الوجه الخامس عشر للعشق 🌹
أحيانًا نشعر بالامتنان تجاه تلك الأسباب السخيفة التي تُعطينا ذريعة للبكاء على خيباتنا العظيمة، تلك التي لا نجرؤ على التحدّث عنها."
نورهان العشري ✍️
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
هو أنا كل مرة هقفشكم متنحين لبعض كده؟!
التفت كلٌّ من علي وروفان إلى مصدر هذا الصوت وكأن المشهد يتكرر مرة ثانية، وكالعادة خجلت روفان وارتبكت من مظهر والدتها الغاضب، بينما ابتسم علي داخليًا على مظهرها، لكنه لم يُبدِ أي انفعال على وجهه وتحدث بثبات كعادته:
والله يا طنط أنا محظوظ عشان كل مرة بكون محتاجك فيها بتكوني موجودة.
تغيرت ملامح صفية على الفور من مغزى كلماته، فقد عرف هذا الماكر كيف يصرف نظرها عمّا شاهدته.
خير يا علي، هو في حاجة حصلت؟
بصراحة يا طنط كان هيحصل، بس ربنا سخّر روفان عشان ما يحصلش.
ألقى نظرة مطمئنة على تلك الصغيرة المشاغبة التي كانت تنظر لوالدتها بوداعة الأطفال حتى لا تتلقى العقاب.
اندفعت صفية تقول بلهفة:
خير! إيه اللي كان هيحصل؟ طمّنوني.
خير يا طنط، ما تقلقيش. ممكن حضرتك تتفضلي تقعدي وأنا هفهمك.
جلست صفية وهي مرتعبة أن تستمع لشيء قد يزيد الأوضاع سوءًا، فلاحظ علي حالتها وأشفق عليها فتحدث مطمئنًا:
ما حصلش حاجة يا طنط ما تقلقيش كده. كل الحكاية إني عرفت إن كاميليا موجودة في المستشفى هنا، وجيت عشان أطمن عليها، فقابلت روفان برّه و...
قاطعته صفية باندفاع:
أوعى تقولي إنك قابلت يوسف!
استغل علي الوضع لصالحه فقال بهدوء:
ما هو ده اللي كنت بقول لحضرتك عليه. روفان منعته، هي أخدتني ونزلنا تحت أكيد عشان يوسف ما يقابلنيش. بالرغم من إني شفته قبل كده وكانت علاقتنا كويسة، وأنا برضه مش جاي أتشاكل ولا أعمل مشاكل. عشان كده كنت هلجأ لحضرتك أفهم منك إيه اللي بيحصل؟ وليه روفان اتخضّت كده من إني أقابل يوسف؟
عشان إنت حتى لو كنت قابلته قبل كده وكانت علاقتكم كويسة، فده لأنه بعيد عن كاميليا. واللي إنت ما تعرفوش بقى إن يوسف لو في أي حاجة ناحية كاميليا بيتغير مية وتمانين درجة، وبيبقى واحد تاني ممكن يقتل بدم بارد أي حد يفكر يأذيها أو يقرب منها.
تحدثت صفية وهي تأمل أن يفهم المغزى المبطن لكلماتها، والذي فهمه على الفور، فابتسم قائلًا برزانة:
حقه..! وأنا مش هلومه، لأني راجل شرقي زيه وما أتحملش حد يقرب من حاجة تخصني، خصوصًا لو كانت حبيبتي ومراتي.
قال الأخيرة وعينيه تلقي نظرة خاطفة على تلك الطفلة التي غزا الإحمرار وجهها بالإضافة إلى وداعتها، فبدت أشهى، مما زاد من دقات قلبه وودّ لو يتذوق طعم التفاح المطبوع على وجنتيها.
أخرجته من شروده كلمات صفية التي لم يفُتها ما يحدث، وداخلها شعور بالسعادة، فهي أحبته وأُعجبت بذكائه ودماثة أخلاقه. لكنها غيّرت مجرى الحديث قائلة:
ما قلتليش يا علي، كنت محتاجني في إيه؟ وعرفت منين مكان كاميليا؟
مش مهم عرفت منين، المهم إني عرفت. أنا دلوقتي كنت عايز أطمن عليها وأعرف إذا كانت مرتاحة هنا ولا لأ. ولو لقيتها مرتاحة وعايزة تفضل، أكيد مش هضغط عليها. أما لو لقيتها مجبورة تقعد هنا، فأنا هقف معاها ومش هسيبها تقعد غصب عنها.
