الوجه السادس عشر للعشق 🌹
لم أعتد يومًا على المبالغة، بل كنت أبتعد عن الإفراط في كل شيء: في الحزن، الغضب، التعلق، وحتى في الفرح. لكن معكِ، تهدمت كل خرائطي التي مشيت على نهجها طوال حياتي، ووجدت نفسي غارقًا في بحر من الحب، اللهفة، والشغف الذي لم أعرفه من قبل.
وهنا بدأت معاناتي؛ فكلما ازداد شعوري نحوك عمقًا، كلما كان ألمي أعظم، وجراحي أغور، وأبواب الغفران مصفدة بسلاسل الكبرياء التي تصطف أمام قلبٍ يثور ولا يريد سوى أن يكون معكِ.
سلاحي الوحيد هو عشق أهوج، يجتاحني كطوفان لا أقدر على مواجهته أو الفرار منه. وبنهاية تلك الحرب الضارية، أجد نفسي أمام حقيقة واحدة: أنني أريدك... وبشدة.
نورهان العشري ✍️
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
كان أدهم يقود سيارته في طريقه إلى القاهرة بعد أن تأكد أن يوسف بالفعل قادم إليه، فهو لم يرغب في أن يراه في تلك الحالة المبعثرة، ولا طاقة له بالحديث عن ذلك الجرح الغائر في قلبه، الذي سببه لنفسه بفعلته المشينة مع المرأة الوحيدة التي توجها قلبه أميرة على عرشه. أخبره بأنه في طريقه للقاهرة ولا داعي لقدومه، لكن يوسف أبلغه بأن هناك ما يستدعي وجوده بالإسكندرية، واكتفى بذلك القدر كما هي عادته.
وعندما كان على وشك الوصول إلى قصرهم، جاءه اتصال منه، فأجاب على الفور:
أيوة يا يوسف.
جاءه صوت يوسف الغاضب كزئير الأسد قائلاً:
قدامك قد إيه وتوصل يا أدهم؟
أنا خلاص فاضل عشر دقايق، هأصل القصر، في حاجة ولا إيه؟
ارتعب أدهم من نبرة يوسف، فتلك النبرة لا يتحدث بها إلا وهو في أقصى درجات الغضب.
حالًا دلوقتي يا أدهم، روح على مستشفى (...) كاميليا هناك، وجدك والزفة سميرة راحوا لها، وممكن يضايقوها أو يحاولوا يأذوها.
حاول أدهم طمأنته:
اهدأ يا يوسف شويه، أكيد مش هيعملوا فيها حاجة. وبعد كده، هي كاميليا في المستشفى بتعمل إيه؟ هي تعبانه؟
هدر يوسف، وقد وصل الغضب والخوف إلى الذروة، وأوشك قلبه على الانخلاع خوفًا عليها من أن يؤذيها أحدهم ولو بكلمة واحدة:
مش وقته يا أدهم! بقولك، راحوا لها المستشفى، وأنت عارف قد إيه هم بيكرهوها. تفتكر راحوا ليها عشان يطمنوا عليها؟ خصوصًا أن جدك عارف أني مسافر الإسكندرية ومش هكون موجود.
خلاص يا يوسف، هروح لها، بس انت اهدي شويه.
تحدث يوسف لأول مرة في حياته بنبرة تشبه التوسل:
مرات أخوك أمانة في رقبتك يا أدهم، أوعى تخلي حد يقولها حرف واحد يضايقها، هي أصلاً نفسيتها تعبانه ومش متحملة أي حاجة.
أدهم، وقد هزته تلك النبرة في صوت أخيه، فعقد العزم على مواجهة جده وعدم السماح له بتدمير سعادته مع حبيبته، فقال بلهجة حازمة:
متقلقش يا يوسف، مراتك محدش هيقدر يقرب منها أو يفكر يأذيها، وأنا موجود، اطمّن.
طمني أول ما توصل وكلمني على طول.
حاضر، متقلقش. المهم انت مطول عندك؟
أجابه يوسف بإيجاز:
لسه معرفش.
بعد وقت قليل، دخل أدهم إلى المستشفى بخطوات سريعة لينفذ ما أوصاه به شقيقه في حماية زوجته من بطش جده. وعندما وصل إلى باب الغرفة، صدمه حديث رحيم بتلك النبرة المحتقرة لها، فلم يستطع أن يمنع نفسه من التحدث بصوت يشبه الرعد في قوته، قائلاً:
اللي بتتكلم عليها دي تبقى مرات يوسف الحسيني، وفكر ألف مرة قبل ما تجيب سيرتها يا رحيم بيه.
التفت جميع من في الغرفة على مظهر أدهم الغاضب بشدة، فقد كان صدره يعلو ويهبط من فرط الغضب. فها هو جده للمرة التي لا يعرف عددها يحاول التحقير من الآخرين، ولا يأبه أبدًا لمشاعرهم أو لما قد تفعله بهم سموم كلماته.
تحدث رحيم لحفيده العاق كما يسميه، فهو لم يكن يتفاهم أبدًا مع أدهم، ويراها دائمًا متمردًا ولا ينصاع لأوامره. ومن كان دائمًا يتوسط له هو يوسف، وهو الآن غير موجود:
والله عال يا أدهم، هتعلي صوتك على جدك؟! ولا كمان هتعرفه يقول إيه ويكلم إزاي؟
لما يبقى الكلام دا متوجه لمرات أخويا، يبقى مش هسمح بيه، ولو كان من مين!
