مرت الأيام في المشفى، كانت مها تجلس بجانب مجدي، فهي تتعامل معه الآن بأصلها ونوعًا ما تراعي حالته، خاصة بعد انهياره لما علم بحالته وأنه لا يستطيع المشي بعد ذلك. وجدها تجلس شاردة الذهن فتحدث بندم:
_عارف إنّي ظلمتك كتير قوي يا مها، وسنين وأنا مش شايف العمر اللي جرى بيا، وأني بلف زي الطور في الساقية. وممكن كمان اللي أنا فيه دي دعوة أم في ساعة استجابة، على إني حلبت ابنها واستغليت وظيفتي، ودفعته اللي وراه واللي قدامه من ورا تزويري. أو دعوة راجل قفلت له محله بسبب إني مساعدتهوش عشان غلبان مقدرش يدفع ضرايب. ثم نظر لحالته بأسى وأكمل:
_وكله كوم، واللي عملته فيكي كوم تاني. عشتي معايا سنين في مرار واتحملتي، وحتى في شكواكي كتير كنتِ بأصول، ولما كان يفيض بيكي الكيل وتبكي، كنت بشوف بكاكي فجر ومياصة، وأنا كنت كيف الأعمى. كانت تسمعه بإنصات شديد، وجروحها التي حاولت كبتها فتحت من جديد. لقد ذكرها بالماضي الأليم وعذاب السنين. ثم تنهدت بتعب، بان على معالمها، وقالت:
_كفاياك نبش في اللي فات ويوجع القلوب يا مجدي، النبش بيسبب الألم أكتر وبيشيل النفوس، وممنوش فايدة. ولو كانت كلمة الله يرحمه بترجع اللي مات، كانت كلمة معلش بتصلح وتداوي اللي فات. واسترسلت حديثها وهي تغير مجرى الحديث وتخبره: _الدكتورة سكون اتجوزت من شهر، ومكة فرحها كمان يومين. حرك رأسه بأسى ثم أردف بقلة حيلة:
_ما أنا كنت بصحتي لما الدكتورة بتتخطب، ولما كانوا بيكتبوا كتابها، وأنا كسلت أروح وفضلت الشغل على صلة الرحم. عمري ما رفعت راسك ولا كبرت بيكي قدام أهلك، وأنتي كنتي تتحايلين علي وتقولي لي: "دول يتامى وتعالى اقف جارنا"، وأنا كنت بكبر دماغي. حقك عليا يا مها. وأكمل حديثه وهو يسألها: _هو أنا قدامي قد إيه وأخرج من هنا وأعاود بيتي؟ أجابته بما تعرفه:
_الدكتور قال قدامك مش أقل من أسبوع، لأن فيه أشعة وتحاليل وحاجات أكده مفهماش فيها، وبعدين تخرج. وأكملت وهي تخبره: _أنا مش هعرف آجي لك اليومين الجايين دول عشان فرح مكة، وبعدها هاجي أشوف خروجك، وكله بأمر الله. سألها عن أولاده: _أمال العيال عاملين كيف وصحتهم عاملة إيه؟ ابقي هاتيهم أشوفهم، اتوحشتهم قوي. نظرت إلى المكان حولها وحركت رأسها برفض:
_هما كويسين الحمد لله. بس معلش يا مجدي، مينفعش أجيب ولادي هنا في المستشفى كلها أمراض، وأخاف يلقطوا من أي حد، وهما مناعتهم ضعيفة. كلها أسبوع وتعاودي دارك وتشوفي، وعلى كيفك. واسترسلت وهي توصيه بوجع: _بس أمانة عليك يا مجدي، لما تشوفهم متزعقلهمش وتكش في وشهم زي عوايدك. حن عليهم. حسسهم إنك أبوهم مش عدوهم، وهما يا حبة عيني يتمنوا منك المعاملة الزينة. ومتقلقش، هما عيال زينة قوي وأنا مربياهم كويس.
اللمعت عينا مجدي بالدموع. لأول مرة على هذان الطفلان اللذان لم يرى منهما إلا كل جفاء وافتراء. لم يشعرهم يومًا بأبوته. لم يحتضنهم يومًا ويجبر خاطرهم. وها هو الآن عاجز عن كل شيء واجب على الأب فعله مع أبنائه. ولكن ليت الزمان يعود يومًا. رأت لمعة عينيه، وللأسف لم تشعر بالشفقة تجاهه. فمشاعرها منذ زمن أصيبت بالتناحة، ولم يعد يفرق لها أي شيء في الكون. حتى نفسها غير أبنائها فقط، هي من تتفاعل مشاعرها معهم.
ظل كلاهما سارحًا في ملكوت الوجع الخاص به. كل منهما يفكر كيف تمضي الأيام القادمة، وكيف ستكون حياتهم مع كل الشروخ التي تسكن أرواحهم. *** في منزل سلطان، تجلس زينب في حديقة منزلها، وأمامها السبرتاية الخاصة بالقهوة تصنعها لنفسها. فهي قررت أن تسمع نصائح صغيرتها المحنكة. كانت تجلس وهي تضع قدمًا على الأخرى، وبجانبها المذياع وتغني فيه أم كلثوم، فهي تعشق أغانيها.
اعتدلت بجلستها وبدأت بصنع القهوة في ذاك الجو والمكان المشمش. فهي تحبذ الجلوس في الشمس كي تحاوط جسدها وتصيبه بالدفء، وتأخذ منها العافية لجسدها. عاد سلطان من الخارج ورآها من بعيد تجلس بذاك الرواق والبال المرتاح. تقدم ناحيتها وهو يقسم على أن يفسد خلوتها ويعكر مزاجها، فهي قد حرقت دمه ذاك الأسبوع بمعاملتها معه.
