الفصل 14 | من 57 فصل

رواية للعشق وجوه كثيرة الفصل الرابع عشر 14 - بقلم نورهان العشري

المشاهدات
18
كلمة
7,649
وقت القراءة
39 د
التقدم في الرواية 25%
حجم الخط: 18

الوجه الثالث عشر للعشق 🌹

أُحِبُك .
بالرغم من أنك لست معي و بالرغم من أني لا أراك و لم استطع عناقك و لكني أُحِبُك .
أحبك...
كيف لا، وقد كانت كلماتي الأولى من أجلك، وقراءاتي الأولى لك، وضحكاتي العميقة بصحبتك، ودموعي الغزيرة بسببك؟
لقد تبدّلت حياتي لأجلك، وتغيّرت معالم أيامي تحت وطأة عينيك.
حتى ذاك البُعد الجارح الذي ينهش قلبي اعتدته معك،
وحتى الخذلان الذي جاء منك لم يستطع أن يطفئ نار حبي لك.
وتسألني: لماذا أحبك؟
ألا يكفيك كل هذا يا هذا؟

نورهان العشري ✍️

 

🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁

استيقظت كاميليا من حلمها الجميل الذي كانت تتخلله رائحة تعشقها، ويستوطنه رجل تنطق كل خلية من جسدها باسمه. أخذت تنظر حولها، وشيء بداخلها يخبرها: لقد كان هنا. لا يوجد أثر له ظاهريًا، ولكن تلك الرجفة التي انتابتها، وذلك الدفء الذي يغمرها، وتلك النيران التي تجري في شرايينها... كل هذه الأشياء تثبت وجوده.

نعم، لقد كان هنا..! فهي لم تنم بمثل هذا العمق منذ ذلك اليوم الذي غفت فيه بجانبه، فذلك الأمان لا تشعر به أبدًا سوى في كنفه.

ذلك الرجل، أو رجل التناقضات كما تسميه، يستطيع بنظرة واحدة أن يصب أطنانًا من الثلج في قلبها، وبالنظرة ذاتها قادر على إذابته حتى تكاد تنصهر عشقًا بين يديه.

ترى، هل كل ما تشعر به الآن من جراء ذلك الحلم الجميل الذي كانت تنعم فيه بدفء وجوده؟ أم أنه من جراء عشقه المستوطن ثنايا قلبها، والذي لم تشتهِ في هذه الحياة سواه؟

تنهيدة حارقة ألهبت جوفها، وحالها يروي معاناتها.
حقًا لا تعلم، لكنها شعرت بأنها تُحلّق في السماء السابعة، بل لقد كانت الجنة... تلك الجنة التي حُرّمت عليها بملء إرادتها.

تألّم قلبها كثيرًا واستفهم بحزن:
إن كان الحلم معه بهذه الروعة، فكيف تكون الحقيقة؟

انفتح باب الغرفة فجأة، وتقابلت نظراتهما، فشعرت بقلبها يودّ لو يخرج من بين أضلاعها، يرجوه ويبكي لوعه غيابه، يخبره كم تهيم به عشقًا! لكن مهلاً... تكاد تقسم بأنه شعر بما يدور بداخلها، وقد انتقل إليه عمق جراحها؛ فقد استشعرت من نظراته أنها تقول ما يحمله لها أضعاف ما تشعر به نحوه.

لم تتعانق منابع ارتوائهم، لكن تعانقت قلوبهم؛ فقد كان عشقها له يتجلى بوضوح في عينيها، وتجلى عشقه لها في رعشة شفتيه وارتجافة يديه التي ضغطت على مقبض الباب، وكأنه يمنعها من الوصول إليه. وعيناه اللتان تحوّل لونهما إلى الأزرق القاتم، كانتا تبدوان وكأنهما تقطفان ثمار حسنها.

وجدت نفسها تهمس باسمه دون وعي، وهو ينطق باسمها وكأنه يتذوقه. فبادلته النداء بنفس النبرة التي تقطر عشقًا، وداخلها يهفو لترتمي بين جنبات عشقه، ضاربة بعرض الحائط كل تلك العوائق التي تقف بينهما. لكن ما إن حملتها قدماها لتركض نحوه، تفاجأت بدخول صفية التي ما لبثت أن رأتها حتى عانقتها بشدّة وهي تقول من بين دموعها:

كاميليا... يا روحي، وحشتيني أوي!

لم تكد تجيبها حتى اختطفتها يد روفان، التي كانت تعانقها بشوق بالغ وهي تقول:

وحشتيني أوي يا جزمة، كدا تقلقيني عليكِ بالشكل دا؟

بادلتها العناق، وما زالت نظراتها معلّقة به، فرأت الغضب يتجلّى بوضوح في عينيه من عناق روفان لها بتلك الطريقة. فهي تعلم كم يغار، فقد كان يعضّ على شفتيه من فرط الغضب، الذي أشعرها بأن قلبها يتراقص فرحًا من غيرته تلك. وتضاعفت سعادتها حين قال بغضب حاول مداراته:

ما خلاص بقى، هتفضلوا ساعة حاضنين بعض؟

وهنا تذكرت موقفًا مماثلًا لغيرته التي تعشقها...

عودة لوقت سابق

أبيه يوسف، ممكن أدخل؟

تحدثت روفان بعد أن دخلت إليه وهو يقوم بممارسة تمارينه الرياضية، فقال بسخرية:

ما إنتِ دخلتي خلاص يا وزعة!

قالت روفان مازحة:

أحم... دا شكل الغزالة رايقة ولا إيه؟

انجزي يا روفان، ورايا ميعاد كمان ساعتين ومش فاضيلِك.

تحدثت بتلعثم:

أص... أصل إحنا كنا عايزين ننزل نشتري شوية حاجات من برّه.

جاءها صوته الحاسم:

لا، مفيش خروج.

قالت برجاء:

طب مش تسمع عايزين نجيب إيه؟

قال بملل:

من قبل ما أسمع، قولتلك مفيش خروج.

يا أبيه، بالله عليك أنا وكاميليا هنموت ونخرج.

خفق قلبه عند سماع اسمها، فالتفت إلى روفان وقد انصبت جميع حواسه للإنصات باهتمام:

كاميليا!