وأنت مين بقى عشان تسمح ولا متسمحش؟
تحدث رحيم بسخرية، فأجابه أدهم بكل ما يعتمل بداخله من وجع وندم وحسرة، فهو يلوم جده على ما فعله بحبيبته ويراه المتسبب الرئيسي في ما أصبح عليه الآن:
للأسف، حفيدك اللي لو يطول يمحي اسمك من بطاقته كان عملها وماترددش لحظة.
فقام رحيم برفع يده لترتطم بوجه أدهم بصفعة مدوية، جحظت لها أعين جميع من في الغرفة وانخلع قلب صفية التي دمعت عيناها لكنها لم تجرؤ على الحركة، وكأن قدميها أصابهما الشلل. أما عن أدهم فلم يهتز له رمش جراء فعله المفاجئ، فقد كان يود لو تلقي ألف صفعة على فعلته، التي سيظل قلبه يدفع ثمنها طوال حياته.
وكأن بتلك الصفعة وصل إلى نقطة اللا رجوع، فتابع أدهم حديثه، قاصدًا كل حرف يتفوه به، وكانت كلمات الغرام الكارهة له تتردد في أذنه:
انت فاكر إنك لما تضربني هخاف وأعتذر زي زمان؟ هه! غلطان يا رحيم بيه، دانتا هتجبرني أقولك حقيقتك اللي كل اللي حواليك خايفين يقولوا هالك... انت إنسان ظالم ومفتري وأناني.
قام رحيم برفع يده مجددًا ليصفع أدهم، وهو يقول بصوت جحيمي:
اخرس يا حيوان!
لكنه تفاجأ بأدهم يمسك بيده ويمنعها من الوصول إلى وجهه، مواصلاً جلده بذنوب كان يحاول محوها من ذاكرته، قائلاً بصراخ هز أركان الغرفة:
مش هسمحلك تضربني تاني، وهقولك اللي كنت مخبيه في قلبي من سنين. طول عمرك ما بتحبش غير نفسك وبس، اتعودت تاخد وبس، اتعودت تعذب الناس وتظلمهم عشان عارف إنهم أضعف منك وما يقدروش يقفوا قصادك.
استمهل نفسه لثوانٍ قبل أن يتابع بقهر:
فضلت تعذب في زهرة، مرات عمي أحمد، عشان عارف إنها ملهاش حد، وعمي مش هيقدر ياخد حقها منك... منعتها تشوف أهلها، وكنت مستمتع بتعذيبها من غير ما يرف لك جفن، لحد ما سابتلك الدنيا كلها وماتت، وزي ما يكون ربنا قاصد يعاقبك وتاخد ابنك معاها، وكل دا برده مهزش فيك شعره، ولا خلاك ترحم بنتهم اليتيمة اللي مكنتش بترحمها بنظراتك ولا بكلامك، ولا حتى فكرت مرة تطبطب عليها وتقول "دي يتيمة آخد ثوابها".
اسكت! انت مش فاهم حاجة...
صرخ رحيم به، فها هو على وشك الانفجار، قاذفًا بوجهه أسبابًا دفنها بقلبه، لتتحول مع مرور الوقت إلى براكين تهدد بالانفجار في أي لحظة.
لم يستطيع الصمود أكثر، فصرخ مُعاندًا:
أنا فاهم وعارف وشايف كل حاجة، وعارف إن اللي منعك عن كاميليا هو يوسف. يوسف المفروض إنك بتحبه أكتر واحد في الدنيا، وده اللي انت بتحاول توصله له ولنا، بس الحقيقة إنك بتخاف منه، عشان هو أقوى منك، ومن غيره هتبقى ضعيف وتهتز، واسمك هيتمحي...
أنا عمري ما كنت ضعيف أبدًا، ويوسف ده أنا اللي عملته وربّيته وخليته كده. إن كان بقي يوسف بيه الحسيني فهو بفضلي، أنا فاهم ولا لا...؟
تحدث رحيم بغضب مهوول، فألقى أدهم الحقائق بوجهه دفعة واحدة:
لا... لو يوسف ده تربيتك، مكنش هيبقى كده أبدًا، مكنش كل اللي حواليه هيحبوه ويحترموه بالطريقة دي. بالرغم من كل محاولاتك إنك تخليه زيك، إلا أنه بقى حد تاني. انت تتمنى تكون زيه. بتحاول تقنع نفسك إن يوسف زيك، طالعلك مع إنك أكتر واحد عارف إنه مش كده.
اهتزت جفونه غضبًا وقهرًا، وهو يجيبه بصراخ:
يوسف ده ابني وتربيتك، سواء اقتنعت بها أو لا، هو هيعمل كل اللي أنا عايزه.
أدهم ساخرًا:
لو كان ابنك وتربيتك، مكنش حب كاميليا، ولا كان قبل يتنازل عن كل حاجة بيملكها عشان تبقى مراته. وشوف، سبحان الله، أكتر حد مفروض تحبه في الدنيا يحب بنت أكتر واحدة بتكرهها، ويقبل يتنازل عن كل حاجة انت قدمتها له عشان خاطرها. تفتكر دا يبقى شبهك ولا زيك؟ ولا حتى ممكن يفكر يسمع كلامك في يوم؟
قال جملته الأخيرة بسخرية ملحوظة، فلم يكد رحيم يجيبه حتى جاءهم صوت من خلفهم:
في إيه يا جماعة؟ صوتكم جايب لآخر المستشفى؟
كان هذا صوت رائد، الذي جاء بالاتفاق مع سميرة سرا ليكملا خطتهم، لكن قطعها رحيم بقوله:
صفية... روفان... سميرة، يلا عشان هنروح.