رأته قادمًا، فنظرت تجاه الناحية الأخرى وهي تمسك كوب القهوة وترتشفه بتلذذ وتدندن مع كوكب الشرق، مما جعله يستشيط بسبب استكبارها عليه. جلس أمامها وتحمحم متسائلًا بنبرة استنكارية: _احممم. من متى يا زينب وأنتي أكده مبتعمليش لوجودي اهتمام ولا هيبة؟ أجابته وهي تنظر أمامها ولم تواجه عيناها وتضعها بعينه:
_من يوم ما خنت العهد واتجوزت على عيلة من دور بناتي. من يوم ما كسرت قلبي يا سلطان، واعمل حسابك عند زينب اللي انكسر مابيتصلحش. واسترسلت وهي ترتشف من قهوتها بتلذذ وتنظر للاشيء: _طلع إن اللي بيدي أكتر مابياخد، ويهتم باللي الاهتمام في نظر اللي وياه بقى شيئ مفروض، وبيعتبروه هبل وعبط، ويستاهل كل اللي يجراله يا سلطان. وأنا طلعت أعبط ست في الدنيا. وأكملت وهي تنظر في عينيه بقوة أرهبت داخله منها:
_وحاذر بقى من العبيط لما يتنصح، بالظبط بيبقى زي الجعان لما يشبع. أنهت كلماتها ورجعت تدندن مع كوكب الشرق، قاصدة استفزازه. وبالفعل فقد أغضب بشدة من طريقتها الجديدة كليًا عليه. ثم قام من مكانه بحدة، وأمسك المذياع ورماه أرضًا وتهشم إلى قطع صغيرة. ولكنها لم تعير فعلته أدنى اهتمام كي لا تشعره أنها أثرت بها. ثم وضعت الكوب من يدها وانتصبت واقفة أمامه وتحدثت بنفس القوة وهي تنظر إلى الكأس المهشم:
_تعرف يا سلطان إنك عملت فيا زي ما عملت في الراديو دلوقتي. هتعرف تصلح بقى اللي انكسر دي وترجعه كيف ما كان سليم ويشتغل ويدندن؟ رأت الحيرة في عينيه ونظرة الندم على ما بدر منه لها، فشفي غليلها قليلاً وأكملت له وهي تتقدم خطوة للأمام: _أهو أنا بقى زييه بالظبط، مش هرجع زينب الهبلة دي تاني.
وخليك فاكر إنك اللي بديت، والبادي أظلم. ويكون في معلومك الحرباية اللي أنت اتجوزتها دي، لو قربت ناحية عيل من عيالي ولا جابت سيرتهم، هما واللي يخصوهم في أي مكان، الله الوكيل لاهدبحها وأعبيها لك في أكياس زبالة وأحرقها، ومهخلي في جثتها حتة سليمة. وتركته ومشت من أمامه. فعلى صوته بغيظ من طريقتها: _الله الوكيل لو ماظبطت طريقتك دي معايا، لقطع لك لسانك دي خالص يا زينب اللي بتردي بيه على جوزك أبو عيالك.
نظرت إليه من بعيد وبغيظ شديد حاولت كتمه، ولكنها لم تفلح، وهدرت به دون أن تراعي لعشرتها معه أدنى اعتبار، ودهستها تحت قدمها، فهي امرأة مجروحة ومطعونة بخنجر الخيانة: _أعلى ما في خيلك اركبه يا سلطان، ولو معجبكش طلقني وخلصني منك. اتسعت مقلتيه لكلامها وطريقتها التي لم يتوقعها، ولسانها الذي لم يكن سليطًا يومًا، ولكنه اليوم فظ غليظ.
اجتمعت شياطين الإنس والجن أمام عينيه، ولحق بها بسرعة. رأته هي من بعيد قادمًا عليها والشر يتطاير من عينيه، فتعجلت بخطواتها ودلفت غرفتها وأغلقت ورائها بإحكام. أما هو، لم يستطع اللحاق بها. فهم بفتح الباب كي يفعل بها ما يحلو له ويبرد نار قلبه، إلا أنه وجد الباب موصدًا بالأقفال. فرزع على الباب بقبضته القوية هادرًا به:
_افتحي دلوقتي وإني أوريك مقامك كويس يا مرة أنت. افتحي عشان أدبك وأعرفك إن الله حق، وأن الست اللي تغلط في جوزها تستاهل المعاملة الشينة.
لم ترد عليه ولو ببنت شفة، وخلعت ملابسها وارتدت جلباب النوم القطني المريح، ونامت على تختها وذهبت في سبات عميق وكأن شيئًا لم يكن. فهي تلك المرأة، إن أعطت حبًا وحنانًا واحتواءً بغزارة ولم تحصد إلا الغدر، فستزرع من جديد حقدًا وقسوة ومشاعر باردة تجعل من أخطأ في حقها يتمنى الموت ولا أنه فعل بها هكذا وأغضبها. كم أنتِ قوية، تلك المرأة التي تستطيعين الحفاظ على كرامتك وأخذ حقك من عين السباع. ****
في منزل ماجدة، وبالتحديد في الساعة الثامنة صباحًا. دلفت ماجدة إلى ابنتها مكة، وجدتها نائمة، فأيقظتها بحنو على غير العادة: _قومي يا حبيبتي، النهاردة فرحك ولسه بتنامي لحد دلوقتي. تململت في نومها ورفضت أن تفيق: _يا ماما سبيني أنام شوية، ملحقتش. أنا نايمة الساعة ٥ بعد الفجر. ملست على شعرها بحنو وهتفت بقلب موجوع:
_يا بتي، إنتي من ساعة كتب كتابك وأنتي حابسة نفسك في أوضتك، وحتى تليفونك قافلاه ورمياه. وجوزك كل يوم يكلمني يطمئن عليكي، وأنتِ في دنيا تانية. واسترسلت وهي تذكرها: _إنتِ كل الأيام اللي فاتت مقضياها صلاة قيام طول الليل لحد الفجر، وبتقري قرآن بعد الفجر، وتنامي لحد الضهر ومش مهتمة بحالك خالص. ربنا أمرنا بالعبادة، بس من غير ما نهمل في صحتنا ولا ندوس على نفسنا. خير الأمور الوسط يابتي. أخذت نفسًا عميقًا يدل على أرقها، ثم
فتحت عينيها بصعوبة قائلة: _يعني يا أمي أعمل إيه يعني؟ بستغفر ربي على الذنب اللي عملته، واللي بتلاه وقعت في الجوازة دي. إنتي مش شايفة يا أمي إني اتفضحت فضيحة ملهاش أول من آخر، والناس معدش لها سيرة غير مكة المنقبة، بعد ما كنت ولا حد يعرفني من الأساس وأصل. العبادة والقرب من ربنا بيطمن قلبي قوي يا ماما. ربتت ماجدة على ظهرها وسألتها بقصد وهي تنظر داخل عينيها:
_إنتي يا بتي وشك منور كيف البدر في سماه، وما شاء الله عليكي، اللي يشوفك يسمي ويكبر. إنتي بتحبي جوزك يا بتي؟ بلعت ريقها بتوتر من استفسار والدتها، ثم تحدثت بخجل: _ولازمته إيه السؤال ده؟ هو أمر واقع واتحطيت فيه وخلاص. أحبه أو له مش هيأثر. ابتسمت لها بحنو: _لا يا بتي، فيه فرق كبير قوي. إنتي لو عاشقة جوزك، ولا هيفرق لك أي ظروف ولا مناظر فاضية. أما لو مش عاشقاه، ولو إني مظنش. وأكملت عندما رأت نظرة الاندهاش
المغلف بالاستنكار: _متستغربيش، محدش هيفهمك في الدنيا دي كد أمك يا حبيبتي. أنا بس اللي هحبك من قلبي، وعمري ما أغشك أبدًا، ولا عمري اسمح لحد يأذيكي يا ضي عيني. ارتمت مكة في أحضانها وبكت بغزارة، وكأن عينيها كانت محتجزة الدموع. وما إن ضغطت ماجدة زر حنان الأمومة، حتى شهقت مكة وتحدثت بحيرة من بين شهقاتها:
_أيوه يا أمي بحبه، ومش بس كده، إني عاشقاه. بس قلبي بس اللي متفق على كده، أما كل حاجة جوايا بتلومني على عشقه لحد ما تعبت، ومش عارفة مشاعري اللي مختلفة مع بعضها دي هتعمل إيه لما أبقى معاه في بيت واحد ومقفول علينا باب واحد. مجرد التخيل بس بيخليني أحس بالرعب من اللي أنا رايحة له.
