الفصل الثاني عشر
أخذ ليث يكذب عينيه، لا يمكن أن يكون مراد من فعل به هذا، إنه أخيه الذي طالما كان بجواره يحميه ويدافع عنه، لا بد أن هناك سوء فهم في هذا الأمر...فقط عليه مواجهته وسوف يتضح أن كل هذا سوء فهم.
نعم…فمراد لا يمكن أن يفعل به هذا، فلا يوجد سبب واحد يدفعه إلى هذا.
اتجه إلى مراد والذي لم ينتبه إليه فقد كان مشغولا بالتحدث مع الفتاه بغضب واتهامها بالاستغلال والطمع.
توقف عندما لاحظ إنها تنظر إلى نقطة خلفه ليلتفت فيجده ليث.
شحب وجهه وفقد القدرة على التحدث بينما ليث فقد أخذ ينظر إليه منتظرًا أي تبرير.
قال بصوت مرتجف متوسل:-
-قولي إن أنا فهمت غلط، وإنك ملكش علاقه باللي حصل.
استمر مراد على صمته محاولا تجنب تلاقي نظراتهما فتابع ليث في انفعال:-
-انطق، ساكت ليه.
جذبه من ثيابه بقسوة وقال في غضب:-
-قول إنك مرمتنيش في السجن، قول إنك مدفعتش فلوس علشان يعذبوني.
قال مراد بينما يخلص نفسه من بين يديه:-
-الموضوع مكنش كده، أنت عارف كويس إن أذيتك آخر حاجه ممكن أعملها، من واحنا صغيرين كنت بدافع عنك دايمًا، وباخد الضرب بدالك، تفتكر بعد كده آذيك.
تسائل ليث بقلة حيله:-
-طيب ليه؟
أجاب مراد محاولا التماسك:-
-الكلام مش حينفع هنا، تعالى معايا.
ركب كلاهما سيارة مراد بدون أن يتبادلا أي حديث، وصلا إلى أحد المنازل التي يبدو عليها الثراء البالغ.
دخل مراد بعد أن فتحت له الخادمة ولدهشة ليث الذي لحق به فقد كان يتصرف وكأنه في منزله.
سمع صوت أحد يخرج من غرفة على يساره:-
-كنت فين يا بني، قلبت الدنيا عليك؟
ألتفت ليث ثم تجمد في مكانه، وكأن اليوم قد تحدد ليتلقى صدمات في إناس كان يظن إنه يعرفهم، فالمتحدث لم يكن إلا...المعز.
استمر المعز على بروده رغم ظهور دهشة طفيفة في نظراته عندما رأى ليث ثم نظر إلى مراد وقال:-
-هوه عرف كل حاجه خلاص؟
قال مراد وهو ينظر بحزن إلى ليث الذي جلس على أقرب مقعد ولم تعد قدماه تستطيع حمله:-
-لسه مقولتلوش السبب.
نظر ليث بغضب إلى المعز وقال:-
-أنت بالذات تخرص خالص.
ثم إلتفت إلى مراد قائلا بعدم تصديق:-
-للدرجه ديه عايز تأذيني، تأجر مجرم وقاتل.
ابتسم المعز ثم أخرج بطاقته وأعطاها لليث في إهمال، أخذها منه بحذر ليقرأ المكتوب عليها، ما معنى هذا؟!
نظر إليه في ذهول ليبتسم المعز قائلا:-
-أعرفك بنفسي، الرائد المعز السعدني.
جحظت عيناه وقد عجزعن النطق ومازالت قسمات وجهه تنطق بالدهشة فأشفق مراد عليه وقال:-
-أنا حفهمك يا ليث.
قص مراد عليه كيف ألتقى بشهد، وبالطبع لم يذكر تفاصيل حملها فقط أخبره إنه قد عرف بأمر الماضي المشترك بينهما وعقب ذلك أصطحبها في سفره وتزوجا.
ثم تابع:-
-كنت في الوقت ده متدمر، مكنتش قادر أصدق إن أخويا ممكن يعمل كده في بنت، ساعتها المعز، صاحبي من زمان مراته أتوفت.
صمت قليلا وأردف:-
-اتقتلت قدام عين بنته، واللي قتلها يبقى عصام الحسيني. طبعًا
مفيش دليل واحد ضده، ولمه المعز دور وراه عرف إن ليه سوابق تانيه غير اللي هوه
يعرفها، يعني مش بس كان تاجر مخدرات لأ كمان كان عميل لجهاز استخبارات إسرائيلي،
يعني من الآخر واحد ميستحقش الحياه.
مكنش يقدر يوصله خصوصًا إن عصام واخد حذره كويس، فكان نقطة الضعف هيه ابنه واللي
كان فيه شك إنه ممكن يكون بيشتغل معاه, وبكده المعزعرفك وكان شاكك فيك لمه شاف
أسلوب حياتك وقربك من إسلام فحط خطة دخولك السجن، وفكر إنك لو عرفت إن إسلام وأبوه
السبب ممكن ده يسهل إنه يعرف إذا كنت بريء فعلا ولا لأ، وطبعًا دخول المعز السجن
كان سهل وباستخدام الفلوس والسلطه والتهديد كان سهل السيطرة على المساجين وضمان
إنهم ينفذوا أوامره.
