الوجه السادس و العشرون للعشق 🌹
حين أتقنت التظاهر بأنني بخير، ظن الجميعُ أنني تعافيت. لا يعلمون أنني أُجبرتُ على ذلك فقط كي أحيا.
نورهان العشري ✍️
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
أنا عرفت مكان كارما وغرام.
كانت هذه الكلمات البسيطة التي ألقتها سهى، صديقة كارما، على مسامع كلٍّ من علي — الذي فتح باب المنزل ما إن سمع الجرس — وأدهم القادم من الداخل. قال علي بلهفة:
بجد يا سهى؟
خرج كلا من كاميليا ومازن ويوسف على سؤال علي، فأجابته سهى لاهثة:
ماعرفتش مكانهم فين بالضبط، بس عرفت مين خاطفهم.
اندفع مازن نحوها بنفاد صبر قائلاً:
ومستني إيه؟ ما تقولي!
لم يكد مازن ينهي جملته حتى فاجئهم صوت من الخلف:
حصل إيه يا علي؟ لغرام وكارما؟
كان هذا صوت رامي الخطيب، المزعوم لِغرام، الذي سافر عقب قراءة الفاتحة مباشرةً لحضور مؤتمر طبي، وترك المجال لغرام للتفكير، لكنه جاء مسرعًا عندما علم ما حدث، ليتفاجأ بأدهم الذي اصطكت أسنانه من الغضب حين رآه، وكادت عيناه تخرجان من محجريهما.
أعاد علي سؤال مازن مرة أخرى إلى سهى، فأجابته لاهثة:
دكتور ماجد. دكتور ماجد هو اللي خطفهم!
قَبَض علي جبينه لدى سماع ذلك الاسم، بينما علت درجة حرارة دم مازن من الغضب فصاح بصوت جهوري:
الكلب والله لهورية.
نظر إليه الجميع باندهاش، وسأله علي:
مين ماجد دا؟ وإنت تعرفه منين يا مازن؟
زفر مازن حانقًا وأجاب بعجلة:
الحيوان دا معيد عند كارما في الكلية وحاول يضايقها قبل كدا وأنا وقفته عند حده.
غضب علي بشدة وقال صارخًا:
وإزاي أنا معرفش بحاجه زي دي؟
أجابه مازن بحدة:
معرفش يا علي ومش مضطر أديك تقرير باللي بعمله.
زادت حدة كلام علي وعلت صرخاته قائلاً:
لا، مضطر لما يبقى الموضوع يخص أختي. تبقى مضطر، ورِجلك فوق رقبتك.
تدخل أدهم حانقًا:
انتوا هتفضلوا تتخانقوا على التفاهات دي وتسبّوا المهم؟ عايزين نطمن عليهم ونعرف الزفت دا وداهم فين؟
أجاب علي بغضب:
دي مش تفاهات. مش معقول واحد معيد يخطف طالبة عنده كدا من الباب للطاق. أكيد البيه عمل عمله سودا عشان يوصله إنه يتهوّر ويعمل كدا.
ردّ مازن بغلظة:
أيوه عملت. ضربته وكسرتُ عضمه ودوسيت عليه قدام الجامعة كلها، وهددته أنه لو قرب منها تاني هتبقى نهايته على إيدي.
انقض علي على مازن لكمًا بعنف وقال بغضب جحيمي:
يعني أخواتي دلوقتي مخطوفين بسبب غباوتك وتهورك؟
تقدّم يوسف وقبض على يد مازن التي كانت على وشك لكم علي، وهو يصيح في كلا منهما:
بطل انت وهو لعب العيال دا. قاعدين بتتخانقوا و سايبين المصيبة الكبيرة اللي إحنا فيها؟! إيه، انتوا هايفين للدرجادي دا؟ إنتوا حتى ما مدّتش فرصة للبنت تقول اللي تعرفه.
زمجر مازن غاضبًا:
إنت مش شايفه بيعمل إيه؟ وجاي يضربني في الآخر عشان دافعت عن أخته من واحد مجنون زي دا.
اغتاظ علي من حديثه وأوشك أن ينقض عليه مرة أخرى، لكن تدخل يوسف حائلًا بينهم كسد منيع، ليزأر بقوة:
خلاص بقى يا علي، المهم نعرف مكان البنات ونرجعهم بالسلامة.
ثم نظر إلى مازن وهو يزجره بغضب:
وأنت تسكت خالص—مش وقته الكلام دا. ابقوا صفّوا حسابتكم دي بعدين، خلّينا في المهم دلوقتي.
اقترب من سهى قائلاً بوقار:
لو سمحتي يا آنسة سهى ممكن تقولي لنا كل اللي تعرفيه؟
طالعته سهى بانبهار، ونظرة يملؤها إعجاب، التي لم يخِفها تلك القطة التي أبدت مخالبها فجأة، فَتقدمت من بين جميع الرجال، سحبت سهى من معصمها بقوة، وأجلستها على الكرسي خلفهم وهي تقول بحدة:
اتفضلي، قوليلنا يا ست سهى اللي تعرفيه.
