بقلق:

ـ تقصد إيه يا دكتور؟

ـ أقصد إنه للأسف ممكن يدخل في غيبوبة... ومش هنقدر نجزم هيفوق منها إمتى.

أدهم بيأس:

ـ وهنعرف دا إمتى؟

الطبيب بعملية:

ـ في خلال ٤٨ ساعة هنقدر نحدد الحالة. ألف سلامة عليه.

غادر الطبيب، تاركًا إياهم فريسة للقلق واليأس، ليأتي صوت علي القادم من الخلف، تتبعه والدته وأختاه؛ فقد جاءوا بعد سماع الخبر للاطمئنان على حالته، والاطمئنان على روفان وكاميليا التي اندفعت إلى أحضان خالتها تبكي وهي تقول بأسى:

ـ حالته خطرة يا خالتو.

اقترب علي من أدهم، الذي تحركت كل خلية في جسده تطالبه باحتوائها بقوة بين جنبات صدره، طالبًا السلام وسط تلك الظروف الخانقة. فطالعته غرام بنظرات اخترقت قلبه؛ كانت تواسيه عيناها، قبل أن تجبره كلمات علي على الالتفات نحوه وهو يقول:

ـ ألف سلامة عليه يا أدهم... إن شاء الله هيقوم بالسلامة.

أدهم بحزن:

ـ  إن شاء الله يا علي.

ربّت علي على كتفه مواسيًا، بينما التفت البنات حول كاميليا وروفان يهدئنهن، غافلين عن تلك النظرات القاتلة التي تبادلها نظرات أخرى بين فاطمة ورحيم، الذي انتفض من مكانه وقال بلهجة حادة:

ـ إنتِ... إيه اللي جابِك هنا؟

لم تستطع فاطمة الإجابة، فغضب رحيم أكثر وقال وسط ذهول الحاضرين:

ـ جاية تشمتي فيا... مش كدا؟ جاية تتأكدي إنه مات... زي اللي خلصتوا عليهم قبل كدا، صح؟

عند هذه الكلمات الجارحة، انتفض علي وقال بقوة ولهجة مماثلة:

ـ شماتة إيه يا رحيم بيه؟ خليك فاكر كلامك! أمي جاية تعمل الواجب.

رحيم بسخرية:

ـ  واجب! لا. وهي طول عمرها صاحبة واجب! دي جاية تشمت فيا وتشوفني مكسور. وابني بين الحياة والموت... أنا عارف. بس مش هنولها لك يا فاطمة، وابني هيقوم بالسلامة. ودلوقتي اتفضلي. مش عايز أشوف وشك هنا تاني.

قال الأخيرة بقهر، فجعل ذلك الغضب يتمكن من علي الذي قال بغضب:

ـ أنا ما اسمحلكش تتكلم مع أمي بالطريقة دي! أمي طول عمرها ست محترمة، وعمرها ما فكرت بالطريقة القذرة دي... أبدًا!

رحيم وقد فقد آخر ذرة تعقّل:

ـ  و الست المحترمة دي. ما قالتلكش إنها خطفت أبوك من أمك الحقيقية  وكانت السبب في موتها؟

صمت كالصاعقة خيم على الجميع، تلاه شهقات متفاجئة وأخرى مستنكرة. لكن الصدمة الأكبر جاءت مما قاله علي بعدها، وهو ما ألجم رحيم وجعله غير قادر على التنفس:

ـ اُخرس! أمي دي أشرف إنسانة في الوجود، وعمرها ما أذت حد أبدًا.

كانت الصدمة الكبرى من نصيب فاطمة التي انفجرت عبراتها كالشلال، وزادت صدمتها عندما اقترب منها علي وطوقها بذراعيه وهو ينظر إليها بحب وفخر قائلًا:

ـ مالك مستغربة كدا؟ مستغربة إني عارف الحقيقة، صح؟ أيوه. أنا عارف كل حاجة، ومن زمان. من يوم ما كنت بقدم في الداخلية. وقتها بابا حكالي على كل حاجة، ووراني شهادة ميلادي الحقيقية. بس تعرف؟ أنا وقتها حبيتها واحترمتها أكتر من الأول ألف مرة.