آه كاميليا... يعني لفت لي دلوقتي! ما أنا بقالي ساعة بكلمك، مديني ضهرك ومصدر لي الطرشة.

قالتها روفان بغيظ، فاشتدت لهجته وهو يقول بتحذير:

اتعدّلي، أحسن ما أخرجكيش من البيت لمدة شهر.

قالت روفان بلهفة:

لا لا، وعلى إيه يا كبير الطيب، أحسن.

انجزي، عايزين تخرجوا ليه؟

روان وهي تلهو بأصابعها تحاول تبسيط الأمور قدر الإمكان:

بص يا أبيه، الموضوع يخص كاميليا في الأساس، وأنا عايزة أساعدها مش أكتر.

كان الخبث في نظراتها يقلقه، لذا قال بفظاظة:

مالها كاميليا يا روفان؟ انطقي قبل ما أتغابى عليكي.

انتفضت إثر لهجته الحادة وقالت بلهفة:

خلاص والله هقول! أصل صاحبة كاميليا خطوبتها بعد بكرة، وهي كانت هتموت وتحضر. وعارفة إن محدش هيوافق تروح لوحدها، فاتطوعت وقلت لها خلاص هروح معاكي. فأيه بقى؟ معندناش فساتين تنفع للخطوبة وكده، فكنا عايزين نخرج عشان نشتري وبس.

قال يوسف بتهكم:

وانتوا بقى عايزيني أوافق تروحوا تشتروا على اعتبار إني أساسًا وافقت إنكوا تروحوا الخطوبة دي!

اندفعت قائلة بقهر:

وإيه يعني يا أبيه؟ ما كل أصحابنا هيروحوا وبيتخطبوا أهو كمان، وإحنا ممنوع علينا نبص من البلكونة حتى! دي مش عيشة دي.

قالت جملتها الأخيرة بصوت عالٍ نسبيًا، فارتفع حاجباه وهو يقول بوعيد:

روفان، إنتِ تقريبًا صوتك عليّ ولا أنا بتهيألي؟

تراجعت على الفور قائلة بلهفة:

لا والمصحف بتهيألك! أنا أعلي صوتي عليك أبدًا يا أبيه؟ دا أنا أخرس قبل ما أعملها.

قال يوسف بوعيد:

متقلقيش، إن شاء الله هخرسك قريب.

بس ما تقاطعش يا هندسة.

قالتها بسماجة أزعجته.

تجاهل مزاحها وقال بفظاظة:

بطّلي لماضة وخلينا نتكلم في المهم. كاميليا مجتش معاكي ليه؟

قالت روفان بخبث:

قالت لي إنها مش هتطلب منك حاجة.

استنكر حديثها وقال بحدة طفيفة:

وده ليه إن شاء الله؟

تقريبًا كده زعلانة منك!

طب هي فين دلوقتي؟

اندفعت قائلة بلهفة:

ورا الباب، وزمانها سامعة كل حاجة. ثواني وهجبها لك من قفاها.

تسمرت كاميليا في مكانها عندما سمعت جملة روفان الأخيرة، ولما تنبّهت للهروب كانت روفان تُمسك يدها وتجرّها، وتلقيها أمامه، ثم تفرّ هاربة...

حاولت كاميليا اللحاق بها، ولكن هيهات... فقد وقعت في عرين الأسد. شعرت بقبضته التي كانت كالفولاذ توقفها، لتجد نفسها في مواجهته التي لم تكن عادلة؛ فقوته وعشقها له قوة لا يُستهان بها، ولا تستطيع التصدي لها، خاصةً وهي بهذا القرب الذي يروق لها بالقدر الذي يُخيفها. فلم يعد هناك مجال للهرب، فخفضت رأسها كي لا تقع في فخ عينيه، فهي غاضبة منه وبشدة.

رفع أنامله إلى ذقنها ليناظرها، فاصطدمت بزرقاوتيه الفاتنتين، وجاءت نبرته العميقة بتلك البُحة الرجولية القاتلة في صوته:

سامع إن حبيبي زعلان مني؟

جفّ حلقها من لهجته الحانية ونظراته المربكة، لكنها حاولت التماسك أمام سحره وارتداء قناع اللامبالاة قائلة:

وأنا مالي؟ روح اسأله.

هو مين؟

حبيبك!

ما أنا بسألك أهو.

استنكرت اضطراب قلبها في حضرته وقالت مدّعية الغباء:

أنا يعني؟

جاءت لهجته حانية كنظراته لها:

هو في غيرك حبيبي؟

حاولت الصمود أمام هجمات عشقه التي تضرب ثباتها في مقتل وقالت بتبرّم:

والله لو حبيبك ما كانش زعلني!

مقدرش.

بتقدر.

والله ما بقدر.

دغدغت نبرته ثنايا قلبها، فرقّت لهجتها حين قالت:

لا، بتقدر.

ابتسم يوسف على طريقتها الطفولية التي يعشقها وقال بصوت أجش:

حقك عليّا... قوليلي عملت إيه زعلك وأنا ما أعملهوش تاني.

لم تستطع منع اندفاعها وهي تقول بغضب يشوبه الحزن:

كنت قاعد تضحك وتهزر مع الست نيفين في الجنينة ولا همّك حد!

احمرار وجهها، وتلك الغيرة التي تبلورت في نظراتها وانتفاضتها، شكّلوا لوحة رائعة اهتز لها ثباته. فقال ممازحًا:

إنتِ بتزعقيلي يا كامي؟

بدت شهية كثيرًا حين قالت وهي تربع يديها حول نفسها:

لا، ما بزعقش، بس إنت ما بتحترمنيش ولا بتخاف على زعلي.

ارتج قلبه لحزنها الجلي وظنها البعيد كل البعد عن الحقيقة، فحاوطها بكفيه ليثبتها على أحد الأجهزة الموجودة بالغرفة، وكمّم حزنها بألسنة عشقه التي انبعثت من أنامله فوق وجهها:

أنا ما بخافش على زعل حد في الدنيا غيرك.

يا سلام؟

استفهمت وهي تحاول منع تدفق عبراتها، فجاءتها نبرته المعاتبة:

معقول مش مصدقاني؟ وبعدين العيلة كلها كانت قاعدة، وكلنا كنا بنتكلم ونضحك.