صفية برزانة:
شجاعتك عجباني يا علي، بس تفتكر إنك ممكن تقف قدام يوسف الحسيني وتاخد مراته منه؟
فاجأها بدهائه:
وهو يوسف الحسيني هيقبل على نفسه يجبر مراته تفضل معاه غصب عنها؟
احتارت صفية بماذا تجيبه، فهي تدري أن ابنها عاشق لزوجته حتى النخاع ولن يتركها حتى لو على حساب موته. لكنها أيضًا خائفة من عقابه وانتقامه، خاصةً مع رفض كاميليا الشديد للإفصاح عن أسباب هروبها. لكنها تحدثت أخيرًا متجاهلة استفهامه:
وإنت إيه اللي منعك تدخل لكاميليا حتى لو يوسف جوه؟
علي بتعقل:
أنا جاي ومش عايز أضايق حد ولا أعمل مشاكل، لإن كاميليا مراته. ولإني عارف إنهم بيحبوا بعض، ومش هكذب عليكِ، كاميليا غلطت لما هربت من جوزها أيا كانت أسبابها. كل الحاجات دي هي اللي منعتني من إني أروح آخد كاميليا من أوضتها وأرجّعها بيتنا تاني.
استفهمت بإعجاب من كلماته:
يعني مش خايف من يوسف أو جدها؟
علي بثقة أعجبتها:
أنا ما بخافش من حد. وإن كنت قاعد مع حضرتك دلوقتي بتكلم معاكِ، فلإني لمست إن حضرتك بتحبي كاميليا قد إيه وبتخافي عليها، ولإني كمان بعرف الأصول، فحبيت أطلب من حضرتك تخليني أشوفها وأطمن عليها.
احتارت صفية بماذا تجيبه، فهي خائفة من يوسف كثيرًا. فهي تعلم مدى غيرته، وأنه لن يتفهم أبدًا أسباب علي ولا دوافعه تجاه كاميليا. فهي تعرفه وتعرف ما يجري في دمه، فهو يشبه كثيرًا شخصًا دمّر معشوقته بسبب تلك الغيرة اللعينة. لكن كل ما يهمها الآن أن تتحسن حالة كاميليا، وربما لقاؤها بعلي يريحها ولو قليلًا...
قوم معايا يا علي.
***********
أحيانًا أتمنى لو أنني لم ألتقِ بك؛ ليس كرهًا، بل لأن حبي لك عظيم إلى الحد الذي يجعل قلبي يرتجف كلما خطر في بالي طيف الفراق.
نورهان العشري ✍️
🍁🍁🍁🍁🍁🍁
كانت كارما تحتضن وسادتها وهي تبكي بصمت، فهذا هو حالها منذ أن استمعت إلى كلمات والدتها التي كان لها تأثير مُدمّر على قلبها، ذلك القلب الذي أخذ يلومها تارةً على تهوّرها، وتارةً أخرى على غبائها. فلم تعد تدري: أتبكي على حالها معه؟ أم تبكي على جرحه منها، ذلك الجرح الذي كانت هي المتسبّب الرئيسي فيه؟
تشعر بالكثير من الأسئلة التي تتقاذفها، جاعلةً منها غير مستقرة على قرار. فهي منذ بضع ساعات كانت قد قررت اقتلاعه من قلبها والبدء من جديد، لكنها تفاجأت به في منزلها يُلقي عليها تلك النظرات العاشقة الممزوجة بالرجاء، فتجعل جسدها يشتعل اشتياقًا له، وقلبها ينتفض يودّ لو يخرج من بين ضلوعها ليرتمي بين جنبات صدره.
كم تفتقده! لم يمضِ على لقائهما سوى ساعات قليلة، لكنها تشعر وكأنها دهور. لقد أحسّت بروحها تُنتزع منها وتذهب معه، مطالبةً إياه بعدم الالتفات إلى تلك الترهات التي خرجت منها إثر ذلك الجرح الغائر في منتصف قلبها، الممتدّ إلى كبريائها، الذي أجبرها على التفوّه بتلك الحماقات.
نعم، حماقات! فما تشعر به نحوه ليس حبًا عاديًا، بل فاق الحب بمراحل كبيرة. إنها تشعر به يحتلّها ويمتلك جزءًا عظيمًا من داخلها؛ فجميع حواسها تتمرّد عليها من أجله.
ينتابها الجنون عندما تتخيّل أن هناك أنثى أخرى قد تستوطن قلبه، تستمتع بقربه، ويحظى نظرها بتلك النظرات العاشقة التي تجعل قلبها يطير من فرط السعادة.
