🌹الوجه الثامن للعشق
هَا أنت أهملتَ الفؤادَ و خُنتهُ
لله ذنبك أمثلَ قلبي يُهملُ
و تَغيرتْ منكَ الطباعُ و لم تعُد
تَحنْو علي و بي تُحس و تَشعرُ
أنْكرتَ ماَ بيني و بينك في الهوى
أومِثلُ ما بينْي و بينك يُنكَرُ؟؟
أتذکُْرُ العهدَ الّذي لِي قُلتَهُ
"الغدرُ بينَ قُلوبٍنا لا يُقبَلُ"؟
لم تكتفي بعد الذي أجرمتَه
حيٌ أتيتُكَ، و رحلتُ نعشاً يُحملُ
لقائله..
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
أيعقل أن أهديك كل هذا الحب وتهديني كل هذا الوجع...؟؟
كان هذا السؤال يدور بداخل يوسف، الذي لم يذق طَعم النوم لأسبوع منذ آخر حديث دار بينهما، فقد كان قلبه يهذي كمن أصابته الحُمّى. هل أخطأ حين سمح لقلبه بالوقوع في حبها؟ هل أخطأ حينما أغدقها بكل تلك المشاعر المحمومة؟
هل يمكن للعشق أن يصبح لعنة تُصيب القلب فتودي به إلى الهلاك؟ بماذا أخطأ ليُعاقب بكل هذا الخذلان...؟!
كلماتها وأعذارها الواهية كانت كأشواك تنغز قلبه دون رحمة. هل كانت تلك النهاية لعشقه لها...؟!
ألا تحمل له بداخلها ما يجعلها تعطيه وداعًا يليق به...؟
لماذا تقذف بوجهه تلك الحجج الواهية؟ فكيف تتركه بلا أسباب واضحة وكأن عذابه لم يكن يكفيه؟! ليندفع عقله صارخًا بذلك الاستفهام الذي شطر قلبه نصفين:
هل لم أكن كافيًا...؟؟!!
لا أحد في هذه الحياة يستحق أن يشعر بمثل هذا الشعور أبدًا، فيا له من شعور مروّع قادر على الفتك بالقلوب بلا رحمة...
فمرارة أن يتركك أحدهم بلا أسباب مقنعة تُشعر القلب بالمهانة وتؤذيه إلى الحد الذي لا يُحتمل معه الغفران...
فرجل مثله يمتلك كل هذا الكبرياء لن يحتمل مرارة ذلك الشعور أبدًا... فلم يعد قلبه قادرًا على الصمود أمام تلك النيران التي تحرق أحشاءه من الداخل وتمزّق خلاياه...
فخرجت من جوفه صرخة فزع، أنقذته من ذبحة قلبية كادت أن تودي بحياته في تلك اللحظة، فقد ضاق صدره بما يعتمل داخله...
فلم يشعر بنفسه سوى وهو يفرغ تلك النيران في كل ما يقابله، فقد ظل لساعات يحطم كل ما يحيط به من أثاث وهو يلهث كثور هائج...
يوسف!
كان هذا صوت كاميليا، التي لم يكن حالها أفضل من حاله.
فهي منذ آخر حديث دار بينهما لم تكفّ عيناها عن ذرف العَبرات، تبكي حبها الضائع، وحياتها التعيسة التي فرضتها عليها الأقدار. لكن أكثر ما كان يبكيها هي نظرة الخذلان الممزوجة بالازدراء التي ألقتها عليها عيناه، فقد كانت تلك النظرات أكثر ما تخشاه وتهرب منه...
لقد مزقتها إلى أشلاء... فكيف يمكن أن تعتذر لقلب تعمّدت قتله بأبشع الطرق؟
لا يعلم أن الخنجر الذي غرزته في قلبه مرّ على قلبها أولًا، وأن الدموع التي هطلت من عينيه هطلت من عينيها قبلَه. لقد ذرفت من الدموع ما يكفيها لأعوام، ولكن ما حيلة قلب إن كان العذاب والحزن قدره...!
استفاقت كاميليا من بحر أحزانها على أصوات التحطيم وصراخ يوسف الذي يصمّ الآذان، فانخلع قلبها خوفًا ووجعًا، ولم تشعر بقدميها وهي تهرول خارج الغرفة لتُصعق عيناها بما رأته...
شَعر مشعّث، ذقن نامية غير مهندمة، عينان حمراوان من ذرف الدموع، صدر يعلو ويهبط من شدة الغضب والحزن أيضًا. أين اختفى أميرها ذلك الوسيم الذي تتصارع أجمل النساء على نيل نظرة منه؟
ماذا حلّ بزُرقة عينيه الصافية كالبحر؟ ما هذه الخطوط الحمراء التي تخترق زرقتها فتصبح كبركة من النيران؟
هل حوله خُذلانها له إلى ذلك المسخ...؟
جف حلقها من هول مظهره، فلم تشعر إلا باندفاعها تجاهه تحتويه بلوعة أمّ جُرح صغيرها...
ولكن لم تبخل عليها الحياة بصفعاتها، التي تلقتها هذه المرة على هيئة رفض مهين لقلبها العاشق...
ابتعدي عني!
صرخ بها يوسف، الذي ما إن رآها تندفع نحوه حتى اندفع عقله صارخًا:
كفااااك...
فالشفقه لم ولن تَلق بنا أبدًا. ليُفسر لنفسه أن تلك اللهفة والوجع الكامن بعينيها ما هو إلا شعور بالشفقة على حالته التي أوصلها إليها خُذلانها...
أوعي تفكري تقربي مني تاني، فاااهمة؟ أوعي تلمسي حاجة مش ملكك...
توقفت كاميليا في مكانها وهي تراه يرفضها ككيان شيطاني غير مرغوب به، فاعتصر الألم قلبها، ليزيد من إذلالها قائلًا:
وأوعي تفكري إن اللي أنا فيه دا عشانك... لا. دا أنا بعاقب نفسي عشان في يوم قلبي دق لواحدة زيك...
ثم صمت قليلًا ليتابع وقع كلماته على ملامح وجهها، فتأكّد أنها أصابت مبتغاها، فقد أعماه الغضب والكبرياء عن رؤية ذبول وجهها ورعشة شفتيها التي تحوّل لونهما إلى الأزرق، فقد كانت كلماته تسحب الروح منها بلا شفقة على حالها...
ولكن مهلًا، فهل تنتظر العطف من قلب دُهست مشاعره بتلك القسوة؟
فتابع يبثها سموم كلماته:
لكن هستنى إيه من بنت زهرة!
