الوجه الثاني و الثلاثون للعشق 🌹
سألتني صديقتي يومًا:
كيف أعرف أن هذا الشخص يحبني حقًا؟
فابتسمت وقلت لها بهدوء:
من يحبكِ، يراكِ الأجمل مهما شحُبت ملامحك.
من يحبكِ، يسرق من الزمن لحظةً ليكون بقربك، ولو على حساب كل شيء.
من يحبكِ، يراكِ الأنسب لقلبه، حتى وإن لم تكوني كذلك في نظر الآخرين.
من يحبكِ، يرى فيكِ اتتصاره الأعظم، مهما كانت بساطتك.
من يحبكِ، يسلك كل الدروب، ويتحدى كل العواقب، ليصل إليكِ في النهاية.
ثم تنهدتُ وقلت:
باختصار. من يحبكِ، لا يغادركِ أبدًا، حتى وإن غاب جسده، يظلُّ قلبه معكِ.
نورهان العشري ✍️
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
ـ أوعي تفكّري تضحكي عليّ أو تقوليلي كلام يهدّيني، عشان أقسم بالله ما هسيب تاري مع ولاد الحسيني، لو مهما قولتي أو عملتي، فاهمة؟
كان هذا صوت رائد الذي فقد كل ذرة تعقّل لديه عندما سمع حديث والدته، فهبّ من مكانه صارخًا، مما جعلها ترتعب من تلك النظرات الإجرامية المُرتسمة في عينيه، ومن كل هذا الحقد الذي يقطر من بين كلماته. فقامت بمحاولة تهدئته وقالت برجاء:
_ أرجوك، اهدا.. خلاص، اقفل على الموضوع دا. مش هنتكلم فيه دلوقتي. خلينا نأجل الكلام لحدّ لما تبقى قادر تسمعني.
قاطعها رائد صارخًا:
_ مش هسمعك! لا دلوقتي ولا بعد مليون سنة! أنا ليا حق، ولازم آخده. الناس دي دمرتني، ودمرت حياتي، ودمرت عيلتي، ولازم تدفع التمن!
صرخت ناهد هي الأخرى بانفعال:
_ مين اللي قالك كده؟ الكلام دا كذب! محصلش حاجة من دي، صدّقني! أرجوك، حاول تهدى وتسمعني!
نظر إليها بتيه، وقد لمس الصدق في حديثها، فقال بريبة:
_ إنتِ عايزة تقولي إيه بالظبط؟
اقتربت منه في محاولة لتهدئته والتخفيف عنه، وقالت بحذر:
_ جاوبني الأول، مين اللي قالك الكلام دا؟ وقالك إيه بالظبط؟
ظل يُناظرها مطولًا دون أن تكون له القدرة على الكلام، فقد كان يستجمع كل ذرة شجاعة بداخله ليقوم بسرد تلك الرواية المشؤومة التي سمّمت حياته بالكامل. فشرع يحكي بنبرة مبحوحة متألمة:
_ قالولي إن عامر الحسيني كان أكبر منافس لأبويا في السوق، وكان بيكرهه كره العمى، ودايمًا كان بيستغل نفوذه ونفوذ عيلته علشان يؤذيه.
توجه وجلس على أقرب مقعد قبل أن يقول بلهجة تتضور وجعًا:
_ وفي يوم، كانت في مناقصة مهمة أوي لشركته وشركة بابا، وعامر الحسيني كان داخل فيها بكل فلوسه، والمناقصة دي رست على أبويا. عامر اتجنن، وحلف إنه لازم يخسره كل حاجة. دا اليوم اللي حصلت فيه الحادثة.
تبلور الألم في نظراته وكذلك في لهجته حين قال:
_ مش هقدر أنسى يوم ما شُفته داخل بيتنا بالسلاح وبيهدد بابا إنه هيقتله. مش بنسى بصته، ولا نظرة الإجرام اللي كانت في عينيه، لسه محفورة في قلبي وعقلي لحد دلوقتي.
تحامل على قلبه حتى لا يُطاوع تلك العبرات التي تُهدد بالانفجار في أي لحظة، وقال بلهجة موقدة:
_ وفعلاً نفّذ تهديده وضربه بالنار، بس لحسن حظي أو سوء حظه إنه ما شافنيش.
قست عيناه كثيرًا وهو يقول بنبرة يملؤها الألم:
_ شُفته بعيني وهو بيموّته من غير ما يرفّ له جفن.
صُدمت ناهد كثيرًا مما تفوّه به رائد، فقالت بجزع:
_ إنت كنت فين وقتها؟ وشُفت دا كله إزاي؟
أخفض رائد رأسه في أسى وقال بلهجة لا روح فيها:
_ بعد ما خرجتي بشوية، لقيت بابا داخل البيت وشكله مرعوب، ودخل أوضة المكتب بيطلع السلاح بتاعه. اتخضّيت وجريت عليه بقول له: في إيه؟ قالي لازم تهرب قبل ما يشوفوك، وإلا هيخلصوا عليك.
استمهل نفسه لثوانٍ يُحارب طيف الذكريات الأليمة، قبل أن يقول بجفاء:
_ اترعبت، وقعدت أعيّط وأقوله: هما مين دول؟ قالي مفيش وقت للكلام، لازم تهرب من هنا. وقبل ما يكمل كلامه، سمعنا ضرب نار برّه وحد بينادي عليه بصوت مرعب.
اتفزع، وجري خدني من إيدي ودخلني الدولاب اللي في المكتب، وقالي مهما حصل، أوعي تطلعي من هنا. وبعدها دخل عامر، وحصل اللي حصل.
أخذت تبكي، وقلبها ينزف على ما عاناه طفلها في تلك الحادثة المشؤومة التي دمّرت حياته السابقة. لكنها لا تدري، أتُخبره بأن لتلك الحادثة زاويةً أخرى؟ وتقصّ عليه الحقيقة كاملة التي قد تتسبب في تدمير حياته القادمة؟
وقفت عاجزة تنظر إليه بشفقة وكثيرٍ من الألم، لا تدري ما عليها فعله. لكنه صدمها حين قال بقسوة:
_ بعدها عرفت اللي حصلِك، واللي الكلب دا عمله فيكِ! مش كفاية أخد أبويا مني، لا، دا لوّث شرفه، وخطفِك، وبسببه دخلتي في الغيبوبة، وحرمني منك السنين دي كلها!
قطبت ناهد جبينها وقالت بصدمة:
_ إيه؟ مين اللي قالك الكلام دا؟
قال رائد بجفاء:
_ راغب.