صحّحت بعنف أذهله:

قصدك بتبصلها وضحكت! وبعدين إنت من إمتى بتضحك أصلًا؟ إنت لا بتضحك ولا بتحب الضحك. أشمعنا يومها حبّك عليك الضحك أوي؟

كان يودّ لو يقتنصها بين طيات قلبه من فرط حسنها الذي كان يجعل كل خلية به تتوسل مطالبة بها، لكنه كان يُمني نفسه بأن ذلك سيحدث قريبًا، فحاول التماسك قائلًا:

قصدك إن أنا كئيب ونكدي ولا إيه؟

اندفعت بلهفة:

لا طبعًا، ما قصدش كده! بس إنت بالعادة ما بتضحكش كتير. وكمان ما ينفعش تضحك ضحكتك الحلوة دي غير ليا أنا وبس.

إنتِ بتعاكسيني بقى؟

حاولت تجاوز الأمر لكن صوتها المربك وهي تقول بدلال:

ما تغيّرش الموضوع، أنا زعلانة بجد.

لم يبخل عليها بعشقه حين قال يسترضيها:

وأنا مقدرش على زعلك يا قمري... شوفي إيه اللي يرضيك وأنا هعمله.

أممم... يعني لو طلبت منك أي حاجة هتعملها؟

قالتها بدلال وهي تحوي عنقه بين كفوفها، فأذابه قربها ليهمس بخفوت:

أي حاجة يا روح قلبي هتطلبيها، هعملها.

استغلت الفرصة لصالحها فقالت بجدية زائفة:

طبعًا إنك ما تفكرش تضحك مع حد غيري، دا شيء مفروغ منه. وخصوصًا الزفتة!

صحّح كلماتها قاصدًا استفهامها:

تقصدي نيفين؟

هبت باندفاع:

لا، اسمها زفتة يا يوسف.

أيد حديثها بنبرة عاشقة:

زفتة يا قلب يوسف.

ارتسمت ابتسامة نصر على ملامحها قبل أن تقول:

أيوة كده... نجي بقى للطلب. عايزاك توافق إن أنا وروفان نروح حفلة صحبتنا، وتوافق كمان نروح نشتري الفساتين.

كانت تتحدث بدلال أرهق قلبه كثيرًا، فقال بخشونة:

بس دول طلبين، مش طلب واحد!

لا، دول طلب واحد بس مترتبين على بعض. ما هو إحنا هنجيب الفساتين عشان نحضر الحفلة. لو مفيش فساتين مفيش حفلة، صح ولا إيه؟

اتسعت ضحكته وهو يقول مازحًا:

إنتِ اتعلمتي المكر ده إمتى؟

قالها بمداعبة، لتجيبه بسلاسة أدهشته:

ده مكر حوّاء يا قلبي، حاجة كده كل الستات بيتولدوا بيها. ما تشغلش بالك. إنت المهم، قولي بقى: هتوافق ولا إيه؟

تحدثت بطريقة طفولية محببة إلى قلبه كثيرًا، فأجابها بنبرة يرهقها ما تحمله من عشق:

كاميليا، هو إنتِ هتكبري إمتى بقى؟

أجابته بنبرة شابها الحزن:

ليه؟ هو إنت شايفني صغيرة؟

ترك العنان لقلبه ليروي زهورها من عذب هواه:

شايفك أحلى واحدة في الدنيا... وردتي اللي كبرت وفتحت على إيدي.

التمعت نجوم الحب بسماء عينيها حين تابع حديثه الذي يذيب عظامها عشقًا:

إنتِ بنتي قبل ما تكوني حبيبتي... كل حاجة وأحلى حاجة في الدنيا دي.

اختتم كلماته ناثرًا عشقه على قسمات وجهها، فهمست من بين غيمات السعادة التي تتمايل بها:

قد كده بتحبني؟

أكتر من كده بكتير.

أطلقت العنان لمشاعرها تنساب برقة من بين شفاهها:

عارف يا يوسف؟ أنا بعتبرك بيتي. المكان الوحيد اللي بحس فيه بالأمان. إنت العيلة بدفاها وحنيتها، اللي عمري ما حستها غير وأنا معاك.

لامس وقع كلماتها ملامحه، وفي بحره الواسع الذي يتلاطم به العشق مع كل حرف تتفوّه به، قالت:

أول يوم قلتلي إنك بتحبني، وقتها بس حسيت إني مش يتيمة، وإن ربنا خد مني بابا وماما وعوّضني بيك. وأنا راضية أوي بالعوض ده، وبحمد ربنا ليل نهار عليه.

لم تُخلق الكلمات التي تصف شعوره في تلك اللحظة، ولا تفي سعادته التي جعلته يغرسها بجانب قلبه لتعي مدى تأثيرها به. وكأن قربها كهرباء أصابت أوتاره، فانتفض بعنف شعرت هي به، فرفعت رأسها تناظره بهيام. كان شيئًا متبادلًا بينهما؛ فقد أصبح يتنفس وجودها، وكذلك كان حالها، فقد احتل عشقه كل ذرة من كيانها. ذراعاه حدودها وأسوارها التي تمنع عنها أي غزو خارجي.

قاطع لحظتهما صوت الطرق على الباب، الذي ما لبث أن فُتح، وأطلت روفان برأسها من خلفه. ولحسن الحظ سارع يوسف بالتحرر من قربها، لكنه لم يفلح قلبه في التحرر منها، فقد كبّلته أصفاد عشقها حتى شعر وكأن العالم أجمع يتلخص في وجودها.

التقط زجاجة مياه من الثلاجة علّها تطفئ نيران عشقه التي أشعلتها حوريته الصغيرة، متجاهلًا كلمات روفان الممتعضة:

كل ده لسه ما أقنعتِهوش يا كاميليا؟

كانت في عالم آخر، وكل ذرة منها تنتفض من فرط المشاعر التي عصفت بها، فلم تستطع الرد.

فأخذت روفان تنقل بصرها بين كاميليا المبعثرة، ويوسف الذي يقف معطيًا كليهما ظهره. لم تعلم ما بهما، لكن أخيرًا جاء صوته خشنًا بعد أن نجح في السيطرة على مشاعره:

مين صحبتكوا دي؟

اندفعت روفان قائلة:

دي زميلة لينا في الكلية.

