الفصل 32 | من 57 فصل

رواية للعشق وجوه كثيرة الفصل الثاني وثلاثون 32 - بقلم نورهان العشري

المشاهدات
18
كلمة
7,243
وقت القراءة
37 د
التقدم في الرواية 56%
حجم الخط: 18

متنسوش يا حلوين (فوت+كومنت+فولو ليا♥️)

الوجه الواحد و الثلاثون للعشق 🌹

استنادًا إلى مقولة "فاقد الشيء لا يُعطيه"، فإن من أصعب المهمات التي تُلقى على عاتق الإنسان أن يُجبر على بثّ الأمان في روح أحدهم، وهو يفتقده.

نورهان العشري ✍️

🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁

منذ أن رأى علي تلك الصورة، وعقله يعمل في جميع الاتجاهات، يشعر وكأنه يعرفها أو رآها من قبل، ولكن لا يدري أين ومتى؟ وذلك الطفل أيضًا ليس بالغريب عليه، ولكن ذاكرته لم تسعفه، فآثر أن يفكر في الأمر عندما يختلي بنفسه. فها هو في طريقه إلى القاهرة مع والدته وأختيه للعيش مع جده، ذلك القرار الذي اتخذته والدته رغمًا عنه، وأصرت عليه بطريقة غريبة، حتى إنها قطعت كل طرق المناقشة فيه. فهو منذ ذلك اليوم لم يحادثها، ويشعر وكأنها أيضًا تتجاهله. فهذه المرة الأولى التي تتوتر فيها علاقتهما بهذا الشكل، وقد آلمه هذا الشيء، ولكن الأكثر ألمًا هو أن يكون قرارها هذا نابعًا من اعتقادها بأنه فشل في حماية أختيه. ذلك الهاجس الذي جعل قلبه ينشق إلى نصفين، لكنه آثر الصمت، فما زال صدى كلماتها يتردد في عقله إلى الآن.

كسر هذا الصمت الخانق في السيارة صوت فاطمة التي طلبت من الفتاتين أن تستقلا سيارة مازن لتستطيع هي الحديث براحة مع علي ومحاولة تصليح الأمور بينهما، فقالت بنبرة معتذرة:

_ علي، خليك عارف إني خدت القرار الصح إنكم لازم تروحوا تعيشوا مع جدكوا، دا أنا كمان اتأخرت أوي في الخطوة دي، كان لازم تحصل من زمان._

كان الحزن يأكله من الداخل، ولم يستطع الصمت أكثر من ذلك، فقال بمرارة آلمت فاطمة كثيرًا:

_ طبعًا بما إني مقدرتش أحمي إخواتي البنات، فلازم يروحوا للي يقدر يحميهم ويعمل اللي أنا فشلت أعمله._

استنكرت فاطمة حديثه وقالت بنبرة قاطعة:

_ أوعى تقول كده تاني يا علي، لو كان عندي شك واحد في المية إنك متقدرش تحمي إخواتك، مكنتش وافقتك لما فسخت خطوبة غرام من رامي، أنا حتى ما ناقشتكش في الموضوع، وكون إنك عملت كده يبقى دا الصح ليها._

أجابها علي بجمود:

_ غرام طفلة، وانفعالاتها بتتحكم فيها، ومكنش مفروض نوافقها على موضوع الخطوبة دا من الأول._

وافقتْه الرأي قائلة:

_ عندك حق، غرام عاطفية أوي، واخدة طبع زهرة أختي وناهد بنت خالي، الله يرحمهم._

رفع علي إحدى حاجبيه وقال باستفهام:

_ الله يرحمهم! أمال إيه قصة ناهد دي؟ ما سمعتش عنها قبل كده._

سحبت فاطمة نفسًا عميقًا وقد بدأت تستعيد ذكريات الماضي التي سلبتها الكثير من أحبائها، فبدأت بسرد مقتطفات مما مر على ذهنها:

_ ناهد دي بنت خالي عمرو، بنته الوحيدة، وكانت تعتبر التالتة بتاعتنا. بعد وفاة أبويا مكنش لينا حد هناك في روسيا، وخالي أصر على أمي إنها تجيبنا وتيجي. هو كمان كان عايش في روسيا، بس حب بنت مصرية كانت جاية في بعثة تبع الجامعة. بس أهلها مكنوش موافقين إنها تتغرب بعيد عنهم، خصوصًا إنها بنتهم الوحيدة، فقرر إنه يجازف ويسيب روسيا وينزل مصر ويتجوزها. كانت جدتي لسه عايشة ومقدرتش تمنعه عن قراره، فاضطرت توافق على وعد إنه على طول ييجي يزورها. وفعلاً كان بيعمل كده في الإجازات، يا إما هو ومراته بيروحوا لها، يا إما هي بتاخد ماما وتروح تزوره. ممتي مكنتش لسه اتجوزت، وكانت بتحب مراته دي أوي، وحبتها أكتر بعد ما خلفت ناهد، كانت وارثة الجمال بتاعنا وشبه جدتي أوي، واستمرت الحياة لحد ما ممتي اتجوزت وخلفتني أنا وزهرة..._

رفرفت رموشها تحارب عبراتٍ تهدد بالهطول قبل أن تُكمل بنبرة مشجبة:

_ ناهد كانت أكبر مننا بأربع سنين، وكنا دايمًا يا بنسافر لهم يا هما بيجوا عندنا. حتى بعد ما جدتي توفت، فضلنا على الحال دا. لحد ما بابا اتوفى، وكنت أنا لسه ستاشر سنة، وزهرة أربعتاشر. وقتها خالي أصر على ماما تجيبنا ونعيش في مصر، خصوصًا إنه مبقاش يقدر يروح وييجي عشان مراته جالها المرض الوحش، وكان لازم يفضل جنبها لأنها ملهاش غيره بعد وفاة أمها وأبوها._

ونزلنا كلنا نعيش في مصر، بس للأسف كنا شبه معدَمين، لأن بابا قبل ما يموت كان صرف كل فلوسه على الشرب والقمار بعد ما اتلم عليه شلة فاسدة ضيعوه وضيّعونا معاه.

