الفصل السادس
"الطريق مقفول أطلعوا من الناحية التانية."
شكر المعز الضابط بينما كتم ليث تنهيدة أرتياح كادت أن تهرب من بين شفتيه ولحق بالمعز إلى السيارة. ظل الصمت يعم السيارة حتى أبتعدا تمامًا عن السجن ليطلق ليث تنهيدة ارتياح ثم ألتفت إلى المعز الذي يقود السيارة:-
-اطلع بينا على بيتي.
قال المعز بدون أن يلتفت إليه:-
-مينفعش، أول مكان حيدوروا عليك فيه هوه بيتك، دلوقتي حنطلع على شقتي وبكره الصبح حنسافر لأي بلد برا.
قال ليث بغضب:-
-يعني إيه نسافر؟! أنا لازم أفضل هنا علشان أمي وبرائتي اللي...
قاطعه المعز قائلا:-
-اسمعني، برائتك مش حتقدر تثبتها لمه تتمسك تاني، أحنا لازم نسيب البلد.
تسائل ليث بقلق:-
- طيب إزاي؟ وحنسافر فين وأمي و...
قاطعه مطمئنًا:-
-متقلقش، أنا حتصرف في كل حاجه.
تسائل ليث بحيرة:-
-ليه ساعدتني ولسه كمان بتساعدني؟! إيه اللي عايزه في المقابل؟
-هوه لازم أكون عايز حاجه؟
ليبتسم ليث ببرود قائلا:-
-أنا مش ابن أمبارح، الحياة علمتني أن مفيش حد بيعمل حاجه من غير مقابل.
ابتسم المعز وقال:-
-برافو، بتتعلم دروسك بسرعة.
ثم ألتفت إليه متابعًا:-
-لمه أفكر في حاجه عايزها في المقابل حقولك.
وصلا إلى شقة المعز وكانت في مكان غير سكني، فلا يوجد أي بناء آخر في الجوار مما آثار دهشة ليث ليقول المعز:-
-أنا مش بحب الزحمة.
دخلا الشقة ليتفاجأ ليث من أناقتها، والثراء الواضح عليها فالبناء من الخارج لا يوحي بذلك.
-خد راحتك حعمل كام تليفون وارجعلك.
جلس ليث بأريحيه على الأريكه يتنهد بسعادة فقد تصلب ظهره من فراش السجن القاس.
***
كان مراد يجلس مع أم ليث يتسامران، فهي تسترجع ذكريات من طفولة ليث وأخرى عن زوجها المتوفي وكم كان حنونًا, كيف بدأ من الصفر حتى استطاع تكوين ثروة صغيرة. لم ترغب أم ليث بعد وفاته في ترك الشقة التي شهدت أجمل ذكرياتها مع زوجها رغم أن ليث حاول إقناعها لينتقلا إلى فيلا خاصة بعدما استطاع تكبير ثروة أبيه ولكنها رفضت رفضًا قاطعًا حتى رضخ ليث لرغبتها.
تنهدت بعشق وهي تتذكر لحظات حياتها مع زوجها المرحوم.
غمز لها مراد مداعبًا إياها:-
-أيوه يا عم كنتوا قصة حب جامدة.
قالت الأم بخجل:-
-بس يا واد، أتلم.
نهض مراد عندما رن هاتفه ليقول ممازحًا:-
-خلاص أنا داخل أنام لو احتجتي حاجه ناديني.
وأعقب كلامه بأن قبل جبينها. دخل غرفته تاركًا إياها تدعو له وأن يخرج ليث مما هو فيه.
رد مراد على هاتفه قائلا:-
-حمدلله على السلامة...عملت إيه ..طيب تمام ...خلاص متقلقش حتصرف أنا وححصلكم...خلاص يا صاحبي العد التنازلي بدأ وقربت من هدفك، عارف وحيدفعوا التمن متقلقش..سلام.
***
قال ليث للمعز:-
-خلصت اتصالك؟
قال المعز بشرود:-
-أيوه، دلوقتي حنام وبكره الصبح حنطلع على كاليفورنيا.
-أنا عايز أكلم أهلي.
قال المعز في عدم مبالاه بينما يتجه إلى غرفته:-
-التليفون عندك بس متطولش.
كان ليث لا يستسيغ المعز خاصة عندما يلقي الأوامر يمينًا ويسارًا. تنهد بحنق فهو يحتاجه؛ فالهروب لم يكن ليتم من دونه.
اتصل بهاتف المنزل لترد أمه الحبيبة تتسائل عن هوية المتصل ليرد بصوت أجش:-
-أنا ليث يا ماما.
هتفت الأم بدموع:-
-ليث! حبيبي يا ابني, أنت كويس يا حبيبي؟ أنت فين؟
-أنا كويس متقلقيش, أنا...أنا هربت من السجن.
صاحت الأم بلوعة:-
-ليه كده يا بني؟ مصير الحقيقة كانت تبان وتطلع.
أجاب ليث بمرارة:-
-يا أمي أنتِ متعرفيش عالم السجن، مفيش حاجه اسمها أدلة وفرق بين بريء ومظلوم، فيه بس واسطة وفرق بين القوي والضعيف.
قالت الأم ببكاء:-
-شوفت يا بني عقاب ربنا
قال ليث بألم:-
-عارف، أدعيلي أنتِ بس، أدعيلي ربنا يسامحني.
-ربنا يرحمك برحمته يا بني وتثبت برائتك.