- الحفله دي امتى و فين د

تولت روفان الإجابة مرة ثانيه

- بعد بكرة يا ابيه في نادي (...)

أجابها بخشونة

- تمام هبعت معاكوا السواق كمان شويه يوديكم تشتروا اللي انتوا عايزينه بس طبعا مش عايز افكركوا ان في حدود في اللبس ..

تنبهت كاميليا لحديثه وسألت بعدم تصديق:

أنت بجد وافقت؟

آه، وافقت.

قالها بابتسامة جميلة لا تخرج سوى لها، فسرعان ما وجدها تحتضن روفان بشدة، والأخرى تبادلها. فغضب بشدة واشتعلت غيرته، فمد يده يفصل بينهما، ممسكًا بمعصم محبوبته قائلًا بغضب:

بتهببوا إيه يا هانم منك ليها؟

إيه يا أبيه، هنكون بنعمل إيه؟ بنحضن بعض وفرحانين.

قالتها روفان بدهشة.

قدامي عادي يعني؟

قالها باستنكار، فأجابته كاميليا بدهشة:

وفيه إيه يعني يا أبيه؟

تحدث ناظرًا لروفان بحنق:

روفان، روحي هاتيلي موبايلي من الأوضة عشان عايزه.

تذمرت روفان قائلة:

ما تبعت أي حد من الخدامين يجيبهولك يا أبيه، ولا تخلي كاميليا، اشمعنا أنا يعني؟

زمجر غاضبًا:

روحي يا زفتة هاتي اللي قلتلك عليه.

حاضر.

قالتها روفان بقهر، وأخذت تضرب قدمها بالأرض وهي تردد بغضب طفولي:

ماهي روفان دي المرمطونة بتاعتكوا! روحي يا روفان، تعالي يا روفان، ودي يا روفان، هاتي يا روفان... ناقص أشتغلكوا بواب كمان!

همّت كاميليا بالتحدث، فتفاجأت به يجذبها لتصطدم بباب الغرفة قبل أن يقول بتحذير:

عارفة لو الموقف دا اتكرر تاني هعمل فيكِ إيه؟

موقف إيه؟ مش فاهمة.

استنكر عفويتها في الحديث وقال ساخطًا:

موقف إيه؟ المرقعة اللي كانت من شوية! بتحضني روفان ليه؟

طب وإيه المشكلة؟ روفان بنت زيي، وعادي لما أحضنها. مانا بحضن البنات زمايلي والموضوع إيزي يعني.

قالتها باندهاش، فزمجر غاضبًا:

مانتي إيه يا أختي؟ عارفة لو عرفت أو شفت إنك عملتي كدا تاني مع أي حد غيري هعمل فيكِ إيه؟

حوت كفوفها ملامحه وقالت غير مصدقة لما تسمعه وترى من غضبه الواضح على محياه:

أنت بتغير عليا من روفان؟

احتواها بتملك، مستجيبًا لرغبة قلبه بالقرب قبل أن يقول بحب:

بغير عليكِ من الهوى الطاير... ما بتحملش حد يقرب منك أو حتى يفكر يبصلك. عايزك ليا لوحدي. إنتِ بتاعتي يا كاميليا... بتاعتي أنا لوحدي. كل حاجة فيكِ حصري ليا أنا وبس، محدش يسكن حدودك غيري، فاهمة؟

للدرجة دي يا يوسف؟

صُدمت من حديثه، فهي حتى في أحلامها لم تكن تتخيل أن يعشقها ويغار عليها لهذا الحد. ولم تكن إجابته لتدهشها أكثر حين تحدث بنبرة قوية:

أكتر مما خيالك يصورك بمراحل. أنا غيرتي وحشة أوي يا كاميليا، أوعي في يوم تفكري تستفزيني أو تخليني أغير عليكِ، عشان وقتها ممكن أحرق الدنيا باللي فيها.

حاضر يا حبيبي، أوعدك مش هفكر أعمل حاجة تضايقك أصلًا.

همّ أن يتحدث، لكن قاطعه طرق روفان على الباب، فسمعته يسب ويلعن بصوت خافت، فانفلتت ضحكة رقيقة منها جعلت حاله يتبدل. فقال بتخابث أخجلها:

كنتي اضحكي الضحكة دي من خمس دقايق بس، ووقتها كنت هعرف أسكتها إزاي... بس حظك إن القردة دي جت وأنقذتك.

سرق من كريزتها نبيذ العشق وهو يقول بتخابث:

دي تصبيرة صغيرة.

ثم غمز لها غمزة أربكتها وجعلت قلبها يدق بعنف، وشعرت بالخجل يغمرها من المعنى المبطن لكلماته، فلم تشعر إلا وهو يفتح الباب لروفان التي تحدثت بغضب:

ملقتش الفون في أوضتك، قلبت عليه الدنيا والله.

يوسف بسلاسة أثارت جنون روفان:

لا، ما خلاص، أنا لقيته هنا. يالا اتفضلي قدامي إنتِ وهي عشان تلحقوا تروحوا مشواركوا.

تحركت روفان أمامه وتبعتها كاميليا، التي شعرت به يهمس بالقرب منها:

هستناكي تيجي توريني جبتي إيه.

أرفق حديثه بنفحة عشق خاطفة فوق عنقها وغمزة أربكتها كثيرًا، ثم تقدمهم صاعدًا إلى غرفته مختطفًا معه قلبها الذي كان ينتفض عشقًا له.

---

عودة للوقت الحالي

ابتسمت كاميليا بوهن، فهي قد أضاعت من يدها أثمن وأغلى ما يمكن أن تمتلك في حياتها، ولكن ليس باليد حيلة. أخيرًا تنبهت لحديثهم إثر صوت روفان المندهش:

وإيه المشكلة يا أبيه؟

اهتزت نبرة صوته قليلًا، وحاول إخفاء حرجه من سؤالها وقال:

مش فاضي أنا لدلع البنات دا.

أجابته روفان بعفوية أثارت حنقه:

طب ما تمشي! إحنا كدا كدا قاعدين مع كاميليا عشان وحشتنا، روح شوف إنت وراك إيه.

اغتاظ يوسف كثيرًا من حديثها الذي أحرجه، خاصةً عندما شاهد تلك الابتسامة الخبيثة تزين وجه والدته، فقال بغضب موجهًا حديثه لروفان:

لسانك دا هقطعهولك قريب إن شاء الله.

