الفصل 4 | من 20 فصل

الفصل الرابع

المشاهدات
11
كلمة
1,147
وقت القراءة
6 د
التقدم في الرواية 20%
حجم الخط: 18
الفصل الرابع


كان ليث في زنزانته ليلا وكالعاده أقبلوا لأخذه فقد حان موعد تعذيبه اليومي لم يجفل عندما جذبوه خارج زنزانته بل ابتسم ساخرًا فقد أعتاد ذلك وأصبح لا يبالي بما يفعلونه به فهو سوف يخرج من هنا عاجلا أم آجلا.

آثارت ابتسامته ضيق من حوله فاشتد عنفهم في ضربه بينما ليث فقد كتم آلامه وضحك عاليًا وبنبرة ساخره قال:-

-ده بس اللي عندكم! واضح إن انتوا ...

اصابته لكمة منعته من المتابعة بينما قال صاحبها:-

-أنا حوريك يا ابن...إزاي تتشطرعليا.

ثم نظر إلى البقية، وتابع:-

-الواد ده يفضل في الحبس الأنفرادي، ويتمنع من الأكل لغاية ما يتربى.

لم تتزحزح ابتسامة ليث رغم تلك النيران المشتعلة بداخله، فقط تبقى القليل له هنا في هذا المكان خاصة إذا سارت خطته على النحو الذي يرغبه.

ألقوا به في الحبس الأنفرادي، ولمن لا يعرفه فهو عبارة عن زنزانة مظلمة تقع بعيدًا عن الزنزانات الأخرى يعتمدون فيها على عنصر الظلام بجانب الحرمان من الطعام لتربية السجين كما يدعون.

***

مر أسبوع أم أكثر! فقد ليث العد فأنهك الجوع قواه وأثار الظلام شجونه فأخذ يفكر ربما هذا هو العقاب الحقيقي، فما أقسى من أن تتوالى الأفكار عليه وتهاجمه في عتاب.

فكر في أمه... كيف حالها بدونه، أمازالت تتشبث بـأمل برائته أم فقدته.

مراد.. أتراه يبحث عن وسيلة لمساعدته وهل يعرض الأمر حياته للخطر؟! فهو تهون عليه سنوات يقضيها في السجن ولا أن يفقد أخاه.

و فكر بها هي ...يا ترى الأعوام قد جففت دموعها، هل الجرح الذي خلفه في قلبها أندمل؟!

أتراها تفكر فيه، أمازال مالك قلبها أم هذا حق لم يعد يملكه؟!

وفي الظلام وكأنه يراها أمامه بتلك البراءة في عيناها ولكنها ممزوجه بأنكسار وألم كان هو المتسبب به، لقد مر أعوام ولكنه كان يدرك بداخله إنه في رحلة هروب مستمرة من ذكرياتها، أخذ طيفها يعاتبه بينما هو يردد في صمت:- أنا أسف، سامحيني...أنا أسف.

انتفض ليث من ذلك الكابوس ليرى الرجال الذين ألقوه هنا يجذبونه يعيدونه إلى زنزانة مختلفة عن زنزانته القديمة.

نظر إلى شريكه الجديد في الزنزانة ولقد كان المعز، يبدو أن الحظ كان في خدمته لأول مرة.

لم يلتفت إليه المعز بل تجاهله كليًا محبطًا كل محاولاته في التحدث.

خرج ليث من الزنزانة وقت الغذاء وقد كان يتضور جوعًا حتى أن طعام السجن أصبح أشهى في نظره. بعد أن تناول الطعام أخذ يبحث بعيناه عن عزيز, ما أن وجده حتى آشار إليه خفيه، وفي الممر المظلم الذي يقود إلى الزنزانات تسلم حزمة من الأوراق بينما قال ليث بخفوت:-

-الفلوس حتجيلك قريب.

عزيز بطمع:-

-خمسة آلاف جنيه، في الورق اللي معاك حساب في البنك تحول الفلوس عليه، ولو الفلوس مجتش أنت عارف اللي ممكن يحصلك.

ثم ألتفت متابعًا طريقه في الممر المظلم بدون الألتفات إلى ليث وبعد خطوات وقد ابتعد عن مرمى بصر ليث نظر إلى الرجل الماثل في الظلام وقال:-

-سلمته الملف اللي أنت ادتهولي يا باشا.

فأخرج الرجل حزمه من الأموال، وأعطاها إليه فأبتهج؛ فقد كان المبلغ يفوق ما سوف يدفعه ليث، فقال:-

-أي حاجه تانيه تؤمر بيها يا باشا، أنا خدامك.

أشار له الرجل بعدم مبالاه وهو يبتسم بسخرية ملتفتًا إلى وجهته فلم يخب ظنه، المال حقًا السحر الوحيد على الأرض.

***

ما أن أخذ ليث الأوراق حتى أسرع إلى زنزانته يقرأ في نهم متشوق لمعرفة حياة المعز.

بعد بضعة دقائق دخل المعز الزنزانه لينتفض ليث ويخبأ الأوراق تحت الوسادة الممزقة التي ينام عليها.

صعد المعز على فراشه الواقع أعلى فراش ليث وما أن أطمأن ليث إنه خلد إلى النوم حتى أخرج الأوراق ليتابع قرائتها.

ما أن انتهى ليث من قراءة الأوراق حتى تأكد من أمرين، أحداهما إن المعز هو شخص خطير أما الأخر هو إنه الرجل المناسب لما في ذهنه.

لا يدرك أيثق به حقًا؟! فالذي أدركه أن المعز نشأ في دار أيتام وبعد بلوغه السن القانوني وخروجه من الدار توجه إلى السرقة وبعدها أصبح قاتلًا مأجورًا.

