رواية مملكة السحر (نبوءة التنين) الجزء السادس 6 بقلم رباب حسين مملكة السحر (نبوءة التنين) رواية مملكة السحر (نبوءة التنين) الحلقة السادسة هناك حقائقٌ لا تكشفها السنوات بل تكشفها لحظةٌ واحدة ينهار فيها كل ما اعتقدناه يقينًا. وأخطر الأسرار ليست تلك التي يخفيها الأعداء بل التي تنام داخلنا دون أن نعلم بوجودها. حتى يأتي يوم تتمرد فيه على القيود التي كبلتها طويلًا. فحين تمتزج اللعنة بالنبوءة ويصبح الماضي سجنًا
للحاضر لا يعود السؤال: من المخطئ؟ بل يصبح: من الذي تجرأ على العبث بالمصير؟ وما إن تبدأ الحقيقة في الظهور حتى تدفع ثمنها القلوب أولًا. لأن بعض الأقدار لا تفتح أبوابها إلا بعد أن تنتزع من أصحابها آخر ما يملكون من طمأنينة.
أما في تلك اللحظة التي خرجت بها لعنة السحر الأسود التي حولت بشريًا إلى دب؛ انتقلت فيها تلك اللعنة إلى صدر نيراس لتتضاعف لعنته أكثر ويفقد وعيه على الفور. عدا فقدان كوردن بهذه الطريقة. فمن يصدق أن الدب الذي راعاه وقام بحمايته طوال هذه السنوات كان بالأصل إنسيًا!
حقيقة أصابت أريانا وميرفال بصدمة أفقدتهما القدرة على الحديث. كان ميرفال ينظر لهما وعقله يبحث عن تفسير لما حدث الآن وربما لم يراه من قبل. كيف ارتدت اللعنة إلى صدره بينما كان يلقي عليه تعويذة لخروج السحر من جسده؛ لم يجد سوى تفسير واحد؛ اللعنة التي أُلقيت عليه قوية ويلزمها بحث في طريقة لإخراجها. هو يعلم مدى أهمية نيراس الآن بالنسبة للمملكة. فهو المنتظر الذي سيقود البشر إلى الحياة مرة أخرى.
أما أريانا فركضت نحو نيراس تحاول أن تجعله يسترد وعيه أما ميرفال فأخذ رداءًا ووضعه على جسد كوردن العاري كما ولدته أمه. حاول تدفئته وهو يربت على وجنته بصفعات خفيفة كي يسترد وعيه. لاحظ ميرفال لهفة الأميرة على نيراس وكيف تحاول معه كي يفتح عينيه. ربما لأنه المنتظر! هذا ما تردد داخل عقله. بعد وقت. استعاد كلًا منهما وعيه ونظرا إلى بعضهما البعض بتعجب. والتفت ميرفال وأريانا إلى كوردن ثم قالت أريانا: هو… ده حصل ازاي؟
وقف نيراس وهو يضع يده على صدره متألمًا واقترب منه ببطء. رفع يده يتحسس وجه كوردن وهو يقول: مش ممكن! إنت إنسان زينا! حاول كوردن أن يتحدث لأول مرة فقال بتلعثم: أنا… إنسان. نيراس: إنت مين؟ وليه كنت بتحميني كل الوقت ده؟ كوردن: شفتك أول مرة… شميت ريحتك… إنت مني. من دمي. نيراس: ازاي؟ من عيلتي يعني؟ كوردن: أيوة. إنت… قريب مني. عشان كده حاميتك. نيراس بدهشة: مش فاهم حاجة. إنت مني ازاي؟ نظر إلى ميرفال الذي ينظر إلى الفراغ بشرود
يحاول أن يجد تفسير ثم قال: مفيش غير معنى واحد… أخوك اللي اتقدم قربان لمورجاث قبلك. إنت أكيد الطفل التاني يا نيراس. يبقى الدب ده هو أخوك وحد لعنه بالسحر الأسود حوله لدب. أريانا بحدة: مين عمل كده وليه؟ مين ليه مصلحة إن النبوءة متظهرش وكمان يتنفي المنتظر خارج سور المملكة يواجه الموت كل لحظة؟ ده اللي إحنا استنيناه سنين طويلة عشان يخلصنا من حكم مورجاث ومن الوحوش وينقذ أرواح أطفال أبرياء بيموتوا عشان إحنا نعيش.