تبلورت الصدمة والترقّب على ملامح الجميع، فتابع علي بعزة:

ـ لما تبقى بنت في عز شبابها، وتقبل تربي طفل يتيم، وتشيله في عينيها، وتحبه. وتعامله أحسن من ولادها... تبقى تستاهل أشيل جزمتها على راسي العمر كله.

التفت إلى فاطمة بحب وهو يتابع:

ـ اللي ما حسستنيش لحظة واحدة إني مش ابنها، واللي تفهمني من نظرة عيني، واللي تشيل همي العمر كله. تبقى أعظم أم في الدنيا، وما اسمحش لأي حد يجيب سيرتها على لسانه.

ثم نظر إلى رحيم شذرًا وقال بقسوة:

ـ وبالمناسبة. أنا دلوقتي فاهم كلام بابا لما سألته: ليه قلتلي؟ كان ممكن معرفش. قالي: يا ابني، إحنا عايشين في غابة، وأنا مش هسمح لحد ينهش في فاطمة بعد ما أموت. لأنها أعظم إنسانة في الدنيا، وعشان كدا أمك الله يرحمها... وصتها عليك قبل ما تموت، ووصتني إن محدش يربيك غيرها. وكان عنده حق في كل كلمة قالها.

كان الجميع في حالة صدمة سرعان ما تحولت إلى تأثّر من حديث علي ونبرة الفخر في صوته، لكن الغضب يشوّش على القلوب التي احترقت بنار الفقد، فقال رحيم بغضب ممزوج بالحسرة:

ضحكت عليك زي ما ضحكت على اللي قبلك! كلهم... كلهم ضيعوا مني ولادي! عمري ما هقدر أسامحهم. وإن كان جدك ضعف وسامح، فأنا لأ. هفضل أكرهها هي وأختها العمر كله.

اندفعت كاميليا بعد أن فاض بها الكيل من تحمل تلك الإهانات قائلة بغضبٍ ممزوج بالألم:

ـ أنت إيه؟ إزاي قادر تكون كدا؟ بتظلم وبتهين الحي والميت من غير ما يأنّبك ضميرك! انت... معندكش قلب؟!

قالت الأخيرة بصراخ امتزج بشهقاتها، ليصل غضب رحيم إلى ذروته، فارتفع كفّه في الهواء ليصفعها بقوة... لكن تلك الصفعة العنيفة لم تسقط على وجهها، بل سقطت على وجهه هو. يوسف!

خيم الصمت والذهول على ملامح الموجودين جميعًا، الذين تفاجؤوا حين امتدت يد يوسف ساحبةً إياها خلفه، ليتلقى هو الصفعة بدلًا عنها. وعلى رأسهم كان رحيم الذي ارتجفت يداه وفقد النطق للحظات مما اقترفه بغباء بسبب غضبه الأعمى، ليتدخل علي قائلًا بشماتة وغضب:

_ شفت إنك انت اللي وحش! كل اللي حصل لولادك ماغيركش، وحتى حالة ابنك اللي بين الحياة والموت ماخلتكش تفكر لحظة قبل ما تمد إيدك على بنت يتيمة ملهاش حد في الدنيا. بس يشاء ربنا إن القلم يترد لك ويروح لأعز حد عندك. هتفوق إمتى بقى؟

_ كفاية يا علي.

اندفعت صرخة غاضبة من يوسف وقد بلغ غضبه الذروة، فاسودت عيناه بشكل أوحى للجميع بأن الهلاك قادم لا محالة، فتراجع علي فورًا قائلًا بأسف:

_ آسف يا يوسف... يظهر إننا غلطنا فعلًا لما جينا هنا. ألف سلامة على عمك، عن إذنكم.

ألقى علي كلمته ثم أخذ والدته وأختيه اللتين لم تنطق أي منهما بحرف من هول الصدمات التي شاهدنها ذلك اليوم.