شددت ماجدة على احتضانها كي تشعرها بالأمان. فماجدة تعشق بناتها وتهتم بهم، وليست من نوع الأمهات اللواتي يقلبن وجوههن على بناتهن. فهي تعيش معهم وتعاملهم كما الصديقة لهم.
_شوفي يا بتي، لو مكانش دي نصيبك اللي ربنا مقدره لك، مكانش حطه في طريقك. والمكتوب مافيش منه مهرب يابتي. بس لازم تكوني واثقة في ربك إن كل أقدارُه خير. وبعدين ما ضاقت إلا أما فرجت. قومي بقي فوقي واشوري وتعالي افطري من يد أمك واتجمعي مع خواتك على طبلية واحدة واتونسي بيهم. عشان جوزك هيبعت لك عربية تاخدك للفندق اللي هيتعمل فيه الفرح على الضهرية كده. خرجت من أحضان والدتها وتساءلت باستنكار: _وإيه فندق إيه ده؟
أنا مهنكشفش على ناس غريبة، ولا هتصور التصاوير بتاعت البنات دي، ولا هلبس الروب اللي بيلبسوه ده، ولا هتحرك من مكاني. أنا هلبس من هنا، واختي مها هي اللي تحط لي أي حاجة على الماشي وخلاص. هو أنا هبتديها غضب لربنا ولا إيه، عشان أرضي فضول البني آدمين اللي كانوا سبب في غضبانيتي. اندهشت ماجدة وتفوّهت بملامح متعجبة: _وإيه يا مكة، إنتي عروسة يا بتي. إنتي هتعملي إيه زيادة عن الخلق يعني؟ حركت رأسها برفض قاطع وهتفت بتصميم:
_الله الوكيل، ما هعمل العمايل دي. أنا واحدة تعرف دينها كويس، وكل اللي البنات بتعمله اليومين دول أوفر قلة دين على الآخر. اللي تطلع بنص شعرها باين وهي ماسكة المراية وبتغني. واللي لابسة روب ومبينة صدرها ونص دراعها وفرحانة بنفسها. واللي بترقص هي وصاحباتها ويغرقوا الفيس استوريهات بقلة الحيا دي، قال إيه فرحانين. وأكملت حديثها وهي على رفضها بتصميم قاطع عندما رأت نظرات والدتها المترجية لها بأن تمرر اليوم مرور الكرام:
_له يا ماجدة، ما هعملش كده أصل. وبعدين عرفتيه إني عايزة قاعة منفصلة، الرجالة لوحدها والستات لوحدها، وإني معيزة موسيقى في القاعة زي ما قلت لك، ولا له؟ لوت شفتيها بامتعاض وهتفت بقلة حيلة: _آه عرفته، والجدع واد محترم وشاري، وقال لي اللي هي عايزاه يا أمي، أنا هعمله لها من عنيا. وأثناء حديثهم، رن هاتف ماجدة برقمها، فتحدثت وهي تجيبه: _آه، بيرن عشان يشوف وصلت لإيه معاكي.
أيوه يا حبيبي. إحنا كويسين الحمد لله. آه جنبي أهي وصاحية. عايز تكلمها؟ كل ذلك وهي تحرك رأسها لوالدتها برفض، وهي لا تريد أن تتحدث معه، ولكن والدتها وضعتها أمام الأمر الواقع، فأخذت منها الهاتف، ثم قامت ماجدة وتركتها وحدها كي تحادثه. فسألها بحنو ما إن استمع إلى صوته الذي استوحشه كثيرًا: _من ساعة ما كتبنا الكتاب، وأنتي بعيدة أوووي ورافضة تكلميني، بس أنا مش زعلان منك يا زوجتي العزيزة، عادي ولا يهمك.