ثم وجه حديثه لوالدته متجاهلًا تلك التي تسرق النوم من عينيه وتتحكم في الهواء الذي يتنفسه:

أنا هروح الشركة يا أمي، في شغل كتير متعطل. لو احتاجتي أي حاجة، عم عبده بره ابعتي له هيجيبلك اللي عايزاه.

أولاهم ظهره سريعًا، خوفًا من أن يستجيب لنداء عينيها الذي يُحطِّم إرادته وثباته أمامها.

يوسف...

أوقفه نداؤها المتلهف باسمه، واستفهامها الذي جاء في أكثر توقيت خاطئ:

هو إنت مش هتيجي تاني؟

لم تستطع إخفاء تلك اللهفة في صوتها التي لامست قلبه، ولكنه أبى أن يسمح لتيار عشقها أن يجرفه من جديد، فاستخدم سلاح التجاهل القاتل الذي فتك بقلبها وخرج دون أن يتفوه بكلمة واحدة...

إيه يا ست كاميليا، مش وحشناكِ ولا إيه؟

هكذا تحدثت روفان بعد أن شاهدت ما حدث، وقد آلمها قلبها كثيرًا على ما يحدث لأقرب اثنين إلى قلبها، فحاولت إضفاء جو من المرح علّها تخفف ولو قليلًا من ذلك العذاب المرتسم في عيون صديقتها.

أمّا عن صفية، والتي كانت تُشاهد بصمت، فقد علمت من مظهره أن القادم سيئ. وعلى الرغم من غضبها الكبير من كاميليا، إلا أنها أشفقت عليها مما هي مقبلة عليه. وأخيرًا تحدثت عندما رأت الدموع تقطر من عينيها، فتقدمت منها، تربّت على ظهرها قائلة بحنو:

تعالي يا كاميليا، يا حبيبتي، اقعدي وارتاحي.

التفتت لها كاميليا، وودّت لو ترتمي بين ذراعيها لتبكي كل ما يُرهقها، ولكن خوفها من خذلان قد تتلقاه من قلب أمٍّ انفطر على فلذة كبده، ومما فعلته بهروبها من كل من يحيطون بها، كبّلها بالصمت.

نظرت إليها بحزن شديد، ولم تقدر على التفوّه بحرف واحد...

شعرت صفية بما يعتمل بداخلها، فهي من قامت بتربيتها وتحبها مثل أولادها، فتحدثت بعتب:

ياه يا كاميليا... عشتي معانا كل دا ولسه ما عرّفتيناش! طب محستيش إننا بنحبك قد إيه؟

أنا آسفة...

قالتها بخفوت، والشعور بالذنب يقرضها من الداخل، متحالفًا مع نيران الصمت التي تمزقها.

مش بقولك كدا عشان تقوليلي إنك آسفة، لأنه باين في عينيك... أنا بقولك كدا عشان مينفعش تترددي لحظة قبل ما تترمي في حضني يا كاميليا.

وما إن تفوّهت بآخر حرف، حتى ارتمت كاميليا بين أحضانها تبكي وتنتحب، وقد أدمى صوت بكائها ذلك العاشق الذي لم يطاوعه قلبه على تركها خوفًا من أن يجرحها أيٌّ منهما. وعلى الرغم من أنه شدّد على والدته ألّا تتحدث معها بشيء، إلا أنّ هيهات أن يستمع له قلبه؛ فعندما يتعلق الأمر بها تتمرّد عليه جميع حواسه، ولا يعود قادرًا على السيطرة على شيء...

أنا تعبانة أوي يا ماما صفية... أنا بموت من الوجع.

قالتها بانهيار أحدث صدوعًا بمنتصف قلبه، فاشتدت قبضته على مقبض الباب حتى كاد أن يخلعه من مكانه. وكم كان يودّ لو يدخل ليمحو ذلك الوجع الذي يقطر من بين كلماتها، ويمتص منها كل شعور قد يؤذيها ويسبب لها هذا الألم. لكن كبرياءه الجريح منعه من الإقدام على هذه الخطوة، ويكفيه مرارة ما جعلته يعيشه بسبب هجرها له. فأخبره عقله بأن هذا ما اقترفته يداها، فاندفع إلى خارج المشفى تاركًا خلفه قلبها المحطم، وقلبه الذي تعلّق بمعذبته وآبى أن يتركها...

العشقُ كالموج الذي لا يستطيع أحد التنبوء بانفعالاته، فتارة يجعلنا في أقصى درجات القوة ويُهشِّمنا في أخرى حتى نغدو فتاتًا من الوهن
ومع ذلك، لم تستطع قلوبنا يومًا أن تتمرّد عليه، ولا أن ترفض حضوره. بل تظل تهيم في نبحث عنه بين ثنايا الأيام، حتى لو كلّفها البحثُ عمرًا من المعاناة، وقطراتٍ لا تنضب من الألم.

نورهان العشري ✍️

*********

توقفت كارما بسيارتها أمام الجامعة، وأخذت تنظر أمامها مطوّلًا، تشعر بألم شديد ينهش قلبها، وهي غير قادرة على البوح به. حتى دموعها أبت أن تريحها وتسقط، بل جمدت، وكأن أنهار دموعها قد جفّت. كانت تشعر بها كأحجار مدبّبة تقف على أعتاب جفونها، فكلما حاولت أن تبكي انغرست أكثر في قلبها لتزيد من عذابها...

أخيرًا قررت أنها لن تنحني أو تضعف أبدًا، وأنها ستواجه الحياة بمفردها مرة أخرى، كما اعتادت دائمًا.

ترجّلت من سيارتها بوجه يحمل جميع خيبات العالم، خاصة ذلك الثقل الرهيب في قلبها، لكنها حاولت التماسك. التقت بأصدقائها، وأخذوا يتبادلون الحديث، حتى تفاجأت بذلك الذي يقف خلفها ويتحدث بلهجة آمرة:

آنسة كارما، لازم نتكلم.

التفتت كارما بسخط، فلم يكن ينقصها سوى ذلك المعتوه، فقالت بملل:

دكتور ماجد، أنا ماعنديش كلام أقوله لحضرتك، فلو سمحت سيبني في حالي.