قال علي بتعاطف:

_ مش لازم تكملي لو الموضوع مضايقك._

اختنقت بالبكاء، فرذاذ الماضي كان يحيط بها من كل اتجاه، لكنها استرسلت بالحديث كمن يتخلص من أثقال لم يعد قادرًا على حملها:

_ حالتنا المادية السيئة كانت من الأسباب اللي خلت ماما تنزل بينا على خالي هنا في مصر. بصراحة شالنا، وعمره ما حسسنا بحاجة أبدًا، ولا إننا عبء عليه، لحد ما خلصت تعليمي، وزهرة كانت في آخر سنة في كلية حقوق، وأنا كنت خدت تمريض، وناهد كانت خدت كلية تجارة. طول عمرها كان عندها طموح، ومن أول يوم خلصت فيه كانت عايزة تشتغل وتثبت نفسها. في البداية خالي عارض، بس مع ضغط المصاريف عليه، خصوصًا إنه كان خد قرض من البنك بضمان شقته عشان يقدر يصرف على علاج مراته، اضطر يوافق. اشتغلت، وحبها مديرها في الشغل، ووقف جنبهم جامد، وسدد ديونهم، وطلب منها يتجوزها. في الفترة دي مامتها اتوفت، عشان كده ما عملوش فرح ولا حاجة. وبعد ست شهور من الجواز انفصلوا، وناهد مردتش تقول لحد أسبابها. وبعد ما خلصت شهور عدتها، اتجوزت تاني، وقالت إنها هتهاجر مع جوزها كندا. ودي كانت الصدمة اللي خالي مقدرش يتحملها ومات بعد جوازها بكام شهر. للأسف مقدرتش تنزل تحضر عزاه، ومرت الشهور، كنا بنتراسل مع بعض، وحملت ناهد وخلفت، وبعتت لنا صورها مع ابنها، آخرهم كانت الصورة اللي انت شوفتها دي، وبعدها جالنا خبر وفاتها في حادثة عربية، وما نعرفش أي حاجة عن جوزها وابنها بعد كده._

انتهت فاطمة من سرد حكايتها متنهدة بألم، فقد عاد الوجع مرة ثانية، لينظر إليها علي بحزن وإشفاق على كل تلك الأحداث المؤلمة التي تعرضوا لها، فقال بتأثر:

_ ياااه، انتوا شفتوا كتير أوي في حياتكوا._

ابتسمت فاطمة ساخرة وقالت بلهجة تعج بالألم:

_ كتير؟! وإيه كتير يا علي؟ دا أنا حكتلك باختصار._

التفتت تناظره بشجن، وأضافت بأسى:

_ أنا ما حكتش الكلام دا غير لسالم الله يرحمه، وليك انت دلوقتي. حقك عليا يا علي، أنا عمري ما قصدت أزعلك. انت أول فرحتي وابني حبيبي، أنا ما عنديش أغلى منك في الدنيا._

كانت تتحدث ويرافق حديثها فيضٌ من الدموع التي انهمرت على وجنتيها، مما صدم علي، الذي أوقف السيارة على جانب الطريق وقام باحتضانها محاولًا تهدئتها، وقد آلمه قلبه كثيرًا على انهيار والدته القوية إلى هذا الحد.

_ ماما، اهدي، في إيه؟ حصل كل دا؟_

أجابته من بين دموعها، وقد كانت ترتجف بين يديه:

_ لا، حصل يا علي، أنا جرحتك أوي، بس والله يا ابني كان غصب عني، سامحني._

_ اشش، أوعي تقولي كده. أنا اللي المفروض أطلب منك تسامحيني عشان زعلتك، بس والله مكنش قصدي، أنا كنت خايف عليكِ._

أنهى كلماته وقام بتقبيل كفيها، تزامنًا مع نزول دموعه هو الآخر، لتقبل فاطمة رأسه المنحني فوق كفيها قائلة بحب:

_ عمري ما زعلت منك أبدًا يا علي، دا انت حتة من روحي، وأغلى حد عندي في الدنيا. أنا مستعدة أدفع عمري كله، ومتبعدش عني لحظة واحدة._

جملتها الأخيرة أثارت الريبة بداخله، وشعر بوجود خطبٍ ما خلف حديثها، فقال باستفهام:

_ ماما حبيبتي، في إيه؟ وليه بتقولي الكلام دا؟_

طالعته فاطمة بنظرات تبلورت بها حيرتها، فهل تصارحه بأعظم أسرارها وتتعرّض لخسارته، أم تصمت ويبقى الحال كما هو عليه؟ حسمت قرارها سريعًا وهمّت بالحديث، لكن أوقفها رنين الهاتف الخاص بعلي، الذي اعتذر منها وأجاب، ليبادره الطرف الآخر على الهاتف قائلًا:

_ الست اللي كان بيزورها رائد في المستشفى طلعت أمه يا علي._

**********

الأسوأ من غدْرِك بي، أن تعود إلي بعد أن قطعت شوطًا طويلًا في طريق الشفاء منك، لتوقظ جراحي النائمة، وتعيدني إلى نقطة الصفر مرة أخرى .

