الفصل الرابع عشر
تجمد ليث عندما أطلقت والدته هذا السؤال، لم يلتفت لا يملك أن يواجهها أو يمنحها أي جواب وقد فقد قدرته على إطلاق الأكاذيب فإن تحدث الآن لن يملك إلا أن يقول الحقيقة.
سمع صوت مقعدها المتحرك يقترب منه، قالت:-
-متنكرش يا ليث، أنا عارفه إن فيه حاجه، علاقتك بمراد بقت غريبه، ده غير نظراتك لشهد. الأول كنت بقول يمكن بيتهيألي بس الطريقه اللي مشيت بيها وسيبت البيت خلتني متأكده إن فيه حاجه.
ألتفت إليها لتشهق الأم عندما رأت دموعه، وبدأ يقص عليها كل شيء...تعرفه على شهد وعلاقتهما، كيف تخلى عنها بكل خسة ودناءه، والأهم أخبرها بما فعله مراد وكيف إن كل شيء كان مجرد كذبة.
بعدما انتهى من أخبارها بكل شيء اتجه إلى غرفته تاركًا إياها تشعر بالصدمة والخذلان من طفليها فالأول زاني والآخر كاذب.
تذكرت في تلك اللحظة عندما طلب منها مراد ألا تغضب منه مهما كان، لقد كان هذا ما يقصده بالتأكيد.
تملكتها الحيره فكيف تتصرف في مثل هذا الوضع, شعرت بالغضب من كليهما؛ لأنهما تسببا في جعلها على هذه الحالة.
ليث الذي لم يراعي حرمة الغير ومراد الذي تزوج من زانيه، كيف آمن على بيته في وجود زانيه.
انقبض قلبها بينما تفكر أيمكن إن جوازهما خدعة وهو الآخر زاني؟
انهمرت دموعها حسرة على ابنائها وعقدت اليقين إنها لن تنتظر حتى تجعلها تلك الحرباء تفقد ابنائها، لقد انخدعت في إدعائها للطيبة والحنان أمامها حتى دفعتها لكي تعتبرها كأبنة لها.
***
ذهب مراد إلى منزل المعز والغضب كنار مشتعلة في قلبه، دخل المنزل حيث كان بحوزته مفتاح من قبل ليجد المعز جالسًا فوق الأريكه وعلى قدميه حاسوبه المحمول ويبدو عليه التركيز الشديد.
صاح مراد بغضب:-
-طبعًا قاعد هنا، ولا على بالك.
قال المعز ببرود بدون أن ينظر إليه:-
-خير، إيه اللي حصل؟
نظر إليه مراد بغيظ فبرغم طوال سنين صداقتهما إلا إن اسلوبه البارد والذي ازداد مع وفاة زوجته مازال يثيرغضبه فقال:-
-أنت إزاي تخليهم يضربوا ليث؟! ده مكنش اتفاقنا.
ولأول مرة يخرج المعز من حصونه الباردة فيقول بغضب وقد ألقى الجهاز على الأريكه ونهض ليكون في مواجهة مراد:-
-علشان مكنش عندي ثقتك في إنه بريء، أفرض كان شغال معاهم ما هوه صاحب إسلام برضو، وأنا مش حسامح حد، والكل حيتعاقب ويدفع التمن.
أردف بشراسة:-
-أنا بنتي مرميه في المستشفى من ساعة ما شافت أمها بيغتصبوها ويقتلوها قدام عنيها، بنتي منطقتش بحرف من ساعتها، وأنا فضلت الوقت ده كله بحضر لأنتقامي لغاية ما قابلتك وعرفت حوار أخوك وقررت إن هدفنا يعتبر واحد بس مكنش عندي ثقه لا في أخوك ولا في اسلام، وفضلت أدور وراهم يمكن اثبت إن أخوك بريء ومتأكدتش من برائته إلا لمه لقينا إسلام.
تابع بلهجة من المفترض أن تكون إعتذارًا ولكن بالطبع لن يعتذر المعز بكل غروره مباشرة:-
-يمكن أنا اتسببت في توتر بينك وبين أخوك بس غصبًا عني، أنا مش حسيب حق مراتي وبنتي.
رغم غضب مراد إلا أن شعور الشفقه بداخله قد طغى، فمجرد التفكير في أن يصيب نميس مكروه يصيبه بالذعر، ولذلك كان يتفهم مشاعره.
قال مراد مغيرًا اتجاه الحديث:-
-أنت بتعمل إيه دلوقتي؟
-بدور على معلومات عن صفقات الحسيني، الموضوع ده طول أوي ولازم يخلص.
قال مراد بتعجب:-
-تعرف أنا بجد مستغرب إنك برغم كل شيء عايز تاخد حقك منه بالقانون وتحبسه.
قال المعز ببرود:-
-مش علشان سواد عيونه بس علشان خاطر بنتي، إيه اللي حيجرالها لمه أبوها ياخد إعدام في قاتل ولا يسوى.