لا، لن تحتمل حقًا التفكير في حدوث هذا الشيء، فهو لها وحدها. تمتلكه مثلما يمتلك كل ذرةٍ في كيانها، ولن تسمح بأن تمتلكه أنثى غيرها.
وعند هذا الحد، انتفضت من فوق مخدعها، والتقطت هاتفها، وأجرت اتصالًا هاتفيًا:
آلو... إحنا محتاجين نتكلم سوا.
لقد عزمت على تنفيذ خطتها التي حاكها قلبها المشتعل حبًا وشوقًا له، وأرسلت رسالة نصية لشخصٍ ما، ثم همّت بالدخول إلى الحمّام الخاص بها لتتجهّز للخروج، فهي قد أعلنت حربًا، وحسمت نتيجتها لصالحها مسبقًا.
************
من كل قلبي أتمنى أن ينتهي كل هذا العبث.
أبحث عن وجهة أجد فيها ملاذًا آمنًا، بعيدًا عن بشاعة ما يدور حولي. لم تعد طاقتي تقوى على حمل ذلك الثقل الرهيب الذي يرسو فوق صدري وكاد يخنق أنفاسي. أشعر بأنني مُكبّلةٌ بأصفادٍ حديديةٍ حارّةٍ؛ حرارتها تحرق قلبي وتلتهم روحي، فلا يبقى لي سوى الصمت الحزين لأحتمل ما يعتمل في داخلي...
نورهان العشري ✍️
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
كانت كاميليا مستلقية تنظر إلى سقف الغرفة وهي تفكر في حياتها التي تغيّرت في لحظات من حالٍ إلى حال...
من أقصى درجات السعادة إلى أقصى درجات الحزن.
الجميع يطالبها بالبوح بأسبابها للهروب بملء إرادتها من جنّتها التي طالما حلمت بها وتمنتها، دون أن يُشفق أحد على حالها وتلك العَبَرات الحارقة التي تسيل على خديها فتحرق قلبها معها؛ قلبها الذي لا يعرف من الحياة سوى عشق رجل بات النظر إلى عينيه محرّمًا عليها...
كانت تملكه، ويأسره عشقها إلى الحد الذي يجعله يهديها الشمس والقمر إن أرادت. رجلٌ لم يُبالِ بشيء في العالم سواها، لم يحظَ أحد بالقرب منه والتنعم بجنّة عشقه سواها. ولكن... ماذا حدث؟
انتزعته منها الحياة عنوةً بعد أن كبّلتها بأصفاد الماضي التي حاصرتها من جميع الجهات، وأجبرتها على الاستسلام لفراقه، ذلك الفراق الذي لو علم أنه يمثّل موتها وهي على قيد الحياة لما رضي به. لكنها لا تملك سوى أن تظل على صمتها الذي تعلم أنه يقتله ويقوده إلى الجنون، ومع ذلك لا تملك إلا أن تبدو خادعةً بدل أن تُظهر حقيقتها...
صُدمت كاميليا عندما رأت ذلك الشخص القادم من الخارج خلف صفية، لكنها سرعان ما تحوّلت صدمتها إلى فرحة كبيرة، ولأول مرة منذ وقت طويل انهمرت دموعها بحبور وهي تقول:
علي...
أيوه علي يا ست كاميليا، يا اللي ممرمطة الدنيا كلها وراكِ!
تحدث علي بمرح محاولًا تلطيف الأجواء، فقد هاله مظهرها الحزين وشحوب وجهها، وبحور عينيها التي يغزوها ذلك الاحمرار الدالّ على جفاف أنهارها من فرط البكاء.
همّت بالنهوض، فأوقفتها يداه اللتان احتوتا كفيها وربّتتا عليهما بحنانٍ أخوي كبير، وقال بلطف:
خليكي زي ما إنتِ... ما تقوميش.
مش مصدّقة إني شايفاكي يا علي. طمّنّي على خالتي وكارما وغرام، وحشوني قوي.
بالنسبة لاسمي اللي ما اتذكرش في الليستة دي، إيه؟ مش معترفة بيا ولا إيه؟! أنا قلت ألاقي بختي معاكي بدل القردتين اللي عايزين يتقصّ لسانهم اللي هناك دول. يا خسارة الشوكولاتة اللي كنت بجبها لكوا إنتِ وهما... دا انتوا خربتوا بيتي!
