دخلت من الباب الرئيسي، فاستقبلني تكييف بارد، وإضاءة هادية، وحركة موظفين رايحين وجايين، كل واحد فيهم ماشي بخطوات سريعة كأنه عارف طريقه كويس. أما أنا... عيني جابت الشركة من جوا، فيها من روح شركة بابا الله يرحمه، واللي مش هيهدالي بال إلا لما أرجعها لصاحبها. كنت بحاول أخبي توتري على قد ما أقدر. اتقدمت ناحية الريسبشن، وكانت بنت في أواخر العشرينات قاعدة بابتسامة هادية. _صباح الخير. ابتسمتلي. _صباح النور، أقدر أساعد حضرتك؟
_أنا رُهام... عندي معاد إنترڤيو الساعة 11. بصت على شاشة الكمبيوتر قدامها ثواني، وبعدها ابتسمت. _أيوة يا فندم، اسم حضرتك موجود. ناولتني Visitor Card "كارت زائر". _اتفضلي، الدور الخامس، وهتلاقي موظف الاستقبال هناك يدلك على مكتب الـHR. _شكرًا. ركبت الأسانسير، وبمجرد ما الباب اتقفل، أخدت نفس طويل كنت حابساه من أول ما دخلت. بصيت لانعكاسي في المراية، عدلت الطرحة، وسويت ياقة القميص، وهمست لنفسي: _اهدي يا رُهام...
دي مجرد إنترڤيو، مش أكتر. لكن الحقيقة... كانت أكتر بكتير بالنسبة ليا. لما باب الأسانسير فتح، خرجت بخطوات هادية، لحد ما وصلت لمكتب الاستقبال في الدور الخامس. عرفتهم باسمي، فطلبوا مني أنتظر دقائق لحد ما مسؤول الموارد البشرية يفضى. قعدت على أحد المقاعد، وقلعت الشنطة من كتفي، وحطيتها على رجلي، وأنا بطمن مرة أخيرة على ملف Cv فيها ولا لا. كل دقيقة كانت بتمر، كنت بحاول أقنع نفسي إني هادية...
رغم إن كفوف إيديا كانوا بيفضحوا توتري. بعد دقائق قليلة... فتح باب أحد المكاتب، وخرج شاب أنيق، بص عليا، وبص في الورقة اللي في إيده، قبل ما ينادي: _أستاذة رُهام؟ وقفت بسرعة. _أيوة. ابتسم ابتسامة عملية. _اتفضلي معايا. مشيت وراه لحد ما دخلنا مكتب متوسط الحجم، مرتب وبسيط. شاورلي على الكرسي اللي قدامه. _اتفضلي. قعدت، وحطيت الشنطة جنبي، وأنا بحاول أسيطر على توتري. قعد قدامي، وفتح الملف اللي كان في إيده.
_أنا أحمد، مسؤول الـHR. هزيت راسي بابتسامة بسيطة. _تشرفت. ابتسم ابتسامة عملية، وبدأ يبص في الـCV اللي ادتهوله. _خبرتك كويسة... اشتغلتي في أكتر من مكان. _الحمد لله. _إيه سبب إنك عايزة تسيبي شغلك الحالي؟ أخدت نفس هادي قبل ما أجاوب. _بصراحة... الشركة بتمر بظروف، وكل يوم بنسمع إن في تصفية موظفين، غير إن المرتب مبقاش مناسب للمجهود ولا لظروف المعيشة، فبدأت أدور على فرصة أقدر أستقر فيها وأطور نفسي. هز راسه وهو بيسجل ملاحظة.
_ولو جالك عرض من شركتكم بعد ما تقدمي استقالتك؟ ابتسمت بهدوء. _لو كانوا مقدرين وجودي من البداية، مكنتش فكرت أمشي. رفع عينه من الورق وبصلي للحظة، وبعدها كمل. _إيه أكتر حاجة شايفة إنك متميزة فيها؟ فكرت ثواني. _إني بتعلم بسرعة، وبعرف أتحمل ضغط الشغل، ولما بمسك مسؤولية بحاول أخلصها بأفضل شكل أقدر عليه. _وأكتر نقطة بتحاولي تطوريها في نفسك؟ ابتسمت بخفة.