قالها بنبرة حازمة، ثم التفت إلى أدهم قائلاً بغضب من كلماته التي شعر بمدى صدقها، وقد أخافته هذه الكلمات بشدة. يوسف هو زرعته، وهو من سيكمل مسيرته من بعده وامتداد لاسمه ونهجه، ولن يسمح لأحد بأن يعارض خططه، فكان يكفيه ما تلقاه من خذلان أولاده له.
مش عايز أشوف وشك في بيتي تاني... انت من النهارده لا انت حفيدي، ولا لي أي علاقة بيك، والشركة متعتبهاش، وابتعد عن أي حاجة ليها علاقة باسم الحسيني.
قالها وانطلق غاضبًا، وما إن اصطدم برائد الواقف أمام باب الغرفة حتى رمقه باحتقار وقال من بين أسنانه:
وانت بقى كلب الحراسة التاني، إيه جاي تحرس ست الحسن والجمال؟
غضب رائد من حديثه ونظراته، التي ذكّرته بما يحمله بقلبه تجاه ذلك الرجل وعائلته، والذي زاد إلى أضعاف الآن. أقسم بداخله أن يذيقه مرارة الاحتقار والذل، لكنه آثر الرد بهدوء قائلاً:
أنا كنت جاي أشوف يوسف إذا كان هنا ولا لا؟
زجره أدهم باحتقار:
لا، مش هنا. اتفضل مكان ما جيت...
تقهقر رائد إلى الخلف بعد أن تمالك نوبة الغضب التي انتابته نتيجة حقارة هذا الرجل وجبروته، الذي لم تضعفه السنين بل زادته.
انصرف رحيم بعد مغادرة رائد، وتبعته سميرة بنظراتها الشامتة، مقتربة من أذن صفيه وقالت بسخرية:
قلبي عندك يا صفيه والله...
عقبال ما قلبي أنا كمان يبقى عندك يا سميرة...
ردت صفيه بحدة من مغزى كلماتها، فهي تريد أن تزيحهم جميعًا من طريقها، لكنها لن تتهاون أبدًا معها.
ألقت سميرة عليها نظرة ساخرة، ثم ما لبثت أن تغيرت نظراتها عندما توجهت نحو كاميليا، وقد أصبحت نظراتها حقدًا ممزوجًا بالوعيد. سرعان ما لاحظ ذلك علي وأدهم، الذي قال بتهكم:
إيه يا مرات عمي، مش هتقولي لكاميليا، مرات كبير العيلة اللي انتِ المفروض منها ألف سلامة...؟ ولا انتِ جايه تتفرجي وبس، خايفه حاجة تفوتك؟
غضبت سميرة من تذكيره لها بزواج يوسف من كاميليا، وتلك النبرة المستهزئة التي يتحدث بها، لكنها أبت أن تظهر مكنوناتها، فقالت بسخرية:
متقلقش يا أدهم، أنا مبيفوتنيش حاجة... بس تصدق، انت صح، لازم أطمن على مرات كبير العيلة اللي...
قاطعها أدهم بنبرة حازمة، فهو يتوقع أن تشير إلى هروب كاميليا، ولن يسمح لها بذلك. فهو يكره تلك المرأة بشدة ولن يتيح لها الفرصة بالشماتة والتحقير مع من تنتمي لأخيه:
اللي المفروض احترامها من احترامه، واللي احنا وانتِ عارفين إنه هيهد الدنيا لو حد فكر يرفع عينه فيها.
على قولك، احترامها من احترامه.
قالتها بغيظ، فشلت أن تخفيه. وما إن اقتربت خطوتين من تلك التي تنظر إليها بشفاه مرتجفة وعينين جاحظتين، وقد زبلت ملامح وجهها من فرط الرعب، حتى وقف أدهم أمامها قائلاً بلهجة تحمل من الإهانة ما جعل عيني سميرة تبرقان من فرط الغضب والدهشة معًا:
من بعيد... من بعيد يا مرات عمي، أصل كاميليا في فترة نقاهة وممنوع عنها التعرض لأي بكتيريا أو جراثيم.
عند نهاية جملته، لم يستطع علي أن يمنع تلك الضحكة التي انفلتت من بين شفاهه، لتصب البنزين على نار الغضب والإهانة التي أشعلتها كلمات أدهم:
يالا يا روفان، يالا يا سميرة. وأظن كفاية عليكِ أوي كده النهارده، والرسالة وضحت.
قالتها صفيه لتنهي ذلك الموقف المُخزي أمام الغريب. ومازال حديث رحيم لأدهم يرن في أذنها، فاقسمت ألا تمرره على خير:
كل حرف قلته دلوقتي هتندم عليه يا أدهم، ندم عمرك. ومابقاش سميرة الحسيني، أما خليتك تترجاني عشان أعفو عنك...
