الفصل الثاني
في منزل ليث كانت تلك المسكينة تنوح على سراب أبنها فقد انتزعوه من أحضانها وكم من مرات ذهبت أمام القسم بمساعدة من أحد ابناء جارتها التي وقفت بجوارها منذ القبض على ليث.
توسلتهم كثيرًا فقط لترى ابنها تستنشق رائحته ولكن لم يلتفت لها أحدٌ.
لم يأخذ احدهم في الأعتبار كبر سنها وعجزها. كم زاد أحساسها بالعجز وهي لا تعرف ماذا تفعل لإنقاذ صغيرها فهي تعلم في قرارة نفسها إنه بريء، قد يُدعى ذلك الأحساس قلب الأم ولكنها تعرف مهما قالوا مهما زادت الشكوك في نظراتهم فطفلها لم يقتل أحدًا مهما كانت خطاياه.
رفعت يدها إلى السماء والدموع لم تجف من عينيها تترجى المولى تعالى:- يا رب متحرمنيش منه، أنا مليش غيره، عارفه إنه غلط كتير بس أنت عارف إنه جواه كويس، نجيه يا رب وهوه حيتصلح متحرمنيش منه ده اللي فاضلي بعد موت أبوه.
كان بكائها يزيد مع كل كلمة تنطقها أحاطتها أم أدهم جارتها التي لم تتركها لحظة حتى أنها تقضى الليل معها تاركه خلفها زوجها وأولادها.
ساعدتها لتنتقل من الكرسي إلى الفراش وجعلت التلفاز على قناة القرآن الكريم..
قال الله تعالى
"آلا بذكر الله تطمئن القلوب"
تم الحكم على ليث بالسجن مدى الحياة وياللسخرية فهو لم يحضر محاكمته فقد عرف الحكم من الضابط المكلف بقضيته فقد تم الأدعاء بعدم سلامته العقلية وبالطبع الاوراق التي تثبت ذلك من السهل الحصول عليها.
شعر ليث بالمرارة كيف أن أمواله لم تستطع إنقاذه، وكيف تستطيع ولم يسمحوا له حتى أن يحادث والدته.
بين جدران السجن المظلم تنهد ليث بأسى وقد أتخذ ركن أنطوى فيه دون الألتفات إلى شركائه في الزنزانة..
كيف هي أمي الآن ؟؟...حبيبتي لابد إنها تقتل نفسها غمًا وحزنًا ..أثق أن دموعها لا تجف لحظة، كم أندم على لحظة قضيتها مع مجموعة أوغاد أدعوا الصداقة بدلا من أركع ذليلا تحت قدميها.
فُتحت أبواب الزنزانة وصوت العسكري يناديه نهض بلهفة لعل النجده جائت وسوف يخرج من هنا.
تبع العسكري حتى وصل إلى زنزانة أخرى ولكنها مختلفة عن التي كان فيها.
أدخله العسكري وألتفت تاركًا ليث في مواجهة مجموعة من الرجال يبدو عليهم الشر وبالطبع مهما بلغت قوة ليث فسوف تظل الكثرة تغلب الشجاعة.
تلقى ليث ضربات جعلته ملقيًا على أرضية السجن القذرة لا يقوى على النهوض وهو بين الوعي واللاوعي سمع كلمات تشير إنه تم أصدار أمر بتعذيبه.
فقد الوعي وبداخله نبتة غضب تسقيها كل ليلة يقضيها في السجن .
***
استيقظت والدة ليث على دقات الباب وقبل أن تتحرك لتصل إلى كرسيها وجدت أم أدهم تقتحم الغرفة لتساعدها عن طيب خاطر في الأنتقال إلى كرسيها، وعندما فتحت الباب وجدت شخصًا لم تتوقع وجوده ولكنه جاء في الوقت المناسب لعله يساعد ابنها.
أجهشت بالبكاء وركع الشخص بجوارها يضم رأسها في صدره:-
-أهدي يا ماما كل حاجه حتبقى كويسه، أنا رجعت دلوقتي.
الأم بنبرة باكيه:-
-ليث يا مراد، أخوك ضاع مني مش عارفه أشوفه، رجعلي ابني، رجعهولي، أنا خايفه أموت وهوه مش جنبي.
مراد:-
-أهدي بس يا ماما بعد الشر عليكي متخفيش، بصيلي أنا هنا وحتصرف، محدش يمس أخويا وأنا على وش الدنيا.
استكانت الأم في أحضان مراد بينما ألتفت مراد إلى أم أدهم:-
-شكرًا يا طنط على وقفتك جنب أمي، ده جميل مش حنسهولك أبدًا.
أم أدهم:-
-متقولش كده يا بني أم ليث غالية عليا.
ثم تابعت بحيرة:-
-بس إزاي يعني أنت وليث؟!
مراد:-
-أنا أخوه في الرضاعة.