نورهان العشري ✍️

🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁

أدار رائد المفتاح في الباب لينفتح، ثم قام بالضغط على زرِّ الإنارة، لتنير المصابيح المكان من حولهما، وتنحّى جانبًا ليسمح لوالدته بالدخول، والتي كانت تنظر حولها بخوف سرعان ما تحوّل إلى دفء أطلّ من عينيها وهي تناظره قائلة بخفوت:

_ دا بيتك؟_

أجابها رائد باختصار:

_ بيت من بيوتي._

_ يعني دا مش البيت اللي عايش فيه؟_

_ لا._

استفهمت بحيرة:

_ وليه مودّيتنيش بيتك؟ خايف مراتك تتضايق؟ مش البنت اللي كانت معاك دي برضو تبقى مراتك؟_

نظر إليها رائد، وقد بدا على ملامحه الحزن الشديد الذي شعرت هي الأخرى به، ولكنه قال باختصار:

_ لا، مش مراتي._

_ خطيبتك؟_

زفر بتعب، وجلس على الأريكة خلفه، وتبعته هي، فقام بمسح وجهه بيديه قائلًا بنفاد صبر:

_ لا برضو، دي واحدة شغّالة معايا!_

تفهمت كونه لا يريد الحديث، لكن عيناه كانتا تحكيان الكثير، فقالت بنبرة متزنة:

_ مالك؟ متضايق إني بسألك؟_

تحدث رائد غاضبًا:

_ متضايق!! لا، هتضايق ليه؟_

أجابته بهدوء:

_ تمام... عايزة أقابلها._

فقد السيطرة على غضبه، فهبّ واقفًا وهو يقول بانفعال:

_ تقابليها! بقالي أسبوع من ساعة ما فوقتي وأنا بحاول أعرف حصل إيه بينكوا عشان تنهاري وتقرّري تفوقي من غيبوبتك اللي قضيت نص عمري بتحايل عليكِ تفوقي منها وترجعيلي، ومفيش أي جديد! أسيبها معاكِ نص ساعة بس، أرجع ألاقيكِ في حالتك دي! وأجي أسألك قالتلك إيه، تقولي مفيش! ودلوقتي عايزة تقابليها؟ ليه؟_

ظلت ناهد على نفس هدوئها وقالت باتزان:

_ قالتلي إنها بتحبك._

ألجمته الصدمة من حديثها، لكنه استوعبها سريعًا وقال بأسى:

_ ولما هي بتحبني سابتني وهربت ليه؟_

_ يمكن خافت!_

ابتسم رائد ساخرًا وقال بمرارة:

_ مش يمكن... دا أكيد خافت._

اقتربت منه بتمهّل، وربّتت على كتفه قائلة بمواساة:

_ متزعلش، لو بتحبك بجد هترجع تاني._

انفلتت دمعة هاربة من عينيه، وقال ساخرًا:

_ أنا مش زعلان منها ولا بلومها، هي عندها حق. أي حد في مكانها كان هيهرب، هتفضل مع واحد زيي ليه؟_

تناثر الألم من عينيها قهرًا وحزنًا على حاله، وكوّبت وجهه بين كفيها قائلة بحنو:

_ أوعى تقول كده، انت أي حد يتمناك._

طالعها بحزن، وخرجت الكلمات دون إرادته:

_ أنا تعبان أوي._

لم تمهله الوقت ليكمل حديثه، بل احتضنته بقوة جعلته يفقد كل ذرة تماسك بداخله، ويسمح لنفسه بالانهيار داخل أحضانها. فكم اشتاقها كثيرًا، وكم مرّت عليه ليالٍ جافة قاسية كان يواجه فيها ضعفه وتعبه وحزنه وحده، يتمنى لو كانت بجانبه.

ظلّا على هذه الحالة وقتًا ليس بالقليل، قاطعه رائد بعد أن هدأ قليلًا قائلًا بضعف:

_ متعرفيش حضنك دا كان واحشني قد إيه؟ أنا لسه فاكر آخر حضن حضنتيه ليا قبل ما يحصل اللي حصل، بس أوعدك والله، هجبلك حقك من ولاد الحسيني واحد واحد، وهدفعهم التمن غالي أوي._

ارتجف جسد ناهد، وتراجعت إلى الخلف ناظرة إلى عينيه بغموض، ثم أمسكت بكلتا يديه تسحبه خلفها حتى أجلسته على الأريكة مرة ثانية، وحاولت اختيار كلماتها بصعوبة وقالت بهدوء:

_ أنا معرفش إيه اللي والدك قالهولك يا رائد عن اللي حصل، بس واثقة إنه عمره ما هيقولك الحقيقة._

صُدم رائد من حديثها وقال بدهشة:

_ إنتِ بتقولي إيه؟_

زفرت ناهد بتعب قبل أن تقول بنبرة حاسمة:

_ انت مالكش طار مع ولاد الحسيني يا رائد..._

**********

خرجت سميرة من الحمام تتغنّج وهي تلفُّ جسدها بمنشفة قصيرة تبرز ساقيها بسخاء، وكانت تنظر إلى ذلك الرجل الجالس فوق مخدّته يناظرها بشهْوَة من بين سحب دخان سجائره التي تملأ الغرفة. فأخذت تتمايل أمام المرآة وتمشط شعرها بدلال. فقال بلهجة ماكرة:

_ ما تيجي هنا؟ عايز أقولك كلمتين مهمين.

ضحكت سميرة بميوعة وقالت بغنج:

_ هو لسه في كلام تاني متقالش؟

_ ده في كلام كتير، بس للأسف مش مدياني وقت أقولُه.

أجابته سميرة حانقة:

_ هعمل إيه بس يا حبيبي؟ ما أنت شايف المرة اللي فاتت لما كنت معاك، الزفت اللي اسمه مراد ده عمل فيا إيه؟

اندفع الرجل قائلاً بغضب:

_ وحياتك عندي لهدفعه تمن اللي عملوا معاك ده غالٍ، وكل قلم ادّاهولك هديله مكانه عشرة.

تحركت سميرة من مكانها واقتربت منه قائلة بحقد:

_ مش هو بس، هو وكل عيلته اللي هانوني وبهدلوني.. الناس دي لازم تدفع تمن كل حاجة وحشة عملوها معايا.

أجابها بوعيد:

_ هيحصل يا حبيبتي، متقلقيش. بس المهم، هتعملي إيه مع نيفين؟

_ لا، نيفين دي سبها عليّ، ليها تكتيك تاني خالص. هادفعها تمن غدرها بيا، أضعاف، وبعد كده هخلص عليها — أساسًا بقت كارت محروق بالنسبالي.