تحدثت سميرة من بين أنفاسها، فقد كان الغضب يعصف بكل ذرة من كيانها:
لا... انتِ اسمك سميرة مجاهد... الحسيني ده احنا ادناهولك تفضلاً مننا كده، وممكن في لحظة نسحبه تاني.
قالها أدهم بتسلية، ثم اختتم كلامه بغمزة ليذكرها حقيقة حياتها مع عمه مراد، الذي لا يتحمل أن يتنفس الهواء ذاته معها:
هنشوف مين اللي هيتسحب منه كل حاجة قريب.
قالتها متوعدة، وغادرت كالإعصار. فنظرت صفيه لابنها بنظرات غامضة، لم يكن أدهم يتوقعها، فهو دائمًا ملوم بنظر والدته، وقد كان يتوقع أن تعنفه، لا أن تنظر إليه بتلك النظرات التي لم يستطع تفسيرها، وخرجت دون أن تتفوه بأي حرف، وخلفها روفان، التي التفتت لكاميليا تنظر إليها بحب وهمت بالحديث، لكن قاطعها نداء والدتها، فخرجت بعد أن ألقت نظرة اعتذار خاطفة لبطلها الوسيم.
************
أهلاً يا يوسف بيه.
كان هذا صوت فاطمة التي خرجت من غرفتها لملاقاة آخر شخص قد تتوقع حضوره إليها، خاصةً في هذا الوقت.
يوسف بيه...؟ دي تقريبًا بداية غير مبشرة.
قالت فاطمة بعتب:
متوقع مني أقولك إيه؟ ولا أقول جايلي ليه...؟
يوسف بنبرة هادئة محشوة بالوجع:
جايلك وعايزك تعتبريني واحد متعرفيهش. قابلتيه في الشارع، في القطر، في أي مكان تحبيه، وأنا هحكيلك حكايتي، وهاعتبر إنه لما هخرج من هنا هتنسيها، وتنسي إنك شفتيني معاها.
صمت لثوان قبل أن يُضيف بلهجة تقطر وجعًا:
ولما نتقابل تاني، قوليلي اللي يريحك، يوسف بيه... يوسف، متناديش عليا خالص، مش هتفرق كتير. المهم إن اللي اتقال هنا هيتنسي بمجرد خروجي من الباب دا.
أنهى كلامه، وكل ذرة من كبريائه تنهّره بشدة، وتطالبه بالرحيل عن أي مكان يحمل رائحتها، أو حتى ذكرى بسيطة منها. لكنه قرر لمرة واحدة في حياته أن يتخلى عن ذلك الجمود الذي أصبح جزءًا لا يتجزأ من شخصيته، وخلع الرداء الذي يحجب عنه الهواء، كاشفًا أسرارًا دفنها بقلبه منذ أن كان في العاشرة من عمره:
أنا واحد من أكبر عيلة في البلد. أنا تقريبًا مسؤول عن العيلة دي، اللي مبتقتصرش على اللي شايلين اسمها بس، دي كمان بتضم كل واحد بيشتغل وعايش تحت جناحها.
اتكأ في جلسته قبل أن يُضيف بنبرة مشجبة:
اللي يشوفني من بعيد يقول عليا إني أسعد واحد في الدنيا. وإزاي مبقاش سعيد وأنا بملك كل دا في إيديا، وانتِ أكيد عارفة. وأنا مش حابب أتكلم عن اللي بملكه، لأنه هو سبب تعاستي في الحياة.
تتماوج صفحة وجهها بالتعبير من وقع كلماته، خاصةً حين أردف بنبرة تتضور وجعًا:
الحاجة الوحيدة اللي بعتبرها مصدر سعادتي، وبعتبر إنها ملكي فعلًا، هي كا... بنت أختك...
لم يستطع أن ينطق اسمها خوفًا من اهتزاز نبرة صوته من فرط الحنين إليها، الذي يكاد يشطر قلبه إلى نصفين.
كاميليا...
قالتها فاطمة بلهجة حانية، فقد شعرت أن الرجل الماثل أمامها يملك همومًا بحجم الجبال، وأن ابن أختها أحد أهم أسباب تلك الهموم.
أنا كبرت بين أب وأم بينهم شرخ كبير جدًا، بالرغم من معاملتهم الجيدة لبعض قدام الناس، إلا أنهم مقدروش يداروا دا عني.
مطّ شفتيه بتفكير قبل أن يُضيف:
أو يمكن عشان أنا تربية رحيم الحسيني، اللي من أول يوم جيت فيه للدنيا، وهو معتبرني هدية من ربنا ليه وامتداد لاسمه، وحاول يخليني نسخة طبق الأصل منه.
تبلور الصدق في نبرته حين قال:
منكرش إني ورثت منه حاجات كتير، وأهمها ذكاؤه. ويمكن دا اللي خلاني أفهم إن في حاجة غلط بينهم...
يتذكر ومضات من الماضي تجعل موجاته الزرقاء تتحول لأخرى داكنة:
كنت دايمًا شايف في نظراته ليها اعتذارات كتير، لسانه مبيقدرش ينطقها. وكنت بشوف في عينيها جرح كبير بتحاول تداريه وراء نظرات الرضى اللي بتظهر في عينيها. وشيفانا لحد ما في يوم أبويا جه البيت، ودخل أوضته، وهو مش شايف قدامه من كتر الغضب، أخذ سلاحه وخرج، وآخر حاجة سمعته بيقولها لأمي: "سامحيني"، ويومها الفجر وصلنا خبر وفاته...
