الفصل 8 | من 20 فصل

الفصل الثامن

المشاهدات
12
كلمة
1,511
وقت القراءة
8 د
التقدم في الرواية 40%
حجم الخط: 18

الفصل الثامن

دخل مراد المنزل في وقت متأخر من الليل فقد أنهكه البحث عن إسلام في القائمة الطويلة التي أعدها ليث، ولكن بدون جدوى فلم يجده. فقط تبقت بعض الأماكن التي لم يبحث بها فقرر تأجيل الأمر إلى الغد.

دخل إلى الغرفة التي سوف يتشاركها مع شهد برغم عدم رضى الأم عن ذلك، ولكنها وافقت مرغمه عندما أخبرها مراد إنها تخشى النوم بدون وجوده معها منذ وفاة والدتها، وذلك خوفًا مما قد تبوح به شهد أثناء نومها فقد كانت الكوابيس تنتابها دائمًا وقد تعددت المرات التي أسرع بها إلى غرفتها ليلا عندما مزقت صرخاتها سكون الليل مثيره فزع طفلها أيضًا...لم تعد الكوابيس تأتيها بكثرة في الآونة الأخيرة ولكنهما لم يستطيعا المخاطرة كما إنه لم يرد أن يظهر أمام والدته وأخيه أي ثغرات في علاقته بشهد.

بدل ثيابه ثم استلقى على الأرض بجوار فراشها. ابتسم وهو يرى طريقتها الطفولية في النوم، فقد أعتاد مراقبتها أثناء النوم فكم من مرات أنتفضت من نومها تصرخ وتبكي، وكان عليه أن يهدأ من روعها حتى تعود إلى النوم مرة أخرى.

عادت به الذكريات إلى أول لقاء لهما، غامت عيناه بسحابة ألم عندما تذكر حالتها وكيف كانت منهارة، وكم تعب لكي يجعلها تثق به.

يتألم مرتين من أجلها ومن أجل أخيه أيضًا, يدرك أن زواجه من شهد قد سبب له صدمة ولكنه يستحقها.

تنهد بألم وخلد إلى النوم بدون أن يشعر بها وهي تفتح عيناها ببطىء وغشاوة من الدموع تمنع عنها الرؤية بشكل واضح. لا يدري إنها تعرف تمام المعرفة آلامه، تدرك الصراع الذي يدور في نفسه كل ليلة.

في بادىء الأمر كانت تخشاه فتبقى مستيقظة وتنكمش على نفسها إذا شعرت به بجوار فراشها لتهدأ عندما تجده يعدل من وضع الغطاء عليها.

رويدًا أصبحت تطمأن لوجوده ولكن تولد لديها خوف آخر وهو الخوف من أن يتركها فمهما حصل سوف يظل ليث أخاه, ولكنه لم يفعل ولم يظهر لها أبدًا الضيق والحزن الذي يشعر بهما، فزواجه منها كان من المؤكد أن يصنع فجوة بين الأخوين ويعلم الله إنها لم ترد لهذا أن يحدث، فقط أرادت النجاه هي وطفلها في عالم لا يرحم أمرأة قد أخطئت خطيئتها ويتسامح مع الرجل كثيرًا بل في الغالب يكون الرجل هو الضحية والمرأة هي من أغوته.

خلدت إلى النوم باكية فقد أعتادت على هذا، يبدو إنها ممن كُتب لهم العذاب في الدنيا.

***

أستيقظت شهد على رنين هاتفها لتلتقطه تبتسم بحب، وأجابت سريعًا:-

-حبيب ماما، وحشتني أوي.

أجاب بطفولية:-

-وأنتِ كمان يا ماما، وحشتيني أوي، أنتِ مش حتيجي تاخديني بقى؟

ترقرقت العبرات في عينيها وقالت بنبرة باكيه:-

-معلش يا حبيبي، عندي ظروف تخلص وأجي أخدك علطول.

قال وقد استطاع بحسه الطفولي المرهف أن يشعر ببكائها:-

-ماما، أنتِ بتعيطي؟ متعيطيش خلاص، مش لازم تيجي دلوقتي وأنا بسمع كلام طنط ومش بعمل دوشة.

كتمت شهقاتها الباكية وقالت:-

-شاطر يا حبيبي، فارس؟

-نعم يا ماما.

تابعت بحب:-

-أنت عارف إن ماما بتحبك أوي، وإن أنت أغلى حاجه في حياتي صح؟

-وأنا كمان بحبك أوي، ماما.. طنط عايزه تكلمك.

-ماشي يا حبيبي، هاتها.

هتفت نميس بصخبها المعتاد:-

-ابنك عايز يكبرني يا شهد، كل شوية أقوله بلاش تقولي يا طنط بس مفيش فايده.

