تحميل رواية «مالم يحكي» PDF
بقلم دنيا شعبان
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
اقرأ مالم يحكي بقلم دنيا شعبان.
رواية مالم يحكي الفصل الأول 1 - بقلم دنيا شعبان
_ إنتِ أي اللي جابك هنا؟ مش قادرة تسيبيه يفرح شوية بدل النكد اللي معيشاه فيه؟
بتهز رجليها بتوتر وعينها متثبتة على الساعة، بقت تعد الثواني، وكل دقيقة بتعدي كان خوفها عليه بيكبر أكتر. رجعت مسكت التليفون، بس قبل ما ترن عليه سمعت صوت المفتاح في الباب، حطت إيدها على قلبها بارتياح وخدت نفسها وطلعته بهدوء، وقفت وقربت منه أول ما دخل والقلق كان باين عليها.
_ اتأخرت ليه يا حبيبي؟ أنا قلقت عليك.
قلع الجاكت وحطه على كرسي السفرة، ورجع بصلها تاني وقال بهدوء:
_ معلش يا حبيبتي، بس كان عندي ضغط في الشغل النهارده.
_ شغل شغل إيه اللي يفضل لغاية الساعة 2 بليل؟
_ شغل عادي، هو أنا بشتغل إيه يعني؟
_ إنت بتكلمني كده ليه؟ أنا غلطانة إني خوفت عليك؟
_ لا يا ستي، أنا الغلطان، ارتاحتي؟
حاولت تهدأ عشان ما يتخانقوش زي كل ليلة.
_ طيب غير هدومك وأنا هجهز السفرة على طول.
_ لا لا، أنا أكلت مع أصحابي في الشغل.
_ برضو؟ هو كل يوم تأكل معاهم وأنا أفضل مستنياك عشان نأكل سوا، وفي الآخر تسيبني أستناك على الفاضي؟
_ وأنا قولتلك بعد كده ما تستننيش، يعني هتفضلي كل يوم على كده؟
_ ليه؟ هو إنت هتفضل ترجع متأخر كده كتير؟
_ الشغل هو اللي بيحكم بده، ولا عايزاني أفضل قاعد معاكي في البيت؟
_ لا، بس لازم تفهم إن فيه إنسانة ليها حقوق عليك، ومن أبسط حقوقها تشوف جوزها وتقعد معاه شوية.
_ وهو إنتِ كده مش شايفاني؟
_ لا بجد، ده على أساس إنك مش هتدخل تنام دلوقتي وتسيبني زي كل يوم؟
_ طيب ما ده الطبيعي، وهو أنا معنديش شغل غيرك ولا إيه؟ وبعدين إيه شغل العيال ده؟ ناقص تقوليلي تعالى ننزل نتمشى شوية.
_ ياريت بجد، أنا بجد زهقت.
_ إيه شغل المراهقين ده؟ إحنا خلاص بقينا متجوزين، الكلام ده تسيبيه للمخطوبين.
_ مين قال إن الخروجات بس بتبقى في فترة الخطوبة؟ وإن بعد الجواز المفروض نعيش مدفونين في الحياة؟
_ أنا داخل أنام عشان شكلك ناوية تقلبيها خناقة زي كل ليلة.
سابها بكل برود، ولا كأن فيه إنسانة مسؤولة منه وليها حقوق عليه. حست إنها مجرد تمثال قاعد بين أربع حيطان، مستنية أمر منه يحركها وقت ما يحب، ويركنها طول ما هو مش محتاج ليها.
فضلت طول الليل صاحية، قاعدة مكانها من ساعة ما سابها ودخل نام، ولا حاسس بمشاعرها. طول الليل بتسأل نفسها سؤال واحد بس: هو أنا بطلب منه حاجة مستحيلة؟ ولا أنا اللي مكبرة الموضوع والمفروض أستحمل كل ده لوحدي؟ بس أنا بجد تعبت، حاسة إني بقيت عايشة لوحدي، وهو كأنه عايش في لوكاندة، ييجي وقت النوم ويخرج الصبح، وأنا ولا كأني في حياته. كل سؤال من دول كان بيدور في دماغها، مش عارفة تتصرف إزاي.
خرجت من دوامة أفكارها على صوته، كان واقف جنبها وباين عليه إنه لسه صاحي.
_ بتكلمني؟
_ يااه، لسه حاسة بيا دلوقتي؟ سرحانة في إيه كده؟
_ لا أبدًا ولا حاجة، هقوم أجهزلك الفطار عقبال ما تجهز للشغل.
_ بس أنا مش رايح النهارده الشغل.
وقفت مرة واحدة وقالت بفرحة وحماس:
_ بجد؟ يعني هتقعد معايا النهارده؟ بص أنا بفكر نتفرج سوا على فيلم، وأعمل فشار ونطلب بيتزا...
قاطعها وقال:
_ أنا مش رايح الشغل، بس ورايا كام مشوار مهمين، يعني مش هبقى فاضي خالص أقعد معاكي.
اختفت ابتسامتها مرة واحدة، حست بحزن على نفسها، إن حتى الفرحة فرحتها على الفاضي.
_ طيب وفيها إيه لو تأجل مشوارك وتقعد معايا؟ إنت واحشني أوي، ومش بتقعد معايا خالص.
_ معلش يا حبيبتي، تتعوض إن شاء الله، بس ده مشوار مهم وما ينفعش يتأجل.
_ يووووه، أنا زهقت وتعبت، هو إنت كل حاجة عندك شغل شغل، وأنا إيه؟ مش في حساباتك خالص؟
_ إنتِ هتفضلي نكدية طول عمرك؟ نفسي ترحميني، أنا بقيت حاسس إني عايش في سجن.
_ سجن؟ أمال أنا أبقى إيه؟ اللي قاعدة بين أربع حيطان، وإنت اللي بتخرج كل يوم؟ حرام عليك، إنت مش حاسس بيا ليه؟
_ ولما أقعد معاكي مين اللي هيصرف على البيت وعلينا؟
_ بس أنا ليا حق عليك، وبعدين أنا ما بطلبش منك المستحيل، كل اللي طلبته يوم تقعد معايا فيه، حتى ما قولتش خرجني.
_ احمدي ربنا على اللي إنتِ فيه، أي واحدة مكانك تتمنى اللي إنتِ عايشة فيه.
_ على إيه بقى إن شاء الله؟ خليها تيجي وتشوف الهنا اللي أنا فيه.
_ هتيجي، ما تقلقيش، وبكرة تندمي على كل كلمة قولتيها دلوقتي.
سابها ودخل غير هدومه وخرج من غير ما يبص عليها حتى.
كلامه فضل يدور في دماغها: ياترى هو يقصد إيه لما قال هتيجي؟ أنا مش فاهمة حاجة. وفجأة صوت إشعار رسالة ظهر على شاشة تليفونها، بصت عليها باستغراب لأنها جاية من رقم غريب، فتحتها واتصدمت أول ما شافت الصورة.
كان هو وجنبه واحدة، وباين عليهم بيختاروا الشبكة.
وقرأت الرسالة المبعوتة مع الصورة:
"مش هتقولي مبروك لجوزك خطوبته النهارده عليّا؟"
فضلت باصة للصورة بصدمة، مفيش ثانية وكان اللوكيشن اتبعت ليها. فضلت باصة عليه وخدت نفس عميق بعد ما أخدت قرارها، دخلت غيرت هدومها وخرجت من شقتها وركبت تاكسي وطلعت على اللوكيشن.
كان صوت الزغاريط وصلها من قبل ما تدخل المحل، دخلت وشافته وهو قاعد جنب عروسته، وفيه ابتسامة عريضة على وشه عمرها ما شافتها وهي معاه. حاولت تمسك دموعها، وكلمة واحدة فضلت ترددها في دماغها: "ما يستاهلش".
_ ألف مبروك يا جوزي.
بص لمصدر الصوت، اتصدم أول ما شافها قدامه، ما كانش عارف يقول إيه ولا يبرر إزاي في الموقف ده.
_ مالك يا حبيبي؟ الكلام مش قادر تطلعه ولا إيه؟
أمه: إنتِ ايه اللي جابك هنا؟ مش قادرة تسيبيه يفرح شوية بدل النكد اللي معيشاه فيه؟
ردت عليها بكل برود رغم قسوة كلامها:
_ نكد؟ تؤ تؤ، أخس عليك يا حبيبي، بقى مفهم مامتك إني نكدية؟ أنا زعلت منك.
حاول يجمع كلام يقوله:
_ إنتِ جيتي هنا إزاي؟ وإزاي تخرجي من غير إذني؟
_ خرجت من الباب طبعًا يا حبيبي، وجيت إزاي بقى دي تسأل الصفرا بتاعتك... قصدي خطيبتك يعني.
بصلها وهي قاعدة قدامه، فركت في إيدها بتوتر وقالت:
_ مالك بتبصلي كده ليه؟ ما أنا من الأول عرفتك إن مستحيل حاجة تتم من غير ما مراتك تعرف، بس إنت اللي كنت رافض.
أمه: ولا يهمك يا حبيبتي، وبعدين ما هو كان رافض عشان عارفها نكدية، ولو عرفت هتبوظ علينا فرحتنا زي ما عملت دلوقتي.
تجاهلت كل كلام أمه وبصت للعروسة وقالت:
_ بصراحة، إنتِ صعبانة عليا أوي، يعني خسارة شبابك تحبسيه بين أربع حيطان.
ردت عليها العروسة باستغراب:
_ يعني إيه؟
وقبل ما ترد عليها كان راحلها ومسكها من إيديها جامد وشدها بعيد عن الكل وهمس ليها:
_ إنتِ إيه اللي جابك هنا؟ يلا امشي روحي البيت، وحسابي معاكي بعدين.
بس هي شدت إيدها ورجعت قربت عليهم وقالت بصوت عالي خلّى كل اللي في المحل يسمع:
_ أمشي؟ أمشي إزاي بس؟ ده حتى تبقى عيبة في حقي، يعني جوزي خطوبته النهارده وأمشي؟ بس عندك حق، أنا لازم أمشي عشان تاخد راحتك مع خطيبتك، بس مش على البيت، تؤ تؤ، على المحامي على طول. آه صح، شكلي نسيت أقولك إني هرفع عليك قضية خلع، وده أقل واجب يتعمل معاك. بقى يا راجل معيشني بين أربع حيطان زي الخدامة عندك وأنا راضية، وكل ليلة ترجعلي متأخر، واتاريك بتجهز لخطوبتك، والمغفلة اللي مرزوعة في البيت ولا معبرها. ده إنت شككتني في نفسي، وفي الآخر تقولي إنتِ عايشة في نعمة وغيرك يتمناها؟ اديني سايباهالك، وخلي النعمة للحلوة بتاعتك دي، لو استحملتك يوم واحد تبقى بطل.
رواية مالم يحكي الفصل الثاني 2 - بقلم دنيا شعبان
فضلت واقفة قدامه لثواني، وملامحها كلها قوة وابتسامة عريضة على وجهها، بتحاول تداري بيهم وجع قلبها وحزنها. أول ما خرجت من المحل، كل ده اختفى، كانت عاملة زي الطفلة التايهة، ماشية بس عقلها مش معاها. سمحت لدموعها تنزل لدرجة إنها ماكنتش شايفة الطريق بوضوح بسبب دموعها، ومحستش بنفسها إمتى وإزاي وصلت لشقتها بعد مشي كتير. أول ما دخلت، فضلت تبص لكل ركن في الشقة وكأنها بتعيد ذكرياتها اللي كانت بتحاول تعملها بنفسها، حست إن كل الذكريات كانت هي بس اللي موجودة فيها، وهو كأنه كان خيال عايش معاها طول السنين اللي عدت.
حطت شنطتها على أول كرسي قابلها، وأول حاجة بصت عليها البلكونة، أكتر مكان بتحبه في البيت كله، وأكتر مكان كانت بتقضي فيه الوقت مع كتابها المفضل وكوب النسكافية. دخلت وقربت من السور، وقبضت بإيديها عليه بقوة وغمضت عيونها بقوة وهي بتحاول تمنع دموعها إنها تنزل. فضلت تحاول تاخد نفس، وفي كل مرة كانت بتطلعه بقوة كأنها بتحاول تتخلص من كل الوجع اللي في قلبها، بس كان صعب عليها.
بدأت تفتح عينها بهدوء، رفعت إيدها ومشيتها على الزرع بكل حب وكأنها بتودعه.
وقالت بهمس لنفسها: "يمكن إنت أكتر حاجة هتوحشني بجد."
رجعت بنظرها على كل ركن في البلكونة بحزن إنها هتسيبها. "بعض الأشياء الصغيرة تُمنحك السعادة أكثر مما يعطيه الإنسان."
بعد ما فضلت واقفة في البلكونة ما لا يقل عن ساعة، خرجت منها واتجهت إلى غرفتها. أول ما دخلتها، حست بخنقة غريبة كأن الأكسجين اتسحب من الأوضة.
رفعت شنطة هدومها على السرير، وفتحت الدولاب وبدأت تلم كل هدومها فيها. في وسط هدومها كان فيه تيشرت ليه، مسكته وضغط عليه جامد عليه وكأنها بتتخيله هو قدامها، وقالت بصوت مليء بالخذلان:
_ إزاي فيه إنسان يقدر يخدع شخص للدرجة دي؟ إزاي دايمًا يطلع فيه كل العيوب لمجرد إنه يشككه في نفسه ويطلع نفسه المظلوم؟ قدر يقنعني بسهولة إنه كده بيبني مستقبلنا، كل الفترة دي مفهمني إنه بيعمل كل حاجة عشان نعيش كويس بعد كده، وهو طلع عايش لنفسه وبس، إنسان أناني وحقير. إزاي قدر يضحك عليا باسم الحب؟ طب ليه؟ ليه اتجوزني من الأول؟ ليه؟ ليه؟ وكملت بسخرية:
_ قال بيحبني. وقالت بحسرة:
_ هتفضل أكبر كذبة في حياتي.
سابت التيشرت على السرير وقفلت شنطتها حلو، رفعتها من على السرير ونزلتها على الأرض ببطء.
أول ما فتحت باب الأوضة، في نفس اللحظة باب الشقة اتفتح. دخل، وأول ما شافته قدامها فضلت مكانها لغاية ما الصدمة نزلت عليها. أول ما شافت داليا دخلت الشقة، وقفل هو الباب وراها.
(داليا اللي المفروض بقت خطيبته)
أول ما شافتها، حست إن الدنيا بقت بتلف بيها. للدرجادي جايبها لغاية عندي؟ ما عملش أي حساب ليا ولا لي رد فعلي هيكون إيه، ولا خاف حتى على مشاعري.
مشاعري؟ أنا غبية أوي بجد، يعني هو كان خاف عليا قبل كده عشان يخاف دلوقتي؟ طلع شخص أناني وأنا ماكنتش واخدة بالي، أو يمكن أنا اللي كنت مصرة أعمل نفسي مش واخدة بالي.
فضل عاصم باصص على نور، وهو شايف شنطة هدومها جنبها، فهم هي ناوية على إيه.
فاقت من سرحانها على صوته اللي بقى أكتر حاجة بتكره تسمعها:
_ إنتي رايحة فين يا هانم؟
داليا كانت بتبصلها بشماتة وغرور.
لاحظت نور نظراتها الحقيرة وقالت بقوة، وصوتها كان حاد:
_ وإنت مالك؟
رد بعصبية:
_ مالي؟ إنتي اتجننتي ولا إيه؟
داليا مسكت إيده وقالت بغيظ عشان تضايق نور، متعرفش إنها كانت قرفانة منها أصلًا:
_ متعصبش نفسك يا حبيبي عشان واحدة متستاهلش.
ردت نور بانفعال:
_ خلي واحدة غيرك تقول كده، إنتي أكتر إنسانة حقيرة ومتستاهليش، بس أقول إيه؟ ما الطيور على أشكالها تقع.
_ شايف يا حبيبي بتكلمني إزاي؟ نفسي أعرف كان عاجبك فيها إيه، ده كفاية أسلوبها.
نظراته لنور كانت حادة، مفهاش أي ذرة حنان ولا حب.
_ نور، اتكلمي عدل أحسنلك بدل ما تشوفي الوش التاني.
ردت عليه بسخرية شديدة:
_ قول وش تالت، خامس، عاشر. هو أنا كنت أعرفك أصلًا؟ لا، أنا اكتشفت إن عمري ما كنت أعرفك يا عاصم. عايشة معاك تحت نفس السقف، بس ماكنتش أعرف إنك واحد كداب وخاين ومتستاهلش الحب اللي حبيتهولك.
_ هو إنتي مكبرة الموضوع ليه كل ده؟ عشان خطبت وهتجوز؟ هو ده مش حقي؟
_ حقك؟ أنا بجد مش مصدقة البجاحة اللي بتتكلم بيها. اللي يشوفك يقول يا عيني دي ظالمة، بس الحقيقة إنك أكتر واحد ظالم ومعندكش ضمير ولا رحمة.
_ نور، آخر مرة أحذرك، احترمي نفسك وإنتي بتتكلمي معايا، وبلاش تنسي إني أبقى جوزك وواجب عليكي تحترميني.
داليا:
_ وهي تفهم إيه عن احترام الزوج وتقديره؟ وكويس إنك اكتشفتها على حقيقتها يا حبيبي، والمفروض متخليهاش على ذمتك دقيقة واحدة بعد اللي قالته.
نور:
_ إنتي تعرفي إيه عن الاحترام؟ إنتي آخر واحدة تتكلمي عنه. وبعدين يا محترمة، إزاي تيجي شقة خطيبك لوحدك، واللي هو المفروض بيتي؟ ولا ماما مقدرتش تطلع معاكي السلم؟
داليا:
_ آه، قولي إنك غيرانة مني عشان فضلني عليكي. تؤ تؤ يا حرام، متعمليش في نفسك. ومتخافيش، أنا اتكلمت مع عاصم إنه ما يطلقكيش ويرميكي في الشارع، شوفتي أنا حنونة إزاي؟ ولو على مجيئي هنا، ف ده طبيعي، هو مش لازم العروسة تيجي بنفسها عشان تشوف شقتها؟ أصل عصومي قالي إن مكانك هيبقى جنب المطبخ في أوضة الخدامين.