خافت سهى من تلك النمرة التي كانت تطالعها بنظرات قاتلة، فأجابت بلهفة:
يوم خطف البنات كان عندنا امتحان واتلغى، فكنت رايحة للدكتور ماجد عشان أعرف المعاد هيكون امتى تاني. فدخلت عليه لاقيته متوتر جدًا، وسألتُه فقال لسه مش عارف. وفجأة جاله تليفون، لقيته بصلي كدا وقالي: اتفضلي اطلعي بره. باين إنه مكنش عايز يرد قدامي لأنه وشه اتقلب مِيت لون لما التلفون رن. أنا بصراحة استغربت حالته وخرجت. بعد ما طلعت افتكرت أني كان معايا ورق مهم لازم أديهوله فرجعت تاني، لاقيته بيكلم حد وبيقوله: يا غبي مش قلتلك ركّز، أنت كدا هتضيعنا. ومعرفش اللي على الخط قاله إيه، لقيته بيرد عليه: خلاص روح وأنا هحصّلك على المكان اللي اتفقنا عليه. بصراحة أنا خفت أكلمه وهو متعصّب كدا، فرجعت تاني، وبعدها عرفنا موضوع خطف كارما وغرام، بس أنا ما تخيلتش أنه له يد فيه. وتاني يوم الخبر انتشر والغريب أنه ما بانش عليه أي خضة أو حتى تأثير، مع أنه كان بيتجنّن لما كارما غابت يوم. لحد ما جه النهارده؛ كنت رايحة أوضه دكتور شوقي عشان أشيل ورق عنده في الدرج—هو مدّيني مفتاح مكتبه عشان أحط ورق الامتحان بتاعنا لأنه عنده ظروف ومش هيقدر ييجي. وأنا بفتح الدرج المفتاح وقع تحت المكتب، نزلت أجيبه ولقيت دكتور ماجد جايب محمد، واحد من أفراد الأمن بتاع الجامعة، وبيقعد يتخانق معاه ويقوله: إيه جابك؟ مش قلتلك خليك معاهم لحد ما أجيلك وأنا هظبطلك موضوع الغياب بتاعك. فمحمد رد عليه وقاله: متقلقش يا حمو، أنا واخد بالي كويس. أنا قولت أظهر في الصورة عشان محدش يشك فيّا، وبعدين بصراحة أنا محتاج فلوس. فماجد زعقله وقاله: أنا اديتك نص الفلوس قبل ما تنفذ وقلتلك هديك الباقي بعد ما العملية تخلص. فمحمد قاله: لا، أنا غيرت الاتفاق وهزود الفلوس شويه، دا خطف مش لعب عيال وممكن يوصلني لحبل المشنقة وأنا عايز أأمن عيالي. لقيت ماجد بيقوله: خلاص روح دلوقتي وتعالى بكرة هديك عشرة آلاف جنيه. محمد قاله: لا عشرين. فماجد قاله: موافق. ومحمد قاله: هجيلك الساعة عشرة الصبح آخدهم منك. فماجد قاله: تاخدهم وتطلع على المكان اللي حاطينهم فيه وما تشوفش وشك هنا تاني. بعد كده خرجوا، وأنا استنيت شويه لما اتأكدت أنهم مشيوا، وجيت جري هنا عشان أبلغكم.
أنهت سهى كلامها لاهثة، فكوّر مازن قبضته ولكم الحائط خلفه قائلاً بغضب:
الحيوان. والله لهندمه عاليوم اللي اتولد فيه.
كان أدهم يستمع للحديث وداخله بركان يزداد توهجه أكثر فأكثر؛ فمنذ أن دخل هذا المدعو رامي إلى البيت وهو يودّ الفتك به، وجاء حديث تلك الفتاة ليزيد بركان غضبه أكثر. وكان علي هو الآخر ينفث النيران من أنفه وهو يتوعد لذلك الماجد بأقسى أنواع العقاب. نظر يوسف إلى الثلاثة وقال بسخرية:
مناظركم انتوا التلاتة دي هتوصلنا لطريق مسدود. إحنا دلوقتي مسكنا طرف الخيط، عايزين نحسب خطواتنا الجاية صح. ماجد دا أكيد مش لوحده وإحنا لازم نتحرك بسريّة تامة عشان أي غلطة البنات هي تدفع تمنها.
انفعل مازن قائلاً:
الكلب دا أنا هروح أجيبه من قفاه وأطلع عين أهله لحد ما يقول فين داهم؟
عارضه علي قائلاً بصياح:
أنا اللي هروح أجيبه وهعرف أربيه إزاي.
أيده أدهم في الرأي قائلاً:
دا لازم يتجاب وياخذ بالجزمة لحد ما يعترف ويقول داهم فين؟ وعمل فيهم إيه؟
تحدث رامي مستنكرًا آثار جنون أدهم:
لا طبعًا غلط جدًا اللي انتوا بتقولوه دا، كدا ممكن يخلي الناس اللي معاه تأذيهم.
نظر يوسف إليهم بغضب قائلاً:
أنا شايف إن انتوا التلاتة متفكروش خالص. الزفت دا محدش هيلمسه ولا هيحط إيده عليه غير لما البنات ترجع بالسلامة.
أوشك علي أن يتحدث فتابع يوسف بلهجة أكثر حدة:
إحنا منضمنهوش؛ ممكن يعمل إيه هو والي معاه؟ دا واحد دكتور—كون أنه يفكر التفكير الغبي دا مع طالبة عنده لمجرد أنها رفضته أو أنه تتخانق مع خطيبها، يبقى مريض وده متوقع منه أي حاجة.
زفر أدهم قائلاً بعصبية:
طب والحل يا يوسف؟ هتفضل قاعدين حاطين إيدينا على خدنا كدا وهما بين إيدين المجنون دا؟
أجابه يوسف بتعقل:
لا طبعًا. إحنا هنراقبه لحد ما نعرف مكانهم.
قال علي بحِنق:
وهو اهبل، ما أكيد عامل حسابه عشان محدش يشك فيه.
هكذا أجاب علي، ليجيبه يوسف بغموض:
متقلقش، أنا عندي خطة هتخلّينا نعرف مكانهم فين بالضبط؟
************
كانت نيفين تُطالِع زين وهو يلهو ويلعب مع روفان في الحديقة بنظراتٍ يملؤها الكره؛ فلم يكن يكفيها كل تلك المشكلات ليأتيها ذلك الفتى الصغير ويسحب البُساط من تحت قدميها، فجدّها أصبح وكأنه مهووس به، يدلّله كثيرًا، وهذا ما أغضبها. وتلك الحرباء المسماة سميرة يجب أيضًا التخلّص منها، فقد استمعت إلى حديثها مع ذلك الغريب الذي كانت تتخلّله بعض العبارات الوقحة والإيحاءات البذيئة التي توضح أن علاقتهما ليست بالبريئة. فهي لابد أن تستخدم تلك النقطة لصالحها حتى تستطيع أن تتخلّص منها نهائيًا، وعندها ستكون بمفردها أمامهم، وعليها أن تضع خطة محكمة للتقرّب إليهم جميعًا واستمالتهم، وذلك بتمثيل دور الضحية الذي يروقها كثيرًا أن تلعبه، ولهذا فعليها أن تبدأ في تنفيذ أولى خطواتها لتحقيق مبتغاها.
توجّهت نيفين إلى غرفة والدها الذي عاد ليلًا في ساعة متأخرة، وطرقت عليها عدة طرقات بسيطة، فأذن لها بالدخول. فتحت الباب ودخلت بخطوات سلحفائية مطأطئة الرأس، وقالت بصوتٍ خفيض:
كنت عايزة أتكلم معاك شوية، ممكن؟
تهلّلت أسارير مراد الذي كان يفكر في كيفية التقرّب إليها وإعادة بناء الشرخ القائم في علاقتهما، فقال بلهفة وهو يدعوها للجلوس بجانبه على الأريكة:
طبعًا يا نيفين، تعالي اقعدي هنا جنبي.