ضحكت كاميليا على كلماته المرحة التي تعرف أنه قالها ليُخرجها من حزنها. فأردف علي بعدما وصل لمراده:
أيوه كده يا شيخة، اضحكي! خلي الشمس تطلع بدل ما إنتِ مغمّقاها علينا كده.
ابتسمت صفية داخليًا، فقد صحت ظنونها، وتمكّن علي من إخراج كاميليا من حالتها الحزينة، حتى ولو مؤقتًا. لكنها في الوقت نفسه شعرت باللهيب الذي يندلع من عيني روفان، فتأكدت من أن شكوكها تجاههما صحيحة؛ فهي شعرت أن هناك شيئًا ما بينهما، حتى وإن كان في بدايته وغير مُصرَّح به. فهي امرأة قد عشقت بشدة، وعلى قدر عشقها كان ألمها، لذا فهي تجيد معرفة العشق أينما رأتْه...
تحدثت صفية أخيرًا لتتأكد من ظنونها وتطفئ النيران المندلعة في تلك العينين البريئتين، وتقطع الشك باليقين داخل ذلك القلب الذي تخاف عليه حتى من نسمة الهواء، فقالت بنبرة ذات مغزى:
ياااه يا كاميليا... يعني ضحكتِك ما نوّرتش وشك غير لما علي جه؟ لو كنت أعرف كده كنت جبتُه من زمان!
إنتِ ما تعرفيش يا ماما صفية علي ده بالنسبة لي إيه! ده أخويا اللي ربنا ما رزقنيش بيه، بعتبره زي أدهم بالضبط. من يوم ما روحت عندهم وهو بيعاملني زي أخواته كارما وغرام، ويمكن أحسن كمان.
تحدث علي، الذي كان يشعر بما يدور حوله وبنظرات روفان المسلَّطة عليهما والتي تنبعث منها النيران، فرقص قلبه فرحًا بما يراه. فتلك العينان تأسرانه وتأخذه إلى عالمٍ من السحر لم يتذوقه قلبه قط.
والله يا طنط صفية، ربنا يعلم كاميليا دي عندنا كلنا إيه، مش عندي أنا بس. ومن يوم ما دخلت بيتنا وهي زيها زي غرام وكارما، ويمكن أكتر. كفاية إنها من ريحة خالتي زهرة اللي طول عمري بسمع عنها، وللأسف آخر مرة شُفتها كنت لسه طفل صغير ومش فاكر حاجة من اللقاء ده.
تنهدت صفية متذكّرة معاناة زهرة مع رحيم الحسيني، الذي منعها منعًا باتًا من الالتقاء بأي فرد من عائلتها، فقالت بحزن:
كل شيء نصيب يا ابني... وأحيانًا كتير ما بيبقاش لينا سلطة على القدر اللي اتفرض علينا.
صحح علي حديثها قائلًا:
قصدك فرضته الناس علينا يا طنط.
صفية بحزن دفين:
مش هتفرق يا علي كتير، في النهاية هو مقدّر ومكتوب حتى لو كان ظلم.
لا يا طنط، هتفرق! عشان ربنا مش ظالم، البشر هما اللي بيظلموا ويفتروا دايمًا على الضعيف.
تدخلت روفان في الحديث، فهي تعلم أن الكلام يدور حول عائلتها، وبالأخص حول جدها، ولن تسمح أبدًا لأحد بإهانته حتى لو كلّفها الأمر الكثير. فقالت بحدة:
البقاء دايمًا للأقوى! هو مش ده قانون الحياة؟
أجابها علي بفظاظة:
لا، ده قانون الغابة يا آنسة روفان، مش قانون البني آدمين اللي ربنا ميّزهم بالعقل عشان يفرّقوا بين الحلال والحرام، الظلم والعدل، الغلط والصح.
شدد علي على كلماته الأخيرة، فقد غضب داخليًا من انحيازها الواضح لجدّها وظلمه لخالته. فردّت مدافعةً عن رأيها:
والله الموضوع نسبي وبيختلف من واحد للتاني.
كانت فقط تريد مجادلته، فقد اغتاظت من مناداته لها بهذا اللقب وكأنه اختار أن يضع الحدود بينهما. لكنها لم تحسب أنه خصم ليس سهلًا بالمرة.
موضوع إيه اللي نسبي؟ الحلال بيّن والحرام بيّن، والغلط معروف والصح معروف. بس الإنسان بيحب يقاوح عشان يبرر لنفسه أخطاؤه وأخطاء اللي بيحبهم. مع إنه في الحالة دي بيظلم نفسه وبيظلمهم. استنادًا إلى قول سيدنا محمد ﷺ: "انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا." قالوا: يا رسول الله، ننصره مظلومًا، فكيف ننصره ظالمًا؟ قال: بأن تردّه عن ظلمه.