كانت بتسمع كلامها، وفيه سكاكين بتقطع في قلبها، مش قادرة تستوعب إن كل السنين اللي عاشتهم معاه مقدرتش تشوف وشه الحقيقي. كانت حابسة دموعها بالعافية، مستحيل تنزل دمعة واحدة على واحد زي ده، مستحيل. ده الكلام اللي كانت بتردده في سرها.
عاصم:
_ نور، اعقلي كده ودخلي شنطة هدومك جوه يا بنت الناس، ولمي الدور. أنا مش أول ولا آخر واحد يتجوز على مراته.
داليا:
_ قصدك طبعًا يا حبيبي تدخلها أوضة الخدم، مش أوضتنا. وبصت عليها بشماتة واضحة على ملامحها.
هز رأسه بهدوء، بتأكيد على كلامها.
نور بصتله بكره حقيقي من كل قلبها، ولأول مرة ما تبقاش طايقة المكان اللي هو فيه، ولا قادرة تشوف وشه. كانت بتتمنى بس يوم يقعد معاها فيه، ودلوقتي مش قادرة تشوف وشه ثانية واحدة.
مسكت شنطتها ومشيت بيها اتجاه الباب، وقبل ما تطلع كان ماسك إيدها وقال بحدة:
ـ إنتي مسمعتيش أنا قولت إيه؟
بصت على إيده وهو ماسك إيدها، سابت الشنطة على الأرض ورجعت بصتله، ومرة واحدة نزلت قلم على وشه رنّ في الشقة كلها.
حط إيده مكان ضربتها وهو بيبصلها بصدمة وذهول، وكأنه مش مصدق.
بصت في عينيه بكل قوة وقالت:
_ طلقني.
مسكت شنطتها وخرجت بسرعة، وهو لسه واقف مكانه من الصدمة.
وداليا حاطة إيدها على بوقها من صدمتها في نور، ما توقعتش تبقى قوية كده، وتوقعت إن أي ست تانية هتقعد تعيط وتترجاه ما يسبهاش ولا يتجوز عليها، بس هي فجأتها بردة فعلها.
رواية مالم يحكي الفصل الثالث 3 - بقلم دنيا شعبان
فضل واقف مكانه، نظراته لسه متثبتة مكان أثرها، وكأنه بيعيد كل اللي حصل قدامه من أول وجديد، كل كلمة وكل نظرة، كأنها بتتكرر جواه للمرة الألف.
داليا استغربت صمته، قربت منه وهزت كتفه بهدوء وهي بتقول بقلق مصطنع:
ـ عاصم أنت كويس؟
هز رأسه بهدوء من غير حتى ما يبصلها.
خافت يكون بيفكر يرجع في كلامه بعد اللي حصل، وكل الأحلام اللي رسمتها في خيالها تنهار في لحظة، لكن بسرعة رسمت ابتسامة خبيثة على وشها وقالت بحزن مزيف:
ـ أنا عارفة يا حبيبي أنت بتفكر في إيه دلوقتي... أكيد زعلت من نور وما توقعتش تتصرف معاك كده صح؟ بس هي اللي هتندم صدقني... يعني أنك تتجوز تاني لا عيب ولا حرام، وبعدين ما أنت أكيد كنت هتعدل بينا وكنا هنفضل عايشين سوا عيلة مع بعض... بس هي اللي هتندم لما تخسرك.
كانت قاصدة كل كلمة بتقولها، وعارفة تأثيرها على عاصم هيبقى عامل إزاي، مستحيل يسمح لأي مخلوق إنه يكسره أو يطلع منه خسران.
واتأكدت من مفعول كلامها أول ما شافت نظراته اللي اتحولت تمامًا بعد كلامها، وقالت بتمثيل متقن وهي تقرب منه أكتر:
ـ عاصم أنت عارف إني وافقت أتجوزك رغم إنك راجل متجوز، بس عشان بحبك ومتأكدة إنك بتحبني... غير كده عمري ما كنت أفكر أدخل بينك وبين مراتك، لكن يا حبيبي لو وجودي هيدمر علاقتك بمراتك أنا ممكن أنسحب...
مسك إيدها فجأة وضغط عليها بقوة، ونظراته كانت حادة وقوية وهو بيبصلها:
— فرحنا الأسبوع الجاي... ولازم تعرفي إن عاصم إبراهيم لما بيقول كلمة بيبقى قدها... وهي اللي هتندم، مش أنا.
ابتسمت بتصنع وهي بتحاول تداري فرحتها:
ـ فعلًا يا حبيبي... هتخسر حد قلبه كبير زيك.
وبصت حواليها في كل ركن في الشقة بخطفة سريعة، قبل ما ترجع تبصله تاني وتقول بدلال:
ـ بس يا حبيبي محتاجين نجدد عفش البيت كله... يعني يرضيك أبقى لسه عروسة جديدة وأتجوز على عفش مستعمل؟
— لا طبعًا، بكرة ننزل سوا، وكل اللي تختاريه اعتبريه بقى عندك.
داليا حست بفرحة ضخمة أول ما سمعت كلامه، وبدأ إحساس الانتصار يتمكن منها أكتر، كلها أيام وعاصم يبقى تحت أمرها في كل حاجة... وده بالظبط اللي كانت عايزاه من البداية.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ♡…
فضلت واقفة قدام باب الشقة، مسحت دموعها كويس عشان أمها ما تخافش عليها أول ما تشوفها، حاولت تاخد نفس طبيعي رغم إن صدرها كان مكتوم وكأن في جبل فوق قلبها، وبعدها رنت الجرس.
أول ما فتحت صفاء الباب وشافتها، وشافت شنطة هدومها جنبها، قلبها انقبض جامد وكأنها حست إن في مصيبة مستخبية ورا نظرات بنتها.
— نور مالك يا حبيبتي؟ فيه إيه؟ أنتِ كويسة؟ وعاصم فين؟ أنتوا اتخانقتوا؟
نور فضلت واقفة، مش عارفة تقول إيه، خايفة تقول الحقيقة، وفي نفس الوقت مش قادرة تشيل كل الوجع ده لوحدها أكتر من كده.
حاولت تبتسم واتكلمت بهدوء وهي بتحاول تطمنها:
ـ مالك بس يا حبيبتي؟ اهدي... أنا جاية أطمن عليكي وأقعد معاكي كام يوم، ولا خلاص بقى ماليش مكان؟
صفاء حطت إيدها على قلبها وأخدت نفس طويل خرج مع تنهيدة مرتعشة:
ـ يا حبيبتي ده بيتك... إيه بس اللي بتقوليه ده؟ تعالي.
وقربت منها بسرعة وخدتها في حضنها:
ـ حبيبتي يا بنتي... وحشاني أوي يا عيوني، كل الفترة دي متسأليش عليا بردو يا نور؟
خرجت نور من حضنها وهي بتضحك ضحكة خفيفة باهتة:
ـ والله،اممم مين اللي بتكلم معاه كل يوم فيديو وفون؟ ده أنا قولت أكيد زهقتي مني.
ـ أنا؟ أنا عمري ما أزهق منك... وبعدين اه وحشاني، إيه يعني كلام التليفون ده؟ طيب لما أحضنك أحضن التليفون؟
ضحكت نور بخفة:
ـ خلاص يا ستي ولا تزعلي نفسك، أهو جيت... لما أشوف هتزهقي مني ولا لا، ويلا بقى ندخل يا ماما، هنفضل كتير كده واقفين على السلم؟ أنا رجلي ورمت من كتر الوقفة.
ـ يوووه نسيت خالص، يلا تعالي.
ومسكت معاها الشنطة ودخلوا.
قعدوا على الأريكة، وفضلت نور باصة لأمها بصمت طويل، قبل ما تقرب منها وتحط دماغها على رجليها وتفرد جسمها على الأريكة وقالت بصوت مليان تعب واحتياج:
ـ وحشتيني أوي يا ماما...
رفعت صفاء إيدها وبدأت تمررها على شعرها بحنان:
ـ وأنتِ كمان يا نور عيني وحشتيني أوي... عارفة؟ رغم إن كل يوم بنتكلم، بس بيبقى نفسي أخدك في حضني وأطبطب عليكي... لما تروحي بيتك ما تبقيش تنسيني يا قاسية وتيجي تشوفيني دايمًا.
نور همست لنفسها بصوت مكسور:
ـ خلاص... مبقاش بيتي يا ماما... هفضل قاعدة معاكي على طول.
ومسحت دمعة نزلت منها بسرعة قبل ما صفاء تشوفها، هي مش عايزة تخوفها أو تقلقها عليها.
اتعدلت في قعدتها بسرعة ورسمت ابتسامة مزيفة على وشها: ـ وهو أنا أقدر أبعد عنك يا صفصف بردو؟ دانتي اللي في القلب كله.
ـ ماشي يا ستي اضحكي عليا بكلمتين... لما تيجي صاحبتك خليها تشهد على كلامك ده.
ـ سارة هي فين؟ أنا قولت أول ما تسمع صوتي عندك هلاقيها نطت عندنا على طول.
ـ زمانها في الشغل دلوقتي، لما تيجي هتعدي عليا زي كل يوم.
ـ أوكي هقوم أنا بقى أنام شوية يا صفصف.
ـ نوم إيه دلوقتي؟ أنتِ جاية تقعدي معايا ولا تنامي؟
ـ يا ماما ما قاعدة معاكي على طول، مش هيفرق كتير بقى لو نمت دلوقتي ساعتين بس.
استغربت كلامها وقالت بقلق بدأ يزيد جواها:
ـ قاعدة معايا على طول إزاي يا نور؟ أنتِ متخانقة مع عاصم؟
نور اتوترت ومخدتش بالها من كلامها:
ـ لا يا ماما مفيش حاجة، متخافيش يا حبيبتي كله تمام.
وقبل ما صفاء ترد عليها، كملت بسرعة وهي بتحاول تهرب من أسئلتها:
ـ أنا داخلة أنام يا ماما، ابقي صحيني كمان ساعتين.
سابتها ودخلت أوضتها وقفلت على نفسها.
هي مش عايزة تنام، ولا أصلًا هتعرف تنام الليلة دي، بس كانت عايزة تهرب... تهرب من أسئلة أمها، ومن الحقيقة، ومن قرارها اللي لأول مرة تحسه تقيل بالشكل ده.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ♡…
كل الموظفين متجمعين عند باب المكتب، والسكرتيرة مرعوبة تدخل من صوته العالي اللي هز أركان الشركة كلها.
الكل مستغرب... أول مرة حد يسمعهم بيتخانقوا بالشكل ده، خصوصًا إن معروف عنهم إنهم أعز أصحاب.
الفضول كان قاتلهم عشان يعرفوا إيه اللي ممكن يخلي يونس وأحمد يوصلوا للحالة دي.
داخل المكتب...
يونس كان ساند بإيديه الاتنين على المكتب، ورأسه بينهم، وكأن الغضب والضغط هيكسروا أعصابه في أي لحظة.
أما أحمد فكان واقف قدامه، والغضب واضح في عينيه بشكل مخيف.
أحمد بانفعال:
ـ يعني إيه نسيبه ياخد العميل مننا بكل بساطة؟
يونس وهو لسه على نفس وضعه:
— يعني عايزني أعمل إيه؟
ـ تعمل إيه؟ وإحنا في الحالات اللي زي دي بنتصرف إزاي يا يونس؟ هو أنا اللي هعرفك طريقة شغلنا؟
— العميل هو اللي المفروض يندم يا أحمد... مش إحنا.
ـ الكلام ده لو هو لغى الصفقة بمزاجه، مش واحد حقير زيه سرقها مننا.
رفع يونس رأسه ببطء، وسند بضهره لورا وهو بيبصله بنظرة غامضة:
— يعني إيه؟
ـ أنت فاهم قصدي كويس يا يونس... وفاهم أنا بتكلم على مين، عايز أعرف هنفضل لغاية إمتى نعدي اللي بيحصل ونسكت؟ كل ده ليه؟ عشان خايف على مشاعرها مثلًا؟
بدأ الغضب يظهر على ملامح يونس، مسك القلم اللي على الملف وضغط عليه بعنف لدرجة إن صوابعه ابيضت.
أحمد كان ملاحظ كل ده، وعارف إن كل كلمة بيقولها دلوقتي بتوجعه، بس لازم يفوقه قبل ما كلهم يغرقوا ويخسروا كل حاجة.
يونس بصله وهو بيحاول يسيطر على أعصابه:
— أحمد... أنا مش فاضي دلوقتي، ياريت نأجل الكلام في الموضوع ده.
أحمد كان متوقع رده، لكنه المرة دي قرر ميهربش زي كل مرة، حاجة واحدة بس كانت بتتكرر في دماغه: "كفاية خسارة لحد هنا."
ورد عليه بصوت عالي مليان قهر على صاحبه:
ـ لأ لازم نتكلم يا يونس! ما هو مش كل مرة هنقفل الموضوع على نفس النقطة! كفاية لحد كده... كفاية! لحد إمتى هتفضل تسمح له ياخد العميل مننا بعد شغل وسهر وتعب شهور؟ وهو ييجي ياخد كل ده بسهولة؟
أنا عارفك كويس يا يونس... عمرك ما سمحت لحد يحط عينه على أي شغل يخصنا، بس بتيجي عنده وتقف! ليه؟ كل ده عشانها؟ للدرجة دي لسه بتحبها؟ فوق يا يونس! دي واحدة متجوزة يعني مستحيل تبقى ليك! ولا عشان فشلت إنك تخليها مراتك، تبقى تخسرنا في شغلنا كمان؟!
مرة واحدة، وقبل ما يكمّل كلامه، هبط يونس بكفه على المكتب بعنف مرعب، لدرجة إن كل اللي فوقه انتفض في الهوا للحظة قبل ما يقع مكانه من جديد، وصوت الخبطة دوّى في المكتب كله.
رفع عينيه ليه، وكانت نظراته مليانة غضب لأول مرة بالشكل ده:
— لآخر مرة بحذرك... أوعى تفكر تجيب سيرتها على لسانك، أنت فاهم؟
صدقني لو فتحت الموضوع ده تاني، مش هيبقى عندي أي تردد إني أخسرك للأبد... ومش هيشفع ليك لا صحبتنا ولا أي حاجة تانية.
ومتنساش مكانك... أنا هنا مديرك، وأنت تنفذ كلامي من غير اعتراض... فاهم؟
أحمد حس للحظة إنه ولا حاجة عنده.
كان عارف إن كلامه قاسي، بس عمره ما تخيل إن صاحب عمره ممكن بسهولة يهدده بالشكل ده عشان أي حد.
ضحك بسخرية، لكن السخرية كانت مخلوطة بوجع حقيقي:
ـ يبقى أنت اللي اخترت يا صاحبي... مش هتشوف وشي تاني،ومعلش... أنا فعلًا شكلي نسيت إنك تبقى مديري وبس.
مدالوش فرصة يرد، ولف عشان يخرج.
أول ما فتح الباب كانت سارة واقفة قدامه، وباين عليها إنها سمعت كل حاجة.
قالت بقلق وهي باصة لأحمد:
ـ أحمد استنى من فضلك... خلينا نقعد نتكلم، أنت عارف يونس لما بيزعل بيقول أي كلام وخلاص.
ـ خلاص يا سارة... الموضوع انتهى، وبعدين هو اللي اختار.
سابها وخرج.
وأول ما شاف الموظفين واقفين قال بزعيق:
ـ أنتي واقفين كده ليه؟ اتفضلوا... كل واحد على مكتبه.
وفي ثانية، الكل اختفى من قدامه.
رواية مالم يحكي الفصل الرابع 4 - بقلم دنيا شعبان
حسّت للحظة أن صداقتهم ممكن تنهار في أي لحظة، مجرد التفكير في الموضوع بيضايقها، وهي أكتر واحدة عارفة أن محدش يقدر يبعد عن التاني، بس كل اللي بيحصل ده بسبب كبرياء كل واحد فيهم. اتنهدت بوجع وبصّت بصّة أخيرة على أثر أحمد بعد ما اتأكدت أنه خرج من الشركة، وخدت القرار إنها مش هتسمح ليهم يخسروا بعض.
فتحت الباب ودخلت، كان يونس ساند ضهره على الكرسي ومغمض عينه، والتعب باين عليه. قربت من مكتبه، وقفت قصاده وقالت:
ـ يونس، إنت ليه بتعمل كدا؟
فضل زي ما هو على نفس وضعه، رد عليها وهو لسه مغمض عينه:
ـ سارة، لو سمحت أنا مش قادر أتكلم دلوقتي.
قعدت على الكرسي قدامه:
ـ طيب والمفروض نتكلم إمتى يا يونس؟
اتنهد بضيق وهو متأكد إنها مش هتسكت، فتح عينه ببطء، خد نفس عميق واتعدل في قعدته وبص ليها وقال:
ـ اتفضلي، عايزة تقولي إيه؟ أكيد جاية إنتِ كمان تتخانقي معايا زيه، مش كدا؟
ابتسمت له عشان كانت عارفة رده:
ـ لا يا سيدي أبدًا، هو إنت تعرف عني برضو كدا؟ بس حاسة كدا إني جعانة، فقولت أجي أخدك ونروح ناكل في مكان وآخد فيك ثواب.
ضحك غصب عنه على كلامها:
ـ سارة، قولي إنتِ جاية عشان إيه؟ وأكيد مش ده السبب اللي جاية عشانه.
ـ يعني إنت فعلًا عايز تعرف أنا جاية ليه؟
هز رأسه بهدوء، ليتفاجأ بردة فعلها اللي اتغيرت مرة واحدة.
