الفصل 15 | من 20 فصل

الفصل الخامس عشر

المشاهدات
10
كلمة
1,861
وقت القراءة
10 د
التقدم في الرواية 75%
حجم الخط: 18

الفصل الخامس عشر

عاد مراد إلى المنزل وما أن دخل حتى وصل إلى مسامعه أصوات غاضبة مصدرها ليث الذي كان يصيح في جنون بوالدته.

تدخل مراد صائحًا في غضب:-

-فيه إيه يا ليث؟ بتزعق كده ليه؟!

-أمك طردت شهد، سابتها لوحدها في نصاص الليالي وهيه متعرفش حد هنا.

قال مراد في صدمه:-

-إيه؟! ليه يا أمي بس؟

قالت الأم في محاولة منها أن تبرر فعلتها:-

-علشان ديه واحده زانيه، وأنا مش حسيبها تدمر حياتكم، كفايه أوي لحد كده.

نظر مراد بغضب إلى ليث ولكن الأخير لم ينتبه إليه وقد صاح في غضب بينما بواجه والدته:-

-زانيه! ده على أساس إنها زنت لوحدها، أنا فهمتك كل حاجه...هيه ضحيه ليا، فاهمه؟

حاول متجلدًا أن يمنع دموعه وتابع:-

-هيه كانت بتحبني، مش عارف ليه مع إني معملتش حاجه استحق بيها الحب ده!

نظر إلى والدته مجددًا بغضب موجهًا إلى ذاته قبلها وقال:-

-أنا استغليت حبها ليا، أنا هنا الجاني مش هيه.

تخلى مرادعن صمته قائلا بألم:-

-ربنا يسامحك يا أمي، ربنا يسامحك.

وألتفت مغادرًا لتصيح والدته:-

-رايح فين؟

أجاب بدون أن يلتفت إليها:-

-رايح أدور على الغلبانه اللي طردتيها.

صاح ليث بينما يرتدي معطفه على عجل:-

-استنى أنا رايح معاك.

غادرا تاركين الأم تبكي بحسره على ما جنته يداها فقد أعماها الخوف على ابنائها، ولكن شهد ابنه أيضًا ولابد إن لها أم تخشى عليها مثلها.

دعت الله أن تكون بخير فهي تعترف إنها أخطأت عندما حملتها الذنب بأكمله.

***

-أنا أسفه يا نميس، أنا مش عارفه أقولك إيه

قاطعتها نميس بابتسامه حنونه:-

-متقوليش حاجه يا شهد، أنتِ أصلا منوراني والله، وبعدين زي ما أنتِ شايفه أنا وبابا لوحدنا بعد موت ماما الله يرحمها...المهم أنتِ باين عليكِ تعبانه أنا جهزتلك السرير اللي في أوضة فارس؛ كنت حاسه إنك حتحتاجي تكوني جنبه.

ابتسمت شهد بشكر فقد كانت حقًا في حاجه إلى حضن صغيرها، فهو الشخص الوحيد الذي لن يحاكمها بقسوة كما يفعل العالم الخارجي، ولعله يمنحها شعور الأمان الذي تفتقده حاليًا.

دخلت الغرفة التي أعدتها نميس وكان فارس نائمًا على الفراش بكل براءة ركعت بجوار فراشه ودموعها لا تتوقف عن الأنهمار، لمست خصلات شعره برفق وتمتمت:-

-شوفت يا حبيبي اللي بيحصل لماما، دلوقتي أنا مليش حد في الدنيا ديه غيرك، أوعى لمه تكبر تتخلى عني.

تابعت وغصة في حلقها:-

-ساعتها أنا ممكن أموت فيها.

فتح فارس عينيه ثم اتسعت حدقتيه وصاح في بهجة عندما وقع نظره على والدته:-

-ماما!

احتضنته بقوة وهي تخفي دموعها في صدره ثم قالت بحنان بينما تتلمس وجهه:-

-إزيك يا بطل؟ أنا قولت أنام معاك النهارده، إيه رأيك؟

ردًا على سؤالها تحرك جانبًا ليسمح لها بالنوم إلى جواره، وبعد دقائق من الصمت سأل فارس بتردد:-

-ماما، هوه بابا فين؟

نظرت إليه بصدمة فهذا ليس بالوقت المناسب لهذا السؤال، تابع بدون أن يلاحظ الصدمة المرسومة على وجهها والألم الغائر في نظراتها:-

-أنا بحب عمو مراد أوي خصوصًا إنه بيجيبلي لعب وبيحكيلي حدوته بس هوه مش بابا، النهارده صاحبي قالي إني معنديش بابا أصلا وإن أنتِ ضحكتي عليا وهوه مش حيرجع أبدًا.