لم يُمهلها الوقت للاستيعاب، فتابع يغمس سموم ألمه في منتصف قلبها حين قال:
تصدّقي وأنا قاعد كدا افتكرت لقطات من الماضي... افتكرت لما شفت واحدة متجوزة مع أخو جوزها... جوزها اللي كان كل خلافه مع أهله عشان اتجوزها... اللي عمره ما عصى أبوه غير عشانها... اللي كان بيحارب الكل عشان خاطرها... هستنى أنا إيه بقى من بنتها؟
كانت كلماته كأسهُم مسمومة تخترق قلبها، فانتزعت منه كل معالم الحياة حتى أفقدتها القدرة على النطق، فتابع هجومه الضاري:
عرفتي ليه بقى كانت دايمًا مرات عمي تقولك "يا بنت زهرة" وكأنها بتشتمك؟ عرفتي ليه كانت بتبصلك كإنك وصمة عار في حياتنا؟ عرفتي ليه جدي عمره ما طبطب عليكي ولا قرّب منك زينا؟ كان دايمًا بيتعامل معاكي بتحفظ زي ما يكون قرفان منك...
أعماه الغضب وجشع كبرياؤه للانتقام عن ملاحظة بشاعة كلماته عليها، فتابع بنبرة مغلولة:
للأسف هما كان عندهم حق في كل حاجة كانوا بيعملوها فيكي وفي أمك... إنتو فعلًا عار علينا...
إن كان الموت فقط من سينتشلها من هذه الحياة الكريهة التي لم ترحم يومًا ضعفها وأدمت براءتها بشراسة، فأهلًا به...
ابتسمت كاميليا بوهن، كمجاهد يعلم أن بعد كل المعارك والألم سوف يُكافأ بدخول الجنة. فهي جاهدت كثيرًا لتظل صامدة في مواجهة صفعات الحياة منذ أن مات والداها، وهي تتلقى صفعة تلو الأخرى، تُعاقب على أشياء لم تقترفها يومًا، وتضعها الحياة باختبارات ليست لمن في عمرها...
ولكن تلك المرة خارت كل مقاومتها، وصرخ بها قلبها: "رِفقًا بنا... فلنترك تلك الحياة البائسة التي كانت التعاسة فيها من نصيبنا، ولنذهب إلى حيث السلام الأبدي الخالي من ظلم البشر وقسوتهم... فإن نلنا العقاب، فسيكون على ما اقترفته أيدينا، وليس على ما نُسب إلينا قهرًا..."
وأخيرًا أشفق جسدها عليها وخارت قواها، فسقطت دون حراك...
لا تلومونا على قسوتنا، بل لوموا أفعالكم التي تُخرج أسوأ ما فينا وتقتل المشاعر بداخلنا، فتُشعرنا بأن طيبتنا كانت غباءً علينا تحمّل نتائجه...
فما أقسى أن يتحول قلبك إلى مقبرة تُدفن بها جميع مشاعر الحب التي أغدقتها على من لم يستحقها يومًا...
فالخذلان ما إن طال قلب إنسان حتى امتصّ منه جميع المشاعر الآدمية، مستبدلًا إياها بتلك المرارة التي تجعل من ذلك القلب مسخًا لا يشعر، ينبض فقط ليحيا...
فمرارة الخذلان من أبشع ما قد يتذوقه الإنسان في حياته...
نورهان العشري ✍️
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
-
غرام.. أنا بحبك.
لم تتفاجأ غرام كثيرًا من تصريح أدهم بحبه لها، فها هو منذ أسبوع يتقرّب إليها؛ كان دائم التواجد معهم في المشفى صباحًا، ودائم الحديث معها على الهاتف ليلًا، في ظل غياب مازن الذي كان يبحث عن يوسف وكاميليا في كل مكان. وبالطبع لم تخلُ أحاديثهما من تلميحاته إلى حقيقة مشاعره نحوها.. ولكن، لماذا يخفق قلبها بقوة هكذا؟! فقد كان على وشك الخروج من بين ضلوعها، أو هكذا شعرت.
لم تكن قادرة على إخفاء سعادتها، فهي منذ شجارهما الأول تشعر بأشياء غريبة لم تداهمها من قبل؛ كانت دائمًا ما تفكر به، دائمًا تحتل عيناه أحلامها، التي غالبًا ما تنتهي بكوابيس، وهذا ما كان يُخيفها. ولكن بعد أن أخبرها بعشقه، تبخرت كل مخاوفها. فها هو بطلها، الذي لطالما حلمت به وتمنته، قد أتى ليختطفها بحبه ويُحلّق بها إلى أعلى السماء.
أخرجها من شرودها كلماته التي لم تجد لها تفسيرًا، ولكن سعادتها بتلك اللحظات أعمتها عن البشاعة التي تغلفها:
ما تقنعنيش يعني إنك أول مرة حد يقولك كده؟
كان أدهم، منذ أن ألقى بكلمته التي أقسم ألّا تخرج منه مطلقًا، يراقب تعبيرات وجهها؛ بدءًا من اتساع بؤبؤ عينيها، إلى ذلك الاحمرار الذي غزا وجنتيها، فبدت أشهى من ذي قبل، ويديها التي أخذت تعتصرهما في حضنها.
كل تلك الإشارات كانت تدل على عذرية قلبها الذي لم يطله العشق من قبل...
ولكن شبح الخذلان كان يتلبسه في تلك اللحظة، كشيطان يوسوس له بتلك الأفكار المسمومة عن كون جميع النساء كاذبات، وأن ما يراه لا شيء سوى ستار تُخفي به عُهر قلبها. يؤكد له وسواسه هذا بمواقف مماثلة أعماه فيها قلبه، فلم يكن نصيبه سوى الخذلان والسخرية من مشاعره.
أخيرًا تحدثت غرام بصوت مبحوح من فرط الخجل، يكاد يُسمع:
أنا ممكن مش أول مرة أسمعها.. بس أول مرة أحسها كده.
ابتسم أدهم في داخله بسخرية؛ فها هي كلماتها تؤكد صدق ظنونه نحوها، متجاهلًا المعنى الآخر لحديثها. فهي فتاة جميلة، بل فائقة الجمال، يتلهف الشباب عليها؛ ودائمًا ما كانت تسمع كلمات الغزل والإعجاب، وأحيانًا الحب من الكثير من الرجال، منهم زملاؤها وأقاربها. لكنها كانت دائمًا ما ترفضها بحزم، وتخبئ جميع مشاعرها لذلك الفارس الوسيم الذي سيخطف قلبها كما تقرأ في رواياتها...
كنت متأكد من كده.
قالها أدهم بسخرية، فقبضت جبينها وسألته مستفهمة:
يعني إيه؟ مش فاهمة.
أبدًا يا سِتّي... بس أنا "أدهم الحسيني"، مفيش واحدة تقدر تقاومني.
هكذا تحدث ساخرًا، فابتسمت قائلة بمزاح:
يا سيدي على التواضع! وبعدين كل شوية "أدهم الحسيني.. أدهم الحسيني!" مين "أدهم الحسيني" ده إن شاء الله؟
اقترب يناظرها بقوة قبل أن يُضيف بثقة:
اللي خطف قلبك.