قالت باندفاع:
ـ طيب اسمع بقى، أنا عايزة أقولك لازم تعرف يا يونس إن بسبب عصبيتك وجنانك وكلامك اللي بتقوله من غير ما تفكر فيه الأول، ده هيخليك تخسر صاحب عمرك. إنت بجد ليه بتعمل كدا؟
ـ سارة، لو سمحت حاسبي على كلامك، واللي حصل مع أحمد ده كان رد فعل على كلامه معايا، يعني أنا مش مجنون عشان أتخانق معاه من غير سبب.
ـ بجد؟ طيب تقدر تقولي إنتوا من ساعة ما عرفتوا بعض اتخانقتوا كام مرة؟
استغرب سؤالها، لأنها أكتر واحدة عارفة علاقتهم سوا عاملة إزاي.
ـ إنتِ عايزة توصلي لإيه يا سارة بالظبط؟
حاولت تهدأ واتكلمت بهدوء:
ـ يونس، إحنا أصدقاء بقالنا سنين كتيرة جدًا من واحنا أطفال تقريبًا، وما ينفعش أي مشكلة تحصل بينا يبقى نقطع علاقتنا أو نوجع التاني ولو بكلمة واحدة أو نهين بعض، والكلام اللي قولته لأحمد ده معناه إنه مش مهم عندك وإنك قادر تعيش من غيره عادي، والمفروض هو بقى يضرب رأسه في أي حيطة عشان حضرتك عصبي ومتهور. فكلامك غلط يا يونس، إحنا المفروض نقوي بعض، مش نكسر بعض بالشكل ده.
كل كلمة قالتها كانت كفيلة تخليه يندم على كل كلمة قالها في حق أحمد. فعلًا عندها حق، إحنا المفروض نقوي بعض مش نكسر بعض. فضل ساكت، مقدرتش أرد عليها، أو مش قادر أقول ولا أبرر تصرفي من الأساس.
حست إنه ندمان على كلامه:
ـ إيه رأيك نروحله سوا ونصلح اللي حصل دلوقتي؟
مسك ملف قدامه على المكتب بتهرب وقال وهو بيفتحه:
ـ أنا مش فاضي خالص يا سارة دلوقتي، وبعدين هو كدا كدا كلها ساعتين وهتلاقيه راجع تاني.
ـ أكبر غلط نعمله في حق أي حد بنحبه إننا نسيبه لدماغه.
ـ يعني إيه؟
وقفت وقربت منه:
ـ يعني اتفضل قوم معايا.
وقبل ما يرد عليها مسكته من إيده وشدته عشان يقوم:
ـ يلا بقى، إنت لزقت ولا إيه؟
ـ طيب يا مجنونة هقع، اصبري.
وخرجوا من الشركة سوا.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ...♡
كانت قاعدة على سريرها، قافلة نور الأوضة وبتعيط بحزن ووجع في قلبها على اللي وصلت له. شعور إن حياتك تتغير في يوم وليلة من أصعب الحاجات اللي الإنسان ممكن يحس بيها. إحساسها إنها كانت مغفلة ومغمضة عينها على حاجات كانت واضحة قدامها زي الشمس كان واجعها أوي. مش قادرة تفهم إزاي قدرت كل السنين دي عايشة معاه وهي مش شايفة حقيقته، وكمان كانت حاسة إنها مقصرة في حقه. إزاي حد يقدر يوصل لحد إنه قليل عنده بالشكل ده؟
في نفس اللحظة، صوت إشعار رسالة جالها على تليفونها، ونور الشاشة نوّر عتمة الأوضة وخرجها من دوامة أفكارها اللي رافضة تسيبها.
مسكت الموبايل وفتحت الرسالة، وأول ما شافت صورتهم دموعها نزلت غصب عنها وحست بغصة في قلبها.
كانت صورة لعاصم وداليا من بيتها، واضح عليهم السعادة، ولاحظت من الصورة إن العفش كله اتغير.
سابت الموبايل على السرير، وقفت وشغلت نور الأوضة، وقفت قدام المراية وهي شايفة ملامحها اللي بقى الحزن مسيطر عليها. حست بكسرة أول مرة تحس بيها، وأول مرة تشوف نفسها قليلة أوي كدا. حست إن أي حد ممكن يعيش من غيرها، وإنها مش مهمة عند حد ولا أي حد.
مسحت دموعها وهي قالت بصوت أشبه بالهمس لنفسها:
ـ إنتِ قوية وهتعدي كل ده، أيوة إنتِ تقدري. أوعي تعيشي دور الضحية، أوعي، فاهمة؟
كان الكلام بيطلع منها لنفسها عشان تفوقها وتخليها ترجع لحياتها الطبيعية.
قالت بصوت عالي نسبيًا:
ـ هو عايش حياته ومبسوط، وإنتِ بس اللي عايشة في وهم، وهم رسمتيه في دماغك وفي أفكارك، والوهم عمره ما هيبقى حقيقة ولا واقع. مش هسمح لنفسي أكون الضحية، لا، هعدي كل حاجة. فوقي يا نور فوقي، اللي زي ده ما يستاهلش دمعة واحدة منك. إنتِ غالية أوي، وعادي زي ما قدرت أعدي أي صعب قبل كدا، هعدي دي كمان.
قربت من الدولاب وبصت على الصندوق اللي محطوط فوقه. قربت الكرسي من الدولاب، وقفت عليه، خدت الصندوق، وأول ما نزلت فتحته على السرير، وراحت ناحية مكتبها، طلعت كل الصور اللي بتجمعها بعاصم وحطتها في الصندوق. جمعت كل حاجة ممكن تفكرها بيه، وقفّلته وزقته تحت السرير.
غمضت عينها وحاولت تاخد نفس، تطلع أي طاقة سلبية وأفكار ممكن ترجعها لنقطة الصفر من تاني، وكلمة واحدة بس بتتردد في عقلها:
"هتقدري... هتقدري."
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ...♡
وقف يونس بعربيته وشاف أحمد وهو قاعد، بس ضهره كان ليه.
اتكلمت سارة:
ـ مش قولتلك أكيد هنلاقيه هنا يا بني؟
وفتحت باب العربية ونزلت منها، ولسه هتمشي، بس لاحظت سرحان يونس وهو لسه قاعد مكانه، بس نظراته كانت متثبتة على أحمد.
قربت منه وخبطت على إزاز العربية، لفت انتباهه وهي بتشاورله بإيديها بمعنى:
"مالك؟"
هز رأسه بهدوء وفتح الباب ونزل من العربية. وقف للحظة مكانه، وبعدين بدأ يقرب منه.
سارة حبت تسيبهم لوحدهم الأول عشان يتكلموا براحتهم، وبعدين تبقى تروح.
قعد جنبه بهدوء، أحمد ما اتحركش من مكانه ولا بص له، فضل باصص قدامه وساكت.
يونس بصله وفهم إنه لسه زعلان من كلامه، وحس إنه وجعه أوي بكلامه.
مر كام دقيقة، وكل واحد فيهم باصص قدامه، لغاية ما اتكلم يونس وهو لسه باصص قدامه:
ـ حقك عليا يا صاحبي.
رد أحمد بسخرية:
ـ صاحبك!! أنا مجرد موظف شغال عندك في شركتك، ومتقلقش، كلها كام ساعة والنهار يطلع واستقالتي تبقى على مكتبك.
غمض عينه بوجع من كلامه، واتضايق من نفسه أكتر إنه وصل صاحب عمره لكدا بسبب كلامه وعصبيته.
ـ بس أنا مش هقدر أكمل من غيرك، إحنا بدأنا سوا من البداية، وكل حاجة في حياتنا كنا بنعملها سوا من وإحنا عيال صغيرة.
سكت لحظة، واتنهد تنهيدة طويلة، ورجع كمل كلامه:
ـ أنا مش جاي أبرر كلامي معاك النهارده، ولا جاي أقولك إني مش غلطان، لأ، أنا غلطت جامد في حقك يا صاحبي، بس إنت برضو وجعتني أوي بكلامك.
وسكت فجأة.
أحمد بصله وشاف دموعه اللي بيحاول يمنعها إنها تنزل. هو كمان غلط وفتح موضوع هو عارف إنه بيجرحه، بس كان غصب عنه. مش قادر يشوفه وهو بيضيع كل حاجة تعبوا فيها عشان حاجة عمرها ما هتبقى ليه.
رجع تاني بص قدامه وهو مش عارف يقول إيه.
كمل كلامه بوجع أكبر:
ـ إنت أكتر واحد عارف أنا بحب نور من زمان إزاي، من وإحنا عيال صغيرة. أنا مش هقدر أشوفها موجوعة يا أحمد.
ـ وبرضو عارف إنها واحدة متجوزة يا يونس. يعني ما ينفعش. أنا عارف إني جرحتك بكلامي، بس لازم أفوقك. إنت مش بتضيع شغلنا اللي تعبنا فيه طول عمرنا، لا، إنت بتضيع نفسك، نفسك يا صاحبي، وأنا مقدرش أشوفك كدا وأفضل ساكت، أو حتى أعمل مش فاهم.
"أكتر حاجة ممكن تخلي الإنسان ضعيف هو الحب."
قربت منهم سارة وهي مبتسمة:
ـ وبعدين بقى في النكد ده؟ هنفضل كدا كتير ولا إيه؟ لا، أنا جعانة والله، مش قادرة.
رد عليها أحمد بضحك:
ـ اتفضل يا عم، يعني عندك دي مثلًا الدنيا تقوم وتولع قدامها وهي مش بتفكر غير في الأكل.
ـ إنت هتحسدني ولا إيه؟ وبعدين ما إنت لازم تقول كدا عشان مش بتفهم يا حبيبي. الأكل ده هو العلاقة الوحيدة اللي عمرك ما هتندم عليها في حياتك، اسألني أنا.
رد عليها بسخرية:
ـ أمممم، وإيه كمان؟
قالت بغيظ:
ـ شايف يا يونس صاحبك بيتريق عليا؟ طب والله أنا غلطانة اللي خليته يجي يصالحك. كان زمانى دلوقتي قاعدة باكل في أحسن مطعم، وإنت قاعد هنا في الجو الحزين بتاعك ده لوحدك.
ـ بس يا طفصة.
ـ يا كئيب.
يونس كان كاتم ضحكته بالعافية وهو شايفهم بيتشاجروا مع بعض، والحقيقة مش عارف كان هيعمل إيه من غيرهم. هما دول أغلى ناس في حياته، هما و...
وسكت بينه وبين نفسه، هز رأسه بنفي وقال بسرعة عشان ينهي الجدال اللي حصل بينهم:
ـ بس بس، حقكوا عليا أنا، يلا بينا عشان هموت من الجوع، يلا.
سارة بضحك:
ـ تصدق؟ أول مرة تقول حاجة صح.
قال أحمد بصوت واطي بس مسموع:
ـ عشان إنتِ طفصة بس، مش أكتر.
ردت عليه بصوت مسموع:
ـ سمعتك يا كئيب يا حزين.
يونس هز رأسه بقلة حيلة من تصرفاتهم الطفولية، ركبوا العربية واتحركوا، وكل واحد كان بيفكر في حاجة مختلفة.
يتبع...
وهنا نقف عند جملة مهمة قالتها سارة:
"أكبر غلط نعمله في حق أي حد بنحبه إننا نسيبه لدماغه."
رواية مالم يحكي الفصل الخامس 5 - بقلم دنيا شعبان
بعد ما وصلوا المطعم، سارة قالت وهي بتبص على المكان بانبهار:
ـ المكان بجد تحفة، وأكيد الأكل هيبقى جميل عندهم.
أحمد:
ـ يا بنتي، هو إنتِ مش بتفكري غير في الأكل؟
ردت عليه بغيظ:
ـ يعني إحنا قاعدين في مطعم، المفروض أفكر في إيه غير الأكل؟
وقبل ما أحمد يرد، اتكلم يونس بسرعة عشان ينهي الجدال قبل ما يبدأ:
ـ يلا، اختاروا هتطلبوا إيه.
وفعلًا مسكت سارة المنيو وبدأت تختار، بس قاطعها رنين موبايلها. مسكته وردت على طول أول ما شافت اسم المتصل:
ـ صفصف، حبيبة قلبي، عاملة إيه؟
ـ ...
ومرة واحدة ما حستش بنفسها وهي بترد بصوت عالي كله فرحة:
ـ بجد؟ نور عندك؟
يونس أول ما سمع اسمها حس بنبضات قلبه وهي بتزيد بشكل غير طبيعي.
"معقول مجرد ما نسمع اسم شخص بنحبه بنحس إن الدنيا وقفت لغاية هنا؟"
نظراته كانت متثبتة على سارة ومركز في كل كلمة بتقولها، وأحمد لاحظ نظراته وفاهمها، بس يمكن يكون مش حاسس بيه؛ لأنه عمره ما حب قبل كدا. كل اللي اتمناه في اللحظة دي إن صاحبه يلاقي السعادة في حياته، ورجع ركز تاني في المنيو.
وأول ما سارة قفلت المكالمة سألها يونس بلهفة:
ـ هي نور كويسة؟ في حاجة حصلت معاها؟
سارة بسبب فرحتها إنها وأخيرًا هتشوف صاحبة عمرها، ما لاحظتش اللهفة اللي كان بيتكلم بيها ولا الخوف اللي كان باين في عيونه، وردت والفرحة باينة عليها:
ـ نور دلوقتي عند مامتها، تقريبًا كدا هتقعد معاها كام يوم. أنا مبسوطة أوي، مش قادرة أصدق إن وأخيرًا هشوفها.
رد أحمد بسخرية:
ـ إنتِ ليه محسساني إنها كانت مسافرة؟
سارة:
ـ من ساعة ما نور اتجوزت وأنا ما بقيتش أشوفها خالص، على طول قاعدة في بيتها. وأنا بصراحة ما كنتش بحب أروح عشان جوزها ده بارد جدًا بصراحة، معرفش هي مستحملة الكائن ده إزاي.
سألها يونس:
ـ طيب وهي مبسوطة معاه؟
سارة في اللحظة دي استوعبت كلامها، وإنها عارفة إن يونس ممكن يزعل عشان عارفة حبه لنور، فردت عليه بحرص عشان ما تجرحش مشاعره:
ـ عادي يا يونس، زي أي اتنين متجوزين.
هز رأسه بهدوء ورجع بص في المنيو بتهرب.
وقفت هي وقالت بسرعة:
ـ أنا همشي أنا بقى، عشان بصراحة هموت وأشوفها وأقعد معاها زي زمان. باي يا شباب.
وخرجت من المطعم.
أحمد قال أول ما شافها خرجت:
ـ يااااه، دي بتتكلم كتير أوي، مش بتفصل خالص، صدعتني يا جدع.
يونس ما كانش مركز معاه ولا في كلمة، وسرحان فيها هي وبس، اللي واخدة عقله وقلبه وكل تفكيره.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ...♡
بعد ما خدت شاور ولبست بيجامة مريحة، وقفت قدام المراية وهي بتشوف نفسها بدقة، وكأنها بتتأكد من حاجة.
خرجت من الأوضة، حست لو فضلت قاعدة لوحدها أفكارها مش هتسيبها تهدأ شوية، وهي مش عايزة كدا.
دخلت لصفاء المطبخ.
أول ما شافتها ابتسمت وقالت:
ـ إيه الجمال ده كله؟
ابتسمت نور بحب:
ـ وأنا أجي إيه في جمالك بس يا صفصف؟
ـ حبيبتي، ربنا يخليكي ليا يا رب. هو أنا ليا غيرك في الدنيا؟ شكلك جعانة صح؟
ـ يعني شوية.
ـ خلاص، أنا خلصت صينية المكرونة البشاميل اللي بتحبيها، يدوب هحطها في الفرن وخلاص، وتكون سارة جت عشان تاكل معانا.
ردت عليها نور بفرحة:
ـ سارة؟ إنتِ كلمتيها؟
هزت رأسها بهدوء وهي عارفة إنها أول ما تعرف هتفرح.
ـ بجد وحشتني أوي. أنا حاسة إن فيه حاجات كتيرة في حياتي ما كنتش شايفاها، يمكن أكون اديت وقتي لحاجات ما كانتش تستاهل، بس وأخيرًا فوقت، الحمد لله.
صفاء قلقت وخافت لما سمعت كلامها. هي حاسة من ساعة ما جت إن فيه حاجة غلط حصلت مع بنتها، بس مش عارفة إيه هي. كانت بتبصلها بخوف وقلق عليها.
نور خدت بالها من كلامها وخافت أمها تعرف حاجة، بالذات دلوقتي. هي مش قادرة تشرح أو توضح أي حاجة.
قالت بسرعة وهي بتخرج من المطبخ بتهرب:
ـ أنا هشوف حاجة أتفرج عليها على التلفزيون على ما تخلصي الأكل يا صفصف.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ...♡
ـ ها يا حبيبي، قولت إيه؟
رد عليها عاصم بعصبية:
ـ شقة إيه اللي أكتبها باسمك؟ إنتِ مش شايفاني راجل ولا إيه؟
داليا بدأت تتوتر من انفعاله، بس حاولت تقنعه بكلامها:
ـ ليه بس يا حبيبي؟ إنت مش واثق فيا مثلًا؟
عاصم:
ـ الموضوع ملهوش علاقة بالثقة، بس إزاي عايزاني أكتب الشقة باسمك ليه مُت أنا؟
قامت من على الكرسي وقعدت على الكرسي اللي جنبه، وقربت منه بطريقة مش لطيفة، وما اهتمتش إنهم في مكان عام.
ردت عليه بدلع:
ـ بعد الشر عليك يا عصومي، لو قولت كدا تاني هزعل منك. وبعدين هو أنا أقدر أعيش من غيرك؟
ـ ما الكلام اللي بتقوليه ملهوش معنى غير كدا.
ـ شوفت إنك ظالمني؟ ربنا يسامحك، وأنا اللي بعمل كل ده عشان مصلحتك.
