تحميل رواية «مالم يحكي» PDF
بقلم دنيا شعبان
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
اقرأ مالم يحكي بقلم دنيا شعبان.
رواية مالم يحكي الفصل الحادي عشر 11 - بقلم دنيا شعبان
ـ هو أنت بتحب يا أحمد؟
قالتها وهي بتحاول تبان طبيعية، لكن كان باين على صوتها الحزن.
رفع رأسه من الموبايل ونظر لها لثوانٍ. معرفش ليه، بس حس إنها اتضايقت لما عرفت. كان لسه هيرد عليها، لكن قاطعه صوت باب الشقة وهو بيتفتح، وبتدخل منه نور ويونس كان وراها. في نفس اللحظة خرجت صفاء من المطبخ.
أول ما دخلت، استغربت وجود سارة اللي المفروض تكون جنب أمها، وأحمد اللي المفروض كان معاها. جمعت الأحداث ببعض وفهمت إن كل ده كان خطة منهم، وإن سارة عملت كل التمثيلية دي عشان تخرجها مع يونس لوحدهم.
ـ مساء الخير.
قالها يونس بهدوء. كان واقف ورا نور طول الوقت، بيحاول يظهر عكس اللي جواه واللي حاسس بيه.
ـ مساء النور.
قالتها صفاء بابتسامة لطيفة.
ـ عامل إيه يا يونس؟ بقالي سنين ما شوفتكش. ما كانش فيه غير أحمد بس اللي بيجي هو وسارة.
ـ معلش يا طنط، بس كان بسبب ضغط الشغل.
ـ ربنا معاكم يا رب. أنا فرحت أوي لما عرفت إنكم رجعتوا تتجمعوا تاني زي زمان.
ثم بصت لنور اللي كانت سرحانة وكملت:
ـ وعمري ما شوفت نور فرحانة غير لما بقت معاكم. مش كده يا نور؟
هزت رأسها بهدوء وقالت بتهرب:
ـ بعد إذنكم، بس تعبانة شوية ومحتاجة أرتاح.
ومشيت في اتجاه غرفتها.
أول ما شافتها سارة، وحست إن فيه حاجة حصلت، لكنها دلوقتي اتأكدت. وقفت بسرعة وقالت:
ـ أنا هدخل أطمن عليها.
ودخلت وراها.
حست صفاء بإحراج من تصرف بنتها، أما يونس فحس إنها بتهرب منه ومش حابة تفضل في مكان واحد معاه.
نظر لأحمد اللي فهم قصده، فوقف وبص لصفاء وقال:
ـ إحنا هنمشي، حضرتك محتاجة أي حاجة مننا؟
ـ إيه؟ تمشوا؟! والعشاء اللي واقفة بقالي ساعتين بجهز فيه؟ لا، إحنا نتعشى مع بعض وتمشوا بعد كده براحتكم.
قالتها برفض نهائي.
نظر أحمد ناحية يونس وهز كتفه بمعنى: أعمل إيه؟
ـ متشكر جدًا لحضرتك، بس إحنا لازم نمشي دلوقتي. فيه أوراق مهمة محتاجين نشتغل عليها ضروري.
كان ده رد يونس الهادئ.
وفي الآخر وافقت، وخرجوا.
سمعت نور صوت الباب وهو بيتقفل، ففهمت إنهم مشيوا.
كانت جالسة على السرير، وسارة أمامها. ومن أول ما دخلت وهي بتسأل سؤال واحد بس، وبتكرره بدون فايدة:
"إيه اللي حصل؟"
ـ أنتِ كنتِ عارفة كل حاجة من البداية، صح؟
سألتها وهي حاسة بضيق. يمكن لو كانت تعرف إن كل ده هيحصل ما كانتش راحت.
ارتبكت من سؤالها وردت بتلعثم:
ـ نور... بصراحة يعني... أنا...
وقفت مرة واحدة وصرخت فيها:
ـ أنتِ إيه يا سارة؟ ليه عملتي كده؟ ليه اتصرفتي بتهور زي كل مرة؟ يعني معقول شايفاني عيلة صغيرة قدامك لدرجة تخططي لموعد عشاء رومانسي ليا؟
وقفت سارة هي كمان وبقت قدامها، وخافت من ردة فعلها غير المتوقعة.
ـ نور، ممكن تهدي لو سمحت؟ أنا عملت كل ده عشان بحبك وخايفة عليكي وعايزة مصلحتك.
ـ مصلحتي؟! وهي فين مصلحتي في كده؟
ـ نور، ممكن تهدي عشان نعرف نتكلم؟ صدقيني، يونس بيحبك... لا، ده بيعشقك. إنتِ إزاي مش واخدة بالك من كل ده؟ من وإحنا صغيرين وهو بيحبك، ولغاية اللحظة دي بيحبك... يبقى ليه لأ؟ فاهميني.
عاودت الجلوس مرة أخرى على السرير وهي منهارة.
قربت منها سارة بخوف عليها.
ـ نور يا حبيبتي، بتعيطي ليه بس؟ المفروض تفرحي إن فيه حد بيحبك زي يونس. ناس كتير تتمنى بس لحظة مع إنسان بتحبه.
قالت آخر كلمة بحزن موجوع على حالها. افتكرت كلمة أحمد وهو بيقول "حبيبتي". ما يعرفش إن الكلمة دي قتلت جواها حاجات ما نقدرش نشرحها ولا نوصفها.
قالت نور بين دموعها:
ـ ما هي دي المشكلة يا سارة. هو عشان بيحبني أوي أكيد دلوقتي مجروح أوي مني. إنتِ مش هتفهميني، لأنك عمرك ما حبيتي، بس شعور الرفض من شخص بتحبيه قادر يقتلك وإنتِ عايشة.
حست سارة للحظة بغصة في قلبها.
كانت عايزة تقولها إنها فاهمة وحاسة بكل كلمة بتقولها، وللأسف حاسة بيها أكتر مما تتخيل، لكنها قررت تكتم جواها كعادتها.
كملت نور كلامها وهي بتفتكر يونس وهو بيقولها "بحبك":
ـ أنا عمري ما شوفت يونس غير صديق... صديق الطفولة زي ما بيقولوا. عمري ما تخيلت إنه يطلع بيحبني للدرجة دي.
ـ طب وإيه المشكلة لما تدي لنفسك فرصة؟ صدقيني، يونس بيحبك بجد ويستاهل منك فرصة واحدة على الأقل.
قالتها وهي بتتمنى من كل قلبها إن نور تفكر صح وما تضيعوش من إيدها بسبب خوفها.
هزت رأسها بالنفي ومسحت دموعها.
ـ خلاص... خلاص يا سارة. كل حاجة انتهت من قبل ما تبتدي. هو أكيد فهم سكوتي على إنه رفض.
ـ طيب وإنتِ فعلًا رافضة الموضوع؟ معقول مشاعرك ما اتحركتش يا نور تجاه يونس طول الفترة دي؟
قالتها بترقب.
فضلت ساكتة، مش عارفة ترد عليها.
تقول إيه؟ تقول إن مر شهر على طلاقها من أكتر إنسان حبته، وفي المقابل ما شافتش منه غير وجع القلب؟
وفي نفس الوقت مش قادرة تنكر المشاعر اللي كانت بتحسها كل ما تبقى قريبة من يونس، لكنها دايمًا كانت بتمنع نفسها، يمكن خوفًا من التعلق بشيء مجهول المصير.
لاحظت سارة شرودها، وفهمت إنها فعلًا عندها مشاعر تجاه يونس، لكنها بتكابر.
ـ بلاش تقارني عاصم بيونس يا نور، عشان صدقيني مفيش مقارنة. ما تخليش ذكريات الماضي تضيع ذكريات جميلة مستنياكي في المستقبل.
وخليكي واثقة إن لكل بداية نهاية، بس ده مش معناه إننا نوقف حياتنا ونفضل نتفرج عليها وهي بتضيع من بين إيدينا.
ومش يمكن الحكاية الجديدة تبقى أفضل وأجمل؟
إنتِ تستاهلي حياة هادية فيها حب. ما تحرميش نفسك من الحياة يا نور.
كانت بتسمع كل كلمة منها بتركيز، ويمكن لأول مرة حست بأمل صغير، وإن الحياة ممكن تضحك لها تاني، لكن كل حاجة محتاجة خطوة... أو إشارة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ...♡
كان جالسًا على مقعده، ونظراته مثبتة على الأوراق اللي بين إيديه. كان بيدقق في كل ورقة بتركيز شديد.
أما هي فكانت واقفة قدامه كأنها سجينة مستنية حكم القاضي.
نظرت له بملل وخوف من إنه يتراجع في وعده لها، بعد ما قال إنه أول ما يحصل على الأوراق والملفات هيديها أوراقها عشان تسافر.
ـ كل الأوراق اللي طلبتها بقت معاك. تقدر تقولي هتنفذ وعدك ليا إمتى؟
قالتها داليا بضيق من بروده.
نظر لها وابتسم بسخرية.
ـ أمم... كل الأوراق معايا، بس شكلك نسيتي الأهم من الأوراق والملفات.
نظرت له باستغراب شديد.
ـ مفيش حاجة نسيتها. دي كل الأوراق والملفات اللي لقيتها في خزنة عاصم. مفيش أي حاجة تانية.
ـ لا، نسيتي.
قالها بحدة، واتعدل في جلسته ليكمل:
ـ نسيتي الختم.
ـ ختم إيه؟
ـ ختم عاصم. تقدري تقوليلي هعمل إيه بالأوراق لو الختم مش موجود؟ وتوقيعه أصلًا مش على أي ورقة. في الحالة دي الختم هو الحل الوحيد.
ـ طيب وإنت هتجيب الختم إزاي؟ ده أكيد في الشقة، في غرفة مكتبه.
ابتسم بسخرية على سذاجتها، ثم رفع قدميه ووضعهما على الطاولة اللي أمامه وقال:
ـ قصدك هتجيبيه إزاي.
ـ نعم؟! إنت عايزني أرجع له؟ ده ممكن يقتلني فيها.
قالتها بعصبية واضحة.
ـ مش مشكلتي. أنا طلبت منك تنفذي مهمة، وأعتقد مفيش أبسط من المهمة دي. بس إنتِ غلطتي، يبقى لازم تصلحي غلطك بنفسك.
وقبل ما ترد، كمل كلامه:
ـ صدقيني، معندكيش أي حل تاني غير إنك توافقي على طلبي. لأن لو رفضتي، أنا مش هنفذ وعدي ليكي، وأنا بنفسي اللي هسلمك لعاصم، وأظهر أنا بصورة الملاك. لكن لو وافقتي وجبتيلي الختم، ساعتها هنفذ وعدي وهسفرك... أمم، قولتي إيه؟
قال آخر كلمة ببرود قاتل، كان قاصد يقفل كل الطرق قدامها عشان ما يبقاش عندها أي اختيار غير الموافقة.
خافت من تهديده الصريح لها، وحست إنها دخلت لعبة أكبر منها بكتير.
لعنت نفسها في سرها وقالت بارتباك:
ـ بس أنا لو روحت له دلوقتي أكيد هيشك فيا. كمان أنا طول اليوم قافلة الموبايل، وأكيد هيكون حاول يكلمني كتير أول ما اكتشف إن الملفات مش موجودة.
ـ بسيطة. لو على تأخيرك، فإنتِ كل يوم كنتِ بترجعيله وش الصبح. ولو على الموبايل، قوليله فصل شحن.
ـ بس...
ـ مفيش بس. أنا قلتلك قبل كده وهرجع أكرر، أنا مش باخد رأيك. إنتِ تنفذي وبس.
حست إن كل الطرق اتقفلت في وشها، وإن نهايتها قربت، ومبقاش عندها أي حل غير إنها تنفذ كلام مجدي.
لكنها ما كانتش عارفة هتقول لعاصم إيه لما يسألها عن الأوراق.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ...♡
كان جالسًا في غرفة مكتبه، ساند ظهره على المقعد، مغمض عينيه، وحاسس إن دماغه هتنفجر.
حاول بكل الطرق يوصل لداليا، لكن بدون فايدة.
حس بصوت خطوات كعب بتقرب من الغرفة، ففتح عينيه وهو على نفس وضعيته.
وفجأة اتفتح الباب، وظهرت داليا قدامه وهي بتبتسم له بتصنع.
قالت له:
ـ حبيبي، إنت جيت...
في أقل من ثانية كان هجم عليها، وقبض على رقبتها بعنف لدرجة إن عروقه برزت.
رفعت إيديها بسرعة وحاولت تبعد إيده عنها، لكنه كان الأقوى.
قال بصوت واطي لكنه حاد:
ـ بتسرقيني أنا يا حقيرة؟! نسيتي نفسك بس. وربنا لأندمك على اليوم اللي شوفتيني فيه.
وبدأ يهزها بعنف وهو لسه قابض على رقبتها.
ـ فين الملفات اللي كانت في الخزنة؟ انطقي!
كانت بتاخد أنفاسها بصعوبة شديدة، وعيونها بدأت تدمع، وحست إنها خلاص هتموت.
وفجأة نقل قبضته من رقبتها لشعرها، وجذبها نحوه وهو بيهزها بعنف.
أول ما شال إيده من على رقبتها، فضلت تكح بقوة.
ـ انطقي! بقولك فين الأوراق والملفات؟ وديتيهم فين؟
نظرت له وكأنها متفاجئة من كلامه.
ـ أنا مش عارفة إنت بتتكلم عن إيه يا عاصم. سيب شعري، حرام عليك، هيطلع في إيدك.
نزلت صفعة قوية على وجهها وهو لسه قابض على شعرها.
ـ إنتِ هتستعبطي؟! عايزة تفهميني إن حرامي دخل الشقة وهو اللي خدهم؟
مسكت إيده اللي ماسك بيها شعرها وقالت بكذب ودموع مزيفة نازلة من عينيها:
ـ صدقني يا عاصم، أنا مش فاهمة إنت بتتكلم على إيه. أنا من ساعة ما خرجت من الشقة الصبح وما رجعتش تاني غير دلوقتي.
فضل باصص لها، ومش عارف يتصرف إزاي.
وكملت تمثيلها وقالت:
ـ وبعدين يعني، أنا لو كنت أخدتهم كنت هرجع تاني؟ أكيد لا. صدقني يا عاصم، أنا بحبك.
سابها وهو حاسس إنه هيتجنن أكتر.
رفع إيده ومررها بين خصلات شعره بعنف، وهو مش قادر يستوعب أو يفهم.
لو مش داليا اللي خدتهم، يبقى مين؟
ودخل الشقة إزاي؟
ولو فعلًا كان حرامي، إزاي مفيش أي أثر كسر على باب الشقة؟
وإزاي كل حاجة في البيت في مكانها؟
يبقى اللي دخل كان عارف هو عايز إيه بالضبط... وعارف مكانه فين.
كانت شايفة شكله وهو متلخبط.
وفجأة جت في دماغها فكرة خبيثة.
قربت منه، ورفعت إيديها وحطتها على كتفه وقالت:
ـ اهدى بس يا حبيبي، وخلينا نفكر بالعقل كده.
زق إيديها عنه، ورجع قعد على مقعده، تايه بين أفكاره.
حركته أثارت الغضب جواها، لكنها أظهرت عكس اللي حاسة بيه.
ـ أنا حاسة إن مش حرامي اللي دخل الشقة. ده حد عارف كل ركن في البيت، وداخل وهو عارف عايز إيه.
رفع رأسه لها وقال:
ـ قصدك إيه؟
ـ لو حرامي فعلًا، كان أكيد هيبقى فيه أثر في البيت. بس ده مش موجود. حتى وأنا داخلة لاحظت إن الباب مفهوش أي خدش.
يبقى ده مش معناه غير حاجة واحدة بس.
فضل مركز معاها وكأنه مستني يسمع آخر كلمة.
ـ اللي دخل الشقة حد كان عايش فيها، ومعاه نسخة من المفتاح.
آه صح...
إحنا لما اتجوزنا غيرنا كل حاجة في الشقة، إلا كالون الباب.
قالت آخر جملتها بشيء من التحذير، وكأنها تقصد شخصًا بعينه.
بدأ يراجع كل كلامها في دماغه من جديد.
وفجأة برقت عينيه بقوة وهو بيقول بصوت أشبه بالهمس:
ـ نور...
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ...♡
كانت من أصعب الليالي اللي مرت عليهم جميعًا.
كل واحد فيهم كان حاسس بوجع مختلف عن التاني.
يونس ظن إنه خسر حب عمره للأبد، وإن حكايته انتهت قبل ما تبدأ.
وسارة اللي حست إن حبها لأحمد كان أكبر غلطة، لأنه كان حبًا من طرف واحد.
لكن غصب عنها...
محدش بيختار معاد الحب.
الحب بييجي في لحظة.
ونور، اللي بقى عندها رهبة من أي بداية ممكن تدخلها.
خايفة تقرب فتندم...
وخايفة تبعد فتندم.
وفي النهاية، كانت الليلة دي شاهدة على قلوب تاهت بين الحب والخوف والندم، وكل واحد منهم كان مستني القدر يقرر له الخطوة الجاية.
رواية مالم يحكي الفصل الثاني عشر 12 - بقلم دنيا شعبان
ن
ـ أممم... أنا هقولك تقولي إيه. قولي مثلًا: بحبك يا يونس.
ظلت طوال الليل تفكرهل تذهب غدًا إلى الشركة أم لا؟ كانت تريد أن تخبر يونس أنها لم ترفضه، هي فقط خائفة وتحتاج إلى بعض الوقت، لا أكثر. كانت أفكار كثيرة تدور في رأسها، لكن فكرة أنه قد يظن أنها لا تحبه أو أنها لا توافق عليه كانت تضايقها بشدة.
"إيه اللي مضايقك؟ طب ليه؟ هو بالنسبة لكِ إيه عشان تفكري في حاجة زي كده؟ خليه يفكر زي ما هو عايز."
"لا، غلط. لازم يفهم وجهة نظري، وأني مش برفضه كشخص، أنا بس خوفت من تجربتي السابقة واتوترت، عادي يعني، مش أكتر."
كانت في صراع بين عقلها وقلبها.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ...♡
في صباح يوم جديد داخل الشركة.
ـ مش هتاكلي؟
قالها أحمد وهو جالس على الأريكة، وأمامه الفطار على الطاولة.
ـ لا.
قالتها سارة باختصار، ولم تعطِه أي فرصة للرد. أمسكت الملف من على مكتب يونس، الذي كان جالسًا على مقعده يحاول منع نفسه من التفكير، لكنه لم يكن قادرًا.
ـ أنا هسبقك على غرفة الاجتماعات، الاجتماع فاضل له أقل من عشر دقائق ويبدأ.
هز يونس رأسه بهدوء، وخرجت من المكتب تحت استغراب أحمد من تصرفاتها.
نظر إلى يونس وقال:
ـ هي مالها؟ شكلها متغير.
ثم نظر إلى الطعام وعاد يقول بدهشة:
ـ دي شافت الأكل ومشيت عادي!
لم يرد يونس عليه، شعر أنه ليس ناقصًا لسماع أي شيء. يكفي ما هو فيه. وقف وخطف الجاكت من على ظهر المقعد وقال وهو يتجه نحو الباب:
ـ خلص وحصلني.
خرج قبل أن يسمع رده، بينما ظلت نظرات أحمد مثبتة على الباب باستغراب. ترك الطعام من يده وخرج خلفه إلى غرفة الاجتماعات.
وصلت نور إلى الشركة، وأصبحت تقدم رجلًا وتؤخر الأخرى. كانت تشعر أنها غير قادرة على توضيح أي شيء، لكن كان لا بد أن يفهم وجهة نظرها في موضوع الارتباط وخوفها الحالي، لذلك شجعت نفسها ووقفت أمام مكتبه.
أخذت نفسًا عميقًا وأخرجته بارتياح، ثم أمسكت بمقبض الباب وفتحته دفعة واحدة، لكنها تفاجأت عندما وجدته غير موجود.
دخلت وأغلقت الباب خلفها، ثم رفعت يدها وضربت رأسها بخفة وهي تتذكر:
ـ أكيد في الاجتماع! إزاي نسيت إن النهارده كان عندنا اجتماع؟ وأكيد بدأ... طيب أدخل غرفة الاجتماعات دلوقتي؟ لا لا، أكيد مش هيبقى لطيف إني أقاطعهم وسط الاجتماع.
وقررت أن تنتظره في مكتبه حتى ينتهي الاجتماع.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ...♡
قربت أذنها من باب الحمام، وأول ما سمعت صوت الدش شعرت أن هذه فرصتها الوحيدة.
ـ لازم آخد الختم قبل ما يطلع... دي فرصتي الوحيدة.
قالتها داليا بصوت منخفض.
خرجت من غرفة نومها وأغلقت الباب بهدوء خوفًا من أن يشعر بها عاصم. تحركت بخطوات سريعة نحو غرفة مكتبه، وفتحته بحذر وهي تلقي نظرتها الأخيرة على باب غرفة النوم.
دخلت وأغلقت الباب خلفها، ثم اقتربت من المكتب وشغلت الإضاءة الموضوعة عليه.
فتحت الدرج، وأول ما رأت الختم ابتسمت وأمسكته بسرعة وخبأته في جيب بنطالها، ثم أغلقت الدرج.
وكانت على وشك التحرك عندما فُتح الباب فجأة.
ظهر عاصم واقفًا عاري الصدر، وقطرات المياه تنزل من جسده، والفوطة معلقة حول عنقه.
نظر إليها باستغراب من وجودها داخل مكتبه وسألها بحدة:
ـ بتعملي إيه هنا؟
ـ أنا... أنا كنت رايحة المطبخ عشان أجهز لك الفطار يا حبيبي، بس شوفت النور شغال فدخلت أطفيه، بس كده.
قالت جملتها الأخيرة بابتسامة مزيفة تحاول إخفاء توترها.
نظر إليها ثم تركها دون أن يرد.
أخذت نفسًا براحة، وأغلقت النور وخرجت من الغرفة، ثم أغلقت الباب خلفها.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ...♡
مرّت ساعة وهي جالسة في مكتبه، وكل دقيقة تنظر إلى ساعة يدها، بينما بدأ توترها يزداد.
فكرت أن ترحل، لكنها شعرت أنه لا بد أن تقول كل ما بداخلها، ربما ترتاح.
لمحت إطار صورة له، وكان يبدو وسيمًا فيها. ظهرت ابتسامة جميلة على وجهها فور رؤيتها لها.