كان ينظر في عينيها بقوة، فقد كان يستخدم جميع أسلحته للإيقاع بفريسته التي لا حول لها ولا قوة أمام سحره ووسامته. فرجل مثله يعرف جيدًا ما عليه فعله للإيقاع بالمرأة وهدم حصونها، محطّمًا بغروره أسوارها وقلاعها. لقد كان يجيد فنون العشق ويمارسها بغطرسته وعنفوانه، مثل جندي يحارب ببسالة من أجل قضيته... فقد كان يحارب من أجل نظريته التي كانت كصبّار غرسته حقارة امرأة في قلبه لم تعرف للشرف سبيلًا، فبات يراها في جميع النساء، ويتخيل كل النساء مثلها.
أربكتها كلماته كثيرًا، فقالت معاندةً لدقات قلبها الثائرة:
وده مين قالك كده؟ أنا مش فاكرة خالص إني قلتلك حاجة زي دي.
أخذ ينظر إليها بعشق لا يجرؤ على الإفصاح عنه، ثم قال بنبرة شغوفة مغلفة بالمكر:
عيونك.. وقلبك اللي سامع صوت دقاته من وأنا في مكاني.. هما اللي فتنوا عليكي وقالولي.
إحم.. وقالولك إيه بقى؟
هكذا تحدثت هامسة، فأجابها بخشونة:
قالولي إني متربع على عرش قلبك.
ثم قرّب خصلة شعرها من أنفه قبل أن يقول بمكر:
بس إنتِ عندك حق... والغَلطة دي عندي.
غرام بتيه من كلماته التي بعثرتها:
هااه؟ غلطة إيه؟
تجاهل استفهامها قائلًا بجفاء:
هعدي عليكي النهارده بالليل الساعة تمانية... تكوني لابسة أحلى فستان عندك.
تنبهت لكلماته التي انتشلتها من بحر المشاعر التي أغرقها بها، فابتلعت ريقها وقالت مستفهمة:
ليه؟
أجابها بنبرته الخادعة وعينيه التي تُشبهها:
عشان الأمير الوسيم هييجي يخطف الأميرة الجميلة للقلعة بتاعته... ويعترف لها بحبه بالطريقة اللي تليق بيها.
ثم مرّر يده على ذقنه قائلًا بمكر:
ويقنعها إنها بتحبه... ويسمع منها اعترافها بالطريقة اللي تليق بيه وترضيه.
لم يُتح لها المجال للرد، فما إن أنهى كلماته حتى اعتدل في مقعده وقاد سيارته بسرعة شديدة.
أما هي، فقد كانت مشدوهة صامتة غير قادرة على استيعاب تلك المشاعر التي اجتاحتها. وظلت شاردة لوقت ليس بقليل، تفكر بكلماته التي جعلتها تُحلّق إلى السماء السابعة. أخرجها من شرودها صوته قائلًا:
وصلنا.
كانت غارقة بأحلامها الوردية، فلم تلحظ وصولهما، فقالت بتشتت:
هااه.. إحنا فين؟
في هدومنا.
قالها بسخرية، فاغتاظت من سخريته التي انتشلتها من عالمها الوردي، فقامت بلكزه في كتفه، مجعدةً ما بين حاجبيها بطريقة طفولية جميلة، قبل أن تقول ببراءة:
على فكرة بقى.. إنت رخيم، وأنا زعلانة منك. هااه، واتفضل صالحني بقى عشان فصلتني.
ثم مطّت شفتيها وشبكت يديها بغضب مصطنع.
صرخ صوت في أعماقه قائلًا: كيف لك أن تغفل عن كل تلك البراءة؟
ولكن أسكته في التوّ ذلك الشيطان المستوطن قلبه، متخذًا من تلك الندبة بداخله مسكنًا له. اندفع مُكممًا صوت قلبه: ما ذلك سوى مكر وخداع.. فهذا ما خُلقت النساء عليه.
حاول أدهم السيطرة على غضبه من تلك التخبطات وذلك الصوت الذي يداهمه ليقضّ مضجعه، معنّفًا إياه بشدة على كذبته الحقيرة وما انتواه لها، ليقول بصوت حاول جاهدًا أن يكون ثابتًا:
مش وقت دلعك ده... يلا عشان ننزل نجيب مامتك. الدكتور كتب لها خروج.
صدمتها كلماته بشدة، فشعرت وكأن دلوًا من الماء سُكب فوق رأسها، فقالت بصوت ضعيف من فرط الحرج:
تمام.
ثم ترجلت من السيارة دون أن تنظر إلى ذلك الذي يسير خلفها، لاعنًا نفسه ألف مرة على حقارته معها...
يقولون دائمًا: كُلٌّ يرى بعين طبعه، لكني أرى أن تلك المقولة يجب تعديلها لتصبح: كُلٌّ يرى بعين قلبه.
فها هي تراه بقلبها النقي فارسها الوسيم، الذي يرتدي الأبيض الذي يشبه بياض قلبها، بينما هو يراها بقلبه الأسود المليء بالندبات البشعة، ليست سوى بائعة هوى مثل سابقتها.
فكيف لقلب مليء بهذا السواد أن يُبصر كل ذلك الكم من البراءة؟
*********
كان علي يحزم حقائبه عازمًا على الرجوع إلى الإسكندرية بعدما فشلت كل الطرق في معرفة طريق يوسف وكاميليا.
فزفر حانقًا، فهو يشعر بداخله أنه فشل في حمايتها، وأيضًا لم يستطع تنفيذ وعده لأمه، التي كلما هاتفها للاطمئنان على صحتها بعدما صرح الطبيب باستقرار حالتها ونقلها لغرفة عادية، كان يشعر في نبرة صوتها بأنها تلومه على فشله في معرفة مكانها.
أخرجه من شروده رنين هاتفه، فترك ما بيده والتقط الهاتف فوجد رقمًا غير مسجل، فأجاب:
ألو... ألو.
نبرة صوته الجذابة وتلك البُحّة الرجولية أفقدتها صوابها، فلم تقدر على التفوه بكلمة واحدة، فهي منذ ذلك اليوم الذي أتى فيه إلى منزلهم، وصورته لم تفارق خيالها، خاصةً عندما وقف في وجه جدها كالصخر لا يلين أبدًا ولم يهزه تهديداته. لكنها كانت تقنع نفسها أنها ستفعل ذلك لحماية إخوتها، ولهذا أخذت رقم هاتفه من مازن، الذي جاء في الحال ما إن هاتفته صفية منهارة تقص عليه ما حدث بين علي وجدها.
اهدي اهدي كده يا روفان، مازن طمّنك وقالك إنه إنسان كويس، وميقصدش حاجة من تهديداته دي، هو بس خايف على بنت خالته ومكنش يعرف طبيعة العلاقة اللي بين يوسف وكاميليا. أكيد لما يعرف هيعذر يوسف ومش هيأذيه أبدًا.
هكذا حدّثت نفسها.
أما عند علي، الذي أغلق الخط وأخذ يتذكر ما حدث بينه وبين رحيم وتلك الجميلة التي كانت تُلاحقه في منامه، صورتها دائمًا... لا يدري ماذا حصل له، فمنذ أن رآها وصورتها مطبوعة بخياله. مازال يتذكر نغمة صوتها الرائعة، لكنه حدّث نفسه قائلًا:
فالح يا خويا! جيت عشان تاخد بنت خالتك اللي خطفها يوسف الحسيني ورجعت من غير بنت خالتك، لا وكمان شكلهم كده خطفوا قلبك. العيلة دي خطر فعلًا، ومبيجيش من وراها غير التعب.