تقدّمت نيفين وجلست بجانبه، وأخذت تفرك كفّيها ببعضهما وكأنها تبحث عن كلمات تبدأ بها، فبادرها بالحديث قائلًا:
حقك عليا يا نيفين. أنا عارف إني أهملتك قوي، وعارف إنك كنتِ كتير بتتاخدي في الرجلين بسبب المشاكل اللي بيني وبين أمك. لكن أوعدك إني هعوّضك عن كل اللي فات.
طالعته نيفين بنظرات المسكنة والحزن، وقالت بنبرةٍ منكسرة:
أنا مش زعلانة منك يا بابا. أنا اللي جاية أعتذرلك عشان أسلوبي معاك آخر مرة كان وحش. حقك عليا... آسفة.
قالت كلمتها الأخيرة وأتبعتها بدمعةٍ جعلت مراد ينتفض من مكانه، يتآكله شعوره بالذنب تجاهها، فأخذها داخل أحضانه وقال بأسفٍ حقيقي:
حقك عليا يا بنتي، أنا اللي آسف. أنا اللي أهملتك وظلمتك كتير. أنا مش زعلان منك. ليكِ حق تقولي وتعملي أكتر من اللي عملتيه. أنا مقدّرتش مشاعرك، بس غصب عني... موت ميرفت كان صدمة بالنسبالي، وكمان مكنتش أقدر أسيب زين لوحده أكتر من كده، كان لازم أجيبه يعيش وسط أهله. زين يتيم واتحرَم من أمه في وقت هو محتاجلها فيه أوي.
قاطعته نيفين بلهفةٍ مصطنعة:
متبرّرشلي يا بابا، دا حقك وحقه. حقه يعيش وسطنا. أنا صدقني مش ضده، بالعكس، أنا بحاول أأقلم نفسي على وجوده. أنا بس ليا رجاء واحد عندك.
أجابها مراد بلهفة:
أؤمريني يا حبيبة بابا.
أتقنت نيفين تزييف ملامح وجهها وذرف العَبَرات من مقلتيها تزامنًا مع كلماتها التي كانت كفيلة بزلزلة الجبال:
متنسانيش وسط اهتمامك بزين. متقولش دي كبيرة وخلاص مش محتجاني. إديني ولو جزء بسيط من وقتك... عشان أنا محتجاك أوي.
شقّت كلماتها قلب مراد إلى نصفين، فأخذها داخل أحضانه وهو يردد عبارات الأسف، وفرت الدموع من عينيه، وأخذت تتقاذفه وخزات الندم على ما أوصل ابنته إليه، وهي أن تترجاه ليعطيها بعضًا من وقته وألا ينساها، غافلًا عن تلك البسمة الساخرة المرتسمة على شفاه الأفعى. قال مراد بصوتٍ مبحوح من فرط التأثر:
وقتي كله ليكِ يا حبيبتي. حقك عليا مرة تانية إني وصلتك للحالة دي. أوعدك من النهارده مش هغيب عنك تاني، ولا هخليكي تحتاجيني تاني ومتلاقينيش. هكون دايمًا جنبك وفي ضهرك، وهحميكي من كل حاجة وحشة، وأولهم أمك.
فقد أخبرته صفية بما حدث من سميرة قبل أيام، لتقاطعه نيفين بلهفةٍ مقصودة لزرع بذور الشك في قلبه:
ياريت يا بابا تحميني منها... ياريت متخلّينيش أحتاجلها تاني. أنا عايزة أنسى إنها أمي.
قطّب مراد حاجبيه لكلمات ابنته الغريبة وقال باستفهام:
ليه يا نيفين؟ حصل منها إيه عشان تقولي كده؟
اصطنعت نيفين التوتر وهبّت من مكانها، معطيةً مراد ظهرها، وقالت بتلعثمٍ مقصود:
م... مفيش، مفيش حاجة.
زادت شكوك مراد من مظهر نيفين وطريقة تلعثمها في الحديث، فقال بحدةٍ طفيفة:
نيفين، بصّيلي هنا وقوليلي في إيه؟
التفتت إليه نيفين قائلةً بانهيار:
مفيش حاجة... أرجوك متضغطش عليّا أكتر من كده.
أنهت كلماتها ثم هرولت خارج الغرفة وأغلقت الباب خلفها، وهي تشعر بالانتصار بعد هذا العرض المسرحي، فها هي أولى خطواتها قد نجحت نجاحًا عظيمًا.
**********
_ ممكن أعرف انتَ موديني على فين؟
كانت تلك الكلمات لهند التي أخذها رائد في رحلة غامضة، وقد جعل الرعب يدق في قلبها خوفًا من أن يعيد فعلته الدنيئة معها مرة أخرى، فأجابها هو بلهجة حانية قلّما تظهر منه:
_ من وقت ما خرجنا من الشركة وانتِ مش على لسانك غير السؤال دا، ممكن تثقي فيا شوية؟
تحدثت هند وقد كانت كلماتها تقطر ألمًا ومرارة:
_ ما أنا وثقت فيك قبل كده، والنتيجة كانت إيه؟ معتقدش إني ممكن أثق فيك تاني!
ذكّرته كلماتها بذنبٍ مغروز كالشوك في قلبه، لكنه حاول أن يغيّر مجرى الحديث ويضفي بعض المرح على الأجواء.
_ ورد عاملة إيه في الدراسة؟ لسه برضو بتعمل نفسها بطنها وجعاها عشان متروحش المدرسة؟
توترت هند لسؤاله عن أختها، فمنذ ذلك اليوم المشؤوم وهو لم يسأل عن أحد من أفراد أسرتها، فلماذا يسأل الآن؟ تُرى هل علم بما تخطط له؟ حاولت أن تسيطر على توترها حتى لا يظهر في نبرة صوتها، وقالت باقتضاب:
_ كويسة الحمد لله، عادي هي ورد هتتغير!
قهقه رائد وهو يتذكر موقفًا حدث أمامه من تلك الشقية ورد، وقال من بين ضحكاته:
_ مش قادر أنسى منظرها لما عملت نفسها مغمي عليها هنا في العربية، وقال إيه ضغطها واطي، وكل دا عشان متروحش المدرسة! تصدقي؟ وحشاني ونفسي أشوفها.
قال جملته الأخيرة وهو ينظر إليها نظرة ذات مغزى، فشعرت بالرعب يدب في أوصالها من حديثه ونظراته، لتلتفت إلى الجهة الأخرى خوفًا من أن يرى ذلك الخوف المرتسم على ملامحها، وهي تدعو الله في سرها ألا يكون قد كشف مخططها.