كان يعرف كم يؤلم هذا الموضوع صديقه، فبرغم مرور السنين مازال الجرح مفتوحًا، قال:-
-تحب أساعدك في حاجه؟
-لا مفيش بس حاول تقول لشهد إنها لازم تبقى صاحيه خصوصًا إن صفقات الحسيني اللي جايه كلها سلاح ومخدرات، فلازم تدقق في أي ورق ممكن يدينه.
-لو حصلها حاجه أنا...
قاطعه المعز:-
-متقلقش، مش حسمح بده يحصل.
قال مراد بشراسه:-
-أتمنى بجد، لأن لو حصلها حاجه موتك مش حيكفيني.
تسائل المعز بمكر:-
-أنت حبيتها ولا إيه؟
أجاب مراد بحنان:-
-شهد هيه الأخت اللي أمي مخلفتهاش، ثم خليك في اللي أنت فيه، أنا ماشي...سلام.
ضحك المعز عاليًا وهو يرد:-
-سلام.
***
عادت شهد إلى المنزل تشعر بسعادة هائله بعد قضاء يوم طويل مع طفلها لتجد والدة ليث في حجرة المعيشة فقالت:-
-السلام عليكم، إزيك يا ماما؟
أجابت الأم ببرود وضيق:-
-وعليكم السلام.
تسائلت في قلق:-
-هوه فيه حاجه حصلت يا ماما؟
قالت الأم بضيق وعصبية ليس لها داع:-
-مفيش حاجه, إيه أنتِ حتحققي معايا ولا إيه؟!
شحب وجه شهد وترقرقت دمعة حزينه في عينيها:-
-العفو يا ماما أنا مش قصدي، عن إذنك أدخل أوضتي.
لم ترد الأم بينما شهد فقد انهمرت الدموع السجينه في عينيها وهي تفكر في سبب تغير معاملة الأم لها.
شهقت في خوف أتراها قد أدركت ماضيها مع ليث، هل ليث أخبرها؟ لكن لماذا يفعل هذا؟!
تنهدت بأسى يبدو إنها حقًا ممن لم تكتب لهم السعادة في الحياه.
***
دخل مراد المنزل ليجد والدته في انتظاره ومن تعابير وجهها أدرك إن اليوم مازال يحمل له الكثيرمن التصادمات.
حاول أن يبتسم رغم القلق بداخله وقال:-
-مساء الخير يا ست الكل، عامله إيه؟
نظرت إليه الأم في صمت ثم قالت بلوم:-
-هان عليك أخوك يا مراد ترميه في السجن؟!
شحب وجهه عندما أدرك إنها قد عرفت ثم قال بألم:-
-والله العظيم مكنتش عايز آذيه، أنا بس كنت بحاول أساعده، أخليه يبعد عن العيشه اللي كان بيعيشها... خمره وستات وكل حاجه حرام.
ركع بجوارها وأردف:-
-متزعلش مني يا ماما, والله العظيم أنا بحب ليث، ده ابني وأخويا وأنا عمري ما أفكر في أي أذيه ليه.
ربتت على رأسه ثم ابتعدت بمقعدها في صمت واتجهت إلى غرفتها، أدرك مراد إنها لن تنسى الأمر بسهولة، فليث مهما عمل سوف يظل ابنها الذي تخشى عليه من نسيم الهواء.
بينما الأم فقد وجهت العتاب واللوم لنفسها لأنها لم تتحدث معه في موضوع شهد، ربما يرجع ذلك إلى خوف عميق في نفسها فليس لها قدرة على تحمل صدمة أخرى في ابنائها.
رغم الألم الذي شعرت به عندما دخل ليث السجن إلا إنها عندما تراه يصلي أو يحاول أن يغض بصره عن شهد رغم ماضيهما المشترك تدرك إن مراد محق فلم يكن ليث ليتغير لولا ما حدث له.
***
استيقظت شهد فى اليوم التالى ومازالت تشعر بحيره من تصرف والدة ليث، وقد بدأت تثق إن ليث قد تصرف بحماقه وأخبر والدته.
ترقرقت العبرات فى عينيها، إنها لا تهتم حقًا بنفسها ولكنها تخشى أن تسبب مشكله بين مراد ووالدته فيكفي توتر العلاقة بينه وبين أخيه.
أثناء شرودها وهى تمشط شعرها لم تلحظ أن مراد قد استيقظ وكان ينظر إليها بحزن وهو شبه متأكد إن والدته قد اسائت معاملتها، وعقد اليقين إنه لن يخبرها أن والدته قد أدركت الحقيقة بما إن الأخيره لم تذكر شيئًا عن العلاقة القديمة بين شهد وليث، ولذلك لن يتسبب فى توتر مشاعر شهد بدون سبب على أمل أن يكون ليث لم يخبر والدته بخصوص هذا الماضي.
ألتفتت شهد عندما وجدت انعكاس صورة مراد فى المرآه، ابتسمت ابتسامة لم تصل إلى عينيها وقالت:-
-صباح الخير.
نظر إليها بحنان وهو يدرك ما يجول فى خاطرها، وقال:-
-أنتِ كويسه؟
كذبت قائلة:-
-أيوه طبعًا حيكون مالي يعني، أنا حلبس عشان رايحه الشغل.