قالها يوسف وقد شعر بغصة تشكلت في حلقه، وقد أوشكت الدموع على أن تسيل من عينيه أثر ذكر والده الراحل، وكيف تسلم جده جثمانه، وذلك المشهد الذي لو مر عليه ألف عام لن ينساه أبدًا.
عودة إلى وقت سابق:
دخل يوسف ذلك المكان البارد المشبع برائحة الموت، فامسك بيد جده، التي لأول مرة يشعر بها ترتجف بين يديه، فسأله ببراءة طفل لم يتجاوز العاشرة من عمره:
جدو، هو انت خايف...؟
انخفض رحيم حتى وصل لمستواه، ومسح دمعه هاربًا من عينيه التي سرعان ما تحولت من الحزن للجمود، وقال بلهجته الجليدية التي ورثها يوسف منه:
الراجل عمره ما يخاف يا يوسف... وانت راجل صح؟
طبعًا صح يا جدو، أنا راجل زيك وزي بابا.
أبوك دا كان راجل من ضهر راجل، بس للأسف غلطة واحدة ضيعته وضيعتني معاه.
قالها رحيم بضعف قلما يظهر على محياه، فاستفهم الصغير:
مالك يا جدو، هو بابا عمل حاجة زعلتك؟
أبوك عمل كل حاجة عشان يفرحني وتخليني فخور بيه يا يوسف...
يوسف بثقة:
وأنا كمان هطلع شاطر زي بابا، وهاعمل كل حاجة حلوة عشان أفرحك وتبقى فخور بيا.
تحدث يوسف إلى جده بحماس طفولي، لكنه قطب حاجبيه بعدم فهم عندما قال جده:
للأسف يا يوسف، أبوك كان شاطر أوي، بس غلطة الشاطر بألف.
يعني إيه يا جدو؟
رحيم بقسوة:
يعني أبوك غلط غلطه عمره يا يوسف، غلطه اتسببت في موته.
بدأت دموع يوسف بالهطول على وجنتيه الناعمتين، فأكمل رحيم بقسوة:
أبوك سلّم قلبه واسمه للي متستاهلوش، ودي النتيجة: موته.
هو بابا مات يا جدو؟
مسح رحيم دموع يوسف، وهو يقول بحدة:
انت راجل، أوعى تعيط يا يوسف أو تضعف. انت كبير إخواتك، وانت اللي هتبقى كبير العيلة دي من بعدي. أوعى أشوفك بتعيط تاني، فاهم؟
ح... حاضر يا جدو... بس أنا عايز أشوف بابا.
هكذا طلب الصغير وهو يحاول منع دموعه بصعوبة.
أنا هوريك منظر يمكن يوجعك دلوقتي، بس هيقويك بعدين يا ابني، وهيخليك تفكر ألف مرة قبل ما تسلم قلبك لواحدة ست، وتبقى هي نقطة ضعفك وسبب موتك. وخليك فاكر إن الضربة اللي مبتتموتش بتقوي.
لم يستطع يوسف أن ينسى تلك اللحظة، وهو ينظر إلى أبيه النائم بسكون، ويتوسط صدره ثلاث طلقات نارية، تشير إلى أن من أطلقها كان يعرف جيدًا ما يفعل.
عودة للوقت الحالي:
يا ساتر! إزاي قدر ياخدك ويوريك أبوك وهو بالمنظر دا...؟ هو كان في إيه؟ ولا في إيه؟
قالتها فاطمة بصدمة من جبروت ذلك الرجل الذي ليس له حدود.
لا، جدي يقدر يعمل أي حاجة،
قالها يوسف بسخرية، ثم أردف قائلاً:
الموضوع دا كان تالت يوم موت أبويا، أصل جدي مردش يدفنه غير بعد ما خد ثأره، وصفّي الناس اللي عملت فيه كده.
فاطمة بتعاطف:
دانتا شايل كتير أوي يا ابني.
يوسف بجفاء يتنافى مع ذلك الوجع الذي يتبلور في نظراته:
أحيانًا في حاجات كتير بنتحمل مرارتها جوانا، ولا إنها تأذي ضافر حد من الناس اللي بنحبهم...
تنهد يوسف بحزن، ثم أردف:
اليوم دا روحت خدت أدهم في حضني، وكانت روفان لسة 3 سنين، مكنتش فاهمه حاجة، بس حضنتها برضو. ويوميها أقسمت إن محدش هيقدر يأذي إخواتي دول، ولا يمس منهم شعرة طول ما أنا موجود...
احترقت نظراته وجفت لهجته، وهو يُضيف:
ماما كانت عمالة تعيط، بس من بين دموعها شفت نظرة عمري ما هنساها، كأنها بتقولي: "انت أملنا الوحيد في الدنيا دي". وبعد كام يوم جه عمي أحمد، اللي كان غايب بقاله سنين، هو ومراته وملاكِ الصغير...
تنهد بحب عند تذكر هيئتها الجميلة وملامحها الملائكية وابتسامتها التي شقت قلبه إلى نصفين: نصف منه عشقها، والنصف الآخر كان ينهره لهذا العشق الذي أقسم لنفسه أنه لن يمس قلبه مطلقًا.
مش هطول عليكي في تفاصيل هتوجع أكتر ما هتفيد... هتكلم عن نفسي وعن حبي ليها...