وقفت وسارت خطوتين حتى وصلت إلى مقعده، ثم رفعت يديها وأمسكت الصورة.
كانت نظراتها تتنقل على ملامحه كأنها تحفظها.
مررت أصابعها على الإطار برفق وهمست لنفسها:
ـ إنت فعلًا بتحبني؟ طيب ليه؟ ليه ما اعترفتش بمشاعرك ليا ولا مرة؟ يمكن كانت حياتي اتغيرت.
في نفس اللحظة فُتح الباب.
انتفضت في مكانها، وسقط الإطار من يدها.
ازدادت توترًا عندما رأت يونس.
نظرت إلى الأرض، فقد انكسر الإطار.
انحنت لتجمع الزجاج، لكنها فوجئت بيده تمنعها.
ـ إنتِ بتعملي إيه؟ سيبيه، إيدك ممكن تتجرح.
رفعت عينيها إليه ورأت الخوف فيهما.
لأول مرة تشعر أن هناك من يخاف عليها بهذا القدر.
هبطت بنظرها إلى يده الموضوعة فوق يدها.
لاحظ هو ذلك، فسحب يده بسرعة وتراجع خطوتين حتى لا يزعجها.
ـ أنا آسفة جدًا، وقع مني غصب عني. أنا بس اتخضيت لما دخلت مرة واحدة.
قالتها بهدوء.
ـ وإنتِ كنتِ ماسكة صورتي ليه؟ عجباكي مثلًا؟
قالها بخبث.
اتوترت فجأة، ولم تكن تعرف كيف تبرر موقفها، فظلت تعبث بأصابعها وتنظر إلى يديها.
ابتسم بحب عندما رأى توترها بسبب سؤاله، وبدأ يقترب منها وهو يقول:
ـ لو الصورة عجباكي، فصاحب الصورة بنفسه قدامك أهو، تقدري تبصي له زي ما تحبي.
رفعت رأسها فجأة، واتصدمت عندما وجدته واقفًا أمامها مباشرة، فخفضت رأسها مرة أخرى بسرعة.
ابتسم على حركتها، ثم رفع يده إلى ذقنها، ولمسها بأصابعه برفق، ورفع رأسها حتى أصبح كل منهما ينظر إلى عيني الآخر بعمق.
ـ طب ليه؟
قالها وهو مثبت عينيه على عينيها، منتظرًا ردها.
ابتلعت ريقها بتوتر وردت:
ـ ليه إيه؟
رد بابتسامة:
ـ لو بتحبيني أوي كده لدرجة إنك تمسكي صورتي وتسرحي فيها، يبقى ليه ناوية توجعي قلبي معاكي؟
ـ بس أنا مش عايزة أوجع قلبك.
ـ بس هو موجوع، عارفة ليه؟
ظلت صامتة، تائهة في نظراته، ليكمل هو:
ـ عشان بتبعدي عنه، وهو ممكن يموت بسبب بعدك. وهو أصلًا مبقاش مستحمل أي فراق تاني. كفاية بعد وحرمان. امبارح كنت شايف في عيونك الخوف وبس، لكن النهارده شايف ولأول مرة الحب في عيونك ليا. بدليل أول ما دخلت اتوترتي، لا وكمان معجبة بصورتي. مع إن، صدقيني، أنا برضو قمر زي اللي في الصورة، يعني أتحب ولا إيه؟ إيه رأيك؟
وغمز لها بخفة.
خفضت رأسها بخجل شديد من تلميحاته الصريحة، بينما شعر هو لأول مرة بأمل حقيقي أن علاقتهم قد تنجح.
أمسك يدها وقال:
ـ نور، أنا عارف إن كل اللي مريتي بيه مكانش سهل، بس صدقيني أنا مش زيه، ومستحيل أكون زيه. صدقيني يا نور، أنا بحبك.
كانت نظراته كلها رجاء، كأنه يطلب منها فرصة واحدة فقط.
رأت الصدق في عينيه وفي كل كلمة قالها، ولأول مرة شعرت أن مشاعرها نحوه بدأت تتحرك.
وفي تلك اللحظة، ترددت جملة سارة في ذهنها:
"ما تخليش ذكريات الماضي تضيع منك ذكريات أحلى وأجمل مستنياكي في المستقبل."
شعرت أنها فعلًا تستحق أن تعيش وتحب من جديد.
لاحظ الحيرة في عينيها، فأخرج علبة صغيرة من جيبه وفتحها أمامها، وقال بكل الحب الذي يحمله لها:
ـ تتجوزيني يا نور؟... تقبلي تعيشي معايا العمر كله؟
نظرت إلى الخاتم، ثم رفعت عينيها إليه، تشعر وكأنها تعيش حلمًا جميلًا تخشى أن تستيقظ منه.
لمعة ظهرت في عينيها بسبب دموعها المحبوسة.
وفجأة وجدته راكعًا على إحدى ركبتيه أمامها، ونظراته مليئة بالحب والرجاء، وكأنه يتوسل إليها ألا تتركه أو تبتعد عنه، لأن بعدها بالنسبة له هو هلاكه الوحيد.
ـ موافقة.
بمجرد أن سمع ردها، شعر وكأن روحه عادت إليه من جديد.
أخذ نفسًا عميقًا، وكأن الأكسجين كان حبيسًا داخله، ولم يتحرر إلا الآن.
انسابت دمعة فرح من عينه، فأخرج الخاتم من العلبة وأمسك يدها وألبسها إياه بحب، تحت ابتسامتها الرقيقة التي خطفت قلبه وعقله.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ...♡
وقفت صفاء فجأة مفزوعة على صوت طرقات عنيفة على الباب.
وما إن فتحته حتى دخل عاصم دون أن يمنحها فرصة للكلام.
ـ إنت بتعمل إيه هنا؟ عايز مننا إيه تاني؟
قالتها صفاء بعصبية شديدة.
كانت نظراته تتنقل بين أركان الشقة، ثم قال بصوت قوي:
ـ نور... نور فين؟
أمسكته من ذراعه وأدارته بعنف حتى أصبح أمامها مباشرة.
ـ عايز إيه من بنتي؟ مش مكفيك اللي عملته فيها؟ دمرت حياتها! اطلع من حياتها بقى يا أخي.
رفع يده يمسح على وجهه، محاولًا ألا يفقد أعصابه، وقال بنفاد صبر:
ـ فين نور؟ أنا عايز نور... يا نور! نور!
قال اسمها بصوت مرتفع.
ـ لا، إنت شكلك مش هتمشي غير لما أطلب لك البوليس. لآخر مرة بحذرك، امشي من هنا، ومش عايزاك تفكر تقرب من بنتي تاني.
ابتسم بسخرية وقال:
ـ إنتِ فاكرة إني ميت أوي في حبها؟ أنا عايز الورق بتاعي اللي بنتك الحرامية سرقته من بيتي.
ـ اخرس! قطع لسانك. إنت عايز تلبس بنتي مصايبك؟ بقولك اطلع برا، وإياك تفكر تيجي هنا تاني.
ظل واقفًا يلتقط أنفاسه كالثور الهائج.
ـ اطلع برا!
قالتها وهي تشير بيدها نحو الباب.
خرج بعنف، وصفق الباب خلفه بقوة.
تنهدت صفاء بخوف وقلق على ابنتها، وتشعر أن القادم لن يكون سهلًا أبدًا.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ...♡
كان أحمد جالسًا في الاستراحة داخل الشركة، يراقب ضحكات سارة مع أحد الموظفين.
طريقتها وأسلوبها كانا يثيران أعصابه، وكلما حاول أن يسألها عن شيء، كانت ترد عليه ببرود على غير عادتها، وهو لم يكن معتادًا عليها بهذا الشكل.
لاحظ أنها تتجه نحوه، فاعتدل في جلسته وتظاهر بالانشغال في اللاب توب، لكن غضبه ازداد عندما تجاهلته للمرة التي لم يعد يتذكر عددها اليوم.
أمسكت كوب العصير من النادل، وقبل أن تتحرك أوقفها صوته:
ـ إنتِ رايحة فين؟
التفتت إليه وردت باختصار:
ـ عايز حاجة؟
زاد ردها من عصبيته، لكنه أخفى ذلك وقال:
ـ إنتِ بتجاوبي سؤال بسؤال ليه؟ بقولك رايحة فين، صعب تردي عدل من أول مرة؟
ـ إنت عايز مني إيه بالظبط يا أحمد؟ ولا إنت مش لاقي حد تتخانق معاه فجاي تصدعني أنا؟
ـ أصدعك؟
قالها بصدمة.
ـ مالك مستغرب ليه؟ ما إنت على طول مصدعني. إيه الجديد؟ أقولك على حاجة؟ اطلع من دماغي أحسن.
أنهت كلامها وعادت لتقف بجوار زميلها.
ـ أطلع من دماغك؟
رددها بعدم استيعاب، ثم قال:
ـ ده أنا هكسر دماغك.
وقف واتجه نحوها.
وقف خلفها، ثم رفع ذراعه وخبط على كتفها بخفة.
التفتت إليه بضيق:
ـ خير يا أحمد؟
رد ببرود متعمد:
ـ فين الورق اللي طلبته منك عشان المشروع؟
ـ جاهز، روح هتلاقيه على مكتبي.
ـ نعم؟ أروح فين؟ هو أنا شغال عندك؟ اتفضلي يا بشمهندسة، هاتي الملف من مكتبك.
نفخت بضيق وقالت:
ـ طيب...
ابتسم بانتصار وكأنه حقق هدفه.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ...♡
داخل مكتب يونس، كانوا يجلسان جنبًا إلى جنب على الأريكة بعيدًا عن المكتب.
ـ أخيرًا القمر رضي عني. إنتِ مش متخيلة أنا فرحان إزاي، حاسس إني طاير من الفرحة.
قالها بكل حب وصدق.
ابتسمت بخجل، وما زالت غير مصدقة أن هناك من يحبها بهذا الشكل.
كانت تشعر بكل مشاعره وتصدقها.
ـ هتفضلي ساكتة كده كتير؟
قالها بابتسامة.
ـ المفروض أقول إيه؟
ـ أممم... أنا هقولك تقولي إيه. قولي مثلًا: بحبك يا يونس.
نظرت إليه بصدمة من طلبه، فازداد خجلها واحمرت وجنتاها.
ـ يلا قولي، دي حتى كلمة سهلة وبسيطة جدًا. يلا، أنا سامعك.
عبثت بأصابعها وهي تعرف جيدًا أنها لن تستطيع نطق أي كلمة مما قاله.
أمسك يدها بحب وقال:
ـ اهدي. لو كنت أعرف إن كلامي هيخليكي تتوتري بالشكل ده، ما كنتش طلبته منك.
وضغط على يدها بحنان وأضاف:
ـ أهم حاجة عندي إنك معايا وجنبي، ومش عايز أكتر من كده.
"يا ربّي، بجد إنت إزاي قمر كده؟ يخربيت حلاوتك يا جدع."
كان نفسها أن تخبره بما تشعر به، لكن توترها منعها من قول أي شيء.
ـ هاا، قوليلي بقى، حابة نقضي شهر العسل فين؟
تنحت فجأة وهي تنظر إليه.
ـ إيه؟ مالك مستغربة كلامي ليه؟
ـ مش المفروض نخطط دلوقتي للخطوبة الأول؟ مش شايف إنك نطيت مرة واحدة؟
قالتها وهي تضحك.
ـ خطوبة؟!
قالها بصدمة حقيقية.
ـ هو إحنا هنعمل خطوبة؟ إنتِ تعرفيني وأنا أعرفك كويس أوي أوي، وأنا هموت وأبقى جنبك من بكرة... لا، من دلوقتي. وإنتِ عايزاني أستنى الأول نعمل خطوبة؟ حرام عليكي، هو أنا مش صعبان عليكي؟
لم تستطع كتم ضحكتها على شكله، وكانت ضحكة خارجة من قلبها فعلًا.
أما هو، فكان سعيدًا لمجرد رؤيتها تضحك.
ـ يعني مش شايف إنك مستعجل أوي؟
ـ مستعجل إيه؟ ده أنا مستني بقالي سنين. يا ناس، سنين في العذاب ده لوحدي! ارحميني يا مولاتي، كفاية قهر وعذاب.
قالها بطريقة درامية جعلتها تضحك أكثر.
ـ بس...
ـ مفيش بس. أنا عايز أسمع منك كلمة واحدة... موافقة يا يونس.
ـ ...
ـ هاه؟
وقبل أن ترد، دوى صوت صراخ خارج المكتب، ثم انفتح الباب فجأة.
دخل عاصم بعصبية شديدة، بينما دخلت السكرتيرة خلفه.
فهم يونس فورًا أنها كانت تحاول منعه من الدخول.
أشار لها أن تخرج، فخرجت بالفعل وأغلقت الباب خلفها.
كانت عينا عاصم تقدحان شررًا وهو يرى يونس ممسكًا بيد نور.
أما نور، فتحولت نظراتها إلى خوف بمجرد رؤيته.
وقفت فجأة، وكذلك فعل يونس.
اقترب عاصم منها ووقف أمامها مباشرة.
تأملها من أعلى إلى أسفل، ثم وقعت عيناه على الخاتم في يدها.
ابتسم بسخرية.
لم يستطع يونس تحمل نظراته المستفزة، وكاد يتحرك نحوه، لكن يد نور كانت أسرع وهي تمنعه، ونظراتها كلها رجاء.
ـ ممكن أعرف إزاي تسمحي لنفسك تخشي شقتي من غير علمي؟
قالها عاصم بغضب.
نظرت إليه باستغراب وردت:
ـ إنت بتقول إيه؟ أنا ما دخلتش بيتك من ساعة ما سبته، وعمري ما هفكر أدخله تاني.
ـ يعني عايزة تفهميني إنك ما روحتيش بيتي؟ ولا دخلتيه زي الحرامية؟ ولا سرقتي كل الأوراق والملفات اللي كانت في الخزنة؟
ـ اخرس! أنا مش حرامية، إنت فاهم؟ ولو مفكر إني ممكن أدخل بيتك ده تاني تبقى غلطان.
ابتسم بسخرية وقال:
ـ صح، وهتدخليه ليه؟ ما إنتِ لقيتي اللي يدفع أكتر. وطبعًا اللي معاه أكتر هو اللي يكسب، مش كده؟
ثم حول نظره إلى يونس وأكمل:
ـ بس صدقني، متستاهلش كل ده. وفر فلوسك، ودور على حاجة أنضف.
في ثانية كان هجم عليه يونس، وأمسكه من ياقة قميصه وانهال عليه بالضرب.
كانت نظرات نور مليئة بالكره.
لم تصدق أنه استطاع أن يقول عنها هذا الكلام.
لكنها في الحقيقة لم تتفاجأ، فقد أصبحت تتوقع منه أي شيء.
اقتربت من يونس تحاول إبعاده بأي طريقة.
كانت خائفة أن يورط نفسه بسبب شخص لا يستحق.
ـ سيبه يا يونس، عشان خاطري سيبه. ما توديش نفسك في داهية عشان واحد زيه.
وبعد معاناة، استطاعت أن تفرقهما.
في تلك اللحظة انفتح الباب، ودخل أفراد الأمن بعدما استدعتهم السكرتيرة فور سماعها الصراخ.
أمسكوا بعاصم وبدأوا في إخراجه من المكتب وسط صياحه:
ـ مش هسيبك يا نور! هرجع وهنتقم منك ومنه. وصدقيني مش هرحمك. هندمك إنك تعرف واحدة اسمها نور، ونهايته هتكون على إيدي!
اختفى صوته تدريجيًا بعد خروجه من الشركة.
وقفت نور منهارة من البكاء، وكل كلمة قالها كانت تتردد داخل رأسها.
اقترب منها يونس وهو يكاد يموت خوفًا عليها.
ـ نور، اهدي يا حبيبتي. متخافيش، هو مشي خلاص. أنا معاكي، متخافيش.
لكنها لم تكن قادرة على سماع أي شيء.
كان عقلها مشغولًا بفكرة واحدة فقط...
أنه قد يصيبه مكروه بسببها.
رفعت وجهها إليه، وكانت الدموع تغرق ملامحها.
رفع يديه ومسح دموعها بحنان، بينما قلبه يتمزق خوفًا عليها.
قالت بصوت مرتجف:
ـ أنا لازم أبعد عنك... عشان أحميك.
نظر إليها بصدمة، وشعر وكأن الأرض تميد تحت قدميه.
ـ يعني إيه؟
ـ أنا آسفة... بس مش هينفع نكون مع بعض.
قالتها بوجع شديد.
رواية مالم يحكي الفصل الثالث عشر 13 - بقلم دنيا شعبان
ـ أنا لازم أبعد عنك... عشان أحميك.
نظر إليها بصدمة، وشعر وكأن الأرض تميد تحت قدميه.
ـ يعني إيه؟
ـ أنا آسفة... بس مش هينفع نكون مع بعض.
قالتها بوجع شديد.
حضن وجهها بيديه بحنان وقال:
ـ هششش... مش عايز أسمع أي حاجة دلوقتي غير إنك تهدي، لو سمحتِ متعمليش في نفسك كده عشان خاطري.
نظرت له بعيون دامعة وقالت:
ـ صدقني أنا ما سرقتش حاجة، ومعرفش هو بيتكلم عن إيه.
ـ يعني إنتِ فاكرة إني مستني منك أي تبرير لكلامه العبيط ده؟
ـ طيب هو ليه بيعمل معايا كده؟ حتى بعد كل اللي عمله فيا؟ هو للدرجة دي كان بيكرهني وأنا مش واخدة بالي؟ ودلوقتي بعد ما نسيت كل اللي عمله فيا مش عايز يسيبني في حالي. يونس، أنا مش هقدر أشوفك بتتأذى بسببي، صدقني مش هستحمل ولا هسامح نفسي.
كانت تتكلم وهي منهارة من البكاء، وحست بغصة في قلبها وكأن السعادة ليست مكتوبة لها.
ـ الأفضل إننا ما نكملش مع بعض، صدقني ده الصح عشانك.
ـ بس أنا عمري ما هسيبك، ولو فاكرة إنك بإبعادك ليا بتحميني تبقي غلطانة. أنا من غيرك يا نور أموت. حرام بعد ما حسيت بأمل وإن روحي هترجع ليا تاني بعد كل السنين دي، تيجي بكل بساطة تنهي كل حاجة قبل ما تبدأ.
بدأ يمسح دموعها بأصابعه ليكمل:
ـ وبعدين أنا مبحبش أشوف دموعك، صدقيني بحس إن قلبي بيتقطع لما بشوفك موجوعة أو زعلانة.
هزت رأسها بهدوء، ورفعت يدها وبدأت تمسح دموعها بكفها كالأطفال وهي تقول:
ـ أنا كويسة، ما تقلقش عليا.
نظرت حولها ثم عادت تنظر إليه:
ـ يلا عشان نرجع نركز في الشغل، مش لازم نتأخر في...
قاطع كلامها وهو يقول:
ـ مفيش شغل، ولا هنعمل أي حاجة قبل ما نقرر الأول.
نظرت له باستغراب وقالت:
ـ نقرر إيه؟
ـ هنقضي شهر العسل فين يا جميل؟
قالها بابتسامة، فابتسمت وخفضت رأسها بخجل.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ...♡
كان قاعد على مقعد مكتبه، ماسك القلم وبيضغط عليه بضيق.
ـ كل ده عشان تجيبي الملف! طبعًا لازم تتكلمي مع ده شوية وده شوية.
وقبل ما ينهي كلامه، سمع صوت طرقات على الباب.
ابتسم وعرف إنها أكيد هي، فعمل نفسه مشغول في الملف وقال بصوت جاد مزيف:
ـ ادخل.
دخلت سارة، وقربت من مكتبه ووضعت الملف أمامه ببرود، ولسه هتلف عشان تخرج، لكن صوته أوقفها:
ـ اتأخرتِ ليه كل ده عشان تجيبي الملف؟
ـ معلش، كنت مشغولة في حاجة كده.
قالت جملتها باختصار شديد.
حس من نبرة صوتها إنها مضايقة أو زعلانة، لكنه مش عارف ليه. ضايقه زعلها، والأكتر إنه مش فاهم سبب معاملتها ليه.
ـ طيب، تحبي نطلب الغدا ونتغدى سوا النهارده؟
قالها مترقبًا ردة فعلها.
حست بفرحة لأنه طلب منها يتغدوا مع بعض، لكنها ما بينتش ده.
ـ أممم... مش عارفة الحقيقة هينفع ولا لا، أصل اتفقت مع خالد إننا هنتغدى مع بعض النهارده.
قالتها وهي راسمة ابتسامة مستفزة على وجهها.
ملامحه كلها اتغيرت أول ما سمع اسمه.
ـ نعم يا أختي! خالد مين ده؟ وبعدين ما إنتِ عارفة إننا كل يوم بنتغدى سوا، إيه الجديد؟
كتمت ضحكتها بصعوبة على ردة فعله، لكنها جاوبت ببرود أشعل غضبه:
ـ عادي يعني يا أحمد، مش زمايل؟ ولازم أتعرف وأقرب من كل الزملاء، زيك إنت ويونس، ولا إيه؟
ـ لا، مش لازم. وبعدين إحنا نعرف بعض من زمان أوي، مش خالد اللي شكلك لسه مستكشفة اسمه النهارده.
ـ أصحاب يعني. إنت ويونس ونور صحابي من وإحنا لسه أطفال، يبقى عادي لو اتعرفت على حد تاني وأنا كبيرة برضه، إيه المشكلة؟
ـ أنا مش زي يونس ولا زي أي حد في حياتك، والكلمة اللي هقولها تتسمع من أول مرة، إنتِ فاهمة؟
قالها بعصبية، وما كانش حاسس بصوته العالي اللي تقريبًا الشركة كلها سمعته.
كانت بتبصله بصدمة كبيرة، مش قادرة تفهم ردة فعله دي حب ولا غيرة ولا مجرد صداقة ولا بسبب إيه. حست بحيرة، وحاسة إنها مش فاهماه.
حس إنه زودها معاها في الكلام، وهو نفسه استغرب نرفزته وعصبيته اللي ظهرت مرة واحدة، فحاول يهدأ.
وقفت، وقبل ما تتحرك اتكلم بسرعة:
ـ إنتِ رايحة فين؟
ـ رايحة أجيب شنطتي من المكتب.
قالتها بنفاد صبر.
ـ خليكي، وأنا هبعت أي حد يجيبهالك.