ما إن تفوّه باسمه حتى انتابتها حالة هستيرية، وأخذت تدور حول نفسها وهي تردد بجنون:
_ راغب؟ راغب! لا... لااا... لاااا!
خرجت منها عدة صرخات متألمة، تلاها صرخة قوية كانت نهايتها سقوطها بين يديه غائبة عن الوعي، ليتلقّاها رائد في لهفة وهو يقول بلوعة:
_ ماما..!
****************
ظلّت فاطمة تنظر إلى علي بحيرة؛ فهل تخبره بذلك السرّ الذي خبأته بداخلها طوال هذه السنوات وتُعرّض نفسها لخسارته؟
أم تصمت وترضى بالوضع الذي يُهوّنه عليها وجوده بين أحضانها؟
أنقذها من تلك الحيرة رنين هاتف علي، الذي ما إن رأى اسم المتصل حتى استأذن منها، ثم قام بالرد سريعًا:
_ أيوه يا شادي، في جديد؟
_ الست اللي في المستشفى، اللي رائد بيزورها دي، تبقى أمه يا علي!
عودة لوقتٍ سابق
قبل أسبوع من الآن، كان علي يجوب الشوارع بسيارته لا يدري ما هي وجهته، كل ما يريده هو التنفيس عن ذلك الغضب الذي يتملكه جراء كلمات والدته الأكثر من مؤلمة بالنسبة له.
فها هو، منذ ثلاث ساعات، يتجول في طرقات عروس البحر الأبيض المتوسط، ولم يستطع أن يتجاوز غضبه وألمه حتى الآن.
لم يُخرجه من شروده سوى رنين هاتفه، الذي التقطه وأجاب سريعًا:
_ أيوه يا شادي.
_ إيه يا علوة، أنا لسه واصل إسكندرية دلوقتي. هريح شوية ونتقابل، تمام؟
_ لا، بقولك إيه، متريحش. أنا بلف في العربية ومش ورايا حاجة، تعالى نتقابل دلوقتي في (...) وبعدها ابقى ريّح براحتك.
وافقه شادي على مضض قائلًا:
_ طيب يا عم، ما انت مش وراك غير التعب، نص ساعة وهكون عندك.
وبالفعل تقابلا في المكان المتفق عليه، وبعد تبادل السلامات بدأ شادي في سرد تلك المعلومات التي في جُعبته:
_ عنده ٣٣ سنة، كان بيدرس في ألمانيا، وجه دخل جامعة هنا. أبوه وأمه ماتوا في حادثة بقالها تلات سنين. بيشتغل في شركة الحسيني، تقريبًا مالوش أي قرايب. تحركاته كلها عادية من البيت للشركة، وأحيانًا بيروح سهرات مشبوهة. ليه شقة في (...) كل فترة بياخد فيها بنت من إياهم. كان على علاقة بسكرتيرة يوسف الحسيني، خرج معاها كذا مرة. سفرياته كتير لألمانيا، بس الغريب في تحركاته إنه كل فترة كده بيروح مستشفى للأمراض العقلية، وممكن يقعد فيها بالساعات. كله موجود في الملف ده، وفي كمان كام صورة ليه وهو أصغر من كده.
ناول شادي الملف فوضعه علي أمامه دون أن يفتحه، وقطب جبينه قائلًا باستفسار:
_ مستشفى للأمراض العقلية؟ وده بيروح هناك يعمل إيه؟
أجابه شادي:
_ لحد كام يوم، مكنتش أعرف. بس عرفت أول امبارح إنه بيروح هناك لوَحدة ست، ومشدد حراسة حواليها، وواخد لها جناح كامل ممنوع أي حد يدخله غير مدير المستشفى وممرضة خاصة. ومن كام يوم أخد السكرتيرة دي معاه، بس الغريب إنهم قعدوا شوية جوا وبعدها طلعت البنت دي منهارة، ركبت تاكسي ومشيت، وهو طلع بعدها بفترة، وحالته مكنتش بتختلف عنها.
_ طب ومقدرتش تعرف حصل إيه جوا؟ أو الست دي تبقى مين؟ أو حتى اسمها إيه؟
نفى شادي الأمر قائلًا بأسف:
_ للأسف، لا. معرفتش غير إن اسمها أمل.
زفر علي حانقًا، فتلك المعلومات لا تفيده بشيء، بل تزيد من فضوله لمعرفة ما يُخفيه ذلك الشاب، فهو أبدًا لم يرتح له. فقال بنفاد صبر:
_ طب متعرفش حاجة عن البنت السكرتيرة دي؟
_ البنت دي ليها أخت واحدة، وعايشة معاها هي ووالدتها. ونفس اليوم اللي حصل فيه الكلام ده، خدْتهم واختفوا، ورائد قالب الدنيا عليها.
_ اختفت؟! مادام اختفت يبقى وراها مصيبة. حل اللغز مع البنت دي، بدل ما هربت منه وهو قالب الدنيا عليها، يبقى ماسكة عليه حاجة. إحنا لازم نوصلها قبله.
هكذا تحدث علي، ليجيبه شادي قائلًا بتفكير:
_ بص، هو الموضوع صعب بس مش مستحيل. أنا هحاول أوصلها بأي طريقة، ولو في جديد هبلّغك.
_ مش هي بس يا شادي، إحنا كمان عايزين نعرف إيه قصة الست دي؟
_ تمام، أنا هكثّف تحرياتي، ولو عرفت حاجة جديدة هبلغك.
عودة للوقت الحالي
صُدم علي من حديث شادي وقال بدهشة:
_ أمه؟! إزاي؟ هو مش المفروض إن أمه وأبوه ميتين؟ يبقى إزاي دي أمه؟ إنت متأكد من كلامك ده؟
أجاب شادي بتأكيد:
_ أيوه، متأكد. البنت الممرضة اللي كانت مُكلّفة برعايتها، أخوها طلع عليه قضايا إيصالات أمانة، وقبضنا عليه. وجت هي علشان تدفعها، فضغطت عليها إنها يا تقول اللي تعرفه يا مش هطلّع أخوها خالص. المهم إنها حكتلي إن الست دي جت المستشفى من حوالي أربع سنين، وكانت في غيبوبة. وقتها جه رائد ودفع فلوس كتير مقابل إنهم يقدمولها أفضل رعاية، ونبّه إن محدش خالص يتعامل معاها أو يقرب منها غير حد موثوق فيه، ومدير المستشفى اختارها هي. وكان دايمًا ييجي يزورها ويقعد معاها بالساعات، وكان مفهمهم إن اسمها أمل، لحد ما حصلها اللي حصل وفاقت. وقتها عرفت إنها أمه واسمها ناهد.