وفي اللحظة التي تتحدث بها الأميرة رفع نيراس كلتا يديه يحتضن وجه كوردن وينظر إليه والدموع تتلألأ داخل مقلتيه ثم قال: إنت ثورن… أخويا الكبير. كل ده كنت بتحميني. أمسك يده ووجد وشم العائلة مطبوع على يده باسم والده؛ فالريك. فهذه من عادات تقديم القربان حتى يُسجل اسم الطفل ولا يُطلب من العائلة طفل آخر. وحين رأى اسم والده احتضنه
بقوة فبكى ثورن وقال: كنت عارف إنك أخويا. عرفتك من أول يوم قربت منك. عشان كده ماقدرتش أبعد عنك لحظة واحدة. كادت أريانا تبكي وهي تشاهدهما في هذه الحالة، فعادت تنظر إلى ميرفال وقالت بغضب: اللي عمل كده لازم يتحاسب. ميرفال: إهدي يا سمو الأميرة. الموضوع ده محتاج تحقيق موسع ولو اتعرف هيقلب المملكة كلها. وأصلًا هي مقلوبة وبيستعدوا للحرب ضد مورجاث لإن الملك متوقع إنك عنده رهينة.
تنهدت أريانا وقالت: لازم حد يبلغ الملك إني عايشة. ميرفال: إرجعي القصر دلوقتي. أريانا: الوحوش بتجري ورايا. لازم الحرس يبقوا معايا يا أما نيراس يوصلني. ميرفال بصدمة: هو نيراس حارب الوحوش وظهر قوته النارية قدامهم؟ أريانا: اه. ميرفال: كده نيراس في خطر كبير. مورجاث هيحاول يقتله قبل ما تكتمل قوته. وقوة نيراس مش هتكمل طول ما اللعنة دي في صدره. أريانا: طيب أنا أوصل للقصر ازاي؟ لازم أمنع الحرب اللي أكيد هنخسر فيها أرواح كتير.
ميرفال: أنا هروح وإنتي خليكي معاهم بس هيعرفوا يحموكي؟ نيراس: ماتقلقش. ميرفال: أنا مش عايزك تظهر قدامهم تاني ده ممكن يقتلوك. إنتوا أدخلوا التل وماتحولوش تخرجوا منه. أومأت إليه أريانا وذهب ميرفال مسرعًا. أما ثورن فحاول أن يقف على قدميه فوقع على الفور. تقدم منه نيراس وأمسك به وقال: أسند عليا إنت لسه مش واخد تمشي على رجلين. وضع ثورن ذراعه على كتف نيراس وقال: ياريتني فضلت دب كان زماني قادر أحميكم.
ابتسم نيراس وقال: فرحة إن أخويا الكبير لسه عايش وكان بيحميني كل السنين دي أحلى حاجة حصلتلي في حياتي. ياااااه لو ماما تعرف إن إحنا الاتنين عايشين. أريانا: قريب أوي هترجعوا المملكة. دخلوا إلى التل فوجدوا طعام بالداخل. ساعد نيراس ثورن على الجلوس ثم توجه نحو الطعام وأكل بشراهة. نظرت إليه أريانا بتعجب فقال نيراس: حاسس إني كنت بجري بقالي يومين. حرارة جسمي بتزيد بشكل غريب. ثم توقف عن الأكل وقال: بس جسمي طبيعي دلوقتي!
مع إن وإنتي قدامي دايمًا بحس بحرارة شديدة. نظر إلى يديه حاول أن يخرج النيران من يديه ولكن تألم فجأة وأمسك صدره فشعر بحرارة شديدة. فتح ملابسه من الأعلى فوجد بقعة سوداء داخل صدره وكأنها فوهة بركان. نظرت إليه أريانا وثورن بصدمة ثم ركضت نحوه أريانا بفزع وقالت: إيه ده؟! نيراس بألم: أول ما حاولت أخرج النار من إيدي حسيت بيها بتخرج من صدري. أريانا: ماتحاولش تستخدم قوتك تاني لحد ما يرجع ميرفال.