صدق رسول الله ﷺ ❤
اندفعت روفان، متغاظة من سهام حديثه التي اخترقتها وأشعرتها بغبائها أمامه، فقالت بهجوم:
ما أنا ممكن أظلمك أو أذيك عشان افتكرت إنك ظلمتني أو أذيتني أو حد وصلّي الفكرة دي. يا ترى كده أبقى ظالمة ولا مظلومة؟
فاجأتها إجابته الفظة حين قال:
كده تبقي غبية! آسف، بس اللي يظلم إنسان أو يأذيه من غير أسباب قوية وحُجة بيّنة في إيده يبقى إنسان غبي. وأصلاً الإنسان اللي يفكر في مبدأ الانتقام نفسه يبقى إنسان غبي ومش مؤمن بربنا.
صمت لثوانٍ يتابع وقع حديثه عليها، ثم تابع بتعقل:
ربنا هو اللي بيرد الحقوق لأهلها، وهو اللي بياخد حق المظلوم. واللي يفوّض أمره لله، هيجيله حقه من غير ما يحرّك إيد ولا رجل، وياخد حقه دنيا وآخرة.
عرفت كلماته الطريق إلى مبتغاها حين قال بجفاء:
الانتقام ده سلاح الناس اللي إيمانها ضعيف، وياريته بيريّح! بالعكس، ده نار أول ما بتحرق، بتحرق صاحبها.
أوشكت روفان على الردّ، لكن فاجأهم ذلك الصوت القادم من الخارج:
هو في إيه بيحصل هنا...؟
************
يوقظني الحنين في منتصف الليل، فألتقط هاتفي باحثةً عن مكالمةٍ أو رسالةٍ منك، ثم أتذكّر أننا افترقنا، لأعود إلى النوم مرةً أخرى وبداخلي جميع خيبات العالم.
أحتضن وسادتي كأنها بقاياك، وأغلق عيني في محاولة لإقناع نفسي أن ما بيننا كان حلمًا جميلًا وانتهى. لكن قلبي يأبى التصديق، فيظل يفُتش عنك بين ثنايا الصمت، ليصطدم بوجع الفراق يطرق أبواب روحي التي أصبحت مُهلهلة من فرط الألم.
نورهان العشري ✍️
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
كان هذا حال غرام، التي لم تقدِر على نسيان ما كان بينهما؛ فهي تتظاهر بأنها بخير، لكنها على النقيض تمامًا، تشعر بالخراب الداخلي الذي سببه الرجل الوحيد الذي عشقته...
تفتقده، وتفتقد روعة كلماته التي كانت لها تأثير السحر على قلبها...
فقد كانت تجعلها تذوب عشقًا له، ولكن ماذا حدث...؟
بليلةٍ واحدة استطاع أن يذيقها جميع أنواع العذاب والألم، واستطاع أن يُشعرها بالخزي الذي لم تعرفه طوال حياتها، سوى عندما تلقت أول صفعة منه وهو يحاول أن ينتهك حرمتها كفتاة رخيصة...
عند هذه الكلمة تألّم كبرياؤها الذي دهسته فعلةُ رجلٍ يتحكم في دقات قلبها، فهطلت أنهارها الغزيرة لتعلن انهزامها أمام غزوات عشقه؛ فهي تحبه، وتُحبه، وتُحبه، إلى درجة أنها تتمنى أن يعود معتذرًا حتى تلقي بنفسها بين جنبيه تشكو له مرارة ما جعلها تعيشه.
وكالعادة، تمتد يد الله لتربت على قلوبنا، وتنتشلنا من بحور العذاب التي نُلقى فيها بتعلق قلوبنا بغيره، وانشغالنا الدائم عنه. فانطلق صوت المؤذن من أحد المساجد القريبة، وكأنه دعوة لكل القلوب التي أضناها الحزن، وتلك الأرواح المعذبة، بأن ما من أحد قادر على بثّ الأمان وامتصاص ذلك الحزن منها سوى الله سبحانه وتعالى.
لبّت غرام النداء على الفور، فتوضأت واتجهت لربها تتضرع إليه أن يُنسيها مرارة ما حلّ بها. لكنها لم تكن تملك القدرة على الدعاء ولو لمرة واحدة بأن ينزع الله حبّه من داخلها؛ لم يطاوعها لسانها على نطق تلك الدعوة أبدًا، وساعده على ذلك قلبها الذي لا ينشد سوى السعادة بجانبه.