ـ مصلحتي؟ قصدك إيه؟
ردت عليه بخبث، بعد ما شافت الفضول في عينه وعرفت إنها كدا ماشية صح:
ـ يعني يرضيك مراتك تيجي وتاخد منك الشقة وإحنا بقى نعيش فين؟ في الشارع مثلًا؟
ـ إنتِ بتقولي إيه؟ نور مستحيل تعمل كدا.
اتضايقت إنه دافع عنها، ومش عارفة إزاي تكرهّه فيها، بس حاولت تبقى طبيعية قدامه.
ـ أنا كمان فكرت زيك كدا في الأول، بس لما فهمت قولت أكيد مش ناوية على خير.
ـ وإيه بقى اللي حصل عشان تقولي كدا؟
ـ يا حبيبي ركز معايا شوية، مش هي قالتلك طلقني آخر مرة لما كنا في الشقة؟
هز رأسه بصمت.
ـ طيب تقدر تقولي ليه من ساعة ما مشيت لا كلمتك عشان تبعتلها ورقة طلاقها زي ما هي قالت وكانت عايزة؟
بص قدامه لثواني بيحاول يفهم هي تقصد إيه.
كملت هي بخبث:
ـ أنا هقولك يا حبيبي. هي أكيد بتخطط إزاي تاخد منك الشقة بأي طريقة، وأكبر دليل على كلامي إنها مفكرتش تطلب منك ورقتها زي ما قولتلك، عشان تروح تعمل فيك محضر إنك طردتها من شقتها، وطبعًا ولأن الشقة من حق الزوجة، بكل سهولة تقدر تاخدها منك.
كان مصدوم من اللي بيسمعه، مش قادر يستوعب أو يصدق إن كلام داليا ممكن يطلع صح. هو كل ده مفكر إن نور ما اتصلتش عشان زعلانة ومستنيا هو اللي يجي ويصالحها، عمره ما تخيل إنها تكون بتخطط لدماره.
داليا كانت مستمتعة بتأثير كلامها عليه، اللي واضح على ملامحه.
همست لنفسها:
ـ بكرة أخليك خاتم في صباعي، واللي اسمها نور هخليها تكره اليوم اللي فكرت فيه تقف قدامي أو تقول في حقي أي كلمة وحشة.
خرجت من أفكارها على صوته وهو بيقول:
ـ عندك حق يا داليا، أنا إزاي ما فكرتش في حاجة زي دي؟ يمكن عشان عمري ما فكرت إن كل ده يطلع من نور. بس لا، ما ينفعش أثق فيها بعد اللي عملته فيا. دي قدرت تسيبني، يعني تقدر تعمل أي حاجة.
ـ ما تخافش يا حبيبي، طول ما أنا معاك هخليك تاخد بالك من حاجات إنت مش عامل حسابها إنها تحصل.
مسك إيدها وباسها وقال لها:
ـ ربنا يخليكي ليا يا حبيبتي.
ـ ويخليك ليا يا عمري. ها، هنروح إمتى للمحامي؟
ـ بكرة الصبح هنروح على طول. أيوة، لازم ألحق أكتب الشقة باسمك قبل ما نور تاخد أي خطوة تدمرني بيها.
رواية مالم يحكي الفصل السادس 6 - بقلم دنيا شعبان
ـ لازم تعرف يا حبيبي إني بعمل كل ده عشانك، يعني لو شاكك فيا مثلاً أو حاسس إني طمعانة فيك.
كانت قاصدة كل كلمة بتقولها، وكل حرف كان وراه تخطيط عاصم مقدرش يفهمه. كانت بتتكلم بثقة وثبات، بينما عقلها شغال في اتجاه تاني تمامًا.
مسك إيديها وقال لها:
ـ إنتِ أكتر واحدة بثق فيها يا داليا، ده كفاية إنك قبلتي تكملي معايا بعد اللي حصل في حياتي واللي شوفتيه يومها.
وضعت إيدها التانية على إيده وقالت بكذب متقن:
ـ عاصم، إنت أي ست تتمناك، وصدقني نور هي اللي هتندم بعدين وتعرف قيمتك، بس متأخر.
كلامها كان بيشبع غروره، ويمكن ده اللي مخليه مكمل معاها، لأنه حس إنها قادرة تملي النقص اللي جواه بكلامها واهتمامها المصطنع.
لاحظت موبايلها وهو بيرن، وكان معمول صامت. من غير ما ياخد باله، حطت شنطتها عليه وقالت له:
ـ حبيبي هدخل الحمام أظبط الميكب وجاية على طول.
ـ ماشي يا روحي.
ابتسمت له بتصنع، وقفت ومسكت شنطتها، وبإيديها التانية خبت الموبايل ورا الشنطة عشان ما يشكش في حاجة.
أول ما دخلت الحمام ردت بسرعة:
ـ ألو، إيه يا مجدي؟ فيه إيه؟ مش حذرتك مترنش عليا طول ما أنا مع عاصم؟
ـ ...
ـ طيب طيب خلاص، هحاول أتحجج له بأي حاجة وجاية لك.
قفلت الخط وبصت لنفسها في المراية. حاولت تهدي نفسها عشان عاصم ما يحسش بحاجة، وأخدت نفسًا عميقًا وهي بتحاول تستعيد هدوءها.
"لازم أخليه واثق فيا لغاية ما أوصل لكل حاجة."
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ...♡
كانوا لسه في المطعم بعد ما سارة مشيت، ويونس حاسس نفسه تايه. بمجرد ما سمع اسمها، قلبه اتقلب. نفسه يشوفها، يسمع صوتها، حتى مجرد وجودها قدامه كان وحشه. كل حاجة فيها كانت وحشاه بشكل وجعه.
خرج من تفكيره على صوت أحمد اللي قاعد جنبه، عمال يكلمه، بس هو ولا هنا.
ـ يونس... يونس.
بص له وحاول يبان طبيعي:
ـ نعم؟ إنت كنت بتقول حاجة؟
بص له بصدمة وقال:
ـ حاجة يا بني؟ ده أنا قولت موضوع كامل! لا أوعى تصدمني وتقول إنك ماكنتش مركز معايا، كده ممكن يحصلي حاجة بسببك.
ابتسم ابتسامة خفيفة وقال:
ـ معلش، بس أنا فعلًا سرحت شوية وما ركزتش، قولي تاني كنت بتقول إيه.
حط إيده على قلبه بشكل درامي:
ـ لا كده كتير عليا، قلبي الصغير لا يتحمل كل هذه المعاناة.
مقدرش يسيطر على نفسه وضحك على طريقته، وكانت الضحكة دي أول حاجة تخفف الضغط اللي حاسس بيه من وقت ما سمع اسم نور.
ـ ألف سلامة على قلبك يا سيدي، هاا كنت بتقول إيه بقى؟
ـ لا يا حبيبي، أصل الاهتمام ما بيتطلبش، وبما إنك مركزتش معايا من أول مرة يبقى خلاص، اعتبر كل حاجة بينا انتهت.
ـ إيه يا بني الدراما اللي إنت عايش فيها دي؟ يخربيتك.
ـ هو أنا عندي بيت أصلًا عشان يتخرب؟
ـ متخافش يا حلو، بكرة تيجي اللي تلمك في بيت بدل ما إنت سارح عندي في البيت وكأنه ملوش صاحب.
ـ احلم براحتك، هي الأحلام بفلوس؟ وجواز؟ انسى، مش هيحصل.
ـ ليه؟ ناوي تخلل جنبي مثلًا؟
ـ بالظبط، أحبك وإنت فاهم، ويلا انجز وخلص قهوتك عشان نروح، مش قادر، هموت وأنام.
ـ لا كده كتير عليا، أنا حاسس إني بقيت ضيف في بيتي يا ناس.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ...♡
نور قاعدة قدام التليفزيون بتتفرج، وقدامها طبق سناكس بتاكل منه. قالت بصوت عالي نسبيًا عشان صفاء تسمعها وهي في المطبخ:
ـ يلا يا ماما، فين المكرونة البشاميل؟ أنا جُعت أوي.
ردت عليها بصوت عالي:
ـ خلاص يا حبيبتي، خلصت.
وقبل ما نور ترد، كان صوت دقات على باب الشقة عالي، كأن حد بيطبل في فرح أو زفة برا بتزف عريس.
ابتسمت تلقائيًا، وعرفت إنها أكيد سارة جت.
قالت بصوت عالي وهي بتقوم من على الأريكة عشان أمها تسمع:
ـ المجنونة جت أهي.
أول ما فتحت الباب، ما عداش ثانية وكانت سارة ناطة في حضنها.
الاتنين كانوا مبسوطين إنهم أخيرًا شافوا بعض، وكأنهم بيعوضوا أيام طويلة من الغياب بحضن واحد.
وبعد أحضان كتيررررر، اتجمعوا على السفرة.
سارة وهي بتحط الشوكة في بقها بعد ما غرزتها في المكرونة:
ـ تسلم إيدك يا صفصف، المكرونة تجنن.
ـ بالهنا على قلبك يا حبيبتي.
ـ لا لا، بس لازم تقوليلي الطريقة. إزاي؟ أنا أمي بتعملها وبكل الخطوات اللي قولتيلي عليها، بس برضو فيه حاجة ناقصة.
نور بضحك:
ـ يا بنتي، مش بيقولوا ادي العيش لخبازه ولو أكل نصه؟
سارة:
ـ عندك حق، بس برضو عايزة أعرف الطريقة.
صفاء:
ـ المرة الجاية وأنا بعملها هعرفك، تيجي بدري وتقفي معايا في المطبخ وأنا بعملها.
سارة:
ـ أوكيه يا صفصف.
لاحظت سكوت نور فجأة وسرحانها، بس ما حبتش تتكلم أو تسألها قدام صفصف.
فضلوا قاعدين شوية مع صفصف، وبعدين دخلوا أوضة نور.
سارة:
ـ مالك يا نور؟ فجأة حسيت إنك سكتي مرة واحدة، في إيه؟
نور ما قدرتش تفضل راسمة دور القوية. كانت من جواها منهارة، وكأنها مستنية حد يسألها مالك عشان تطلع كل اللي في قلبها.
سارة استغربت سكوتها، وده خوفها عليها أكتر. بس أول ما شافت دموعها، قعدت جنبها على السرير وخدتها في حضنها على طول.
"الحضن قادر يداوي حاجات الكلام لوحده ما يقدرش يعملها."
بمجرد ما بقت في حضنها، انهارت من العياط. كل الوجع اللي كانت حابساه خرج دفعة واحدة.
سارة خافت عليها أكتر، بس فضلت ساكتة واستنتها لما تهدأ خالص. رفعت إيديها وبدأت تربت على ضهرها بحنان، لغاية ما حست إنها بدأت تهدأ وقادرة تتكلم.
سألتها بخوف باين في صوتها:
ـ مالك يا نور؟ إيه اللي مزعلك؟ أنا أول مرة أشوفك في الحالة دي.
خرجت من حضنها والدموع مغرقة وشها. سارة رفعت إيديها ومسحت دموعها بهدوء وهي هتموت من القلق على صاحبتها.
وطبعًا نور ما كانش قدامها حل غير إنها تحكي وتقول كل اللي حصل معاها. كانت مخنوقة ومش قادرة تفضل ساكتة أكتر من كده.
سارة كانت بتسمعها وهي مصدومة من كل اللي بتسمعه، وصدمتها في عاصم كانت كبيرة. مش قادرة تستوعب إزاي قدر يستغنى عن نور ويعمل معاها كده وهي أكتر واحدة عارفة نور بتحبه إزاي.
قالت بعصبية مقدرتش تكتمها:
ـ ده واحد واطي، وحقير، وبجح كمان يعني زعلان اوي إنك خرجتي من غير إذنه، لكن يجيب الهانم بتاعته لغايط عندك وفي بيتك عادي مش كدا. ولا أمه الحرباية اللي بدل ما تفهمه غلطه لا أصلا تلاقيها هي اللي مقوية قلبه أنا أول مرة اشوف ناس ظالمة كدا.
نور كانت بتسمعها، وهي منهارة وحاسة إنها كانت واخدة اكبر خدعة فيه.
سارة مقدرتش تشوفها كدا:
ـ أنا عارفة إنه صعب عليكي كل اللي بتمري بيه ومش هطلب منك متعيطيش عشان أنا متأكدة دلوقتي إنك مش بتعيطي عليه هو أد ما على حبك ليه اللي حسيتي فجأة إنه ما يستاهلش كل ده.
ردت عليها بعياط:
ـ أنا مش عارفة أنا عملت ايه وحش معاه عشان يعمل فيا كدا أنا عمري ما قصرت معاه فأي حاجة دايما أي حاجه كان بيحتاجها كنت بعملها حتي قبل ما يطلبها ليه... ليه يجرحني ويكسرني كدا، دايما كان بيحسسني أن بضغط عليه بطلباتي وأنا أصلا كل اللي كنت بطلبه منه وجوده تخيلي كنت بطلب منه يقعد معايا بس شوية عشان بحبه بس.
كانت بتتكلم بانهيار وكأنها بتحاول تلاقي أي حاجة هي قصرت فيها معاه ولا مرة زعلته فيها بس لا مفيش مفيش أي حاجة خالص.
سارة قلبها وجعها على صاحبة عمرها، كانت شايفة الانكسار في عينيها بوضوح، وده أكتر شيء وجعها. عمرها ما شافت نور بالشكل ده، ولا عمرها تخيلت إن البنت اللي كانت دايمًا قوية قدام الكل ممكن توصل للحالة دي.
سارة:
ـ نور، أنا مش هقولك إنتِ غالية عندي إزاي، وإنك مش مجرد صديقة، لا... إنتِ أختي، ومقدرش أشوفك في الحالة دي. لو سمحتِ حاولي تبقي قوية على قد ما تقدري. عارفة إنه صعب، بس مش مستحيل. خليكي فاكرة دايمًا إن نفسك تستاهل كل شيء جميل.
ردت عليها بعياط وصوت متقطع:
ـ هحاول... صدقيني.
ـ طيب إيه رأيك بقى لو تنزلي تشتغلي معايا في الشركة؟ إنتِ ناسية نفسك إنك مهندسة ولا إيه؟
هزت رأسها بتعب، وكأنها فقدت القدرة حتى على التفكير في أي خطوة جديدة.
ـ مش حاسة إن ده الوقت الصح عشان أشتغل فيه... أنا محتاجة وقت أريح أعصابي شوية.
ردت عليها بحماس وهي بتحاول تخرجها من الدائرة اللي حابسة نفسها فيها:
ـ بالعكس، ده أكتر وقت لازم تنزلي وتشتغلي فيه. لو فضلتي حابسة نفسك في الأوضة، ده مش هيساعدك، بالعكس، هتلاقي نفسك غرقتي في أفكارك، وأنا مش عايزة ده يحصلك.
تنهدت نور ببطء وقالت:
ـ معلش يا سارة، سبيني براحتي. أنا لما ألاقي نفسي بقيت كويسة أكيد هاخد خطوة الشغل، بس دلوقتي لا.
فضلت سارة باصة لها لثواني وهي ساكتة. كانت نفسها تضغط عليها أكتر، لكنها عارفة إن الجروح الكبيرة محتاجة وقت.
ـ طيب، مش هضغط عليكي... بس بكرة هننزل سوا نخرج، بقالنا سنين مخرجناش.
كانت لسه هتعترض، لكن سارة كانت أسرع منها وقالت بحزم:
ـ مش هسمح بأي اعتراض، اتفقنا؟
رغم حزنها، ابتسمت نور ابتسامة صغيرة لأول مرة من وقت طويل.
ـ اتفقنا.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ...♡
ـ ممكن أعرف بتكلمني كل شوية ليه؟
كان صوت داليا حادًا وملامحها متجهمة، فهي من وقت ما خرجت من عند عاصم وهي متوترة وخايفة إن كل شيء يضيع منها.
رد مجدي بهدوء مستفز:
ـ هنتكلم على الباب؟ خشي.
بصت له بضيق ودخلت وهي مخنوقة:
ـ هاا يا مجدي، قول اللي عندك. عايز مني إيه؟
رفع حاجبه باستغراب وقال:
ـ مالك يا داليا؟ بتكلميني كده ليه؟
ردت ببرود وهي عايزة تنهي الكلام بأسرع وقت:
ـ اخلص.
ابتسم بسخرية خفيفة وقال:
ـ هي بقت كده؟ أنا بس حبيت أفكرك بحاجة صغيرة خالص... لما أكلمك تردي عليا على طول، فاهمة؟
جزت على أسنانها من الغيظ وقالت:
ـ إنت ناسي إني كنت مع عاصم؟ ولا عايزه يشك فيا؟ وبعدين الشراكة اللي بينا لازم تنتهي لغاية هنا.
نظر لها مطولًا، ثم قال بنبرة أخفت غضبه بصعوبة:
ـ كويس إنك فاكرة إننا شركاء. يعني لو عرفت إنك خدتي أي خطوة جديدة من غير ما أعرف... هتزعلي مني.
شعرت بقشعريرة خفيفة من طريقته، لكنها رفضت تظهر خوفها.
ـ إنت ما سمعتش قولت إيه؟ بقولك لازم تنتهي.
اقترب منها خطوة وقال بصوت منخفض لكنه مخيف:
ـ مش إنتِ اللي هتقرري... أنا بس هنا اللي أقرر. إنتِ فاهمة ولا لا؟
اشتعل الغضب داخلها، وردت بعناد:
ـ وأنا جاية أعرفك، مش جاية آخد رأيك. وبعدين أنا بحب عاصم، وقررت أبدأ معاه وأعيش حياتي. ليه مصمم إنت بقى تدمرها؟
ضحك ضحكة قصيرة خالية من أي مرح، وكأن كلامها كان نكتة بالنسبة له.