ارتفعت شهقات شهد لتتنهد نميس في حزن على حالها وقالت بحنان:-

-أهدي بس يا شهد، أنا عارفة إن الموضوع صعب بس خلاص هانت، وبعدين يا ستي متقلقيش على فارس ده حبيبي أصلا وأنا وهوه بنلعب سوا كتير أوي.

-شكرًا يا نميس، أنا مش عارفه أقولك إيه

قالت نميس بمرح:-

-بس يا بت، أنتِ أختي أصلا، وبعدين أحتمال أبقى مرات ابنك في المستقبل.

ضحكت شهد لتبتسم نميس وقد نجحت في مهمتها، تبادلا الوداع على وعد بلقاء قريب؛ لكي ترى شهد طفلها "فارس".

انتفضت عندما ربت مراد فوق كتفها بلطف وابتسمت من بين دموعها، تأمل دموعها في إشفاق لتقول:-

-متقلقش أنا كويسه الحمد لله بس بعد فارس عني لأول مرة صعب أوي.

-معلش يا شهد ..هانت، أوعدك كل حاجه حتبقى كويسه قريب ومحدش حيقدر يبعد عنك فارس وحياتك حتبقى أحسن.

وأردف بمزيج من المرح والضيق المصطنع:-

-وبعدين ابنك عايز يعلق مني المزه بتاعتي يا ست شهد، الأستاذه نميس متصله بيه تقولي أنا خلاص حناسب شهد وأتجوز ابنها، أريل أنا.

ضحكت شهد وقالت بمرح:-

-إيه عندك أعتراض؟! وبعدين لازم تحبه مش أبني ولا إيه

-ماشي يا ختي، وبعدين الكلام مش معاكي، الكلام مع الأستاذ فارس لمه أشوفه.

ابتسمت شهد وقالت:-

-طيب روح شوف ماما صحت ولا لسه، وأنا حغير وأحضر الفطار.

خرج مراد وقد أسعده إنه استطاع أن يرسم البهجة على وجهها فطالما شعر أن إسعادها مسئوليته.

دق على باب غرفة والدته ثم دخل ليجدها تقرأ بعض الأيات بصوت عذب ليبتسم فقد أصبح ما هو عليه الآن بفضلها، وقد أحسنت رعايته بعد وفاة عائلته.

انتبهت إلى وجوده فابتسمت بحب فهو ابنها الذي لم تنجبه. ركع بجوار مقعدها واضعًا رأسه في أحضانها بينما أخذت تربت فوق رأسه وكأنها شعرت بالألام التي تجيش بها نفسه والصراع الذي يدور بداخله.

تنهد ثم رفع أعين دامعة إليها وقال:-

-متزعليش مني مهما حصل، أنا عمري ما حعمل حاجه تأذيكي أبدًا.

ردت بينما تربت على جبينه:-

-عارفه يا بني، ربنا يحميك ويقويك، أنا عارفه إن المسئولية كبيره عليك خصوصًا إنك تدورعلى اللي اسمه إسلام ده.

ألتفت مراد ليجد ليث يقف مستندًا إلى باب الغرفة يتأمله بنظرات غريبة حائرة ولكنه لم يهتم فقط قال بمرح يناقض الألم في عينيه:-

-يلا نفطر، شهد قالتلي أصحيكوا عقبال ما تحضر الفطار.

قالت الأم بحب:-

-مراتك يا بني ربنا يحميها بجد، يا زين ما أخترت.

ابتسم مراد وقبل جبينها ثم ألقى نظرة خاطفة على ليث ليلاحظ إجفاله ألمًا عندما سمع كلمات والدته.

خرجوا من الغرفة ليجدوا شهد تضع الأطباق فوق منضدة الطعام. ألتفت الجميع حول المنضدة لكن تلك المرة لم يكن هناك إلا أصوات الطعام، تعجبت الأم من الصمت المحيط والضيق على وجه ليث ولكنها رجحت ذلك إلى قلقه من عدم إيجاد إسلام.

فقالت في محاولة منها لتبدد قلقه:-

-متقلقش يا بني مصير الحق يبان.

ابتسم لها ليث ابتسامة مرتجفه بينما شهد ربما لأول مرة ترفع رأسها لتنظر إلى ليث مباشرة، وقد كانت تتجنب رؤيته منذ مجيئه. هالها حالته بوجهه شاحب، وتلك الهالات السوداء حول عينيه، كما إنه قد أصبح شديد النحول.

بدون إرادتها تألم قلبها لرؤيته هكذا، ولم تشعر بتلك العبرة الخائنة التي انهمرت على وجنتيها حتى وجدت مراد يجفف دموعها بينما الأم تسائلت بلوعة:-

-مالك يا شهد بتعيطي ليه؟

انتفضت شهد خاصة عندما رفع ليث رأسه عن طبقه لتتلاقا نظراتهما لأول مرة منذ وقت طويل.