عودة إلى وقت سابق
رحيم بيه أحب أعرفك بنفسي، أنا الرائد علي ها...
مفيش داعي تكرر اسمك عشان عرفته، ولا في داعي تقول رتبتك مرة تانية، عشان صدقني تبقى غلطان لو فكرت إنك بتهددني بيها.
تحدث علي ساخرًا:
كالعاده رحيم بيه بيتسرع في الحكم عالناس. وصدقني مش رتبتي اللي ههددك بيها يا رحيم بيه... لا.
اغتاظ رحيم من نبرة السخرية في صوته فقال بغضب:
إنت مجنون! إنت مش عارف إنت بتكلم مين؟
علي بنفس لهجته الساخرة:
لا، عارف. إنت اللي متعرفش إنت بتكلم مين ومش مدي نفسك فرصة تعرف. أنا علي هاشم ابن فاطمة عز الدين... بيفكرك بحاجة الاسم ده؟
قطّب رحيم جبينه بتفكير، ثم اتسعت عيناه قائلًا:
سالم هاشم جوز فاطمة عز الدين! إنت...
قاطعه علي قائلًا بغرور:
بالظبط. أنا ابن الدكتور سالم هاشم، ابن اللواء هاشم السباعي صديق عمرك. وأبقى كمان ابن خالة كاميليا حفيدتك، اللي يوسف بيه حفيدك أخدها وخطفها ومحدش عارف وداها فين ولا عمل فيها إيه؟
قالها علي بترقب لملامح وجهه لمعرفة ما إن كان يعرف أم لا.
شعر رحيم بالمفاجآت تنهال عليه واحدة تلو الأخرى، ولكن مهلًا... هل وصل يوسف لكاميليا؟ كيف؟
إنت بتقول إيه! يوسف عرف مكان كاميليا إمتى؟ وازاي؟
تشّدق علي ساخرًا:
واضح إن رحيم بيه معدش مسيطر زي زمان. بقي معقول متعرفش إن يوسف عرف مكان كاميليا؟ دانت كنت زمان دَبّة النملة مكنتش بتخفي عليك. إيه كبرت ولا إيه؟ ولا ده عقاب ربنا عشان ذنب الإنسانة اللي ظلمتوها وعذبتوها زمان وحرمتوها من أختها الوحيدة؟ أنتو وجدّي المحترم وأمهم اللي ماتت بحسرتها من حزنها على بناتها اللي وقعوا في إيد أكتر اتنين ظلمة في الدنيا.
صاح رحيم بانفعال:
اخرس يا ولد! إنت أمك وخالتك هما اللي غلطوا لما بصّوا لفوق أوي... بصّوا لناس مكنوش يحلموا حتى يشوفوهم من بعيد.
علي برزانة لا تخلو من الحزم:
دي أفكاركوا الرجعية هي اللي كانت بتصوّركوا كده. بس الحمد لله، أبويا مكنش بيفكر زيكوا. اختار قلبه وأخد أمي ومشي بعيد عنكوا وعن ظلمكوا، وحماها منكوا وأنقذها من مصير بشع زي مصير خالتي زهرة. ويشاء ربنا إن بنتها تيجي بعد كل السنين دي وتهرب منكوا وترجع لأهلها اللي خبيتوها عنهم كل السنين دي. شوفت؟ الدنيا دي طلعت صغيرة أوي، مش كده؟
زفر رحيم قائلًا بتعب، فلم يعد قادرًا على احتمال أثقال قلبه:
إنت جاي عايز إيه يا علي؟
جاي أعرفك وأعرف يوسف وأعرف عيلة الحسيني كلها، إن محدش هيقدر يدوس لكاميليا بنت خالتي على طرف طول ما أنا عايش. وياريت توصل الكلام ده لحفيدك الغالي.
قال جملته الأخيرة بسخرية أيقظت وحوش غضب رحيم، الذي زجره بعنف:
إنت اتجننت! جاي تهددنا في بيتنا؟ أنا لولا إني محترم جدك ومحترم صداقتنا كان زماني...
قاطعه علي بصرامة:
متقدرش تعمل حاجة لا إنت ولا هو. كلامي خلص. ياريت توصل الرسالة دي ليوسف، عشان صدقني لو وقع في إيدي مش هسيبه.
تحدث رحيم ساخرًا برغم غضبه وخوفه على حفيده:
وحتة عيل زيك هيعمل إيه بقى في حفيد رحيم الحسيني؟
علي بغضب مكبوت لسنوات من بطش ذلك العجوز:
هنوّلك شرف إنك تقف تاخد عزاه. الصندوق اللي فيه جثته هتلاقيه داخل من الباب ده في أي وقت لو بنت خالتي مظهرتش.
قال جملته الأخيرة بوعيد لم يخطئ رحيم في فهمه، ثم غادر بشموخ كما جاء.
تقابلت عيناه بعينيها للحظات، فشعر بوخزة داخله حين رأى تلك النظرة المُرتعبة في عينيها. فهو لم يكن أبدًا ممن يستغلون رتبهم ونفوذهم، وليس بقاتل أيضًا، لكنه كان لابد أن يفعل ذلك حتى يُخيفهم ويمنعهم من إلحاق الأذى بكاميليا، مثلما كانوا يفعلون مع خالته كما أخبرته والدته.
عودة للوقت الحالي
اهتز هاتفه بين يديه فاستفاق من شروده قائلًا بملل:
وبعدين بقى في الرقم اللي كل شوية يرن وميردش ده؟
ألو... ألو؟
كان علي على وشك إلقاء السباب، لكن أوقفه ذلك الصوت العذب الذي كان يغزو أحلامه ويؤرق منامه:
ألو... الرائد علي هاشم؟
ما إن نطقت اسمه بتلك اللهجة المرتبكة حتى شعر بدقّة قوية في قلبه، فصمت لثوانٍ يتخيلها أمامه تنطق اسمه بتلك الطريقة. أيعقل أن يكون هذا حلمًا؟ وإلا كيف وصلت إلى رقم هاتفه؟ فقال بصوت حاول أن يكون ثابتًا:
أيوه، أنا الرائد علي. مين بيتكلم؟
قالت روفان متلعثمة:
أ.. أنا روفان.
أراد مشاكستها قليلًا، فقال بجفاء:
روفان مين؟
اندفعت قائلة بحزن من عدم تذكره لها:
روفان الحسيني! هو إنت نسيتني؟
آه افتكرت... أهلا يا آنسة روفان.
قالها بجفاء، فأجابته برقة:
أهلا يا سيادة الرائد.
خير؟ أقدر أعرف إيه سر اتصالك ده؟
قالها علي ليحثها على الحديث عندما وجدها قد لاذت بالصمت. فقالت بخفوت يشوبه الخجل:
في الحقيقة أنا كنت عايزة أقابلك... يعني، ده لو مكنش يضايقك؟
لا، يضايقني إيه؟ ميضايقنيش ولا حاجة.