وقف هو السيارة ووضع أصابعه تحت ذقنها وأدار رأسها تجاهه، ثم نظر داخل عينيها قائلًا بنبرة مُشبعة بالذنب:
_ أنا عارف إني أذيتك وظلمتك معايا، بس اديني فرصة أخلّص من كل العك اللي أنا فيه دا، وأوعدك هعوضك عن كل حاجة وحشة شفتيها، بس خليكِ جنبي واصبري عليّ شوية.
كانت كلماته أشواكًا تُزرع في قلبها، الذي لو أطلقت له العنان لكانت الآن مرتمية بين طيات قلبه تبكي حبها وألمها وحماقتها.
فلو كان الأمر يخصها وحدها لتركَت كل شيء وخطت معه نحو المجهول، ولكن الأمر يصل إلى من هم أغلى وأنقى منها بكثير، فلم يعد أمامها مفر سوى حمايتهم من تلك اللعنة التي أصابتها، وهي لعنة عشقه.
فرت دمعة هاربة من طرف عينيها، تلقّتها أطراف أصابعه بحنان وقال بلهجة ناعمة:
_ أنا جايبك أغلى مكان على قلبي، وهكشفلك سرّ مفيش مخلوق في الدنيا يعرفه.
أضاءت كلماته ومضة الفضول داخلها لتنظر حولها، وإذا بها ترى لافتة منقوش عليها: "مشفى الأمراض العقلية".
فقطبت جبينها قائلة باندفاع:
_ هو أنا كنت متأكدة مليون في المية إنك مجنون، بس إنك تبقى معترف بدا لا، صدمتني الصراحة!
ضحك رائد بقوة على حديثها وقال عندما هدأت ضحكاته:
_ هو أنا مجنون آه، بس مش للدرجة دي! يلا انزلي، في حد لازم أعرّفك عليه جوا.
استجابت هند لطلبه وترجلت من السيارة، وتبعته إلى الداخل، ووقفت بانتظاره عدة دقائق حتى أنهى حديثه مع ذلك الطبيب، ثم توجه نحوها وأخذها من يدها دون حديث وتوجه بها إلى إحدى الغرف.
وما إن فتح الباب حتى وجدت تلك السيدة الجميلة جالسة على سريرها ناظرة إلى الأمام، فلم تنتبه لدخولهما، بل الأحرى أنها لا تنتبه لأي شيء مما يدور حولها.
اقترب منها رائد مُقبّلًا يدها وجبينها قائلًا بحب:
_ وحشتيني يا أمي.
نزلت الكلمة على هند كالصاعقة! هل فعلًا هذه المرأة تكون والدته؟ فالجميع يعلم أن عائلته متوفاة وهو طفل صغير! فكيف تكون تلك المرأة والدته؟
هل يُعقل أنه أوهم الجميع بقصة والديه المحزنة تلك؟!
لم تلتفت السيدة تجاههما، وكما توقعت هند فهي تعيش في عالمٍ خاص بها يختلف تمامًا عن عالمهم، لكن ذلك لم يثنِ رائد عن الحديث معها ومحاولة إقحامها داخل ذلك العالم، لتجده يحادثها وكأنها تسمعه:
_ عارف إني اتأخرت عليكِ وإنك أكيد زعلانة مني، بس غصب عني صدقيني. لكن أنا النهارده قررت أصالحك، وأجبلك حد غالي عندي أوي، وكان نفسي تتعرفي عليه من زمان.
اختتم جملته ثم رفع يده ومدّها إلى هند التي ترددت لحظات قبل أن تضع كفها فوق كفه الممدود تجاهها، وتقدمت نحو السرير الخاص بتلك السيدة.
لكن ما زاد من صدمتها تلك الكلمات التي قالها رائد لأمه:
_ دي هند اللي حكتلك عنها يا أمي، دي أغلى إنسانة عندي في الدنيا بعدِك، وأكتر إنسانة اتظلمت معايا وبسببي.
جبتها هنا النهارده عشان أعتذرلها قدامك، وأقولها إنها غالية عندي أوي، وإني ناوي أعوضها عن كل حاجة وحشة شافتها معايا... بس هي تقول "مسامحة".
ثم نظر إليها قائلًا برجاء:
_ ها، مسامحة ولا لأ؟
هطلت العَبرات من مقلتيها دون أن تكون لها القدرة على إيقافها، فتلك الكلمات الحانية التي تخرج من بين شفاهه تزيد من ألمها وعذابها.
فكيف لها أن تتركه بعد ما فعله الآن؟ كيف لها أن تكسر قلبه بعد تلك الوعود التي طالما تمنّت أن تسمعها منه؟
فهي الآن تجد نفسها أمام خيارين كلاهما أصعب من الآخر:
أن تنجو بعائلتها من بطشه وذلك الانتقام الذي كلفها الكثير من المعاناة ولا تدري إلى أين سيأخذهم؟
أم تتراجع عن قرارها بهجره وتجازف بأن تنكشف أمام يوسف الحسيني، الذي قد يهدم العالم فوق رؤوسهم؟
لا تعرف ماذا تفعل، فللقلب رأيٌ متناقض تمامًا عن رأي العقل، وهي حائرة في المنتصف لا تدري ما عليها فعله.
أنقذها دخول الممرضة التي نادت على رائد لتبلغه بأن مدير المشفى يريد الحديث معه، فتركها بمفردها مع والدته قائلًا إنه لن يتأخر.
نظرت هند إلى ملامح تلك السيدة المسالمة، والتي تبدو وكأنها نسجت عالمًا ورديًا في خيالها لتعيش فيه هربًا من قسوة هذا العالم، وللحظة شعرت بأنها تحسدها وتتمنى لو تفعل مثلها.
لكن ما باليد حيلة، فقد فُرِض عليها العيش في كل هذا العذاب دون القدرة على الاعتراض حتى...
قامت هند بالجلوس بجانبها وقالت بلهجة يائسة:
_ أنا معرفش إيه اللي حصل وصلك للحالة دي، بس أكيد حاجة كبيرة أوي اللي توصلك إنك تخلقي عالم جواكِ وتعيشي فيه. أكيد الدنيا كانت قاسية عليكِ أوي.
تناثر الألم من عينيها وهي تتابع:
_ أنا بتمنى أكون زيك، بس للأسف عندي ناس تانية أخاف عليهم، ناس مقدرش أتخلى عنهم، ناس بحبهم لدرجة إني مستعدة أدوس على قلبي وعلى سعادتي عشان بس أحميهم.