وقبل ما ترفض، كان رفع سماعة التليفون وطلب من حد فعلًا يجيب شنطتها.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ...♡
ـ الختم أهو بقى عندك، تقدر تقولي ورقي هيخلص إمتى عشان أسافر؟
قالتها داليا بحدة.
ـ لا، بس بصراحة عجبتيني. أنا كنت واثق إنك هتقدري تنفذي اللي طلبته منك، بس إنك تحولي موقفك قدام عاصم بكل سهولة، لا وكمان تخليه يشك في طريقته، ده بقى اللي ما توقعتوش منك خالص. طلعتي شريرة يا روحي.
قال مجدي جملته بشيء من الخبث.
جلست على المقعد اللي أمامه وقالت:
ـ كان لازم أعمل كده عشان أخليه يكرهها أكتر وأكتر.
ـ وهو لو كان بيحبها، كان هيطلقها عشانك ليه؟
ابتسمت بسخرية وقالت:
ـ مين اللي قال كده؟ بالعكس، عاصم مش بيحب نور، ده بيعشقها. بدليل لما لقى الحاجات اللي نور كانت بتعملها معاه، واللي المفروض كانت بتخنقه، مش موجودة فيا، ساعتها بس حس بقيمتها.
ـ طب وسابها ليه من البداية؟
ـ عشان شاف عندي حاجات مش موجودة عندها، زي الزن مثلًا. وبعدين ما حدش بيحس بالنعمة غير لما تضيع منه، ولا إيه؟
ـ بس كل اللي قولتيه إيه علاقته بسرقة الخزنة؟
ـ ما أنا قلتلك، عشان يكرهها ويعرف إن أنا بس اللي أستاهل الحب ده، مش هي. ولو هو مش قادر يشوف ده، يبقى أنا هخليه ياخد باله بطريقتي الخاصة.
قالت جملتها بشر واضح.
مسك الختم من على المكتب، وحطه في الدرج وقفله بالمفتاح.
وقف وكان لسه هيخرج من الغرفة، لكنها كانت أسرع منه لما مسكت إيده عشان توقفه.
ـ إنت رايح فين؟ وفين الورق بتاعي والفلوس؟ أنا لازم أسافر في أسرع وقت. وجودي مع عاصم كتير مش صح، وأنا مش هقدر أفضل أقنعه إن نور هي اللي سرقته، عشان لو اكتشف اللي حصل مش بعيد يحبسني.
ـ وأنا يرضينيش إن الجمال ده يتحبس يومين. ورقك هيبقى عندك، والفلوس اللي طلبتيها هتاخديها. أنا برضه ما بنساش حد وقف معايا.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ...♡
صفاء بعد ما عاصم مشي من عندها، حست إن المشاكل مش ناوية تسيب بنتها، وخافت عليها. ما قدرتش تفضل قاعدة مكانها، وقررت إنها تروح لأم عاصم عشان تنهي الموضوع معاها.
خرجت أم عاصم على صوت طرقات الباب. فتحت الباب، ولقت صفاء واقفة قدامها، وواضح على ملامحها الضيق.
ـ صفاء! اتفضلي.
دخلت، وأول ما قعدوا على الأريكة اتكلمت أم عاصم بترحيب:
ـ منورة يا صفاء، بقالي كتير ما شوفتكيش. قوليلي تحبي تشربي إيه؟
ـ لا شكرًا، مفيش داعي تتعبي نفسك. أنا جاية لك في كلمتين وماشية على طول.
كلامها خلا القلق يتمكن منها.
ـ خير يا حبيبتي؟
ـ أنا عاملة حساب العيش والملح اللي كان بينا، وإن كان في يوم من الأيام قرابة بينا.
ـ في إيه يا صفاء؟ قلقتيني، ادخلي في الموضوع على طول.
ـ ابنك جه بيتي وبيتهم بنتي إنها سرقت أوراق من شقته، وطبعًا الكلام ده كله غلط.
ـ إيه! عاصم راح بيتك؟
ـ أيوه، وياريت تفهمي ابنك إن بنتي دلوقتي مش بتفكر فيه، ولا بقى في حساباتها. يبقى يركز هو في حياته مع مراته بعيد عن بنتي أحسن.
ـ صدقيني يا صفاء، أنا ما كنتش أعرف إن عاصم راح لكم البيت غير منك دلوقتي، ولا أعرف حاجة عن الورق اللي بيقول إنه اتسرق ده.
ـ أديكي عرفتي. وياريت تفهمي ابنك الكلمتين اللي قولتهم لك. بنتي مش عايزاه خالص، وبقت تكرهه كمان. ومش بعد ما رجعت شافت حياتها، يرجع هو يبوظها بسهولة. وفاكر إن ممكن أسكت؟ أنا المرة دي جيت لغاية عندك، بس المرة الجاية تأكدي إني هعمل محضر ضد ابنك بعدم التعرض لبنتي.
وقفت وقالت:
ـ عن إذنك.
ما استنتش منها أي رد، واتجهت ناحية الباب، فتحته وخرجت وقفلت وراها.
كانت أم عاصم بتسمع كل كلمة بصدمة، ومش مصدقة إن عاصم ممكن يتصرف بالشكل ده.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ...♡
كانوا قاعدين على الطاولة اللي في ركن بعيد عن المكتب وبيأكلوا.
سارة كانت بتاكل وهي مستمتعة بالأكل كالعادة، وأحمد كان مركز معاها في كل حاجة. حس إنه أول مرة ياخد باله من ملامحها، إزاي بريئة كده.
قال في سره:
ـ يا الله، ملامحها زي الأطفال، بس لسانها هو اللي متبري منها. يا ربي دي بتاكل ولا حاسة أصلًا إني قاعد معاها؟
رجع بص على الأكل اللي قدامه وابتسم غصب عنه.
لاحظت ابتسامته، ففضلت سرحانة فيه لثوانٍ وهمست لنفسها:
ـ ياريتك حاسس بيا وبحبي ليك، بس يا خسارة، شكله كده حب من طرف واحد.
ضيقت عينيها وكملت همس لنفسها:
ـ بس أنا اللي غلطانة إني اتوقعت من حد زيك، بدون قلب وبدون مشاعر، إنه ممكن يحب أصلًا. كان يوم أسو'ح يوم ما شوفتك. يا ريتني حبيت بطيخة، على الأقل هتطري على قلبي في الحر ده.
نظرت له بضيق وهي طول الوقت بتكلم نفسها، ورجعت كملت أكل. حست إن دي الطريقة الوحيدة اللي هتطلع بيها عصبيتها وضيقها من أبو قلب زي الحجر ده.
رن تليفونها، فنظرت للشاشة، لكنها رفضت المكالمة ورجعت تكمل أكل.
استغرب لما لقاها ما ردتش.
وشك يكون خالد اللي بيكلمها عشان يروحوا يتغدوا سوا؟
حس بخنقة بمجرد التفكير في الموضوع، ففك أول زرار من قميصه ومرر إيده على عنقه محاولًا يهدأ.
ما عدتش ثانية، وتليفونها رن تاني بنفس الرقم.
ضغط على إيده جامد لدرجة إن عروقه برزت. كان عايزها ترد عشان يسمع الحوار بينهم عامل إزاي، لكنه اتفاجأ لما لقاها هترفض المكالمة مرة تانية.
وما استحملش إنه ما يعملش حاجة.
سحب التليفون من تحت إيدها بسرعة قبل ما تضغط على زر الرفض.
وفتح المكالمة ورد بعصبية وسط صدمتها من تصرفه:
ـ في إيه يا حبيبي؟ رن رن إيه؟ مش بتفهم من أول مرة؟ لما تلاقي حد رفض المكالمة افهم إنه مش فاضي، وما ترنش تاني.
اتسعت عيناه من الصدمة.
أما هي، ففهمت سبب صدمته وكتمت ضحكتها على شكله.
بلع ريقه بصعوبة ورد على والدتها:
ـ هو حضرتك تبقي... أنا آسف يا طنط، أنا افتكرت حضرتك حد تاني.
ـ ...
ـ حاضر، هي بتاكل. أول ما تخلص هتكلم حضرتك على طول. سلام.
وقفل الخط، ورجع التليفون مكانه، وهو حاسس بإحراج من تصرفه ومن نظراتها.
ـ ما كنتش أعرف إنها مامتك. أنا شوفت رقم غريب، افتكرت حد بيضايقك، بس مش أكتر.
قالها بتلعثم.
حبت تغيظه أكتر، فقالت:
ـ أممم... يعني افتكرته حد غريب؟ طيب ما أنا كان ممكن أرد أنا وأديله كلمتين، ولا إنت شايفني صغيرة؟
ـ خلاص بقى، أهو اللي حصل. أنا رايح أغسل إيدي وجاي، وما تروحيش في أي حتة. أرجع ألاقيكي، فاهمة؟
وقف واتجه إلى الحمام الموجود داخل المكتب.
أما هي، ففضلت باصة لأثره، وحاسة إنها هتتجنن من تصرفاته اللي مش فاهمة معناها إيه.
رواية مالم يحكي الفصل الرابع عشر 14 - بقلم دنيا شعبان
ـ يعني كلامي صح، وفعلاً روحت بيتها. بس عايزة أعرف ليه.
كان جالسًا على مقعده ينظر إليها بحب، وهي جالسة أمامه منشغلة ببعض الأوراق بعد أن أصرّ عليها أن تظل معه في مكتبه.
كان يفكر في أشياء كثيرة تشغل عقله وتسيطر عليه، لكن كلما نظر إليها كان يحمد الله في سرّه أن بعد كل هذه السنوات، وأخيرًا، سيتزوج الفتاة التي حلم بها طوال حياته. كان يشعر وكأنه يعيش حلمًا جميلًا، ويتمنى ألا ينتهي إلا وهي زوجته أمام الله.
ـ يونس... يونس.
قالتها نور وهي تلوّح بيدها أمام وجهه.
فاق من شروده، ونظر إليها بكل الحب الذي يحمله قلبه، ثم سرح في ملامحها من جديد.
أمسكت الملف الذي أمامها ووضعته أمامه، ثم أمسكت القلم وقربته منه وقالت:
ـ أنا راجعت الملف كويس، وشايفة إنه مشروع ناجح وهيبقى...
كانت تتحدث، لكنه لم يكن يسمع كلمة واحدة مما تقول، بل كان مركزًا في ملامحها فقط. وفجأة ظهرت ابتسامة عريضة على وجهه بسبب فكرة خطرت له للتو، فوقف مرة واحدة.
رفعت نظرها إليه وقالت باستغراب:
ـ إنت رايح فين؟ إنت ما سمعتش أنا كنت بقولك إيه.
ـ قصدك رايحين فين؟
قالها بابتسامة.
نظرت إليه وهي لا تفهم شيئًا.
أمسك يدها التي كانت تمسك القلم، وأخذ القلم من بين أصابعها ثم أمسك يدها وقال:
ـ يلا قومي.
ـ هنروح فين؟
ـ هتقدملك يا جميل.
ـ إيه؟ دلوقتي؟
نظر سريعًا إلى ساعة يده ثم عاد ينظر إليها:
ـ وهي الحاجات دي ليها مواعيد؟
ـ مش المفروض أتكلم مع ماما في الموضوع قبل ما تقابلها؟
ـ أمم... طيب خلاص، نكلمها سوا، وأهو عشان متكونيش لوحدك.
ـ بس...
ـ من غير بس، يلا بينا.
وخطف الجاكيت من على ظهر المقعد.
وهو يسحبها خلفه، خرجا من المكتب، وكل أنظار الموظفين كانت متجهة نحوهما، وبالأخص نحو يونس وهو يمسك يدها.
همست له:
ـ يونس، سيب إيدي، الموظفين كلهم بيبصوا علينا.
ـ مش لازم يعرفوا مراتي المستقبلية؟
ثم ابتسم لها بحب.
وبالفعل خرجا من الشركة متجهين إلى منزل نور.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ...♡
فتح عاصم باب الشقة، وأول ما دخل كانت والدته في استقباله.
ـ مساء الخير يا ماما.
قالها عاصم باختصار وهو متجه إلى غرفته، لكن أوقفه صوتها.
ـ عاصم، استنى، عايزة أتكلم معاك في موضوع.
استدار إليها وقال:
ـ ممكن نأجل أي كلام لبكرة؟ عشان بجد مش قادر أسمع أي حاجة.
ـ مش هينفع، الموضوع اللي عايزاك فيه مينفعش يتأجل يا عاصم.
نظر إليها بعدم فهم، متسائلًا عن الموضوع المهم إلى هذه الدرجة.
أكملت كلامها:
ـ روحت بيت نور ليه يا عاصم؟ كنت عايز منها إيه؟
في لحظة تغيرت ملامحه بالكامل، ومرّ شريط سريع من الذكريات في رأسه، منذ أن ذهب إلى منزلها، ثم ما حدث في الشركة مع يونس، وكيف كانا قريبين من بعضهما ويمسك يدها. مجرد التفكير في الأمر أشعل الغضب داخله.
ـ حضرتك عرفتي منين؟
ـ يعني كلامي صح، وفعلاً روحت بيتها. بس عايزة أعرف ليه.
ـ كان لازم أروح عشان آخد حاجتي اللي سرقتها من بيتي.
قالها بغضب.
ـ سرقتك إزاي يعني؟ نور طلقتك يا عاصم، يعني مش مراتك عشان تدخل شقتك كده من غير ما تعرف أو مراتك تشوفها.
ـ إنتِ عارفة إن داليا كل يوم بتسهر وبرجع ألاقيها داخلة وش الصبح، وأنا كنت بايت عندك، يبقى مين اللي خدهم؟ أكيد هي.
ـ نور ماخدتش حاجة يا عاصم، وعلى فكرة أمها جاتلي وحذرتني، وبلغتني أعرفك إن ممكن تعمل محضر ضدك بعدم التعرض لبنتها.
كانت نبرتها تحمل تحذيرًا واضحًا.
ـ بنتها اللي مقضياها معاه، صاحب الشركة اللي شغالة عنده.
ـ هي دلوقتي ست حرة، وهي أدرى بتصرفاتها، وإنت مالكش الحق تتدخل في أي حاجة تخصها، فاهمني يا عاصم؟ وياريت تركز في حياتك مع مراتك وتنساها يا ابني.
ضحك بسخرية على الكلمة التي سمعها، وهمس لنفسه بألم:
"حياتي؟ وهي دي حياة اللي عايشها؟ ومراتي اللي بترجع وش الصبح، وأول ما تصحى تنزل، كأنها عايشة في أوتيل مش بيت."
وكان لسه هيدخل أوضته، لكنها قالت:
ـ إنت داخل أوضتك ليه؟ مش ناوي ترجع بيتك؟ أنا كنت مفكرة إنك جاي تشوفني وتطمن عليا وتمشي عشان مراتك.
ـ مراتي... مراتي زمانها سهرانة مع صحابها دلوقتي. أنا بقيت حاسس إني عايش في فندق، مش بيت طبيعي.
وقبل أن تعترض، تركها ودخل غرفته.
تنهدت بحزن على حياة ابنها المدمرة، التي لا روح فيها ولا أي شيء طبيعي.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ...♡
وصلوا أمام العمارة، فنزلوا من السيارة ودخلوا، ثم صعدوا حتى وقفوا أمام الشقة.
كانت نور تشعر بتوتر شديد، وكل شيء يحدث بسرعة كبيرة بالنسبة لها.
طرق يونس الباب.
فتحت صفاء، وأول ما رأتهما ابتسمت وقالت:
ـ حمد الله على السلامة يا حبيبتي، منور يا يونس، اتفضل.
دخلا وجلسا.
قالت صفاء بابتسامة:
ـ تشرب إيه بقى؟ ولا أقولك، المرة اللي فاتت مشيت قبل ما نتغدى سوا، دلوقتي أكيد إنتوا الاتنين جعانين. ثواني والأكل يبقى جاهز.
رد يونس سريعًا قبل أن تتحرك:
ـ مفيش داعي تتعبي نفسك يا طنط، أنا كنت عايز حضرتك في موضوع مهم.
ـ خير؟ فيه مشكلة لا قدر الله في الشغل ولا أي حاجة؟
قالتها وهي تجلس أمامه، والتوتر ظاهر عليها.
ـ لا أبدًا يا طنط، الشغل كله كويس، مفيش أي مشكلة. هو الموضوع شخصي شوية.
ظلت صامتة تركز معه وتنتظر أن يكمل.
فجأة شعر أنه هو من توتر هذه المرة.
نظر إلى نور، فوجدها تبتسم له بحب واضح في عينيها، فشعر براحة غريبة بمجرد النظر إليها.
همس لنفسه:
"يا ربي، إزاي عيونها قادرة تشقلب كياني كله في لحظة؟"
حاول أن يستجمع تركيزه، ثم عاد ينظر إلى صفاء التي ما زالت لا تفهم شيئًا.
ـ أنا بحب نور من زمان أوي، لا بصراحة... أنا عديت مرحلة الحب من زمان، أنا بعشقها حرفيًا. طول السنين اللي فاتت كنت بدعي كل ليلة، وفي كل صلاة، إن ربنا يجمعني بيها. ودلوقتي حاسس إن ربنا استجاب لدعواتي. أنا من غيرها كنت ضايع، وعمري ما حبيت ولا هحب غيرها.
أنا مُتيم ببنتك، معرفش هي عملت فيا إيه، بس هي قادرة تقلب كياني كله بنظرة واحدة منها. مقدرش أعيش من غيرها، من غيرها أنا ببقى عايش بس من غير روح، لأنها هي روحي.
أخذ نفسًا هادئًا ثم أكمل:
ـ أنا طالب إيد نور من حضرتك، وتأكدي إني هسعدها لآخر يوم في عمري.
كانت تستمع إليه نور، دون أن تشعر بدموعها التي انهمرت على وجنتيها من شدة الفرحة.
فلم تكن تصدق أن هناك من يحبها بهذا القدر.
شعرت صفاء بصدق كل كلمة قالها من نظراته وطريقته في الحديث، واطمأنت أن ابنتها ستكون بخير معه.
لم تكن تحتاج لسماع رأي نور، فقد كان واضحًا عليها جدًا أنها موافقة، وكل ما كانت تتمناه هو سعادة ابنتها.
نزلت دمعة من عينيها وهي تقول:
ـ اوعدني إنك تعوضها عن كل اللي شافته في حياتها، وإن مهما غلطت متجيش عليها أو تهينها، وتفضل تحترمها وتقدرها، لأن صدقني ده أهم شيء لنجاح أي علاقة، حتى أهم من الحب نفسه.
ابتسم لها وقال بصدق:
ـ أوعدك أشيلها في عيوني وفي قلبي.
"ده إنت اللي خدت قلبي والله."
مسحت دموعها وهي تقول:
ـ لا لا، مش هعيط النهارده. أيوة، مفيش دموع تاني ولا حزن ولا وجع.
ثم اقتربت من نور وقبّلت رأسها وهي تقول:
ـ مبروك يا نور عيني.
ـ الله يبارك فيكِ يا ماما.
قالتها نور وهي تنظر لوالدتها بعيون دامعة.
أراد يونس أن يخرجهم من هذه الأجواء المؤثرة فقال:
ـ إيه رأيكوا؟ كتب الكتاب الخميس اللي جاي.
ـ إيه؟!
قالتها الاثنتان بصدمة وهما تنظران لبعضهما.
ـ كتير مش كده؟ خلاص، إيه رأيكوا في بكرة؟ أفضل مش كده؟
عادت صفاء إلى مكانها وهي تقول:
ـ بكرة إيه يا ابني؟ ولا الخميس اللي جاي إزاي بس؟ مش هتعملوا خطوبة؟
ـ لا، خطوبة إيه؟ ده أنا مستوي لوحدي يا حماتي! ده أنا بقالي سنين أعزب ووحداني، حرام عليكوا، حسوا بيا.
وكانت نور وصفاء تضحكان بشدة عليه.
قالت نور وهي تضحك:
ـ ماما عندها حق يا يونس، فيه تجهيزات كتير لازم نعملها، وهتاخد وقت أكيد.
ـ دي بتاعتي أنا بقى. ها؟ بكرة حلو أوي مش كده؟
وقبل أن ترد صفاء، أكمل سريعًا:
ـ حلو أوي، كنت متأكد إنكوا هتوافقوا. إنتوا تقوموا دلوقتي تلبسوا عشان نروح نشتري الشبكة، وأنا هستناكوا تحت في العربية، وهكلم المأذون عشان أثبت معاه الميعاد لبكرة إن شاء الله.
وقف واتجه نحو الباب وفتحه، وقبل أن يخرج أرسل قبلة في الهواء إلى نور وغمز لها.
خجلت وخفضت رأسها، بينما ابتسم هو من أعماق قلبه، ثم نزل ينتظرهما في السيارة، واتصل بالمأذون بالفعل وحدد معه موعد الغد.
رواية مالم يحكي الفصل الخامس عشر 15 - بقلم دنيا شعبان
ـ بس أنا كفاية عليّا أوي أسمع الكلمة دي. بقولك إيه؟ أنا عيل ورجعت في كلامي.
وقف بسيارته أمام الشركة ينتظرها حتى تخرج، وأول ما رآها ابتسم تلقائيًا. اقتربت من السيارة، فتحت الباب وركبت في المقعد المجاور له. نظر إليها بتردد، غير قادر على منع نفسه من السؤال، وفي الوقت نفسه لا يريد أن يُظهر لها مدى اهتمامه.
نظرت له سارة وقالت:
ـ ميرسي يا أحمد، هتعبك معايا.
ـ وإيه الجديد؟ ما إنتِ طول عمرك تعباني.
قالها أحمد ببرود.
اعتدلت في جلستها ونظرت له مباشرة:
ـ والله أنا اللي تعباك ولا أنت اللي مزهقني في حياتي؟ وعلى فكرة، أنا كنت هقدر أروح لوحدي عادي جدًا، أو كنت طلبت المساعدة من خالد، بس أنت اللي أصريت عليّا.
ضغط بيده بقوة على المقود، وشعر بغيرة شديدة بمجرد ما سمعها تنطق اسمه.
ـ معلش، لو كنت أعرف إن حبيب القلب هو اللي هيوصلك، أكيد ما كنتش قطعت عليكي اللحظة.
قال جملته بحدة.
نظرت له باستغراب من أسلوبه في الحديث:
ـ قصدك إيه بحبيب القلب؟
ظلت تنظر له وهي منتظرة أي رد، لكنه نظر من نافذة السيارة بهروب، وهو يشعر بنار مشتعلة في صدره.