أرجوكِ يا كارما، إحنا محتاجين نتكلم.

قالها ماجد باستعطاف، فبادلته بنفاد صبر:

وأنا صدّقني حالتي دلوقتي ما تسمحليش إني أتكلم مع حد.

كارما، إنتِ عارفة إني بحبك ومحتاج منك فرصة واحدة، ما تبخليش عليّا بيها.

ضاق صدرها من إصراره، فقالت بغضب وبصوت عالٍ نسبيًّا:

وأنا ماعنديش فرص أديها لحد، أرجوك سيبني في حالي.

همّت بالمغادرة، فوجدته يوقفها قائلًا بشرّ:

وأنا مش زي البيه اللي كنتي بتتسرمح...

لم يُنهِ جملته حتى فوجئ بلكمة قوية سقطت على فكه فألقته أرضًا، وذلك الوحش الهائج الذي انقضّ عليه يضربه بكل عنف وشراسة، وهو يقول بغضب جحيمي:

هو أنا ماقولتش تبعد عنها وما تقرّبش منها تاني يا حيوان؟!

ثم أخذ يضربه ويركله في أماكن متفرقة من جسده، حتى تدخّل من حولهم محاولين إنقاذ ماجد من بين براثنه، إلى أن نجحوا أخيرًا. فأخذ يلتفت حوله وهو يلهث باحثًا عنها، فوجدها تركض إلى خارج الحرم الجامعي. فهرول خلفها دافعًا كل من يقف في طريقه، فلم يكن يهمّه سواها. لكنه صُدم عندما وجدها تقطع الطريق غير عابئة بتلك السيارة التي كادت أن تدهسها، لولا أن أنقذتها ذراعاه في اللحظة الأخيرة.

حاوطها بشدّة، وكأنه غير مصدّق أنها آمنة بين جنبات صدره، فقد كان قاب قوسين أو أدنى من خسارتها. أما هي فكانت ترتجف، غير مستوعبة لما حدث في ثوانٍ معدودة، فقد كانت على وشك الموت وهو أنقذها.

مرّت لحظات لم تتحرك من جانبه، وكأنها تخشى الانسلاخ عنه، تودّ لو تظل هكذا إلى الأبد. وهو كان أكثر من مُرحّب بقربها الذي يعشقه، فصار يضمها أكثر حتى تهدأ، ويهدأ هو بعطر أنفاسها التي تُثلج صدره.

أخيرًا استطاعت أن ترفع رأسها وتنظر إلى عينيه اللتين كانتا تحكيان مقدار الوجع الذي خلّفه غيابها، فقال لها برجاء:

أنا بحبك قوي يا كارما، أرجوكِ تسمعيني.

همست بلوعة:

لو وعدتني إن اللي هتقوله مش هيجرحني يا مازن، هسمعك.

أجابها بنبرة محشوّة بالوجع:

لو سمعتيني للآخر هتعرفي إني عمري ما أقدر أجرحك أبدًا. إنتِ حبيبتي وروح قلبي، وعمري ما حبيت ولا هحب حد غيرك.

لانت ملامحها، ورقّ قلبها الذي استشعر الصدق في حديثه. همّت بالرد عليه، لكن سبقها ذلك الصوت المليء بالحقد وهو يقول:

متصدّقيهووووش... ده بيكذب عليكي!

*********

هلاكِ...!
كانت هذه آخر كلمة انطبعت في مذكّراتها عنه، بل كانت هذه الكلمة هي إجابة سؤالها الذي لطالما أرهقها...

فالآن أصبحت الرؤيا واضحة، وتبيّنت معالم صورته المشوشة بداخلها، وتفسّرت جميع كوابيسها التي طالما أيقظتها في منتصف نومها، ليصحّ حدسها بأنها كانت رسائل ربّانية، ولكن قلبها الغبي أبى أن يستمع لها.

جلست غرام في منتصف مخدعها، ودموعها تجري كأنهار على خديها، تبكي خيبتها، وتبكي وجعها، وتبكي قلبها الذي أعطته بملء إرادتها لرجل لم يعرف الحب يومًا، بل لم تمسّ الشفقة والرحمة جدار قلبه...

فبالرغم من اعترافه بأنه لم يمسّ جسدها بسوء، إلا أنه مسّ قلبها، بل قام بإذلالها والتحقير من مشاعرها نحوه. فقد كان منذ البدء يراها ساقطة يريد الانتقام منها...

حقًا، لا تعرف على ماذا تبكي؟ أتبكي على خيبتها منه، أم إذلاله لها؟ أم تبكي على وصفه لها بكل ذلك السوء؟

أخذت تتذكر آخر اللقطات التي جمعتها به...

---

عودة إلى وقت سابق

هربت من سيارته ركضًا، وألقت بنفسها داخل أحضان شقيقتها، تبكي ذلك الألم الناجم عما فعله بها، وتبكي ذلك الوجع الذي لا يُطاق في قلبها. فسمعت صراخه وهو يتوسلها بأن تسمعه.

وفجأة شعرت بشيء ارتطم بالأرض بشدّة، فالتفتت، وصُدمت من مظهره وهو ملقى على الأرض بفعل تلك اللكمة التي تلقّاها من مازن، الذي فهم بعضًا من صراخهم في السيارة، وتخيّل ما قد فعله معها. فكَوَّر يده ولكمه بكل قوته لفعلته الحمقاء، فجنّ جنونه مما فعله به، وبادله بلكمة أخرى لم تكن أقل قوة من سابقتها، والتي تركت علاماتها على وجهه. وظلا يتبادلان اللكمات، وكأن كلًّا منهما كان ينفث عن غضبه الداخلي بالآخر، فكان الموقف أشبه بحرب شوارع قطعتها كارما صارخة:

بطلوا بقى! إيه اللي بتعملوه دا؟! إنتوا اتجننتوا؟!

فنظر إليها هذان الوحشان، وكلاهما يلهث من جراء تلك المعركة الدامية التي دارت بينهما، فألقت عليهما نظرة محتدمة، وقالت بحزم:

مش عايزين نشوف حد فيكوا تاني، لا أنا ولا أختي!

آلمته كلماتها وكأنها خنجر انغرز في قلبه، فاقترب منها خطوتين، لكن ما لبثت أن أوقفته كارما بيدها، قائلة بغضب:

خليك مكانك، ما تقرّبش مني!