تحولت نبرتها من الحزن إلى القهر حين قالت:
_ مقدرش أستسلم وأسيبهم يواجهوا أخطائي ويدفعوا تمنها، أرجوكي سامحيني، وقوليله يسامحني، مش هقدر أضحي بيهم حتى لو على موتي. لازم أحارب عشانهم، وعشان أحميهم من الناس اللي مبترحمش.
تعانقت أوجاعها مع قلّة حيلتها وأمنياتها المستحيلة حين قالت:
_ ياريتني قابلته في مكان وزمان تانيين، مكنتش هتخلى عنه أبدًا.
قوليله إني يهون عليّ الموت، ولا إنه يسيبه يواجه العذاب دا كله لوحده، بس غصب عني مش هقدر... مش هقدر.
أنهت كلماتها ثم فرت هاربة تبكي حبها المحكوم عليه بالموت، وقد حسمت أمرها بأنها ستفعل أي شيء مقابل حماية عائلتها، حتى لو كانت ستعيش بلا قلب، فهي تركته معه.
_ والله يا رائد بيه، دا اللي حصل بالظبط، أنا معرفش مين الشخص اللي جه سأل عنك هنا.
هو جه سأل الأمن ومشي على طول، بس الكاميرات جابته من ضهره، وتقريبًا كان واخد حذره عشان ميتصوّرش.
تلك كانت كلمات مدير المشفى لرائد الذي اندهش من حديثه، وأخذ عقله يعمل في كل الاتجاهات، فذلك المكان لا يعلم أحد عنه ولا أن والدته هنا، فقد أخفاها جيدًا عن العيون، فالكل يظن أنها ميتة، حتى عمه.
فمن الذي يراقبه ويسعى خلفه؟ حتى كاميرات المراقبة لم تنجح في إظهار ملامح ذلك الشخص، فمن هو إذن؟
لم يسعفه عقله بإجابة، وخاصة عندما ظهرت تلك الممرضة التي كانت تهرول تجاههم قائلة بذعر:
_ الحقني يا دكتور! الست اللي تبع الأستاذ دا جالها حالة انهيار عصبي!
********
متقلقيش يا آنسة سهى، إحنا كلنا حواليكِ ومأمّنينك كويس.
كانت هذه كلمات يوسف المطمئنة وهو ينظر في المرآة إلى سهى التي تجلس في المقعد الخلفي للسيارة، وتلك التي كانت تستشيط غضبًا من تلك الفتاة التي لا تُخفي إعجابها الشديد بيوسف، ومما زاد من حنقها تلك الكلمات التي أجابته بها، وتلك النبرة الرقيقة المفتعلة كما وصفتها كاميليا.
_ مش قلقانة يا يوسف بيه، أنا واثقة في حضرتك!
تنفست كاميليا بصوتٍ مسموع وهي تطرق بأصابعها فوق تابلوه السيارة، فتلك كانت وسيلتها للتنفيس عن غضبها، لتُعدل سهى من حديثها قائلة بتوتر:
_ أقصد واثقة فيكوا كلكوا، وبعدين كارما وغرام دول أصحابي من وإحنا لسه صغيرين، وزي إخواتي، وممكن أعمل عشانهم أي حاجة.
لم يُجبها يوسف خوفًا عليها من تلك النمرة المتوحشة التي تكاد تفتك بها، وإنما صوب كل انتباهه إلى مدخل بيت ذلك المعيد، وما أن لمحه يستعد للخروج من باب البناية حتى تحدث مع سهى بنبرة جافة:
_ ماجد نازل. جاهزة؟
ارتعبت سهى من لهجته، لكنها أجابت بنبرة ثابتة نوعًا ما:
_ جاهزة.
_ مش محتاج أفكرك، لازم تاخدي بالك كويس أوي، وتمثّلي دورك بالحرف. الغلطة هنا بفورة.
لم ينتظر إجابتها، إنما أمرها بالنزول فورًا، فأطاعته دون جدال. وما أن اقتربت من ماجد الذي كان على وشك الصعود إلى سيارته حتى نادت عليه:
_ دكتور ماجد! دكتور ماجد!
التفت ماجد إلى ذلك الصوت ليتفاجأ بسهى تقف على بُعد سنتيمتراتٍ منه، فقطب جبينه باستغراب قائلًا:
_ سهى! إنتِ إيه اللي جابك هنا؟
توترت سهى بعض الشيء، لكنها استجمعت شجاعتها وقالت بصوتٍ أنثويٍ رقيق:
_ بصراحة كنت عايزة أتكلم مع حضرتك في موضوع.
_ والموضوع ده مكنش ينفع تأجليه لما نتقابل بكرة في الجامعة؟
أجابته سهى بلهفة:
_ لا، الموضوع ده مينفعش يتقال في الجامعة، ومينفعش يتأجل أكتر من كده!
ذمّ ماجد شفتيه، فهو لا يريد التأخر على لقاء حبيبته، فأجابها بملل:
_ خير يا سهى، موضوع إيه اللي مينفعش يتأجل ولا يتقال في الجامعة؟!
تقدمت سهى منه ونظرت داخل عينيه وهي تقول بخفوت:
_ دكتور ماجد، أنا...
_ إنتِ إيه يا سهى؟
هكذا أجابها ماجد بنفاد صبر.
_ أنا معجبة بيك من زمان أوي، وكنت عايزة أصارحك، بس مكنتش بتيجي فرصة مناسبة.
قطّب ماجد جبينه بإندهاش قائلًا:
_ إيه؟! معجبة بيا أنا!
تقدمت سهى منه خطوة أخرى وقد أتقنت لعبتها جيدًا، وتفنّنت في اللعب على أوتار كبريائه المجروح قائلة:
_ ومالك مستغرب أوي كده ليه؟ إنت ألف واحدة تتمناك، بس إنت اللي كنت مغمّض عنيك ومش شايف غير واحدة بس.
أجابها ماجد بسخرية:
_ وبما إن الواحدة دي مخطوفة أو مش موجودة حاليًا، فقلتي تستغلي الفرصة!
أجابته سهى بلهفة وقد اغرورقت عيناها بالدموع:
_ لا والله، أنا مش كده، وأوعي تفكر إني فرحانة في خطف صاحبتي، أبدًا. بس غصب عني، لما لاقيتك مش مهتم بغيابها، وحتى مش باين عليك إنك متأثر، قولت يبقى الطريق لقلبك بقى مفتوح. أنا آسفة لو كنت ضايقتك بكلامي، بس إنت أكتر حد عارف إننا ملناش سلطة على قلوبنا.