نظر إليها بنظرات مقززة يملؤها الرغبة، فاقترب قائلًا بأنفاس لاهثة:

_ بس تصدقي، مراد ده راجل غبي. بقى حد يكون في إيده الجمال ده كله ويفرّط فيه؟!

آلمتها كلماته وذكّرتها برفضه المهين لها، فقالت بحقد:

_ مراد ده أغبى راجل ممكن تقابله في حياتك. باع الغالي بالرخيص. بس معلش، بكرة هبكيه، بدل الدموع دم!

ناظرها بغموض وقال باستفهام:

_ بس أنا عايز أعرف هو ليه شايل منك أوي كده؟ يعني يضربك ويتجوز عليكِ ويبهدلِك كل ده ليه؟

ناظرته بحذر ثم قالت بغل:

_ عشان غبي، وهيفضل طول عمره غبي.

_ أمممم... يعني مفيش حاجة أنا معرفهاش وإنتِ مخبياها عني؟

ارتبكت وقالت بتلعثم:

_ وأنا هخبي عنك إيه؟ وليه؟

اقترب منها وقال بتهديد:

_ سميرة، متلفّيش وتدوّري عليا. هاتي من الآخر.

نظرت إليه للحظات ثم قررت الحديث أخيرًا، فقالت إيجازًا:

_ عشان أنا اللي فرّقت بينه وبين زهرة زمان.

_ إزاي وليه؟ وأوعي تقولّي عشان كنتِ بتحبيه. لو كنتِ بتحبيه مكانكش زمانك كنتِ معايا من شويه، فبلاش تتحوري.

قالت سميرة بغل:

_ أبدًا، أنا عمري ما حبيته، ولا كنت بطِّيقه. أنا ما حَبّتش في حياتي غير أحمد الحسيني!

صفق بحماس وقال:

_ أوباااا! دي بدأت تحلو أوي. لا ده إحنا نصبّلنا كاسين بقى، ونقعد نحكي على رواقة.

لم تجادله كثيرًا، وإنما انتظرت أن يأتي لها بالمشروب الذي تناولته جرعة واحدة، علّها تبتلع معه تلك الغصة التي تشكلت في حلقها جراء جراح العلاقة في قلبها.

نظرت أمامها في شرود وبدأت تتذكر ما حدث في الماضي وقالت بلهجة مريرة:

_ من أول ما شفت أحمد، قلبي اتخطف مني. حسيت إنه هو الراجل اللي عشت أحلم بيه طول حياتي: كان وسيمًا وغنيًا وشخصية، في كل مواصفات فارس الأحلام اللي أي بنت تتمناها.

كان هو ومراد بييجوا الكافيه اللي بشتغل فيه هم والعملاء بتوعهم. حاولت ألفت انتباه أحمد بكل الطرق إلا أنه ما كانش واخد باله، لحد ما واحدة من صاحباتنا لاحظت وفكرتني — معجبة بمراد اللي كان شاف زهرة وحبّها. عشان كده قولت لزهرة تفضل جنب أمها المريضة، وأنا هعمل شغلها وأغطي على غيابها قدام المدير؛ كنت عايزة أبعدها عنه.

ولقيت بعدها إن اللي بيسأل على زهرة كان مراد مش أحمد، وفي يوم قررت لازم أقابله وأكلمه، وفعلاً حاولت أرمي نفسي قدام عربيته، وشرب الطعم واتعرفت عليه، وبدأت أرسم الدور عشان أوقعه في حبي.

صمتت لثوانٍ وهي تنتزع الكوب من يده، تتجرع المشروب مع كرامتها التي دُسست تحت أقدامه، ثم تابعت بقهر:

_ وحصلت بينا علاقة. بعدها بدأ يتهرب مني، و«أروَحه» ما يردّش يقابلني. لحد ما في يوم قدرت أوصله لما عرفت من زهرة إن في واحدة في حياته، عشان في الفترة دي مراد وزهرة كانوا حبّوا بعض واتفقوا على الجواز، بس مكنش حد يعرف لحد ما مراد يقنع أبوه.

أغمضت سميرة عينيها تسترجع مدى الذل والهوان الذي تعرّضت لهما وأكملت بأسى:

_ روحت استنيته قدام الفندق اللي نازل فيه، وأول ما خرج جريت عليه وقلتله لازم نتكلم. فعلاً خدّني وطلعنا للمكان اللي كنا بنتقابل فيه، وقلتله إننا لازم نتجوز.

وقتها قعد يضحك هستيريا وبصلي بقرف وقالي إني مجرد واحدة من الشارع، قضى معاها يومين ورماها.

تقاذفت العبرات من مقلتيها وهي تُتابع بقهر:

_ صدمني بعدها صدمة عمر. قالّي إنه بيفكر يتجوز زهرة وإنه حبّها وحاسس إنها كمان بتحبه. قعد يوصفلي قد إيه هي بنت جميلة ومحترمة ومتعلّمة، وإني نكرة بالنسبالها، وإنه ما غصبنيش على حاجة — أنا اللي فرّطت في نفسي بالساهل.

تبدّل القهر إلى غِلّ وهي تتابع:

_ وقتها عرفت إنها كانت بتلعب عالّونجين عشان تطلع بأي حد فيهم، مع إنها كانت عارفة إني بحب أحمد اللي كسرني وذلّني عشانها. ولما قولتله إن زهرة بتحب مراد ومقضية معاها، نزل فيا ضرب وقالي إني كذابة، جرجرني من شعري ورماني في الشارع.

هبطت من مكانها وهي تضيف بسموم الكراهية:

_ يومها حلفت إنّي هدفعه التمن غالي. وبعدها على طول جتلي زهرة فرحة الدنيا فيها، وهي بتقولي إن مراد خطبها من والدتها واتحدِّي عشانها عيلته كلها.