قررت أن تكلمه هذه المرة بنبرة حادة:
ـ أحمد، قصدك إيه بالكلام اللي قلته ده؟ مش معنى إن إحنا أصحاب يبقى ده يديك الحق تغلط في أخلاقي بالطريقة دي وأنا أفضل ساكتة.
شعرت بغصة في قلبها من تجاهله لها ومن كلامه الذي وجع قلبها. عمرها ما تخيلت إنه شايفها بالشكل ده.
معقول شايفني وحشة للدرجة دي؟
لمعت عيناها بالدموع المحبوسة.
شعر أنه تمادى في الكلام معها وأنه أخطأ، وده مش من حقه. أخذ نفسًا عميقًا وأخرجه قبل أن يدير وجهه إليها، ولاحظ دموعها المحبوسة في عينيها.
قال بندم:
ـ أنا آسف، مش قصدي أقول كده، صدقيني... بس بقالي فترة بشوفك واقفة معاه في الشركة، وافتكرت إن فيه مشاعر بينكم.
اتسعت عيناها بصدمة من كلامه:
ـ إيه؟ وهو عشان بتشوفني واقفة معاه أبقى مغرمة بيه مثلًا؟ أنت بجد غبي! يعني بذكائك الخارق، اتنين شغالين في نفس الشركة وفيه تبادل ملفات طول اليوم بينا، فطبيعي تشوفنا مع بعض.
برقت عيناه:
ـ غبي؟ أنا غبي؟
ـ وعبيط وأهبل كمان.
قالتها بتأكيد وهي تنظر له.
ـ طيب اسكتي بقى، مش عايز أسمع صوتك خالص لغاية ما أوصلك.
ـ مش هسكت، هتعمل إيه يعني؟ هتنزلني من عربيتك؟ آه قول كده عشان معاك عربية وأنا لأ، هتعاملني بالأسلوب ده! بس لا، ما اسمحلكش. بكرة هيبقى عندي عربية أحسن بمليون مرة من عربيتك يا حبيبي.
كانت تقصد أن تعصبه وتغيظه.
ـ بس بس... إنتِ إيه؟ راديو؟
ثم سكت لحظة وهو يستوعب كلمتها الأخيرة:
"حبيبي".
نظر لها وهو يحاول إخفاء ابتسامته:
ـ هو إنتِ قولتي إيه؟
نظرت أمامها بملل:
ـ مش فاكرة، أنا قلت كلام كتير أوي.
ـ قصدي على الكلمة الأخيرة خالص.
اتسعت عيناها لما فهمت قصده، وضغطت على شفتيها بتوتر وهمست لنفسها:
"عشان تبقي تتكلمي كتير بعد كده... هي كلمة وخلاص وأسكت. ده أنا فعلًا طلعت راديو."
فهم من تعبيرات وجهها أنها استوعبت الآن الكلمة التي قالتها.
ردت عليه بكذب:
ـ آخر كلمة في أي مقطع بالظبط؟ عشان أنت عارف إني بتكلم كتير، وساعات مش باخد بالي.
ـ يعني بتعترفي إنك بتتكلمي كتير أهو.
ـ أووووف! ممكن لو خلصت تحقيقك بخصوص الكلمة الأخيرة اللي مش فاكراها تروحني، ولا أطلب أوبر وأخلص؟
ـ بس أنا بقى فاكرها.
قالها وهو يراقب تعبيرات وجهها.
ـ هاا... فاكرها؟ طيب يلا بقى نتحرك عشان ما نتأخرش.
ـ مش لما تسمعيها الأول.
قالها بخبث.
ـ هي إيه دي؟
كانت تفرك أصابعها بتوتر.
ـ "بحبك".
ـ هاا؟
قالتها ببراءة وهي تنظر له، ومتنحة غير قادرة على تصديق ما سمعت.
ثم أفاقت على نفسها وهي تقول باندفاع:
ـ بس أنا قلت حبيبي، مش بحبك...
استوووب!
سيطر الصمت على المكان.
لعنت تسرعها للمرة التي لا تتذكر عددها.
ـ يعني كنتِ فاكرة أهو، وعاملة نفسك عبيطة... أممم.
قال آخر كلماته وهو يقصد اللعب بأعصابها.
خفضت رأسها بخجل شديد، وشعرت بنبضات قلبها ترتفع فجأة.
ـ خلينا نمشي عشان ما نتأخرش أكتر من كده لو سمحت.
ابتسم بحب على خجلها الذي يراه لأول مرة، وشعر أن هناك أشياء كثيرة أمامه طوال الوقت، لكنه لم يكن يراها.
مسك يدها بحنان وهو يقول:
ـ سارة... إنتِ بتحبيني؟
كانت غير قادرة على التقاط أنفاسها من شدة التوتر. شعر برعشة قوية في يدها، وتأكّد أن كلامه صحيح، وأنها فعلًا تحبه. مجرد التفكير في ذلك جعله سعيدًا.
ابتسم فجأة:
ـ إنتِ متوترة كده ليه؟ معقول طلعتي بتتكسفي زي البنات؟
قالها ضاحكًا ليخفف توترها.
سحبت يدها ورفعت رأسها، ونظرت له وضيقت عينيها كالأطفال وهي تقول:
ـ مش عارفة جايب منين خفة الدم دي، المفروض يعني كده أضحك؟
ـ أممم، أنا عارف إن طول عمري دمي خفيف، بس ماكنتش أعرف إن فيه حد بيحبني أوي كده.
ابتسمت بخجل:
ـ ممكن بقى نتحرك عشان اتأخرت أوي يعني.
ـ تؤ تؤ، مش هتحرك غير لما تعترفي الأول.
ـ يوووه، أعترف بإيه؟ هو أنا واقفة في محكمة؟
ـ إنك بتحبيني... لا لأ، قصدي بتموتي فيا.
قالها بابتسامة جذابة.
ـ حد قالك قبل كده إنك واخد مقلب في نفسك؟
عاد وأمسك يدها مرة أخرى، ونظر في عينيها وتكلم لأول مرة من قلبه:
ـ سارة، أنا شكلي بحبك، ومكنتش فاهم ده. بس دلوقتي عرفت إني بحبك لما حسيت إن ممكن أخسرك. فكرة بس إني أشوفك واقفة مع أي حد، مش قادر أوصفلك كانت قادرة تقتلني من جوا إزاي. كنت حاسس إني مش عارف أعمل أي حاجة، ولا أتصرف إزاي، ولا حتى فاهم مشاعري صح.
كانت نظراتها له كلها حب، ولم تستطع منع نفسها من إظهاره.
ـ بس أنا بقى عارفة ليه.
نظر لها بحب وقال:
ـ ليه يا عسل؟
ـ عشان أنت واحد كئيب جدًا، وقلبك ده زي الحجر بجد. مش عارفة إزاي حبيت واحد معندوش قلب زيك كده، بس أعمل إيه؟ شكلي وقعت في حبك خلاص.
ضحك من قلبه على كلامها:
ـ لا، شكلك رومانسية جامد بصراحة. أنا برضو كان نفسي في زوجة زيك، تكون جميلة وكلامها كله دبش. يا زين ما اخترت بصراحة.
لم تستطع كتم ضحكتها:
ـ أيوه يا بني، ما أنا مش أي حد برضو.
ـ بحبك.
قالها بكل الحب والإحساس والمشاعر التي يحملها في قلبه.
كانت تشعر وكأنها تحلم.
معقول أنا سامعة صح؟
يعني اللي كنت فاكرة إنه حب من طرف واحد، وإن قلبه حجر، طلع بيحس عادي زينا كده؟
قررت أنها أيضًا تعترف بمشاعرها. هي أكثر واحدة كانت منتظرة اللحظة دي، وأكيد مش هتضيعها.
قالت بابتسامة تحمل حبًا كبيرًا ظل ساكنًا داخل قلبها كل هذه السنين:
ـ وأنا كمان بحبك.
ابتسم بسعادة غير طبيعية، وشعر أنه يريد أن يأخذها في حضنه، لكنه تمالك نفسه في آخر لحظة.
رن هاتفها باسم نور.
ـ لا، مش وقته خالص.
وكان لسه هياخده من جنبها، لكنها كانت أسرع منه عندما أمسكته أولًا.
ـ دي نور.
ردت بسرعة، بينما وضع هو يده على خده بدرامية وركز معها. كان يراقب ردود أفعالها، التي أوحت له أن هناك خبرًا سعيدًا، حتى أخرجه صوت صياحها من أفكاره:
ـ بجد؟ ألف مبروووك يا روحي! أنا فرحانة أوي أوي، لا أنا طايرة من الفرحة بجد.
ـ ...
ـ من الصبح، لا من الفجر، هتلاقيني عندك.
كانت علامات الاستفهام واضحة على وجهه، يريد أن يعرف ما الذي يحدث، لكن ما طمأنه أن الأمر يبدو سعيدًا.
أغلقت المكالمة وهي تنظر له بسعادة بالغة:
ـ أنا مبسوووووطة أوي.
ورفعت يديها الاثنتين أسفل ذقنها بفرحة.
ـ وهو أنا كنت مستني تقوليلي إنك مبسوطة؟ ما هو كان باين عليكي. بس خير، في إيه؟
ـ يونس اتقدم لنور، وبكرة كتب الكتاب! بجد مش مصدقة نفسي.
ابتسم بحب لصديقه، والذي كان متأكدًا أنه الآن يطير من الفرحة، وتمنى لو كان معه في هذه اللحظة ليشاركه سعادته.
ـ فعلًا خبر جميل جدًا، ربنا يسعدهم يا رب.
ـ يا رب يا رب.
قالتها سارة بحب وصدق.
ـ وعقبال ما نتلم في بيت واحد.
ثم ابتسم لها بحب.
اتكسفت ورفعت خصلة من شعرها خلف أذنها:
ـ إن شاء الله.
ـ بقولك إيه، ما تيجي نتجوز معاهم ونكتب الكتاب بكرة؟ أنا عن نفسي جاهز جدًا.
قالها بسعادة مطلقة.
ـ لا طبعًا، مستحيل. ده لسه هنعمل خطوبة، وطبعًا هتكلم بابا وماما الأول أكيد، وبعدين أشتري الجهاز بتاعي، وأنت تجهز بيتنا والعفش والخشب... وليلة طويلة أوي.
كان يستمع إليها وهو مصدوم من كم القائمة التي رصّتها أمامه في ثوانٍ.
ـ خلصتي؟
قالها بصدمة.
ـ آه يا حبيبي.
ابتسم فور سماعه الكلمة منها، وأمسك يدها وقبّلها بحب.
ـ بس أنا كفاية عليّا أوي أسمع الكلمة دي. بقولك إيه؟ أنا عيل ورجعت في كلامي.
ـ أحمد.
قالتها بنبرة حادة.
ـ عيونه وقلبه.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ...♡
عند يونس ونور...
كانا جالسين في مطعم بعد أن اشتريا الشبكة واستأذن يونس من صفاء ليخرجا سويًا.
كان المطعم محجوزًا بالكامل لهما، وموسيقى هادئة جميلة تنساب في الخلفية.
ومنذ أن جلسا، ونور تقريبًا لم ترفع وجهها إليه بشكل مباشر، وكانت تحاول الهروب بنظراتها بعيدًا عنه.
كان يلاحظ كل شيء، لكنه لم يكن يرغب في الضغط عليها بأي شكل.
ـ هتفضلي تهربي بنظراتك بعيد عني كتير؟
قالها بابتسامة جذابة ارتسمت على وجهه.
نظرت له أخيرًا وقالت:
ـ لا أبدًا، أنا بس عجبني المكان وكنت بتفرج عليه.
انحنى قليلًا ليمسك يدها الموضوعة فوق الطاولة.
ـ ليه حاسس إنك متوترة أو خايفة من حاجة يا نور؟ إحنا هنبدأ حياتنا مع بعض، يعني الأفضل نتعلم إزاي نطلع كل اللي في قلبنا لبعض.
شعرت بحنان كبير في كلامه، وكأن أحدًا يربت على قلبها برفق.
ـ أنا خايفة تندم في يوم على قرارك. يعني أنا واحدة مطلقة، لكن أنت...
ـ هششش... مش عايزك تفكري في حاجة زي دي. بالعكس يا نور، أنا اللي محتاج لوجودك أكتر منك. أنا عمري ما أندم على قراري، عشان إنتِ أكتر قرار صح أخدته في حياتي. إنتِ الحاضر والمستقبل، وأنا من غيرك مقدرش أكمل.
قال كلماته بكل الحب الذي يمكن تخيله.
كانت كلماته قادرة على محو أي خوف أو قلق بداخلها، وأشعرتها بأمان افتقدته طوال السنوات الماضية، لدرجة أنها كانت قد نسيت أصلًا معنى الأمان.
ـ يونس... أنا كنت عايزة أعترفلك بحاجة.
قالتها بهدوء.
اعتدل في جلسته وهو ما زال ممسكًا بيدها.
حاولت أن تشجع نفسها على قولها، ثم قالت:
ـ أنا بحبك.
قالتها مرة واحدة، دون تفكير أو ترتيب، فقط لأنها شعرت أنها تريد أن تقولها.
لم يكن يصدق نفسه.
أخيرًا سمعها منها.
بجد؟ ده حقيقي؟ أنا مش بحلم؟
ابتسم وهو ينظر إليها بعشق واضح وقال:
ـ وأنا بعشقك.
رواية مالم يحكي الفصل السادس عشر 16 - بقلم دنيا شعبان
ـ أنت ما بتردش عليا؟ فاكر إنك هتخلص مني؟
صوت مفاتيح في الباب، فتحه ودخل وهو يدندن بأغنية:
ـ وماله يا حبيبي لو توهنا بعيد وسيبنا كل الناس.
بحب وسعادة واضحة عليه.
في المقابل، كان أحمد جالسًا على الأريكة في الصالة في انتظاره، أول ما شعر به اعتدل في جلسته وصفّر بقوة وهو يضحك:
ـ يا حلاوة يا ولاد، يونس بيه بيغني لعمرو دياب! لا شكلك واقع... واقع يعني.
قالها بضحك.
اقترب منه يونس، ورمى الجاكيت بإهمال على الأريكة وجلس بجانبه وقال بابتسامة عريضة:
ـ ده أنا واقع من سنين، مش من النهاردة، بس كانت أجمل وأحلى واقعة في حياتي. أنا فرحان أوي يا أحمد، حاسس إني ملكت الدنيا كلها النهاردة.
كان يتكلم والفرحة واضحة عليه، وأحمد كان يشعر بكل كلمة يقولها، فهو أكثر شخص شّهد ع ألمه ووجعه طوال السنين الماضية، وتمنى من كل قلبه أن يظل يرى تلك الابتسامة على وجهه.
ابتسم أحمد له بحب صادق وهو يربت على ذراعه:
ـ ربنا يديم فرحتك يا صاحبي، وألف مبروك. عرفت إن بكرة كتب كتابك على نور، صدقني فرحتلك من قلبي.
نظر كل منهما للآخر بحب أخوي، ليس مجرد حب صديقين، ثم تعانقا، وكل منهما يربت على ظهر الآخر.
ابتعد أحمد عن أحضانه وهو يقول بمزاح:
ـ يعني كده خلاص؟ مش هبقى أنا الحضن اللي بتترمي فيه كل ما ترجع من الشغل؟
ضحك يونس على كلامه:
ـ لا يا سيدي، ما تعيطش، هبقى أجيلك أقضي معاك يوم كل أسبوع، ما أنا برضو مش هنساك يا صاحبي.
ـ لا لا، أنا عايزك تنساني على الآخر.
رفع يديه وبدأ يضبط ياقة قميصه بغرور مصطنع:
ـ أصل أنا قررت أتجوز، وأكيد مش هبقى محتاج لحضنك أنت. يعني أنت كفاية عليك نور، وأنا كفاية عليّا سرسورة قلبي.
عقد يونس حاجبيه وقال:
ـ سرسورة؟
ثم برق بعينيه وهو يضحك:
ـ قصدك سارة بجد؟
هز رأسه بمعنى: أيوه هي.
ـ ألف مبرووووك يا صاحبي، فرحتني كده. بقى هبقى مطمن عليك. وعلى فكرة، لايقين على بعض أوي، كفاية مشاجراتكم مع بعض. لا الحقيقة، هتجيبوا كوكتيل أطفال هايل.
ضحك أحمد ثم قال:
ـ كان نفسي أكتب الكتاب معاك بكرة، بس طبعًا هي فضلت تعرض قائمة عريضة طويلة لما صدمتني.
ضحك عليه يونس وربت على ذراعه:
ـ اجمد كده، أنت قدها. وبعدين ما هو ده الجواز... مسؤولية.
ـ آه يا سيدي، ليك حق تقول كده. ما أنت يا ابن المحظوظ قدرت تقنع حماتك إنك تكتب الكتاب على طول، وأكيد كلها شهر وتعملوا فرح.
ـ شهر؟
قالها يونس بصدمة واضحة ثم أكمل:
ـ الفرح هيبقى الأسبوع الجاي يا بني، شهر إيه بس؟
ـ إيه؟! الأسبوع الجاي؟! لا لا، أنا عايز أفهم إزاي أقنعتهم؟
ـ لا، ما أنا لسه ما جبتش موضوع الفرح. كان أهم حاجة عندي الأول كتب الكتاب عشان أضمن إنها خلاص بقت ليا للأبد، وبعدين ما حبيتش أصدمهم كتير النهاردة، قلت كفاية عليهم صدمة كتب الكتاب.
ـ بس افرض يا يونس إن نور وأمها رفضوا معاد الفرح اللي بعد أسبوع ده؟
تنهد ثم قال:
ـ أكيد هعمل اللي يخلي نور مبسوطة ومرتاحة. أنا مستحيل أجبرها على حاجة يا أحمد.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ...♡
في صباح يوم جديد، كان عاصم جالسًا على مكتبه وأمامه أوراق كثيرة يحاول بكل الطرق أن يجد حلًا للملفات التي سُرقت.
أخرجه من تركيزه صوت رنين هاتفه، فأمسكه دون أن يرفع عينه عن الورقة التي بيده، ورد سريعًا:
ـ ألو.
ـ ...
أول ما سمع الرد، وقف مرة واحدة من على المقعد بفزع، وسقطت الورقة من يده، وقال بصوت عالٍ:
ـ إيه؟! إزاي ده حصل؟
ـ ...
ـ يعني إيه؟! وأنت كنت فين؟
أغلق الخط دون أن يجيبه، ووضع الهاتف على المكتب بغضب.
كان يأخذ أنفاسه بصعوبة شديدة.
كانت داليا واقفة وراء الباب مستخبية بعد أن سمعت الحوار كاملًا.
فتحت الباب ودخلت وهي راسمة على وجهها علامات استفهام كأنها لم تسمع شيئًا.
ـ مالك يا عاصم؟ صوتك عالي كده ليه؟
قالت جملتها بترقب.
ظل يمرر يده على عنقه محاولًا أن يلتقط أنفاسه براحة، لكنه كان يشعر بعجز شديد.
ظل صامتًا.
عاد للجلوس على مقعده مرة أخرى، ووضع يديه الاثنتين على رأسه وهو يستند على المكتب.
استغربت تصرفه وشعرت أن الموضوع كبير وخطير، وخافت للحظة أن يكتشف كل ما فعلته.
اقتربت منه بخطوات بطيئة وجلست على المقعد الذي أمامه، وقالت بهدوء:
ـ عاصم، مالك يا حبيبي؟ ممكن تفهمني سبب انفعالك؟
رفع وجهه إليها وقال:
ـ خلاص... الشركة هتضيع مني.
نظرت له باستغراب وقالت:
ـ إزاي؟
ـ فيه حد سحب مبلغ كبير من حسابي، تقريبًا كل الفلوس، وعمل قرض باسمي بضمان الشركة.
ـ بس إزاي حد يقدر يعمل كده وباسمك كمان؟
ـ اللي عمل كده هو نفس الشخص اللي سرق الأوراق المالية الخاصة بيا وملفات الشركة كلها، محدش غيره يقدر يعمل كده.
قدرت داليا وقتها تفهم أهمية الأوراق والملفات التي سرقتها بنفسها وأعطتها لمجدي.
لم تكن تعرف أن الأوراق خطيرة بهذا الشكل، كان كل تفكيرها أنها مجرد أوراق لعميل وصفقات لمشاريع، ومجدي يريد سرقة العميل من عاصم، لكن الموضوع طلع أكبر من ذلك.
لعنت غباءها لأنها حتى لم تفتح الأوراق لترى ماذا كُتب فيها.
مجدي أخبرها أنها أوراق مالية، لكنها كانت منشغلة فقط بالمشاريع.
فاقت من شرودها على صوته وهو يكمل كلامه:
ـ أنا كده هدخل السج"ن، لازم ألاقي حل في أسرع وقت، لازم أعرف مين اللي سرق الأوراق والملفات.
نظرت له باستغراب شديد وقالت:
ـ ما أنت عارف إن نور هي اللي أخدت كل حاجة، مفيش غيرها معاها مفاتيح الشقة، أكيد يعني محدش غريب هيبقى معاه مفتاح الشقة.
وأكملت بخبث:
ـ وبعدين دي طلعت خطيرة جدًا، وشكلها ناوية تخلّيك تتسج"ن. أنت لازم تبلغ عنها، بدليل إنها الزوجة السابقة ليك وحبت تنتق"م منك عشان اتجوزت عليها، ومعاها نسخة من مفتاح الشقة، وأكيد مفيش دليل أقوى من ده. ياريت لو الشقة كان فيها كاميرات مراقبة، مكانش هيبقى ليها أي مخرج.
ركز على آخر كلمة قالتها.
كاميرات!
إزاي ما فكرش في حاجة زي دي؟
نظر لها بشيء من الأمل وقال:
ـ الكاميرات! صح، عندك حق. العمارة كلها فيها كاميرات، يعني نقدر نشوف ونعرف مين اللي دخل العمارة، والكاميرا اللي موجودة في الدور كمان. إزاي كل ده ما جاش في بالي؟
توترت وخافت وهمست لنفسها:
"لا، مستحيل... كده أنا اللي هدخل السج"ن. لو شاف الكاميرات هيعرف إن مش نور اللي دخلت الشقة، وأنا قولتله إني كنت سهرانة ورجعت متأخر، وأكيد الكاميرا هيبقى ظاهر فيها اليوم والتوقيت وكل حاجة. لا لا... أتصرف إزاي؟"
وقف مرة واحدة وهو يشعر ببعض الأمل في كشف هوية السارق الحقيقي، وتحرك ليخرج.