نجحت سهى في استفزاز رجولته، خاصةً عندما هطلت دموعها، وذلك الضعف الذي ظهر في صوتها، فأخذ ماجد ينظر إليها لا يدري ماذا يقول، لتبادره هي قائلة:
_ يظهر إني غلطت لما جيتلك وصرّحتلك بمشاعري، أنا آسفة.
أنهت كلماتها تزامنًا مع دوخةٍ بسيطة اعترتها، فكانت على وشك السقوط حتى امتدت يد ماجد لتلتقطها، فاقتربت منه للحد المرغوب لها ولتنفيذ خطتها، ليقول ماجد بلهفة:
_ سهى! إنتِ كويسة؟ أودّيكي المستشفى؟
أنهت سهى ما جاءت لأجله فقالت بقوة حاولت رسمها:
_ أنا كويسة، متقلقش عليّا، أنا محتاجة أمشي، وياريت تنسى كل اللي قولتهولك.
أنهت كلماتها وهي تعتدل في وقفتها محاولةً إظهار كونها أنثى جُرحت بشدة وتحاول لملمة شتاتها، فقالت بكبرياء:
_ أنا مش هعطّلك عن مشوارك أكتر من كده. واضح إنك كنت مستعجل، أنا بس جتلي لحظة شجاعة محبتش أضيّعها، بس الظاهر إني كنت غلطانة... اتفضل امشي.
توتر ماجد بصورةٍ ملحوظة عندما رن هاتفه، وقال محاولًا التخفيف عنها:
_ بصي يا سهى، أنا مستعجل دلوقتي، لكن أوعدك إننا هنقعد مع بعض ونتكلم كتير، بس أنا مضطر أمشي دلوقتي. عن إذنك.
كان كل هذا يحدث أمام أنظار يوسف وكاميليا، التي كان الغضب والغيرة يأكلانها بلا رحمة، ولم يَخفَ هذا على يوسف الذي كان أكثر من مستمتع بغيرتها تلك. فبادرته كاميليا بالحديث قائلة:
_ جدعة أوي سهى!
أجابها يوسف بتأكيد:
_ آه، بنت ممتازة.
زاد غضبها أضعافًا من حديثه عنها، لتحاول التحكم في نفسها قدر الإمكان قائلة:
_ وأمورة كمان!
فأجابها يوسف بتأكيد:
_ آه فعلًا.
أخذت درجة حرارتها تزداد شيئًا فشيئًا فقالت بسخرية:
_ إيه رأيك نشوفلها عريس؟ يعني بنت جدعة وممتازة وكمان أمورة، منضيعهاش من إيدينا.
كان يوسف يسايرها في الحديث وهو يكتم ضحكاته بصعوبة، فأجابها بنبرةٍ لا مبالية:
_ هي فعلًا خسارة تضيع من إيدينا، بس أنا مش خاطبها يا روحي.
علت نبرة كاميليا بعض الشيء وهي تقول بغضب:
_ أممم، ولا ندورلها على عريس ليه؟ ما العريس موجود أهو، وعجباه كمان، لا، وفي نظرات وابتسامات!
أخذت تُقلّد لهجتها بسخرية:
_ "واثقة فيك يا يوسف"، و"معرفش إيه يا يوسف"، وأنا أباجورة قاعدة جنبك!
أجابها يوسف بلهجةٍ محذّرة:
_ كاميليا، صوتك ما يعلّاش، ومتنسيش إننا لولاها مكنّاش عرفنا نوصل للي خطف بنات خالتك، فبطّلي جنان.
أغضبتها لهجته وعرفانه بجميلها، فهذا الرجل يثير جنونها؛ فتارةً يكون حنونًا للدرجة التي تجعلها تذوب بين يديه، وتارةً يكون باردًا غير مبالٍ بوجودها، وتارةً أخرى يكون قاسيًا في تحذيره، فكيف يمكنها التعامل معه!
_ تصدق؟ عندك حق، أنا مجنونة فعلًا! بس مش عمياء، وشايفة نظراتها ليك عاملة إزاي!
_ أديكي قلتيها: نظراتها. وأنا مش مسئول عن نظرات الناس ليا، وياريت تقفلي الموضوع بقى.
أحزنتها كلماته، لكنها الحقيقة، فهو غير مسئول عن ردود أفعال الفتيات تجاهه. لكنها نوبات الغيرة الملعونة التي تصاحبها عندما يتعلق الأمر به، لا تدري ماذا تفعل، فآثرت الصمت، ووجهت أنظارها لتلك الفتاة محاولةً كبت دموعها التي تهدّد بالانفجار.
ولأنها جزء لا يتجزأ منه، فألمها يؤلمه، لكنه يعلم أن هذا ليس الزمان ولا المكان ليرضي جنونها.
رأى يوسف ماجد يهمّ بالانصراف، فقام بالنظر إليها وإدارة وجهها نحوه، ناثرًا اعتذاره فوق جبهتها وآخر بجانب فمها، وقال بصوتٍ خفيض خرج من قلبه إلى قلبها مباشرة:
_ أنا مبشوفش غيرك، مفيش واحدة ست في العالم ممكن تهزّ فيا شعرة في غيابك، مابالُك بوجودك بقى!
هطلت الدموع من عينيها كالشلال، ولم تستطع أن ترد عليه، ليحتويها وهو يقول بحب:
_ دموعك دي أغلى من إنها تنزل على حاجات تافهة زي دي.
أنهى يوسف كلماته، ثم ترجل من السيارة وذهب إلى مكانها، وفتح الباب، وقام بإخراجها ليحتويها بقوة أمام سهى القادمة تجاههم، والتي كانت مصدومة مما رأته، وخاصةً وهي تراه ينثر عشقه فوق وجهها قبل أن يقول بلهجةٍ حانية اخترقت مسامع سهى:
_ خلي بالك من نفسك يا قلبي، إن شاء الله مش هتأخر عليكِ.
صُدمت كاميليا من حديثه فقالت:
_ إيه ده! هو أنا مش هاجي معاكوا؟
قال يوسف بصوتٍ خفيض لكن صارم:
_ مش هينفع يا كاميليا. إنتِ طلبتي تيجي معانا وتشوفي بعينِك هيحصل إيه، وخلاص لحد هنا. مش هقدر أعرّضك للخطر. تتفضّلي تروحي من غير مناقشة، وإن شاء الله مش هنتأخر عليكِ.
التفت يوسف تجاه سهى قائلًا بوقار:
_ شكرًا يا آنسة سهى، لحد هنا دورك انتهى، تقدري تتفضّلي، العربية هتوصلك.