نظر إليها والدموع في عينيه يتسائل بنبرة طفولية متوسلة:-

-هوه أنا معنديش بابا بجد؟

اشتدت ذراعيها حوله ودموعها ترافقها قائله بألم:-

-لا يا حبيبي أنت عندك بابا وهوه بيحبك بس نام دلوقتي ولمه تصحى حوديك ليه.

صاح ببهجة عارمه:-

-بجد؟!

ثم بكل الطفولة والبراءة بداخله غرس نفسه في صدرها وخلد سريعًا إلى النوم بعد أن حصل على تأكيدها. بينما هي فلم يغمض لها جفن، كتمت بكائها وهي تنظر إلى طفلها بحب، كانت تدرك إن هذه اللحظه قادمة لا محاله...ماذا تفعل أتخبر ليث بوجود ابنه؟ ولكن أسوف يتقبله أم سوف يدفع طفلها المسكين ثمن الخطيئة التي أقترفها والديه؟! خلدت إلى نوم قلق تتخلله الكوابيس.

***

كانا يسيران في الطرقات بحثًا عن شهد بدون جدوى حتى أرتفع رنين هاتف مراد.

أجاب في لهفة:-

-أيوه يا نميس، بجد! يعني هيه عندك؟ الحمد لله أنا جاي أخدها.

صمت قليلا ليستمع إلى ردها ثم اعترض قائلا:-

-بس يا نميس...

صمت برهة ثم تنهد وقال:-

-خلاص ماشي، وبكره حاجي أخدها، شكرًا يا نميس.

استمع إلى ردها ثم ابتسم بحب قائلا:-

-عارف يا حبيبتي، ربنا يخليكي ليا وميحرمنيش منك...بحبك، تصبحي وأنتِ في حضني قريب أوي.

وكما توقع فقد كان من نصيبه أن تغلق الهاتف في وجهه، ابتسم في مرح ثم ألتفت ليخبر ليث إن شهد بخير، ولكن الآخر قد عاجله بلكمة ألقته أرضًا صائحًا بغضب:-

-وكمان بتخونها يا حيوان.

قال مراد بأستفزاز بينما ينهض:-

-وأنت مالك؟! هيه أصلا متخصكش.

بتلك الكلمات فقد ليث سيطرته فهو لم يكن في حاجه إلى أحد يذكره بإنها لم تعد له.

أشتبك الأخان في صراع طويل انتهى بكلاهما ملقيًا على الأرض وقد تثاقلت أنفاسهما بجانب الألم الناتج من الإصابات في وجههما.

قال مراد بصعوبة:-

-شهد بايته عند نميس.

ثم نظر إليه وهو يتابع:-

-مراتي.

ابتسم بسخريه وأردف:-

-كالعاده كنت بصلح اللي بتكسره بس المره ديه اللي كسرته كان قلب واحده خليتها تخسر كل حاجه، وبعد كده سيبتها زي ما تكون لعبة قديمة.

نظر ليث إليه بكل ما يجيش في نفسه من آلام وشعور بالذنب، وقد أدرك إن مراد لم يكن ليتزوج شهد إلا ليصحح الخطيئة التي سبق وأن ارتكبها فبرغم كل شيء يظل مراد هو الأخ الأكبر والمدافع الأول عنه.

ربما أصابه الشك في فترة ما بخصوص ولاء مراد له خاصة عندما أدرك ما صنعه به، ولكن فى نهاية الأمر كان بداخله يقين إن مراد لم يفعل شيئًا إلا من أجله.

قال بعد لحظات من الصمت:-

-أنا غطلت ومعترف بخطيئتي بس صدقني أنا دفعت التمن أغلى مما تتصور.

ثم تركه وغادر بينما مراد فقد تتبع ببصره خطواته في أسى وحزن فليث محق فالثمن الذي دفعه كان صعبًا جدًا. تملكه شعور قوي إن حب شهد مازال مشتعلا في قلب ليث وبالطبع لا يحتاج لمن يخبره عن مشاعر شهد فمكانة ليث في قلبها لم تتزحزح خطوة برغم كل ما فعله.