من يحاول ألا يخدش كبرياءه وهو يسرد ما يحمله بقلبه لها من عشق:
_ بدأت أحس إنها جزء مني، بالرغم من أني كنت بتحاشى التعامل مع طنط زهرة، بس هي كانت طفلة جميلة أوي، وكل ما كنت ببعد عنها كانت بتقرب مني ببرائتها، وكأنها بتعاندني وبتقولي: "هتحبني غصب عنك". و... حصل!
فاق حزنه حدود الوصف، وهو يقول:
_ وكأن نفس المشهد بيتعاد لتاني مرة، وعمي أحمد وطنط زهرة ماتوا في حادثة، وروحت مع جدي عشان استلم جثثهم، بس المرادي شفت جدي منهار لأول مرة في حياته، وقالي نفس الكلمة اللي قالها لي يوم موت أبويا:
(عموك أحمد مات عشان سلّم قلبه للي متستاهلوش)
في اليوم دا صدقت جدي، عشان قبلها بكام يوم حصلت حاجة خلتني أصدقه في كل حاجة بيقولها، وكرهت كل الستات اللي في الدنيا.
عودة إلى وقت سابق:
كان يوسف قادمًا من الخارج في ساعة متأخرة ليلًا، وقد رأى عمه مراد يجر زوجته سميرة من يدها قادمين من جهة الحديقة، وهو يمطرها بوابل من السباب واللعنات، ثم قام بإلقائها أمام المنزل وهو يعنفها بشدة، وأخذ يركلها في معدتها بعنف، ثم تركها وغادر مستقلًا سيارته بسرعة كبيرة.
اندفع يوسف ليسند سميرة، التي كانت تحاول النهوض وألمها يغلبها، بالرغم من عدم ارتياحه لها ولحديثها ولنظراتها، فقد دفعته شهامته لمساعدتها. فقالت بألم من بين دموعها:
اسندني يا يوسف... شفت عمك عمل فيا إيه؟
أسندي عليا يا طنط، أوديكي المستشفى.
لا يا يوسف... طلعني فوق. أنا لو خرجت من البيت دا مش هرجع له تاني.
بس انتِ شكلك تعبانه أوي!
تقصد عشان عمك ضربني؟ الضرب أهون بكتير يا يوسف من حاجات تانية بتموتنا بالبطء.
تحدثت سميرة بخبث، تبث سمومها في عقل يوسف حتي يخبر جده ويتسبب في هلاك غريمتها.
قَطَب يوسف جبينه وقال باستفهام:
حاجات إيه اللي تقصديها دي؟
عمك مراد بيخوني، ولما مشيت وراه عشان أعرف بيخوني مع مين، ضربني وبهدلني زي ما انت شفت.
وهو عمي مراد هيخونك هنا في القصر يا مرات عمي؟
قالها يوسف باستنكار.
للأسف يا يوسف، مش هقدر أقولك أكتر من كده، بس لو عايز تشوف بعينك روح للبيت الخشب، هتلاقي عشيقته لسه هناك بتمشي بعده بشوية عشان محدش يشك فيها.
جحظت عين يوسف من حديثها، لكنه لم يستجب لمحاولتها للتأثير عليه وتشويش عقله، وقال بلهجة جادة:
يالا عشان أطلعك أوضتك.
وبالفعل، بعد أن أوصلها إلى غرفتها، وهم بالنزول، وجد زهرة، زوجة عمه، تدخل إلى المنزل وهي تتلفت حولها وتفرك يدها من فرط التوتر. هنا تلقائيًا التفت يوسف إلى سميرة، التي لاحظت تغير ملامح وجهه، فعرفت على الفور أنه شاهد زهرة قادمة من الخارج، فنظرت له نظرة فحواها: "ألم أقل لك...".
أغلق يوسف باب غرفتها وانطلق إلى غرفته، وظل ساهرًا يفكر: هل صحيح ما تشير إليه سميرة؟ لكنه قرر أن يتحدث مع عمه مراد، فهو رجل صادق ولن يخون أخاه أبدًا.
مرت ساعات على انتظار يوسف لمراد، حتى داهمه سلطان النوم، فغفى في مقعده، لكنه استيقظ بعد وقت قليل على هدير سيارة عمه، فهب مفزوعًا من نومه وذهب لغسل وجهه محاولًا إفاقة نفسه حتى يعرف كيف يتحدث مع عمه وهو بكامل تركيزه. وما إن نزل إلى الأسفل حتى سمع همهمات قادمة من اتجاه المطبخ، فاقترب ليرى من هناك، لكنه تفاجأ بعمه مراد مع زوجة عمه زهرة في وضع خاص، لم يستطع أن يميز صورتهما، لكنه سمع عمه مراد وهو يهمس باسمها بلوعة عاشق يتلظى بنيران الغيرة، قائلاً:
زهرة... أنا مبقتش قادر أتحمل تكوني معاه في مكان واحد... بموت يا زهرة...
عودة للوقت الحالي:
اندفعت فاطمة بذعر من حديث يوسف، الذي يتنافى مع طهارة ونقاء أختها، وقالت ببكاء:
لا يا ابني... الكلام دا مش صح. زهرة أختي عمرها ما كانت كده، في حاجات كتير انت متعرفهاش...
يوسف بجمود:
وأنا جاهز أعرفها.