ما إن نعتها بزوجته، حتى تغيرت معالم وجهها، فقد ظلت رافضة لتلك الفكرة، والآن أرجعها إلى عالم الواقع. وأكمل هو: _أنا في الطريق أهو، جاهزة عشان نروح الفندق. تحمحمت كي تستدعي الهدوء، ثم أجابته برفض: _أنا مش عايزة فنادق، ولا عايزة أنكشف على حد. معلش إني مليش في الحوارات دي. هلبس الفستان وهكتفي بلمسات بسيطة، أختي هتعملها لي. لم يشعر بالضيق من تمسكها. فكيف يلومها على أنها تخاف الله؟ ثم طمأنها:
_متقلقيش، أنا مراعي ظروفك ومش جايب لك أي حد وخلاص. لا يا حبيبتي، أنا جايب لك فريق متخصص لطبيعة تدينك. أنا مش هعمل حاجة ممكن تقلل أبدًا من خوفك من ربنا. تنهدت بضيق، ثم سألته: _هو إيه لازمته طيب يا آدم؟ إني على أي حال منتقبة ومش هيظهر مني حاجة، فإيه لازمتها الفرهدة دي؟ هدأ من حالته المتعبة في عدم فرحتها بليلتهم، وأنها ليست كباقي الفتيات في ذاك اليوم، وراعى عدم استيعابها للأمور ككل، ثم أجابها:
_يا حبيبتي، أنا عايز أعمل لك فرح زيك زي البنات. عايزك تلبسي فستان وتعملي سيشن وتفرحي بيومك اللي هيفضل ذكرى حلوة في حياتك. باختصار، مش عايز أظلمك يا مكة. فانتي اهدي كده وقومي افطري كده واشربي قهوتك، ومتفكريش في أي حاجة غير إن النهاردة يوم فرحنا وبس يا قلبي. أخذت نفسًا عميقًا يدل على انزعاجها من الأمر ككل، ثم سألته:
_هو إنت ليه مصمم إن جوازنا دي طبيعي، وإنه مفيش بلية كبيرة حصلت خليتنا نتجوز بالسرعة دي من غير أي رسم لحياتنا، هتبقى عاملة كيف؟ أو إننا وضعنا هتبقى إزاي؟ خلل أصابعه بين خصلات شعره بضيق من تخوفها، ثم أردف باستجداء:
_طب ممكن تسيبي كل الأسئلة والحيرة دي على جنب خالص، ودماغك تبطل تودي وتجيب، ونعدي اليوم المهم جدًا، وتتناسي اللي حصل، وتتعاملي بطبيعتك كعروسة، والنهاردة يوم فرحها على حبيبها اللي بتحبه وهو بيعشقها. وبعدين لما يتقفل علينا باب واحد نتكلم ونتفق على كل حاجة. واسترسل حديثه وهو يطمئنها أكثر:
_ومتقلقيش يا حبيبتي، أنا مش هغصبك على أي حاجة. وتأكدي إننا مش هنعيش حياة طبيعية زي أي زوجين غير لما تبقي راضية وبكامل إرادتك. أنا مش حيوان ولا شهواني إني أغصبك على حاجة أنتِ مش عايزاها. وأكمل بنبرة حنونة كي يؤثرها أكثر ويجعلها تدخل عالم آدم بقلب مطمئن: _متقلقيش يا حبيبتي، كفاية عليا نفسك في المكان. كفاية عليا أحس بوجودك جنبي، والله العظيم أي حاجة بعد كده تهون مقابل نظرة واحدة بس من عينيكي.
أغمضت عينيها وداخلها ينطق مشاعر متضاربة الآن. يا الله، كم من الرقي يحيطك ذاك آدم! كم من التضحية التي ضحيتها لأجل إرضائي! ولكن داخلي ينهرني، داخلي خائف، ضائع، مشتت، مرتعب، والأدهى أنه مشتاق، مرحب. تـرى ماذا فعلت بي أيها العاشق! لقد أسرتني ودللتني وعليتني. لقد ملكتني وما عدت قادرة على المقاومة. ثم همست بنبرة خائفة ومرتعبة من القادم المجهول:
_أرجوك يا آدم متوصلنيش للانهيار. إني عشت عمر بحاله واني مستمسكة نفسي على حلم زوج في خيالي وبنيت أمالي على أساس غير اللي اتحطيت فيه دلوقتي. أرجوك اوعدني وقت ما أحس إني مش قادرة ومقاومتي بقت صفر اديني حريتي. كم صعب ذاك الكلام الذي نطقته! كم كان مؤلم له! مدمر لرجل عاشق. ثم تحدث بنبرة عاتبة: _ليه دايما مصممة على الفراق؟ يا مكة تفائلي بالخير تجديه. ومش هقولك غير حاجة واحدة بس إني هكون أمين عليكي لأبعد مما تتخيلي.
وتابع كلماته وهو ينهي فكرة الفراق من بالها: _بس حتة الحرية والفراق دي موعدكيش. مش أنا اللي هتنازل عنك بالسهولة دي. ماهو أنا مصبرتش السنين دي كلها ومرضتش بأي ست وخلاص علشان كنت عايز ست البنات اللي تملك قلبي وتعشش جواه ويوم ما ألقاها أسيبها بالسهولة دي! لاااا مش هيحصل بإذن الله. ثم طلب منها بتعجل وهو ينظر في ساعته: _يلا بقي في الانجاز. هكون عندك على الساعة 11 تكوني جهزتي.
ثم أودعها السلامة وأغلق الهاتف وهو يبتسم. فذاك آدم محارب شجاع في العشق ولا يخاف من الفراق، فهو متمسك بها بقوة لن تضاهيها أي قوة في الكون. أما في الخارج، خرجت ووجدت أخواتها يضحكون ويمرحون بسعادة، فقررت أن تندمج معهم وتنسى أي شيء يعكر صفو مزاجها. جلسوا يتناولون وجبة الإفطار في جو أسري محبب إلى قلبهم، الأم وبناتها دون أن يعطوا للزمان فرصة للضيق.
مر الوقت سريعًا. ثم قامت مكة وارتدت ملابسها وأعدت ما استحتاجه في الحقيبة الخاصة بها. ثم خرجت وجلست بجانب والدتها وعيناها تنظر إلى أرجاء المنزل باشتياق وهي تودع أيامها الجميلة التي قضتها مع أخواتها ووالدتها. ثم جذبتها مها إلى أحضانها وتحدثت:
_حبيبتي اللي هتوحشني قووووي. إنتي متعرفيش يا مكة إني بحبك كد إيه ومتتصوريش إنك فارقة معايا قووووي. إنتي كنتِ طاقة النور اللي بيفوقني وقت ضعفي. كنتِ الملاك اللي دايما بيثبت لي إن الدنيا بخير. واسترسلت حديثها وهي تشهق بشدة وتبكي بوجع داخل أحضانها على ما تمر به، وكأن أحضان تلك المكة هي أحضان الإيمان الذي غاب عنها فترة ما وجعلها غرزت حالها في وحل الخطيئة:
_كنت بدخل أوضتك بحس بالراحة والسكينة وكأني داخلة الجنة من كتر ما انتي مالياها قرآن بصوتك الجميل وصلاة طول الليل وأذكار مبتفارقكيش. علشان كده بقول لك روحي لجوزك بنفس مطمئنة، هو هيطلع ولد حلال قووووي. ماهو إنتي لازم ربنا يرزقك الخير كله يابت أبوي. مانتي عشتي عمرك كله مبتعصيش وعمرك ما مشيتي ورا هوا النفس، وعلشان كده قلبي من جوة مطمئن عليكي.