لم ينتظرها أن تجيبه، إنما اتجه تجاه دكتور رامي الذي كان أدهم ينظر له وكأنه فريسة وهو الصياد، ليقول يوسف بصرامة:
_ دكتور رامي، هتروح توصل كاميليا وسهى البيت، وترجع لنا على طول.
اغتاظ رامي من طلب يوسف، ليقول بحدة:
_ واشمعنى أنا يا يوسف بيه اللي أروح؟ أظن اللي مخطوفة دي خطيبتي، وأنا أولى أكون معاكوا، تقدر تبعت أي حد تاني، وجودي مالوش لزوم.
كانت كلماته قد أشعلت فتيل أدهم الذي كان على وشك الانقضاض عليه، لولا نظرات يوسف المرعبة التي جمدته في مكانه، والذي قال بنبرةٍ أحرجت رامي:
_ بصراحة يا دكتور رامي، كاميليا حالتها مش مطمئنة، وأنا مش هقدر أجازف إنها تتعب في الطريق ولا حاجة، وكمان إنت الدكتور بتاعها اللي متابع حالتها، وأكيد لو تعبت هتقدر تتصرف.
بدت حجته مقنعة، خاصةً حين أضاف:
_ وتقدر تحصلنا بعد ما توصلها. كده كده الحراسة هتكون وراكم، وهيكونوا على علم بمكاننا عشان يحصّلونا.
لم يُعطِ يوسف له الفرصة للاعتراض، حيث التفت لرئيس الحرس خاصته وقال بصرامة:
_ نفّذوا اللي قولتلكوا عليه.
انصاع رامي لطلب يوسف على مضض، وداخله يغلي من الغضب، خاصةً عندما رأى تلك النظرات الشامتة من أدهم له، فأخذ يسبّ ويلعن داخله.
أما أدهم، فقد تنفس الصعداء عندما تخلّص من هذا الطبيب المزعج، حتى إنه لم يستطع أن يُخفي ضحكته، فباغته يوسف بلكمةٍ خفيفة على كتفه أيقظته من شروده، وقال له بلهجةٍ تحذيرية:
_ بطل تضحك زي الهِبل كده، ويالا عشان ورانا حاجات كتير هنعملها، ولينا قاعدة عشان شكلك عامل بلاوي كتير من ورايا.
صعد يوسف إلى سيارة مازن الذي بادره بالحديث:
_ جهاز التتبع اللي حطّته سهى في هدومه اشتغل، ودلوقتي نقدر نتحرك.
_ تمام، يالا. وأنا كلمت الناس بتوعي وهيقابلونا على الصحراوي.
_ وأنا كمان، قوات الدعم مستنيّة مني الإشارة عشان تتحرك.
هكذا قال علي قبل أن تنطلق السيارة في وجهتها المجهولة...
**********
ما إن ترك ماجد سهى وصعد إلى سيارته حتى فتح الهاتف الذي ظل يرن، وكان ذلك المتصل هو المدعو محمد، فبادره بالحديث قائلًا:
في إيه؟ كل دا رن! ما قولتلك جايلك في الطريق.
البت اللي جوا دي مصدعانا من الصبح، عمالة تزعق وتصرخ، وأختها كمان لما سمعتها قعدت تصوّت زيها! وانت قولت جاي من ساعة وما جِتش، نعمل معاهم إيه؟
صرخ ماجد فيه قائلًا:
أوعى تقربلهم! أنا جاي في الطريق، مسافة السكة وهكون عندك.
وبالفعل وصل ماجد إلى وجهته، ذلك البيت المهجور بالقرب من إحدى الطرق الصحراوية، فوجد محمد وذلك المدعو حمو جالسين في مقدمة البيت، ويحيط بهما العديد من الرجال المسلحين، ولكنه لم يسمع أي صوت صادر من الغرف المحتجزة بهما الفتاتان، فقال بلهفة:
أنا مش سامع صوت للبنات ليه؟
أجابه حمو قائلًا:
لأ، مفيش، أصلهم صدّعونا، فخوفناهم شوية عشان يسكتوا.
ذُعِر ماجد من حديثه، فأمسكه من تلابيبه صارخًا في وجهه:
عملت فيهم إيه يا حيوان؟ أنا مش قولت محدش يقرب منهم!
دفعه حمو وقال بصوته الجهوري:
إنت هتمد إيدك عليا يا حيلتها؟ لا، بقولك إيه، دا أنا أدفنك هنا!
ارتعب ماجد من مظهر ذلك المجرم، وقد تأكد أنه ارتكب خطأً كبيرًا حين وثق بهؤلاء الأوغاد.
ثم توجه إلى الغرفة المحتجز بها كارما، فصُعق مما رآه؛ فقد كان خدّها متورمًا وكانت ترتجف من شدة الرعب، فيبدو أن أحد هؤلاء الأوغاد قد صفعها.
جنّ جنونه وخرج ثانيةً ليهاجم ذلك المجرم حمو، ولكمه لكمة عنيفة أطاحت به ليسقط أرضًا، ثم أخذ ينهال عليه بالضرب حتى تطاير الدم من فمه. وما إن كاد يوجه له الضربة القاضية حتى فوجئ بضربة مفاجئة على رأسه من الخلف؛ فقد كان محمد في الحمّام وخرج على صوت الشجار، فلما رأى ماجد على وشك قتل حمو، ضربه بالمطرقة على رأسه لإنقاذ صديقه.
نظر محمد إلى ماجد بخوف وقال:
يا نهار ازرق! ليكون مات؟
قال حمو وهو يحاول الوقوف:
مات ولا غار في داهية، إيده طايرة ابن الكلب!
ساعده محمد وغسل وجهه بالماء قائلًا:
هنعمل إيه دلوقتي يا حمو؟
أجابه ذلك الشيطان قائلًا:
إحنا نكتّف الكلب دا ونرميه في أي أوضة، ونستمتع إحنا بالمزّتين الحلوين دول.
أتبع كلامه بضحكة كريهة، فأُعجب محمد بمخططه وقال بسخرية:
على رأيك، واهو نلبّسها للعاشق الولهان دا، ونبلّغ عنه، ونخلع إحنا بالفلوس ونسيبه يلبسها هو.
أيوه كده يا أبو حميد، فتح مخك معايا، هي دي الخطط ولا بلاش؟ يلا بقى، أنا هاغسل وشي وأجي أجهّز عشان أشوف المزة اللي جوه دي نظامها إيه.