قالت شهد بنبرة باكية وقد قطعت اتصال العيون:-

-أنا كويسه، عن إذنكم أدخل أوضتي.

و تركتهم مسرعة إلى غرفتها, تغلق الباب خلفها...تستسلم قدماها فتجلس أرضًا وتجهش بالبكاء.

ألن ينتهي هذا العذاب أبدًا؟!

أسوف يظل قلبها الخائن ينبض لأجله؟!

أخذت تردد في توسل:-

-يا رب سامحني، أنا مش قادرة اتحكم في مشاعري، بحاول...ساعدني وقويني، أنا ضعيفة أوي يا رب، ومراد ميستحقش إني أخونه حتى لو أنا مراته بالاسم بس، سامحني يا رب.

ارتفعت دقات على باب غرفتها وصوت مراد يرغب أن يطمأن عليها فنهضت، وفتحت الباب بدون أن تحاول إخفاء دموعها فقد كانت تعلم إنه مجهود عديم الجدوى فلن يُخفى عن نظراته الحاده دموعها.

لم يتحدث مراد فقط دخل الغرفة مغلقًا الباب خلفه ليضمها بين ذراعيه بحنان فتجهش ببكاء عنيف متشبثه بملابسه وتردد في أسف واضح:-

-أنا اسفة، أنا أسفة... والله العظيم غصب عني.

ربت فوق رأسها برفق وقال بصوته الحنون:-

-عارف ومش زعلان منك، أنا بس...

تردد قليلا ثم رفع رأسها المدفون في صدره ليجبر عيناها على أن تلاقي عيناه وقال:-

-أنا بس زعلان عليكي.

جفف دموعها برفق وقال:-

-مصيرك في يوم حتلاقي السعادة، وأنا حفضل دايمًا جنبك مهما حصل، اتفقنا؟

أومأت شهد فابتسم مراد ثم قال:-

-ألبسي بقى علشان أخدك ونروح لفارس.

ابتهجت شهد لذكر طفلها وأسرعت لتغيير الإسدال المنزلي الذي كانت ترتديه.

***

دخل ليث غرفته وقد استطاع التهرب من استجواب والدته، شعور إنه قاتل يزداد بشاعة فقد قتل روحها، ألم يفعل ذلك وهو يراها دامعة بمجرد أن يقع نظرها عليه؟

إنها العدالة، فكل ما حدث له من دخول السجن، وكونها دونًا عن نساء العالم زوجة لأخيه ما هو إلا تحقيق العدالة.

توضأ ليقف أمام الله في خجل ومع كل سجود يزداد بكاءه عنفًا، لم يعد يملك فرصة للدعاء بأن تكون له؛ فقد فات الآوان، فأخذ يدعو الله أن يهبها الراحة ويسعد قلبها الرقيق، ومع انتهاء صلاته بدأ يعود إلى بحور ذكرياته.

***

منذ تلك الليلة في الحفلة الخيرية وشهد لا تفارق ذهن ليث حتى قرر الاستعداد ليوقع فتاة ظن إنها كالأخريات، ولم يعرف إنها لا تصطنع برائتها مثلهن.

تتابعت زيارات ليث إلى منزل شاهي متصنعًا بعض الحجج الواضحة وفي أثناء زياراته كان يتقرب بكل الطرق من شهد والذي أدرك إنها تعمل خادمة لتساعد والدتها وأشقائها الصغار، وقد تخلت عن شهادتها الجامعية من أجلهم.

كان يستغل كل فرصة تتاح له ليلمسها، كانت تخجل ولكنه استطاع أن يجعلها تصدق أن تلك اللمسات المحرمة هي دليل الحب والثقة بينهما.

كانت تزداد ثقتها به يومًا بعد يوم حتى انتهى الأمر، وأصبحت كالأخريات وخسرت كل شيء.

***

تنهد ليث بألم وهو يتذكر تلك الثقة التي كانت توليها له حتى إنه كان يشعر أنه والدها في بعض الأحيان، وهو بمنتهى الوقاحة قد خذلها وخان تلك الثقة.

***

جففت شهد دموعها بينما تستعد لرؤيه ابنها، كم كانت حمقاء عندما ظنت أن استسلامها له حب وثقة، ولم تدرك أن من يحب يخشى على محبوبته من غضب الله عز وجل قبل نظرات الجميع من حولهم.

لكنه لم يهتم, لم يبالي بتلك النظرات وهؤلاء يتهامسون فيما بينهم عنهما وهما يسيران في الطرقات مفترضين الأحتمال الصحيح إنهما ليسا زوجين.

هو فقط لم يحب، لم يدرك معنى ذلك الشعور السامي، أثمن المشاعر التي خلقها الله عز وجل. فالحب لم يكن أبدًا حرامًا فقط تصرفاتنا هي من تجعله حرامًا.

نهاية الفصل الثامن

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...