أنهت كلامها وشهقت ببكاء وهي مازالت متمسكة بأحضانها كالغريق وهي مركب النجاة. قامت سكون من مكانها فقد أدمعت على دموعهم، فهي رقيقة بشدة وجذبت كلتاهن إلى أحضانها ثم تحدثت من بين شهقاتها:
_واني زيك بالظبط يا مها. قلبي موجوع عليها قووي. رغم إنها هي اللي صغيرة، بس عمري ما أنسى إنها هي اللي كانت بتشد الموبايل من يدي وتقول لي يالا نصلي حبة ركعات قيام ليل يشفعوا لنا يوم القيامة وندعي فيهم إن محدش يأذينا أبدا وربك يستجيب طالما ملحين. ولا يوم الإجازة اللي الناس بتسهرها مع أصحابها هي كانت تقول لي يالا يا أختي سيبك من سهرات الغيبة والنميمة دي ويالا عندي سهرة أحلى بكتييير. سهرتنا صلاة وذكر وقرآن هينفعنا في دنيتنا وآخرتنا. وتسحبني وبتكون مجهزة برنامج جميل.
واسترسلت حديثها وهي تمسح دموعها ثم خرجت من أحضانهم وربتت على ظهرها: _زرعتك وياي يا صغيرة نفعتني ومكملة بيها لحد دلوقتي وعلّمت عمران كماني. لينا كل يوم ساعة عبادة لربنا كيف ما تكون. وبتلاها بحس إن ربنا مطمن قلبي ولما أحس إن قلبي مقبوض أجري وأعمل الطقوس اللي عودتني عليها وبعدها أحس ولا كأن حاجة حصلت. وأكملت وهي تنتحب مرة أخرى: _واهي هتمشي دلوقتي حورية الجنة وهتتخطف من وسطنا وهننحرم منها.
وظل الثلاث بنات يبكون في أحضان بعضهن من حرقة الفراق. خرجت إليهم والدتهم من غرفتها ورأت حالتهم تلك فانصعقت وهرولت إليهم وهي تنطق بملامح متعجبة: _ياحزني عليكم بتعيطوا البت يوم فرحها منك ليها يا بوز الأخص انتو. واسترسلت حديثها وهي تفرق شمل الكآبة وتبعدها عنهم وأخذتها بين أحضانها: _متعيطيش يا بنتي سيبك من المعاتيه دول وافرحي يا نضري. النهاردة يوم هنا وسرور. مسحوا جميعًا دموعهم وهدأوا من حالة الحزن التي اعترتهم جميعًا.
ثم تحدثت مكة بدعابتها المعتادة: _وه يا ماجدة شيفاكي حنينة علي النهاردة على غير عادتك. دي أنا في الدخلة والخرج كتي بتقطعيني وتقولي لي كلمتك المشهورة "ياللي مانتيش نافعة وهترجعي لي بالقرصتين سخنين". دلوقتي بقيت الحتة الشمال واليمين وكله. ثم لاحظت عينيها المحمرتان ويبدو أنها الأخرى كانت تبكي فتابعت بذهول وهي تمسكها من ذقنها: _وه وه يا ماجدة. كأنك كنتِ ميتة من العياط إنتي كماني! ثم نظرت إليهم جميعًا وأكملت:
_كأني طلعت حد مهم بالنسبة لكم يا أخواتي ومكنتش داريانة. بس متقلقوش هقرفكم كالعادة، هتروحوا مني فين. وأكملت وهي تدلي نصائحها لمها: _إنتي يا أم الزين وأخوه السكر واظبي على القيام والصلاة والقرآن كيف ما عودتك دايمًا. أمانتي ليكي. ثم وجهت أنظارها إلى سكون وتابعت: _وإنتي شرحي وزودي في الورد شوية وسيبك من دلعك الزايد شوية مع عمران، ركزي في اللي هينفعك.
ابتسمت جميعهن على دعابتها واحتضنت ماجدة بناتها ودعت لهم براحة البال والسلام. الآن وصل آدم وأتى موعد خروج مكة من منزلها وجميعهم يقفون بدقات قلوب بمزيج من المشاعر المتضاربة من الحزن والفرح في آن واحد. قلوبهم حزينة لفراق صغيرتهم وفرحين لزواجها. بدأوا بالتسليم عليها واحتضانها بحب ودموع عيونهم على فراقها تحكي ألف حكاية وحكاية.
ولكن هذه سنة الحياة، أناس تفارق وأناس أخرى تعاشر وتسير مركب الحياة ولم يبقى شيئًا على حاله. ولكن خروج البنت من منزل أبيها يوجع القلب ألمًا ولكن الاعتياد على ذلك الشيء يصبح سهلاً يومًا عن يوم. وبعد أن أنهوا سلامهم نظرت ماجدة إلى آدم قائلة: _تعالى يا حبيبي أعمل لك فطار متتعجلش، الدنيا مش هتطير. بوجه بشوش وابتسامة أنارت وجهه أجابها وهو يربت على ظهرها بحنو:
_تسلميلي يا ماما منحرمش منك أبدًا. بس والله فطرت هند أختي مأكلاني أكل وأنا جاي يكفيني أسبوع. ربتت هي الأخرى على ظهره وتحدثت وهي مبتسمة لذاك الراقي في رده وطريقته: _والله يا ابني إني مشفتش زيك من زمان قوووي، فيك حنية تكفي الدنيا بحالها. اعمل حسابك تجيب مكة وتيجي تقضوا وياي يومين في الأسبوع، إني حبيتك وارتحت لك قووووي. جذبها ذاك آدم من رأسها وقبلها بحنو دليلًا على محبته النابعة من قلبه لها مرددًا بتأكيد:
_حبيبتي يا ماما والله ما كتبت كتابي على مكة وأنا بقيت بعتبرك في مقام ماما الله يرحمها. ومن عيوني حاضر مقدرش أرفض لك طلب يا جميل. كانت تنظر له متعجبة من طريقته المثالية. أحقًا يوجد رجال حولنا بتلك المثالية كذاك آدم؟ الحق يقال إن عمران يعاملها بطريقة حسنة وبشدة، ولكن آدم طريقته في التعبير عن أي شيء تأثر القلوب من اختلافها، فهو يتعامل بطريقة آدمية راقية بحتة. هنا هتفت سكون مرددة بدعابة:
_متستغربيش يا ماما آدم مش زيينا. اهنه دي متربي تبع التربية الإيجابية. مش شكل تربيتنا إحنا. تناولي ابنك بسلاح الأم المعتبر ويرد يقول لك وهو بيبرق لك عينيه ويخشن صوته: "حرام عليكي يا ماما". ضحكوا جميعًا على كلام سكون التي أكملت بفخر وهي تنظر إلى مها: _كيف أم الزين أكده مابتربي ولادها وانتي شفتي بعينك معرفش عمليتها إزاي دايمًا، بس هي بطلة ونرفع لها القبعة.