نيراس بغضب: قعدنا نقول ميرفال اللي هيحل الموضوع ومن ساعة ما جيت وكل حاجة بتحصلي بتأذيني. ثم صرخ بألم فقالت أريانا: إهدى يا نيراس. العصبية بتأذيك زيادة. ثورن: اللي بيحصل ده صعب عليه جدًا. أريانا: خلينا نوقف الحرب وهنفضل هنا مع ميرفال لحد ما نلاقي حل لكل ده ونخرج السحر الأسود منه. نيراس: مش هترجعي المملكة؟ أريانا: لأ… هفضل معاك. نيراس بحزن: عشان تشوفي بس؟
أريانا: لأ… إنت عارف إحنا مستنين أد إيه عشان تظهر النبوءة. أنا مش هسيبك وأمشي. إنت أمل المملكة كلها. تنهد نيراس ولم يتحدث. كان يأمل أن يسمع سبب آخر ولكن بكل وقت يخبر نفسه بأن أريانا لن تصبح ملكه. فعليه الآن أن يركز على ما يجب عليه فعله في سبيل قومه وأيضًا يبحث عن من ألقى عليه تلك اللعنة وكان السبب في نفيه من المملكة. وصل ميرفال إلى المملكة وركض فورًا نحو القصر الملكي وطلب مقابلة الملك وحين دخل وجده يجلس حزينًا
فانحنى أمامه وقال: مولاي… الأميرة أريانا عندي في التل الكبير. وقف فالين مندهشًا وركض نحوه وقال: عندك! بجد شفتها؟ ميرفال: أيوة يا مولاي. وجيت أبلغك عشان ترسل الحرس يرافقوها للمملكة. صاح ميرفال قائلًا: يا حراس. أرسلوا لحضور كاسيان فورًا. تلقى الحراس الأمر وذهبوا على الفور ثم نظر فالين إلى ميرفال وقال: ليه ماجتش معاك؟ هي بخير صح؟ ميرفال: جدًا يا مولاي. بس الوحوش منتشرين في الغابة بشكل ملحوظ.
فالين: عارف. كانوا عايزين يخطفوها. ميرفال: الوحوش بتسعى ورا حد تاني يا مولاي. عقد فالين حاجبيه وقال: حد مين؟ ميرفال: نبوءة التنين تحققت. فتح فالين عينيه مشدوهًا وقال: اتحققت ازاي؟ ومين اللي ظهرت عليه النبوءة؟ دخل كاسيان القاعة ركضًا وقال: أمر مولاي. فالين: استنى يا كاسيان. قولي يا ميرفال إيه معنى كلامك ده. ميرفال: نيراس بن فالريك. فاكر الاسم ده؟ كاسيان: المنبوذ؟
أومأ ميرفال إليه وقال: هو نبوءة التنين. هو المنتظر يا مولاي. نظر كاسيان وميرفال إلى بعضهما البعض بدهشة وقال كاسيان: ده من غير قوة سحرية! قص له ميرفال ما حدث اليوم وهما في حالة دهشة ثم قال فالين ولازال علامات الدهشة على وجهه: المهم أريانا ترجع دلوقتي واطمن عليها. أنا هاجي بنفسي التل عشان كمان أشوف نيراس وثورن. كاسيان بضيق: سموك مصدق الكلام ده؟ يعني إيه نظرها بيرجع لما بس بتبقى جنبه؟
فالين: مش وقت مشاعر الغيرة يا كاسيان. تنهد كاسيان وهو يخمد ذلك الغضب الذي يتخلل صدره ولكن هناك ما ينبئه أن ما يحدث هو بداية فقدان أريانا. ثم قال بحزن: أمرك يا مولاي بس عايز أجي اطمن عليها. أومأ له فالين وخرج من القاعة متوجهًا نحو الموكب الملكي بعد أن أمر كاسيان بتجهيزه.
انطلقوا جميعًا نحو التل الكبير ولاحظ فالين أن هناك عدد لا حصر له من الوحوش ينتشر داخل الغابة. وذلك بعد أن علموا بأمر قتل زاروك على يد مورجاث فدب الخوف في قلوبهم مما جعلهم يبحثون بكل مكان ولا يزال صوت مورجاث الغاضب يتردد داخل أذانهم.
كان نيراس يجلس متألمًا وأريانا تحاول أن تبحث عن دواء ولكن دون جدوى. ثم طلبت من ثورن أن يبحث في ملابس ميرفال ويرتدي ثيابًا تقيه من حرارة الجو الباردة. ثم جلست أريانا بجوار نيراس وهو يتأمل ملامح الحزن في عينيها ولا يقوى على إبعاد نظره عنها. لاحظت أريانا نظراته وبدأ الارتباك يظهر عليها. شبكت أصابعها وحركتهم
بتوتر فابتسم نيراس وقال: واضح إني لازم أسأل لأن بجد مابقتش قادر أخبي السؤال ده أكتر من كده؛ هو الإحساس اللي جوايا ده جواكي برده؟ أريانا بتعجب: أنهي إحساس؟
نيراس: حاسس إن اللي بيحصل معايا أنا وإنتي ليه تفسير أعمق من اللي إحنا شايفينه. لو كلام ميرفال صح يبقى أنا أكيد عندي قوة سحرية وكل اللي كان بيحصل معايا ده مش بسبب إني بسحب الطاقة السحرية من اللي حواليا. فكري كده… إنتي بيرجعلك نظرك وأنا قوتي بتظهر وإنتي جنبي أو كانت بتظهر؛ ده مش معناه إن فيه رابط بينا غريب شوية. وكمان السحر الأسود اللي نزل عليا أنا وأخويا ثورن واتقلب دب وعاش طول حياته برا السور.