لكنها وقفت أمامه بسرعة وقالت:
ـ أنت رايح فين؟
ـ لازم أشوف كاميرات العمارة كلها عشان أقدر أعرف مين الحرام"ي.
ـ بس إحنا عارفين إن نور هي اللي أخدت كل حاجة، صح؟ يبقى ليه تضيع وقتك؟ أنت لازم تطلع على القس"م وتعمل بلاغ ضدها.
هز رأسه نافيًا وهو يقول:
ـ بس نور ما أخدتش حاجة، أنا متأكد. وبعدين أنا روحت لوالدتها، وكان باين عليها من طريقتها وكلامها وانفعالها إن فعلًا مش نور اللي عملت كده. أنا شكلي ظلمتها في حاجات كتير. المهم دلوقتي أشوف الكاميرات.
ولسه هيتحرك، أمسكت يده:
ـ عاصم، أنت لازم تروح الشركة دلوقتي. لازم تشوف المسؤول عن الحسابات وتكلم البنك وتفهم أكتر عن موضوع السحب والقرض اللي حصل.
كانت تتكلم والخوف واضح عليها، لكنه لم يكن خوفًا عليه، بل على نفسها، لأنها تعرف أنه لو اكتشف أنها وراء كل ما حدث فلن يرح"مها.
ـ بس...
قاطعته سريعًا:
ـ أنا هشوف الكاميرات، وأول ما أكتشف مين اللي عمل كده هكلمك على طول.
ظل ثوانٍ يفكر في كلامها، وشعر أنها محقة.
لازم يكون في الشركة الآن.
نظر إليها وهز رأسه بهدوء، وخرج فعلًا متجهًا إلى الشركة.
أول ما خرج، أخذت نفسًا عميقًا وشعرت أن نهايتها اقتربت، وأن عليها التصرف بأسرع وقت.
أخرجت هاتفها من جيب بنطالها لتتصل بمجدي.
رن مرة ورفض المكالمة.
أعادت الاتصال مرة أخرى، لكن دون فائدة، لم يرد.
قالت بغضب وهي تنظر للشاشة:
ـ مش هرحمك لو طلعت بتلعب بيا.
وأخذت حقيبتها وخرجت من الشقة وهي مقررة أن تذهب إليه في الشركة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ...♡
كانت تنظر إلى نفسها في المرآة، وبيديها كانت تمررهما على الفستان بحب، وهي غير مصدقة نفسها وتشعر أنها تحلم.
كانت صفاء وسارة واقفتين خلفها، شايفين انعكاسها في المرآة.
وفجأة، أطلقت الاثنتان زغرودة عالية دوّى صداها في العمارة كلها.
اقتربت منها صفاء بفرحة وابتسامة واسعة:
ـ الله أكبر، ما شاء الله، ربنا يحفظك. طالعة زي القمر.
التفتت لها نور حتى أصبحت أمامها، وقالت بابتسامة متوترة:
ـ شكلي حلو؟
اقتربت منهما سارة وهي تقول:
ـ إنتِ طالعة زي الأميرات.
ـ زي القمر يا نور عيني، ربنا يبارك فيكي ويحفظك ويبعد عنك كل العيون الوحشة.
قالتها صفاء بفرحة ممزوجة بدموع السعادة.
رفعت نور يدها وبدأت تمسح دموعها:
ـ بتعيطي ليه بس يا ماما؟
ـ دي دموع الفرحة. عارفة؟ أنا دلوقتي بس مش هخاف أم"وت، عشان عارفة إن يونس هيحافظ عليكي ويحميكي.
بدأت دموع نور تنزل أول ما ذكرت أمها المو"ت، فحضنتها بقوة وهي تقول:
ـ بعد الشر عليكي، أوعي تقوليلي كده تاني، هزعل منك. أنا مقدرش أعيش من غيرك.
كانت سارة متأثرة جدًا بكلامهما، لكنها حاولت تغيير الأجواء وقالت بمرحها المعتاد:
ـ يا جماعة، إحنا في فرح والله، مش عزا يعني لو فاهمين غلط.
ابتعدوا عن بعضهما وهما يضحكان.
أكملت سارة بضحك:
ـ أيوه كده، عايزة أشوف الابتسامة دي النهارده. عايزين نفرح وبس، اتفقنا؟
هزت رأسيها بالموافقة وهما يُمسحان دموعهما.
أمسكت صفاء يد سارة وقالت:
ـ عقبال ما نفرح بيكي يا ست البنات.
خفضت سارة رأسها بخجل وهي تتذكر أحمد، ثم ردت بهدوء:
ـ ميرسي يا طنط.
لاحظت نور خجلها غير المعتاد، وشعرت أن هناك شخصًا في حياتها.
ـ أنا هروح أعملكوا عصير عشان تفضلوا مركزين، عشان اليوم هيبقى طويل عليكوا.
ثم تركتهما وخرجت من الغرفة، وظلوا الاثنتان بمفردهما.
كانت سارة شاردة في أحمد، وتذكرت ما حدث بالأمس واعترافه لها بحبه، فابتسمت تلقائيًا.
كل ذلك أكد شكوك نور، فضربتها على كتفها بخفة.
فاقت من شرودها وقالت:
ـ أمم... عايزة حاجة يا نور؟
ـ أمممم... الظاهر كده إن انشغالي عنك بقالي فترة، حصلت حاجات أنا معرفهاش. اعترفي حالًا.
ضحكت سارة وقالت:
ـ مش من فترة ولا حاجة، ده من امبارح بس.
ظلت نور تنظر إليها بترقب، فأكملت:
ـ أحمد اعترفلي بحبه وطلب إيدي.
خرجت شهقة عالية من نور، ووضعت يديها الاثنتين على فمها بسعادة:
ـ بجد؟ ياااه! ده أحلى خبر أسمعه. ألف مبرووووك يا روحي، وربنا يتمملك على خير يا رب.
ثم فتحت ذراعيها لها بحب.
ابتسمت سارة وفتحت هي الأخرى ذراعيها، وتبادلوا الأحضان في فرح وسعادة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ...♡
داخل غرفة يونس، كان واقفًا أمام المرآة يعدل رابطة عنقه، ثم أمسك ساعته الموضوعة على التسريحة، وبعدها أخذ عطره وبدأ يرش منه.
ابتسم وهو ينظر إلى نفسه في المرآة بسعادة وقال بصوت منخفض:
ـ وأخيرًا هبقى مع الإنسانة اللي اختارها قلبي... الحمد لله، الحمد لله.
فتح درج التسريحة وأخرج علبة صغيرة كانت موضوعة بداخله.
أخذها وفتحها، وظل ينظر إلى الخاتم اللامع بالألماس.
ألقى عليه نظرة أخيرة، ثم أغلق العلبة ووضعها في جاكيته، وخرج من غرفته متجهًا إلى غرفة أحمد.
طرق الباب ثم دخل.
كان أحمد يقف أمام السرير وظهره له.
نظر إليه يونس من أسفل لأعلى بصدمة من ملابسه وقال:
ـ إيه يا أحمد؟ لسه مجهزتش يا بني؟ ده أنا العريس وخلصت.
ـ خلاص، هجهز حالًا.
ثم استدار إليه.
وأول ما رآه يونس، خرجت منه صرخة عالية من الفزع، بينما صرخ أحمد هو الآخر لما وجده يصرخ.
ـ بسم الله الرحمن الرحيم!
قالها يونس بخضة وهو ينظر إليه.
ـ إيه يا بني؟ شوفت عفريت؟ حرام عليك، صرعت"ني.
رد عليه يونس بصدمة:
ـ أنا اللي صرعت"ك برضه؟!
ثم أكمل وهو يشير إلى وجهه:
ـ إيه اللي أنت حاطه على وشك ده؟
ابتسم أحمد وهو يقول:
ـ ده ماسك زبادي بالخيار. فوايده خطيرة يا يونس، لازم تجربه. استنى، فاضل منه شوية في الطبق، أجيبهملك.
قالها بكل بساطة.
ـ ماسك زبادي بالخيار؟! لا كده كتير عليا والله. وإيه اللي في إيدك دي كمان؟
رفع أحمد يده التي يمسك فيها نصف خيارة، وأخذ منها قضمة وهو يقول:
ـ دي حتة خيار فضلت من الماسك. قلت آكلها، أصل حرام يعني أرميها. شوفت بوفرلك إزاي؟
ثم أرسل له قبلة في الهواء.
كانت ملامح يونس تنطق بالصدمة من المنظر كله.
ـ طيب، ياريت تخلص عشان مش عايز أتأخر على عروستي. بعد إذنك، خمس دقايق وتبقى جاهز، عشان ما أسيبكش وأمشي.
قال جملته وهو متجه نحو الباب، ثم خرج قبل أن يسمع رده.
وضع أحمد يده على خصره بتعجب من رد فعله، وفي يده الأخرى قطعة الخيار.
قربها من فمه وأكلها دفعة واحدة وهو يقول:
ـ هو غيران مني عشان عملت ماسك الزبادي بالخيار وهو لا؟ معقول خايف أطلع أحلى منه؟ طيب ما أنا قلتله فاضل مني شوية! يلا، هو الخسران. هيعرف قيمتي لما يتجوز ويبعد عني، ملوش في الطيب نصيب.
ثم أمسك بدلته من فوق السرير واتجه إلى الحمام حتى يجهز نفسه.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ...♡
عند داليا، بعد أن وصلت إلى الشركة، دخلت وهي مشتعلة بالغضب من تجاهل مجدي لها.
كانت تسير بسرعة تجاه مكتبه، وقبل أن تدخل أوقفتها السكرتيرة:
ـ أستاذ مجدي مش موجود.
وقفت داليا أمامها وقالت:
ـ متعرفيش هو فين؟
ردت عليها بهدوء:
ـ هو عنده اجتماع في فندق...
هزت رأسها وغادرت الشركة وهي مقررة أنها ستأخذ كل أوراقها وأموالها منه اليوم.
بعد مدة، وصلت أمام الفندق.
دخلت وسألت في الاستقبال عنه، فأرشدها أحد العاملين إلى مكانه.
كان جالسًا في مطعم الفندق ومعه فتاة.
فهمت فورًا أنه ليس في اجتماع ولا شيء.
اقتربت من طاولته بغضب وقالت:
ـ أنت ما بتردش عليا؟ فاكر إنك هتخلص مني؟ انسى. أنا عايزة فلوسي وورقي عشان أسافر، أنت فاهم؟ وإلا صدقني هندمك.
كانت الفتاة التي تجلس معه أجنبية، ولم تكن تفهم أي كلمة مما قالته داليا.
نظر لها مجدي، ثم استأذن من الفتاة دقيقة، واقترب من داليا وأمسك ذراعها بقوة وسحبها معه بعيدًا عن الطاولة.
ـ إنتِ إيه اللي جابك هنا؟ وعرفتي مكاني إزاي؟
قالها بحدة.
ـ مش مهم عرفت إزاي. أنا عايزة فلوسي وورق السفر في أسرع وقت. عاصم شكله هيعرف كل حاجة، ومعنديش استعداد أدخل السج"ن، أنت فاهم؟
ـ بالليل الورق هيكون عندك، ومعاه المئة ألف اللي اتفقنا عليهم.
ضحكت بسخرية وقالت:
ـ ده كان زمان، قبل ما أعرف إن الأوراق والملفات اللي خلتني أسرقها من جوزي خلتك تسحب فلوسه كلها من البنك، لا وكمان تسحب قرض بضمان شركته.
ـ إنتِ عايزة إيه بالضبط؟
ـ مليون جنيه.
ـ إيه؟! إنتِ مجنونة؟
قالها بعصبية.
ـ تؤ. وبعدين مليون جنيه ما يجيش حاجة جنب فلوس عاصم، ده غير القرض طبعًا. بس أنا مش طماعة، هما مليون جنيه عشان أقدر أبدأ حياتي من جديد.
ـ خلي بالك، أنا ما بتهددش، وإنتِ يا قطة اللي هتندمي في الآخر.
ـ تؤ تؤ، مش أنا لوحدي اللي هندم، إحنا الاتنين. أوعى تفكر إن لو اتقب"ض عليا أنا هسكت. ده أنا هعترف عليك بكل حاجة، صدقني.
نفخ بضيق وقال:
ـ خلاص خلاص، امشي دلوقتي، وبكرة هكلمك عشان نتفق على المكان اللي هنتقابل فيه.
ـ النهارده، بقولك مفيش وقت.
ـ النهارده وتاخدي المئة ألف وتخرسي، ولا تستني لبكرة وتاخدي المليون؟
فكرت لثوانٍ ثم قالت:
ـ بكرة... آخرك معايا يا مجدي.
قطع حديثهما صوت رنين هاتفها.
أول ما رأت اسم المتصل "عاصم"، بدأت يدها ترتعش خوفًا.
ـ مين؟
قالها مجدي بترقب.
ردت عليه والخوف واضح في صوتها:
ـ ده عاصم... أنا خايفة ليكون عرف إني أنا اللي سرقت الخزنة.
ـ ردي، وحاولي تبقي طبيعية. لو حس بخوفك هيشك فيكي حتى لو لسه معرفش حاجة.
هزت رأسها بسرعة وردت:
ـ ألو يا عاصم، عملت إيه يا حبيبي؟ طمني.
لكنها تفاجأت بصوت آخر:
ـ أنا سكرتيرة مستر عاصم. البولي"س كان هنا وقب"ض عليه، وهو بلغني أعرف حضرتك عشان تجيبيله محامي.
انتهت المكالمة، وبدت الصدمة واضحة على وجهها.
سألها مجدي بسرعة:
ـ قالك إيه؟
ـ مش هو... دي السكرتيرة. قالت إنه اتقب"ض عليه وعايزني أبعتله محامي.
ـ وطبعًا مش محتاج أقولك إنك مش هتجيبي محامي ليه ولا أي حاجة.
هزت رأسها بهدوء.
ثم نظرت إليه وقالت بتهديد صريح:
ـ صدقني يا مجدي، لو فكرت تلعب معايا...
رفعت هاتفها أمامه وأكملت:
ـ كل مكالماتنا متسجلة، وأنت بتطلب مني أجيبلك الورق من خزنة عاصم، وكل حاجة. بلاش تخليني أوريك وشي التاني.
ثم تركته وغادرت دون أن تستمع إلى أي شيء آخر يقوله.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ...♡
في أوضة البنات، كنّ جالسات على السرير بعد أن جهزت نور نفسها وأصبحت في انتظار يونس.
وكانت سارة بجانبها طوال الوقت، تحكي لها عن كل المشاعر التي كانت تشعر بها تجاه أحمد، ومتى أحست أنها فعلًا تحبه.
ـ أنا فرحانة أوي يا نور بجد ليكِ. إنتِ عارفة إنك بالنسبة لي أختي، وفخورة إنك قررتي تكملي وتعيشي حياتك.
ابتسمت نور وردت بهدوء:
ـ يمكن وجود يونس كان كافي ليا إني أغير تفكيري عن حاجات كتيرة أوي يا سارة. أول مرة أحس إني أتحب بجد، وأول مرة أحس بالأمان.
ونزلت دمعة من عينيها رغمًا عنها.
اقتربت منها سارة ومسحتها برفق:
ـ لا لا، بلاش دموع. حرام عليكي، ده أنا تعبانة في الميكب.
ضحكت نور وقالت:
ـ حاضر.
ـ أنا هروح أشوف صفصف جهزت العصير ولا لسه.
وخرجت سارة من الغرفة.
رن هاتف نور.
ابتسمت تلقائيًا، وظنت أن يونس هو من يتصل بها.
لكن أول ما أمسكت الهاتف تفاجأت برقم غريب.
استغربت من المتصل.
فتحت المكالمة وردت بهدوء:
ـ ألو...
ـ ...
ـ طيب... طيب، أنا جاية حالًا.
قالتها وهي تغلق الهاتف بسرعة.
وضعت الهاتف على السرير، وارتدت صندلها على عجل، ثم خرجت من الغرفة.
اتجهت إلى باب الشقة، فتحته وخرجت، ونسيت أن تغلقه خلفها من شدة استعجالها.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ...♡
داخل المطبخ، كانت سارة واقفة تستند بكوعها على الرخامة.
اقتربت منها صفاء وهي تحمل صينية العصير.
أخذت منها الصينية وهي تقول:
ـ تسلم إيدك يا صفصف.
ـ بالهنا على قلوبكم.
خرجت من المطبخ متجهة إلى الغرفة وهي تقول:
ـ شوفتي صفصف مدلّعانا إزاي؟
لكنها تفاجأت عندما وجدت الغرفة فارغة.
وضعت الصينية على الكومود، وظنت أن نور دخلت الحمام.
خرجت تبحث عنها.
وأثناء سيرها في الممر، تفاجأت بأن باب الشقة مفتوح.
اقتربت منه وهي لا تفهم كيف فُتح وحده.
أغلقته وعادت للداخل وما زالت غير مستوعبة ما يحدث.
شعرت أن هناك شيئًا خاطئًا.
وقفت أمام باب الحمام وطرقت عليه وهي تقول:
ـ نور... نور؟
ولما لم تجد أي رد، فتحت الباب.
واتسعت عيناها بصدمة عندما لم تجدها بالداخل.
عادت مسرعة إلى صفاء وقالت بقلق:
ـ نور... أنا مش لاقية نور في الشقة.
سقط الكوب من يد صفاء وقالت بفزع:
ـ إزاي بس يا بنتي؟ شوفيها كويس، أكيد في الحمام.
هزت سارة رأسها بالنفي.
ـ أنا هرن عليها.
أخرجت هاتفها واتصلت بها، لكنهما تفاجأتا بأن رنين هاتف نور يخرج من غرفتها.
ـ سايبة تليفونها هنا!
ثم قالت بسرعة:
ـ أنا هكلم يونس، لازم يعرف.
وخرجت من المطبخ لتتصل بيونس، بينما تركت صفاء تموت من القلق على ابنتها.
...♡
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ...♡
في الجهة الأخرى، عند يونس، أول ما أخبرته سارة أن نور مختفية، كان في ثانية واحدة نازلًا يجري على السلم وهو يشعر أن قلبه سيخرج من مكانه، وكل ما يتردد في عقله:
"نور مختفية..."
ركب السيارة بسرعة، وشغل المحرك.
ثم نظر إلى الجهة الأخرى فوجد أحمد يهبط درجات السلم راكضًا، وهو يرتدي الجاكيت على عجل، وما زال لا يفهم شيئًا.
فأول ما رأى يونس يجري أمامه، جرى خلفه دون أن يسأله.
فتح باب السيارة، وأول ما أغلقه، انطلق يونس بأقصى سرعة يملكها.
نظر له أحمد بقلق وقال:
ـ في إيه يا يونس؟ فهمني حصل إيه؟
قبض يونس على المقود بقوة حتى برزت عروق يده، وقال بصوت مختنق:
ـ نور... نور اختفت.
اتسعت عينا أحمد بصدمة:
ـ إيه؟ يعني إيه اختفت؟
ـ سارة بتقول إنها كانت في الأوضة، وبعدها فجأة اختفت ومحدش عارف راحت فين.
ـ طب يمكن نزلت تحت لأي سبب؟
هز رأسه بعنف:
ـ لا، نور مستحيل تسيب البيت في يوم زي ده من غير ما تقول لحد.
رواية مالم يحكي الفصل السابع عشر 17 - بقلم دنيا شعبان
ـ إيه؟ يعني إيه اختفت؟
ـ سارة بتقول إنها كانت في الأوضة، وبعدها فجأة اختفت ومحدش عارف راحت فين.
ـ طب يمكن نزلت تحت لأي سبب؟
هز رأسه بعنف:
ـ لا، نور مستحيل تسيب البيت في يوم زي ده من غير ما تقول لحد.
في وقتٍ قياسي، وصل يونس إلى منزلهم، وكأن الطريق اختصر نفسه أمامه. كان قلبه يخفق بعنف، وعقله لا يتوقف عن رسم أسوأ الاحتمالات، حتى إن أنفاسه أصبحت متلاحقة من شدة القلق.
— يعني إيه مشوفتهاش لما نزلت؟
قالها يونس بانفعال، وقد ارتفع صوته دون أن يشعر.
— يونس، حاول تهدأ لو سمحت.
قالها أحمد محاولًا احتواء الموقف قبل أن يفقد يونس أعصابه تمامًا.
أغمض يونس عينيه لثوانٍ، وسحب نفسًا عميقًا، يحاول أن يتمالك نفسه، لكن القلق الذي كان ينهش قلبه منعه من الهدوء.
على الجانب الآخر، كانت صفاء تجلس على الأريكة ويداها متشابكتان بقوة، بينما الخوف يسيطر على ملامحها بالكامل. لم تستطع أن تستوعب كيف يمكن لنور أن تخرج في يومٍ كهذا دون أن تخبرها، أو حتى تترك لها كلمة واحدة تطمئنها بها.
التفت يونس إلى سارة وقال بصوتٍ حاول أن يجعله أكثر هدوءًا:
— سارة، ممكن تحكيلي آخر حاجة حصلت معاكم بالظبط؟
تنهدت سارة وهي تحاول استجماع ما حدث، ثم قالت بتوتر:
— إحنا كنا قاعدين مع بعض في الأوضة، وكنا مبسوطين أوي. بعدين سبتها ودخلت المطبخ عشان أجيب العصير من طنط. صدقني متأخرتش خالص، ولما رجعت الأوضة ملقتهاش. دورت عليها في الشقة كلها، بس مفيش فايدة. بعدها لمحت باب الشقة مفتوح، قولت أكيد نزلت، وحاولت أكلمها، بس لقيت موبايلها سايباه.
عقد أحمد حاجبيه وهو يحاول إيجاد تفسير منطقي لما حدث، ثم سألها بهدوء:
— طيب، أنتوا مكنتوش محتاجين أي حاجة من تحت؟ يعني ممكن تكون راحت تجيبها وزمانها راجعة.
هزت سارة رأسها بالنفي، لتعود حالة الصمت الثقيلة وتفرض نفسها على المكان.
مرَّ نصف ساعة كاملة، لكنها بدت لهم وكأنها ساعات طويلة. لم يكن أحد قادرًا على الجلوس براحة، فالقلق كان يلتهم الجميع، وكل دقيقة تمر كانت تزيد الخوف داخل قلوبهم.