ابتسموا على طريقتها ثم ودعتهم مكة وخرجت من المكان وهي تنظر بعينيها دامعتان إلى كل ركن في المنزل وكأنها تودع روحها المتعلقة به. جذبها آدم من يدها برفق وفتح لها باب السيارة الأمامي مما جعلها تشكره بعينيها لذوقه، ثم خطى بساقه للناحية الأخرى واستقل مكانه وبدأ بتدوير السيارة وغادروا المكان. وأثناء سيرهم سألها عن حالها كي يطمئن عليها: _عاملة إيه طول الأسبوع مش عارف أوصل لك. فركت يدها بتوتر ثم أجابته: _زينة الحمد لله.
لاحظ توترها فركن السيارة في جنب ثم أنزل الستار الموجود بها مما جعلها تندهش والتفتت إليه متسائلة بتوتر: _وه وقفت ليه ونزلت الستاير دي ليه! معلش ارفعها بحس بالاختناق. اقترب منها قليلا وجذب وجهها إليه من فوق نقابها وبعينيه تنطق وحشة لها: _متخافيش ياحبيبي العربية جيدة التهوية. وأكمل برغبة: _وحشتييييييييني وحشتييييييييني وحشتييييييييني أوووي يامكة.
حقا لقد تخدرت أعصابها كليا من قربه وهمسه ونظراته التي تتآكلها ثم أخفضت عيناها خجلا، ودقات قلبها تتصارع داخلها ولم تعرف بما تجيبه وكل ما بها أنها حبست أنفاسها في قربه. أما هو فك رباط نقابها من الخلف بتروي كي لا يزعجها وعيناه متسمرة النظر في عينيها، ولكنه جعل داخلها يشعر بالخفقان من تمهله معها، فحقا هو بارع في التعامل مع الأنثى. ثم تحدث بنبرة لاهثة وهو يمرر لسانه على شفتيه:
_عارفة منستكيش ولا لحظة ملامحك حفظتها من أول مرة ودخلت قلبي وعقلي. وأكمل همسه بنبرة صوت أجش وهو مازال يقترب منها رويدا رويدا كي يسحبها لعالمه دون أن يشعر باعتراض أو نفور منها، فهو يريدها راضية مطمئنة: _بس تعرفي المرة دي ملامحك زادها نور يسحر. إنتي ازاي حلوة كدة بطبيعتك ومن غير أي مجملات!
كانت خجلة للغاية وجميع خلايا جسدها تمردت عليها في قربه. جميع خلايا جسدها زاد الإحساس فيها أضعافا مضاعفة. جميعهم تناوبوا عليها وأجبروها أن تقع صريعة غرام ذاك الآدم. ثم تفوهت بخجل جعل وجنتاها محمرتان بدرجة رهيبة وكأن النيران تؤجج منهما: _خلقة ربنا اللي خلقنا كلنا جميلات من غير ما نحتاج أي تصنع. حرك رأسه نافيا كلامها وتحدث وهو يمرر أصابعه على وجنتها برفق ورقة أذابتها:
_لاا متهيألك ياحبيبتي اليومين دول متعرفيش البيضة من السمرا من القمحية. متشوفيش لون العين الحقيقة كلهم تركيب واصطناع. أما هو أكمل وهو يجذب وجهها برقة إلى وجهه بحركات عاشق متمرس لعاشقة مبتدئة لا تفقه شيئا في قوانين القرب. وثبت رقبتها بإحدى يديه وبالأخرى أشار ناحية وجنتها ثم باغتها بقبلة منها جعلت حصونها المنيعة تهددها بالانهيار: _يعني الخد ده طبيعي من غير أي لون. وقبلة أخرى لعيناها برغبة:
_ولون العين دي بردو طبيعي من غير عدسات. ثم هبط إلى شفتيها أخيرا، واختطفهما بين شفتيه في قبلة عاصفة كان هو قائدها. أما هي كانت تائهة متخبطة ومستجيبة لكن لا تعرف كيف تجاري هجومه الضاري عليها. لاحظ هو اختناق أنفاسها بالفعل ففصل قبلته ولكنه مازال مقتربا منها وأسند جبهته بجبهتها قائلا: _والشفايف المغرية أووي وطعمهم الطبيعي من غير بوتكس ولا فيلر دول حقيقين. وأكمل بعينيه تود أن تفترسها ككل بنظراتها مما أخجلها:
_تجنني يامكة وحاليا، مش عايز غير إني أفضل كدة معاكي ومبعدش عنك. اللمعت عيناها بالدموع فانزعج هو هاتفا بدهشة: _ليه الدموع دي يامكة بس أنا ضايقتك في ايه. انقلبت الدموع الصامتة إلى شهقات بطيئة ثم أجابته من بينها: _انت وعدتني إنك مش هتجبرني على حاجة ومن البداية بتقول إنك مش هترحمني يا آدم. أخذ نفسا عميقا ثم زفره بتعب: _وهو أنا أجبرتك دلوقتي يامكة. رفعت عيناها المغشية بالدموع:
_انت دلوك استغليت ضعفي ومشاعري وبتحاول تخليني أرضى بالأمر الواقع وأتعود على قربك اللي مش هقدر أستغنى عنه بعد أكده واحنا لسه متفقناش. ابتعد عنها قليلا، ثم تحدث بنبرة عاتبة: _كلامك معناه إني بسرق منك إحساس الراجل بمراته وإنك دلوقتي كنتي بتضيعي وقت وخلاص. مع إن دقات قلبك فضحاكي أووي يامكة. حركت رأسها بموافقة وقالت:
_ملكش دعوة بدقات قلبي ولا بتصرفاتي أنا خلاص وقعت ومفيش مهرب ولا مفر منك إلا ليك وبقولها لك تاني يا آدم اديني فرصة استوعبك واستوعب المرحلة الجاية دي. بلاش نجيب الفيلم من نهايته خلينا نتابعه من البداية بتمهل. ابتعد عنها قليلا، وهو يتنهد بتعب من القادم مع عنادها وهو إلى الآن لا يعرف ما يجول في عقلها ولا حياتهم القادمة كيف ستسير.