ـ الكلام ده تضحكي بيه على أي حد تاني، لكن أنا لا. وبعدين حب إيه اللي بتتكلمي عليه؟ إنتِ ناسية إن أنا اللي عرفتك على عاصم، وخليته يتعلق بيكي ويعجب بيكي عشان ناخد اللي معاه وبس. لكن حب ومش حب؟ ده كلام معرفهوش.
توقفت ملامحها للحظة، وكأنها بتسمع اعترافًا كانت بتحاول تهرب منه طول الوقت.
أكمل وهو بيبصلها بحدة:
ـ بلاش يا داليا تختبري صبري... عشان هتندمي.
رغم إنها حاولت تتمسك بثباتها، إلا إن الخوف تسلل لجواها. كانت عارفة إن مجدي مش من النوع اللي بيهزر في تهديداته، وده اللي خلّى قلبها يدق بسرعة.
لكنها رفضت تديه فرصة يشوف خوفها.
اتجهت ناحية الباب بخطوات سريعة، فتحته بقوة، وخرجت من غير ما تبصله، ثم قفلته وراها بعنف.
وقفت ثواني برا الشقة وهي بتحاول تلتقط أنفاسها. إيديها كانت بترتعش من التوتر، وعقلها مليان بأسئلة كتير.
رواية مالم يحكي الفصل السابع 7 - بقلم دنيا شعبان
ـ طب فهمني، إنتَ بتدور على إيه؟
قالها أحمد بتعب وهو يشاهد يونس يقلب المكتب رأسًا على عقب، حتى أصبحت الأوراق مبعثرة في كل ركن.
= فين ملف العميل الأخير؟
سند أحمد يده على المكتب وقال بدرامية:
ـ ما خلاص، إنتَ لسه فاكر؟ ما حبيبك أخد العميل في حضنه.
نظر له يونس لثوانٍ قبل أن يتحدث بجدية:
= فين الملف يا أحمد؟
رد أحمد بلا مبالاة:
ـ عندي في المكتب.
= روح هاته حالًا.
ـ ليه؟
أخذ يونس نفسًا عميقًا، ثم رفع يده يمررها بين خصلات شعره محاولًا السيطرة على أعصابه، وقال بنفاد صبر:
= عندي خطة أقدر أرجّع العميل والمشروع لينا، وكل حاجة ترجع لينا تاني، بس إنتَ بقى لو رافض أو...
وقبل أن يكمل حديثه، كان أحمد قد أصبح واقفًا أمامه في ثوانٍ:
ـ ثواني والملف يبقى عندك.
ثم خرج من المكتب سريعًا، بينما ارتسمت على وجهه ابتسامة عريضة.
أما يونس فظل واقفًا مكانه، وكأنه يعيد ترتيب أفكاره وخطواته من جديد، محاولًا جمع كل الخيوط التي تفرقت منه.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ...♡
= يلا بسرعة... بسرعة!
قالتها سارة وهي تمسك يد نور، وتهبط درجات السلم ركضًا، بينما كانت نور تجري خلفها بصعوبة.
= براحة يا مجنونة، هنقع كده!
خرجتا من العمارة، ولوّحت سارة لأول سيارة أجرة رأتها.
= تاكسي!
وبعد دقائق كانتا قد استقلتا السيارة، بينما ما زالت نور لا تفهم إلى أين تأخذها سارة.
سألتها باستغراب:
= ممكن أفهم رايحين فين؟ جيتي صحّتيني الصبح بدري جدًا، وكنت هموت وأنام، وحتى نزلنا من غير فطار.
ابتسمت سارة وقالت بمرح:
= هنطلع على الشركة الأول، وبعدها هاخدك ونروح مطعم نفطر سوا. إيه رأيك؟
= بس ليه هنروح الشركة؟ هنعمل إيه هناك؟
= مش يمكن لما تشوفي أجواء الشركة بنفسك تغيري رأيك وترجعي الشغل تاني؟
تنهدت نور وقالت:
= سارة، بجد مش عايزة أروح الشركة، خلينا نروح المطعم على طول أفضل.
ردت عليها بجدية مزيفة:
= آسفة، بس أنا قررت خلاص، ولازم يتنفذ. وممكن بكرة أبقى أخليكي إنتِ تختاري.
هزت نور رأسها بقلة حيلة، عشان عارفة سارة كويس لو خدت قرار فمن المستحيل تقريبًا أن تتراجع عنه.
وبعد مدة وصلوا إلى الشركة بالفعل، واتجهوا مباشرة نحو مكتب يونس.
قالت نور بقلق:
= مش كان المفروض نعرفهم إننا جايين؟ افرضي عندهم شغل دلوقتي.
ردت سارة وهي تواصل السير:
= امشي يا نور وإنتِ ساكتة، وبعدين إحنا مش محتاجين إذن عشان نيجي.
وقبل أن تتمكن نور من الرد، كانوا أمام المكتب.
طرقت سارة الباب وفتحته بسرعة، ثم دخلت دون أن تنتبه أن نور ما زالت واقفة في الخارج مكانها، تشعر بإحراج شديد من فكرة أنها جاءت فجأة دون موعد مسبق.
في الداخل كان يونس وأحمد مندمجين تمامًا في مراجعة ملف المشروع.
وما إن لمح أحمد سارة حتى همس ليونس:
ـ الراديو وصل.
اقتربت سارة منهما وقالت بابتسامة واسعة:
= صباح الخير، عاملين إيه؟
رد يونس بابتسامة هادئة:
= صباح النور، أخبارك إيه يا سارة؟
= الحمد لله.
ثم نظرت بجوارها، لتتفاجأ بأن نور ليست معها.
= هي راحت فين؟
سألها يونس باستغراب:
= هي مين؟
ردت سريعًا:
= نور. أصلها جت معايا النهاردة الشركة، بس شكلها لسه برا. لحظة واحدة هطلع أشوفها وأجيبها.
وما إن سمع يونس اسمها حتى شعر وكأن حصونه كلها انهارت دفعة واحدة.
ذلك الاسم وحده كان كفيلًا بأن يبعثر كل هدوئه.
رجفة خفيفة سرت في جسده، وقلبه بدأ يخفق بعنف لم يستطع السيطرة عليه.
لاحظ أحمد التغير المفاجئ الذي طرأ عليه، فوضع يده على كتفه مطمئنًا:
ـ إنتَ كويس يا يونس؟
لم يرد، واكتفى بهزة خفيفة من رأسه.
في الخارج كانت نور ما تزال واقفة مكانها، تعبث بأصابعها بتوتر واضح.
اقتربت منها سارة وقالت:
= إيه يا بنتي؟ إنتِ لسه واقفة مكانك؟ ما دخلتيش ليه؟
ثم توقفت عندما لاحظت ارتجاف يديها، وأكملت بنبرة أكثر هدوءًا:
= نور يا حبيبتي، اهدي. هو إحنا داخلين امتحان؟ مفيش حد جوا غير يونس وأحمد، أصحابنا من وإحنا صغيرين. إيه؟ نسيتي؟
الموضوع مش مستاهل كل التوتر ده.
كانت سارة تلاحظ التغيرات النفسية التي مرت بها نور مؤخرًا، وكيف أثرت على ثقتها بنفسها وجعلتها أكثر قلقًا وتوترًا من أي موقف بسيط.
أمسكت يدها برفق وقالت:
= إنتِ كويسة يا نور؟ لو حاسة إنك تعبانة أو مش مرتاحة، ممكن نرجع البيت عادي.
هزت نور رأسها نفيًا:
= لا... لا، أنا كويسة. بس معرفش ليه حسيت بتوتر شوية.
ابتسمت لها سارة بحنان:
= طب يلا بينا.
ودخلوا المكتب معًا.
وما إن وقعت عينا يونس عليها حتى شعر أنه تاه داخل ملامحها.
كانت ما تزال تشبه تلك الفتاة التي عرفها قديمًا، لكن الزمن أضاف إليها جمالًا مختلفًا ونضجًا هادئًا.
ولم تفته تلك اللمعة الحزينة المختبئة داخل عينيها، حتى شعر برغبة عارمة في معرفة سببها.
كان يريد أن يطمئن عليها، أن يحتضنها، أن يخبرها أن كل شيء سيكون بخير.
لكن كل ذلك ظل حبيس صدره.
انتبه على اقترابهما، فوقف بهدوء، ورسم ابتسامة جذابة على شفتيه، ثم مد يده إليها قائلًا:
= إزيك يا نور؟
كانت لا تفهم تلك النظرات التي يرمقها بها، شعرت أنها مختلفة وغريبة بعض الشيء، لكنها رفعت يدها وصافحته قائلة بهدوء:
= الحمد لله يا يونس، إنت عامل إيه؟
ثم نقلت نظراتها إلى أحمد، الذي كان لا يزال جالسًا في مكانه دون أن يبدي اهتمامًا كبيرًا بوجودها، لأنه كان يعلم جيدًا، بل ومتأكدًا، أن وجودها أصبح خطرًا على يونس أكثر من أي شيء آخر.
وما إن وقعت عيناها عليه حتى ابتسمت قائلة:
= عامل إيه يا أحمد؟
ـ الحمد لله يا نور، اتفضلوا... واقفين ليه؟
جلس يونس مجددًا على مقعده، بينما جلست سارة ونور أمامهما.
مرّت خمس دقائق كاملة وسط صمتٍ تام، حتى بدا وكأن الجميع ينتظر من الآخر أن يبدأ الحديث.
قطعت سارة ذلك الصمت قائلة:
= أمم... طب وبعدين؟ هنفضل ساكتين كده كتير؟
رفع أحمد حاجبه وقال بملل:
ـ هو إنتِ إيه؟ متعرفيش تفضلي ساكتة شوية؟ ولا لازم الراديو يشتغل؟
ردت عليه فورًا:
= آه، لازم أشغل الراديو. وبعدين إنت مالك؟ هو أنا وجهت ليك كلام أصلًا؟
قال بغرور مصطنع:
ـ والله في شركتي ومكتب صاحبي، وأتكلم براحتي.
= بس يا كئيب.
ـ يا راديو.
كانت نور تنظر إليهما وهي تكتم ضحكتها بصعوبة، فالثنائي أمامها بدا وكأنهما طفلان صغيران يتشاجران على أتفه الأسباب.
على العكس تمامًا من يونس...
الذي لم يكن يسمع شيئًا مما يدور حوله.
كل تركيزه كان منصبًا عليها هي فقط.
على ملامحها التي يحاول أن يحفظها داخل ذاكرته من جديد، وعلى ابتسامتها التي ما زالت قادرة، رغم كل هذه السنوات، على خطف قلبه في لحظة واحدة.
قالت سارة فجأة:
= بقولكوا إيه؟ تعالوا نروح أي مكان نفطر فيه بدل ما إحنا قاعدين في الشركة كده.
تنهد أحمد وقال:
ـ إنتِ مش بتفكري غير في الأكل وبس.
ردت عليه بغيظ:
= ممكن تخليك في حالك؟ وبعدين لو مش عشاني يبقى عشان البنت الغلبانة اللي نزلتها من بيتها من غير فطار.
ضحكت نور على مشاكساتهما وقالت:
= خلاص يا سارة، خلينا نروح إحنا. شكلهم عندهم شغل كتير.
رد أحمد مؤيدًا بسرعة:
ـ عندك حق، إحنا فعلًا عندنا شغل كتير ومش هنعرف...
لكن يونس قاطعه سريعًا وكأنه يخشى أن تنتهي الفكرة قبل أن تبدأ:
= فكرة حلوة. أنا النهاردة حاسس برضه إني ما فطرتش كويس، وفرصة نور معانا... هو إحنا بنشوفها كل يوم؟
ثم نظر إليها بنظرة امتلأت بمشاعر عجز عن إخفائها مهما حاول.
كان أحمد على وشك الاعتراض، لكن يونس نهض بالفعل، وأخذ جاكت البدلة من فوق المقعد وقال:
= يلا، اتفضلوا.
وقفت نور وسارة، وقبل أن يتحرك التفت يونس نحو أحمد وقال:
= هتيجي معانا.
نظر له أحمد بصدمة مصطنعة وقال:
ـ لا، صدق... كتر خيرك إنك افتكرت إني موجود أصلًا.
ضحك يونس وهز رأسه:
= طب يلا بسرعة، عشان ما أسيبكش وأمشي يا شاطر.
تمتم أحمد بغيظ وهو ينهض:
ـ كله من الراديو... تيجي وتخرب كل حاجة.
ثم وقف بيأس واتجه نحو الخارج خلفهم.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ...♡
"بارك الله لكما وجمع بينكما في خير"
اقترب عاصم من داليا بابتسامة واسعة وقال:
ـ مبروك يا روحي.
ابتسمت له بحب وردت:
= الله يبارك فيك يا عصومي.
قالت والدة داليا بسعادة:
ـ ألف مبروك يا ولاد.
ـ الله يبارك في حضرتك يا طنط.
ابتسمت والدة عاصم وهي تنظر إلى داليا بحنان:
ـ أنا كان نفسي يبقى عندي بنت، وربنا كرمني بأحلى بنت في الدنيا.
ابتسمت داليا بخجل:
= ميرسي يا طنط.
نظر عاصم للجميع وقال:
ـ طيب يا جماعة، نستأذن إحنا بقى.
سألته والدة داليا باستغراب:
ـ رايحين فين؟ لسه بدري، خليكوا قاعدين معانا شوية.
ابتسم عاصم وقال:
ـ معلش يا طنط، بس هاخد داليا ونخرج شوية قبل ما نروح بيتنا.
ضحكت والدة عاصم وقالت:
ـ سيبيهم يفرحوا ببعض. روحوا يا حبايبي، ربنا يسعدكم يا رب.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ...♡
جلس الأربعة حول طاولة في أحد أركان المطعم المطلة على النيل.
كانت سارة تمسك قائمة الطعام بتردد واضح، وكأنها تخوض معركة حقيقية في اختيار ما ستطلبه.
قالت وهي ما زالت تتأمل المنيو بتركيز:
= أنا مش أول مرة أجي المطعم ده، بس كل مرة بيبهروني بالإضافات الجديدة اللي بتحصل في المنيو، وكلهم أكيد أحسن من بعض.
رد أحمد دون أن يرفع عينيه عن قائمته:
ـ خلاص... اطلبيهم كلهم.
رفعت رأسها نحوه وقالت باستنكار:
= ليه؟ حد قالك عليا إني طفّصة؟
وما إن نطقت بالكلمة الأخيرة حتى انفجر أحمد ضاحكًا من قلبه، لدرجة أن بعض الجالسين حولهم التفتوا ينظرون إليهما باستغراب.
احمر وجه سارة قليلًا من الإحراج وقالت بغيظ:
= إنت بتضحك على إيه؟ على فكرة دمك تقيل أوي.
حاول الرد وهو يكتم ضحكاته بصعوبة:
ـ أيوة... أيوة، أنا دمي تقيل... وظالم كمان.
لكن عبارته الأخيرة جعلته ينفجر في الضحك مرة أخرى، وهو ما زاد غيظها أكثر.
أما نور فلم تكن منتبهة لما يحدث أصلًا.
كانت تجلس شاردة تنظر عبر الزجاج الشفاف المطل على النيل، غارقة داخل أفكارها البعيدة.
بينما كان يونس يراقبها بصمت.
يرى الحزن المختبئ خلف عينيها، ويتساءل ألف مرة عما يؤلمها.
كان يريد أن يسألها، أن يطمئن عليها، أن يعرف ما الذي أثقل روحها إلى هذا الحد.
لكن شعورًا مؤلمًا كان يخبره أنه لم يعد يملك ذلك الحق.
اقترب النادل منهما، وسجل الطلبات، ثم غادر.
قالت سارة فجأة:
= يونس، إيه رأيك لو نور تشتغل معانا؟
اتسعت عينا نور بدهشة.
لم تكن تتوقع أن تفتح سارة هذا الموضوع أمام الجميع دون أن تأخذ رأيها أولًا.
أما يونس فشعر بفرحة حقيقية غمرت قلبه للحظة.
على الأقل... سيستطيع رؤيتها كل يوم.
لكن فرحته تراجعت قليلًا عندما لاحظ التوتر الذي ارتسم على وجهها.
فهم فورًا أن الأمر فاجأها.
ابتسم وقال:
= ياريت بجد. ده أنا هبقى كسبت بشمهندسة شاطرة لشركتي.
ابتسمت له بلطف وقالت:
= متشكرة جدًا يا يونس، بس الحقيقة أنا حاليًا مش بفكر أشتغل.
ثم التفتت إلى سارة بنظرة عتاب قبل أن تعود وتنظر إليه مجددًا.
= الحقيقة سارة فاجئتني بالكلام ده دلوقتي، بس أنا مش حاسة نفسي جاهزة دلوقتي.
قالت سارة بسرعة:
= بالعكس، ده أنسب وقت. صدقيني، وعلى الأقل كلنا هنبقى مع بعض.
وقبل أن ترفض مجددًا، قال يونس بهدوء:
= سارة عندها حق... خلينا نرجع زي زمان يا نور.
ثم تدارك نفسه سريعًا:
= قصدي يعني... الشغل هو الحاجة الوحيدة اللي ممكن تجمعنا زي زمان. مش كده يا أحمد؟
أجاب أحمد بهدوء:
ـ أكيد هبقى مبسوط لو بقيتي معانا يا نور.
ابتسمت سارة بحماس وهي تميل نحوها:
= هاا... قولتي إيه؟ وافقي عشان خاطري.
أما يونس فكان يحاول بكل قوته أن يبدو هادئًا وطبيعيًا، وكأن الأمر لا يعنيه كثيرًا.
لكن الحقيقة كانت مختلفة تمامًا.
كان هناك شيء داخله لا يسمح له بالهدوء.
شيء ظل معلقًا بين الأمل والخوف، ينتظر منها كلمة واحدة فقط...
موافقة.
رواية مالم يحكي الفصل الثامن 8 - بقلم دنيا شعبان
ـ مش هينفع يا يونس... مش هينفع. واحد ومراته، محدش ينفع يدخل بينهم.