تنهد في تعب وإرهاق ثم نظر إلى السماء يطلب العون فقد ازدادت الأمور تعقيدًا فوق تعقيدها، ولكن النهاية تقترب فقد تعلم ليث الدرس كما إنهم في طريقهم لتحقيق الأنتقام والعدالة للمعز، وربما قد حان الوقت لإخبار ليث الحقيقة كاملة فيجتمع الأبن بأبيه وتبدأ شهد في إرتشاف رحيق السعادة التي فقدتها.

***

عاد مراد إلى المنزل والإصابات تغطي وجهه، لم يلتفت إلى نداء والدته فهو لا يستطيع مسامحتها على ما فعلته بشهد.

اتجه إلى غرفته وبدون حتى أن ينزع ثيابه تمدد فوق الفراش يرغب في بعض لحظات من الراحة في ظل تلك الضوضاء التي تشهدها حياته.

ارتفع رنين هاتفه ليجدها نميس، لعلها شعرت بما يجيش في خاطره من إرهاق وآلام، أجاب بدون تردد وقبل أن تنطق بحرف قال:-

-كنت محتاج اسمع صوتك قبل ما أنام.

لمست في صوته الأرهاق الذى يشعر به وتمزق قلبها للألم الواضح في صوته

تنهدت في أسى وقالت بتشجيع:-

-هانت يا حبيبي، أنا شايفه إن كده كفايه أوي على ليث.

قال مؤيدًا إياها:-

-عارف وشايف العذاب في عنيه.

تسائلت نميس بحيره:-

-طيب ليه متوقفش كل حاجه، وتقول لليث عن فارس؟!

-معرفة ليث بوجود فارس ده قرار شهد في الأول والآخر، وأنا مش حغصب عليها حاجه.

صمتت برهة ثم قالت بحب:-

-عارف، ديه أكتر حاجه حبيتها فيك.

تسائل مراد بابتسامه:-

-اللي هيه إيه؟

تابعت نميس:-

-رجولتك مع شهد رفعتك في نظري أوي برغم إني كنت مصدومه لمه عرفت أول مرة بس بجد ديه حاجه خلتني أحبك أكتر، خلتني عندي ثقه في الراجل اللي أنا متجوزاه، وإزاى لمجرد إن واحده شايله ابن أخوك خلتها تحت مسئوليتك. أنا فخوره بيك أوي أوي، وفخوره إن أنا مراتك.

اتسعت ابتسامته وقال في مرح:-

-واضح إنك واقعه أوي.

ثم أردف قائلا في صدق:-

-أنا برضو بحبك أوي وفخور بيكي، واحده تانيه كانت ممكن تصمم إني أطلق شهد بس أنتِ وقفتي جنبي في كل خطوه بعملها لحد دلوقتي، حتى لوغلطت بتوجهيني ومبتتخليش عني أبدًا، في الأول أنا كنت بحبك بس...بس دلوقتي الموضوع عدى الحب بمراحل أنتِ بقيتي أغلى حاجه في حياتي، ربنا يخليكي ليا.

أجابت نميس بخجل:-

-ويخليك ليا، تصبح على خير.

قال بحب:-

-وأنتِ من أهلي.

***

كان ليث يتجول على غير هدى في الشوارع حتى وجد نفسه أمام أحد المساجد التى أقامها العرب المسلمون في كاليفورنيا، دخل المسجد بخطوات هادئة فأخذ يصلي ويدعو الله أن يغفر له وأن تقبل شهد بالعودة إليه فالذى فهمه إنها لم تتزوج مراد عن حب بل فقط كان مجرد إنقاذ لها.

كل ما يرغب به هو فرصة واحدة ليثبت لها إنه قد تغير، وحينها سوف يحرص تمامًا على إسعادها وتعويضها عن كل ما عانته بسببه.

لم يملك أي رغبة في العودة إلى المنزل، اتصل بهاتف المنزل لترد والدته، قال بأقتضاب:-

-أنا مش حرجع البيت.

تسائلت الأم بلوعة:-

-أنت فين يا ابني؟! أنا عارفه إني غلطت...

قاطعها ليث:-

-أنا مش قادر أرجع، شهد غلطتها إنها حبتني فبلاش تكرهيها.

قالت الأم بحزن:-

-عارفه يا ابني، هيه ترجع وأنا حتأسفلها.

-أنا حقفل دلوقتي، نامي يا أمي، متقلقيش كله حيتحل.

***

استيقظت شهد على قبلات تطبعها شفاه صغيرة فوق وجهها، فتحت عيناها لتجد فارس، ابتسمت بحب وقالت:-

-صباح الخير يا حبيبي.