عمري ما هنسي إحساسي وقتها وأنا شايفاها بتعيش الفرحة اللي كنت رسّمتها لنفسي بعد ما دمّرني وخطَف أحمد مني وخلاه يتعلق بيها ومراد كمان كان طاير بيها. النار ولعت فيا وحلفت يمين إنّي هدمر حياتهم كلهم ولازم أدمّر سعادتهم زي ما سعادتي اتدمرت — وحصل!

تناثر الحقد من لهجتها وهي تُكمل:

_ شَكَّكت مراد فيها وخليته يتأكد إنها بتخونه، ونفْس اللي اتعمل فيا اتعمل فيها. وحلفت إنّي أخطف مراد منها، وأحرق قلبها وقلب أحمد.

وفي ليلة، مراد كانت حالته زي الزفت بعد ما سابوا بعض وكان عمال يشرب لحد ما بقى سكران طينة. كنت أنا مرقبة بعد ما اتأكدت إنه خلاص راح لِدنيا تانيه؛ خدّته عندي في البيت ولما فاق الصبح انهار، وقلتله إن في حاجة حصلت بينا، ومثّلت عليه الدور صح وحاولت أقنعه إنه يتجوزني وبعدها يطلقني عشان متفضحش. فعلاً اقتنع، بس بعد ما عرف إن زهرة اتجوزت وسافرت مع جوزها طلعت أذكى مني بكتير ولعبت على أحمد ولفّت نظره، وطبعًا هو ما خدّش في إيدها غلّة لأنه كان بيحبها.

خالطت السخرية نبرتها حين قالت:

_ مراد اتجنّن بعدها وكان عايز يطلقني، بس أنا وقتها قولتله إني حامل. اتصدم وكان عايزني أنزل الجنين لأنه عمره ما هيستمر معايا. بس أنا لعبتها صح: جريت على رحيم الحسيني وحكّيتله كل حاجة، وطبعًا لما سأله مقدرش ينكر وأجبره يتجوزني.

قاطعها الرجل ناظرًا إليها بقرف واشمئزاز تجلّى في نبرته حين قال:

_ يخربيتك! إنتِ راضعة سم تعابين. وبعدين تعالي هنا: حامل إزاي؟ هي نيفين دي بنتك؟

نظرت إليه باستياء قائلة:

_ لا طبعًا مش بنتي. أنا فعلاً كنت حملت من مراد؛ لأن اليوم اللي خدته عندي في بيتي حصل بينا حاجة، ولأول مرة القدر يقف معايا في حاجة وطلعت حامل. بس للأسف، وأنا بولد، بنتي ماتت. وقتها عرفت إنّي هخرج من المستشفى على الشارع لأن مراد عرف إنّي وقعت بينه وبين زهرة وماكنش طايقني، واللي كان حايشه عني أبوه، عشان كده فكرت بسرعة ورشّيت الدكتورة وخليتها تجيبلي بنت كانت لسه مولودة، وبدلتها ببنتي الميتة، وأدّتها لأهلها.

_ لا دماغ شغّالة بصحيح. طب وإيه بقي اللي إنتِ عملتيه عشان مراد يشك في زهرة؟ وإزاي عرف إنك ورا كل اللي حصل ده؟

أوشكت سميرة على الرد و لكن قاطعها رنين هاتفه الذي التقطه سريعًا و أجاب و ما هي الا ثوان حتى برقت عينيه و هب من مكانه قائلا بصدمه

_ انت بتقول ايه ؟ ناهد لسه عايشه ؟

★★★★★★★★★

كانت كاميليا تعاني الأمرّين طوال هذا الأسبوع بسبب تجاهل يوسف لها وانشغاله الدائم عنها، فقد كان يخرج صباحًا قبل استيقاظهم، وإن عاد، يعود بعد أن يخلدوا جميعهم إلى النوم. وما عداها، فقد كانت تنتظره للاطمئنان عليه كل ليلة دون أن تُشعره بذلك قطّ، تنتظر لتراه من النافذة وهو عائد، وتُمنّي نفسها بأنه سوف يحاول رؤيتها والاطمئنان عليها.

فبعد أن عادوا من الإسكندرية لم يُحادثها، فقط اكتفى بأن حملها إلى غرفتها ثم خرج دون أن يتفوّه بحرف، وتركها طوال هذا الأسبوع فريسة لهذيانها وحيرتها وحزنها.

تلك هي المرة الأولى التي يعاملها فيها هكذا، ولكن في قصر العجائب هذا لا شيء محال. فمنذ عودتها يخيم الصمت والهدوء على كل من في المنزل، وحتى تلك الحرباء "سميرة" لم ترها سوى مرة واحدة، ودائمًا ما تلازم غرفتها، وكذلك نيفين التي تعاني من وعكة صحية بحسب ما قالته روفان وعمها مراد الصامت، وجدها الذي لم يكن ينظر إليها من الأساس.

فقط "زين" هو من كان يُهوِّن عليها قليلًا من وحدتها، ولكن لا يوجد أحد في هذه الحياة يستطيع أن يُعوِّض غياب يوسف...!

ذلك الاسم الذي يرتجف له قلبها بين ضلوعها من مجرّد ذكره، لا تدري كيف لقلبٍ بحجم كفّ اليد يمكنه أن يحمل كل هذه المشاعر لشخص واحد! والأغرب أن هذا الشخص يمكنه بنظرة واحدة أن يقلب كيانها رأسًا على عقب.

شخص بيده هلاكها ونجاتها، قادر على إرسالها إلى الجنة أو إهلاكها في الجحيم، دون حولٍ لها ولا قوة.