وفجأة وقف يونس من مكانه وقال بحسم:
— أنا مش هفضل قاعد وأنا مش عارف نور فين... أنا هنزل أدور عليها.
كاد يتحرك، لكن أحمد أسرع وأوقفه قائلًا:
— استنى بس يا يونس. هتروح تدور عليها فين وإحنا أصلًا مش عارفين مكانها؟ أنا حاسس إنها نزلت تجيب حاجة وجاية.
هز يونس رأسه بعجز، وقال بصوتٍ خرج مثقلًا بالخوف:
— مش هقدر يا أحمد... صدقني، أنا خايف عليها. مش هينفع أفضل قاعد مكاني أكتر من كده.
— طيب... والمأذون اللي زمانه جاي؟
قالها أحمد في محاولة أخيرة لإقناعه.
أجابه يونس دون تردد:
— تقدر تقوله لما ييجي ويسأل على العروسة هنقول إيه؟ أنا لازم أمشي قبل ما يوصل... وإن شاء الله هلاقيها.
— طيب، أنا جاي معاك.
هز يونس رأسه بالموافقة، وفي تلك اللحظة وقفت سارة وقالت بسرعة:
— وأنا كمان هاجي معاكم.
التفت إليها يونس قائلًا:
— لا يا سارة، خليكي مع طنط. مينفعش نسيبها لوحدها.
اكتفت بهزة رأس صغيرة، بينما اتجه يونس وأحمد نحو الباب.
مد يونس يده وفتح الباب...
لكن ما إن انفتح حتى تجمدت خطواته تمامًا.
كانت نور تقف أمامه مباشرة، رافعة يدها لتضغط على الجرس.
في لحظة واحدة، شعر وكأن روحه التي كانت على وشك أن تفارقه قد عادت إليه من جديد. اختفى الخوف الذي كان يعتصر قلبه، لكن حل محله عتاب موجع وغضب مكتوم بسبب ما فعلته.
سألها بصوتٍ جامد، امتزج فيه الغضب بالخوف الذي لم يغادر قلبه بعد:
— كنتِ فين؟
نظرت سارة إليهما باستغراب، فهي لم تكن تفهم سبب وقوفهما عند الباب كل هذا الوقت. نهضت من مكانها واقتربت منهم، وما إن وقعت عيناها على نور حتى اتسعت ابتسامتها وقالت بفرحة:
— نور.
وبمجرد أن سمعت صفاء اسمها، انتفضت من مكانها وكأن روحها عادت إليها من جديد. أسرعت نحو الباب، وما إن رأت ابنتها أمامها حتى حمدت الله في سرها أن أعادها إليهم سالمة.
أما نور، فكانت واقفة في مكانها تنظر إلى وجوههم واحدًا تلو الآخر. لم تكن بحاجة لأن يسألها أحد حتى تدرك حجم الخوف الذي عاشوه بسببها. رأت القلق واضحًا في ملامحهم جميعًا، وشعرت بندمٍ شديد لأنها خرجت بتلك الطريقة دون أن تخبر أحدًا، ولو بكلمة واحدة تطمئنهم بها.
عاد يونس يكرر سؤاله، لكن هذه المرة خرج صوته أكثر حدة من السابقة:
— كنتِ فين يا نور؟
تدخل أحمد سريعًا محاولًا تهدئة الموقف قبل أن يزداد توترًا، وقال بهدوء:
— خليها تدخل الأول يا يونس، وبعدين نتكلم.
لم يرد يونس بشيء، واكتفى بأن يتركهم واقفين عند الباب، ثم استدار واتجه إلى الداخل.
تابعته نور بعينيها، وفهمت من تصرفه أنه غاضب منها بشدة، واعترفت بينها وبين نفسها أنه يملك كل الحق في غضبه.
دخل الجميع إلى الداخل.
وقف يونس أمام النافذة، وأعطاهم ظهره. كان يشعر براحةٍ كبيرة لأنها بخير، لكن تلك الراحة لم تستطع أن تمحو ما شعر به خلال الدقائق الماضية. كان الغضب يعتصر قلبه، ليس لأنها خرجت فقط، بل لأنها لم تخبره. للحظة شعر أنه ليس مهمًا في حياتها بالقدر الذي تخيله، وإلا لما اتخذت قرارًا كهذا دون أن تعرفه. لم يكن يريد أن يمنعها من الذهاب، لكنه كان يريد فقط أن يكون مطمئنًا عليها.
جلست نور بجوار سارة وصفاء، بينما جلس أحمد على المقعد المجاور لهما. ومنذ جلوسها، لم ترفع عينيها عنه. كانت نظراتها معلقة بيونس، وشعور الذنب يزداد داخلها كلما تذكرت أنها كانت السبب في حزنه.
قالت صفاء وهي تنظر إليها بعتاب امتزج بالخوف:
— ينفع اللي عملتيه ده يا نور؟ إحنا كنا هنموت من الخوف عليكي يا بنتي، ويونس خاف يكون حصلك حاجة، ده كان لسه هينزل يدور عليكي.
ارتسمت على شفتي نور ابتسامة خفيفة دون أن تشعر، فقد أسعدها أنه خاف عليها إلى هذا الحد، لكن عينيها ظلتا معلقتين به، تتمنى فقط أن يلتفت إليها، حتى لو كان ذلك ليعاتبها، المهم ألا يستمر في تجاهلها.
زفرت سارة بضيق، ثم قالت:
— كده برضه يا نور؟ تنزلي فجأة من غير أي حس! حرام عليكي، أنا قولت البنت اتخطفت من أوضة نومها.
شعر أحمد أن الحديث بدأ يطول دون أن يعرفوا السبب الحقيقي، فنظر إلى يونس. كان يعلم جيدًا أن صديقه يريد أن يعرف ما الذي دفعها للنزول في هذا التوقيت، لكنه يمنع نفسه من السؤال بسبب غضبه، لذلك قرر أن يسأل هو بدلًا منه.
قال بهدوء:
— ممكن تعرفينا يا نور إيه السبب اللي خلاكي تنزلي فجأة كده من غير ما تقولي لحد، وفي يوم كتب كتابك؟
كان يونس يكاد يختنق من كثرة الأسئلة التي تدور داخل رأسه. كان يريد أن يفهم ما الذي كان أهم من يوم كتب كتابهما حتى يجعلها تغادر بهذه الطريقة.
تعلقت أنظار الجميع بها في انتظار ردها...
ما عدا يونس.
ظل واقفًا كما هو، يعطيها ظهره، لكنه في داخله كان يتمنى أن يسمع منها سببًا واحدًا يجعل قلبه يهدأ.
أخذت نور نفسًا عميقًا، ثم بدأت تتحدث بهدوء، بينما كانت تشعر بثقل نظرات الجميع المعلقة بها.
— لما سارة سابتني في الأوضة وراحت المطبخ، تليفوني رن، وكنت مفكرة يونس اللي بيرن، بس لقيته رقم غريب. أول ما رديت، لقيت واحدة بتقولي: "الحقي حماتك واقعة على الأرض ومغمي عليها."
توقفت لحظة قصيرة، ثم أكملت وهي تسترجع ما حدث:
— ما قالتش أي تفاصيل تانية. حسيت إني مش عارفة المفروض أتصرف إزاي، وما كانش عندي حل غير إني أروح. أول ما وصلت العمارة، طلعت شقتها، وفضلت أخبط، بس اتفاجئت لما لقيت جارتها اللي في وشها على طول بتفتح باب شقتها. أول ما شافتني قالتلي: "كويس إنك جيتي."
ابتلعت ريقها بصعوبة، ثم تابعت:
— دخلت معاها، ولقيت طنط ميادة، "أم عاصم"، نايمة على الكنبة في الصالة. حاولت أفهم منها اللي حصل، فقالتلي إنهم كانوا قاعدين عادي مع بعض وبيضحكوا، وفجأة جاتلها مكالمة من رقم غريب. أول ما ردت، معرفش اللي كان بيكلمها قالها إيه، بس مرة واحدة التليفون وقع من إيديها وهي وقعت على الأرض.
ساد الصمت في المكان، بينما كانت كلماتها تصل إليهم واحدة تلو الأخرى.
أكملت نور:
— مسكت الموبايل عشان أفهم من اللي كان بيكلمها إيه اللي حصل، فقال إن عاصم اتقبض عليه... بس، ده كل اللي سمعته، وبعدها أُغمي عليها. وطبعًا جارتها افتكرت إن ممكن يكون حد عامل فيها مقلب، فحاولت تكلمه، لكن السكرتيرة بتاعته هي اللي ردت عليها، واتأكدت إن الخبر فعلًا صح... وإن عاصم دلوقتي في السجن.
أطرقت برأسها قليلًا، ثم قالت:
— ما كانش قدامها حل غير إنها ترن عليا، عشان...
توقفت، وكأنها تخشى أن تكمل.
ثم رفعت رأسها ببطء وقالت بتوتر، وهي تعلم أن كلماتها التالية قد تؤلمه:
— عشان فاكرة إن لسه مرات عاصم متعرفش إني طليقته... مش أكتر من كده.
ما إن أنهت حديثها، حتى خيم الصمت على المكان.
كان الجميع في حالة صدمة مما سمعوه.
أما هي...
فرفعت عينيها نحوه.
ورغم أنه كان يعطيها ظهره، إلا أنه استدار إليها ببطء، لتقع عيناها مباشرة على نظراته.
كانت ترى الوجع واضحًا فيهما.
قال بصوتٍ خافت، لكنه كان يحمل من الألم ما يكفي ليجرح قلبها:
— وانتي طبعًا خوفتي وزعلتي عليه... مش كده؟ مفكرتيش تروحي تزوريه في السجن؟ ولا خايفة مثلًا على مشاعري؟
كانت كلماته تخرج ممزوجة بوجعٍ حقيقي.
في تلك اللحظة، شعر أنه لا يمثل لها شيئًا، وأنها ما زالت تمنح عاصم مكانة في قلبها.
انتفضت من مكانها واقتربت منه بسرعة، حتى أصبحت تقف أمامه مباشرة، وقالت بلهفة:
— إنت بتقول إيه يا يونس؟ أنا...
لكنه لم يمنحها الفرصة لتكمل، وقاطعها قائلًا:
— أنا بقول اللي حصل... واللي شايفه بعيني. معقول لسه بتحبيه للدرجة دي؟ لدرجة إنك تسيبيني في يوم زي ده عشانه؟
تبادل أحمد وسارة وصفاء النظرات فيما بينهم.
لم يتدخل أحد منهم.
شعروا أن هذا الحديث لا يجب أن يكون أمامهم، وأن من الأفضل أن يتركوهما يتحدثان بحرية.
لذلك خرجوا جميعًا في هدوء، وأغلقوا الباب خلفهم، تاركين يونس ونور وحدهما.
في اللحظة التي أُغلق فيها الباب...
لمعت الدموع داخل عيني نور.
لم تكن حزينة من كلماته بقدر ما كانت تتألم لأنها هي من أوصلته لهذا الشعور.
وفي المقابل...
كان يونس يحاول بكل ما يملك ألا ينظر إليها طويلًا.
فهو يعلم جيدًا أنه إذا رأى دموعها، فلن يستطيع أن يستمر في غضبه ولو للحظة واحدة.
استدار عنها مرة أخرى، وأعطاها ظهره، وكأنه يحاول أن يمنع نفسه من الالتفات إليها.
شعرت نور بوخزة قوية في قلبها من فعلته، لكنها كانت تعلم جيدًا أنها السبب فيما وصل إليه الأمر، وأن غضبه لم يكن إلا نتيجة خوفه عليها.
أخذت نفسًا عميقًا، ثم قالت بصوتٍ خافت، امتزج بالندم:
— أنا آسفة إن وصلتلك إحساس زي ده، بس أنا ما عملتش كده عشان بحبه زي ما قولت، ولا بفكر فيه أصلًا. أنا عملت اللي أي حد كان هيعمله لو كان مكاني. واحدة كلمتني وهي شبه مرعوبة من الخوف، وطلبت مني ألحق حد. حتى لو العلاقة انتهت، ده مش معناه إننا نبقى أعداء. وهي ملهاش ذنب... هي آه كانت موافقة إنه يتجوز عليا عادي، بس عمرها ما أذتني.
ظل يونس واقفًا على وضعه، لم يلتفت إليها، ولم ينطق بحرف واحد.
أما هي، فلم تعد قادرة على حبس دموعها أكثر من ذلك. انسابت على وجنتيها رغماً عنها، ولأول مرة تشعر أن تجاهله لها أقسى من أي عتاب كان يمكن أن تسمعه منه.
واصلت حديثها، بينما كانت شهقاتها تتسلل بين كلماتها:
— أنا عملت اللي شوفته صح... مش أكتر. يونس، أنا بحبك، صدقني، وعمري ما فكرت أجرح مشاعرك بأي طريقة. بس أنا برضه غلطت... أنا عارفة. كان المفروض أعرفك، أو أقول لماما، عشان ما تقلقوش عليا.
وصل إليه صوت بكائها، فشعر وكأن كل كلمة تنغرس في قلبه.
لم يستطع أن يستمر في تجاهلها أكثر من ذلك.
استدار إليها ببطء...
فوجدها تقف مطرقة رأسها إلى الأرض، ودموعها لا تتوقف عن الانهمار.
اقترب منها بخطوات هادئة، ثم رفع يده ببطء، وأمسك بذقنها برفق، ليرفع وجهها إليه.
كانت عيناها محمرتين من كثرة البكاء، ووجنتاها قد غمرتهما الدموع.
ابتسم لها ابتسامة صغيرة، وهو يمسح دموعها بإبهامه، ثم قال محاولًا التخفيف عنها:
— يعني أنا اللي زعلان... وانتي اللي بتعيطي؟
نظرت إليه بعينين دامعتين، ولم تستطع أن تقول سوى:
— أنا آسفة.
وما إن خرجت الكلمة من شفتيها، حتى تجددت دموعها بغزارة، وكأنها كانت تنتظر فقط أن يمنحها فرصة للاعتذار.
تنهد يونس بحب، ثم مسح دموعها مرة أخرى، وقال بصوتٍ مليء بالحنان:
— مش عايز أشوف دموعك تاني. انتي أغلى حاجة عندي يا نور. أنا كنت خايف عليكي... كنت حاسس إني عاجز. بعيدة عني، ومش عارف طريقك، ولا عارف المفروض أدور عليكي فين. كنت تايه... والله كنت تايه.
صمت لثوانٍ، ثم أكمل وهو ينظر مباشرة إلى عينيها:
— لو كنتِ عرفتيني، أكيد ما كنتش همنعك إنك تروحي، وكنت هاجي معاكي كمان... بس متكونيش لوحدك.
عاد يمسح دمعة هربت من عينها، ثم قال بنبرة هادئة:
— اوعديني إن أي قرار تاخديه تشاركيني فيه، وقبل ما تروحي أي مكان تعرفيني... عشان أبقى مطمن، على الأقل. اتفقنا؟
هزت رأسها بهدوء، وهي لا تزال بين يديه اللتين تحيطان بوجهها بحنان.
لم تقل شيئًا...
لكن نظرتها وحدها كانت كافية لتخبره أنها فهمت كل كلمة قالها، وأنها لن تكرر ما حدث مرة أخرى.
ظل الاثنان يتأملان بعضهما في صمت، وكأن كل ما بداخلهما وصل إلى الآخر دون حاجة إلى كلمات.
وفي تلك اللحظة...
كان أحمد قد قرر الدخول ليناديهما.
فتح الباب بهدوء، وما إن وقعت عيناه عليهما حتى فهم من نظراتهما أنهما تصالحا.
ابتسم بخفة، ثم أصدر صوتًا بسيطًا بقدمه حتى يشعرهما بوجوده.
انتبهت نور فجأة، فابتعدت بسرعة عن يونس، وقد غلبها الخجل عندما أدركت أن أحمد رآهما وهما قريبان من بعضهما.
أما يونس...
فنظر إليه بغيظ واضح، وكأن دخوله جاء في أسوأ توقيت ممكن.
التقط أحمد تلك النظرة، وقال من بين أسنانه وهو يحاول كتم ضحكته:
— خير.
أجابه يونس بنظرة لم تكن تحتاج إلى تفسير.
ابتسم أحمد أكثر، ثم قال:
— المأذون وصل... يا عريس.
خرجوا معًا إلى الصالة.
جلست نور بجوار صفاء، بينما وقفت سارة إلى جوارها، وكان أحمد يقف بجانبها هو الآخر.
أما المأذون، فكان يجلس في المنتصف، وخال نور إلى يمينه، بينما جلس يونس إلى يساره.
ورغم أن الجميع كان يحاول التركيز فيما يحدث، إلا أن الفرحة كانت واضحة على الوجوه، بعدما تبدد ذلك القلق الذي سيطر عليهم قبل قليل.
اقترب أحمد قليلًا من سارة، ثم همس لها بصوتٍ خافت حتى لا يسمعه أحد:
— عقبالنا يا قمر.
ابتسمت بخجل، وأطرقت برأسها إلى الأسفل.
ابتسم أحمد وهو يتأمل ملامحها، ثم قال بمشاكسة:
— بس ما قولتيش... إيه رأيك فيا النهارده؟
رفعت رأسها ببطء، ونظرت إليه من أسفل إلى أعلى، ثم عادت تتأمل بدلته وقالت بابتسامة:
— البدلة تحفة عليك.
عقد حاجبيه باعتراض مصطنع، وقال:
— بدلة إيه؟ أنا أقصد على وشي.
نظرت إليه باستغراب وقالت:
— ماله وشك؟
تنهد أحمد بتمثيل، ثم قال:
— يعني تأثير ماسك الزبادي بالخيار مش واضح ولا إيه؟ لا... طمنيني. انتي عارفة كيلو الخيار بكام؟
كادت ترد عليه، لكن صوت المأذون قطع حديثهما وهو ينطق بالكلمات التي انتظروها جميعًا:
"بارك الله لكما، وجمع بينكما في خير."
في اللحظة نفسها، ارتفعت الزغاريد تملأ أرجاء المنزل، واختلطت الفرحة بالدعوات والابتسامات.
لم يشعر يونس بنفسه...
كان أول من اتجه إليها.
اقترب منها بخطوات سريعة، ثم احتضنها بقوة، وكأنه يعوض كل لحظة خوف عاشها قبل قليل.
ضمها إليه بشدة، حتى شعرت أن عظامها تكاد تتكسر بين ذراعيه.
ثم حملها بين ذراعيه، وأخذ يدور بها وسط ضحكات الجميع، بينما كانت سارة وصفاء تطلقان الزغاريد في سعادة غامرة.
أنزلها برفق، لكنها بقيت بين ذراعيه، وكأنه لا يريد أن يتركها أبدًا.
اقترب برأسه من أذنها وهمس بصوتٍ لم يصل إلى سواها:
— مبروك يا حرمي المصون.
احمر وجهها بخجل، ثم همست هي الأخرى:
— الله يبارك فيك.
ظل محتفظًا بها بين ذراعيه، وكأنه نسي وجود كل من حوله.
لكن سارة اقتربت منهما وهي تضحك، ثم أمسكت نور من ذراعها وسحبتها برفق من بين أحضانه وهي تقول بمشاكسة:
— كفاية عليك كده يا عريس.
نظر إليها يونس باعتراض واضح، وقبل أن يتحدث، سبقه أحمد وهو يقول بغيظٍ مصطنع:
— يا بنتي، ما تسيبيهم يفرحوا شوية بعد كل اللي شافوه.
التفتت إليه سارة سريعًا وقالت:
— مالكش دعوة إنت.
ثم أخرجت له لسانها بطفولية، فضحك الجميع على تصرفها.
وبعد أن غادر المأذون، وانصرف خال نور هو الآخر، بقي الجميع جالسين معًا، يغمرهم شعور بالراحة والسعادة، وكأن البيت عاد إليه نبضه من جديد بعد ساعات من القلق.
وفجأة...
دوّى صوت طرقات على الباب.
نهضت صفاء من مكانها وهي تظن أن أحد الجيران جاء لتهنئتهم، لكن ما إن فتحت الباب حتى تفاجأت بميادة تقف أمامها.
كانت ملامح التعب مرسومة على وجهها، وبدا واضحًا أنها بالكاد تستطيع الوقوف.
قالت صفاء بقلق:
— ميادة... اتفضلي.
لكن ميادة لم تستطع أن تخطو خطوة واحدة.
ترنحت في مكانها، وكادت تسقط، لولا أن صفاء أسرعت وأمسكت بها قبل أن ترتطم بالأرض.
رفعت صفاء صوتها تنادي على الباقين حتى يأتوا ويساعدوها.
خرج الجميع على الفور بعدما سمعوا صوتها.
وما إن وقعت عينا نور على ميادة، حتى تركت يد يونس سريعًا، واتجهت إليها، وأمسكتها من الناحية الأخرى في مواجهة والدتها، بينما أغلقت سارة الباب خلفهم.
ساعدوها حتى جلست براحة على الأريكة.
جلست نور بجوارها، ثم قالت بقلق:
— حضرتك كويسة؟ المفروض تفضلي مرتاحة في السرير زي ما الدكتور قال.
لكن ميادة لم تهتم بالإجابة، وإنما أمسكت بيد نور وقالت بلهفة:
— عاصم يا نور... الحقي عاصم.
في اللحظة التي نطقت فيها باسمه...
ضغط يونس على قبضته بقوة، حتى برزت عروق يده من شدة الغضب.
التفتت إليه نور سريعًا، وأشارت إليه بعينيها في محاولة لتهدئته.
ثم عادت تنظر إلى ميادة وقالت بجدية:
— حضرتك... أنا دلوقتي بقيت متجوزة، وأنا وعاصم علاقتنا انتهت. ماليش أي دعوة بيه.
نظرت إليها ميادة بحزنٍ عميق، وكأنها أدركت في تلك اللحظة أن ابنها خسرها إلى الأبد، وأن الفرصة التي أضاعها لن تعود مرة أخرى.
انتقلت بنظرها إلى أحمد، فوجدت ملامحه هادئة ، ثم التفتت إلى يونس، وما إن رأت نظراته المليئة بالغضب حتى فهمت على الفور أنه زوجها.
ربتت نور برفق على يدها، محاولة تهدئتها، فقالت ميادة بصوتٍ متعب:
— ربنا يسعدك يا بنتي. انتي بنت حلال، وتستاهلي كل خير، وبتمنالك السعادة في حياتك الجاية. أنا بس... كان عندي طلب واحد منك، عايزاكي تيجي معايا.