-صباح النور يا ماما.

ثم تابع في لهفة:-

-حنروح النهارده لبابا؟

أجابت بأبتسامه باهته:-

-أيوه يا حبيبي حنروح النهارده لبابا، يلا بينا نلبس بقى.

أرتدى كلاهما ثيابهما ثم اتجهها إلى الخارج ليجدا نميس ووالدها في انتظارهما على مائدة الإفطار.

لم تكن شهد قد قابلت والد نميس فقالت بتهذيب:-

-إزي حضرتك يا عمو؟ أنا أسفه إني جيت إمبارح في وقت مش مناسب.

أجاب الأب بحنان:-

-ده بيتك يا بنتي، نميس قالت إن فيه مشاكل مع جوزك، اسمعي مني يا بنتي حاولي تعدي لجوزك علشان المركب تمشي.

أومأت شهد بينما تجلس في مقعد بجوار نميس وبجوارها فارس. همست نميس لها بمرح:-

-اه لو يعرف اللي فيها، مش بعيد نبقى كلنا كده في الشارع.

كتمت شهد ضحكاتها فحقًا الأمر لا يصدق فوالد نميس ينصح زوجة زوج ابنته بأن تطيع زوجها.

اختفت ابتسامتها وهي تفكر إن الأمر قد أصبح كمسلسل فاشل وقد حان الوقت أن تنسحب من حياة نميس ومراد، وتترك المجال لحبهما أن يتوج بالزفاف.

***

كانت شهد تسير بجوار نميس التي أصرت على التسوق معًا قبل ذهابها بينما فارس فقد كان يركض أمامهما في مرح بين الألعاب في ركن الأطفال في المول.

قالت نميس بحنان:-

-متقلقيش يا شهد، أنا متأكده إن ليث اتغير وأكيد حيحب فارس.

قالت شهد بقلق:-

-يا رب يا نميس.

بعد دقائق ألتفتت شهد إلى فارس فقد حان وقت الذهاب ولكنها لم تجده.

أخذت تبحث وبجوارها نميس تسأل من حولها عن الصغير، ولكن لم يجدوه في أي مكان داخل المول حتى بعد تدخل أمن المكان. أجهشت شهد ببكاء عنيف يرج أوصالها وهي تصرخ:-

-ابني فين؟ فارس! أنت فين يا حبيبي؟ رجعولي أبني.

ضمتها نميس وهي تحاول أن تتصل بمراد ولكن هاتفه مغلق، فأخذت شهد في سيارتها واتجهت إلى منزل مراد بدون أن تهتم بأي شيء أو بأشارات المرور التي تتخطاها فنحيب شهد وآهاتها مزقاها أربًا. ألمها ضميرها فهي من أقترحت التسوق، ولو لم يكن هي لكان فارس الآن في أحضان والدته.

***

نهض مراد فزعًا من نومه على دقات صاخبه على باب المنزل، خرج مسرعًا بينما والدته فكانت تتحرك ببطء بسبب مقعدها المتحرك.

فتح الباب ليجد نميس وشهد التي ألقت بنفسها في أحضانه وهي تردد بهستيريه:-

-ابني راح خلاص، ابني راح يا مراد.

صاح مراد بينما يضمها محاولا أن يبث الطمأنينه بداخلها:-

-إيه اللي حصل؟

قصت نميس عليه ما حدث وكيف إن مدير المول قد أبلغ الشرطة ولكنهما ذهبتا قبل مجيئهم فشهد كانت في حالة مؤلمة من الهستيريا.

-أهدي يا شهد، ابنك حيرجع متخافيش.

-ابن مين؟!

ألتفتوا إلى ليث الذي يقف أمام باب المنزل، وما أن رأته شهد حتى أسرعت إليه وتشبثت بثيابه تتوسله:-

-ابننا راح يا ليث، رجعهولي أبوس إيدك.

أردفت في هذيان:-

-ده كان عايز يشوفك، كنت حاخده يشوفك بس دلوقتي راح.

وقف مذهولا ثم تمتم في صدمه:-

-ابني!

جذبه مراد قائلا:-

-تعالى معايا، نميس خليكي مع شهد.

احتضنت نميس شهد والتي كانت مستمره في البكاء بينما تردد في حسره وألم:-

-ابني ضاع...ابني راح خلاص. رجعولي ابني، رجعولي فارس.

نهاية الفصل الخامس عشر

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...