قالها علي باندفاع، خشية أن تسحب عرضها. فها هي فرصته جاءت على طبق من فضة، فقد اختطفته تلك الشقية ببراءتها وجمالها وعينيها الناعستين. فقد كان طوال الأسبوع المنصرم يفكر بها، ويلعن حظه الذي جعله يظهر وكأنه عدو لها ولإخوتها.
تنحنح علي خجلًا من اندفاعه وقال محاولًا أن يبدو جادًا في حديثه:
خير، في حاجة كنتِ عايزاني فيها؟
يعني أكيد لما نتقابل هقولك...
تحدث علي بثبات ينافي ابتهاج قلبه من طلبها:
تمام، زي ما تحبي.
أوك، ممكن نتقابل في (....) النهارده الساعة 7؟ كويس؟
كويس... هتيجي لوحدك؟
كان سؤالًا عابرًا، ولكنه أغضبها فقالت:
إيه هاجي لوحدي دي؟ هو أنا صغيرة ولا إيه؟
لم يستطع منع قهقهاته على غضبها، فتعمد إغضابها أكثر قائلًا:
أبدًا والله ما قصدت. بس فكرت بنت عمك الأمورة دي هتيجي معاكِ.
صدمها حديثه فقالت باستنكار:
نيفين؟ هو إنت عايزها تيجي؟
شعر بأنه خطا إلى أمور حساسة بالنسبة لها، فقال مُصححًا:
لا أبدًا، ده مجرد سؤال.
تحدثت بجفاء أذهله:
مجرد إجابة: لا، مش هتيجي معايا. لأني مش جاية أتفسّح مع حضرتك يا سيادة الرائد. أنا جاية لك بخصوص يوسف وكاميليا، ونيفين آخر واحدة ينفع أتكلم قدامها عن أي حاجة تخصهم.
لم يطل في الحديث، إنما قال بهدوء:
تمام يا آنسة روفان، مستنيكي في المعاد والمكان اللي اتفقنا عليه.
أغلق المكالمة وألف سؤال يدور بعقله: لماذا اتصلت به؟ ولماذا تريد أن تحادثه بشأن يوسف وكاميليا؟ هل يمكن أن تخبره بمكانهما؟ ألا تشعر بالخوف منه، مما حدث بمنزلهم وتهديده الصريح لجدها؟ من أين جاءت برقم هاتفه؟ أيعقل أن تأخذه من مازن، وهو الذي تجاهل اتصالاته طوال الأسبوع المنصرم؟
زفر علي حانقًا وقال بملل:
أنا هغلب نفسي ليه! لسه كلها كام ساعة وأعرف كل حاجة.
****************
يلا يا ماما يا حبيبتي أنا جهزت كل حاجة عشان نمشي.
قالتها كارما بسعادة فقد استعادت والدتها عافيتها وطمأنهم الطبيب بأن حالتها أصبحت مستقرة ولكن حذّرهم من أن تتعرض لصدمات أخرى فقلبها لن يحتمل.
قلبي واجعني على بنت خالتك أوي يا كارما، حاسة إن فيها حاجة.
يا ماما يا حبيبتي متقلقيش، انتِ بنفسك شفتي يوسف وقلتي قلبك انشرح له وكنتي مستغربة ليه كاميليا هربت منه؟
معرفش يا كارما، قلبي واجعني النهارده أوي وشفت كابوس وحش. أنا مش هستحمل كاميليا تضيع مني زي أمها.
بعد الشر يا ماما ما تقوليش كده. إن شاء الله كاميليا هترجعلك تاني وكل حاجة هتبقى زي الفل. وبعدين مش يمكن تتصالح مع يوسف؟ انتِ شفتي هي بتحبه قد إيه وكانت بتتعذب في بعدها عنه. أنا معرفش إيه اللي حصل ممكن يخليها تهرب منه وهي بتحبه كده، وخصوصًا إنها أكدت لنا إنه عمره ما عملها حاجة وحشة.
فاطمة بعدم فهم:
والله ما أنا عارفة يا بنتي، ربنا يحنن قلبه عليها ويهديهم لبعض.
أوقفهم عن الحديث ذلك الطرق على الباب ودخول غرام وأدهم خلفها لتقول غرام بمرح كعادتها:
إيه ده إيه ده، إيه الحلاوة دي يا طمطم! وآل عملالنا فيها تعبانة آل؟
يا بت بطلي بكش، انتِ متعرفيش تتكلمي كلمة واحدة جد أبدًا.
متبقاش غرام لو عملت كده.
فاجأهم ذلك الصوت الآتي من خلفهم الذي انتفض له قلب كارما، فالتفت جميعهم مرحبين بمازن الذي كان قد وصل لتوه من القاهرة.
وأنا بقول الجو بقى خنيق ليه كده، اتاري سيادتك وصلت بالسلامة!
هكذا تحدث أدهم ساخرًا، فأجابه مازن:
تصدق أنا مؤدب ومش هرد عليك.
ثم اقترب منه هامسًا في أذنه:
مش حلوة مني أبعزق الهيبة دي قدام المزة برضه..
اختتم كلامه بغمزة، فهو قد رآه عندما كان مع غرام بالسيارة.
ارتبك أدهم قليلًا من حديث مازن ولكنه أجاب بثبات وقال ساخرًا:
مؤدب أوي ياخويا، انت هتقولي!
اقترب مازن من فاطمة قائلًا بمرح:
إيه يا بطوط الحلاوة دي، ده البت غرام عندهم حق! في حد يبقى حلو كده وهو تعبان؟
فاطمة بمزاح:
أيوه، اضحك عليا وكل بعقلي حلاوة يا واد انت.
أنا أقدر برضه.
ثم رفع رأسه موجهًا حديثه لكارما التي كانت تقف خلف والدتها وأكمل بعشق:
ده انتِ حبيبتي وروح قلبي، في حد يضحك على حبيبته برضه؟
خجلت كارما كثيرًا من عدم خجله في إظهار مشاعره أمامهم، فأخفضت رأسها هربًا من عينيه. فلكزته فاطمة في كتفه وقالت متصنعة الغضب:
احترمني يا وله، هتحب فيها وأنا قاعدة؟
مازن بصياح:
إيه يا خالتي، إحنا هننصب؟ ما انتي عارفة اللي في قلبي.
فاطمة بتقريع:
أيوه يا عين خالتك، بس إحنا بينا اتفاق ولا نسيت؟
كارما وغرام بصوت واحد:
اتفاق إيه يا ماما؟
عودة إلى وقت سابق:
إيه يا فطومة كده تقلقينا عليكِ؟
نظرت إليه فاطمة بحزن تجلى في نبرتها حين قالت:
كاميليا يا مازن، يوسف خطفها وأكيد هيأذيها زي ما عملوا في أمها.
مازن بطمأنة:
مفيش الكلام ده يا خالتي، صدقيني يوسف بيعشق كاميليا وعمره ما هيأذيها. كل الموضوع إنه اتجنن لما هربت منه، خصوصًا بعد كتب كتابهم بأسبوع من غير أي أسباب.