فاطمة باستفهام:
هسألك سؤال الأول وبعدها هحكيلك كل حاجة... بس توعدني تجاوب بصراحة.
تلقت بإيماءة من رأسه، ونظرة ثقة من عينيه كانت أبلغ من ألف وعد قد يتلفظه أمامها.
انت عمرك اتعاملت مع كاميليا باللي شفته من زهرة وحكته لي دلوقتي؟ بمعنى أوضح، هل اللي حصل دا خلاك تبص لكاميليا بصة وحشة عشان أمها؟
قاطعها يوسف بنبرة حاسمة:
كاميليا مراتي، اللي عشانها اتنازلت عن كل حاجة بملكها وفوقها اسم عيلتي اللي جدي هددني بيه، وإنه يتبرأ مني لو فضلت مصمم على جوازي منها...
واصلت فاطمة محاولة الوصول إلى أقصى قدر من الثقة معه:
علاقتك بكاميليا هتتأثر بأي حاجة من اللي هقولهالك دلوقتي مهما كانت صعبة؟
يوسف بصدق:
مش هقدر أقولك غير إني هفضل أحميها طول حياتي، ومش هسمح لحاجة أو لحد يمس شعرة واحدة منها.
فاطمة بحزن من حالته وما سيترتب عليها حين تخبره الحقيقة:
هتقدر تحميها من نفسك؟
خرج من يوسف ضحك ساخر من ذلك السؤال، فلو تعرف أن أكثر ما يرهق قلبه ويؤذي روحه هو أنه طوال هذه السنوات يحارب نفسه وجميع ذكرياته ومبادئه لأجلها.
تحدق بوجع يطغى على جميع ملامحه، حتى بات التغلب عليه بالأمر الشاق:
أنا موقفتش قدام نفسي غير عشان خاطرها... طول الوقت كنت بحاربني وبحارب كل اللي حواليا بردو عشان خاطرها... حتى وأنا في قمة قوتي، كنت بتهزم قدام نظرة ضعف واحدة من عيونها.
أخيرًا أخذت قرارها بسرد جميع ما يخفيه الماضي:
أنا هقولك يا ابني... عالي حصل زمان، وانت اللي هتحدد مين ظالم ومين مظلوم.
القصة ابتدت لما كنا...
---
دخلت سميرة إلى غرفتها بعد ما أزاحت نيفين من أمامها وهي تتوعد لكل عائلة الحسيني بأبشع الطرق، وسحبت هاتفها من حقيبتها وقامت بالاتصال بمجهول. وما إن فتح الخط حتى اندفعت قائلة:
بص بقى... أنا معدش عندي صبر على العيلة دي أكتر من كده، والزفت دا لو مخلصنيش منهم ونفذ انتقامنا، هحرقه هو كمان بنفس النار اللي هيتحرقوا بيها...
المجهول:
اهدي يا حبيبتي... كله هياخد جزاته، بس الصبر...
اصبر لحد إمتى والزفت دامش راضي ينفذ اللي اتفقنا عليه؟
هينفذ... متقلقيش، برضه أو غصب عنه.
ودا إزاي بقي؟
بمجرد ما أبعتله فيديو عامر وهو بيموت أبوه... صدقيني هيتحرك... وإلا فيديو وكلاب الحسيني بيغتصبوا أمه، أكيد وقتها هيتجنن وينفذ كل اللي بنقوله عليه من غير ما يفكر.
طب والحاجات دي وصلتلك إزاي؟
قالتها سميرة بانبهار:
دي لعبتي بقي... بس خلي بالك، وقتها احتمال كبير ميبقاش في يوسف عشان بنتك تتجوزه.
تتجوز ولا تتحرق... هي أصلاً مش بنتي!
قالتها سميرة بغل، وعند هذه الجملة سقطت الدموع بغزارة من عين تلك التي كانت واقفة تسترق السمع لحديث والدتها مع ذلك المجهول، والتي لم تتعرف عليه حتى الآن...
*************
شوف ياخي، بالرغم من أني مش كنت طايقك ولا طايق أبص في خلقتك، بس البوقين اللي انت قولتهم لجدك دول هيخلوني أبتدي أحترمك وأفكر فعليًا إني أصاحبك.
كان هذا صوت علي، الذي تحدث أخيرًا بعد خروج جميع من في الغرفة، وتبعه أدهم بعد أن التفت إلى كاميليا المستلقية تتطلع إليه بذهول، سرعان ما تحول لامتنان عندما رأت نظراته المطمئنة لها. ثم خرج من الغرفة فهو غير قادر على أن يرفع عينيه إلى علي بعد ما حدث مع غرامه. لكن علي، الذي أعجب بما فعله كثيرًا، شعر بمدى شجاعته عندما وقف أمام جده وألقى بوجهه جميع جرائمه دون أن يهتز من جبروت ذلك العجوز وسلطته.
لا يا شيخ... ما تطلبني للجواز أحسن!
تحدث أدهم محاولًا التغلب على شعور الذنب الذي يقرضه من الداخل لما فعله بشقيقته:
لا يا عم... تف من بقك... اتجوزك إيه أنا ناقص قرف؟
انت تطول يا له!
لا... مانا هطول إن شاء الله.
ألقي علي كلامه بنبرة ذات مغزى، ولم ينتبه لها أدهم الغارق في الذنب حتى أذنيه، فأضاف علي الذي لاحظ شروده:
انت جيت من إسكندرية إمتى؟
لسه من شوية... جيت على هنا علي طول.