ثم قبل جبين أم ليث قائلا:-
-ماما حبيبتي ديه رضعتني لمه أمي أتوفت وهيه بتولدني بس ليث كان بياخد اللبن كله طفس من صغره صح يا ماما؟
ضحكت الأم عندما تذكرت طفولتهما، وشعر مراد بالبهجة لأنه استطاع رسم الضحكة على شفتيها وفي داخله تعهد أن يخلص ليث مما هوه فيه.
***
مر شهر طويل على ليث كان دائم الأنعزال لا يتحدث مع أحد، فى النهار يؤدي الأعمال التي تم تكليفه بها وفي الليل يتم ضربه حتى يفقد الوعي ثم يعاد إلى زنزانته.
أعتاد الضرب وكل جرح قبل أن يلمس جسده كان يمس روحه حتى أصبح روحًا مشوهةً.
واليوم استيقظ مستعدًا ليوم كالذي أعتاده ولكن في وقت الزيارة فوجىء إنه في قائمه المساجين الذين لديهم زيارة، ودارت الأفكار في ذهنه وتعجب من الذي سوف يسمحون له أن يزوره؟! فقد تم إصدار أوامر بمنع أي زيارة له، وبالطبع تلك الأخبار كانوا يلقونها على مسامعه أثناء تعذيبه ليذيدوا من آلامه.
أمسكه العسكري بعنف متجهًا به إلى مكان الزيارة وفي تلك اللحظة أشرقت ملامح ليث الوسيمة عندما وقع نظره على زائره وأسرع لأحتضانه متخلصًا من قبضة العسكري.
كان ليث يضم زائره بقوه وكأنه يخشى اختفائه في أي لحظة.
ليث والدموع في عينيه:-
- وحشتني أوي.
مراد بابتسامة لطيفه:-
-وأنت كمان، عامل إيه يا حبيبي؟
ابتسم ليث بسخرية:-
-حكون عامل إيه يعني، زي ما أنت شايف.
مراد:-
-متقلقش حتطلع إن شاء الله.
ليث بمرارة:-
-حطلع !! ده أنت بتحلم، ده التوصيه عليه هنا عاليه أوي.
مراد:-
-مش فاهم قصدك إيه؟!
ليث بصدق وتوسل في عينيه يناشد مراد أن يصدقه:-
-مراد أنا معملتش حاجه أنا اه عملت حاجات كتير وحشه في حياتي بس أنا مش ممكن أقتل أبدًا.
مراد:-
-أنا واثق من ده يا بني، أنت أخويا لو أنا مصدقتكش مين حيصدقك يعني، أنا بس عاوزك تقعد هنا وتحكيلي إيه اللي جابك هنا وإيه موضوع التوصية ده، وإيه سبب منع الزيارة عنك أنا تعبت عقبال ما اخدت إذن الزيارة؟!
جلس كلاهما وأخذ ليث يقص عليه ما حدث منذ تلك الليلة المشئومة التي اصطحب فيها الفتاة إلى شقته حتى دخوله السجن.
مراد وعلامات التفكير باديه عليه:-
-بس إيه اللي يخلي صاحبك وأبوه يعملوا فيك كده؟!
ليث بحيرة:-
-مش عارف بس أنا واثق إن إسلام ميعرفش حاجه عن اللي أبوه بيعمله فيا.
مراد بجديه:-
-بلاش تستبعد أي حاجه.
ليث وهو بداخله لا يعرف أيحاول إقناع مراد أم نفسه:-
-لأ، إسلام صاحبي ومش ممكن يعمل فيه كده.
ثم لمعت عيناه بحنين وإشتياق:-
-أمي عامله إيه يا مراد؟
ربت مراد على كتفه بحنان وقال:-
-متقلقش هيه بخير وبعدين أنا مش مالي عينك ولا إيه، مكنش العشم وأنت آخد اللبن كله بطفاستك ديه.
ضحك ليث:-
-ده أنا برضو، أنت مش فاكر لمه كنا في المدرسة عملت فيا إيه لمه أخدت ساندوتشك
مراد بإحراج:-
- أنت لسه فاكر!
ليث:-
-أيوه يا عم، ده أنت فضحتني وقعدت تعيط، وأخدت علقه بسببك علشان أمي افتكرتني ضربتك.
مراد بضحك:-
-أيوه وأنت يا عيني تقولها أنا مضربتوش أنا كنت جعان.
ليث:-
-كنت رزل من صغرك.
مراد بجديه:-
-غلط، كنت بس بخاف على حاجتي مش بحب حد ياخدها، أنت عارف مبدئي.
ليث:-
-عارف اللي ليك يفضل ليك لغاية لمه تنطبق السما على الأرض.
مراد:-
-بالظبط.
في تلك اللحظه تم الأعلان أن وقت الزيارة قد انتهى، احتضن الأخان بعضهما بقوة.
ليث:-
-خلي بالك من ماما يا مراد، أوعى تسيبها وقولها إني بريء.
مراد مشجعًا إياه:-
-متخفش حتطلع من هنا إن شاء الله، ونخلي بالنا منها مع بعض، حجيلك تاني.
أفترق الأخان على وعد باللقاء.
نهاية الفصل الثاني
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!