قال مراد بقلق:-
-متأكده إنك حتكوني كويسه؟! لو مش عايزه تروحى أنا ممكن...
ابتسمت عندما أدركت قلقه عليها فطالما كان ينصب نفسه مسئولا عنها فقاطعته قائله:-
-متقلقش، سبها على ربنا وأنا حبقى كويسه، وزى ما قولتلك أنا بعمل كده علشان ده حق لازم يرجع.
وبالفعل استعدت شهد للذهاب إلى العمل كما أعدت الإفطار لوالدة ليث، ولكنها طلبت من مراد أن يدخله إليها تجنبًا لأي إزعاج قد تسببه لها.
***
تنهدت شهد بقلق وتوتر بينما تقف أمام المبنى الشاهق للشركه، دعت الله أن يوفقها فى هذا الأمر ويبعد عنها شر عصام الحسيني.
اتجهت إلى مكتبها لتجد عصام الحسيني في انتظارها وبحوزته باقة من أزهار البنفسج.
شعرت بمزيج من الأشمئزاز والخوف عند رؤيته، ولكنها حاولت أن تخفي مشاعرها ولا بد إنها نجحت فعندما رآها أقبل عليها وهو يغمرها بكلمات الإعتذار الواهيه.
تقبلت إعتذاره بابتسامه كاذبة وتقبلت باقة الأزهار وهى تغمغم بكلمات شكر دون معنى.
تابعت عملها ومر اليوم بسلام حتى أرسل عصام فى طلبها، ذهبت إليه وجله فمنحها بعض الأوراق وقال:-
-سناء، الأوراق ديه مهمه جدًا خليها فى الخزنه لغاية ما اطلبها منك.
أجابت شهد بكل عمليه:-
-تحت أمرك يا فندم.
ذهبت شهد لتضع الأوراق فى الخزنة ولكن قبلها بدأت تتفحصها لتجد ما أخبرها به مراد في الصباح، إنها إحدي الصفقات الغير شرعية التي أخبر المعز مراد بها، ولذلك بدلا من أن تضع الأوراق استبدلتها بأوراق طباعة بدون أي أهميه ووضعتها في الملف ومن ثم الخزنة بينما الأوراق الهامة فقد احتفظت بها في حقيبتها.
انتهت ساعات عملها المليئة بتوترها وقلقها من أن يُكشف أمرها، غادرت إلى المنزل سريعًا بينما عصام فقد ظل فى مكتبه وقد كان يراجع بعض الأوراق حتى دخل أحدهم مكتبه ليترك ما فى يده ويتحدث قائلا:-
-عملت إيه في اللي قولتلك عليه؟
لم يتحدث الشخص وقدم إليه حزمة من الأوراق التي ما أن قرأها حتى ظهر غضب شديد على وجهه، وقال بلهجة تجمع ما بين التعطش للإنتقام والغضب:-
-حخليهم يدفعوا التمن، مش عصام الحسيني اللي شوية عيال يضحكوا عليه.
***
عادت شهد إلى المنزل ولم يكن مراد قد عاد بعد فطبقًا لما أخبرها به في مكالمته الأخيره سوف يقضي وقتًا طويلا مع المعز للإنتهاء من هذا الأنتقام ليعم السلام على حياتهم.
وجدت والدة ليث في انتظارها، والتي ما أن رأتها حتى قالت بجمود:-
-أنا عايزه أتكلم معاكي.
تحركت خلفها وقلبها تتسارع دقاته فزعًا.
ألتفتت الأم إليها وقالت:-
-بصي يا بنتى ربنا اللي يعلم أنا اعتبرتك زي بنتي بس أنا مش حسمح لواحده زانيه زيك تدمر حياة عيالي، ليث غلط وأهو أتعاقب على أيد مراد، ولكن مش حسمح لمراد إنه يقع فى نفس غلطة أخوه، ياعالم أنتوا متجوزين فعلا ولا لأ فبصي يا بنتي خدي القرشين دول، وأبعدي عن حياتنا.
كانت الكلمات تجلدها حتى أجهشت بالبكاء وارتفع نحيبها، وقالت بحزن وألم شديد:-
-مفيش داعي تديني فلوس، وربنا يعلم إن أنا مكنتش عايزه أي حاجه من دي تحصل خصوصًا إن مراد خيره عليا وإنه أنقذني من مصير أسوء من الموت، أنا حمشي بس أنا عايزه حضرتك تعرفي إني اعتبرتك زي أمى ومقدرش ألومك إذا كانت أمي نفسها أتخلت عني.
غادرت شهد بدون أن تنتظر ردها أو تحضر ثيابها.
كانت تسير في الشوارع الخالية على غير هدى ولحسن الحظ كان معها هاتفها المحمول، ولكنها تدرك إنها عاجزه عن الإتصال بمراد فيكفي ما يصيبهم من وراء رأسها، وهنا جاء في ذهنها الشخص الوحيد الذي يمكن له إنقاذها من هذا الموقف، والذي تستطيع أن تستنجد به بكل أمان فأخرجت هاتفها وأجرت الإتصال .
نهاية الفصل الرابع عشر
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!