تردد قليلا ثم قال في أسف واضح:-
-أنا فكرت إنك ممكن لمه الفلوس تضيع منك ومتبقاش تقدر تعملك حاجه تحس بقد إيه كنت عايش بأستهتار وتتغير وترجع عن الطريق ده.
نظر إليه ليث بغضب وصرخ قائلا:-
-هونت عليك، أنا كنت بتعذب، ضرب وإهانه و...
قال المعز ببرود مقاطعًا إياه:-
-هوه مكنش يعرف بخصوص الضرب، ده كان التاتش بتاعتي.
فقد ليث سيطرته من برود هذا المعز فوجه قبضته لتهشيم فكه، ولكنه لم يتوقع أن المعز تلقى قبضته بين راحتيه ثم ثنى ذراعه ضاربًا ركبتيه من الخلف مما تسبب في ركوعه أرضًا.
كتم ليث توجعه بينما اندفع مراد قائلا بغضب:-
-سيبه يا بني، أنت اتجننت؟!
تركه المعز وقال:-
-هوه اللي بدأ.
ثم نظر إليهما في ملل وقال بعدم اكتراث:-
-أنا داخل أنام.
نظر ليث إلى مراد بخيبة أمل ليقول مراد:-
-بلاش تبصلي كده، أنت عارف كويس إنك تستحق كل اللي حصلك، مكنتش حتتغير إلا بكده.
قال ليث بسخريه:-
-هوه ده اللي بتسكت بيه ضميرك بليل، أنا ماشي وبكره حاخد أمي وارجع مصر ما أنا مش متهم بقى، ومش عايز أشوف وشك تاني، وموضوع عصام الحسيني اهتم بيه لوحدك، أنا مليش دعوه.
صاح به مراد قبل أن يغادر:-
-الأب لمه بيخاف على ابنه ويشوفه بيعمل حاجه غلط بيربيه، وده اللي عملته، مقدرتش أشوفك بتعمل حاجه غلط في حق نفسك قبل أي حد؛ علشان بحبك وبعتبرك ابني وأخويا.
تجاهل كلماته وتسائل بسخرية لاذعه:-
-أنا بس عندي فضول، أنت كمان كنت شاكك إني بشتغل مع الحسيني؟
أجاب بدون تردد:-
-أبدًا، أنا كنت واثق إنك مش معاه بس المعز كان محتاج دليل، وأنا كنت محتاج ارجعك للشخص اللي كنته، و...
توقف عندما ألتفت ليث بعدم مبالاه يغادر صافعًا الباب بقوة خلفه بدون أن يهتم بكلام مراد.
***
كان المعز في غرفته مستلقي فوق فراشه، وقد جفاه النوم فنظر إلى الصورة الموضوعه بجوار فراشه وكانت تمثله وهو يبتسم ابتسامة صادقة قد مر وقت طويل منذ أن ارتسمت فوق شفتيه ويحمل طفلة صغيرة تشبهه بينما يحيط خصر امرأه وترتكز نظراته بحب عليها.
ربما يدرك شعور ليث جيدًا، فهو يعرف أحساس أن من تحب ليست بجوارك، ولكنه يحسده فهو يستطيع أن يراها حتى وإذا كانت بين ذراعي غيره ولكن يكفي إنها موجوده في الحياه. بينما هو ففقد تلك الفرصة في أن يراها, يتمنى أن تتاح له فرصة أن يراها مرة أخرى، أن يمتزج عطرها بأنفاسه، ولكنه فقط لا يملك إلا أن ينام ويمنحها دور البطولة في أحلامه.
خلد إلى النوم محتضنًا الصورة مستعجلا لحظة لقائهما.
***
كان ليث يتجول على غير هدى لا يصدق ما يحدث. تنهد فقد يكون مراد محقًا وإنه لم يكن ليتغير بدون ما حدث له، ولكنه فقط لا يستطيع مسامحته...فهو أبدًا لم يتوقع تلك الخيانه، فقط عقله لا يفهم، كيف يخبره إنه أخيه وكالأبن له ويتسبب في عذابه أيضًا؟!
تجمد عندما هاجمته الظنون، أترى شهد تدري بكل هذا؟!
ابتسم بسخرية من سؤاله، فلابد إنها تعرف، ففي نهاية الأمر مراد فعل هذا من أجلها.
شعر بمزيد من الغضب يسيطر عليه فأتجه إلى المنزل حيث كانت شهد ووالدته نائمتان ولكنه لم يبالي...فقط يريد أن يعرف الحقيقة ليتخلص من عذابه.
يريد أن يتأكد إنها لم يكن لها يد في الأمر، ولم تتلذذ بلحظات عذابه. قلبه يرغب فقط أن يعرف إنها لم تكرهه إلى هذا الحد.
خرجت شهد من غرفتها وقد أرتدت حجابها على عجل والنعاس مازالت أثاره عليها.