كانت غرام ترتجف خوفًا على شقيقتها التي هدأ صوتها، فقد مرت الأيام الثلاثة عليهن وكأنها دهر؛ فلم تكن ترى أحدًا سوى ذلك الشخص الملثم الذي يدخل ليضع الطعام أمامها ثم يخرج دون أن يتفوه بحرف واحد.
كانت تصرخ وتصرخ على أمل أن يسمعها أحد، ولكن دون جدوى.
وكانت كارما ما إن تسمعها تصرخ حتى تشاركها الصراخ، وأحيانًا تنادي عليها باسمها لتطمئن أنها بخير. فيأتي ذلك الكريه ويضع لاصقًا على فمها ليمنعها من الصراخ.
لكن اليوم، أتى ذلك النذل وصفعها صفعة مدوية أخرستها، وجعلت الألم يشتعل في خدّها، وأوصالها ترتجف من الخوف.
خافت أكثر على أختها التي هدأ صوتها هي الأخرى، مما يدل على أنها نالت صفعة من ذلك المجرم.
وعندما خُطِفت كانت قد استطاعت أن تنزع القناع عن أحدهم، وأقسمت أنها رأته من قبل، لكن ذاكرتها لا تسعفها لتتذكر أين رأته ومن يكون.
كانت كارما ترتجف خوفًا عندما أتى ذلك المجرم وصفعها بوحشية، فأخذت تبكي في رعب، لكنها صُدمت حين رأت ماجد يدخل الغرفة.
إذن فقد كان هو مختطفها!
وهو نفسه الشخص الذي يرتدي القناع والذي كان يأتي كل يوم طوال الأيام الثلاثة الماضية، يجلس أمامها ينظر إليها بعيون يملؤها الحزن والألم دون أن يتفوه بحرف واحد مهما صرخت عليه.
كاد عقلها أن يجنّ!
كيف يستطيع أن يفعل بها هذا؟ ويختطفها هي وشقيقتها ويحجزهما بتلك الطريقة غير الآدمية؟
لكنها لم تصل إلى إجابات بعد، لتتفاجأ بأحدهم يُلقي ماجد بجانبها وهو مقيّد وفاقد الوعي، فبدأت دموعها بالهطول.
إذن، ماجد أصبح أسيرًا مثلها، وأصبحوا جميعًا تحت قبضة هؤلاء المجرمين.
كانت غرام تبكي وتتضرع إلى الله أن يزيل ذلك الكابوس، وتعود هي وشقيقتها سالمتين إلى بيتهما، فإذا بذلك المدعو حمو يقتحم غرفتها وينظر إليها بنظرات يملؤها الشهوة، فازداد رعبها.
أخذ يتقدم منها ببطء حتى صار على بعد سنتيمترات قليلة منها، فقالت بصراخ:
ابعد عني يا حيوان! إنت عايز مني إيه؟
قهقه حمو ضحكة كريهة تشمئز لها النفوس، وقال بمكر:
إحنا هننبسط مع بعض شوية يا قطة.
وما إن أنهى كلماته حتى تقدم منها، فأخذت تصرخ رعبًا من مظهره المقزز ونواياه الخبيثة، فوصل صوتها إلى كارما التي شعرت بالخوف الشديد على شقيقتها، وأخذت تصرخ وتصرخ حتى جرحت حنجرتها، على أمل أن يسمعها أحد...
***********
كانت السيارات قد وصلت إلى أقرب نقطة من ذلك البيت المهجور، لكنها توقفت خوفًا من أن يكشفهم هؤلاء المجرمون.
قام يوسف بأمر رجاله بتطويق المكان، وأرسل بعضهم ليتقدّموا زحفًا لمعاينة الموقع ورؤية عدد الرجال الموجودين، كما أخبر عليًّا بأن تتأهّب القوات في انتظار إشارة منه.
ترجّل الأربعة، وكلٌّ منهم يمسك سلاحه الخاص، حتى عاد رجال يوسف وأخبروهم بأن هناك رجلين يقفان بأسلحتهما عند مقدّمة المنزل، وآخرين في الخلف، وأنهم سمعوا صراخ الفتيات.
فانتفضت القلوب رعبًا مما قد يُقدِم عليه هؤلاء المجرمون، فانقسموا إلى فريقين: يوسف وأدهم من الجهة الخلفية، وعلي ومازن من الجهة الأمامية، تُحاوطهم القوات من جميع الاتجاهات.
ومع كل خطوة كان أدهم يتقدّمها، ويصل إلى مسامعه صراخها، كان يتمزّق داخليًا ويدعو الله أن يحفظها له، متوعِّدًا هؤلاء الأوغاد بأقسى أنواع العقاب.
أسرع في خطواته تزامنًا مع علوّ صرخاتها، ليوقفه يوسف قائلًا بصوت حاد ولكن خفيض:
اهدأ شوية يا أدهم، إنت كده هتكشفنا، وده ممكن يكون خطر على حياتهم.
قاطعه أدهم غاضبًا، وقد كانت كل خلية في جسده تحترق رعبًا عليها:
أهدى إزاي؟! مش سامع صوتها بتصرخ؟!
أجابه يوسف مطمئنًا إياه:
إن شاء الله هننقذهم، متقلقش.
أنهى يوسف كلماته، ثم ألقى حجرًا ليلفت انتباه ذلك الذي كان يقف حارسًا للمكان ممسكًا بسلاحه، فتقدّم الحارس تجاه مصدر الصوت، فباغته يوسف بلكمة في منتصف رأسه، وكسر عنقه فسقط صريعًا في الحال.
أما أدهم، فقد فاجأ الآخر الذي كان يعطيهم ظهره، فضربه بمؤخرة سلاحه فوق رأسه عدة ضربات أفقدته وعيه.
وكذلك فعل عليّ مع الحارس في الجهة الأخرى، ومازن أيضًا الذي أخذ يلكم الحارس الأخير حتى آلمته قبضته، فقد كان يفرّغ غضبه في وجه ذلك القذر.
تقدّم أدهم، يقوده قلبه نحو صوت محبوبته، وكسر باب الغرفة ليجد ذلك الحيوان يحاول الاعتداء عليها، فجنّ جنونه وانقضّ عليه، ينهال عليه باللكمات أمام نظرات غرام المرتعبة، التي لم تصدّق أنه استطاع التدخّل في الوقت المناسب.
لكن اتسعت عيناها ما إن لمحت القادم نحوهم وهو يحمل مسدسًا في يده، ليدفعها قلبها إلى الصراخ قائلة:
حاسب يا أدهم!
لتخرج إحدى رصاصات الغدر وتصيب...
يتبع..
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!