هذا هو حالها معه، دائمًا ما يوجّهها حبه دون إرادتها، ودائمًا ما تتخذ قراراتها بناءً عليه دون أن تعطي لنفسها أي أهمية. وهذا ما زاد من حزنها، فكيف يمكن أن تعشقه إلى هذا الحد، بينما يتسبّب لها بكل هذا الألم؟

كانت هذه الكلمات تدور بخلدها وهي جالسة في حديقة القصر تراقب زين وهو يلعب مع روفان، فلم تلحظ اقترابه منها إلا حين أخرجها من شرودها صوتُ زين وهو يهلّل مهرولًا إليه ليرتمي في أحضانه.

وللحظة شعرت بالغيرة من زين، فهو قادر على الارتماء بين ذراعيه متى رآه، عكسها، فهي أكثر من يرغب في عناقه الآن، ولكن هذه الأمنية تُعَدّ ضربًا من ضروب المستحيل.

اقترب يوسف من مكانها يطالعها بنظراته التي دائمًا ما تعجز عن تفسيرها، فحاولت الثبات قدر الإمكان، خاصة عندما أصبح أمامها مباشرة. زادت وتيرة أنفاسها عندما نظر بعمق إلى داخل عينيها، فحاولت رسم القوة بهما وقررت أنها لن تضعف أمامه أبدًا.

ولكنه كالعادة صدمها بردود أفعاله، فما كان منه سوى أن قال بكلمات وجيزة ونبرة أشبه بالأمر:

ـ تعالي لي على المكتب، عايزك.

ولم يُضف شيئًا آخر، بل تركها وغادر المكان لتنفلت الكلمات من فمها بقهر:

ـ يا ربي على لوح التلج!

أقبلت روفان نحوها وقالت مازحة:

ـ لوح تلج بس قمر!

التفتت إليها كاميليا بغيظ وقالت بسخرية:

ـ قمر بالستر يا أختي.

قهقهت روفان وقالت بشماتة:

ـ طب وطي صوتك يا أختي أحسن يسمعك، واتفضلي شوفي عايزك في إيه بدل ما ييجي يجيبك من شعرك. أخويا غبي، أصله أنا عارفة!

نظرت إليها كاميليا بغضب وقالت مدافعة:

ـ احترمي نفسك يا بت، هو غبي في عينك! وإيه يجيبك من شعرك دي؟ شايفاه بلطجي قدامك؟

نظرت إليها روفان بذهول وقالت:

ـ بت يا كامي! انتي سخنة ولا إيه؟ انتي مش من دقيقة واحدة كنتي بتقولي عليه لوح تلج ومكنتيش طايقاه، دلوقتي بتدافعي عنه؟!

قالت بتبرير:

ـ أيوه أنا أقول اللي أنا عايزاه، انتي متقوليش! وأوعي بقى، أنا رايحة أشوفه عايز إيه.

نظرت روفان في أثرها بذهول وهي تردد:

ـ هو البيت دا ملعون يا ربي، مفيش فيه حد عاقل يوحد ربنا!

أخذت كاميليا نفسًا عميقًا ثم طرقت باب غرفة المكتب الخاصة به، وفتحت الباب لتجده يقف أمام النافذة يتحدث في الهاتف. وسرعان ما أغلق الخط بعد دخولها، لتتقدم نحوه بخطوات بطيئة ونظراتٍ مشتاقة حاولت أن تُغلّفها بالجمود. وكان هو يحتضنها بعينيه ناظرًا إليها بنظرات يملؤها الاشتياق والاشتهاء معًا، لتراه هي غامضة بينما العشق الذي يملؤها يفوق قدرتها على الاستيعاب.

قطع الصمتَ الدائر بينهما حين بادرها بالحديث بنبرة هادئة:

ـ اقعدي يا كاميليا.

أطاعته دون أن تتفوه بحرف، وجلست على الكرسي متجنّبة الجلوس على الأريكة حتى تحرمه لذّة الجلوس بجانبها، وتحمي نفسها من شوقها الذي قد يجعلها ترتمي بين ذراعيه.

ابتسم يوسف لتصرفها وقرر الخوض في الحديث دون التعليق عليه، لكنه قرر إثارتها قليلًا، فهو يعلم طبيعتها النارية التي افتقدها كثيرًا، فقال بهدوء مختصر:

ـ عرفتي غلطك فين يا كاميليا؟

نجح يوسف في مسعاه حين هبّت كاميليا من مقعدها واقفة تقول باستنكار:

ـ غلطي؟ أنا اللي غلطانة يا يوسف؟!

أمال يوسف رأسه وابتسم ساخرًا، ثم قال بنفس لهجته:

ـ تصدقي؟ مكنتش متوقع غير كده، بس كنت بكذّب نفسي... يا خسارة يا كاميليا.

زاد غضب كاميليا وتحول إلى حزن شديد، فقالت بوجع:

ـ خسارة؟! للدرجة دي أنا وحشة وأنا ماعرفش؟

غضب يوسف من حديثها فخرجت منه تنهيدة قوية محاولةً التنفيس عن غضبه، لكنها أصابت قلبها في منتصفه، إذ فهمتها على أنه قد نفد صبره منها. فآثرت الحفاظ على كبريائها وقالت بصوت مهتز ودموعٍ هددت بالهطول:

ـ تمام يا يوسف، وأنا ميرضنيش خسارتك. أنا ماشية وسيبها لك خالص، أقولك؟ اعتبرني من اللحظة دي برا حياتك!

ألقت كلماتها وفرت من أمامه، لكنها لا تدري أنها أيقظت براكين الغضب بداخله، فقال بصوت جهوري مزلزل:

ـ استني عندك!

اقترب يوسف منها وأدارها إليه، فوجد دموعها الحبيبة التي كأنها ألقت تعويذة على قلبه، حولت براكين غضبه إلى حمم من المشاعر الملتهبة، يعززها شوقه الضاري لها. استخدم كل ذرة مقاومة لديه للسيطرة على نفسه كي لا يبثّها كل ما يشعر تجاهها، لئلا تتفوه بتلك الحماقات مجددًا. أمسك بمرفقيها قائلًا بانفعال:

ـ انتِ هتعقلي إمتى بقى؟!