فتحرك الآخر، الذي لم تفارق عيناه حبيبته، قائلًا بلوعة:

غرام...

فنهرته كارما بغضب:

وإنت كمان ابعد عنها!

وأكملت بقهر:

من يوم ما دخلتوا حياتنا وإنتوا دمّرتوها. أنا وغرام، وحتى كاميليا اللي ابن خالتك وأخوه خطفوها ومش عارفين ودوها فين!

أوقفته كلماتها التي آلمت كبرياءه المريض، فقال ببرود:

أنا كده كده كنت هبعد. أنا بس كنت حابب أقول لغرام تنسى كل اللي حصل بينا وتعتبر إني ما دخلتش حياتها أصلًا، وأنا عن نفسي نسيته.

إن كانت الكلمات تقتل، لكانت الآن في عداد الأموات بفعل كلمات رجل قد أعمتْه القسوة للحد الذي يجعله يقتل دون أن يرفّ له جفن من الرحمة.

---

عودة إلى الوقت الحالي

شعرت بيد قوية تعتصر قلبها، فقد وصل الألم بها إلى الحد الذي لا يُحتمل، فأخذت شهقاتها تعلو شيئًا فشيئًا غير قادرة على منعها. فانفتح باب الغرفة، ودخلت كارما مهرولة، تحتضنها بلهفة، حتى إنها أخذت تبكي معها وهي تبثها العبارات المطمئنة، إلى أن هدأت قليلًا، فقالت من بين دموعها:

أنا بموت يا كارما... حاسة بروحي بتتسحب مني... في ألم فظيع هنا.

وأشارت إلى قلبها، فشدّت كارما من احتضانها وحاولت أن تخفف عنها قائلة:

اهدي يا حبيبتي، دا ما يستاهلكيش والله.

ياريتني ما قابلته ولا حتى شُفته...

قالتها بلوعة وألم.

مفيش حاجة اسمها "ياريتني" يا غرام. كل حاجة في حياتنا بتحصل عشان ربنا رايد لها تحصل، وبيكون ليها سبب. ربنا عمره ما بيعمل لنا حاجة وحشة.

هتفت مستنكرة:

وبرضه ربنا ما بيرضاش بالظلم يا كارما!

يا حبيبتي، ربنا عادل، وهيجبلك حقك من اللي ظلمك... بس قوليلي، الحيوان دا عمل فيكِ إيه؟

ذرفت أوجاعها على هيئة عبرات وكلمات ممزّقة كحال قلبها:

كسر قلبي يا كارما... وجعني قوي بالرغم إني حبيته قوي، والله.

قالت جملتها الأخيرة بحرقة، فانتفض لها قلب كارما التي هدرت بعنف:

دا حيوان، وما يستاهلش دمعة واحدة من دموعك دي...
أنا أول مرة أشوفك ضعيفة كده. إنتِ طول عمرك قوية يا غرام... إنتِ اللي كنتي بتقوّيني يوم موت بابا، الله يرحمه.

يمكن عشان عمري ما حبيت حد قده في الدنيا!

كان اعترافها مريرًا له وقع السوط على كرامتها، لكنها لم تستطع الصمت، فآزرتها شقيقتها قائلة بحزن:

وهو ما يستاهلش حبك ده، وما يستاهلش تعملي في نفسك كده عشانه... دا أول قلم الحياة تديهولك، لازم تبقي أقوى من كده، عشان لسه ياما هتقابلي في حياتك. وخليكي فاكرة إن الضربة اللي ما بتموتش بتقوّي، وإنتِ لازم تبقي قوية... عشان إنتِ مش أي حد. إنتِ غرام سالم هاشم الرفاعي.

صمتت، تستشعر وقع حديثها على ملامح غرام، ثم تابعت باعتزاز:

بابا ربّانا طول عمرنا وراسنا مرفوعة، ومافيش حاجة تقدر تهزمنا. كان واثق إن كل واحدة فينا بميت راجل، وحتى لو وقعت، تقدر تقف تاني.

نجحت في غرس بذور الحياة في قلبها وتذكيرها بماهيّة طبيعتها، فتجاوزت حزنها قائلة بقوة:

عندك حق... أنا مش لازم أبقى ضعيفة أبدًا. هو ما يستاهلش مني ولا ذرة حزن واحدة.

تحدثت غرام بتصميم على لملمة شتات قلبها، الذي بعثره عشق ذلك القاسي، الذي لم يحرّك دفؤها ساكنًا في برودة قلبه...

كانت كارما تتحدث، ولم تكن تدري أكانت تواسي شقيقتها، أم تواسي نفسها. فهي في أمسّ الحاجة لكتفين يضمانها، ويد تربت على كتفها، وتخبرها بأن كل شيء سيكون على ما يُرام. فهي الأخرى تعاني آلام الفقد والخذلان معًا...

والحقيقة أن كُلًّا منهما كان يعاني بطريقته؛ فلا يوجد قلب في هذه الحياة لم يكتوِ بنيران العشق، ولم تُصبْه مرارة الخذلان. لكن هذا هو العشق؛ مزيجٌ مُر وحُلو، يجرحنا بسكينه ثم يضمّد جراحنا بلمسته. نذرف لأجله دموع الألم، ونرسم به أعذب الابتسامات، فنحن لا نملك منه مهربًا ولا خلاصًا.
إنّ جمال الأشياء يكمن دائمًا في صعوبتها؛ فكلّما اشتدّت المشقة، ازداد بريق الوصول، وصارت اللذّة أبهى وأشهى.
فالعشق اختبار تُصقَل به الأرواح، وزادٌ يملأ القلوب حياةً مهما أثقلها الوجع.

نورهان العشري ✍️

🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁

تفاجأ أدهم النائم بانهمار زجاجة من المياه المثلجة فوقه، فاستيقظ مفزوعًا وهبّ غاضبًا:

إنت غبي يا مازن؟! في حد يصحي حد كدا؟

صاح به مازن بغضب مُريع:

ولسه هتشوف غباء! وكمان ليك عين تنام؟ تصدق إنك بجح؟

تململ أدهم بضيق تجلّى في نبرته حين قال:

وانت مالك؟ جاي عايز إيه عالصبح كدا؟

مازن بسخرية:

صبح إيه؟ إنت مش عايش في الدنيا! إحنا داخلين على المغرب يا بيه.