نظرت إليه بدهشه وقد بدى غير طبيعي وقد عاد صارخًا لتستيقظ بسبب صوته، لم يترك لها مجالا للتساؤل، وقال بألم وقد فارقه الغضب فجأة:-
-كنتي عارفه اللي مراد كان بيعمله.
أجابت في حيره:-
-مراد! كان بيعمل إيه؟! مش فاهمه.
صرخ في جنون:-
-متكدبيش، أكيد كنتي عارفه، أنا بفكر إزاي، تلاقيكي أصلا صاحبة الفكره.
اقترب منها يدفعه مزيج من الغضب والألم:-
-فرحانه دلوقتي يا شهد؟ فرحانه وأنتِ فرقتي يين أخين خلاص.
قالت شهد ومازالت لا تفقه شيئًا:-
-أنا مش فاهمه حاجه، ومعملتش حاجه أصلا.
في تلك اللحظة انفتح الباب وقد عاد مراد وما أن رأى المشهد أمامه... حيرة شهد وغضب ليث أدرك الموقف فأسرع إليه قائلا:-
-شهد ملهاش دعوه، هيه أصلا متعرفش حاجه إلا اللي أنت كنت عارفه.
ثم أردف بسخريه:-
-وكانت فاكره زيك برضو إن عصام الحسيني هو اللي حيساعد في إنك تثبت برائتك، يعني كانت بتساعدك من الآخر وأنت عارف الباقي.
جلس ليث وقد انُهكت قواه، وقال بتعب:-
-أنا تعبت والله العظيم، مش عارف أصدق إيه ولا أصدق مين أصلا
أقترب مراد محاولا التربيت على كتفه للتخفيف عنه، ولكنه انتفض متراجعًا عندما دفع ليث يده بعيدًا بغضب ثم قال بحدة:-
-أنا مش طايق أشوف وشك فأبعد عني، أنا حفضل هنا علشان شهد، هيه دخلت مع عصام الحسيني علشاني وأنا مش حسيبها إلا لمه تبقى في أمان.
ثم تركهما مغادرًا إلى غرفته متجاهلا الأم التي خرجت من غرفتها بصعوبة بسبب المقعد المتحرك.
تسائلت الأم في قلق:-
-ماله ليث، إيه اللي حصل تاني؟
نظرة إلى وجه مراد جعلت شهد تدرك إنه لا يملك أي طاقة للرد فأجابت بدلا منه مطمئنة إياها:-
-شوية مشاكل في القضية بس خلت ليث متوتر، بكره إن شاء الله يكون هدى.
أومأت الأم بعدم اقتناع فقالت شهد بابتسامة شاحبة:-
-تعالي يا ماما، اساعدك تنامي تاني، ومتقلقيش على ليث هوه بخير.
جلس مراد بعدها وقد بدا عليه الحزن فجلست شهد بجواره، صمتت لحظات إحترامًا لحزنه قبل أن تلتفت إليه قائله:-
-إيه اللي حصل، وخلى ليث بالحالة ديه؟
تردد مراد قليلا قبل أن يخبرها بكل شيء، بالطبع كانت صدمتها كبيره فهي كانت مدركه أن مراد يبغض ما فعله ليث معها ولكنها لم تتوقع ما فعله أبدًا.
نظرت إليه وهالها الحزن المرسوم على وجهه فوجدته وقتًا غير مناسب للعتاب فقالت له بعطف:-
-هوه حيسامحك أكيد، بلاش تفكر كتير وتعالى نام شويه، وبكره يحلها حلال.
تبعها مراد في صمت وخلد إلى النوم وقد وجد فيه مهربًا بينما شهد فقد أعطته ظهرها وحاولت أن تكتم صوت بكائها؛ فليث كان محقًا فهي من فرقت بين الأخين، فمراد لم يكن ليفعل هذا لولا أن تعرف عليها وشَهد على عذابها وآلامها خاصة في لحظة ولادتها لفارس فقد كانت خائفه وتردد اسم ليث وهي تبكي أثناء إدخالها إلى حجرة العمليات.
ابتهلت بداخلها أن يعينها الله على جمع شمل الأخين مرة أخرى.
***
أخذ عصام الحسيني يسب ويلعن بينما مساعده يضمد له جراحه التي تسبب بها ليث، ولكنه قرر أن تلك الفتاه لن تفلت من بين يديه وسوف يحصل عليها مهما كان الثمن ورغمًا عن أنف ذلك الوغد الذي أوسعه ضربًا وسوف يكون حصوله عليها أشد إنتقام منه...لكن كيف سوف يعيدها للعمل مرة أخرى؟!
ابتسم بمكر وهو يخطط، سوف يعتذر لها ويبرر ما حدث بإنه قد احتسى كمية كبيرة من الخمر فلم يكن واعيًا لما يفعل وعندما تعود وتكون معه سوف يخطط لإمتلاكها على مهل وحينها لن يستطيع أحد أن ينقذها من بين براثنه.
نهاية الفصل الثاني عشر
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!