حاولت التملص من بين يديه قائلة بغضب:

ـ سيب إيدي، ومالكش دعوة بيا!

انفلت زمام غضبه فهزّها بعنف قائلًا بقوة:

ـ بطّلي جنانك دا، وحطي الكلام اللي هقولهولِك دا في دماغك عشان ترتاحي. مفيش حد في الدنيا له دعوة بيكِ غيري! ووجودنا في حياة بعض دا أمر واقع، ومش هسمح لأي حد في الدنيا يغيره، حتى لو كنتِ أنتِ !

هزّتها كلماته في الصميم، لكنها تحدثت من وقع جرح غائر ينزف بداخلها، وقالت من بين دموعها:

ـ مش كنت خسارة في حياتك من شوية؟

نظر إليها يوسف بعدم تصديق وقال بدهشة:

ـ أنا إمتى قلت كده؟!

أجابته باكية:

ـ آه قلت! قلت يا خسارة يا كاميليا!

ضحك يوسف بسخرية، ثم عاد يقول بغضب:

ـ وده معناه إنك خسارة بالنسبالي يا كاميليا؟!

لم تُجب شفتاها، بينما تولّت عيناها المهمة، وجاء الجواب على هيئة أنهار من الدموع المنهمرة على خديها. فرقّت نبرته قليلًا وهو يقول بصدق:

ـ وحتى لو انتِ خسارة بالنسبالي... فأنا برضو عايزك.

أصابت كلماته عمق الجرح النازف في قلبها، فكانت كالسحر الذي رسم ابتسامة راحة على شفتيها، لكنها سرعان ما انمحت وحلّ محلها الغضب، فقالت بحزن:

ـ بس انت سبتني أسبوع كامل، ما سألتش فيا! دا غير اللي عملته فيا وإحنا في إسكندرية، ومعاملتك ليا قدامهم!

انفعل يوسف ثانية وقال بغضب:

ـ شوفتي؟ اهو دا اللي بقولك عشانه يا خسارة! عشان بعد دا كله مش عارفة غلطك برضو!

انفعلت كاميليا وقالت بغضب:

ـ ممكن أكون غلطت، بس مستاهلش كل دا!

أجابها يوسف بحدّة:

ـ متستاهليش؟! كاميليا، أنتِ فاهمة معنى كلمة أنتِ مراتي دي؟ ولا لسه مش وصلالك؟!

تراجعت خطوة للخلف إثر انفعاله، وقد أشعرتها كلماته بالخجل، لكنه تجاهل انفعالات وجهها وتابع بلهجة حادة:

ـ أقولك أنا... مراتي يعني شريكة حياتي، نصي التاني، الجزء اللي بيكملني. أنتِ الإنسانة الوحيدة اللي أديها ضهري وأنا مطمن ومش خايف تغدر بيا! تبقي معايا على طول الخط، مش لما تلاقي الناس بتكذب عليا وتستغفلني، تقومي أنتِ كمان تكذبي وتصدقي كلامهم! عادي عندك إن حد يستغفلني، وبدل ما أنتِ تصارحيني، تسانديه؟!

قاطعته كاميليا مدافعة عن نفسها:

ـ والله كنت هقولك، بس مستنياك تهدى شوية!

قال مستنكرًا:

ـ عذر أقبح من ذنب يا كاميليا! لما أهدى بعيد عنك، أنتِ لازمتك إيه؟ خصوصًا إنك عارفة إنك الوحيدة اللي عمري ما أقدر أأذيها مهما كانت حالتي! ومع ذلك وقفتي عيني في عينك وكذبتِ عليا! متخيلة أنا حسيت بإيه ساعتها؟!

خفضت كاميليا رأسها وقد شعرت بمدى خطئها وغبائها، فسارع يوسف برفع رأسها مرة أخرى وقال بلهجة قوية:

ـ متوطيش راسك تاني، مهما كان السبب!

زفر يوسف بتعب وقال بلهجة هادئة قليلًا:

"ـ أنتِ مفكرة إنه سهل عليا إني أنفعل عليكِ وأزعلك بالشكل دا؟ يا كاميليا، للمرة المليون افهمي، أنتِ حتة مني، مراتي، وحبيبتي، وكل حاجة ليا. في حاجات لو حصلت من الناس كلها مش هتهز شعرة فيا، إنما منك انتِ تكسرني.

قاطعته كاميليا بلهفة، واضعة إصبعيها فوق شفتيه قائلة بأسف:

"متقولش كده أرجوك! أنا عمري ما أقدر أعمل فيك كده. أنا عارفة إني غبية وغلطت، بس دا كان رد فعل، ما قصدتوش والله! أنا خفت تحصل مشكلة لما مازن قالي إنك مانع أدهم يشوف غرام.

ابتسم يوسف ساخرًا وقال بوجع:

ـ ولا أدهم دا كمان! عارفة يا كاميليا، أدهم دا يبقى ابني مش أخويا! أنا اللي مربيه هو وروفان بإيدي من بعد ما بابا توفى. لما يعمل عملته دي، متخيلة أنا بقيت عامل إزاي؟ أو حاسس بإيه؟ أنا حسيت إني كنت بزرع السنين اللي فاتت دي في أرض بور!

صمت لثوان قبل أن يقول بحزن

ـ أدهم خذلني وخلاني لأول مرة في حياتي مش قادر أرفع عيني في عين علي. كان لازم أقف له وأفهمه غلطه، وأعاقبه، بالرغم من إني عارف إنه هيعمل المستحيل عشان يشوفها، ودا في حد ذاته عقاب! بدل ما يكون مكانه جنبها، لا، دا بيشوفها زي الحرامية.

ولأني واثق إنها هتعرف تدفعه تمن غلطه كويس... كنت لازم أعلمه إن خيب أملي فيه، وإني أنا اللي هقف له.