ثم أدار محرك السيارة وقبل أن يمشي بها رفع الستار وفتح الشباك الجانبي لها كي يجعلها تهدأ وتحرك بالسيارة إلى الفندق. تواصل مع الحراس الشخصين له كي يدلف إلى الفندق هو وزوجته بهدوء نظرا لشهرته الواسعة. قبل أن ينزل من السيارة سألها: _ها ياحبيبي جاهزة ننزل. حركت رأسها بموافقة ثم هبط أولا وخطى إليها وفتح الباب ومد يداه كي تسكن يداها فهو يعاملها كالملكات المدللات. أعطته يداها وقبل أن تهبط نظر حوله وجد
بعض المارة الرجال فأمرها: _اظبطي نقابك الأول علشان مش متظبط وفي خصلات من شعرك باينة. اندهشت من تفحصه لها وأنه يأخذ باله من تفاصيلها فهو من عبث بنقابها منذ قليل وهي كانت تائهة وأعصابها مخدرة ولم تشعر إلى الآن بنقابها الغير معتدل. ولكن ما جعلها تندهش أكثر هو اهتمامه بتلك النقطة فلم يأت ببالها أن ذاك الآدم يغار عليها وعلى أن ينظر أحدهم إلى زينتها المخفاة. لاحظ اندهاشها فسألها بتعجب: _مالك يابنتي بتبص لي باندهاش كدة ليه.
كانت تنظر إليه نظرات تائهة ثم حولت أنظارها إلى المرآة وأجابته بعدما انتهت من ضبط نقابها: _لا مفيش حاجة. يالا اني خلصت. مد يداه إليها وهو يبتسم لها ثم دلفا إلى الفندق بسرعة قبل أن يلفتوا الأنظار إليهما ووقتها لن يستطيعا التحرك من الكاميرات. أنهى الحارس الخاص به جميع الإجراءات ثم صعد بها إلى الجناح المخصص لها في الفندق.
دلفا إلى الجناح وأخذا أنفاسهما يستدعيان الاسترخاء ثم سحبها برفق وأجلسها على الأريكة الموجودة في الجناح. لاحظ نظرات عينيها الغير مطمئنة ثم ربت على ظهرها بحنو: _مالك ياحبيبي إنتي كويسة. _زينة الحمدلله. هو المفروض ايه اللي يحصل دلوك. أجابها وهو ينظر إلى هيئتها: _اللي هيحصل دلوقتي إنك هتخلعي نقابك وحجابك وتلبسي البجامة اللي هناك دي وتنامي لك ساعتين. إحنا لسه الساعة ١٢ وهما هيوصلوا على ١.٣٠ مفيهاش حاجة يستنوكي نص ساعة.
نظرت له بعمق شديد. كيف له أن يكون بكل ذاك الحنان لها والاهتمام بها. لاحظ نظراتها المثبتة عليه ثم قبلها من يدها وانتصب واقفا، قائلا: _يالا أنا هدخل الأوضة الجانبية دي بعيدة عنك خالص هتوضى واصلي الضهر ومتقلقيش خليكي على راحتك مش هتحسي بوجودي خالص.
ابتسمت له بامتنان ثم تحرك إلى الغرفة الجانبية وفيها حمامها الخاص. أما هي بدأت بخلع نقابها وحجابها والدريس التي كانت ترتديه ثم ارتدت البجامة والتى كانت من القطن المبطن كي تشعرها بالدفئ فاليوم كان يصحبه بعض البرودة ثم ذهبت الى الحمام وتوضأت وأدت فرضها بخشوع. وبعد أن انتهت ذهبت إلى السرير وسحبت الغطاء الوبري الثقيل ولم تشعر بحالها وخلدت في نوم عميق.
بعد مرور ساعتين وجد آدم أن الحارس يبلغه أن الفريق أتى وهم مستعدون لتجهيز زوجته. وأن الوقت قد أزف ولابد من البدء الآن فلديهم جلسة التصوير الخاصة بالعروسين. فتح الباب وخرج من الغرفة ونادى بهدوء كي لا يزعجها لكنه لم يجد رد واستنتج أنها مازالت نائمة. فخطى إليها بخطوات هادئة تشبهه تماما ثم ذهب إلى التخت ودقات قلبه العنيفة تتصارع داخله عندما رآها نائمة كالحوريات.
جلس بجانبها بهدوء ولم يشعر بحاله وهو يتلمس شعرها الطويل المفرود بهوجاء على وجهها وصدرها وعلى الوسادة مما أعطاها منظرا رائعا جعله يهيم بها عشقا. صار يأخذ أنفاسه بصعوبة من هيئتها التي جعلت جسده يثور عليه ويطالبه الآن بسحبها إلى أحضانه ويسحبها إلى عالمه ويرتوي من رحيقها وشهدها المسكر. ولكنه وعدها. ظل ينظر إليها بضع دقائق ولكنه تذكر الفريق الذي ينتظرها بالأسفل ثم ابتعد عنها وانتصب واقفا، وبدأ يفيقها بهدوء.