قطب علي جبينه بعدم فهم وقال:
_ ناهد؟ طب وهو ليه خبّى عنهم اسمها الحقيقي؟ وإزاي دي تبقى أمه وهو موهم الناس كلها إن أبوه وأمه ميتين؟ رائد ده وراه حكاية كبيرة أوي، ولازم أعرفها. طب البنت دي متعرفش أي حاجة تانية؟
_ لا، ده بس اللي تعرفه.
_ أنا لازم أقابل الست دي وأعرف إيه حكايتها.
أجابه شادي بأسف:
_ للأسف، رائد أخدها وسابت المستشفى النهارده الصبح، ومتعرفش أخدها وراح على فين. حتى الناس اللي مكلّفاها تراقبه قالت إنه هرب منهم في الزحمة، وكان قاصد ده. تقريبًا حَسّ إن في حد وراه.
لعن علي بداخله، فقد انغلقت أمامه جميع الطرق لمعرفة ما وراء تلك السيدة، فقال بيأس:
_ تمام يا شادي، خلي عينك عليه، وأي جديد بلغني. أنا في طريقي للقاهرة، وأساسًا أنا قدمت طلب نقل واتوافق عليه، ومن الأسبوع الجاي هستلم عندكوا، وهتابع أنا الموضوع بنفسي.
أجابه شادي بحبور:
_ أحلى خبر ده ولا إيه! دي القاهرة هتنور يا باشا. خلاص، مستنيك تظبط أمورك، ونشوف سوا، وأي جديد هبلغك.
اختتم علي المكالمة وزفر بحنق، فبادرته والدته بالسؤال قائلة:
_ مالك يا علي؟ في إيه؟
أجابها بلا مبالاة:
_ مفيش، دي قضية كده ملخبطة شوية، متشغليش بالك. كنا بنقول إيه؟
ارتبكت فاطمة قليلًا وتعمدت صرف نظره عن سؤاله السابق فقالت:
_ كنت بحكيلك على قصة ناهد بنت خالي وبس.
_ اممم، ربنا يرحمها... وانتوا معرفتوش حصل إيه لابنها بعد كده؟
تنهدت فاطمة وقالت بأسف:
_ للأسف لا، وبما إننا ما قابلناش جوزها ده ولا نعرفه، فمدورناش عليه.
شاطرها علي الأسف قائلًا:
_ معلش، هي الدنيا كده، هنعمل إيه؟ ربنا يرحمها.
_ آمين يا رب... عايزة أطلب منك طلب يا علي.
قالت فاطمة جملتها الأخيرة برجاء لفت انتباهه، فقال مستفهمًا:
_ طلب إيه يا ماما؟ أمّري.
_ عايزاك تعامل جدّك كويس، وقبل ما تقول أي حاجة، افتكر إنه من ريحة المرحوم والدك.
امتعض علي وأجابها بغير رضا:
_ الله يرحمه... حاضر يا ماما، اللي إنتِ عايزاه.
ابتهجت فاطمة لانصياع علي لمطلبها، وقالت براحة:
_ ربنا يفرح قلبك يا ابني، ويراضيك زي ما بتراضيني دايمًا.
*****************
كانت كارما تجلس بجانب مازن في سيارته، والذي كان متجهم الوجه لا يتحدث معها منذ ذلك اليوم في المشفى، فقد أراد أن يُلقّنها درسًا حتى لا تُفضّل أيَّ شخصٍ عليه مرةً أخرى، حتى لو كان أخاها.
وكانت غرام تجلس في الخلف تنظر من النافذة، شاردةً مع أفكارها وتلك الحياة الغريبة التي تقرّبها منه رغمًا عنها مرةً ثانية.
استغلّت كارما شرود غرام لتحاول أن تُراضيه، فـيكفيها أسبوع من الهجر والخصام.
نظرت إليه قائلةً بصوتٍ خفيض ذي نبرةٍ رقيقة:
_ مازن.
دقّ قلبه لندائها، لكنه لم يلتفت حتى لا يضعُف أمامها، فأجاب بنبرة جامدة:
_ نعم؟
_ هتفضل زعلان مني كتير؟
هكذا استفهمت بحزن، ليُجيبها باقتصار:
_ مش زعلان.
اغتاظت من رده البارد فقالت بانفعال:
_ دا شكل واحد مش زعلان؟
لم يُجبها، فقد كان مشغولًا بالرسائل الإلكترونية التي كان يتلقّاها على هاتفه، وكان يُنقِل بصره ما بين الطريق أمامه والهاتف في يده، مما أثارها بشدّة، فقالت بغضب:
_ هو أنا مش بكلمك؟
أجابها بلا مبالاة:
_ قولتلك مش زعلان.
_ إزاي مش زعلان؟ دا أنت من وقت ما كنا في المستشفى وإنت مخاصمني ومبتكلمنيش، ودلوقتي من ساعة ما ركبنا مقولتش ولا كلمة واحدة!
إنت شايف إن دا طبيعي؟
كان مشغولًا بالهاتف كثيرًا فلم يُجبها، مما جعل الحزن يتعاظم بقلبها، فهل لهذه الدرجة هي لا تساوي شيئًا بالنسبة إليه حتى يتجاهلها بهذا الشكل؟
والأسوأ من ذلك أن ينشغل بالهاتف عنها!
إذن فذلك الشخص الذي يُحادثه أهمّ منها...
وعند هذا الهاجس آلمها قلبها كثيرًا، وزاد على شعورها بالغضب والإهانة، فقررت أنها لن تحاول مراضاته مرةً ثانية، وستجعله يدفع ثمنًا غاليًا.
مرّت دقائق قليلة ليقف مازن بعدها أمام الاستراحة التي على جانب الطريق، وهو ينظر إلى غرام في الخلف قائلًا باهتمام:
_ غرام، الطريق لسه طويل، وأنا حاسس إنك تعبانه، لو عايزة تنزلي تشربي حاجة أو تدخلي التويلت انزلي.
وافقت غرام دون جدال، فقد ظنّت أنه يريد أن يُحادث شقيقتها على انفراد، فترجّلت من السيارة دون أي حديث.
وما إن شاهدتها كارما حتى همّت بفكّ حزام الأمان لتلحق بها، فأوقفتها يد مازن التي أطبقت على معصمها تمنعها مما تقوم به، فنظرت إليه باستفهام، فأجابها آمرًا:
_ سيبيها تروح لوحدها.
قطّبت كارما جبينها ونظرت له بشك ثم قالت باستفهام:
_ دا ليه بقى؟
_ من غير ليه، غرام محتاجة تبقى لوحدها شوية، مش كلنا لازم نبقى فوق دماغها يعني.