وعارف إن مازن معاه وهيقف في صفه، بالرغم من إني كنت أقدر أمنعه بسهولة، بس سبته...

أنا مش ظالم يا كاميليا، أنا بحاول أوصل بينا كلنا لبر الأمان، بس للأسف كلكوا ضدي، محدش بيساعدني!

شعرت كاميليا لأول مرة بالشفقة عليه، فهي تعلم أنه يحمل على كتفيه همومهم جميعًا ويحميهم منذ أن أبصرت هذه الحياة. لذا اندفعت إلى تحتوي وجعه بين ذراعيها محاولة التخفيف عنه، فقد شعرت أن ذلك الجبل الذي كانت تستند عليه طوال حياتها قد تعب هو الآخر ويحتاج من يسنده، وستكون أكثر من مرحبة بالتخفيف عنه. فقالت بأسف من بين دموعها:

ـ حقك عليا يا يوسف... حقك علينا كلنا. أنا عارفة إننا تعبناك أوي، وإن الحمل عليك تقيل. سامحني أرجوك.

ذاب بين يديها وقد سمح لنفسه بالتنفيس عن بعض معاناته معها، ولمَ لا، وهي الوحيدة القادرة على امتصاص أوجاعه؟! بل إن قربها يمنحه قوة هائلة تدفعه للمواصلة. أغمض يوسف عينيه بتعب وأخذ يتنفس أكسجين وجودها الذي يأسره. ظلا على هذه الحالة لوقت ليس بقصير، لتقطعه كاميليا قائلة برجاء:

ـ سامحني يا يوسف، أرجوك.

خرجت تنهيدة قوية من جوفه، قبل أن يترك بصمات عشقه فوق جدار عنقها، ثم رفع رأسه ناظرًا إلى عينيها بحب، قائلاً بصوت أجش:

ـ مسامحك من قبل ما تطلبي دا، بس كان لازم آخد منك موقف عشان تفهمي.

تابع يوسف حديثه وهو ينظر إليها بنظرات ذات مغزى:

ـ وبعدين، بلاش حركات الستات المفقوسة دي، عشان هتقلب معايا بنتايج عكسية، وانتي اللي هتزعلي في الآخر.

ارتبكت كاميليا وتظاهرت بعدم الفهم، وقالت بتلعثم:

ـ انت تقصد إيه؟ مش فاهمة.

ابتسم يوسف على حركاتها الطفولية وقال بمكر:

ـ أنتِ فاهمة وعارفة... لو كنت رقدتِ على جنب أخته في المستشفى، كنتِ هتبقي مبسوطة؟

طالعته كاميليا بذهول من كشفه لمخططها الأحمق، فقالت بخجل:

ـ أنا ما قصدتش على فكرة!

قال بحزمٍ ممزوج بالتحذير:

ـ بلاش كذب يا كامي، وإياكِ تفكري تثيري غيرتي تاني، عشان النتايج هتكون وحشة أوي!

هزّت كاميليا رأسها باستسلام وقالت بخفوت:

ـ آسفة.

يوسف بحنو:

ـ مش عايزك تتأسفي أبدًا، عايزك تفهمي وتعرفي غلطك وتحاولي تصلحيه.

ـ حاضر.

أحاط يوسف خصرها بيديه وقال بمكر:

ـ طب مستنية إيه؟ يلا صلّحيه.

خجلت كاميليا من نظراته ويديه القابضتين على خصرها، فقالت بخفوت:

ـ ما انت قولت سامحتني على اللي حصل!

قال ضاحكًا:

ـ أيوه سامحتك، بس محتاج إقناع بصراحة.

فهمت كاميليا ما يرمي إليه، فترددت قليلًا، ثم وقفت على أطراف أصابعها وقبّلته على خده الأيمن، وقد غزا الاحمرار وجنتيها، فقال مستنكرًا مازحًا:

ـ أنتِ كده أقنعتيني؟

قالت بتذمّر:

ـ أيوا دا اللي عندي، وبعدين إقناعك صعب كده ليه؟

أجابها متخابثًا:

ـ معلش بقى، لوح تلج، هتعملي إيه؟

برقت عيناها من الصدمة وقالت بدهشة:

ـ إنت سمعتني ولا إيه؟

ـ أيوه سمعتك... بقى في واحدة تقول على جوزها لوح تلج برضو؟

حاولت كاميليا استجماع شجاعتها وقالت بثبات:

ـ أيوه، لوح تلج!

ابتسم يوسف على مظهرها وشجاعتها الزائفة وقال بعشق:

ـ لو تعرفي لوح التلج ده بيدوب معاكِ إزاي وبيتحول لبركان نار... بخاف عليكِ منه.

أنهى كلماته واندفع يرتشف عذب الهوى من فمها، ليذيقها جزءًا بسيطًا من نيران عشقه التي تحرقه كل لحظة، ولتدرك تلك الحورية أنها وحدها من تملك القدرة على جعل الجليد ينصهر عشقًا بين ذراعيها.

بعد وقت ليس بقليل، استطاع يوسف السيطرة على براكين شوقه والابتعاد عنها، محتفظًا بها بين جنبات صدره، فقد أسكرتها خمرة عشقه إلى الحد الذي جعلها تتكئ على سياج صدره الذي كان يدق بجنون، ويشاطره قلبها الجنون ذاته.

واستمرا على هذا الوضع لدقائق، فنطق قلبها ملتمسًا الأمان والاطمئنان:

ـ يوسف، إنت سامحتني، صح؟

تنهد يوسف ونظر داخل عينيها قائلًا:

ـ مسامحك يا كاميليا، بس من حقي أعرف لو في حاجة مخبياها عني، وخليكِ فاكرة إن دي آخر مرة هسألك فيها.

نظرت كاميليا إلى عينيه تلتمس منهما القوة للإجابة عن سؤاله، فأخذت بعض الوقت لتنطق أخيرًا:

ـ في يا يوسف...

يتبع......

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...