الفصل 7 | من 20 فصل

الفصل السابع

المشاهدات
15
كلمة
1,440
وقت القراءة
8 د
التقدم في الرواية 35%
حجم الخط: 18

الفصل السابع

كادت قدم شهد أن تخونها، وهي تجد نفسها وجهًا لوجه أمام والدة ليث، فهي كانت تتوقع قدوم مراد رغم إنها تعجبت من طلبه أن تترك ابنها فارس مع نميس لبضعة أيام، ولكنها نفذت طلبه فهي تثق به ثقة عمياء. لم تتوقع أبدًا أن يحضر معه والدة ليث أتراه أخبرها بما حدث في الماضي رغم إنها تستبعد ذلك فهو قد وعدها ألا يخبر أحدًا.

كتمت تنهيدة إرتياح عندما قالت الأم بحب أثلج صدرها:-

-تعالي يا بنتي، قربي مني علشان أشوفك كويس.

تركت شهد الحقائب التي كانت تحملها بأيدي مرتجفة وأقتربت منها راكعة بجوارها فأحتضنتها أم ليث، كان حضنًا دافئًا قد أفتقدته كثيرًا حتى كادت أن تجهش بالبكاء كطفلة صغيرة في أحضانها. أبعدتها الأم قليلا لتتأمل ملامحها وثيابها وحجابها ثم قالت بحب:-

-بسم الله ما شاء الله، عرفت تختار يا واد يا مراد، مراتك زي البدر.

أحاط مراد الأثنين بين ذراعيه قائلا بغرور مصطنع:-

-أكيد طبعًا مش ذوقي لازم تطلع حلوة زيي.

ضحكت الأم لمزاحه بينما شهد فقد ارتسمت ابتسامة مرتجفة فوق شفتيها فأشتد أحتضان مراد لها كأنه يرسل لها رسالة يخبرها إنه هنا من أجلها دائمًا وأبدًا لتنظر إليه في إمتنان وقد تلقت الرسالة، فسوف يظل مراد منقذها.

***

ما أن ترجل ليث من الطائرة حتى طلب من المعز أن يوصله إلى العنوان الذي أخبره به مراد.

ألتفت إلى المُعز قائلا:-

-أنا مديون لك، وأتأكد إني حردلك الدين.

ابتسم المعز قائلا بغموض:-

-أنا متأكد من ده.

لم يهتم ليث بالمعنى وراء كلماته وترجل من السيارة متجهًا إلى منزل أخيه.

***

كانت شهد في المطبخ تعد الطعام لوالدة ليث، تلك المرأة الحنونة التي شعرت وكأنها أم لها.

تتبهت إلى علو الأصوات في الخارج وكأن مراد يرحب بقدوم أحد، جففت يداها في المنشفة المجاورة لها وعدلت من وضع حجابها ثم خرجت لترحب بذلك الزائر.

تجمدت عندما ألتفت الشخص الذي كان يحتضن الأم لتجده ليث.

كان حال ليث لا بختلف عنها كثيرًا وقد أصابه الذهول؛ فهو لم يتوقع أبدًا أن يراها، وأين؟! هنا في منزل أخيه!

قال مراد وقد وقف بجوار شهد محتضنًا إياها:-

-أقدملك مراتي يا ليث.

يا الله، لقد أخطأت كثيرًا، وأستحق العقاب ولكن أترجاك ليس هذا العقاب القاسي.

أومأ لها مرحبًا بوجه شاحب بينما هي، فما أقسى المشاعر التي تجيش في صدرها، فرؤيتها له قد أعادت لها الماضي بكل قسوته. ألتفتت تغمغم إنها سوف تكمل إعداد الطعام.

وما أن ابتعدت عنهم حتى استندت إلى الحائط وكممت فمها تمنع صوت شهقاتها من العلو بينما الدموع تنهمر بغزارة فوق وجنتيها، والألم في صدرها لا يُحتمل.

سمعت صوت مراد يناديها فجففت دموعها بسرعة لترد بدون أن تلتفت إليه:-

-ثواني والأكل حيكون جاهز.

غسلت وجهها محاولة أن تخفي آثار بكائها ثم تابعت إعداد الطعام.

***

تجمع الجميع حول المائدة لتناول الطعام، وكانت دعابات مراد هي الصوت الوحيد الموجود بينما ليث فيطلق ابتسامة شاحبة.

تسائلت الأم في حنان وقد انتبهت إلى عدم تناول شهد الطعام:-

-مش بتاكلي ليه يا حبيبتي؟

أجابت شهد:-

-أبدًا يا ماما، أنا باكل أهوه.