_إني ساعات ببقى دقيقة زيادة عن اللزوم، فبقعد وقت أطول عشان أتأكد إن كل حاجة مظبوطة. ابتسم هو كمان. _دي تعتبر ميزة وعيب في نفس الوقت. ضحكت بخفة. _أيوة. فضل يقلب في الملف شوية، وسألني كام سؤال تاني عن البرامج اللي بشتغل عليها، وطبيعة شغلي السابق، وإزاي بتعامل مع ضغط المواعيد. جاوبت على كل الأسئلة بهدوء، ومع كل إجابة كنت حاسة إن توتري بيقل تدريجيًا. قفل الملف، وسنده على المكتب. _تمام يا أستاذة رُهام...
أنا شايف إن خبرتك مناسبة جدًا. ابتسمت من غير ما أتكلم. كمل وهو بيقف. _فاضل خطوة أخيرة بس. عقدت حواجبي بإستفهام. _حضرتك هتعملي مقابلة بسيطة مع المدير التنفيذي للشركة، ولو كل حاجة مشت تمام، هنتواصل معاكي بالإجراءات النهائية. وقفت وأنا ماسكة شنطتي. _تمام... شكرًا لحضرتك. فتح باب المكتب، وبمجرد ما خرجنا، بص ناحية السكرتيرة وقال: _بلغي مستر يونس إن أستاذة رُهام جاهزة للمقابلة الأخيرة. أول ما سمعت الاسم...
وقفت مكاني ثانية، من غير ما أحس. يونس؟! استغربت للحظة... هو أيه حوار الاسم دا معايا، من وقت ما قابلت يونس دا صاحب محمد، ليه اسمه بقى يظهرلي في كل حتة! مش بعيد ألاقيه هو المدير التنفيذي؟! وأنا اللي كنت مفكرة إن محدش يعرف الاسم دا غيره، لا ما شاء الله طلع أشهر من نار على علم. ابتسمت بسخرية على تفكيري. وانتبهت للـHR: _هو المدير بنفسه اللي بيعمل آخر إنترڤيو؟ سألته بعفوية. ابتسم أحمد وهو بيهز راسه. _في بعض الوظائف، آه..
مستر يونس بيحب يقابل المرشحين بنفسه قبل قرار التعيين النهائي. هزيت راسي بتفهم. _تمام. اتجه أحمد ناحية السكرتيرة، واتكلم معاها بصوت واطي، وهي هزت راسها، وبعدها رفعت سماعة التليفون الداخلي. فضلت واقفة مكاني، وأنا حاسة إن دقات قلبي رجعت تعلى تاني. حاولت أهدي نفسي، وعدلت الطرحة مرة تانية من غير سبب، وبعدين مسكت الشنطة بإيدي الاتنين. بعد أقل من دقيقة... قفلت السكرتيرة السماعة، وابتسمت وهي بتبصلي.
_اتفضلي يا أستاذة رُهام... مستر يونس مستني حضرتك. بلعت ريقي، وأخدت نفس عميق. _بسم الله... مشيت وراها في ممر طويل، لحد ما وقفنا قدام باب كبير، عليه لوحة فضية لامعة مكتوب عليها: CEO Mr. Younes... خبطت السكرتيرة على الباب بخفة. وجالها صوت هادئ من الداخل: _اتفضل. لفت ناحيتي بابتسامة مهنية. _اتفضلي. مديت إيدي لمقبض الباب... ودخلت. دخلت بخطوات هادية، وأنا بضم الشنطة لكتفي من غير ما أحس.
المكتب كان واسع، بإضاءة دافية، وواجهة زجاجية كبيرة بتكشف جزء من المدينة. لكن اللي لفت نظري... إن الكرسي اللي ورا المكتب كان متلف ناحية الشباك. صاحب المكتب كان واقف، ضهره ليا، وإيده في جيبه، كأنه كان سرحان في حاجة. قفلت الباب بهدوء. _السلام عليكم. لف ليا ببطء... وأول ما وشه بان... اتجمدت مكاني، وعيني اتسعت من الصدمة. _... يونس؟!