نظرت إليها نور بعدم فهم، ثم سألتها:
— أجي معاكي فين؟
تنهدت ميادة، وكأن الكلمات أصبحت تثقل صدرها، ثم قالت:
— عاصم كلمني من القسم، وقالي على حاجات كتير المفروض أديها للمحامي، بس أنا يا بنتي مش فاهمة هو عايز إيه، ولا المفروض أتصرف إزاي.
عقدت نور حاجبيها، ثم سألتها باستغراب:
— طيب... وفين مراته داليا؟ مش المفروض تعمل هي كل ده؟
هزت ميادة رأسها بيأس، وقالت:
— مش عارفة أوصل ليها. بكلمها، تليفونها مقفول، وأنا معرفش حد غيرك. ساعديني عشان خاطري يا بنتي، أنا حاسة إني عاجزة، ومش عارفة أساعد ابني اللي بيروح مني.
ساد الصمت للحظات.
كانت نور محتارة، لا تعرف هل توافق أم ترفض.
لكن الشيء الوحيد الذي كانت متأكدة منه، أنها لن تتخذ أي قرار بمفردها هذه المرة.
تذكرت وعدها ليونس منذ دقائق قليلة.
نهضت من مكانها، واتجهت إليه بخطوات هادئة، ثم وقفت أمامه وسألته بصوتٍ منخفض حتى لا يسمعه أحد:
— ممكن نساعدها... لو سمحت؟
كانت نظراتها كلها رجاء، وكأنها تخشى أن يرفض.
أما يونس...
فشعر بسعادةٍ خفية لأنها، ولأول مرة، عادت إليه قبل أن تتخذ قرارها.
ابتسم ابتسامة خفيفة، ثم هز رأسه بالموافقة.
ارتسمت ابتسامة هادئة على وجهها، وقالت وهي تنظر إليه بامتنان:
— شكرًا.
وبالفعل...
نزل الثلاثة معًا، واتجهوا إلى القسم.
وبعد مدة، وصلوا إلى هناك.
كانت ميادة تبدو شاحبة للغاية، وأنفاسها متقطعة، حتى إنها لم تعد قادرة على الوقوف أو السير لمسافة طويلة.
لاحظت نور ذلك، فالتفتت إلى يونس وقالت له أن يفتح لها زجاج السيارة حتى يدخل إليها بعض الهواء.
وبعدما هدأت قليلًا، قالت لها نور بحنان:
— حضرتك استنينا هنا، ده أفضل ليكي. إحنا هندخل ونخلص اللي عايزه عاصم ونرجعلك على طول.
وافقت ميادة بعدما شعرت فعلًا أنها لم تعد تملك القدرة على الحركة.
أما يونس ونور، فاتجها إلى داخل القسم.
وفور دخولهما، تقدم يونس إلى أحد الضباط، وأخبره باسم عاصم كامل.
وبسبب معارف يونس، وافقوا على الزيارة دون تعقيد.
بعد دقائق...
فُتح الباب أمامهما.
كان عاصم يجلس بمفرده داخل غرفة شبه مظلمة، لا يضيئها سوى مصباح صغير يتدلى من منتصف السقف، ينشر ضوءًا خافتًا بالكاد يكشف ملامح المكان.
ما إن سمع صوت الباب يُفتح، حتى رفع رأسه ببطء.
دخل يونس أولًا...
ثم دخلت نور خلفه.
وفور أن وقعت عيناه عليها، ارتسمت ابتسامة تلقائية على وجهه، ونهض من مكانه بسرعة، وكأنه نسي أين يقف.
كاد يقترب منها...
لكن يونس كان أسرع.
تحرك خطوة إلى الأمام، ووقف بينها وبينه مباشرة.
ابتلعت نور ريقها بتوتر، وخشيت أن يتحول اللقاء إلى مشكلة داخل القسم.
مدت يدها بهدوء، وأمسكت بذراع يونس، ثم نظرت إليه في محاولة صامتة لتهدئته.
انتبه عاصم إلى تلك الحركة.
وقعت عيناه على أصابعهما...
ورأى بوضوح آثار الحبر على أصابعهما، ثم انتقل ببصره إلى فستانها وبدلة يونس.
في تلك اللحظة...
أدرك الحقيقة كاملة.
لقد انتهى كل شيء.
وأصبحت نور زوجة رجل آخر.
شعر وكأنه خسر آخر ما تبقى له في الدنيا.
نظر إليها بعينين امتلأتا بالندم، ثم قال بامتنان:
— شكرًا يا نور... إنك هتساعديني.
هزت رأسها بهدوء، ثم قالت بجدية:
— قولي... إيه المفروض أعمله ليك؟
أخذ عاصم نفسًا عميقًا، ثم قال وهو يحاول ترتيب أفكاره:
— فيه ورق مهم جدًا هيفيدني... في مكتبي اللي في البيت.
عقدت نور حاجبيها وهي تستوعب كلامه، ثم قالت:
— أممم... يعني المفروض دلوقتي أروح أجيب الورق ده عشان أديه للمحامي؟ بس داليا أكيد في البيت دلوقتي.
أجابها بسرعة، وكأنه كان ينتظر هذا السؤال:
— أيوه... بس لازم تروحي دلوقتي حالًا قبل ما داليا تاخده. واطمني، هي مش بترجع غير نص الليل.
تبادل يونس ونور النظرات في حيرة، ثم قالت نور بعدم فهم:
— طيب، وإيه يعني لما تاخده؟ ما أكيد عشان تديه للمحامي.
هز عاصم رأسه بسرعة نافيًا، وقال بانفعال:
— لا... لا. دي هي السبب في كل حاجة. هي اللي سرقت الأوراق والملفات. أنا بس دلوقتي بقيت متأكد إنها هي اللي عملت كل ده. من ساعة ما دخلت القسم، ومحدش عارف يوصلها، حتى تليفونها مغلق طول الوقت.
اتسعت عينا نور من شدة الصدمة، وقالت بعدم تصديق:
— معقول... هي عملت كل ده فيك؟
أطرق عاصم رأسه للحظة، ثم قال بحسرة:
— أيوه... طلعت مغفل، وصدقت إنها بتحبني.
رفع عينيه إليها، وكانت نظرات الندم تملأهما، ثم قال بصوتٍ مثقل بالألم:
— ياريتني ما سبتك يا نور... أنا لسه بح...
لم يُكمل جملته.
في لحظة واحدة، اندفع يونس نحوه، وأمسكه من ياقة قميصه بعنف، وقال من بين أسنانه:
— اسم مراتي... ما يجيش على لسانك. إنت فاهم؟
كانت الغيرة والغضب قد سيطرا عليه بالكامل.
أسرعت نور نحوه، وأمسكت بذراعه بكل قوتها، وهي تقول بقلق:
— يونس... سيبه عشان خاطري. إحنا في القسم، ما ينفعش كده.
ظل ينظر إلى عاصم للحظات، وصدره يعلو ويهبط من شدة غضبه، قبل أن يتركه أخيرًا.
أخذ يونس عدة أنفاس متتالية، محاولًا السيطرة على أعصابه.
أما نور، فالتفتت إلى عاصم، وقالت بجمود واضح:
— عاصم، ياريت بلاش نتكلم كلام ملوش أي لازمة. يونس بقى جوزي. أنا جيت هنا عشان والدتك جت لغاية عندي وطلبت مني المساعدة، فياريت متتماداش في الكلام.
أنهت حديثها، ثم اقتربت من يونس، وأمسكت يده بكل حب، وكأنها تؤكد للجميع قبل أن تؤكد له هو، أنها اختارت طريقها بالفعل.
بعدها خرجا معًا من الغرفة.
أما عاصم...
فظل واقفًا مكانه، يتابعهما بعينيه حتى اختفيا من أمامه.
كان الندم ينهش قلبه بقسوة.
أدرك، لكن بعد فوات الأوان، كم كان أحمق حين فرط في إنسانة أحبته بكل صدق، واستبدلها بمن لم تكن ترى فيه سوى مصلحتها.
بعد خروجهم من القسم، قرروا أن يذهبوا أولًا إلى منزل ميادة.
كانت تبدو مرهقة للغاية، ولم تعد تقوى على الوقوف أو الحركة كثيرًا، لذلك أوصلوها إلى منزلها حتى ترتاح.
وبعد أن هدأت قليلًا، أعطتهم نسخة من مفتاح شقة عاصم.
شكرها يونس، ثم اصطحب نور، وانطلقا في طريقهما إلى هناك.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ...♡
داخل شقة عاصم، وتحديدًا في غرفة النوم...
كانت داليا قد فتحت حقيبة سفر كبيرة فوق السرير، وأخذت تلقي بملابسها داخلها بعشوائية واستعجال، بينما كانت تمسك هاتفها كل بضع ثوانٍ، تتأكد إن كان مجدي قد أرسل إليها الموقع الذي من المفترض أن تقابله فيه، لتحصل على أوراق السفر... والمليون جنيه.
وفجأة...
قطع تركيزها صوت طرقات على باب الشقة.
تجمدت في مكانها، وشعرت بالتوتر يتسلل إلى قلبها.
بدأت الأفكار تتزاحم داخل رأسها.
للحظة، تخيلت أن عاصم خرج من السجن.
لكنها سرعان ما هزت رأسها بقوة، وقالت لنفسها وهي تحاول طمأنة ذاتها:
"لا... لا، مستحيل يخرج من غير محامي، وأنا مبعتلهوش محامي، وهو ملوش حد غيري... أكيد لا."
كانت تردد تلك الكلمات، وكأنها تحاول إقناع نفسها بها.
ثم خطر ببالها أن الطارق ربما يكون البواب.
خرجت من غرفتها، واتجهت نحو باب الشقة.
فتحت الباب فتحة صغيرة...
لكنها صُدمت عندما وجدت مجدي يقف أمامها.
اتسعت عيناها بدهشة، وفتحت الباب على آخره وهي تقول:
— إنت بتعمل إيه هنا؟
ابتسم بسخرية، ثم قال:
— إنتي نسيتي إن عندنا معاد مع بعض ولا إيه؟
عقدت داليا حاجبيها باستغراب، ثم قالت بسرعة:
— أيوه، والمفروض كنت تبعتلي اللوكيشن اللي هقابلك فيه.
ابتسم مجدي ابتسامة باردة، وقال بثقة:
— لا... ما أنا قولت ده آمن مكان ممكن أخلص فيه.
ضيقت عينيها وهي تنظر إليه بعدم فهم، ثم قالت بحدة:
— تخلص إيه بالظبط؟
تحرك بصرها سريعًا بين يديه، فلم تجد أي حقيبة، ولا أوراق، ولا حتى الأموال التي اتفقا عليها.
عادت تنظر إليه بغضب، وقالت:
— فين الورق والفلوس يا مجدي؟
لكن مجدي لم يجبها.
نظر إليها ببرود تام، ثم تجاوزها إلى الداخل، وكأن الشقة ملكه هو، وتركها واقفة مكانها تنظر إليه بصدمة.
اتجه إلى الأريكة، وجلس عليها في هدوء، ثم فرد ذراعيه على ظهرها، وهو ينظر إليها بابتسامة أثارت غضبها أكثر.
أغلقت الباب بعصبية، ثم اقتربت منه وقالت بحدة:
— فين الحاجة يا مجدي؟
رفع حاجبه، ثم قال بلامبالاة:
— مش هتقوليلي أشرب إيه الأول؟
زفرت داليا بضيق، وقد بدأت أعصابها تنفد، ثم قالت:
— مجدي، مفيش وقت. عاصم ممكن يخرج في أي وقت، وأنا لازم أسافر في أسرع وقت.
ابتسم بسخرية، وقال وهو ينظر إليها نظرة مستفزة:
— يعني برضه خايفة منه، حتى وهو مسج"ون؟ ماكنتش أعرف إن قلبك ضعيف بالشكل ده. ودي غلطتي... ما كانش لازم أشغل معايا ناس قلوبهم رقيقة بالشكل ده.
اشتعلت نظراتها بالغضب، وقالت بحدة:
— قصدك إيه؟
ظل يحدق فيها لثوانٍ، ثم نهض من مكانه، وقال بهدوء غريب:
— آمال فين مكتب عاصم؟ عايز أشوفه.
ترددت للحظة، لكنها قررت أن تسايره حتى تحصل منه على ما تريد أولًا.
أشارت بيدها إلى نهاية الممر، وقالت:
— هناك... آخر الطرقة.
اتجه مجدي نحو المكتب بخطوات هادئة.
وقف أمام الباب للحظة، ثم فتحه ودخل.
أضاء النور، وتجول بعينيه في المكان، قبل أن يقترب من مكتب عاصم، ويمرر أصابعه فوق سطحه ببطء، وكأنه يتأمله.
ثم جلس على مقعده، ورفع إحدى قدميه ووضعها فوق المكتب بكل استهتار.
كانت داليا تراقبه في صمت، بينما يزداد غضبها من تصرفاته، لكنها كانت مضطرة إلى التحمل حتى تنتهي من هذه الليلة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ...♡
كان يونس قد أوقف سيارته أمام العمارة.
التفتت إليه نور، وقالت وهي تنظر إليه بتفهم:
— يونس، أنا عارفة إنك مش قادر تدخل بيت كان بيجمعني فيه في يوم، ومفيش داعي تيجي على نفسك خالص. أنا هطلع أجيب الورق، وأنزل بسرعة.
ابتسم لها بحنان، ثم رفع يديه يحتضن بهما وجهها، وقال وهو ينظر داخل عينيها:
— بس أنا عايز أطلع معاكي.
كانت تعرف أنه، مهما حاول إخفاء مشاعره، فلن يكون مرتاحًا إذا صعد إلى هذا المكان.
رأت ذلك واضحًا في عينيه.
ابتسمت له برقة، وقالت:
— صدقني يا حبيبي، مفيش داعي. خليك هنا، وأنا هطلع وأنزل على طول.
تنهد باستسلام، ثم قال وهو يخرج هاتفها من حقيبتها ويعطيه لها:
— بس خدي تليفونك معاكي، عشان لو احتجتيني أطلعلك.
هزت رأسها بابتسامة، وأخذت الهاتف والمفتاح منه.
نزلت من السيارة، بينما ظل يونس يتابعها بعينيه، ولم يبعد نظره عنها لحظة، حتى دخلت إلى العمارة واختفت عن أنظاره.
أما نور...
فصعدت حتى وصلت إلى باب الشقة.
أخرجت المفتاح، ووضعته في الباب، ثم فتحته بهدوء.
في البداية، استغربت أن أنوار الشقة كلها تقريبًا مضاءة.
كما لاحظت أن هناك بعض التغييرات التي طرأت على المكان.
لكنها لم تعطِ الأمر اهتمامًا، وأغلقت الباب خلفها بهدوء.
اتجهت نحو غرفة المكتب، لكنها شعرت فجأة بوجود أحد.
توقفت خطواتها.
بدأت تقترب ببطء، وقلبها يخفق بقوة.
كان باب المكتب مواربًا.
مالت برأسها قليلًا، محاولة أن ترى من بالداخل.
لكنها لم تستوعب ما رأته...
شخص يجلس على كرسي عاصم داخل المكتب.
تجمدت في مكانها، ولم تفهم كيف يجلس رجل غريب في بيت عاصم، مع وجود زوجته داخل الشقة.
وفي تلك اللحظة...
وصل إليها صوت مجدي من داخل المكتب وهو يقول:
— صحيح يا داليا... إنتي بتحبي عاصم قد إيه؟
تنهدت داليا بضيق، وقد بدا واضحًا أن سؤاله استفزها، فقالت بحدة:
— وده هيفرق إيه في موضوعنا دلوقتي يا مجدي؟ ياريت نتكلم في المهم.
ابتسم مجدي ابتسامة جانبية، ثم قال وهو ينظر إليها بثبات:
— وهو فيه حاجة أهم من كده؟ تخيلي... واحدة تسرق جوزها، وبسببها يتس"جن... يا حرام. لا، وبتقول: "أنا بحبه." مش غريبة دي؟
في الخارج...
اتسعت عينا نور بصدمة، وما إن استوعبت ما سمعته حتى رفعت يدها بسرعة، ووضعتها على فمها، حتى تمنع نفسها من إصدار أي صوت قد يفضح وجودها.
بدأت الأفكار تتلاحق داخل رأسها.
إذا كان ما تسمعه صحيحًا...
فهذا اعتراف صريح ببراءة عاصم.
وفجأة، لمعت فكرة في عقلها.
أخرجت هاتفها بهدوء شديد، وفتحت الكاميرا، ثم بدأت في تسجيل كل ما يدور داخل الغرفة، وهي تحاول ألا تُصدر أي حركة أو صوت قد يشعرهما بوجودها.
في الداخل...
ضحكت داليا بسخرية، ثم قالت بغل واضح:
— أنا فعلًا كنت بحبه، عشان كده لما طلبت مني أول مرة أسرق كل الملفات والأوراق اللي في خزنته، أنا رفضت، وقلت: ده جوزي، ومستحيل أخونه.
توقفت لحظة، ثم اشتدت نبرة صوتها وهي تكمل:
— بس هو اللي خلاني أعمل معاه كده. ما كانش شايفني أصلًا. كل تفكيره كان لسه مع الزفتة اللي اسمها نور. وطلع عمره ما حبني زي ما كان مفهمني. أنا بالنسبة له كنت مجرد حاجة جديدة... وحب يجربها.
ابتسم مجدي ابتسامة خبيثة، ثم نهض من مكانه، وبدأ يقترب منها خطوة بعد الأخرى، وهو يقول:
— أممم... وعشان كده قررتي تبيعيه ليا، بأنك تسرقي كل الأوراق من خزنته، وأنا بكل سهولة أقدر أسحب قرض بضمان شركته، وكمان أسحب كل فلوسه. لا بجد... شاطرة.
قال جملته الأخيرة وهو يدور حولها ببطء، بينما كانت هي تراقبه بحذر.
ابتسمت داليا ابتسامة باردة، وقالت بثقة:
— وعندي استعداد أعمل أكتر من كده... بس للأسف معنديش وقت. لازم أسافر قبل...
انقطعت كلماتها فجأة.
تجمد جسدها بالكامل عندما شعرت بحبل يلتف حول عنقها من الخلف.
في لحظة واحدة...
كان مجدي قد وقف خلفها، وأحكم لف الحبل حول رقبتها بكل قوته، بينما كانت عيناه تمتلئان بالحقد.
في الخارج...
اتسعت عينا نور برعب.
شهقت بصمت، ثم كتمت أنفاسها بكل ما أوتيت من قوة، حتى لا يشعر بها.
لم تصدق ما تراه أمامها.
أما داليا...
فرفعت يديها بسرعة، تحاول إبعاد الحبل عن رقبتها، لكن دون جدوى.
كانت تقاوم بكل ما تملك.
تضرب بيديها في الهواء.
وتحاول أن تلتقط أي نفس.
لكن قوة مجدي كانت أكبر.
بدأت حركتها تضعف شيئًا فشيئًا.
وسقطت ذراعاها ببطء.
حتى انقطع نفسها تمامًا...
وفارقت الحياة.
تركها مجدي تسقط على الأرض بلا رحمة.
ظل ينظر إليها للحظات، ثم أطلق ضحكة ساخرة، وقال:
— يا خسارة يا قطة... كان نفسي تعيشي، بس اللي يتحدى مجدي... يستاهل القتل.
في الخارج...
كانت يد نور ترتجف وهي لا تزال تمسك الهاتف.
شعرت بأنفاسها تكاد تتوقف من شدة الخوف.
لكنها تماسكت، وأغلقت التسجيل بسرعة، بعدما تأكدت أنها وثقت كل شيء سيكون دليلًا على براءة عاصم.
وأدخلت الهاتف في جيبها.
أخذت خطوة إلى الخلف بهدوء، وهي تحاول الانسحاب من المكان دون أن يشعر بها مجدي.
لكن...
في اللحظة التي همَّت فيها بالابتعاد، تعثرت قدمها في طرف السجادة.
اختل توازنها، وسقطت على الأرض.
خرجت منها شهقة مكتومة غصبًا عنها.
وضعت يدها على فمها بسرعة، وعيناها اتسعتا من الخوف.
ثبتت نظرها على باب المكتب...
وفي ثانية واحدة، انفتح الباب.
خرج مجدي على مصدر الصوت، وما إن وقعت عيناه عليها حتى توقف في مكانه.
أما نور، فتراجعت إلى الخلف وهي تزحف على الأرض برعب، وقلبها يكاد يقف من شدة الخوف.
نظر إليها بحدة، ثم قال:
— إنتي مين؟ ودخلتي هنا إزاي؟
ابتلعت ريقها بصعوبة، ولم تجد أي كلمة تستطيع أن تنطق بها.
وفي لحظة خاطفة، خطرت لها فكرة واحدة...
الهرب.
نهضت بسرعة، واستدارت تجري بكل ما تملك من قوة نحو باب الشقة.
مدت يدها لتفتحه...
لكن قبل أن تلمس المقبض، انغرست أصابع مجدي في شعرها، وجذبه بعنف إلى الخلف.
صرخت صرخة عالية خرجت منها رغمًا عنها من شدة الألم.
في تلك اللحظة...
كان يونس يصعد درجات السلم بهدوء.
بعدما طال غيابها، بدأ القلق يعود لينهش قلبه من جديد، فلم يستطع أن يبقى في السيارة أكثر من ذلك.
قرر أن يصعد ليطمئن عليها بنفسه.
وما إن وصل إلى منتصف السلم...
حتى شق صراخ نور المكان.
تجمدت الدماء في عروقه.
شعر وكأن قلبه انتُزع من بين ضلوعه.
ومن دون أن يفكر...
اندفع يجري بأقصى سرعة نحو الشقة.
في الداخل...
كان مجدي لا يزال ممسكًا بشعرها بقوة، وقال وهو يبتسم ابتسامة مرعبة:
— الحلوة مين... وعايزة إيه؟
ثم مرر نظره عليها من أعلى إلى أسفل، وأضاف بسخرية:
— شكلك مش حرامية.
شد شعرها إلى الخلف بقوة أكبر، حتى تأوهت من شدة الألم، ثم قال بصوتٍ غليظ:
— انطقي.
وقبل أن تتمكن من الرد...
دوّى صوت ارتطامٍ عنيف في المكان.
في لحظة واحدة...
كان باب الشقة قد اندفع إلى الداخل بقوة، حتى سقط على الأرض.