خطف مراد الهاتف من الأم عندما تبين له إنها تحادث ليث:-
-أنت فين يا ليث؟
-أنا هربت يا مراد وقبل ما تتكلم ديه الطريقة الوحيدة اللي كانت قدامي، خلي بالك أنت من نفسك ومن أمي ...أنا مسافر بكره، لمه أثبت برائتي حرجع.
قال مراد بأصرار:-
-أحنا مش حنسيبك لوحدك، حنحصلك على كاليفورنيا ونعيش في شقتي هناك.
-مفيش داعي، لازم تفضل مع أمي علشان متتعبش.
قال مراد في إصرار:-
-متقلقش أنا حتصرف، حتسافر أمتى؟
-بكره الصبح.
ثم تابع بتعجب وشك:-
-بس أنت عرفت إزاي إني مسافر كاليفورنيا؟!
تجهم مراد وأخذ يكيل الإهانات لنفسه لذلة لسانه ثم قال متمالكا نفسه:-
-ده طبيعي يعني يا ليث، أي حد بيهرب بيروح هناك ده غير إني توقعت كده خصوصًا أن إسلام هناك.
أهمل ليث الأمر وقد انشغل بموضوع إسلام، الخيط الوحيد لأثبات برائته. انهى المحادثة مع أخيه مفكرًا في كل ما حدث له.
تم تلفيق له قضية قتل والمتورط الوحيد لكل هذا هو إسلام، أحقًا هانت عليه صداقتنا وسلت له نفسه أن يفعل بي هذا..تبقى القليل فقط وسوف يجده، وإذا كان حقًا من فعل هذا لسوف يذيقه ويلات الجحيم، فقتله لن يكفي ولن يعوضه عن أيام العذاب والذل التي ذاقها في السجن.
تمدد فوق الأريكه مفكرًا أن هذا الوغد المعز حتى لم يكلف نفسه أن يحضر له طعامًا مناسبًا أو يمنحه فراشًا كنوع من إكرام الضيف.
سرعان ما وبخ نفسه لتلك الأفكار، فهو هارب من السجن وليس في نزهة.
***
ألتفت مراد إلى أم ليث قائلا:-
-أحنا حنسافر لليث دلوقتي، أنا حجهز كل حاجه.
بالطبع لم تعترض الأم؛ فهي في شوق لأشباع عيناها من ملامح ابنها.
أجرى مراد بعض الأتصالات حتى استطاع توفير طائرة خاصة للسفر مُجهزة بكل الإمكانيات التي تناسب الأم بمقعدها المتحرك. أجرى إتصال آخر لابد منه قبل السفر وطلب من نميس أمرًا كان من دواعي سرورها أن تلبيه من أجله.
***
انطلقت الطائرة بكلا من الأم و مراد. خلدت الأم إلى النوم وبرغم كل شيء لم تستطيع أن تمنع نفسها من الشعور بالسعادة؛ لأنها سوف ترى أبنها بعد تلك الفترة الطويلة التي مرت عليها كأعوام بينما مراد فقد جفاه النوم وقد شعر بالقلق من اللقاء القريب، كيف سيكون؟ أتتقبل الأم زوجته وتعوضها عن حنان الأم أم سوف تُكمل قسوة القدر عليها؟
***
في السيارة المستؤجرة لتوصيلهما إلى المنزل ألتفت مراد إلى الأم ليفهمها الوضع فبرغم إنه لم يقم حفل زفاف إلا أنها زوجته بحكم الشرع وتسكن معه تحت سقف واحد.
-ماما، أنا عايز أقولك حاجه، أنا مش عايش لوحدي.
نظرت إليه الأم بأستفسار فقال:-
-أنا عايش مع مراتي.
تسائلت الأم بحيرة:-
-أنت مش قولت إنك كاتب كتاب بس؟!
-أيوه بس هيه ملهاش حد غيري هنا.
قالت الأم وقد أثار الأمر شفقتها:-
-أمال فين أهلها يا بني؟
أجاب مراد بتلعثم:-
-أهلها...أهلها ماتوا يا ماما.
قالت الأم بحزن:-
-يا حبيبتي يا بنتي.
ثم تابعت:-
-بس أنتوا مش متجوزين بجد صح؟
قال مراد وقد أدرك تلميحها:-
-متقلقيش أحنا كنا عايشين زي الأخوات.
قالت الأم بأرتياح:-
-كويس يا بني برضو البنت يتيمة، ومن حقها تفرح زي البنات ويتعملها فرح.
قبل مراد يدها وقد شعر بالسعادة لمشاعرها الطيبة تجاه زوجته.
***
أدخل مراد الأم إلى المنزل مستخدمًا مفتاحه الخاص وأدرك أن زوجته ليست في المنزل فأخذ يعرف الأم على أرجاء المنزل وقد كان فاخرًا يوضح حالته المادية الجيدة بالإضافة إلى سيارتيه أمام المنزل مما أشعر الأم بالإطمئنان فعلى الأقل أحد ابنائها يعيش حياه طيبة.
قاد كرسيها المتحرك معرفًا إياها بكل غرفة؛ فالثلاث غرف المتجاورة هم غرف النوم وذلك الحمام وتلك غرفة الطعام وذلك المطبخ...
قاطع جولتهما صوت الباب يُفتح فقاد والدته إلى الباب قائلا عندما وجدها زوجته قد عادت:-
-أعرفك يا ماما مراتي...شهد
نهاية الفصل السادس
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!