أدهم بنفاد صبر:

وانت مالك؟ أصحى وقت ما أصحى! إنت جاي تحاسبني؟

زجره مازن بعنف:

قصدك جاي أطلّع عين أهلك! متفكرش إني عشان سيبتك امبارح بمزاجي يبقى الموضوع انتهى... لا. أنا عايز أعرف دلوقتي عملت إيه في غرام خلاها منهارة بالشكل دا؟

فاجأه أدهم حين أجاب بجمود:

ماعملتش حاجة!

أيقظ جموده نيرانًا حارقة في أحشاء مازن فصاح موبخًا:

إنت هتستهبل؟! أمال هي كانت منهارة كدا من نفسها؟!

صاح أدهم غاضبًا يحاول التملص من نيران ذنبه:

قولتلك ماعملتش حاجة! اتسلينا مع بعض شوية وكل واحد راح لحاله... عشان كدا هي زعلت.

اقترب منه مازن وأمسك به من تلابيبه وقال بغضب:

أوعى تكون قلّيت معاها يا أدهم... هدبحك فاهم؟!

قولتلك محصلش حاجة... خلاص بقى!

قالها أدهم صارخًا قبل أن يتابع بخسة:

هي كانت راسمة على حب وغرام... ودي مش سكتي. عشان كدا انهارت لما قولتلها إني مش بتاع كدا.

شيّعه مازن بنظرات الخِسّة قبل أن يقول باحتقار:

تصدق؟ أول مرة أشوفك واطي كدا يا أدهم!

صمت لثوانٍ قبل أن يتابع ليجلد ما تبقّى من كبريائه مردفًا:

أنا كنت قاصد أخليك تشوف غرام... عشان أنا أكتر واحد كان حاسس بيك وشاف معاناتك مع الزبالة اللي كنت تعرفها قبل كدا، حتى لو كنت بتداري. قولت: دي اللي هتنور حياتك تاني وهترجعك أدهم بتاع زمان.

بس إنت دلوقتي أثبتلي إنك ما تستاهلش غير واحدة زي مرام... هي دي اللي تليق بيك.
أنا مبقتش عايز أعرفك تاني.

خرج مازن بعدما ألقى رصاصات كلماته، وأردفها بنظرة احتقار زادت من معاناة أدهم، الذي يقرضه الندم حتى أفقده صوابه، فصار يدمّر كل ما تقع عيناه عليه وهو يصرخ ودموعه تتساقط من فرط الألم.

بعد وقت ليس بقليل أنهكه التعب وخانه جسده، فسقط على الأرضية يلهث من شدّة العذاب الذي يعتمل بداخله، وصار يبكي كطفل صغير فقد أبويه.
فها هو خسر صديقه وأخيه الأكبر، وخسر أيضًا حبيبته الوحيدة، والأصعب من ذلك كلّه أنه خسر إنسانيته التي فقدها عند أول صفعة تلقتها منه ملامح ملاكه البريء في ذلك اليوم المشؤوم.

أخرجه من معاناته صوت هاتفه الذي ظلّ يرن قرابة الساعة، فالتقطه وهو ينوي إغلاقه، لكنه تفاجأ بأن الاتصال من أخيه الأكبر والأب الروحي له. فأجاب على الفور قائلًا بلهفة:

يوسف...

عايزك في ظرف ساعة تكون قدامي.

كان يوسف يتحدث بغضب شديد، فأجابه أدهم بلهفة:

حاضر... مسافة الطريق وهكون عندك.

قالها بصوت معذّب على الفور لامس قلب يوسف، الذي تحدث باهتمام وقد نسي ما كان يغضبه منه قبل قليل:

إنت كويس؟

متقلقش عليا... أنا كويس.

صوتك مش عاجبني. إنت فين؟ أنا جايلك.

هكذا تحدث يوسف بحزم، فقاطعه أدهم مؤكدًا على حديثه:

متقلقش عليا يا يوسف... أنا لسه في إسكندرية وهلم حاجتي وهاجي النهارده.

طب بما إنك في إسكندرية، عايزك تعدي على فاطمة خالة كاميليا، أم علي، وتطمن عليها... عشان سمعت إنها تعبانة وفي المستشفى.

كانت كلمات يوسف أسوأ ما يُقال في هذا التوقيت، لذا سارع أدهم بالتملص من الأمر:

متقلقش... بقت كويسة الحمد لله، وخرجت من المستشفى امبارح. بس قلقة وهتتجنن على كاميليا... صحيح هو حصل بينكوا إيه؟

أجابه يوسف باختصار:

بعدين هبقى أحكيلك.

أدهم بتنبيه:

أوعى تكون أذيتها يا يوسف... كاميليا ما تستاهلش منك حاجة وحشة. أكيد هروبها دا له سبب... افهم منها واعرف ليه عملت كدا، ما تعملش حاجة تندم عليها. لو ضاعت منك... هتندم ندم عمرك صدقني.

كانت كلماته تخرج من جوفه المُحترق، فشعر يوسف بشيء خاطئ، فاستفهم قائلًا:

أدهم... إنت بتكلّمني أنا؟

كانت لهجته تحمل ما يعانيه مع قلبه، وأيضًا فهو شقيقه الأكبر وأكثر من يعلم خباياه. حتمًا يوجد خطب ما ليتحدث أدهم بتلك الطريقة... وقد صدق حدسه، فهو كان يوجّه الحديث لنفسه، التي لو طاوعت قلبه ما كان وقع أبدًا في هذا العذاب.

لم يستطع أدهم الإجابة على أخيه، فما كان من الآخر إلا أن أغلق الخط ولملم أشياؤه سريعًا ليؤازر شقيقه، فقد تأكد تمامًا أنه يحتاجه، لكنه يأبى التصريح بذلك.
ومع ذلك لبّى نداء قلبه الذي طالبه بالاطمئنان على معذبته أولًا، فانصاع له وتوجّه إلى المستشفى في الحال.

بعد وقت قليل، وصل يوسف وقلبه يسبقه إلى غرفة كاميليا... لكنه صُدم مما سمعه ورآه ووووووو

يتبع....

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...