متوقعتش خالص إن تفكيري أول ما سمعت اسمه برا، يتجسد فعلًا قدامي، كل اللي افتكرته إنه مجرد تشابه أسماء مش أكتر! هو كمان وقف لحظة، لكن ابتسامته الهادية شككتني فيه، لإن حسيت إنه متفجأش خالص بوجودي، فخمنت إن يمكن محمد قاله، وهنا خدت بالي إن سارة مقالتليش إنه هو، بس لما أروحلها. قام من مكانه بهدوء، وقال بنبرة رسمية: _وعليكم السلام، أهلًا يا آنسة رُهام... اتفضلي. لسه واقفة مكاني، وعقلي بيحاول يستوعب. _أنت...
ابتسم ابتسامة صغيرة. _واضح إنك مكنتيش تعرفي إن دي شركة والدي. هزيت راسي تلقائيًا. _لأ... والله ما كنت أعرف. أشار ناحية الكرسي المقابل لمكتبه. _اتفضلي اقعدي... ومتقلقيش، دي مجرد إنترڤيو عادية... وبس. بصيتله ثواني، وبعدها قعدت، وأنا لسه حاسة إن المفاجأة أكبر من إني أستوعبها بسرعة. فتح الملف اللي قدامه، وبص فيه لحظة، قبل ما يرفع عينه ليا من تاني، لكن المرة دي... كان المدير التنفيذي هو اللي بيبص...
مش الشاب اللي قابلته صدفة عند سارة من كام إسبوع. ابتسم ابتسامة هادئة، وقفل الملف قدامه. _قبل أي حاجة... أحب أوضح إن وجودك هنا ملوش أي علاقة بقرابتك مع زوجة صاحبي. بصيتله باهتمام، وكمل بنفس الهدوء: _الـHR قيم خبرتك، وشاف إنك مناسبة للمرحلة الأخيرة، وأنا دوري دلوقتي أتأكد إن الشخص اللي قدامي مناسب للمكان ده. هزيت راسي وأنا بحاول أرجع هدوئي. _فاهمة. أخد القلم من على المكتب، وبص في الـCV.
_خبرتك كلها تقريبًا في نفس المجال... لكن إيه أكتر إنجاز أنتِ فخورة بيه في شغلك؟ اتنفست بهدوء، وبدأت أجاوب. _اشتغلت على مشروع كان متأخر جدًا، وقدرنا نخلصه قبل المعاد المطلوب، مع إن الفريق كان ناقص أفراد، واتعلمت وقتها إزاي أرتب أولوياتي تحت ضغط. هز راسه بإعجاب خفيف، وسجل ملاحظة. _ولو طلبت منك تمسكي مسؤولية أكبر من منصبك؟ _لو عندي القدرة أعملها... مش هتردد. رفع عينه من الورق وبصلي مباشرة. _ولو غلطتِ؟
ابتسمت ابتسامة بسيطة. _أعترف بغلطي، وأصلحه، وأتعلم منه... لأن مفيش حد مش بيغلط. لأول مرة ابتسم ابتسامة واضحة. _إجابة كويسة. حسيت إن توتري بدأ يخف شوية، فاستجمعت شجاعتي وسألته: _ينفع أسأل حضرتك سؤال؟ حط القلم على المكتب. _اتفضلي. _هو... حضرتك كنت عارف إن صاحبة الـCV دي أنا؟ سكت ثواني، وكأنه بيختار كلماته. _لما محمد بعتلي الملف... عرفت. عقدت حواجبي. _وموافقتك كانت بسبب إنك تعرفني؟ هز رأسه بهدوء، ونبرته بقت أكثر جدية.