لم ترتح لحديثه، لكنها آثرت الصمت، فقد كانت غاضبةً منه للحدّ الذي جعلها ترجع إلى مكانها بهدوء دون النظر إليه أو فتح أيّ مجالٍ للحديث معه.
**********
ذلك الشخص الذي تعمّد تركك في منتصف الطريق، لا تَدَعْهُ يلمحك ولو صدفةً، فمن لم يُكمل الرحلة لا يستحق المشهد الأخير
نورهان العشري ✍️
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
كانت تنظر إلى هيئتها في المرآة بأسى؛ تلك الخطوط العميقة المحفورة تحت جفنيها تحكي عن مدى معاناتها وتقطّع نومها، والتي لم تفلح مساحيق التجميل في إخفائها.
وأيضًا ذلك الانطفاء الذي يُخيّم على نظراتها يحكي روايةً أخرى عن مدى العَبَرات التي ذرفتها منذ آخر حديثٍ لها معه، فـقلبها يضجّ بالألم حتى بات التنفس ثقيلًا، كما خيّم الخمول والكسل على جسدها فغدا واهنًا ضعيفًا.
فأين هي تلك الجنية المتوهجة التي كانت تملأ الحياة بهجةً ونشاطًا وفرحًا؟
كيف أطفأتها تلك اللعنة المُسمّاة بالعشق؟ وكيف حوّلت بريقها إلى بُهوت، كما تحوّل وهج عينيها إلى رمادٍ محترق؟!
فكيف تسمح لنفسها بالوصول إلى هذه الحالة المُريعة؟
نظرت إلى تلك الكعكة الفوضوية التي تجمع بها خصلات شعرها، والتي كانت تخلو كليًّا من الأناقة، بالرغم من أنها كانت جميلة، لكنها ليست هي.
فهي دائمًا ما كانت تهتمّ كثيرًا بمظهرها وأناقتها، إذن ما تلك الصورة التي أصبحت عليها؟
هل يُعقل أن تُمكّنه من رؤية أثر غيابه عليها بهذا الشكل؟
ألم يكفِها ما فعله بها حتى تأتي هي وتُدمّر ما تبقّى؟
لا، لن تسمح له أبدًا بتدميرها، وستخرج من تلك الحكاية مرفوعة الرأس، ولن تنحني أمام عشقها الملعون أبدًا، بل ستجعله هو من ينحني لها طالبًا الصفح والغفران.
قامت بغسل وجهها وتنشيفه، ثم أزالت مشابك الشعر التي تمسك بخصلاته الحريرية، لينساب كبحرٍ من الشوكولاتة الذائبة حول وجهها الذي أتقنت تزيينه، ووضعت أحمر شفاهٍ قُرمزيٍّ يلائم امتلاء شفتيها ويمنحها مظهرًا جريئًا مُغريًا أشعرها بالرضا.
فهي، ومنذ تلك اللحظة، قررت إعلان الحرب على رجلٍ امتصّ منها جميع ملامح الحياة، وسلب منها عذرية قلبها، وتركها كرمادٍ محترق.
ولا يعلم أن البناء المحترق عندما يُعاد تشييده من جديد، يصبح أكثر قوةً وصلابة.
خرجت من المرحاض متجهةً نحو البار لتطلب مشروبها، ولم تخفَ عليها نظرات الإعجاب من المحيطين بها، لكنها لم تُبالِ كثيرًا.
وما لم تدركه هو تلك النظرات التي انطلقت منها شرارات الغيرة؛ فقد كان يودّ لو يفتك بكل تلك العيون التي تُحدّق بها وكأنها تودّ التهامها.
وقد استهلك كل ذرة ثباتٍ داخله حتى لا يُحرق المكان فوق رؤوسهم، ويختطفها إلى أبعد مكانٍ يمكن أن يصل إليه أحد، كي يُرضيها ويرتوي منها على النحو المطلوب.
أخذت ترتشف من كوب القهوة الخاص بها، ولا تعلم لِمَ انتابها هاجس بأنها ستراه...
هل لأن القلب حين يُحبّ يشعر بحبيبه؟
أم لأنها كانت تتمنى ذلك كثيرًا؟
فهي، ورغمًا عنها، قد اشتاقته حدّ الوجع.
أخرجها من شرودها قدومُ طفلةٍ صغيرةٍ نحوها، تحمل باقةً رائعة من الورود، وقدّمتها لها بابتسامةٍ عذبةٍ مرسومة على شفتيها.
تناولتها منها بدهشةٍ سرعان ما تحوّلت إلى دفءٍ وحبٍّ لذلك الملاك الصغير، فلم تستطع مجادلتها.
وما إن أمسكتها حتى هرولت الطفلة إلى الداخل، لتحوّل نظراتها نحو الباقة بفضول، وتلتقط البطاقة المرفقة بها لتقرأ ما كُتب عليها، فإذا بطبول الحرب تدقّ قلبها بعنفٍ وهي تقرأ تلك الكلمات المدونة بخطٍّ تعرفه:
"لا أُجيد فنَّ الاعتذار أبدًا، ولا أعلم كيف أطلب السماح...
فقط كل ما أستطيع فعله هو أن أُحبك بجنون.
فهل يشفع لي هذا عندك؟"
سرت رعشةٌ كبيرةٌ في أوصالها، وشعرت وكأن تلك الحروف قد نُقشت على جدران قلبها الذي أخذ يدقّ بجنون.
ظلت لثوانٍ عاجزةً عن رفع رأسها خوفًا من رؤيته، فأغمضت عينيها بشدة، تستجمع ما تبقى من صلابتها وإرادتها وقوتها التي كانت تملأها منذ قليل.
فكيف لكلماتٍ بسيطةٍ أن تُبعثر كل هذا في لحظة؟!
بالأخير، استعادت أنفاسها ونبضها المبعثر، ولن تسمح له برؤية تأثيره عليها.
قامت بتجعيد الورقة بين كفيها، وأخذت تنظر حولها وهي تحبس أنفاسها؛ فقد كان القلب يتوق لرؤيته ولو من بعيد.
وما إن لمحته حتى ارتسمت على شفتيها ابتسامةٌ جانبية، ثم نهضت من مكانها ممسكةً باقة الورد، وتوجهت نحوه.
كانت تمشي بغنجٍ ودلال، وكعب حذائها يطرق على الأرضية الحجرية وكأنه يطرق على قلبه الذي رقص داخله وهو يراقبها بعشقٍ ولهفةٍ حتى أصبحت أمامه.