كانت ترى نظراتهم المعلقة بها، وتشعر وكأنها لا تملك الطاقة لفعل أي شيء. وفي الوقت نفسه لم تكن تريد أن تبقى على حالها هكذا.
كانت متأكدة أن عاصم يعيش حياته وكأنها لم تكن موجودة فيها يومًا، وأنه تجاوز كل شيء بسهولة. أفكار كثيرة كانت تتصارع داخل عقلها، وتردد يدفعها للانسحاب قبل أن تبدأ، لكنها شعرت أن نفسها تستحق فرصة حقيقية للحياة.
تنهدت براحة، ثم ابتسمت بهدوء ونظرت إلى يونس قائلة:
= موافقة.
شعر يونس وكأن حملًا ثقيلًا كان جاثمًا فوق صدره ثم اختفى فجأة. ارتسمت على شفتيه ابتسامة صادقة خرجت من أعماق قلبه، ولم يستطع إخفاء سعادته.
قالت سارة بحماس طفولي:
= يس! أنا فرحانة أوي، وأخيرًا هنرجع كلنا نتجمع تاني زي زمان.
أما أحمد فكان جالسًا بصمت، لا يبدو عليه الاهتمام الكبير بالأمر. كل ما كان يشغل تفكيره هو ألا يتأثر العمل بأي شيء، خصوصًا بعد الصفقة الأخيرة. وكان وجود نور بالقرب من يونس لا يبدو مؤشرًا مطمئنًا بالنسبة له أبدًا.
قال يونس وهو ينظر إليها:
ـ تحبي تنزلي الشغل من إمتى؟
أجابت سارة بدلًا منها بسرعة:
= من بكرة أكيد، هتنزل معايا من بكرة.
نظرت لها نور بامتنان حقيقي، وشعرت للحظة بمدى حظها لوجود صديقة مثل سارة في حياتها.
ثم قالت بهدوء:
= هاجي بكرة مع سارة إن شاء الله.
في تلك اللحظة اقترب النادل منهم، ووضع الأطباق أمامهم ثم غادر.
شهقت سارة بانبهار:
= واااو! الأكل شكله يجنن.
وبدأ الجميع في تناول الطعام.
وفي نفس اللحظة انفتح باب المطعم.
دخل عاصم برفقة داليا، وما إن وقعت عيناه على نور حتى انقبضت يده بقوة.
التفتت إليه داليا باستغراب من تغيره المفاجئ، ثم تبعت اتجاه نظره.
رأت نور تجلس مع مجموعة من الأشخاص، لكنها لم تستطع تمييز الجميع بوضوح، لأن أحمد ويونس كانا يجلسان وظهراهما ناحيتها، بينما كانت سارة وحدها ظاهرة بوضوح.
قالت بقلق:
= مالك يا حبيبي؟ إنت كويس؟
لكن عاصم لم يسمعها.
كانت عيناه متجمدتين فوق نور.
والأكثر مما أزعجه أنها بدت سعيدة.
سعيدة بشكل لم يتخيله.
كان قد رسم في عقله صورة مختلفة تمامًا... تخيلها حبيسة غرفتها، تبكي وتنهار بعد رحيله.
لكن الواقع كان صفعة قوية لتوقعاته.
كانت تضحك.
وتجلس وسط أشخاص.
وتعيش يومها.
لاحظت داليا أنه لا يستمع إليها أصلًا، فأمسكت يده وتحركت نحو إحدى الطاولات.
جلست، بينما ظل هو واقفًا مكانه للحظات طويلة، يراقب نور دون أن يطرف له جفن.
= عاصم، هتفضل واقف كده كتير؟ اقعد يا حبيبي.
انتبه أخيرًا إلى صوتها.
أشارت إلى المقعد المجاور لها، لكنه تعمد الجلوس في المقعد المقابل مباشرة لمكان نور.
أنزلت يدها بغيظ وهي تراقبه.
منذ دخوله وعيناه لم تغادرا نور.
كأنه لا يرى أحدًا سواها.
كان الحنين ظاهرًا على ملامحه دون أن يشعر.
يتابع حركاتها، وابتسامتها، وحتى طريقة حديثها.
شعر فجأة أن كل شيء فيها كان ينقصه.
لكن سرعان ما تذكر كلمات داليا وتحذيراتها المتكررة، فعادت ملامحه تتصلب بالغضب.
= عاصم... يا عاصم.
التفت إليها:
ـ إيه يا حبيبتي؟ بتقولي حاجة؟
قالت بضيق:
= مالك يا عاصم؟ النادل جه، وطلبت، ومشي، وكل ده وإنت مش مركز معايا خالص.
ثم ألقت نظرة خبيثة تجاه نور قبل أن تعود إليه.
= باين عليها فرحانة أوي... غريبة. أنا لو مكانها ،وفي مشاكل بيني وبين جوزي، مش هيبقى ليا نفس أخرج من أوضتي أصلًا.
ظل صامتًا.
لكن النار كانت تشتعل داخله.
وسؤال واحد فقط يدور في رأسه:
"إزاي قدرت تتخطاني بالسهولة دي؟"
أكملت داليا وكأنها تصب الزيت فوق النار:
= واضح إن فيه حد جديد في حياتها.
التفت إليها بسرعة، والغضب يشتعل داخل عينيه:
ـ إنتِ بتقولي إيه؟ ناسية إنها لسه مراتي وعلى ذمتي؟
تنهدت بحزن مصطنع:
= أكيد يا حبيبي... بس بص بنفسك. قاعدة مع شابين وصاحبتها، وواضح جدًا إن كل واحد خارج مع حبيبته.
ضرب الطاولة بيده بقوة حتى ارتجفت الأكواب.
ـ نور مستحيل تحب حد غيري! فاهمة؟ أنا وبس اللي في حياتها. إنتِ متعرفيش كانت بتعمل إيه عشاني... أنا الهواء اللي كانت بتتنفسه. مستحيل تفكر في حد غيري.
قالت بهدوء متعمد:
= طب وإنت زعلان أوي ليه؟ مش إنت كده كده هتطلقها عشان نعيش إحنا مع بعض في سلام؟
نظر إليها بغضب حاد، ثم نهض فجأة واتجه نحو طاولة نور.
ما إن رأته نور حتى تبدلت ملامحها بالكامل.
اختفت الراحة من وجهها، وحل محلها الخوف.
خوف واضح لم يخفَ على يونس.
وما إن لمح الارتباك في عينيها حتى وضع يده فوق يدها وسألها بقلق:
ـ إنتِ كويسة؟
وفي نفس اللحظة تمامًا رأى عاصم ذلك المشهد.
رأى يد يونس فوق يدها.
ورأى نظرات القلق في عينيه.
شهقت نور برعب وسحبت يدها بسرعة هامسة:
= عاصم...
التفت يونس وأحمد في نفس الوقت.
وتجمدت ملامحهما فور رؤيته.
أما صدمة عاصم فلم تكن أقل منهما حين رأى يونس يجلس معها.
وقف الأربعة في لحظة توتر خانقة.
وقال عاصم من بين أسنانه، ونظراته مشتعلة بالغضب:
ـ إنتِ بتعملي إيه هنا؟
كانت واقفة في مكانها، عاجزة عن الرد.
قدماها ترتجفان.
أما يونس فكان ينظر إليها بقلق متزايد، غير قادر على فهم سبب كل هذا الخوف.
شعر أن هناك شيئًا لا يعرفه.
شيئًا أكبر بكثير مما يراه أمامه.
قالت سارة بغضب:
= مالكش دعوة بيها. حرام عليك، سيبها في حالها بقى.
لكنه لم يبعد عينيه عن نور ولو للحظة.
ورد بحدة:
ـ محدش يدخل بيني وبين مراتي. بقولك بتعملي إيه هنا؟ وإزاي تروحي أي مكان من غير إذني؟
حاولت نور أن تجمع شجاعتها وقالت بصوت مرتجف:
= وإنت مالك؟ مالكش دعوة بيا خالص... فاهم؟
زادت كلماتها غضبه.
اقترب منها أكثر، ثم قبض على معصمها بعنف حتى تألمت.
ـ امشي معايا يلا.
لكن قبل أن يتحرك، كانت قبضة يونس القوية قد أحكمت الإمساك بذراعه.
نظر إليه بثبات وقال:
ـ ابعد إيدك عنها.
شعر أحمد أن الوضع يزداد سوءًا لحظة بعد الأخرى، ولم يكن يريد ليونس أن يورط نفسه في مشكلة بين رجل وزوجته، لذلك أمسك ذراعه محاولًا إيقافه:
ـ سيبه يا يونس.
لكن يونس لم يهتم بأي كلمة قالها.
كان يشعر بوجع حقيقي في قلبه وهو يرى الدموع المحبوسة داخل عيني نور.
أما عاصم فلم يستطع تحمل تلك النظرات الواضحة في عيني يونس، نظرات اللهفة والخوف عليها.
بيده الأخرى أبعد يد يونس بعنف، ثم جذب نور خلفه وتحرك نحو الخارج وهو يسحبها معه.
كاد يونس أن يتحرك خلفهما، لكن أحمد وقف أمامه مباشرة وقال بحزم:
ـ مش هينفع يا يونس... مش هينفع. واحد ومراته، محدش ينفع يدخل بينهم.
شعر يونس بعجز يكاد يمزقه من الداخل.
في الجهة الأخرى كانت داليا تتابع كل ما حدث وهي تغلي من الداخل.
رأت كيف تركها عاصم في يوم كهذا وركض خلف نور دون تردد، وكأنها هي غير موجودة.
وفي تلك اللحظة تضاعف الكره داخل قلبها تجاه نور.
مرر يونس يده بين خصلات شعره بعصبية، محاولًا تهدئة نفسه، لكن كلما تذكر نظرة الخوف في عينيها شعر بوخزة مؤلمة في قلبه.
انتبه هو وأحمد على صوت بكاء مرتفع.
التفتا نحو سارة.
وضع أحمد يده على رأسه بيأس وقال:
ـ مالك يا راديو؟ بتعيطي ليه دلوقتي؟
نظر لها يونس بجدية وقال:
ـ سارة، ممكن تهدي شوية وتفهميني إيه اللي بيحصل مع نور؟ إنتِ أكيد عارفة كل حاجة... صح؟
هزت رأسها وهي تمسح دموعها.
ولأول مرة منذ دقائق شعر يونس ببصيص أمل.
ربما يستطيع مساعدتها.
ربما يستطيع فعل شيء من أجلها.
عادوا للجلوس من جديد، وبدأ يستمع إلى كل ما تقوله سارة تحت نظرات ممتلئة بالغضب والحزن والوجع على نور.
وفي داخله أقسم أنه لن يترك عاصم يمر مما فعله بسهولة.
قالت سارة وهي تمسك منديلًا وتمسح أنفها بقوة:
= بس كده... هو ده كل اللي حصل مع نور. الواطي الحقير الزبالة كان دايمًا بيحسسها إنها تقيلة عليه، رغم إنها كانت مستحملة جمود قلبه وقسوته. وهي عشان بتحبه كانت مستحملة كل حاجة.
وما إن سمع كلمة "بتحبه" حتى شعر بألم حاد في قلبه.
لكنه أجبر نفسه على تجاهل مشاعره.
الآن ليس وقت التفكير في نفسه.
الأهم أن يجد طريقة ينقذ بها نور من ذلك الرجل.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ...♡
توقفت السيارة فجأة.
نزل عاصم منها بعصبية، ثم فتح الباب بعنف وقبض على معصم نور بقوة.
ـ انزلي يلا.
حاولت أن تسحب يدها منه، لكنه كان أقوى منها.
= سيب إيدي يا عاصم... إنت عايز مني إيه؟
لم يجبها.
ظل يسحبها خلفه حتى دخلا العمارة.
صعد بها إلى شقة والدتها، ثم بدأ يطرق الباب بعنف متواصل.
خرج صوت صفاء من الداخل:
= بسم الله الرحمن الرحيم! مين اللي بيخبط كده؟
خرجت من المطبخ واتجهت نحو الباب.
وما إن فتحته حتى تجمدت مكانها.
نور كانت تقف أمامها ودموعها تغطي وجهها بالكامل.
أما عاصم فكان يقف بجوارها والغضب يشتعل في ملامحه.
وقبل أن تستوعب ما يحدث، دفع نور نحو الداخل.
انهارت نور بالبكاء فورًا، وكأن آخر خيط من قوتها قد انقطع.
أسرعت صفاء تحتضنها بخوف:
= مالك يا حبيبتي؟ في إيه؟ إيه اللي حصل؟
ثم رفعت عينيها نحو عاصم وقالت:
= ما تنطق يا ابني، إيه اللي حصل؟ إنتوا اتخانقتوا ولا إيه؟
أدخلت نور إلى الداخل وأجلستها على الأريكة.
أما عاصم فدخل خلفهما وأغلق الباب بقوة.
وقال بغضب:
ـ اسألي بنتك اللي مش محترمة. اللي ما صدقت إنها هتطلق وبدأت تمشي مع الرجالة. طب على الأقل كنتِ استنيتي لما أبعتلك ورقتك.
شعرت صفاء وكأن عقلها توقف عن العمل عندما سمعت كلمة "طلاق".
أما نور فلم تعد قادرة على تحمل إهانته أو اتهاماته أكثر من ذلك.
وقفت فجأة وقالت بكل الغضب والألم المختزن داخلها:
= اخرس يا واطي! إنت فاكر كل الناس زيك ولا إيه؟ وبعدين إنت عايز مني إيه؟ كفاية بقى! حرام عليك. طلقني وارحمني وابعد عني.
ضحك بسخرية مؤذية وقال:
ـ ورقتك هتبقى عندك الصبح أصلًا. بعد اللي شوفته، ما يشرفنيش إن واحدة زيك تفضل على ذمتي.
فتح الباب وخرج.
ثم أغلقه خلفه بعنف هز أرجاء الشقة.
وما إن اختفى حتى انهارت نور تمامًا.
سقطت على الأرض وهي تبكي بقهر.
أسرعت صفاء إليها واحتضنتها.
= نور... إنتِ كويسة؟
ارتمت نور داخل حضنها وقالت بين شهقاتها:
= أنا بكرهه... بكرهه أوي يا ماما.
ظلت صفاء تربت على شعرها بحنان، محاولة تهدئتها.
لم تكن تفهم ما الذي حدث بينهما حتى وصل الأمر إلى الطلاق.
لكن حالة ابنتها لم تكن تسمح بأي أسئلة الآن.
كل ما أرادته هو أن تهدأ.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ...♡
داخل شقة عاصم...
كانت داليا جالسة تهز قدمها بعصبية شديدة.
لم تستطع استيعاب أنه تركها في يوم كهذا ورحل خلف نور.
فجأة رن هاتفها.
نظرت إلى الشاشة، وظنت أن عاصم هو المتصل.
التقطت الهاتف بسرعة وأجابت:
= عاصم، إنت فين؟ إزاي تسيبني وتمشي في يوم زي ده؟
جاءها صوت ضاحك:
ـ لا يا روحي، أنا مش عاصم... أنا مجدي ينفع؟
اتسعت عيناها بصدمة.
نظرت إلى الشاشة لتكتشف فعلًا أن المتصل هو مجدي.
أعادت الهاتف إلى أذنها وقالت بضيق:
= إنت عايز إيه يا مجدي دلوقتي؟ أنا على آخري ومش طايقة أسمع أي حاجة.
ضحك بخبث:
ـ أمم... شكله عاصم مزعلك جامد. بس مش لسه بدري على الخناقات دي؟
قالت بنفاد صبر:
= عايز إيه يا مجدي؟ أكيد مش بتتصل عشان تطمن عليا.
ـ برافو عليكي. دايمًا بقول محدش غيرك بيفهمني.
نفخت بضيق، ليكمل هو بجدية:
ـ اسمعيني كويس. عاوزك تجيبيلي كل الأوراق المالية الخاصة بعاصم.
شهقت بصدمة:
= نعم؟ وأنا هلاقيها فين؟ وهاخدها إزاي؟
قال ببرود:
ـ إنتِ نسيتي إنك بقيتي مراته وعايشة في بيته؟ أكيد هتعرفي توصلي ليها. أما هتاخديها إزاي، فدي مشكلتك إنتِ.
قبضت على الهاتف بقوة وقالت:
= أنا قلتلك قبل كده، وهقولها تاني. أنا بحب عاصم ومستحيل أخونه.
ضحك بسخرية باردة:
ـ وأنا قلتلك قبل كده إني مش باخد رأيك. خليكي شاطرة ونفذي اللي بطلبه. وإلا الحلم الجميل اللي بتحاولي تعيشيه هدمره في لحظة.
ثم أكمل بصوت أكثر تهديدًا:
ـ معاكِ أسبوع... والأوراق تكون على مكتبي.
وأغلق الخط.
بقيت تنظر إلى الهاتف بغضب قبل أن تلقيه على الأريكة.
شعرت أن كل شيء ينقلب ضدها.
مجدي يبتزها.
وعاصم ما زال متعلقًا بنور رغم زواجه منها.
لكنها لم تكن تنوي الاستسلام.
لا...
لابد أن تجد حلًا، وبأسرع وقت ممكن.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ...♡
مرّت ساعة كاملة.
وما زالت نور جالسة في مكانها، تدفن وجهها داخل حضن والدتها.
وعندما شعرت صفاء أنها أصبحت قادرة على الحديث، سألتها بهدوء:
= نور... ممكن تفهميني إيه اللي حصل؟
رفعت رأسها ببطء.
كانت عيناها حمراوين من كثرة البكاء.
وقالت بصوت يملؤه الوجع:
= اللي حصل إني كنت مغفلة... مش شايفة أي حاجة بتحصل قدامي. أو يمكن كنت شايفة وبعدّي. اكتشفت إن عاصم أكتر شخص ما كانش مناسب ليا. أنا حبيته أوي... بس هو عمره ما حبني.