استفهم علي بخبث:
انت كنت تعرف أن كاميليا هنا؟
أدهم بصدق:
بردو لسه عارف من شوية... يوسف كلمني لما عرف إن جدي والحيزبونه دي معاه في المستشفى عند كاميليا، وقالي أروح أمنعهم من أنهم يضايقوها، فجيت على هنا جري.
علي بعدم فهم:
غريبة... طب وهو مجاش ليه؟
احتار أدهم هل يخبره بتواجد يوسف في الإسكندرية أم لا، ففضل عدم الحديث وقال نافياً:
معرفش... تقريبًا برا القاهرة... بس تعال قولي، إمال انت قاعد جوا كده ومرحرح... مش خايف يوسف ييجي ينفخك؟
ينفخ مين يا د...؟ شايفني هفأ قدامك ولا أيه؟
تشدق ساخرًا:
لا... شايفك حلو وابن ناس، وخسارة في الموت بدري، وصعبان عليا من دلوقتي من اللي هيعملوا يوسف فيك...
علي بتهكم:
خاف على نفسك انت ياخويا... المهم يوسف مقالكش هو ناوي على إيه مع كاميليا؟
ولا قال ولا هيقول... يوسف أخويا كلمني مرتين النهارده، ودا في حد ذاته إنجاز. طب انت اتكلمت مع كاميليا في حاجة...؟ يعني قالتلك سبب هروبها إيه؟
علي بملل:
والله يا أدهم... أنا ملحقتش أتكلم معاها... جدك طب علينا زي القضى المستعجل...
بس يا ابني... انت متقولش عليه كده...
قاطعه أدهم باندفاع، فهو تجري في عروقه دماء الحسيني التي تمتلئ بالغرور والتكبر والعزة، فهو حتى وإن كان يكره ذلك الرجل المسمى بجده، فهو لن يسمح لأحد بالحديث عنه بسوء.
قهقه علي ساخرًا:
لا... ياد، متربي وابن ناس... والبكابورت اللي انفجر في وشه من شوية دا كان إيه؟
زفر أدهم بضيق وتابع حديثه قائلاً:
والله مانا عارف الكلام دا خرج مني إزاي... بس تقدر تقول إن الكلام دا حصيلة سنين كنت بخزنله فيهم كل أعماله اللي كانت بتبعدني عنه خطوة بخطوة، لحد ما لقيتني النهاردة واقف قدام واحد معرفوش وحسيت للحظات إني بكرهه...
شاركه علي شعوره حين قال بحزن:
متبررش يا أدهم... عشان اللي انت حاسس بيه كله جوايا... لراجل عاش حياته يأذي في أمي وأبويا وعايز يفرقهم عن بعض... لا ومكتفاش بده... بعد ما مات كان عايز ياخدني أنا وأخواتي نعيش معاه ونسيب ماما لوحدها... شفت الجبروت...
الرفاعي باشا...
قالها أدهم بسخرية، ثم أردف بحزن:
ماهو صاحبه ونفس العين... بس انت أبوك خد ممتك وخلع... إنما عمي أحمد من بعد موت أبويا لما جاب طنط زهرة وكاميليا وجم يعيشوا معانا... هنا ابتدت المعاناة الحقيقية لحياتنا كلنا.
بقولك إيه... شكل كلامنا هيطول... أنا بقول نشوف حتة نقعد فيها... بما إنك مطرود وأنا صايع... خلاص قفلت حساب الفندق اللي كنت نازل فيه وكنت ناوي أسافر النهارده على إسكندرية، بس مش هعرف أمشي غير لما أطمن على كاميليا وأتكلم معاها... وإلا خالتك فاطمة هتعلقني على باب العمارة... أنا أصلاً مش عارف هرجع لها بإيدي فاضية إزاي من غير كاميليا.
سخر أدهم قائلاً:
لا... ماهو، انت لو فكرت ترجع بكاميليا يبقى كأنك راجعلها بكفنك بالظبط...
علي باندهش:
يا ابني... انت محسسني إن يوسف أخوك دا هولاكو... طب إيه رأيك بقى إني هقعد مع كاميليا وأطمّن عليها برضه... هتشوف؟
يا ابني... لو سخن، نشوفلك دكتور يكشف عليك وتشوفها برضه.
علي بتحدي:
طب... هتشوف...
أدهم بتهكم:
طب يلا يا خويا... هننزل نقعد في كافيه جنب المستشفى... وكده وكده يوسف هييجي الصبح أكيد... مش هيتأخر... وقتها ابقي ورينا شجاعتك.
طب... هنسيب كاميليا هنا لوحدها؟
متقلقش... عم عبده بره... هوصيه... لو حصل حاجة يكلمني على طول.
أطاعه علي، وما أن نزلا كلا منهما إلى الأسفل، ظهر أحدهم الذي كان يسترق السمع لما يدور بينهم، وحاول أن يستغل غيابهم لتنفيذ مخططه. فاقتحم غرفة كاميليا لتشهق برعب من تلك الهيئة المرعبة التي رأتها، وما إن همت بالصراخ حتى امتدت يد لتكمم فاهها، حتى شعرت بأن الروح بدأت تفارقها...
يتبع ........
فيه هنا اقتباس قمررر منتظرة رايكم فيه
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!