تنهد ليث للمرة الألف وهو قابع في زنزانته لعله يجذب انتباه المعز الذي يبدو إنه قد نسى أمره تمامًا.
شعر ليث بأن خطته على وشك الفشل, جاء موعد الطعام ليذهب وحيدًا كعادته ويجلس على أحد الطاولات شاعرًا بضيق في صدره وأخذ يحاول أن يبحث عن طريقة أخرى تنجح بها خطته.
أرتفع صوت صاخب بجواره ليدل على جلوس أحدهم، تجاهل هذا الشخص ولم يرفع رأسه لمعرفة هويته فهو ليس في حالة تؤهله للتحدث مع أحد.
-النهاردة بليل حنخرج من هنا.
رفع ليث رأسه سريعًا ليجد المعز قد غادر بعد أن ألقى تلك الكلمات، ابتهج وانبسطت أساريره فخطته نجحت وسوف يخرج من هنا ليثبت برائته.
تجهم فجأه عندما تذكر موعده الليلي مع ضرب العساكر له فأسرع خلف المعز حتى أصبح بجواره ثم قال:-
-بس الضباط بيجوا ياخدوني بليل، إزاي حنخرج؟! وبعدين الحراسة شديدة أفرض اتقبض علينا.
توقف المعز عن السير ثم ألتفت إليه قائلا ببرود ثلجي ليوقف ثرثرته:-
-أنت تنفذ اللي أنا أقوله ده لو أنت عايز تخرج من هنا، بليل تبقى مستعد.
ثم تركه متابعًا طريقه إلى زنزانته بينما ليث فقد اشتعل غضبه من أسلوب المعز في محادثته، كيف لا وهو ليث المعداوي الذي كانت حياته كلها أوامر يلقيها فتُنفذ، ليس فقط في شركة والده التي استطاع جعلها تكبر ولكن بين أصدقائه كان هو دائمًا المسيطر مُتخذ القرارات.
تنهد لسخرية القدر فها هو الآن يربط مصيره بقاتل مأجور، وعليه أن يتبع أوامره كلها دون رفض.
***
خرج مراد من المنزل لمتابعة رحلة البحث عن إسلام لتصله رسالة على هاتفه من أحد أصدقائه والذي قد أوصاه مراد للبحث عن إسلام. كانت الرسالة تنص على أن إسلام قد غادر البلاد منذ أكثر من شهر وهو الآن في كاليفورنيا ولكن لم يستطيعوا تحديد محل إقامته وذلك لعدم استقراره في مكان واحد لمدة طويلة فهو دائم الترحال ما بين الفنادق.
اشتعل الغضب في نظرات مراد بعد انتهائه من قراءة الرسالة ثم تنهد بحنق، لتأتيه مكالمة وحقًا قد جائت في موعدها فقد اختفى حنقه وضيقه في لحظة وكأنه لم يكن. ليبتسم في حب ويجيب بحنان:-
-وحشتيني أوي أوي.
ليرتفع صوت فتاة تقول بضيق طفولي:-
-اه ما هو واضح، أصل موبايلي فصل من كتر ما بتسأل عليا.
تنحنح مراد ممازحًا إياها:-
-إيه قصف الجبهات ده!
-أنت لسه شوفت حاجه، أنت فين يا مراد؟!
أجاب بشقاوة:-
-إيه، وحشتك؟
تلعثمت بفعل الخجل:-
-لا طبعا، أنا بس قلقت.. قصدي بابا قلق عليك.
قال مراد بمكر:-
-بابا برضو! المهم طمني عمي حبيبي أن أنا كويس أوي وبحبه أوي أوي وبوسهولي..واخده بالك أنتِ
شهقت بخجل من وقاحته وقالت بطفولية تسرق قلبه:-
-أنت قليل الادب.
-أنتِ اللي دماغك شمال، واحد وبيبوس عمه إيه حرام في ده؟! وبعدين البنات هنا حاجه كده...
قاطعته بتوعد شرس:-
-عارف يا مراد لو لعبت بديلك لأكون مخلياك البطل في الجزء التاني من المرأة والساطور، وحرميك لكلاب السكك، فاهم؟
ابتلع ريقه بخوف مصطنع قائلا:-
-بنت جزار مش بنت مهندس، أنا بفكر أغير رأيي.
-بتقول حاجه يا مراد؟
-لا أبدًا، بقول ربنا يخليكي ليا.
قالت بأبتسامة:-
-اه بحسب...
قال بعشق يشع في كل حرف من حروف كلماته:-
-أنا بحب أصلا أحلى بنوتة في الكون، كفاية طيبة قلبها وحنيتها، مفيش واحدة كانت حتقبل بيا بعد اللي أنا عملته...
قاطعته بحنان:-
-أنت كبرت في نظري باللي أنت عملته، بالعكس ده كمان خلاني فخورة بيك أوي.
قال مراد بعشق يتضح في نبرات صوته:-
-نميس، أنا بحبك أوي.
أجابت بصوت منخفض تكاد تذوب خجلا:-
-وأنا كمان.
ثم تابعت لتخفي ذلك الخجل:-
-عملت إيه في موضوع ليث؟
-لسه في السجن.