سكتت لحظة قبل أن تكمل:
= هو حب الاهتمام اللي كنت بديهوله. حب الحنان. حب الإحساس إنه مهم عند حد. لكن أنا... أنا نفسها عمره ما قدر يحبها.
ضمت صفاء وجهها بين كفيها بحنان وقالت:
= إنتِ مش خسرانة يا حبيبتي... هو اللي خسران. كفاية إنه هيتحرم من أكبر نعمة كانت في حياته. وصدقيني، هييجي يوم ويندم... بس وقتها الندم مش هيفيده.
ثم قبلت رأسها بحنان ومسحت دموعها.
= يلا قومي يا ست البنات، خدي شاور لطيف، وأنا أحضر الأكل.
ثم أضافت بمزاح:
= وعايزاكي تفكي كده وتفرفشي يا قمر.
ابتسمت نور رغمًا عنها:
= حاضر يا ماما.
ابتسمت صفاء وقالت:
= إنتِ عارفة أحسن حاجة في الموضوع ده كله؟
= إيه؟
= إن بنتي حبيبتي رجعت لحضني. وهتبقى معايا، وهنسهر سوا، ونتفرج على مسلسلات تركي.
ضحكت نور لأول مرة منذ وقت طويل:
= وإنتِ هتعمليلي الكيكة اللي بحبها، ونجيب السناكس المفضلة لينا.
= بس كده؟ من عيوني يا روح قلبي.
تنهدت نور وهي تتجه إلى غرفتها.
ولأول مرة منذ فترة طويلة، شعرت أنها تريد أن تعيش من جديد.
فالحياة مليئة بالمشاكل والانكسارات.
ولو توقفنا عند كل ألم سنضيع أعمارنا دون أن نشعر.
ليس معنى أن اختيارنا كان خاطئًا في شخص ما، أن تتوقف حياتنا بالكامل.
أحيانًا يكون الحل ببساطة أن نخرجه من حياتنا... وكأنه لم يكن.
"الأهم من كل ذلك، ألا تبقي يومًا في مكان أو مع شخص يسبب لك أذى نفسيًا أو جسديًا. أنتِ تستحقين حياة جميلة... إما مع شخص يقدرك ويحترمك، أو وحدك بكرامة."
"لا تعيشي أبدًا دور الضحية."
رواية مالم يحكي الفصل التاسع 9 - بقلم دنيا شعبان
ـ ما لسه بدري يا هانم! إيه؟ كنتِ ناوية تباتي برا البيت النهارده؟
مرَّ شهرٌ كامل، وشعرت نور أخيرًا بسعادة حقيقية بعدما بدأت العمل مع سارة في الشركة. أحست أنها عادت إلى حياتها الطبيعية التي افتقدتها منذ زمن طويل، وأنها استعادت جزءًا من نفسها كان ضائعًا وسط كل ما مرت به.
أما اللحظة التي أمسكت فيها بورقة طلاقها من عاصم، فكانت أشبه بغريق ظل يصارع الأمواج طويلًا ثم وصل أخيرًا إلى الشاطئ لينجو بنفسه.
كانت حياتهم تسير بهدوء واستقرار. صفاء كانت تراقب ابنتها بسعادة غامرة وهي ترى ضحكتها تعود من جديد، وترى الحياة تدب فيها بعد أن ظنت يومًا أنها فقدتها للأبد.
أما يونس... فكان حبه واضحًا للجميع، حتى لمن لا يريد أن يراه، لكن نور لم تكن مستعدة لأن تعيش داخل وهم جديد. كانت تقنع نفسها دائمًا أنه يعاملها بهذه الطريقة فقط لأنه يريد مساعدتها والوقوف بجانبها، لا أكثر.
وطبعًا، لم يكن يمر يوم واحد دون المشاجرات المعتادة بين سارة وأحمد، وكأن الشجار أصبح جزءًا أساسيًا من روتينهم اليومي.
في منتصف الليل...
داخل شقة عاصم، كان الغضب ينهش أعصابه ببطء.
كل بضع ثوانٍ كان ينظر إلى ساعة الحائط المعلقة أمامه، منتظرًا عودة داليا من الخارج. فمنذ زواجهما تقريبًا، لم تمر ليلة واحدة إلا وعادت فيها متأخرة.
كان يهز ساقه بعصبية، ولأول مرة في حياته يشعر بثقل الانتظار.
هو الذي اعتاد أن ينتظره الجميع... لم يعتد يومًا أن ينتظر أحدًا.
وفي تلك اللحظة، تذكر نور...
تذكر كيف كانت تطلب منه فقط بعض الوقت.
بعض الاهتمام.
بعض اللحظات التي تجمعهما.
تذكر كيف كان يرفض دائمًا أو يؤجل أو يتجاهل.
ولأول مرة شعر بندم حقيقي يشق صدره.
انتفض من أفكاره على صوت مفاتيح تدور داخل الباب.
وقف فورًا وكأنه كان ينتظر تلك اللحظة.
دخلت داليا وهي تدندن بصوت منخفض، أغلقت الباب خلفها، وقبل أن تتجه نحو غرفتها أوقفها صوته الحاد:
ـ ما لسه بدري يا هانم! إيه؟ كنتِ ناوية تباتي برا البيت النهارده؟
وقفت أمامه بملل من نفس الحديث الذي يتكرر كل ليلة، ثم قالت ببرود:
= عاصم، عامل إيه يا حبيبي؟
ردها البارد كان كافيًا ليفقد ما تبقى من هدوئه.
ـ كنتِ فين؟ راجعالي نص الليل ولا هامك كلام الناس والجيران هيقولوا علينا إيه؟
رفعت حاجبها بلا مبالاة وقالت:
= جيران؟ وهم مالهم بينا أصلًا؟ وبعدين أنت عارف إني طول عمري متعودة على السهر... إيه الجديد في كده؟
ـ الجديد إنك بقيتي واحدة متجوزة! يعني المفروض أرجع ألاقي مراتي مستنياني... مش أنا اللي أقعد أستناها!
ضحكت بسخرية خفيفة وقالت:
= أمم... بس ده كان زمان يا حبيبي، أيام نور مش أيامي أنا. آه، أنا عمري ما هبقى زي نور. مش أنا اللي أدفن نفسي في الحياة عشان حضرتك تبقى مبسوط. تؤ تؤ... مش أنا.
لم يستطع السيطرة على أعصابه أكثر.
اقترب منها وأمسك ذراعها بقوة وهو يهزها بعنف:
ـ إنتِ متعرفيش تبقي زي نور أصلًا! لو عرفتي هي كانت بتعمل معايا إيه وكانت بتتمنى مني إيه... هتتكسفي من نفسك!
نزعت ذراعها من قبضته بعنف وقالت:
= ولما هي كانت بتحبك أوي كده... سبتها ليه؟ ها؟ قولي!
ثم أكملت والغضب يملأ صوتها:
= أنت ما تستاهلش منها ولا حاجة من اللي كانت بتعملهالك. عارف ليه؟ عشان أنت أناني ومش بتفكر غير في نفسك وبس. وتبقى أهبل لو فكرت إني ممكن أعيش أسيرة في مملكتك وأبقى تحت طوعك زيها، لأن وقتها مصيري هيبقى زي مصيرها... وده مستحيل أسمح بيه.
وفي ثانية واحدة...
هبطت صفعة قوية على وجهها، تردد صداها في أركان الشقة.
وقبل أن تستوعب ما حدث، كان قابضًا على شعرها بقوة يشدها إليه بعنف.
ـ أنا اللي غلطان... أنا اللي دمرت بيتي بإيدي!
كانت أنفاسه تخرج غاضبة وهو يكمل:
ـ بس كل ده هيتحل... وبكرة هوريكي أنا أقدر أعمل فيكي إيه. وساعتها مش هيبقى ليكي مكان هنا في بيتي.
اقترب أكثر من أذنها وهمس بصوت مخيف:
ـ بيت نور.
ثم دفعها بقوة.
سقطت على الأرض وارتطم رأسها بالحائط.
نظر إليها بنظرة مليئة بالغضب والاحتقار، ثم اتجه نحو الباب وغادر دون أن يلتفت إليها مرة أخرى.
وضعت يدها فوق رأسها تتأوه من الألم، ثم تمتمت بتحدٍّ:
= هنشوف مين اللي هيندم الأول يا عاصم.
أخرجت هاتفها من حقيبتها واتصلت بأحد الأشخاص...
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ...♡
في صباح يوم جديد...
كانت نور تجمع أغراضها داخل حقيبتها بسرعة وهي تقول بصوت مرتفع:
= ماما، أنا نازلة الشركة... عايزة حاجة؟
خرجت صفاء من المطبخ بسرعة وهي تحمل طبقًا مليئًا بالسندوتشات.
اقتربت منها وقالت:
= استني يا حبيبتي، افطري الأول قبل ما تنزلي.
ردت نور وهي ما زالت ترتب أشياءها:
= هفطر في الشركة. مش عارفة إزاي النوم أخدني كده!
وقبل أن تتحرك، أمسكتها صفاء من يدها.
= اهدي شوية يا بنتي، الشغل مش هيطير.
ثم أمسكت سندوتشًا وقربته من فمها.
أخذت نور قضمة صغيرة، فأكملت صفاء:
= وبعدين مش هتستني سارة عشان تمشوا سوا؟
ردت نور والطعام ما زال بفمها:
= لأ، بعتتلي رسالة وقالت إنها هتروح بدري عشان عندها شغل كتير النهارده.
وحين حاولت صفاء إعطاءها قضمة أخرى، رفعت نور حقيبتها بسرعة وقالت:
= أنا همشي بقى عشان مش عايزة أتأخر أكتر من كده.
ثم خرجت قبل أن تمنعها والدتها.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ...♡
داخل مكتب يونس...
كان الثلاثة يقفون حول المكتب يخططون لشيء ما.
= حلو أوي كده، متأكدة إنها هتفرح بيها جدًا.
قالتها سارة بحماس واضح.
أما يونس فكانت السعادة تلمع في عينيه وهو يقول:
ـ يا رب... أنا مش عايز غير كده. وربنا يقدرني وأسعدها طول العمر.
هز أحمد رأسه وقال بسخرية:
ـ مالك يا ابني؟ اجمد شوية! أدي أخرة الحب... شايف نفسك بقيت عامل إزاي؟
= وماله الحب يعني؟!
ردت سارة بسرعة.
= بدل ما تشجعه وتديله طاقة أنه يكمل.
ـ يتشجع؟! إنتِ محسساني إنه رايح حرب، مش رايح يتقدم لوحدة!
= طبعًا ده رأيك... ما أنت مبتحسش زي البشر أصلًا.
ـ ليه حد قالك إني معنديش قلب؟
نظرت إليه بسخرية وقالت:
= مش محتاجة حد يقولي... كفاية اللي بشوفه.
تنهد يونس بيأس من مشاجراتهما المعتادة، ثم ابتعد خطوتين وأخرج علبة صغيرة من جيب سترته.
فتحها ببطء.
وفي الداخل كان خاتم رقيق يلمع.
نظر إليه بحب وهمس لنفسه:
ـ خلاص... فاضل القليل بس، وتبقي معايا للأبد يا نور.
ـ هعوضك عن كل الأذى اللي شفتيه في حياتك.
وفجأة...
توقف عند سماع طرقات خفيفة على باب المكتب.
رفع رأسه سريعًا.
كانت نور قد دخلت.
فأغلق العلبة فورًا وأعادها إلى جيبه قبل أن تلاحظ شيئًا.
= صباح الخير.
قالتها بابتسامة هادئة.
فرد الجميع في وقت واحد:
ـ صباح النور.
ـ إيه اللي أخرك يا نور كل ده؟
قالها يونس بجديةٍ مزيفة، فشعرت نور بالتوتر فورًا وقالت بسرعة:
= أنا آسفة بس...
وقبل أن تكمل جملتها، انفجر الجميع في الضحك.
نظرت إليهم باستغراب وهي لا تفهم ما الذي يحدث.
اقترب منها يونس مبتسمًا وقال:
ـ أنا بهزر معاكي يا نور، وبعدين إنتِ من حقك تتأخري براحتك.
تبادل سارة وأحمد النظرات وهما يحاولان كتم ضحكاتهما، ثم قالا في صوت واحد:
ـ وإيه كمان؟
احمر وجه نور قليلًا من الخجل، فرفعت يدها وأعادت خصلة من شعرها خلف أذنها، ثم تراجعت خطوتين إلى الخلف.
لاحظ يونس ارتباكها، ولم يشأ أن يضغط عليها أكثر، فقال بسرعة وهو يغيّر الموضوع:
ـ النهارده الكل يعتبر نفسه في إجازة، وأنا عازمكم الليلة على العشاء.
تظاهرت سارة وأحمد بالمفاجأة حتى لا تشك نور في شيء.
= بس النهارده عندنا اجتماع مهم مع العميل.
قالتها نور باستغراب.
ابتسم يونس ابتسامته الساحرة التي كانت قادرة على خطف القلوب وقال:
ـ أنا أجلت الاجتماع، وكلمت العميل بنفسي كمان.
عقدت حاجبيها باستغراب.
أكمل يونس وهو ينظر إلى سارة:
ـ سارة، ممكن تاخدي نور وترجعوا البيت ترتاحوا شوية لحد معاد العشاء.
ثم غمز لها سريعًا من طرف عينه دون أن تنتبه نور.
= إحنا ممكن نكمل شغل عادي، وبليل نطلع على المطعم على طول.
قالتها نور ببساطة.
أما يونس فشعر أن كل الخطة التي أعدها ستنهار في لحظة.
فتدخلت سارة فورًا وهي تقترب منها:
= فيه حد مديره يديه إجازة ويبقى عايز يقعد في الشغل؟
= أنا بس قصدي...
قاطعتها سارة سريعًا:
= أنا عندي اقتراح أحلى... نروح نقعد مع صفصف لحد معاد العشاء.
ابتسمت نور وقالت:
= خلاص تمام.
وبعد دقائق خرجوا من الشركة.
وكانوا يجلسان داخل سيارة يونس بعدما أصر على أن يوصلهما السائق بنفسه.
وبعد فترة قصيرة، لاحظت نور أن الطريق ليس طريق منزلها.
فالتفتت باستغراب وقالت:
= حضرتك رايح فين؟ ده مش طريق بيتي.
ابتسمت سارة بمكر وقالت:
= ومين قالك إننا هنروح البيت على طول؟ أنا فكرت نروح المول ونختار فستان رقيق للسهره بتاعة النهارده... إيه رأيك؟
رفعت نور حاجبها وقالت:
= سهرة؟ ده مجرد عشاء يا سارة.
ضحكت سارة وقالت:
= وفيها إيه؟ هو لازم يبقى فيه مناسبة كبيرة عشان ندلع نفسنا؟ لو مدلعناش نفسنا دلوقتي هندلعها إمتى؟
تنهدت نور وقالت:
= بس أنا عندي فساتين كتير، ممكن ألبس أي واحد منهم.
= بس أنا حابة النهارده تبقي لابسة حاجة جديدة ومميزة.
ضيقت نور عينيها بشك وقالت:
= وأنا ليه؟ هو إنتِ مش هتجيبي فستان معايا؟
شعرت سارة للحظة أنها أوشكت على كشف الخطة كلها.
فقالت بسرعة:
= أكيد طبعًا! هو إحنا بنتعزم على العشاء كل يوم؟
وصلوا إلى المول.
وظلوا يتجولان بين المحلات لفترة طويلة.
وكلما أعجب نور فستان، كانت سارة ترفضه بحجة أن لونه كئيب أو لا يليق بها.
إلى أن وقعت عيناها على فستان أحمر قرمزي.
كان رائعًا بكل معنى الكلمة.
توقفت أمامه بإعجاب شديد.
أما نور فرفضته فورًا.
لكن كعادتها أمام إصرار سارة، لم تستطع المقاومة طويلًا، ووافقت في النهاية.
وبعدها عادوا إلى منزل صفاء.
وفضلوا داخل غرفة نور لبعض الوقت.
ثم حان وقت الاستعداد.
وقفت سارة أمام المرآة ترتدي أقراطها بعدما انتهت من ارتداء فستانها، ثم قالت وهي تنظر نحو باب الحمام:
= يلا يا نور، كل ده في الحمام؟
وما إن أنهت كلامها حتى سمعت صوت الباب يُفتح.
التفتت نحوه.
وفي اللحظة التالية خرجت نور.
فتجمدت سارة في مكانها لثوانٍ.
كانت أشبه بلوحة فنية.
الفستان القرمزي كان مصممًا وكأنه خُلق خصيصًا لها.
أبرز جمالها بطريقة ساحرة، وجعلها تبدو أكثر إشراقًا وجاذبية.
صفرت سارة بإعجاب وقالت:
= إيه القمر ده! الفستان تحفة عليكي!
نظرت نور إلى نفسها بتردد وقالت:
= بجد؟ يعني شكلي حلو؟ أصلّي حاسة إنه أوفر شوية... كان ممكن ألبس أي طقم عندي وخلاص.
هزت سارة رأسها بقوة وقالت:
= يا بنتي والله شكلك تحفة! وبعدين طقم إيه بس؟ ده مش هيبقى لايق على المناسبة دي خالص يا رورو.
ثم غمزت لها وعادت إلى المرآة تكمل تجهيز نفسها.
وفجأة رن هاتفها.
نظرت إلى الشاشة.
كان أحمد.
فسرعان ما تمالكت نفسها وقالت بتمثيل مبالغ فيه:
= دي رانيا جارتنا اللي بتتصل... يا ترى فيه إيه؟
نظرت إليها نور بقلق وقالت:
= اهدي، إن شاء الله خير.
هزت سارة رأسها بسرعة ثم أجابت المكالمة.
وفور أن فتحت الخط، جاءها صوت أحمد الساخر:
ـ كل ده عشان تردي يا راديو؟
رسمت على وجهها ملامح الخوف وقالت بصوت مرتفع:
= ماما؟! طيب... طيب أنا جاية حالًا!