يقوم يخطفها يا مازن! بدل ما ييجي يكلمني ويقول لي وأنا أعرف منها حصل إيه؟ ده دخل بيتنا وكل فيه عيش وملح وشافنا عاملين إزاي!
مازن بتوضيح:
وحضرتك برضه شفتيه عامل إزاي، ما هوش مجرم ولا قتال قتلة. وأنا واثق إنك ليكِ نظرة في الناس وعرفتي إذا كان يوسف كويس ولا وحش.
فاطمة بتعب:
والله ما أنا عارفة أقولك إيه يا ابني، يارب يطلع كلامك صح. كاميليا دي الحاجة الوحيدة اللي باقيالي من ريحة أختي الله يرحمها، ومش هقدر تضيع مني تاني.
مازن بطمأنة:
وأنا بأكدلك إن مفيش الكلام ده، وإن يوسف بنفسه هو اللي هيجيب كاميليا لحد عندك. بس دول راجل ومراته ومحدش ينفع يتدخل بينهم.
عاندته بقلب يتألم خوفًا من الفقد:
أيوه يا مازن، بس قلبي واكلني عليها غصب عني.
مازن بنفاذ صبر:
يعني هو هيأكلها يعني يا خالتي؟ دي مراته! وبعدين اطمني، كاميليا بنظرة واحدة بتجيب يوسف الأرض.
ابتسمت فاطمة فتابع:
يوسف الحسيني اللي الناس بترتعش منه، كاميليا بنت أختك بتقدر تهديه وتمتص غضبه بكلمة واحدة.
ثم قال بنبرة ماكرة:
طالعة لخالتها، فاكرة يا خالتي عمي سالم الله يرحمه؟ كنا نعمل مصيبة من دول أنا وعلي، كان يهد الدنيا على دماغنا، وبكلمة حلوة منك كان يهدي ويصالحنا كمان. طول عمرك مسيطرة يا فطوم.
لكزته فاطمة وهي تقول بتوبيخ:
بطل قلة أدب يا واد انت، عيب.
ابتسم مازن قائلًا:
بقولك إيه يا فطوم، سيبك من كاميليا ويوسف يولعوا، عايزك في موضوع أهم منهم.
فاطمة متصنعة عدم الفهم:
موضوع إيه يا حبيبي؟
هتصيعي عليا يا فطوم؟ يعني ما خدتِش بالك إني هموت على كارما؟
هتموت مرة واحدة يا مازن! ده انت مشوفتهاش غير كام مرة بس.
مازن بنفاذ صبر:
إحنا هنهزر يا خالتي؟ كارما بتاعتي من يوم ما اتولدت، ولولا اللي حصل لبابا وماما ده كان زمانها مراتي.
اختنق صوته عند ذكر والديه، فرق قلب فاطمة وقالت بحنو:
الله يرحمهم يا حبيبي، ادعيلهم يا مازن ومتحملش نفسك ذنب مش ذنبك يا ضنايا.
الله يرحمهم.
قالها بألم واقترب منها ممسكًا بيدها مضيفًا:
أنا بحب كارما أوي يا خالتي، ومنستهاش ولا لحظة. قلبي كان مختوم بحبها ومقفول عليها السنين اللي فاتت. متحرمنيش منها أرجوكِ.
يا حبيبي يا مازن، قد كده بتحبها؟
وأكتر كمان والله. ونفسي تبقى مراتي النهارده قبل بكرة، بس بعد موضوع كاميليا ويوسف ده حصل خلاف بينا أنا وعلي...
طمأنته فاطمة حين قالت:
متقلقش من ناحية علي، سيبه عليا. هو قلبه أبيض وبيصفي بسرعة، وكمان بيحبك وبيعتبرك أخوه. هو اتحمق عشان كاميليا لأنه بيعتبرها أخته. أنا أهم حاجة عندي كارما اللي انت جرحتها ووجعتها بغيابك. انتوا فاكرني مش عارفة حاجة بس أنا عارفة كل حاجة.
مازن بمزاح:
قربا يا فطوم.
بطل طولت لسان واسمعني. أنا موافقة على جوازك من كارما بس عندي شرطين.
قاطعها مازن قائلًا بمرح:
من أولها بتتشرطوا؟ أمال إيه "ابني وضنايا" والكلام ده كله؟ بتثبتيني عشان تجيبي رجلي؟
ليه يا حبيبي، هي كارما بايرة؟ دي ألف واحد يتمناها.
مازن متصنعًا الغضب:
شاوريلي عالألف دول بقى عشان أروح أفجرهم كلهم! وبعدين يا خالتي، ده أنا عنايا ليكِ مليون شرط مش شرط واحد.
فاطمة بمرح:
أيوه كده اتعدل. أول شرط إن مفيش حاجة هتتم غير لما كاميليا تظهر وأطمن عليها.
هم أن يقاطعها، فأسكتته بيديها قائلة:
اسمع للآخر... تاني شرط إن في الفترة دي تحاول تصلح اللي انت عملته وتداوي القلب اللي جرحته، وماتقولش ولا حرف. يا إما هرجع في كلامي وأقولك ما عنديش بنات للجواز.
مازن بلهفة:
لا، ما عندكيش بنات إيه؟ ده أنا أروح فيكوا في داهية! بصي يا خالتي، أنا طلبت نقلي للإسكندرية وهلزقلكوا هنا لحد ما تزهقوا وتجوزوهالي.
فاطمة بمكر:
والله لو عملت أرجوز، ما هجوزهالك غير لما أطمن على كاميليا.
أوعدك يا خالتي، هجيبلك يوسف وكاميليا من تحت الأرض، بس خليها ترضى عني.
لا، دي بتاعتك بقى. أنا هفتحلك المجال وانت عليك تراضيها وتقنعها بمعرفتك.
صاح مازن بفرح قائلًا:
أحلى فاطمة في الدنيا! ربنا يخليكِ لينا يا خالتي. بصي، أنا هخلع يومين هنزل فيهم القاهرة أشوف يوسف ممكن يكون راح فين، وبالمرة أتابع ورق النقل بتاعي، وهرجع أحاول أصالح بنت المجنونة اللي برا دي.
اتلم يا واد، بدل ما أنا اللي هوريك الجنان يبقى إزاي. والاتفاق ده خليه بينا. ويلا عشان ما تتأخرش عالسفر.
لا خلاص خلاص، عيل وغلط. خلي بالك من نفسك ومنها. أدهم هيفضل هنا عشان لسه قدامه شغل، هيشوف لو محتاجين حاجة طول ما أنا وعلي مسافرين.
باين عليه طيب وابن حلال.
هكذا تحدثت فاطمة بنبرة ذات مغزى وصل على الفور إلى ذهن مازن الذي قال:
آه والله، وسينجل وبيدور على عروسة. وشكله كده وقع على جدور رقبته.
يلا يا واد بطل رغي وامشي، روح شوف وراك إيه.