نظرت روفان إلى علي بألم ممزوج باللوم، فأهداها هو نظرة أسف منزوع الندم؛ فهو آسف لما سيؤول إليه مصيرهما، لكنه غير نادم على ما فعله، فوالدته بالنسبة إليه منطقة محظورة لا يُسمح بالمساس بها. لذلك أعطاها ظهره، دافنًا في صدره جمرات مشتعلة من نيران العشق والخيبة معًا. أما هي فلم تستطع منع عبراتها من الانحدار، لكن ما هالها حقًا هو مظهر جدها الذي لم يحتمل قلبه تلك النظرات المملوءة بالعتاب واللوم والغضب من حفيده، فأعلن استسلامه بعد كل تلك المعاناة وسقط مغشيًّا عليه.

تلقفه يوسف قبل أن يرتطم جسده بالأرض، وشعر بأن روحه تكاد تفارقه في لحظة سقوط جده، لتندلع الشهقات والصرخات من حولهم. حضر الأطباء على الفور لحمل رحيم والقيام بالإجراءات اللازمة لعلاجه، ورفضوا السماح بانضمام أي منهم إليه، حتى يوسف الذي شعر وكأن الأرض بكل اتساعها تضيق به.

ظل على هذا الحال قرابة نصف ساعة، حتى خرج الطبيب المختص بحالته، وأخبر يوسف بنجاته من تلك الأزمة القلبية التي داهمته.

قال الطبيب بهدوء:

_ الحمد لله قدِرنا ننقذه، لكن لازم يفضل في العناية المركزة فترة لحد ما نطمن على حالة القلب.

تنفس يوسف الصعداء أخيرًا، وقال بلهفة:

_ ممكن أشوفه يا دكتور؟

تمهّل الطبيب قليلًا قبل أن يجيبه:

_ المفروض إن الزيارة ممنوعة، بس أنا شايف حالتك... عشان كده هسمح لك بخمس دقايق بس. مش أكتر. إحنا عايزينه يرتاح.

يوسف بامتنان ولهفة:

_ خمس دقايق بس. مش عايز غيرهم.

ارتدى يوسف الزي المخصص لتلك الأماكن واقترب من جده بخطوات مترددة، وقلبه يسبقه شوقًا وقلقًا. فعلى الرغم من كل أخطائه، كان جده سنده ودرعه القوي في الحياة، من علمه كل شيء وشاركه كل شيء، الأب والجد والصديق، ولم يختلفا قط إلا عندما تمرد قلبه عليه واختارها شريكةً له.

ما إن اقترب منه حتى أمسك بكفه الموصول بالمغذي، ينظر إلى ذلك الجبروت الذي انهار في لحظة ليصبح بهذا الضعف. تفاجأ برحيم ينزع جهاز الأكسجين عن أنفه قائلًا بتعب:

_ سامحني يا يوسف...

يوسف بحنان:

_ سامحني انت يا جدي... حقك عليّا.

رحيم بوهن:

_ انت الوحيد اللي مقدرش أزعل منه يا ابني. اجمد يا يوسف، مش عايز أشوفك ضعيف ولا مهزوز. انت اللي هتشيل الشيلة من بعدي، وأنا واثق فيك وعارف إنك قدها.

كان رحيم يتحدث ببطء وتلعثم ناتج عن ألمه، فقال يوسف بقوة:

_ هنشيلها سوا يا جدي... انت وعدتني تفضل في ضهري العمر كله.

رحيم بابتسامة واهنة:

_ هفضل في قلبك يا يوسف. بس عايزك تريح قلبي قبل ما أموت.

يوسف بلهفة:

_ بعد الشر عنك. ما تقولش كده.

رحيم بانفعال ضعيف:

_ مفيش وقت للكلام دا اسمعني. أنا عايزك تتجوز نيفين بنت عمك.

نزلت الكلمات عليه كالصاعقة، وكاد يقاطعه وقد انتفض كل شيء داخله رفضًا، ليقول رحيم بكل ما تبقى فيه من قوة:

_ متقاطعنيش... وخليني أموت مرتاح. أنا مش هطمن عليها غير معاك يا ابني. ريح قلبي، وأوعدني إنك هتتجوز بنت عمك ومش هتسيبها للغريب أبدًا.

ذلك الرجاء المكسور في صوته، وذلك الضعف الذي كان يتآكل جسده، أجبر يوسف على الانحناء لرغبته قائلًا بيأس:

_ أوعدك يا جدي.

يتبع ......

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...