نظرت إليه لثوانٍ، ثم تجاوزته بخطوتين.
قطّب جبينه ونظر خلفه، فصُعق من فعلتها حين رأى باقة الورد تسقط في سلة القمامة.
ثم عاودت السير مرورًا به، مرفوعة الرأس، بشموخٍ وكبرياء أنثى أقسمت على الانتقام والإطاحة به وبعقله... وها هي تنجح في ذلك.
تبعها أدهم بحنقٍ، وقد كانت كل خليةٍ داخله تحترق بصمت.
رآها تدخل محلًّا لبيع البقالة، فوقف يراقبها، وقد لفت انتباهه كل ما كانت تشتريه، ثم ألقت نظرةً خاطفةً نحوه وأشارت بإيماءةٍ غامضةٍ، قبل أن تغادر المكان.
أثار ذلك استغرابه، وما إن همَّ باللحاق بها حتى ناداه شابٌّ قائلًا:
_ يا أستاذ... يا أستاذ!
استدار أدهم متجهًا نحوه، ليتلقى صدمةً لم يتوقعها.
قال الشاب بهدوء:
_ الهانم اللي كانت هنا قالت إن حضرتك اللي هتحاسب.
مرّت ثوانٍ وهو صامتٌ، وقد ارتسمت الدهشة على ملامحه.
وبعد أن تجاوز صدمته، خرجت منه ضحكةٌ خافتة.
مع أي نوعٍ من النساء يعبث إذًا؟
يشعر أن هلاكه حتمًا سيكون على يديها... وهو أكثر من مرحبٍ بذلك.
قام بدفع ثمن المشتريات التي تجاوزت الخمسة آلاف جنيه، فقد علم من البائع أنها اشترت من أغلى أنواع الشوكولاتة في المحل.
ابتسم ابتسامةً أوسع، وتوجّه إلى سيارته يفكر في "جنيّته الصغيرة" وكيف يمكن أن يستعيدها إليه مرةً أخرى.
*************
كانت غاضبة منه بشدة ولم ترد الالتفات تجاهه حتى، وظلت تفكر كثيرًا في كيفية استفزازه، حتى جاءها اتصال من علي الذي كان بمثابة هدية من القدر، فأجابت سريعًا قائلة بدلال:
_ لووول حبيبي، كنت لسه هرن عليك.
_ إيه يا كوكي؟ عاملين إيه؟ والطريق عامل إيه؟
تنهدت كارما وقالت بملل:
_ حلوين الحمد لله، بس الطريق ممل أوي. إحنا في الريست اهوة.
غضب علي من تأخيرهم فقال بحدة:
_ كل دا ولسه في الريست! ليه راكبين سلحفاة؟ ما تقوليش للحيوان اللي عندك دا يشد شوية، مش طالبة مرقعة.
التفتت كارما إلى مازن الذي كان يأكل أسنانه من الغضب بسبب دلالها المثير، وزاد غضبه من حديث علي، لكنه آثر الصمت مرتديًا ثوب اللامبالاة.
لكن العرق الذي ظهر في رقبته أظهر مدى غضبه، فابتسمت بخُبث وأرادت سكب النار على البنزين، فقالت ببراءة:
_ علي بيقولك شد شوية يا مازن وبطل مرقعة.
اغتاظ مازن من لهجتها وتلك البراءة المفتعلة على ملامح وجهها، فقال بغضب:
_ بقولك إيه يا دُنيتي، متشتعلنيش! انتِ وأختك مش السواق اللي وراكو أنا.
كتمت كارما ضحكتها ووجهت حديثها لعلي:
_ معلش بقى يا لول، هنعمل إيه؟ بعد كده ندوّر لنا على سواق أحسن شوية.
قهقه علي إثر حديثها، مما زاد غضب مازن، الذي زفر بقوة دلالة على نفاد صبره. فاطمأن علي بأن مازن غاضب من كارما بشدة، فقال بمزاح:
_ استمري على كده، أنا دلوقتي هقفل وأنا مطمّن عليكم.
أنهت المكالمة بعد ما وصلت لمبتغاها في إثارة غيرته، لكن دائمًا ما ينقلب السحر على الساحر، لتجد هاتف مازن يرن، معلنًا عن اتصال قد أتاه في وقته. التقطه سريعًا ليجيب بمرح قائلاً:
_ روفي حبيبتي، عاملة إيه؟
ما أن سمعت كارما كلماته حتى استشاطت غضبًا ونظرت إليه بحدة، فوجدته ينظر أمامه ولا يعطيها أي اهتمام وهو يتحدث بكل أريحية:
_ إيه يا روحي؟ إحنا جايين في الطريق اهو. وحشتك! آه، وانتِ كمان وحشتيني والله.
كانت روفان على الطرف الآخر تريد الاطمئنان على علي، فخجلت من محادثته، ففضلت أن تحادث مازن حتى تعرف إلى أين وصلوا. تفاجأت من حديثه الغريب، فقالت بدهشة:
_ وحشتني إيه يا ده يا أهبل! لا طبعًا موحشتنيش.
تجاهل مازن حديثها وهو يقول بنبرة ود مفتعلة:
_ يا حبيبتي، عايزة شيكولاتة وأنا جاي؟ بس كده من عنيا. أحلى شيكولاتة لأحلى روفي في الدنيا.
كانت كارما بجانبه تغلي من الغضب، وروفان على الطرف الآخر من المكالمة تشعر بالذهول من حديثه ورقته معها، فقالت باندهاش:
_ شيكولاتة! مازن، انت سخن ولا إيه؟
كان مازن يود لو ينفجر بالضحك على مظهر كارما التي كان وجهها يغلي من شدة الغضب، وعينيها تبرقان يتطاير منهما الشرر، وقد جعلتها الغيرة كقنبلة موقوتة على وشك الانفجار. فلم يكتف بذلك، بل أضاف باستفزاز:
_ وإيه كمان يا حبيبتي؟ لو نفسك في حاجة كمان قولي.
حاولت روفان أن تجاريه في الحديث وتستغل الموقف، فقالت بلهفة:
_ لا، لو الموضوع هيبقى فيه منفعة نستفيد... والله يا ميزو يا حبيبي، هو طلب صغنون كده، أنا كنت عايزة أغير عربيتي. آه، وكنت عايزة أطلع سفرة مع أصحابي كده يومين أغير جو، آه، وكنت عايزة أعمل شوبينج يعني شويه لبس وشوزات وشنط وكده، يعني الموضوع مش كبير حسبه تلاتين أربعين ألف جنيه، بس، آه، وكنت...