-معلش يا بنتي، أحنا جينا تقلنا عليكِ في بيتك.

قالت شهد بأستنكار:-

-لأ طبعا يا ماما متقوليش كده، ده بيتك.

مراد وقد أحاط شهد بأحد ذراعيه:-

-يا ماما أنتِ نورتي بيتنا.

انتفض ليث وقد استهلك كل طاقته في التحمل. ألتفت إليه الجميع ليقول:-

-أنا شبعت الحمد لله.

اتجه إلى الغرفة التي سبق أن جهزها له مراد, أغلق الباب خلفه، وانهمرت دموعه بدون أن يستطع إيقافها، تمتم في توسل:- يا رب أنا عارف إني عملت حاجات غلط كتير وأستحق العقاب بس العقاب ده صعب أوي، أنا مش حقدر أتحمل، مش حقدر أشوفها قدامي وهي مرات أخويا ...مش حقدر أتحمل المشاعر اللي جوايا وأنا عارف إني حرام أحبها وهي مُحرمه عليه.علاقتي بيها كانت من الأول غلطة بس أنا توبت والله وهي كمان شكلها تابت، سامحنا يا رب.

***

دخلت شهد غرفتها بعد أن ساعدت الأم على النوم في غرفة مراد بينما مراد فسوف يشاركها غرفتها.

تنهدت في ألم فرؤيته اليوم قد بعثت الحياه في ماضِ قد ظنت إنها نسيته، ولكن من تخدع فقد تناست الأمر وكأنه لم يكن، ولكنه حدث فعلا وها هي تواجهه في صورة ليث، الشخص الذي ظل أعوامًا محور كوابيسها وظلت تلك العلاقة وصمة عار في حياتها.

دخل مراد الغرفة يتأمل حركاتها المتوترة التي يدرك سببها. ألتفتت إليه عندما شعرت بوجوده، حاول أن يتحدث ويبرر سبب ما فعله ولماذا أخفى عنها الأمر ولكنها أشارت له أن يصمت وقالت بنبرات باكية:-

-كنت عارف إنه حيجي ومقولتليش، كنت عارف إني مش حقدر أتحمل إني أشوفه قدامي...عارف أحساسي إيه دلوقتي؟

لم تنتظر إجابته وأردفت في ألم:-

-حاسه إني مهما عملت مش حنضف أبدًا، مش حبقى واحدة محترمة زي أي بنت.

ضحكت بسخرية مريرة متابعة:-

-أصلا مفيش بنت محترمة تغلط مع واحد لمجرد إنه قالها كلام حلو، مفيش...

قاطعها مراد وقد أغضبه أن تنعت نفسها بأبشع النعوت وقد عرفها بشكل كافي ليدرك أخلاقها:-

-متقوليش كده أنتِ فاهمه؟ أنتِ أحسن واحدة...

لتقاطعه بهستيرية:-

-أنا واحده زباله غلطت مع واحد من غير جواز حتى العرفي كنت رخيصة أوي ومطلبتوش، وأنت كان ذنبك إيه تتجوز واحدة زيي؟! لأ واللي كمان غلطت معاه يبقى أخوك.

أردفت بصوت منخفض وقد أنهكها فيض المشاعر بداخلها:-

-وكمان خلفت ابن منه.

أقترب منها يضمها بقوة لتتشبث به وتجهش بالبكاء بمرارة وحرقه، أخذ يربت فوق رأسها ببطء حتى سكنت بين أحضانه وتوقفت عن الأرتجاف فقال بصوت حنون بعد أن أجبرها على مواجهته:-

-أحنا مش اتكلمنا في الموضوع ده قبل كده، أنتِ فاكره الناس كلها كويسه وملايكه مش بيغلطوا؟! أحنا بشر, اه غلطتك كانت كبيرة بس أنا شوفتك أكتر من أربع سنين وأنتِ بتكفري عنها بصلاتك وحفظك لكتاب ربنا، كنت بسمعك وأنتِ بتعيطي في كل صلاة بتترجي ربنا يسامحك... ربنا غفور ورحيم أوي بعباده، تفتكري اللي ربنا بيحميه ويستره حيجي عبد ضعيف يفضحه؟

لم ينتظر ردها وأردف:-

-لأ طبعا، أنتِ توبتي وربنا إن شاء الله يتقبل توبتك، مش عايز أسمعك تقولي الكلام ده تاني وخلي عندك ثقة في رحمة ربنا.

أومأت شهد وقد أطمئن قلبها قليلا بفعل كلمات مراد التي خففت من آلامها.

تابع مراد:-

-ارتاحي دلوقتي وأنا حروح أشوف موضوع ليث ده.