بعد وقت ليس بالقليل، أنهت صلاتها وهي تشعر براحة كبيرة تغمرها، وهدوء عميق يسيطر عليها. فقد كانت تلك نصيحة والدها دائمًا لها ولإخوتها: أن الصلاة هي ذلك الخيط الذي يربط العبد بربه، فلا تفلتوه حتى وإن أخطأ العبد؛ فإن صلاته حتمًا تصلحه.
طرقاتٌ على الباب ورنينُ الجرس أخرجاها من تلك الحالة الروحانية التي كانت تنعم بها، بعد وقت طويل من التعب الذي أنهك كل خلية في جسدها. فهَمَّت لترى الطارق، إذ كانت والدتها قد خلَدت للنوم، وكارما خرجت في مشوارها المفاجئ الذي ظهر من العدم. لكنها تجمدت في مكانها عندما رأت الطارق، فتحدثت بصدمة:
أنت...؟
إنتِ تقريبًا غرام...؟
تحدث يوسف، الذي كان قد عزم أمره بالتوجه إلى الإسكندرية ليتحدث مع فاطمة ويشرح لها ما حدث، علّه يجد من يتفهم ذلك الجرح الغائر الذي تسببت به تلك المرأة التي يمكنه أن يتخلى عن كل شيء في هذه الحياة شرط أن تبقى معه.
أأ.. آه، أنا غرام... وحضرتك يوسف بيه؟
قاطَعها يوسف قائلًا بهدوء:
يوسف بس. ممكن أدخل ولا هنفضل واقفين على الباب كده؟
تحدث بعدما لاحظ صمتها الممزوج بالدهشة والذهول، فهو نفسه لم يتوقع أن يُقدِم على فعل ذلك، لكنه رجل يائس من عشقه ووجعه وكبريائه، ولا يدري ماذا عليه أن يفعل.
تنبهت غرام لوقوفهما كل هذه المدة وهي تنظر إليه كالبلهاء، فتحدثت معتذرة:
آسفة... اتفضل.
دخل يوسف إلى الصالون، وهي تنظر في إثره وآلاف الأسئلة تنهش عقلها، فخرج منها أحدها بغير وعي:
هو إنت جاي لوحدك؟
إنتِ شايفة إيه؟
تحمحمت غرام بإحراج من رده، فقد شعرت بغباء سؤالها، فقالت محاولة تغيير الحديث:
هي كاميليا كويسة؟
تجاهل يوسف حديثها وقال بإيجاز كعادته:
الحاجة فاطمة موجودة؟
آه... ثواني أناديها.
وما أن هَمَّت بالدخول، حتى أتاه اتصال جعل كل ذرة فيه تنتفض غضبًا...
**************
معك أتحدى كل شيء، وبدونك يهزمني أي شيء. فأنا أدركت أنّك منبع قوتي، وعشقك هو وقود صمودي كل هذا الوقت، ولأول مرة أتصالح مع قلبي الذي لطالما عاندتُه لانتظاره لك و لصبره على فراقك؛ فأجدني الآن ممتنةً له ولهذا الصبر الذي سيتوّج أخيرًا بدفء وجودك.
نورهان العشري ✍️
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
دخل مازن إلى المقهى يسبقه قلبه المتلهف للقائها، فأخذ يبحث بعينيه عنها ليشعر برعشة قوية في قلبه إثر التقاء عينيه بعينيها، فشعرت هي الأخرى بتلك الرجفة التي ضربت قلبه ترتد إلى قلبها، فأصبح الهواء بينهما مشحونًا بتيارات العشق المتبادلة. وأخذ مازن يتقدّم تجاهها، ومع كل خطوة يخطوها تزداد رعشة يديها وارتجاف شفتيها، وتعلو دقات قلبها حتى كادت أن تصل إلى مسامعه.