أريانا: كل الأسئلة دي في دماغي بس اللي بيحصل حواليا مخليني مش عارفة أفكر بهدوء. نيراس: وأنا كمان. بس فيه حاجة أنا متأكد منها. اللي عملي السحر أنا وثورن له علاقة بمورجاث. فكري معايا… المفروض ثورن كان متقدم قربان لمورجاث لكن هو ممتصش دمه بل اترمى عليه سحر أسود وحوله لدب. ده غير إن معنى اللي عمله معايا إنه كان عارف إن أنا المنتظر زي ما إنتوا بتقولوا. أريانا: فعلًا… كلامك منطقي.
تأمل نيراس ملامحها ولأول مرة يترك العنان لعينيه لتبرز بعض الأعجاب الذي يتملكه وقال: نفسي أعرف إيه الرابط اللي بينا… تفتكري ده رابط من نوع تاني. يمكن بنكمل بعض أو مخلوقين لبعض.
لم تتحدث فقط تأملت تلك النظرة التي لم ترى مثلها من قبل. قال ما بقلبها ليكشف عن السبب الذي طوته بعيدًا عن عقلها. فكانت تراه منبوذًا لا يصلح أن يكون أكثر من مجرد تابع أو سببًا كي تبصر مرة أخرى. ولكن السبب الحقيقي التي كانت تخشاه هو ما كانت تتهرب منه. نيراس هو مفتاح الحياة بالنسبالي.
طال الصمت والعيون تتحدث ببعض المشاعر… الخجل والإعجاب يرتسمان داخل تلك النظرات التي تصيب قلب كلًا منهما بسيل من المشاعر التي لم يختبراها من قبل. كادت تتحدث ولكن قاطعها صوت فالين الذي دخل التل وحين وقع عينيه عليها قال: أريانا… بنتي.
وقفت أريانا على الفور حين سمعت صوته. ولأول مرة منذ سنوات ترى ملامح وجهه. ابتسمت والدموع تتجمع داخل مقلتيها ثم اقتربت منه ببطء وهو يرى أن عينيها ترتكز على وجهه… علم أن ميرفال محق؛ الأميرة عاد إليها بصرها. وقفت أمامه ورفعت أناملها تتحس ملامح وجهه التي غيرها الزمن. يبدو أكبر سنًا لكن نظرته الحنونة كما هي لم تتغير. حركت أناملها على ملامحه ولم تستطع أن تتمالك دموعها. بكت
ثم قالت من بين شهقاتها: كان نفسي أشوفك… إنت وحشتني أوي يا بابا. ضمها إليه بسعادة وأغمض عينيه بامتنان. فقد عادت روحه إلى جسده بعودتها. أما النظرات من حولهما كانت متفاوتة؛ نيراس ينظر إليهما بحزن حين سمع صوت بكاءها. ميرفال سعيد بما يحدث الآن وعودة الأميرة. ثورن يتمنى لو يرتمي بين أحضان والديه فهو لم ينعم بدفئهما من قبل.
ثم انتبه نيراس إلى نظرات كاسيان إليه. ينظر إليه بغضب ويبدو أنه يشتعل بالغيرة. فالأميرة عاد لها بصرها بفضله وهذا يعني أن نيراس سوف يحتل مكانة خاصة عندها؛ خاصة إذا كان هو المنتظر حقًا. تعلقت نظراتهما ببعض وبدأ صراع صامت ما هو إلا بداية صراع أكبر سيطيح بكل شيء.
لكن المعركة التي بدأت بين نظرات نيراس وكاسيان لم تكن سوى الشرارة الأولى… فهناك حرب أكبر تقترب وحين تنكشف الحقيقة كاملة لن يكون الصراع على قلب الأميرة بل على مصير المملكة بأكملها. فإذا كانت النبوءة قد استيقظت… فإن اللعنة استيقظت معها أيضًا. …..
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!