أوامرك يا فندم. يلا سلام.
وما إن هم بالخروج من الغرفة حتى نادته فاطمة قائلة:
مازن، خلي بالك من كارما يا مازن. أوعي تكسر قلبها، وقتها أنا اللي هقفلك.
كارما دي أغلى حاجة عندي في الدنيا. عمري ما هقدر أأذيها. أموت ولا إني أفكر حتى.
بعد الشر عنك يا حبيبي، ربنا يفرحني بيكوا ويطمن قلبي على اللي غايبة دي ومعرفش أراضيها.
عودة للوقت الحالي:
ده موضوع كده بيني وبين مازن، مش لازم كل حاجة تعرفوها.
قالتها فاطمة بغموض، فقال أدهم:
تمام يا ست الكل. أهم حاجة إننا اطمننا عليكِ. يلا بقى عشان أروّحكوا البيت، عشان عندي معاد مهم أوي بالليل وعايز أجهز له.
ارتبكت غرام كثيرًا عندما سمعت حديثه، وغزا الاحمرار وجنتيها. فلاحظت كارما حالتها، فهمّت بالحديث قائلة:
طب معلش يا أدهم، وصل ماما وغرام. أنا لسه هعدي عالجامعة هجيب المحاضرات اللي فاتتني من سُهى صاحبتي، وهاجي على طول.
فهب مازن قائلًا:
طب تمام، أنا هودي كارما تجيب محاضرتها وهنحصلكوا.
فوافق جميعهم وانطلق كلٌ منهم إلى وجهته.
***********
وحشتيني أوي
قالها مازن بعدما استقلا سيارته.
إنت ليه ماقولتليش إنك جاي النهارده؟
قالتها كارما بخجل.
كنت عايز أعملهالك مفاجأة.
قالها مازن بحب.
أنا اتفاجئت فعلًا، خصوصًا إنك كنت لسه بتكلمني من شوية وماقولتش حاجة.
ماقولتلك كنت عايز أعملهالك مفاجأة.. بس يا ترى عجبتك مفاجأتي؟
غزا الخجل وجنتيها ولهجتها فتبعثرت الحروف على شفتيها.
هاه..
اقترب منها مازن مستنشقًا رائحة شعرها الخلابة وأردف قائلًا:
أنا بعشق الفراولة اللي في خدودك دي.. بحبك يا كارمتي.
أما عند كارما فشعرت بالفراشات تطير في معدتها، ودقات قلبها تقرع كالطبول، وكادت تذوب من فرط الخجل.
فقهقه مازن عندما وجدها تتكور في مقعدها مطأطئة رأسها.
فقال من بين ضحكاته:
خلاص هتروحي فين؟ إنتِ لزقتي في الباب يا روحي.
ثم رفع رأسها قائلًا بعشق:
أوعي توطي راسك تاني طول ما أنا عايش.. راسك دي دايمًا مرفوعة. يلا عشان هنتغدى سوا.
ابتسمت كارما بخجل وهزت رأسها دليلًا على الموافقة.
فابتسم هو الآخر على خجلها الذي يروق له، وانطلق بسيارته.
---
على جانب آخر كان أدهم يقود السيارة وعينيه مُعلقة بتلك الجميلة التي سلبت قلبه، ولكن عقله يأبى الاعتراف بالهزيمة. ولم يكن يغفل عن السيدة فاطمة التي كانت كلما همت بالحديث تصمت في آخر لحظة، فوجه أدهم حديثه إليها قائلًا برزانة:
سامعك يا حاجة فاطمة.. قولي الكلام اللي كل ما ييجي يطلع تمنعيه على آخر لحظة. اسألي عن اللي إنتِ عايزاه وأنا هريحك.
ابتسمت فاطمة على ذكائه وقالت:
كنت عارفة إنك ذكي أوي يا أدهم بيه.. ذكاؤك باين في عينيك.
اسمي أدهم بس يا طنط.. ده أنا زي علي.
قالها أدهم بابتسامة صادقة ثم أردف:
ده من ذوق حضرتك، بس ده مش ذكاء ولا حاجة، إنتِ بس اللي باين عليكِ إنك متوترة وفي جواكي أسئلة كتير عايزة تعرفي إجاباتها.
مقصدش على كده.. أقصد على أسلوبك، بتعرف توصل للي قدامك صح.. معرفش دي موهبة ولا جت بالممارسة.
قالتها فاطمة وألقت عليه نبرة ذات مغزى، فتحمحم أدهم وتَصنّع عدم الفهم للمعنى المستتر لحديثها فقال مستفهمًا:
حضرتك تقصدي إيه؟ مش فاهم.
أقصد إن زي ما أنا شايفة الذكاء في عينيك.. شايفة برضو المكر. ماتزعلش مني أنا ست صريحة.
ابتسم أدهم وقال بحرج:
لا والله مش مكر.. دي شوية شقاوة كده يعني.
يعني مقلقش من شويتين الشقاوة بتوعك دول؟
كان الاستفهام يبدو عفويًا، ولكنه كان يخفي خلفه الكثير.
لا متقلقيش.. ده أنا غلبان أوي والله.
قالها أدهم بضحك، فشاركته فاطمة ضحكاتها. أما عند غرام فقد كانت تستمع إلى حديثهم بصمت تام، وكانت تُكمم ذلك الصوت في أعماق قلبها الذي يحذرها مما هي مقبلة عليه.
طب مادام إنت ملاحظ بقى فأنا عايزة أطمن على كاميليا.. قلبي وجعني عليها يا ابني.
أدهم بصدق:
بصي أنا مش هكذب عليكِ.. أنا معرفش يوسف وكاميليا فين، بس أقدر أضمنلك إن يوسف عمره ما هيأذي كاميليا أبدًا، عشان هي باختصار أغلى حد عنده في الدنيا.
همت فاطمة بالحديث، فأوقفها أدهم قائلًا:
اطمني يا حاجة فاطمة.. كاميليا في أمان مع يوسف، وعمرها ما هتكون في أمان غير معاه.
وأخيرًا وصلوا إلى وجهتهم، فهمّ أدهم بالانصراف بعد أن ساعدهم في الوصول إلى باب الشقة، فأصرت عليه فاطمة بالدخول.
هو ينفع يا أدهم يا ابني تيجي لحد هنا وما تدخلش تشرب فنجان قهوة؟ ده إنت بتشتمنا بقى.
خليها مرة تانية عشان حضرتك تعبانة.
ولا تعبانة ولا حاجة.. اتفضل ادخل، إنت طلّع عينك معانا طول الأسبوع وكفاية وقفتك مع البنات في غياب علي.
دخل أدهم وسط إلحاح من فاطمة التي استأذنت لتغيير ملابسها.
أنا هدخل أغير هدومي وهاجي نشرب القهوة سوا.. دي غرام عليها فنجان قهوة مالوش حل.
ثم أخفضت صوتها قليلًا قائلة:
أصل دي الحاجة الوحيدة اللي هي فالحه فيها.
فصدح صوت من المطبخ قائلًا:
سامعاكي يا ست ماما.