تنهدت وهي تلمس الضيق في كلماته ثم قالت:-
-مراد عايزاك تعرف إن أي قرار حتاخده أنا معاك فيه... أنا حقفل علشان عندي امتحان بكره.
قال مراد ممازحًا:-
-روحي ذاكري يا فاشلة.
قالت بقلق:-
-بس يا مراد، أنا خايفه أوي.
-يا حبيبتي ذاكري أنتي واعملي اللي عليكي، وسيبي الباقي على ربنا.
أردف ممازحًا:-
-وبعدين متقلقيش، أنا حتجوزك حتى لو شيلتي مواد.
-أقفل يا مجنون، شوف أنا بقول إيه وأنت بتقول إيه؟! أقفل يلا، مش فضيالك يا فاشل.
أغلقت الهاتف بدون أن تستمع إلى رده مما جعله يطلق ضحكات صاخبة لفتت النظر إليه، ولكنه لم يهتم فتلك هي مجنونته من أفقدته عقله.
تنهد بحب فهي فتاته الصغيرة التي تستطيع دائمًا أن تخرجه مما هو فيه.
***
بينما ليث يقوم بأعماله اليومية من تنظيف وغيره حتى وجد عزيز أمامه ويبدو عليه الغضب، تنبه ليث إنه قد غفل عن تحويل الأموال إلى الحساب البنكي.
قال ليث مسرعًا:-
-الفلوس حتكون عندك قريب، أول ما أخويا يجيلي زيارة حخليه يحولهم.
هدده عزيز بشراسة:-
-لو الفلوس أتأخرت، أنا...
قاطعه تدخل الضابط المسئول عن المراقبة:-
-فيه حاجه يا سجين أنت وهو؟
قال عزيز وعيناه لا تتزحزح عن ليث:-
-مفيش حاجه يا حضرة الظابط، احنا بس كنا بنتكلم.
ثم همس بصوت لم يسمعه إلا ليث:-
-بنتكلم دلوقتي بس بعد كده...
وترك باقي جملته معلقة، ولكن المعنى كان واضحًا.
فكر ليث أن أول ما سوف يفعله عند خروجه من هنا هو تحويل المال لعزيز، فليس هناك نفع من اكتساب عداوته.
***
انتهى اليوم وأستقر الجميع كلا في زنزانته وانطفأت الأضواء بينما ليث فقد كان في حالة ترقب شديدة وعيناه معلقتان بفراش المعز ينتظر حركته.
ساعة ثم أخرى والمعز لم يتحرك فقال ليث:-
-هوه أحنا حنتحرك أمتى؟
نهض المعز بهدوء وقفز للأرض ثم أعتدل مستندًا بكل استرخاء على الحائط وقال ببرود:-
-لسه الوقت المناسب مجاش.
قال ليث بغيظ وقد ضاق به ذرعًا من ذلك المعز:-
-وحيجي أمتى الوقت المناسب ده؟
ابتسم المعز ببرود وهو يسمع خطوات قادمة في الممر بجوار الزنزانة واعتدل قائلا:-
-دلوقتي.
أعتدل ليث وهو ينظر إلى باب الزنزانة الذي فتح ليخرج المعز وخلفه ليث متتبعين ذلك الخيال أمامهما في ممرات السجن المظلمة حتى وصلوا إلى غرفة، فأخرج الرجل والذي قد أستطاع ليث التعرف عليه في الضوء الخافت، فهو أحد ضباط الحراسة في السجن، بطاقة ليفتح الباب بها و يشير لهما بالدخول ويغلق الباب خلفهما. ألقي المعز بحزمة من الثياب إلى ليث قائلا:-
-ألبس دول بسرعة.
أرتدى كلاهما الثياب الرسمية للضباط في السجن، ليصيح ليث متذمرًا:-
-هيه ديه الخطة اللي حتخرجنا من هنا؟!نتنكر في شكل ظباط يا فرحتي! والمفروض إن حاجة زي كده حتعدي على الظباط عادي ..ديه فكرة مفيش فيلم إلا وهيه فيه.
أخرج المعز المسدس المعلق في سروال الزي، وقد ضاق من تذمره الذي لا ينتهي, ثم وجهه إلى رأس ليث قائلا في برود:-
-لو اتكلمت كلمة تانية مش حتردد ثانية واحدة إني أقتلك، أنا قولت حخرجك من هنا يبقى تخرس خالص وتسيب الباقي عليا.
صمت ليث برغم صخب أفكاره التي جعلت هدفها سب المعز.
فتح الضابط الباب سامحًا لهما بالخروج ثم أعطاهما بطاقات هوية ليستطيعا الخروج من بوابة السجن، وأعطى المعز مفاتيح سيارة ليذهبا بها إلى وجهتهما.
***
تنهد ليث بأرتياح بعدما خرجا من بوابة السجن بسهولة وتنفس عبق الهواء الطلق, توقفا فجأه عندما أرتفع صوت أحد الضباط خلفهما يوقفهما.
أول ما فكر به ليث هو الركض هربًا ولكن كأن المعز قد توقع تفكيره فأشار له بالصمود وألتفتا إلى الضابط الذي كان على بعد خطوات منهما...
نهاية الفصل الخامس
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!