أوقفته تتسائل بهمس:-

-أنت مقولتلوش صح؟

ابتسم مراد وقال مطمئنًا:-

-متقلقيش سرك معايا، ومفيش حد أيًا كان حيعرفه بدل أنتِ مش عايزاه يعرف.

غادر تاركًا أياها تفكر في رحمة الله عز وجل وتدابير القدر التي ساقت شخصًا كمراد في طريقها، فقد أعتنى بها كما لم يسبق لأحد أن فعل وبدون أن يطلب شيئًا في المقابل.

ابتسمت و هي تتذكر خوفها منه في بادىء الأمر، كم تستنكر ذلك الآن؛ فمراد أصبح يعني الأمان بالنسبة لها.

***

انتزعت الدقات على باب الغرفة ليث من بؤسه فجفف دموعه سريعًا، وسمح للطارق بالدخول.

لاحظ مراد الحزن على ملامح ليث فتسائل مصطنعًا الجهل:-

-مالك يا ليث؟

- لأ مفيش أبدًا أنا كويس.

تجاهل مراد الأمر فهو مُدرك أن رؤيته لشهد قد أثرت به فقال:-

-دلوقتي أخر حاجه وصلتلها إن إسلام هنا، واللي أعرفه أن أنتوا جيتوا هنا سوا في شغل قبل كده فعايز أعرف الأماكن اللي ممكن يكون موجود فيها.

-أنا حروح أدور عليه معاك.

قال مراد رافضًا:-

-مينفعش؛ أنت هربان من السجن يا ليث، مينفعش تطلع دلوقتي خالص.

-بس هنا محدش حيتعرف عليا.

-ولو برضو، مش عايزين أي مخاطره.

أخذ ليث يكتب أسماء وأماكن الملاهي الليلية اللاتي أعتاد زيارتها بصحبة إسلام ليجفل عندما فاجأه مراد بقوله:-

-إيه رأيك في مراتي؟

رفع بصره إليه لعله يفهم الغرض من هذا السؤال ولكنه لم يجد إلا نظرة بريئة فقال وهو يتجنب النظر إليه مدعيًا التركيز على الورقة بين يديه:-

-شكلها محترمه وبنت حلال.

-أوي يا ليث، أنت مش عارف أنا بخاف عليها إزاي، واللي يفكر يأذيها مش عارف أنا ممكن أعمل إيه.

لا يعرف ليث لم شعر بنبرة غريبة في كلامه ولكنه برر ذلك بسبب نفسه المذنبه وضميره المتألم.

أخذ مراد الورقة منه واستعد للمغادرة ليستكمل البحث عن إسلام.

بينما ليث فقد توالت عليه الذكريات تهاجمه بلا رحمه، وبدأ في تذكر أول لقاء له معها.

***

تأفف ليث من وجوده في تلك الحفلة الخيرية التي لا تمس اسمها بأي شيء، فهنا تأتي النساء للتباهي بثيابهن التي تم تصميمها من قبل أشهر المصممين بينما الرجال فيأتون للصيد ومن أمهر من الليث في الصيد؟!

ابتسم بسخرية وهو يرى شاهي الأرمله، فقد توفى زوجها الرابع منذ أسبوعين. تأمل ثوبها العاري، يبدو أن حزنها على الرجل المسكين لم يطل.

توقفت نظراته على ذلك الجسد الهزيل من خلفها لتظهر فتاة، يعترف إنها لم تكن جميلة فقد عرف الأكثر جمالا ولم تكن الأكثر أناقة فقد كانت ترتدي ثوبًا باليًا وشعرها قد جمعته بواسطة رباط مما كشف أكثر عن وجهها الشاحب ولكن ما جذبه إليها تلك البراءة في عينيها رغم الهالات السوداء أسفلهما، وحينها قرر أن يجعلها ضمن نسائه.

***

تنهد ليث و هو يتذكر التنازلات التي دفعها لفعلها باسم الحب، كم كانت بريئة قبل أن يدنسها، كانت طفلة في تعلقها به،عفوية في حبها له. كم كانت حلوة كالشهد.

أنهكه ضميره فخلد إلى النوم داعيًا الله أن يرحمه ويغفر له خطاياه فهو لا قدرة له على تحمل كل ما يحيط به.

فيُحتمل أن صديقه قد تسبب في دخوله إلى السجن بينما الفتاة التي وقع في حبها بدون أن يدري وبرغم مرور سنوات على أنفصالهما أصبحت زوجة لأخيه وكأن الماضي قد قرر معاقبته بأن تصبح حبيبته مُحرمه عليه.

نهاية الفصل السابع


ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...