قاطعها مازن قائلاً بود مفتعل:
_ طبعًا يا روحي، دانا عنيا ليكِ. كل اللي انتِ عايزاه وأكتر كمان، وأوعدك السفرة الجاية هاخدك معايا إن شاء الله، أصلاً متعرفيش الجو ممل هنا قد إيه.
عند هذه الكلمات لم تستطع كارما الصمود أكثر، فقد فرت الدموع من عينيها رغمًا عنها، فقامت بفتح باب السيارة والخروج منها، ليقرر مازن اللحاق بها، فأنهى المكالمة قائلاً بحدة:
_ يلا يا بت، انتِ من هنا! وقتك خلص معايا.
أنهى المكالمة مع روفان، التي أخذت تنظر إلى الهاتف مصدومة من ذلك المجنون.
لحق بها على الفور، وجذبها من معصمها ثم أدارها لتلتصق بباب السيارة خلفها، واضعًا كلتا يديه حولها يمنعها من الحركة.
طالعته بدهشة، وقد شعرت بنفسها فجأة تطير من مكانها وتصبح محتجزة بينه وبين باب السيارة، وهو ينظر إليها بتلك النظرات الماكرة التي تأسرها.
كان صدرها يعلو ويهبط من شدة التأثر والانفعال والصدمة، حتى انتبهت فجأة وذكرت نفسها حديثه الذي أغضبها كثيرًا، فتحاول التملص من بين يديه قائلة بغضب:
_ أوعي كده، سيبني.
لم يسمح لها بالابتعاد عنه، بل قام بتكبيلها بيد، وبالأخرى أدار رأسها إليه، ومد إصبعه ليزيل عبراتها التي تنهمر على خديها.
حاولت هي التملص مرة ثانية، فاحكم الخناق حولها، وهو يقول بنبرة مثيرة:
_ اششش... اهدي.
هدأت بفعل نظراته وهمساته على وجهها، التي جعلتها تحبس أنفاسها، ليقول بمكر:
_ غيرتي؟
_ لا طبعًا.
قالتها بانفعال، فقد أبت عليها كرامتها أن يرى حالتها ويفهم بأنها تغار عليه بجنون.
فابتسم على مظهرها وقال يعاندها:
_ لا، غيرتي وأوي كمان، عشان بتحبيني.
أوشكت على الحديث، فوضع يديه أمام شفتيها وقال بقوة:
_ وأنا بعشقك.
هدهدتها كلماته، ودغدغت حواسها، وشعرت بأن الفراشات تحلّق في معدتها، والخجل يغزو ملامحها الفاتنة.
فأخذ يتشرب كل إنش بوجهها الذي يعشقه، وقال بتأكيد:
_ إيه يا كارما، بعشقك وبغير عليكِ من الهوى الطائر.
تفاجأت من كلماته وقالت باندهاش:
_ بتغير عليا من مين يا مجنون؟ من أخويا!
تغيرت ملامحها، وقال بحدة:
_ ماهو لو انتِ بتتمنيلي على عينك تتعاملي معاه عادي، كنت قولت مفيش مشكلة، إنما سيادتك مبتبطليش دلع ومرقعة معاه، وأنا قفص جوّافه واقف.
تعالت ضحكاتها بدلال على حديثه وغيرته، فزادتها الضحكة جمالًا، فاقترب أكثر منها، وهو يقول بهسيس خشن:
_ الدلع دا ميبقاش غير معايا أنا بس فاهمه؟
أجابته بنبرة هائمة:
_ فاهمه.
زاد من اقترابه منها، وقد أنست تلك الفاتنة كل شيء حوله، فقال بحب:
_ طب، بحبك.
ضاع ثباتها أمام إعلانه الصريح لحبها، فهمست بوله:
_ طب، بموت فيك.
فجأة صدح صوت غرام المعتاد من خلفهم، فانتزعهم من دوامة العشق التي كانت تجرفهم في تيارها:
_ دا انتوا لو حالفين تتقفشوا بفعل فاضح في الطريق العام، انتِ وهي مش هتعملوا كده.
شهقت كارما بذعر من حديث غرام، بينما استغفر مازن بداخله وقام بالعد للعشرة قبل أن يلتفت إليها بغضب قائلًا:
_ هو انتوا بتطلعولي منين هاه؟ عايز أعرف انتِ وأخوكي عملتوا زي العمل الردي دا؟
أجابته غرام باستفزاز:
_ اعمل حسابك أننا بنطلع من كل حتة ممكن تتخيلها أو مش تتخيلها. أمال نسيبك تستفرد بالبت اللي حيلتنا؟ اه، ماهو أن غاب القط العب يا فار.
نظر إليها مازن وقال بمكر:
_ اه، ماهو الفار شكله لعب صح؟ وبعد ما كنا شبه الأرامل، أحلوينا اهوة وحطينا روج.
أنهى مازن حديثه بغمزة، ارتبكت على إثرها غرام، لكنها حاولت الإخفاء، فتوجهت إلى حيث مقعدها وهي تقول بحدة:
_ أنا طول عمري حلوة يا خفيف، وقول للفار يحاسب أحسن قطة تخربشه.
نظرت كارما إليهم بعدم فهم، قائلة:
_ فار إيه وقطه إيه؟ هي غرام تقصد إيه؟ وبعدين هي عملت إيه جوا وطلعت؟
_ دخلت، حطت روج وطلعت.
ألقى مازن كلماته بمزاح، وسرعان ما قطب جبينه وقال باستفهام:
_ بس إزاي الفار لعب والروج لسه في مكانه؟
فقالت كارما بغباء:
_ وإيه علاقة الفار بالروج؟
نظر مازن إلى ضفتي التوت خاصتها وقال بتمني:
_ والله هموت وأشرحلك، بس للأسف لو عملت كده فعلًا هيبقى فعل فاضح في الطريق العام. اركبي ربنا يهون عليا ونتجوز بقى.
توجه كلاهما إلى مقعده، وانطلق مازن في طريقه إلى القاهرة، حيث ستتغير هناك حياتهم كثيرًا.
********
تقع المرأة في حب الرجل الحنون، وتعجب بالوسيم، ويأسرها القوي، لكن هناك رجل واحد يستطيع أن يجعلها تترك العالم كله لأجله، وهو ذلك الذي يُشعرها بالأمان. فما أن يطمئن قلبها حتى تخضع له جميع حواسها، معلنة استسلامها لطوفان العشق.