أصبح له سلطة في هذا المجال, لكن ما أثار تعجبه أن المعز بهذه السلطة يقبع في السجن بينما تخوله علاقاته مع السياسيين أن تخرجه من هنا، إنه لغز جديد في حياة المعز.

خلد ليث إلى النوم وقد أرهقه التفكير.

***

عاد مراد إلى المنزل منهكًا من البحث عن إسلام فكأنه قد اختفى تمامًا ولم يظهر حتى في منزل أبيه في كاليفورنيا، وطبقًا لأقوال ليث فقد كان لا يظهر إلا عندما يتصلوا به ولا يدركون له عنوان خاص به إلا شقة مؤجرة وعندما ذهب مراد إلى تلك الشقة أخبره البواب أن صاحب الشقة لم يأتِ منذ أكثر من شهر...أي تقريبًا منذ دخول ليث السجن، أهرب بسبب ذلك ولكن يظل السؤال...لماذا؟!

أخرجه من تفكيره رنين هاتفه المحمول ليبتسم في بهجة عندما وقع بصره على هوية المتصل, رفع الهاتف إلى أذنه ليسمع ذلك الصوت الطفولي المحبب إليه:-

-عمو مراد، وحشتني أوي.

-وأنت كمان يا حبيبي، عامل إيه وماما عامله إيه؟

قال الطفل ببراءة:-

-ماما بتعيط كل يوم بليل يا عمو، تعالى بسرعةعلشان متعيطش.

استطاع مراد سماع توبيخ الأم له، ليسمع صوتها ورنة حزن به قد أعتادها منذ معرفته بها ليقول:-

-تاني بتعيطي، أحنا مش اتفقنا مش عايز دموعك تنزل أبدًا.

هي ببكاء:-

-غصب عني يا مراد.

مراد بصوت حنون:-

-عارف، بس أنا معاكي ومش حتخلى عنك أبدًا طول ما أنتِ محتجاني.

-عارفه، ربنا يخليك ليا, أنا مش عارفه من غيرك كنت عملت إيه

قال مراد بتوبيخ لطيف:-

-متقوليش كده تاني أنتي عارفه مكانتك عندي كويس، المهم خلي بالك من نفسك ومن حبيب عمو.

أغلقا بعد تبادل الوداع لتلتفت الأم إلى صغيرها وغضب مصطنع على وجهها، فكم من المرات أخبرته ألا يخبر أحدًا تفاصيل شخصية عنهما، مراد ليس بغريبًا ولكن ماذا إذا كان المتحدث شخصًا غريبًا.

نظر إلى والدته وقد أدرك إنها مستائه منه ليلقي بنفسه في أحضانها ويوزع قبلاته الطفولية على وجهها ليتحطم قناع غضبها, وتطلق ضحكات صاخبة, تضمه إلى صدرها مقبلة جبينه ثم تبدأ في تلاوة جزء من القرأن الكريم وهو يردد خلفها بطفولية فتلك عادتها منذ حملها به. بعد دقائق لاحظت توقفه عن الترديد ورائها لتجده قد خلد إلى النوم ببراءة فتبتسم بحنان وتقضي ليلتها تتأمل ملامح طفلها الوسيمة التي تكاد تشبه ملامح أبيه.

***

استيقظ ليث على صوت صاخب أعتاده فهو صوت الضابط المسئول عن إيقاظهم, ابتسم بسخرية فمنذ أكثر من شهر كان يستيقظ عصرًا ويقضي لياليه في الملاهي الليلية، لا شيء دائم حقًا.

كُلف ليث بتنظيف أرضية السجن كله، نظر إلى حاله يرتدي بذلة السجن الزرقاء وبيده أدوات التنظيف ليهمس لنفسه، ديه أخرتها يا ابن المعداوي...تنضيف.

ليتابع بسخط:-

-هوه مفيش غيري ينضف في السجن ده!

قال الضابط المكلف بمراقبته:-

-بتقول حاجه يا مسجون؟

ليبتسم ليث بأصطناع:-

-أذكار يا حضرة الضابط وأحنا داخلين على رمضان وكل سنة وأنت طيب.

-وأنت طيب يا أخويا.

أقترب ضابط أخر، ومعه سجين ليعاون ليث على التنظيف، رفع رأسه ليجد السجين الآخر هو المعز، يبدو أن الحظ في حالة رضى عن ليث.

مرت دقائق والمعز يتجاهل ليث تمامًا حتى قرر ليث أن يكسر الصمت ليقول:-

-أنت ليه مخرجتش من هنا؟

رفع المعز رأسه وقد ظهرت دهشة في عينيه، يبدو إنه لم يتوقع دخول ليث في صلب الموضوع مباشرة.

-وأخرج ليه؟! مليش حاجه بره, لكن هنا باكل وبشرب وعندي سلطة أقدر استغلها وقت ما أنا عايز.

أدرك ليث ذلك فالمعز إذا كان لا يرغب في أعمال السجن الشاقة فلن يجبره أحد عليها.

-أنت ليك حاجه بره؟

ليث بلهفة وقد أدرك إنه قد أقترب من تحقيق هدفه:-

-أيوه طبعًا ليا، أمي وأخويا و...

تردد قليلا أله الحق في أن يدعوها حبيبته، فهي دونا عن نسائه من حفرت مكانًا في قلبه.

-إيه، حبيبتك؟!

تجاهل ليث كلامه متابعًا بجدية:-

- ده غير إني عايز أثبت برائتي مش حعرف أثبتها وأنا هنا.

يبدو أن المعز قد أدرك تلميح ليث ولكنه قرر تجاهل الأمر فهو لم يتحدث إليه مرة أخرى في ذلك اليوم.


نهاية الفصل الرابع



ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...