جلس مازن دون أن يتحدث بشيء، بل أخذ ينظر إلى عينيها وكأنه يعاتبها في صمت، لكن جانبًا منه كان يتأملها بشغف وإعجاب صريح بزِينتها التي لم يعتد عليها وبأناقتها المفرطة، فبدت كحورية من الجنة. ثم تلقائيًا تحولت نظرات العتب والإعجاب إلى نظرات عاشقة صريحة، فبدأت هي الحديث علّها تقضي على هذا التوتر الذي يُنهك أعصابها، فقالت بخفوت:
تشرب إيه؟
ابتسم مازن داخليًا، فهو يدرك كم هي متوترة، وكالعادة تنتظر منه أن يبدأ بالحديث، لكنه أبى أن يسلّم رايته أمام غزو فتنتها المهلكة له، وقال بصوت ساخر:
من كام ساعة قولتيلي بكرهك ومبقتش عايزاك، وإن عندك كرامة امشي.. ودلوقتي جايه تقوليلي: تشرب إيه؟ مش حاساها غريبة شوية؟
مازن لو سمحت بلاش كلامك ده.
هكذا تحدثت بارتباك، فأجابها بعتب عرف طريقه إلى قلبها:
ده مش كلامي، ده كلامك إنتِ يا كارما، أنا بفكرك بيه بس.
همست بحزن:
مازن.. أرجوك.
استنكر كلمتها قائلًا:
تترجيني؟! غريبة دي! ما أنا كنت برضه بترجاكِ من شوية، بس إنتِ قولتيلي: حتى لو اترجتني مش هرجعلك ولا هسمعك.
ترقرقت الدموع في عينيها وشعرت بالألم يغزو قلبها، فها هو يفعل معها ما فعلته معه ويذيقها مرارة ما أذاقته إياه. فلملمت أشيائها وقررت الانسحاب قائلة بخفوت:
أنا همشي.
فلم يطاوعه قلبه على تركها ترحل، فقد عادت إليه روحه عندما قرأ رسالتها، وعاد الأمل يسطع في سمائه من جديد. فامتدت يداه لتوقفها وهبّ واقفًا كالمارد أمامها بطوله الفارع، فأدّى ذلك إلى هذا القرب المهلك لكليهما، حتى أصبحت كأنها بين جنبات صدره. غزت رائحتها العطرة أنفه ودغدغت مشاعره، فأخذ يحارب جيوش شوقه لها بضراوة، وكانت هي الأخرى في عالم آخر، إذ لامسها ذلك الدفء بين ذراعيه فلم تستطع أن تمنع نفسها من الاسترخاء لثوانٍ على مقربة منه، ولم تستطع منع رأسها من الارتياح فوق موضع نبضاته، خوفًا من رفض قد تتلقاه من كبريائه الذي حتمًا آذته كلماتها. لتشعر بجنون دقات قلبه وتستمع لنبرة صوته المهتزة من فرط الحرب التي تدور بداخله:
خليكِ.. ما تمشيش.
رفعت رأسها ليرتوي قلبها بتلك النظرات العاشقة المنبعثة من عينيه، والتي لم تفشل يومًا في أن ترسلها لتحلّق بين النجوم من فرط السعادة. فقالت بتوسل، ألقى سهام عينيها فاستقرت في قلبه وقضت على ذلك الثبات الزائف الذي يختبئ خلفه:
لسه عايزني يا مازن؟
أخفض رأسه ليسند جبهته على جبينها، ويداه تحتويان وجهها بحنو، ليقول بصوت أجش:
أنا عمري ما كنت عايز حد غيرك.
زاد إصرارها على إخراج مكنونات قلبه:
بتحبني يا مازن؟
لن ينتصر أمام عينيها أبدًا، لذا اختار الهزيمة قائلًا بصدق:
بعشقك.. مش بحبك بس.
كنت هتتجوز حد غيري؟
لم يتحمل قلبه ثقل كلماتها، فسارع بالنفي:
أبدًا.. عمري ما كنت هتجوز حد غيرك، ولا حتى أفكر. غصب عني اتجبرت أخطبها باتفاق مع والدتها إنها بعد ما تخلص الجامعة تاخدها وتسافر كندا.
ثم تابع يسرد لوعته ويصف عذابه مما حدث:
هي اللي فكرت إني بحبها. أنا عمري قلبي ما دقّ لغيرك إنتِ، وعمره ما في واحدة تانية هتشيل اسمي غيرك. حتى لو على رقبتي.. أموت ولا أكون لواحدة غيرك.
استفهمت بقلب بدأ يتذوّق الأمان والطمأنينة، لكن بقي القليل:
يعني إنت ملمستهاش زي ما هي بتقول؟
مازن بلهفة:
والله ما حصل! إيدي تتقطع ولا تلمس واحدة غيرك. إنتِ عشقي يا كارما، اللي اتولد جوايا من أول يوم شلتك فيه وإنتِ مولودة ولسه حتى مفتحتيش عيونك. أوعي تصدقي كلام أي حد عني.. بحبك، والله بحبك.