نورهان العشري ✍️
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
أمسك يوسف بكف كاميليا وقربه منه، يَلثمه برقة قبل أن يقول بحب:
_ هسمع كل اللي عندك، بس قبل ما تقولي حاجة، عايز أقولك إني عمري ما أقدر أبعد عنك، وإنّي في ضهرك دايمًا، ولو خُفتِ من الدنيا كلها، متخافيش مني. اتفقنا؟
نظرت إليه وقلبها يملؤه الامتنان على وجود هذا الرجل في حياتها؛ فهو قادر على أن يحتوي ضعفها، حزنها، ألمها، ويبدل كل هذا إلى شعور جارف بالأمان، يجعلها تتمنى أن تظل بجانبه إلى الأبد. فأعظم ما يمكن أن يقدمه رجل لإمرأته هو شعور الأمان، فعندها فقط تشعر بأنها في المكان الصحيح.
أومأت برأسها قبل أن تقول بلهجة عاشقة:
_ اتفقنا.
ما أن همت بالحديث حتى أوقفتها تلك النقرات على باب الغرفة، تلتها دخول نيفين، التي ما إن رأت أيديهم المتشابكة حتى انهشت الغيرة أحشائها، لكنها حاولت إخفاء ذلك وقالت باعتذار زائف:
_ آسفة، دخلت كده. مكنتش أعرف إنك معاك حد.
أجابها يوسف بفظاظة:
_ ولا يهمك. تعالي، كنتي عايزة إيه؟
ضغطت على كلماتها بشدة، وهي تنظر إلى كاميليا بنظرات يملؤها التحدي، وقالت بلهجة حزينة:
_ كنت جاية أحكي معاك شويه، بما أنك قولتلي إنك أخويا الكبير، وأي حاجة مضايقاني أجيلك على طول. بس خلاص، مش مشكلة، أجيلك وقت تاني تكون لوحدك.
أشعلت كلماتها نيران الغضب في داخل كاميليا؛ فأي حديث يمكن أن يكون بين تلك الأفعى وحبيبها، فاقتربت منه على نحو خطر لتحتويها يديه التي التفتت حولها، وقالت بهدوء مفتعل:
_ لا يا نيفين، وقت تاني؟ إيه اللي تيجي فيه؟ مفيش حد غريب، ده أنا مرات أخوكي الكبير، ولا إيه يا جو؟
وجهت استفسارها إليه وهي تلقي بسهام التحدي من نظراتها، وقد فهم ما ترمي إليه فحاول قمع ضحكاته بصعوبة وقال بلهجة متزنة:
_ أكيد يا كاميليا، ونيفين عارفة ده كويس، ولا إيه؟
ابتلعت نيفين ريقها بصعوبة حين قال استفهامه الأخير وهو يناظرها؛ فقد وجه كلماته إلى منتصف قلبها المفعم بالكره والغيرة، لكنها أتقنت تمثيل دورها وقالت بخنوع ولهجة خافتة:
_ طبعًا يا أبية، يوسف عارف. بس بعد إذن مرات أخويا الكبير، هاجي في وقت تاني، أفضل الكلام يكون بيني وبينك عن إذنكوا.
ألقت كلماتها التي أصابت منتصف الهدف وخرجت، تاركة تلك التي تشتعل خلفها من الغضب والغيرة، لتلتف تريد أن تصب جام غضبها عليه، ففاجأها حين ابتلع حروفها الغاضبة وثورتها العارمة، كأنه أراد اقتلاع هلاوسها من جذورها ليطيح بكامل ثباتها، حتى جعل كل غضبها و غيرتها تتبخر في الهواء. فقد كان السحر الذي يمارسه ذلك الرجل عليها يهلك جميع حواسها ويجعلها تنسى كل شيء حولها عدا انتمائها إليه.
طال قربهما كثيرًا حتى أن قدميها لم تعد تقويان على حملها، ليكن هو السند والمتكيء، يقربها منه أكثر، وهو يمارس فنون العبث باحترافية على سائر كيانها، فتتراجع جميع أفكارها السوداء وتنمحي بفعل زخات العشق المتساقطة على شقوق قلبها.
أخيرًا فصل اقترابهما بعد أن شعر بأنها تكاد تختنق، ليقرب رأسها من موضع قلبه الذي كان يدق بجنون، وكل دقة وكأنها اعتراف مفصل بعشقه لها.
اتكأت فوق قلبه، تلهث من فرط الجنون والعشق الذي يملأ صدرها، وكل تلك المشاعر التي أثارها قربه.
قطع صمتهم حين قال بصوت أجش:
_ هديتي؟
رفعت رأسها تطالعه وقد شعرت بشرارة الغضب في طريقها للاشتعال، فقالت بتأثر:
_ انت عملت كده عشان أسكت وأنسى كلام نيفين، صح؟
كانت نظراته تضخ العشق على كامل ملامح وجهها، وجاءت لهجته شغوفة حين قال:
_ أقولك على سر؟
لم تقوَ على النطق، فقد كبلتها نظراته وأسرتها، فاكتفت بإيماء رأسها ليبتسم قائلاً ببهه مثيرة تليق كثيرًا بكلماته الرائعة:
_ بعشق ملامحك وأنتِ غيرانة أوي. بحب لمعة عنيكِ، والنار اللي بتقييد فيها لما بتكوني غيرانة عليا، ولما بتكشري بغيظ كده، بكون عايز أكلك.
كانت كلماته كفيلة بجعل قلبها ينتفض بجنون داخلها، حتى شعرت بأنه على وشك الانفجار بفعل تلك المشاعر التي اجتاحته كطوفان لم تستطع السيطرة عليه. فجف حلقها ولم تقوَ على التفوه بحرف، فبللت حلقها بطرف لسانها، تلك الحركة التلقائية التي أثارت جنونه مرة أخرى، فقال بنبرة موقدة:
_ إنتِ مُصرة تخليني أكلك فعلاً.
ما أن أوشك على نيل مأربه منها حتى قاطعه رنين هاتفه، فتنفست كاميليا الصعداء، فهي ليس لديها القدرة ولا الرغبة على مقاومة جنون عشقه، لينقذها رنين الهاتف الذي جعله يرغب ويذبد، وهو يلتقطه قائلاً بغضب:
_ إيه يا زفت؟ عايز إيه؟
تفاجأ مازن من غضبه فقال بإندهاش:
_ إيه يا ابني، انت في إيه؟ بتهب في التليفون ليه كده؟
زمجر غاضبًا:
_ عشان بتتصل في أوقات زي وشك. أنجز، عايز إيه؟
صاح مازن مذهولًا:
_ مش انت يا ابني اللي قولتلي أقولك لما نقرب نوصل عشان تخلي كاميليا تروح تقابل البنات؟
تذكر أنه بالفعل قد طلب منه ذلك، ليفاجأ بالخبر الذي سيفرحها كثيرًا، لكن تلك اللحظات السابقة التي عاشها من جنون معها أنسته كل شيء، فقال باختصار:
_ انتوا فين؟
أجابه مازن حانقًا:
_ فاضلنا ساعة و نوصل.