التفت مجدي بفزع نحو الباب.
أما نور...
فما إن رأت يونس يقف أمامها، حتى شعرت بالأمان يعود إليها من جديد.
أفلتت نفسها من قبضة مجدي، وركضت بأقصى سرعتها نحوه.
ارتمت بين ذراعيه وهي ترتجف من شدة الخوف.
ضمها إليه بسرعة، ثم أبعدها قليلًا، ورفع وجهها بين يديه وهو يتفحصها بعينيه بلهفة.
قال، وصوته يرتجف من الخوف عليها:
— نور... إنتي كويسة؟
قبل أن تجيبه...
كان مجدي قد سمع اسمها.
اتسعت عيناه وهو يحدق بها، ثم تمتم بدهشة:
"دي... دي نور... مرات عاصم!"
استغل انشغال يونس بها، واستدار بسرعة، محاولًا الهرب خارج الشقة.
لكن يونس كان أسرع.
ترك نور تقف خلفه، ثم اندفع نحوه.
أمسكه من قفاه قبل أن يبتعد، وجذبه بعنف، ثم دفعه بقوة، فاصطدم بالحائط وسقط على الأرض.
أشار إلى نور أن تبتعد عنهما.
ثم اتجه إليه.
ولم يمنحه فرصة للنهوض.
انهالت عليه لكماته بعنف، واحدة تلو الأخرى.
كان كل ما عاشه من خوف على نور، وكل ما رآه داخل الشقة، يخرج في تلك الضربات.
ظل يضربه بقوة، حتى لم يعد هناك مكان سليم في وجهه.
وبعد دقائق...
وصلت الشرطة.
وأُلقي القبض على مجدي.
كما وصلت سيارة الإسعاف، ونقلت داليا، لكن بعد الكشف عليها، تبيّن أنها فارقت الحياة.
أما نور...
فسلمت الهاتف للشرطة، وقدمت الفيديو الذي سجلته، ليكون الدليل الذي أثبت براءة عاصم.
وبالفعل...
حصل عاصم على حكم بالبراءة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ...♡
بعد سنتين...
في هدوء الليل...
دوّى صوت رنين الهاتف.
فتح يونس عينيه بصعوبة، ثم مد يده يلتقط الهاتف وهو يتمتم بنعاس:
— ألو... حد يكلم حد في ساعة زي دي؟ هكون بعمل إيه يعني الساعة تلاتة الفجر؟ أكيد نايم... إيه؟ طيب... طيب، جايين حالًا.
أغلق يونس الهاتف، وما إن استدار حتى وجد نور قد استيقظت على صوته.
فركت عينيها بنعاس، ثم قالت بصوتٍ هادئ:
— في إيه يا يونس؟ بتكلم مين دلوقتي؟
اقترب منها، وجلس على طرف السرير، ثم حاوطها بذراعه بحب، وقبّل رأسها برفق، وقال بابتسامة:
— ده أحمد يا حبيبتي، بيقولي سارة شكلها كده بتولد.
بمجرد أن سمعت كلمة "بتولد"، اعتدل جسدها في السرير بسرعة، وكأن النوم تبخر من عينيها في لحظة.
قالت بلهفة:
— إيه... بتولد؟ طب يلا بسرعة، لازم نروح معاهم المستشفى.
ولم تمنحه فرصة ليرد.
نهضت من فوق السرير بسرعة، واتجهت إلى الدولاب، وفتحته على عجل، تبحث عن ملابس ترتديها.
ابتسم يونس على اندفاعها، ثم نهض هو الآخر، واتجه إليها.
وقف خلفها، ولف ذراعيه حول خصرها، ثم قال وهو يضحك:
— اهدي يا حبيبتي... على فكرة هي اللي بتولد، مش إنتِ.
استدارت إليه بسرعة، وقالت بجدية ممزوجة بالقلق:
— أيوه يا حبيبي، بس أنا حاسة بيها. هي أكيد موجوعة جدًا... ما أنا كنت زيها في ولادة ياسين.
ابتسم بحنان، وربت على ذراعها، ثم قال:
— طيب، خليكي إنتِ مع ياسين، عشان لو صحي ما يتخضش، وأنا هروحلهم.
خرجت من بين ذراعيه، وعادت تلتقط ملابسها وهي تقول بإصرار:
— ياسين مع ماما يا يونس، متخافش. المهم دلوقتي نروح ليهم.
ثم دخلت الحمام بسرعة لتبدل ملابسها.
أما يونس...
فظل واقفًا مكانه، وهز رأسه باستسلام، ثم قال وهو يبتسم بضيقٍ مصطنع:
— أنا اللي أستاهل... مش أنا اللي اقترحت إن الڤيلتين يبقوا جنب بعض؟ اشرب بقى يا معلم.
خرجت نور من الحمام بعد دقائق، فوجدته لا يزال واقفًا يتمتم مع نفسه.
نظرت إليه باستغراب، ثم قالت بنبرة يغلب عليها الاستعجال:
— يلا يا يونس... هنتأخر.
تنهد وهو يرفع يديه باستسلام:
— حاضر... هوا.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ...♡
بعدما وصلوا إلى المستشفى...
كانت سارة مستلقية على السرير، بينما كان الممرضون يدفعونه بسرعة في اتجاه غرفة العمليات.
كانت تمسك بيد أحمد بقوة شديدة، حتى كادت تكسرها، بينما دموعها لا تتوقف.
صرخت بألم:
— خليهم يهدوا السرعة شوية... آآآآآآه!
كان أحمد يجري بجوار السرير، يحاول مجاراتهم بصعوبة، وهو بالكاد يلتقط أنفاسه، ثم قال وهو يلهث:
— هو إنتِ راكبة تريلا يا حبيبتي؟
وفجأة...
عضت يده بقوة.
أطلق أحمد صرخة عالية، وهو يسحب يده بسرعة:
— إيدي... حرام عليكي يا مفترية!
ردت عليه بين صرخاتها المتألمة:
— أنا شكلي هموت.
اتسعت عيناه، وقال بفزع:
— يا رب... قصدي بعد الشر عليكي يا روحي. هو إنتِ أول واحدة تخلفي؟
صرخت من جديد وهي تتألم:
— نور... أنا عايزة نور.
نظر أحمد حوله بسرعة، ثم قال وهو يحاول تهدئتها:
— وهي نور اللي هتولدك؟
وصلوا أمام غرفة العمليات.
اضطر أحمد إلى ترك يدها، بينما أخذها الممرضون إلى الداخل.
أُغلق باب غرفة العمليات.
وقف أحمد أمام الباب للحظات، ثم نظر إلى يده التي عضتها، وأخذ يفركها وهو يتأوه.
اقترب منه يونس، وكان يحاول كتم ضحكته، ثم قال:
— بتوجع... صح؟ أنا عارف.
نظر إليه أحمد بغيظ وقال:
— إنت شمتان فيا؟
ضحك يونس، ثم ربت على كتفه وقال:
— لا... عيب، إحنا أصحاب برضه.
في تلك اللحظة...
وصلت نور إليهما مسرعة، وقالت بلهفة:
— ها... طمنوني.
أجابها أحمد بسرعة:
— لسه داخلة العمليات... ادعيلها.
وضعت يدها على صدرها، وقالت بإخلاص:
— ربنا يقومها بالسلامة، إن شاء الله. ما تقلقش يا أحمد... خير إن شاء الله.
هز رأسه وقال:
— إن شاء الله.
مرت ساعة كاملة...
وكانت كفيلة بأن تستنزف أعصاب أحمد تمامًا.
أخذ يتمشى ذهابًا وإيابًا في الممر، بينما التوتر يزداد على ملامحه مع مرور كل دقيقة.
اقترب منه يونس، ووضع يده على كتفه، وقال محاولًا طمأنته:
— خير يا صاحبي، إن شاء الله هيطلعوا بخير.
تنهد أحمد، وقال بصوتٍ خافت:
— اتأخروا أوي يا يونس... أنا خايف عليها.
ابتسم يونس ابتسامة مطمئنة، ثم قال:
— أنا حاسس بيك. يوم ولادة نور برضه قعدوا كتير... متخافش يا حبيبي.
أما نور...
فكانت تجلس على المقعد المقابل لغرفة العمليات، تمسك بالمصحف، وتقرأ فيه، داعيةً من قلبها أن تمر ولادة صديقتها على خير، وأن يخرج الطفل ووالدته سالمين.
وفجأة...
شق صمت المكان صوت بكاء طفل حديث الولادة.
انتفض الجميع من أماكنهم، واتجهوا بسرعة نحو باب غرفة العمليات.
وبعد لحظات...
خرج الطبيب.
أسرع أحمد إليه، وقال بلهفة تكاد تخنقه:
— مراتي يا دكتور... عاملة إيه؟
ابتسم الطبيب في وجهه ليطمئنه، ثم قال:
— المدام والطفل بخير، وشوية وهتتنقل أوضة عادية هي والبيبي.
في تلك اللحظة...
لم يستطع أحمد أن يمنع دموع الفرحة التي لمعت في عينيه.
أخيرًا...
أصبح أبًا.
ابتسم يونس، ثم قال للطبيب باحترام:
— شكرًا يا دكتور.
ابتسم الطبيب ورد:
— العفو... ده واجبي.
ثم استأذن وغادر.
وبعد أن نُقلت سارة إلى غرفة عادية...
كانت مستلقية على السرير في هدوء، بينما جلس أحمد إلى جوارها، يحمل ابنته الصغيرة بين ذراعيه.
ومنذ أن سلمته الممرضة طفلته...
وهو يرفض أن تخرج من حضنه.
لدرجة أنه رفض حتى أن يترك نور أو يونس يحملانها، وكأنها أثمن شيء امتلكه في حياته.
بدأت تفتح عينيها ببطء، وما إن استوعبت ما حولها، حتى كان أول ما وقع بصرها عليه هو أحمد، يجلس بجوارها وهو يحمل ابنتهما بين ذراعيه بكل حب، وعيناه لا تفارقان ملامحها الصغيرة.
شعرت بسعادة غامرة وهي تراه بتلك الهيئة.
انتبه أحمد لاستيقاظها، فابتسم ابتسامة واسعة، ثم مد يده يمسك يدها بحنان وقال:
— حمدالله على السلامة يا حبيبتي.
حولت سارة نظرها مباشرة إلى طفلتها، وما إن رأتها حتى امتلأت عيناها بالدموع من شدة التأثر، وقالت بصوتٍ مرتعش:
— أحمد... قربها مني، عايزة أبوسها وأشم ريحتها.
ابتسم بحب، ثم نهض واقترب منها، ووضع الصغيرة بين ذراعيها برفق.
ظلت تتأمل ملامحها للحظات طويلة، وكأنها لا تصدق أنها أصبحت أمًا، ثم ابتسمت وهي تقول:
— بنتنا حلوة أوي يا أحمد... ما شاء الله، ربنا يحفظها.
ابتسم أحمد بفخر، وقال وهو ينظر إلى طفلته:
— طالعة لأمها طبعًا.
ضحكت سارة بخفة، وقالت:
— ده أكيد طبعًا.
تعالت ضحكاتهما معًا، وهما يعيشان واحدة من أسعد لحظات حياتهما، بعدما اكتملت عائلتهما أخيرًا، وأصبحت سعادتهما أكبر من أن توصف.
في تلك اللحظة...
دوى طرق خفيف على الباب، ثم انفتح، ودخلت نور يتبعها يونس.
اتجهت نور مباشرة نحو سارة، وجلست بجوارها، ثم مررت يدها برفق فوق رأسها بحنان، وقالت بابتسامة دافئة:
— حمدالله على السلامة يا حبيبتي... حاسة بإيه دلوقتي؟
ابتسمت سارة بتعبٍ خفيف، ثم أجابت:
— أحسن... الحمد لله.
تنهدت نور، ثم نظرت إلى أحمد بعتابٍ لطيف وقالت:
— ينفع يا سارة؟ جوزك مش عايزني أشيل البنت خالص، لا أنا ولا يونس! هي مش بنتي ولا إيه؟
التفتت سارة إلى أحمد بصدمة مصطنعة، وقالت:
— أحمد!
نظر إليها ببراءةٍ مزيفة، ثم قال مدافعًا عن نفسه:
— ده فرقتنا بس يا حبيبتي. وبعدين البنت صغنونة، ومش هتستحمل الشيل كتير... ولا إيه يا يونس؟
ردت عليه نور بسرعة، وهي تنظر إليه بغيظ:
— يا سلام! واشمعنى بقى؟ يونس مقالش كده لما ولدت ياسين، ده إنت أول واحد جريت عشان تشيله.
هز أحمد كتفيه بثقة، ثم قال:
— ياسين ده ولد... لكن بنوتي بنت رقيقة جدًا.
وقبل أن يكمل حديثه...
استيقظت الصغيرة فجأة، وانطلقت في البكاء بصوتٍ عالٍ.
نظر إليها أحمد بسرعة، ثم قال وهو يضع يده على صدره:
— بسم الله الرحمن الرحيم! إيه السيرينة اللي اتفتحت مرة واحدة دي؟ شكلها هتطلع راديو زي أمها.
رمقته سارة بنظرة حادة، وقالت بتحذير:
— أحمد!
رفع يديه باستسلام، ثم اقترب منها وهو يضحك وقال:
— روحه وقلبه، أنا بهزر يا روحي. دي هادئة جدًا... أهو، هديها لنور زي ما إنتِ عايزة.
ثم دار إلى الجهة الأخرى، واقترب من نور، ووضع الصغيرة بين ذراعيها بحرص.
استقبلتها نور بكل حب، وتأملتها بإعجاب، ثم قالت بابتسامة واسعة:
— بسم الله ما شاء الله... زي القمر، شبهك أوي يا سارة.
ابتسمت سارة بسعادة، ثم سألتها بدلال:
— بجد يا نور؟ يعني أنا قمر كده؟
اقترب يونس منهما وهو يبتسم، ثم قال:
— مقولتوش يا جماعة... هنسميها إيه؟
رفعت سارة نظرها إلى نور، وكانت عيناها تمتلئان بالمحبة، ثم قالت دون تردد:
— هسميها نور طبعًا.
تجمدت نور مكانها للحظة، واتسعت عيناها، ثم اغرورقتا بالدموع من شدة فرحتها.
ابتسمت سارة وهي تكمل كلامها:
— مش هلاقي لبنتي أحسن من الاسم ده.
لم تستطع نور الرد.
اكتفت بابتسامة امتزجت بدموعها، بينما كانت تنظر إلى الصغيرة التي تحمل اسمها.
أما أحمد ويونس...
فتبادلا نظرة هادئة، ارتسمت معها ابتسامة صادقة على وجهيهما.
كان كلٌ منهما يشعر بالامتنان لتلك العائلة التي جمعتهم، وبالدفء الذي ملأ المكان، وكأن الله عوضهم جميعًا عن كل ما مروا به من تعب، ليمنحهم في النهاية هذه اللحظات المليئة بالحب والسعادة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ...♡
مرَّ أسبوع كامل منذ قدوم نور (الطفلة) إلى الدنيا، امتلأ البيت خلاله بالضحكات، والهدايا، وتجهيزات السبوع التي كانت تملأ كل ركن بحالة من البهجة.
وقفت نور أمام المرآة بعد أن انتهت من ارتداء فستانها، التقطت قلادتها من فوق التسريحة ورفعتها حول عنقها، حاولت أن تغلق القفل أكثر من مرة لكنها لم تستطع رؤيته جيدًا.
وقبل أن تحاول مرة أخرى...
انعكست صورته في المرآة خلفها.
ابتسم يونس وهو يقترب بخطوات هادئة، ثم رفع يده وأزاح خصلات شعرها الطويلة برفق عن عنقها.
ما إن رأته في المرآة حتى ارتسمت على شفتيها ابتسامة واسعة.
أخذ القلادة من بين أصابعها وقال وهو يركز في القفل:
— سيبيها عليا.
وبكل هدوء أغلق القفل، ثم مرر أطراف أصابعه بخفة فوق القلادة وكأنه يتأكد أنها في مكانها.
لكن بدلًا من أن يبتعد...
لف ذراعيه حول خصرها من الخلف، وأسند ذقنه فوق كتفها، وأصبحا ينظران إلى انعكاسهما في المرآة.
ابتسم وهو يقول بصوت مليء بالعشق:
— تعرفي... كل مرة ببصلك فيها بحس إن ربنا رزقني بالدنيا كلها مرة واحدة.
احمر وجهها بخجل وهمست:
= يونس...
ابتسم أكثر.
— لا بجد... أنا كل يوم بصحى وأقول لنفسي هو أنا عملت إيه حلو في حياتي عشان ربنا يرزقني بيكي... زوجة تشبه القلب، وابن يشبه الحلم.
ابتسمت وهي تحاول الهروب من نظراته في المرآة.
— كل مرة بتتكسفي فيها... بتخليني أقع في حبك من أول وجديد.
ضحكت بخفة وهي تضرب ذراعه برفق.
= بس بقى...
اقترب أكثر وهمس بجانب أذنها:
— لو الزمن رجع بيا ألف مرة... كل مرة هختارك إنتِ.
شعرت بحرارة كلماتِه أكثر من قربه، فاستدارت إليه بسرعة حتى تخفي خجلها وهي تقول:
= يلا يا يونس... هنتأخر عليهم.
رفع حاجبه باستغراب مصطنع.
— يا حبيبتي... ده البيت جنب البيت.
ضحكت وقالت:
= برضو... عايزة أنزل أطمن إن ياسين جاهز.
ضم شفتيه للأمام باعتراض طفولي.
— أممم... يعني اهتمامك كله دلوقتي بقى على ياسين؟
نظر إليها بحزن مصطنع وهو يكمل:
— شكلك نسيتي أبوه خالص... ده حتى طيب أوي.
ضحكت بخجل من غيرته الواضحة، ثم رفعت يديها وأمسكت وجهه بين كفيها.
= مقدرش أنسى حبيبي؟
هز رأسه وكأنه ينتظر الإجابة.
ابتسمت بحب وقالت:
= مستحيل... إنتوا الاتنين أغلى حاجة في حياتي... قلبي بقى مقسوم بينكم، وكل واحد واخد حتة أكبر من التانية.
ضحك وقال:
— طب إزاي يعني؟
= معرفش... بس قلبي عرف يعملها.
ابتسم بعشق، ثم طبع قبلة طويلة على خدها، وأسند جبينه فوق جبينها وهمس:
— عاملك مفاجأة.
اتسعت عيناها بحماس شديد.
= بجد؟! إيه؟! قول بسرعة.
ضحك على طريقتها الطفولية وقال:
— لما نرجع.
عقدت حاجبيها وهي تتمسك بذراعه.
= لا... دلوقتي... عشان خاطري يا يونس... عشان خاطري.
نظر إليها وهو يحاول التماسك أمام نظراتها المتوسلة.
— إنتِ بتستغلي إنك عارفة إني مقدرش أقولك لأ.
ابتسمت بانتصار.
= أيوة.
ضحك وهو يمسك يدها.
— طب تعالي.
قادها حتى باب البلكونة، ثم وقف خلفها، ووضع كفيه برفق فوق عينيها.
= يا يونس... هو إحنا رايحين فين؟
— ثقة فيا وبس.
فتح باب البلكونة ببطء، ثم همس:
— مستعدة؟
هزت رأسها بحماس.
أنزل يديه عن عينيها...
وأزاح الستارة.
تجمدت مكانها.
اتسعت عيناها حتى لمع بداخلهما بريق الدموع.
كانت البلكونة وكأنها قطعة من الجنة...
سورها بالكامل مغطى بأنواع الورود التي تعشقها، الزهور مصطفة على الجانبين بألوان زاهية، تتوسطها جلسة صغيرة يحيط بها الضوء الدافئ، وكأنها صُممت خصيصًا لتحمل اسمها.
فتحت باب البلكونة بسرعة، ودخلت تنظر لكل زاوية بانبهار، تلمس الورود واحدة تلو الأخرى وكأنها تخشى أن يكون ما تراه حلمًا.
وفجأة...
بدأت تقفز في مكانها كالأطفال وهي تضحك.
= كل الورود دي أنا بحبها أوي أوي يا يونس... يااااه... بجد يعني كل يوم أول ما أصحى هشوف المنظر التحفة ده؟!
لفت إليه بسرعة.
= أنا مش مصدقة نفسي...
ابتسمت له بعينين لامعتين.
= شكرًا.
ثم اندفعت نحوه تحتضنه بكل قوتها.
شدها إليه بحنان وهو يبتسم.
رفع ذقنه قليلًا وقال:
— مبسوطة؟
أومأت بسرعة.
= جدًا... إنت متعرفش أنا بحب الورد قد إيه... وقعدة البلكونة دي بالذات.
ابتسم وهو يستمع إليها.
= زمان... لما كنت أحس إني لوحدي كنت أخرج أقعد في البلكونة، كنت ملياها ورد... كانت المكان الوحيد اللي بحس فيه براحة وأمان.
سكتت لحظة...
ثم عادت تدفن وجهها داخل صدره.
رفع يده يمررها بين خصلات شعرها بحنان.
قالت بصوت خافت وهي ما زالت بين ذراعيه:
= بس دلوقتي... مبقتش محتاجة كل ده عشان أحس بالأمان...
رفعت رأسها قليلًا لتنظر داخل عينيه.
= لأنك إنت مصدر الأمان الوحيد ليا...
ابتسمت بحب وهمست:
= بحبك.
أغمض عينيه للحظة وكأن كلماتها لامست قلبه مباشرة، ثم رفع يدها إلى شفتيه وقبّلها برقة.
— وأنا بعشقك... وكل يوم بدعي ربنا يفضل الضحكة دي منورة وشك العمر كله.
ربت على بطنها بخفة وهو يبتسم بمشاكسة.
— وبالمناسبة... المكان ده معمول ليكي... بس فيه شرط.
نظرت إليه باستغراب.
= شرط إيه؟
— كل يوم بعد ما ياسين ينام... هنقعد هنا أنا وإنتِ، حتى لو عشر دقايق بس... من غير موبايلات، ولا شغل، ولا أي حاجة... وقتنا إحنا وبس.
ابتسمت حتى اغرورقت عيناها بالدموع، ثم مدت خنصرها نحوه وهي تضحك.
= وعد.
شبك خنصره بخنصرها.
— وعد.
﴿وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾
انتهت احداث الرواية نتمني أن تكون نالت اعجابكم وبانتظار آراءكم في التعليقات