فضحك كل من أدهم وفاطمة على غرام، واتجهت فاطمة لغرفتها، في حين أن أدهم الذي ما إن وجدها تتوارى خلف باب الغرفة حتى أخذته قدماه لتلك التي احتلت قلبه، فتسمر في مكانه مما سمعه.
إيه يا حبيبي عامل إيه؟.. أنا بخير وماما كمان بخير.. آه والله زعلت لما معرفتش تيجي عشان تروحنا، بس الحمد لله اتحلت، صاحب علي جه وصلنا.. تمام يا قلبي خلي بالك من نفسك.. وإنت كمان هتوحشني.
انسحب أدهم بهدوء بدون أن تشعر به وهو يغلي من الغضب، فكلما يتجاهل عقله ورأيه في النساء ويقول إنها مختلفة، تصفعه حقيقتها التي صوّرها له شيطان خذلانه، ليتوعد لها بأقسى أنواع العقاب.
خرجت غرام حاملة القهوة لتقول بمرحها المعهود:
فنان قهوة بقى إنما إيه.. هتدعيلي عليها أصل دي تقريبًا أحسن حاجة بعرف أعملها زي ما ماما قالتلك.
نظر أدهم إلى ضحكاتها الجميلة، ملامحها البريئة، عفويتها الملحوظة، فقال محدثًا نفسه:
(هو في حد ممكن يمثل البراءة بالإتقان ده؟ ده حتى مرام بكل وساختها ماتجيش فيكِ حاجة.. وحياة أمي لاندمنك على اليوم اللي اتولدتي فيه.. ده إنتي خسارة فيكِ أمك وأخوكي.. صبرك عليا).
اقترب منها قائلًا بصرامـة:
اعتذري لمامتك، مش هقدر أشرب معاها القهوة عشان جالي تليفون مهم.
ثم توقف بجانبها وقال لها بحدة أخافتها:
أوعي تتأخري عن معادنا.. هبعتلك العربية تاخدك الساعة تمانية بالظبط.
ثم تركها وانصرف وسط دهشتها وذهولها.
********
-إيه يا حبيبي، هتاكلي إيه بقى؟
قالها مازن بحب، فأجابته بخجل:
أي حاجة، أنا مش جعانة أوي أصلًا.
غازلها قائلًا:
إن جيتي للحق أنا كمان مكنتش جعان، بس لما شفت عيونك الحلوين دول نفسي اتفتحت..
زجرته بوعيد:
مازن بطل نصب، عشان أصلًا لسه مسامحتكش، ومفتكرش إنك ممكن تضحك عليا بالكلمتين دول.
طب أضحك عليكِ بكام كلمة؟
قالها مازن بتسلية.
ولا بمليون كلمة يا مازن، عشان أنا مش زعلانة، أنا خايفة. قلبي مرعوب منك لتجرحه مرة تانية أو نقول تالتة.
هكذا تحدثت بحزن، فأجابها بصدق:
أرجوكِ يا كارما سامحيني، وخليكِ واثقة إنك أغلى حد عندي في الدنيا. أنا بحبك أوي، وعمري ما نسيتك لحظة. إنتِ كنتِ ساكنة قلبي ومحوطاه بحبك اللي عماه عن كل ستات الدنيا دي. إديني فرصة واحدة أثبتلك إنتِ عندي إيه؟
اعتبريها آخر فرصة.
قالها مازن برجاء.
ولو ضيعتها يا مازن؟
مش هضيعها، صدقيني، عمري ما هفرط فيكِ، ولا هضيعك من إيدي تاني يا سكرتي.
قالها بعشق، فخجلت كارما كثيرًا من حديثه الذي دغدغ مشاعرها، ونظراته التي كانت تربكها. فهي تعشقه، ولا حيلة لها سوى مسامحته وإعطائه تلك الفرصة التي يتلهف إليها قلبها.
كان مازن يراقب ملامحها بعشق شديد وخوف من أن ترفض مسامحته، فهي كالماء والهواء بالنسبة له...
وأخيرًا، أشرقت الشمس على عالمه المظلم بتلك الإيماءة البسيطة من رأسها، ليشعر بالراحة، وأخذ يناظرها بحب، وتخبرها عيناه بأنها عشقه وحبيبته وملكته فقط بلا منازع.
قطعت تواصلهما البصري قائلة بحرج:
إحم.. أنا هروح التواليت على ما تكون طلبتلنا الأكل.
طب ما قلتيليش عايزة تاكلي إيه؟
إنت نفسك تاكل إيه؟
قالتها كارما بحب، فأعطاها غمزة رائعة قبل أن يقول:
أقول ولا هتتكسفي زي عادتك؟
مازن اتلم، عشان والله هزعل منك.
قالتها كارما بحدة، ثم أضافت بدلال:
وبعدين يكون في علمك، من هنا لحد اليوم اللي هتنازل وأتجوزك فيه، إياك تفكر تقول أو تعمل حاجة كدا ولا كدا.
نعم يا أختي؟
قالها مازن بصدمة.
أيوة طبعًا، وخليك فاكر إنك وعدتني إنك عمرك ما هتزعلني تاني.
يعني أنا وعدتك إني عمري ما هزعلك، تقومي إنتِ تقهريني يا كارما؟
أنا لو غالية في نظرك، هتعمل كده من نفسك.
هكذا قالت بثبات.
إنتِ إزاي تفكري كدا؟ إنتِ أغلى وأحلى وأنقى حاجة في حياتي. أنا غصب عني مبكونش قادر أتحكم في مشاعري وأنا جنبك، لكن خلاص يا عمري، مادام دي حاجة بتزعلك، أوعدك مش هكررها تاني، وهحاول أتحكم في مشاعري أكتر من كدا.
ربنا يخليك ليا.
قالتها كارما بخجل، وذهبت لتترك ذلك الذي يكاد يطير من فرط السعادة. فها هي محبوبته يتجلى عشقها بداخل عينيها، حتى ولو لم تفصح به شفتيها.
أخرجه من شروده ذلك الصوت الذي كان يتمنى ألا يسمعه طوال حياته. فالتفت خلفه ليتفاجأ بتلك الفتاة تقترب منه مرددة:
مازن، وحشتني أوي أوي.
من فرط دهشته لم يكن قادرًا على إبعادها عنه، لتتوالى عليه الصدمات، ويرى حبيبته تنظر إليه وهو مع تلك الفتاة التي تتعلق به كما لو أنه مكانها الطبيعي.
اقتربت منهم ببطء شديد، ونطقت بتلك الحروف التي لا تعرف كيف خرجت منها قائلة:
م.. مين دي يا مازن؟
التفتت إليها الفتاة، ومن ثم تنقلت نظراتها بينها وبين مازن المصدوم، لتتولى هي مهمة الرد بينما مازن ما زال واقعًا تحت تأثير الصدمة.
لتقول بغنج:
أنا خطيبته، إنتِ مين يا حلوة؟
يتبع...
منتظرة رايكم فى الاقتباس اللي هنا يا فراولاتى ❤❤❤
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!