_ طيب روح انت دلوقتي.
أغلق الهاتف ثم وجه أنظاره إليها ليجدها تنظر في جميع الاتجاهات ماعدا تجاهه، فقام بإدارة رأسها إليه واقترب منها ناظرًا في عينيها وهو يقول بحب:
_ علي والحاجة فاطمة والبنات على وصول. جايين عشان يعيشوا هنا في القاهرة مع جدهم.
صُدمت كثيرًا من الخبر، وسرعان ما تحولت صدمتها إلى فرحة عارمة، فقالت بلهفة:
_ بجد يا يوسف؟
أجابها يوسف بحب، فقد اشتاق لرؤيتها فرحة بهذا الشكل:
_ بجد يا روح يوسف.
انطلقت تحتويه بقوة تُغبر عن فرحتها التي تجلت في نبرتها، وهي تقول:
_ دا أحلى خبر سمعته في حياتي.
لكن سرعان ما قطبت جبينها وقالت باستغراب:
_ بس إزاي؟ دانا يكلمهم كل يوم ومحدش قالي حاجة.
يوسف بمكر:
_ أنا نبهت عليهم، محدش يجبلك سيرة عشان تبقى مفاجأة.
_ أحلى مفاجأة في الدنيا.
يوسف بحبور:
_ المفاجأة الأحلى بقى أننا عازمينهم عندنا على العشا بكرة بالليل، وهخلي السواق يوصلك عشان تروحي تسلمي عليهم.
_ دا أحلى يوم في حياتي.
شدد من تطويقها قائلاً بحنو:
_ ربنا يقدرني وأقدر أسعدك دايمًا.
طالعت كاميليا إليه بحب خالط نبرتها حين قالت:
_ انت بس خليك جمبي وأنا هبقى أسعد واحدة في الدنيا.
تشابه المكر في عينيه ونبرته حين قال:
_ يعني مش لسه متغاظة ولا متضايقة؟
نظرت إليه بشغف، وقد آثرت ألا تكون أنانية ولن تكون عبئًا آخر عليه، وتركه يدير شؤون العائلة كما يحلو له، وهي على ثقة بأنها وحدها من تمتلك قلبه، فقالت بلهجة هادئة:
_ مش هقدر أبقى أنانية يا يوسف وأحتكرك لي لوحدي، كفاية أني عارفة أن قلبك معايا أنا.
رفع يوسف حاجبه باستنكار لحديثها، قائلاً بحدة:
_ لا يا كاميليا، خليكِ أنانية معايا وأنانية أوي كمان، وأنا موافق إنك تحتكريني ليكِ لوحدك، بس اللي مش موافق عليه إنك تقبلي بوجعك وتكمتيه جواكِ عشان أي حاجة أو أي حد في الدنيا.
وكانت كلماته إذنًا لدموعها أن تسيل، والتي كانت تؤجلها لحين أن تختلي بنفسها، فقد كانت تعلم أن قرارها هذا سيعذبها كثيرًا:
_ مش أنا المفروض مراتك. يبقى أنا اللي أخفف عنك، مش اللي أزود عليك همك. نيفين فرد من العيلة المفروض انت كبيرها، وهي ملزمة منك في غياب عمو مراد.
قاطعها يوسف بجفاء:
_ غلط. تفكيرك ده غلط. عمر وجعك وحزنك ما هيخفف عني أبدًا. لازم تعرفي إنك رقم واحد عندي، وبالنسبة لنيفين أنا بعتبرها زيها زي روفان، وعمري ما هعتبرها غير كده، وإن كنت قولتلها إني زي أخوها الكبير، ده عشان تقطع أي أمل من ناحيتي خالص وتبدأ تفكر في حياتها ومستقبلها.
صمت لثوانٍ قبل أن يُتابع بتصميم:
_ وعمّو مراد كفاية هروب، لازم يكون موجود جمب ولاده، هما أكتر ناس محتاجينه، وأنا هتكلم معاه في أقرب وقت.
كانت كلماته كالعادة بلسم جروحها ودواء لعلاتها، لكن فضول الأنثى العاشقة بداخلها أبى التسليم، فقالت بخفوت:
_ يعني أفهم من كده إنك مش هنتكلم مع نيفين وأنا مش موجودة؟
لاحت ابتسامة ماكرة على شفتيه من غيرتها، التي ترهقه كثيرًا، فكوب وجهها بكفوفه قائلاً بلهجة حانية:
_ لا يا كاميليا، هتكلم معاها لو جت تتكلم معايا تاني، بس انتِ عارفة وحافظة إن مفيش ست في الدنيا تقدر تهز فيا شعرة غيرك، ولو انتِ حابة تبقي موجودة، أنا معنديش مانع.
اتسعت ابتسامتها كثيرًا وقالت بحب:
_ عارفة كل لحظة بتعدي عليا معاك بتأكد إنّي اخترت صح وإنك أحسن راجل في الدنيا. دانا اختصرت فيك رجال الدنيا دي كلها.
لمست كلماتها أوتار قلبه المتيم بعشقها، لكن شوقه لها يرهقه كثيرًا، فأسنّد جبهته فوق خاصتها وأطلق تنهيدة حارقة قبل أن يقول بصوت أجش:
_ لو تعرفي بعشقك قد إيه؟
أغمضت عينيها وهي ذائبة في بحور عشقه.
_ عرفني.
يوسف بتعب:
_ هينتهي بينا الحال وانتِ مراتي فعلًا يا كاميليا، وأنا مش هقدر أعمل ده غير لما أعملك الفرح اللي يليق بيكِ والناس كلها تشهد على حبنا.
فطنت إلى المغزى المبطن خلف كلماته، مما جعل الاحمرار يغزو خديها والخجل يغمرها، لكن تدخل رنين الهاتف أنقذها للمرة الثانية، مما جعله يشكر ربه كثيرًا، فهو في تلك اللحظة كان على شفير الاستسلام لسحرها، وهذا أكثر شيء لا يريد الآن، قبل أن يتخلص من جميع العقبات التي تواجههم.
انسلت من جانبه هاربة لتخرج من باب الغرفة وتغلق الباب خلفها، وصدرها يعلو ويهبط من فرط الانفعال، لتتفاجأ بهذا الصوت الماكر وهو يقول:
_ ممكن أعرف كان بيحصل إيه جوا؟
يتبع....
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!