كانت نور تراقبها والقلق يزداد داخلها.
بينما قال أحمد في الطرف الآخر ببرود:
ـ ممثلة فاشلة أوي.
أغلقت سارة الهاتف بسرعة، ثم أمسكت حقيبتها وقالت بتوتر مصطنع:
= نور، أنا لازم أمشي... ماما تعبت فجأة ولازم أبقى معاها.
انتفضت نور من مكانها فورًا:
= أنا جاية معاكي.
ردت سارة بسرعة شديدة:
= لا لا، تيجي فين؟! إنتِ ناسية إن يونس عازمنا على العشاء؟ لازم تروحي.
= عشاء إيه بس؟ مامتك أهم، نطمن عليها الأول.
تنهدت سارة وقالت:
= رانيا قالتلي إنه تعب بسيط ومش مستاهل القلق. أنا هروح وأطمنك، وإنتِ روحي ليهم عشان شكلنا ما يبقاش وحش.
ثم اتجهت نحو الباب.
وقبل أن تخرج التفتت إليها وقالت:
= آه صح... يونس قال إنه هيبعت السواق عشان يوصلنا. أول ما يوصل هيبعتلك رسالة عشان تنزلي.
ثم خرجت بسرعة قبل أن تسمع أي اعتراض.
جلست نور على طرف السرير بتوتر.
لم تكن تعرف ماذا تفعل.
لا تريد الذهاب وحدها...
وفي الوقت نفسه تشعر أن من غير اللائق أن تحرج يونس أو ترفض الدعوة.
وبينما كانت غارقة في أفكارها، اهتز هاتفها معلنًا وصول رسالة جديدة.
أمسكته بسرعة.
كانت رسالة من يونس.
أخبرها فيها أن السائق وصل بالفعل وينتظرها أسفل المنزل.
أغلقت الهاتف ببطء.
ثم أطلقت زفرة طويلة وهي تدرك أن كل طرق الهروب أُغلقت أمامها...
وأنه لم يعد أمامها سوى أن تذهب.
رواية مالم يحكي الفصل العاشر 10 - بقلم دنيا شعبان
ـ بطلي إنتِ توترك اللي صدعني ده. محسساني إنك إنتِ العروسة مش هي.
ـ مالك يا عاصم، قاعد في الضلمة كده ليه؟
قالتها أمه لما فتحت باب أوضته، وكان قاعد في البلكونة والغرفة مظلمة.
اتعدل في قعدته على الكرسي ومسح دموعه قبل ما أمه تلاحظ.
شغّلت نور الأوضة ودخلت البلكونة وجلست على الكرسي المقابل ليه.
ـ إيه يا حبيبي، إيه اللي مزعلك؟
قالتها وهي بترتب على رجله.
رد بهدوء:
ـ أبداً يا ماما، مفيش حاجة، مشاكل بسيطة بس في الشغل وهتتحل إن شاء الله.
ـ مشاكل في الشغل برضه ولا اتخانقت مع داليا عشان كده ما روحتش بيتك من امبارح؟
قالتها بشك.
ـ أنا هطلقها.
قالها بدون تردد.
خرجت منها شهقة مصدومة:
ـ تطلقها! هو أنت لحقت؟! إنتوا متجوزين من شهر بس.
ـ كان أكتر قرار غلط أخدته في حياتي.
قالها بندم حقيقي.
ـ ليه بس يا حبيبي بتقول كده؟ لو حصلت أي مشكلة بينكوا فده طبيعي، أي اتنين بيحصل بينهم مشاكل، بس الشاطر اللي يفهم ويكبر دماغه.
ـ تعبت... تعبت من إهمالها ليا ومن برودها معايا في كل حاجة، حتى الكلام يا أمي. دي خلتني أكره الساعة اللي شوفتها فيها.
ـ غريبة! يعني ده أنت كنت هتموت عشان تتجوزها، ما كنتش أتوقع إنك تزهق بسرعة كده.
ـ أنا ما زهقتش، بس مش قادر أستحمل تصرفاتها. تتأخر كل يوم في السهر، وترجعلي وش الصبح، وأنا إيه المفروض؟ أفضل عايش وساكت؟
بصتله باستغراب من كلامه المعاكس تماماً للي كان بيقوله وقت ما كانت نور لسه في حياته.
سألها:
ـ مالك بتبصيلي كده ليه؟
ـ مستغرباك يا عاصم، وحاسة إني مش فاهماك يا بني. لو أنت كنت عايز كل الصفات دي تبقى موجودة في مراتك، ما نور كانت معاك من الأول، وكلنا عارفين كانت بتحبك إزاي. وإنت بنفسك كنت بتشتكي من كل الحاجات دي اللي إنت دلوقتي عايز داليا تنفذها، زي الاهتمام والحب...
إيه بقى اللي اتغير دلوقتي؟
ـ أنا فعلاً ما كنتش فاهم ولا حاسس بقيمة اللي نور كانت بتقدمه ليا. كنت شايف إن ده زن ووجع دماغ وكلام مراهقين، بس خلاص... ضيعت كل ده من إيدي، ضيعتها.
قال آخر كلمة بحزن، والندم بينهش في قلبه.
ـ مفيش حاجة ضاعت ولا حاجة. أنت تقدر تحقق كل اللي نفسك فيه مع داليا عادي، بس حاول تفهمها براحة على طبعك، وحاول تحتويها أكتر من كده، وصدقني هتلاقي كل تصرفاتها المزعجة بالنسبالك اتغيرت.
ـ تفتكري؟
قالها بنفاد صبر وبآخر ذرة أمل موجودة عنده.
ـ قوم، قوم روح بيتك وصالح مراتك، ولازم تتعلم إزاي تعيش وتتعايش مع اللي حواليك. يلا قوم جهز نفسك.
خرجت وتركته في دوامة أفكاره اللي مش بتخلص، ما بين أمل إن داليا ممكن تتغير، وبين الخوف ليكون ده مجرد وهم، ويفضل ندمان طول عمره إنه خسر إنسانة كانت بتحبه زي نور.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ...♡
وقفت السيارة أمام المطعم. نظرت حولها، كان المكان هادئاً. فتحت الباب ونزلت، فاستقبلتها نسمة هواء خفيفة هدّأت من توترها. مشيت بخطوات بطيئة وهي بتحاول تهدي نفسها.
"اهدي يا نور، ده عشاء عادي يعني، وبعدين أحمد هيبقى معاكوا. اهدي... اهدي."
قالتها محاولة تهدئة أعصابها. أخدت نفساً براحة وحاولت تضبط أنفاسها، وكانت مستغربة دقات قلبها العالية اللي مش مفهومة.
"وأنت بتدق ليه دلوقتي؟ أهدى بقى، أنا متوترة جاهزة، مش ناقصاك أنت كمان."
اتفاجئت بحد بيفتح لها باب المطعم بكل احترام. ابتسمت له بلطف، وأول ما دخلت نظرت للمكان، كان خالياً وما فيهوش أي حد، وإضاءة بسيطة جداً في المكان، وورد موجود على كل الطاولات.
أشار بيده إلى مكان الطاولة اللي جالس عليها يونس.
ـ اتفضلي من هنا.
قالها باحترام، ثم اختفى من قدامها.
كملت طريقها لحد ما لمحت يونس، واللي أول ما شافها ارتسمت على وشه ابتسامة جذابة. سرح في جمالها اللي خطف قلبه من أول لحظة. ألقى نظرة على الفستان من أسفل لأعلى، وكانت نظراته كفيلة إنها تزود توترها ودقات قلبها اللي ارتفعت مرة واحدة.
ما قدرتش تنكر بين نفسها إن شكله كان جذاب. بدلته السودة زودت وسامته، فنظرت للأرض بخجل من نظراته ليها.
قرب منها ووقف أمامها.
ـ زي القمر.
قالها بنبرة حنونة مليانة حب.
رفعت رأسها:
ـ ها...
قالتها بتلعثم.
ابتسم على براءتها وردد كلمته:
ـ طالعة زي القمر النهارده.
وقرب أكثر من أذنها ليهمس:
ـ إنتِ دايماً قمر في نظري يا نور.
ثم ابتعد عنها عشان يشوف تأثير كلماته عليها، وزي ما توقع، وجهها احمر من شدة الخجل.
ـ آسف، نسيت أقولك اتفضلي.
وجلسا على الطاولة.
قالت محاولة تهدئة ارتباكها من نظراته لها:
ـ سارة ما عرفتش تيجي معايا، والدتها تعبت فجأة واضطرت تمشي من عندي على طول.
رد عليها وهو سرحان في ملامحها:
ـ أنا عارف.
استغربت رده، لأن سارة مشيت من عندها على طول وما كلمتوش، يبقى هو عرف منين؟
فهم من نظراتها الاستغراب وقال:
ـ سارة كلمتني أول ما نزلت من عندك واعتذرت عن العشاء.
حست بارتياح أول ما سمعت كلامه، وهزت رأسها بهدوء.
سكتوا لثواني قبل ما تسأله:
ـ أحمد فين؟ هو لسه ما جاش؟
وبصت في ساعة يدها وكملت:
ـ اتأخر.
ومسكت موبايلها من على الطاولة وهي بتقول:
ـ هكلمه أشوفه اتأخر ليه كل ده.
نظر لها بتوتر من إنها تعرف حاجة، فسحب التليفون من إيدها.
استغربت فعله، فقال:
ـ أحمد راح لسارة. هو قالي لازم يبقى واقف معاها، عشان لو احتاجت أي حاجة لمامتها يبقى معاها.
هزت رأسها بتفهم.
في نفس الوقت قرب النادل من الطاولة، ووضع الأطباق ثم غادر.
كان بيبصلها وهي بتاكل، ومشاعر الحب مسيطرة عليه في اللحظة دي. ما كانش قادر يصبر أكتر من كده.
كانت بتاكل ومش ملاحظة كل نظراته.
قال مرة واحدة:
ـ نور... أنا بحبك.
سقطت الملعقة من يدها على الطبق، ونظرت له بصدمة.
لم تكن صدمته أقل منها، لكن من داخله كان قد حسم أمره؛ سيخبرها بكل مشاعره اليوم، تلك المشاعر التي أخفاها في قلبه لسنوات طويلة، ولم يعد قادرًا على الصمت أكثر من ذلك.
ما كانش قادر يفهم معنى نظراتها ليه، لكنه قال "بحبك" وهو مش مركز غير في عينيها:
ـ أنا عارف إنك اتفاجئتي بكلامي، بس دي الحقيقة. أنا بحبك من زمان أوي، من أيام ما كنا لسه عيال صغيرة. لسه فاكر كل أيامنا مع بعض، وفاكر لما كنا في المدرسة وفي الفصل، كانت دايمًا نظراتي عليكي، وعمرها ما فارقتك. وفي الدروس، وفي البيت، وفي كل مكان... كنتِ إنتِ كل اللي بشوفه.
عمري ما كان عندي القوة إني أجي وأصارحك بمشاعري. كنت بخاف أخسرك، أو يمكن كنت خايف من الرفض، وساعتها برضه كنت هخسرك، عشان أكيد ما كنتش هقدر أواجهك تاني.
حتى دلوقتي خايف أخسرك. عمري ما حسيت منك بمشاعر تجاهي، ويمكن أكون بجازف دلوقتي، بس صدقيني مش قادر... مش قادر أفضل حابس مشاعري وحبي ليكي اللي مش بإيدي.
إحنا كنا مع بعض طول عمرنا لغاية ما دخلنا الجامعة وقابلتي عاصم. شوفت الحب في عينيكي، بس ما كانش ليا. أنا كنت أتمنى في يوم أشوف نظرات الحب في عيونك، ولو لمرة واحدة بس... ما حصلش.
وبعد السنين دي كلها، عايز أقولك إني بحبك.
كانت بتسمعه وهي مصدومة من كل كلمة قالها. عمرها ما تخيلت إن في حد ممكن يحبها بالشكل ده، أو إنها تستاهل تتحب أصلًا.
ياااه... فيه حاجات كتير شكلي ما كنتش واخدة بالي منها للأسف.
غصب عنها نزلت دموعها على خدها.
أول ما شاف دموعها حس بكسرة في قلبه. للحظة افتكر إنها رفضاه وخايفة تقوله عشان ما تجرحوش.
دموعها كانت قادرة تحطمه، لكن كالعادة ما اهتمش لوجع قلبه.
وما حسش بنفسه غير وهو بيقوم من مكانه وينزل على ركبته قدامها. رفع إيده بتوتر ومسح دموعها بأصابعه.
مجرد ما حست بلمسة إيده، سرت رعشة قوية في جسمها.
فتحت عينيها ببطء ونزلت بنظراتها ليه، وشافت في عينيه الصدق والحب اللي عمرها ما شافتهم مع عاصم.
ولمحت دموعًا محبوسة بيحارب عشان ما تنزلش.
ـ هششش... اهدي. مش عايز أشوف دمعة واحدة في عينك. لو إنتِ مش حاسة بأي مشاعر اتجاهي، صدقيني مش زعلان، بس مش عايز أشوف الدموع دي تاني.
كانت شايفة الوجع في عينه، ورغم كده هو اللي خايف عليها وعلى مشاعرها.
معقول فيه حد بيحب للدرجة دي؟
هو فيه حب أصلًا؟!
اتمنى لو تنفي كل الكلام اللي قاله، لكن سكوتها دمر آخر أمل عنده.
سمع صوت قلبه وهو بينكسر، وحس إن الدنيا بقت سودة في عينيه.
كانت نظراتهم لبعض بتقول مئة حاجة.
وقف، وبص الناحية التانية، ومسح بسرعة دمعة نزلت من عينه بقهر.
رجع بص ليها وحاول يرسم ابتسامة باهتة على وشه:
ـ يلا عشان أوصلك البيت.
اتمنت لو تقدر تقوله على اللي مخوفها.
واتمنت لو كان اعترف لها بحبه من زمان... يمكن كان الوضع اختلف.
فضلت باصة ليه وهو بيجاهد إنه ما يبصلهاش، عشان ما يضعفش قدامها.
خرجوا من المطعم، وفضلوا طول الطريق في صمت.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ...♡
وصل عاصم شقته.
أول ما دخل قفل وراه الباب، وبص نظرة سريعة يدور على داليا، لكن باين إنها مش موجودة.
ـ داليا... داليا!
قالها بصوت عالي عشان لو موجودة تسمعه، لكن من دون فايدة.
دخل البلكونة يدور عليها، ما كانتش موجودة.
دخل الغرفة برضه وما لقاهاش.
قرب من غرفة مكتبه، وأول ما فتح الباب ونور النور، اتصدم.
الخزنة كانت مفتوحة.
قرب منها بسرعة وهو هيتجنن من اللي شايفه.
إزاي ده حصل؟
كل الأوراق الخاصة بشغله مش موجودة.
لمح درج المكتب مفتوح، واللي كان شايل فيه المفتاح.
قفل فكه مرة واحدة بغضب، وكل شكوكه اتجهت ناحية داليا.
طلع الموبايل من جيبه ورن عليها، لكن كان بيديله مغلق.
رزع الموبايل في الأرض بعنف، فاتكسر مية حتة.
وقال بصوت أشبه بالجحيم:
ـ داليا... نهايتك على إيدي.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ...♡
داخل شقة صفاء...
كان أحمد وسارة قاعدين، وصفاء في المطبخ بتجهز العشاء.
سارة كانت رايحة جاية، وكل شوية تبص في ساعة إيدها وتنفخ بضيق.
ـ اتهدي بقى شوية، دوختيني.
قالها بضيق واضح.
نفخت وقعدت جنبه وقالت بتوتر:
ـ تفتكر اتأخروا كل ده ليه؟ يعني الموضوع بسيط، هيقولها: تتجوزيني يا نور؟ وهي هتوافق، والموضوع خلص خلاص.
ـ وإنتِ بقى عرفتي منين إن الموضوع بسيط وسهل؟ إنتِ جربتي قبل كده ولا إيه؟
قالها بسخرية مريرة.
ـ لأ، بس بتفرج على مسلسلات وعارفة كويس المواضيع اللي زي دي بتاخد وقت قد إيه.
ـ والله؟ وإيه كمان؟
ـ بطل غلاستك دي يا أحمد، مش وقتها خالص على فكرة.
ـ بطلي إنتِ توترك اللي صدعني ده. محسساني إنك إنتِ العروسة مش هي.
ـ هههه، صدق ضحكتني. وبعدين مش صاحبتي ولازم أبقى قلقانة ومتوترة؟ أنا خايفة أوي من ردة فعلها، يا ترى هتكون إيه؟
مسح على وشه بإيده بنفاد صبر:
ـ أنا مش عارف إيه اللي خلاني أسمع كلامك وأجي هنا. قال إيه؟ عشان لما يجوا نبقى نحتفل بيهم. ده على أساس إنك ضامنة يونس هيطلع أساسًا.
ـ أوووف! وبتقول عليا أنا راديو؟ مش شايف نفسك؟ وآه، يونس أكيد هيطلع. طبيعي جدًا لما يوصلها لغاية بيتها، نور بكل ذوق هتعزمه يطلع، وهو طبيعي يرفض في الأول، بس أكيد هيوافق. أنا واثقة.
قاطع مشاجرتهم رنين موبايل أحمد.
أول ما شاف اسم المتصل، قفل على طول.
ميلت سارة برأسها عشان تشوف مين اللي بيكلمه، لكنها فشلت.
لاحظ نظراتها، فبصلها ببرود وسألها:
ـ فيه حاجة يا سارة؟
ـ مين اللي بيكلمك دلوقتي؟
ـ حبيبتي.
قالها ببساطة وهو بيقلب في التليفون، غير مدرك لتأثير الكلمة عليها.
بصتله بحزن، وحست بوجع في قلبها، وهمست بألم:
ـ حبيبتك...