قال الأخيرة بقهرة قلب يائس من كل شيء في الحياة، ولا يقدر شيء على إعادة الأمل إليه ثانية سواها...
فامتدت يداها لأول مرة لتقرّبه أكثر إليها، وهي تهمس:
وأنا مش هسيبك أبدًا لغيري.. إنت حقي أنا يا مازن، وحبيبي أنا.
جحظت عينا مازن عندما وجدها تهمس بتلك الكلمات وهي تنظر خلفها لتقول بقوة وشراسة أنثى قادرة على إقامة ألف حرب لتظفر بحبيبها في النهاية:
بيتهيألي إنتِ سمعتي وشوفتي اللي حصل دلوقتي، ويا ريت تكوني عرفتي إنك ملكيش مكان بينا، وإن مازن ده مكتوب على اسمي، وقلبه ده ملكي، ومش هسمح لأي حد في الدنيا ياخده مني أو يفرق بينا.
---
تفاجؤوا جميعًا بصوت رحيم الذي كان يقف على باب غرفة كاميليا، التي ارتعبت من وجوده، فقد كانت تهابه طوال حياتها، ولم يكن يحميها من بطشه سوى يوسف، والآن هو غير موجود، ورحيم يملك السبب الذي يجعله يفتك بها من دون أن يستطيع أحد إيقافه. وكان هذا حال صفية، التي ما إن رأته حتى أوشك قلبها على السقوط بين قدميها من فرط الرعب، خاصةً وأن تلك الحرباء المسماة سميرة كانت تقف خلفه تنظر إليهم بشماتة.
الولد ده دخل هنا إزاي يا صفية؟
تلعثمت صفية ولم تجد ردًّا مناسبًا، فقد أربكتها تلك النبرة الغاضبة في صوته، فاستغلت سميرة توترها وارتباكها الذي جاهدت أن تخفيه، وقالت بصوت يملؤه الشر:
ما إنت عارف صفية يا عمي وطيبة قلبها.
ثم وجهت أنظارها إلى صفية قائلة بنبرة اندهاش مصطنعة:
بس أنا ما توقعتش يا صفية إن طيبة قلبك دي تخليكِ تحطي إيدك في إيد اللي هدد بقتل ابنك!
أنهى علي تلك الحرب التي كانت على وشك أن تبدأ، وتحدث محاولًا تغيير دفة الحديث عن صفية التي كان الارتباك يسيطر على ملامحها، فقال بثبات:
ـ أهلًا يا رحيم بيه.
ـ إنت بتعمل إيه هنا يا ابن فاطمة؟
قالها بغلظة ونبرة حادة. فردّ علي بثبات:
ـ اسمي الرائد علي هاشم الرفاعي.
تشدق رحيم ساخرًا:
ـ بتتبرى من اسم أمك؟
قال علي بنبرة تملؤها العزة:
ـ لا أبدًا، اسم والدتي ده وسام على صدري، هفضل أفتخر بيه طول حياتي. بس إحنا عندنا الرجالة بتتندَه باسم أبهاتها، لو الموضوع مختلف عندكم يبقى دي حاجة ترجعلكوا.
قالها علي بسخرية مماثلة قاصدًا استفزاز ذلك الرجل، الذي يشبه كثيرًا جده، ذلك الظالم المتجبر الذي أذاق والدته وخالته الويلات. فهما الاثنان أكثر من يكره في حياته.
اخرس يا ولد! أنا لو كنت ساكت عنك، فساكت عشان جدك اللي ما يستاهلش يكون له حفيد مش متربي زيك!
علي بهدوء أدهشهم جميعًا:
لا، إنت ساكت عشان ما تقدرش تعمل حاجة! ومشكلتك معايا إنك عارف إن كلامي صح مليون في المية، وعارف إني اتربيت أحسن تربية، عشان أمي ست محترمة وعرفت تربيني كويس.
اغتاظ رحيم من حديثه، فخرج الكلام الغاضب منه دون أن يعي ما يتفوّه به، وهو ينظر إلى كاميليا بنظرات محتقرة:
كنت بسمع الكلام ده عن تربية أختها، اللي بنتها هربت وفضحتنا وحطت راسنا في الطين.
اللي بتتكلم عليها دي تبقى مرات يوسف الحسيني، وفكّر ألف مرة قبل ما تجيب سيرتها يا رحيم بيه!
فاجأهم ذلك الصوت الغاضب القادم من الخلف، وكأنه ينتوي على جريمة ما.
يتبع ..
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!