_لو كان السبب إني أعرفك... مكنتيش دخلتي أول إنترڤيو أصلًا. شاور على الملف اللي قدامه. _اللي وصلك لحد هنا... ده، واللي هيحدد إذا كنتِ هتكملي أو لأ... هو اللي هتقدميه في شغلك بعد كده. بصيتله لحظة، وحسيت إن الإجابة دي شالت جزء كبير من القلق اللي كان جوايا، ابتسمت ابتسامة صغيرة. _شكرًا. بادلني ابتسامة هادية، وقفل الملف. _مبروك يا آنسة رُهام... أقدر أقول إنك اجتزتي المقابلة بنجاح. اتسعت عيني بعدم تصديق. _بجد؟
ابتسم وهو بيقف من مكانه. _أهلًا بيكي... في شركتنا. -بعد خروج رُهام بدقايق... أول ما باب المكتب اتقفل وراها... فضلت باصص عليه كام ثانية، من غير ما أتكلم. وبعدين ابتسمت لوحدي، وأنا بهز راسي. _سبحان الله... أنا فعلًا شوفتها تاني. قعدت على الكرسي، وسندت ضهري، وأنا بفتكر أول مرة قابلتها بعد الفرح عند محمد وسارة. كانت هادية... لكن عنيها وقتها كانت شايلة وجع أكبر من سنها. ولما دخلت النهاردة...
ملامحها كانت متوترة، لكنها دخلت بكل احترام وثقة، وكأنها جاية تثبت لنفسها قبل أي حد إنها تستحق مكانها. وأكتر حاجة لفتت نظري... إنها محاولتشش تستغل إنها تعرفني. بالعكس... أول سؤال سألته، كانت خايفة تكون اتقبلت لمجرد المعرفة. ابتسمت وأنا ببص على الـCV مرة تانية، ومديت إيدي وقفلت الملف، ولسه هقوم... رن موبايلي. محمد رديت عليه. _ها يا عم؟ جالي صوته مستعجل. _خلصت؟ ضحكت. _آه. _وبعدين؟ سكت ثانية، وبعدين قولت بابتسامة:
_اتقبلت. اتنهد براحة. _كنت عارف. ضحكت. _لا... أنت كنت واثق فيها. رد من غير تردد: _لأن سارة حكتلي عنها كتير... والبنت فعلًا تستحق. هزيت راسي وأنا ببص ناحية الباب اللي خرجت منه من شوية. _وأنا النهاردة اتأكدت بنفسي. سكت محمد لحظة، قبل ما يقول بمكر: _طب قول بقى... اتوترت لما شوفتها؟ ضحكت غصب عني. _أقفل يا محمد. ضحك بصوت عالي. _يعني اتوترت. ابتسمت وأنا بقفل المكالمة. _رخم...
حطيت الموبايل على المكتب، وقومت وقفت قدام الشباك، وأنا ببض على الناس والعربيات اللي بيتحركوا تحت... وابتسمت من غير ما أحس. الغريب... إني كنت فاكر إن أكتر حاجة كنت مستنيها هي المقابلة دي. لكن بعد ما خلصت... اكتشفت إن اللي مستنيه بجد... هو أول يوم شغل ليها هنا وحاجة تانية كدا الله يعجل بها. _في مكان آخر... دخل أحد رجاله المكتب وهو ماسك ملف صغير. _يا باشا... رفع عينه من الورق. _ها؟ _البنت سابت شغلها القديم. عقد حواجبه.
_إمتى؟ _النهاردة... ووقعت عقد في شركة تانية. اتعدل في قعدته. _شركة إيه؟ هز الراجل راسه. _لسه بنحاول نعرف. سكت ثواني، قبل ما يقول بنبرة جامدة: _اعرف. _حاضر. وقبل ما الراجل يخرج، وقفه. _واسمع... لف ناحيته. _من النهاردة... أي خطوة هتخطوها رُهام، أنا لازم أعرفها قبل ما اليوم يخلص. _أوامرك يا باشا. خرج الراجل، أما هو... فضل باصص قدامه، وهو بيطرق بإصبعه على سطح المكتب، وبعدين ابتسم ابتسامة باردة.
_واضح إنك ابتديتي تتحركي يا بنت عمي... بس فاكرة إنك هتسبقيني؟ لجميع الفصول من هنا
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!