تململت في نومها ثم استقر صوته في أذنها وفجأة قامت بسرعة وجدته واقفا أمامها بابتسامته الساحرة فجذبت الغطاء على جسدها ثم إلى رأسها وغطت نفسها بالكامل ثم تحدثت بتوتر: _أممم.. اني خلاص فقت اخرج واني هلبس هدومي ونقابي وقول لهم يطلعوا. قهقه بخفة على طريقتها الطفولية ثم حاول نزع الغطاء برفق ولكنها كانت متشبسة به ولكنه استطاع نزعه ورؤية وجهها فداعب خصلاتها وتحدث وهو يشاغبها: _إنتي مش ملاحظة إني جوزك ولا حاجة!
وأكمل وهو ينظر في ساعته: _يالا قومي بقى الناس وصلت تحت ومستنين الأميرة علشان يروقوا عليها. ثم أكمل بمشاغبة وهو يغمز لها بشقاوة: _ولو أن الأميرة مش محتاجة أي حاجات ولا محتجات هي تتاكل كلها على بعضها كدة من جمالها. فتحت فاهها بدهشة من وقاحته ثم رفعت الغطاء على رأسها مرة أخرى وكأنها تداري خجلها. ولكنه رفعه مرة أخرى بمشاغبة وهبط لمستواها بنصف جسده:
_هو القمر بيتكسف ياناس. بذمتك مش بتحبي آدم ومنفسكيش دلوقتي يخدك في حضنه ويدوقك طعم عشقه ليكي. ابتلعت ريقها بتوتر وادارت وجهها للناحية الأخرى وتمتمت بخجل: _اممم.. من فضلك بقى بلاش طريقتك دي علشان بتوترني. راعى خجلها الواضح ولكنه وجد حاله يجذبها ويجبر عيناها أن تستقر في عيناه:
_لااا بقول لك ايه احنا لسه بنقول ياهادي. ده احنا أيامنا مع بعض طويلة وفيها مناكفات وحوارات وتمرد وشد وجذب وفي الآخر بردو مش هتلاقي غير ده تستقري جواه وهو اللي هيريحك. أشار إلى أحضانه وهو يتحدث معها ثم داعب خصلاتها بأنامله وهو يكمل مشاغبته معها: _متقلقيش أنا نفسي اطول مما تتخيلي. قومي بقى علشان هيطلعوا وبعد مايخلصو هنروح للسيشن هو هنا في نفس الفندق. هنا انتفضت من مكانها وهي غير مدركة لهيئتها المبعثرة الخاطفة
للأنفاس ورددت بذهول: _سيشن! سيشن وراجل هيقف يقول لي اعملي كذا واعملي كذا وحوارات من ده. لا ممكن يحصل أبدا. لم يسمع ما قالت، وكل تركيزه على تلك الصغيرة التي سرقت قلبه الآن بجمالها الذي هدد حصون التماسك لديه.
ثم على حين غرة جذبها من يدها ولم يراعي وعوده لها. حبست أنفاسه من هيئتها، فشعرها انسدل على كامل ظهرها وبعض من خصلاته على جبهتها، وعيناها المنتفختان من أثر النوم، وكذلك شفاها. فلم يقدر على الصبر وأن يخطف شفاها في قبلة عاصفة ويداه تلوي خصلات شعرها بين يديه.
أما هي، رائحته وقربه عبأ صدرها ولم تقدر على مقاومته. فهي ضعيفة، لا تستطيع المقاومة. هي الآن واقفة في وسط طريق العشق، لا هي قادرة على أن تبعده عن أحضانها ولا هي قادرة على أن تجاريه، نظراً لتلك المشاعر الجديدة كلياً عليها. أما هو، أنهى قبلته واحتضن وجنتيها بين يديه مطمئناً إياها:
"متقلقيش ياحبيبي، السيشن في مكان مفيهوش نملة هتهوب ناحيته. وكمان بنت هي اللي هتنفذه مش ولد. هو أنا معقول اخلي راجل يلمح طيفك ولا يشوف ملامحك غيري." واسترسل بعيني عاشق: "ده إنتي دخلتي عرين الأسد اللي ياكل بسنانه كل اللي يفكر يقرب ناحيتك." وبنبرة متيمة ناداها: "مكة.. حبيبي." أجابته بعينيها فأكمل: "بحبك يارووووحي وأغلى من روحي. أنا هنزل بقى والبنات هتطلع لك." ثم قبلها من جبهتها بوقار لها وهو يردد بتأكيد:
"أنا واثق إنك هتطلعي عروسة قمررر." ثم غادر الجناح وتركها وقلبها وجسدها مفككين من عاصفة قربه الذي شنها عليها منذ قليل. ولم تلبث حتى استمعت إلى أصوات الفريق الذي بعثه آدم لها. ارتدت خمارها ونقابها وفتحت لهم الباب، وإذا بها تنصدم مما رأته. لقد رأت أربع فتيات منتقبات مثلها، وهم يرددون عليها بهدوء راقٍ: "السلام عليكم ورحمة الله. عروستنا الجميلة تسمحي لنا ندخل."
ابتسمت لهم وأفسحت لهم المجال وأدخلتهم بترحاب. وبدأوا يتعرفون عليها وعرفت كل منهن الأخرى، وفي غضون دقائق أصبحت تشعر وكأنها صديقتهم. ثم خلعوا جميعاً النقاب، وكلهن عندما رأوها سمن عليها وعلى جمالها. ثم سألوها عن أشياء تفعلها العروسة من الحمام المغربي والأشياء الخاصة الأخرى، فأجابتهم بأن أختها الكبرى قد فعلت لها كل تلك الأشياء.
فبدأوا بشعرها ثم وجهها، وكل منهم تعمل عملها بامتياز. فهن فريق مشهور جداً لتزيين المنتقبات وشهرتهم عالمية ويسافرن إلى الغرب، وصفحتهم تتخطى ملايين المتابعين. وحينما طلبتهم هند، فهي ذات شهرة واسعة أيضاً، أتوا إليها. بعد مرور ساعة تقريباً، أنهوا المكياج الخاص بوجهها، وحقا كانت رائعة. هادئة، وجمالها أصبح فاتناً أكثر من ذي قبل. ثم تحدثت إحداهن: "طب يالا يابنات العصر أذن نصليه." وأكملت وهي تنظر إلى مكة:
"متوضية تصلي معانا ولا تدخلي تتوضي؟ حركت رأسها بأسى: "لا مش متوضية. وبعد الميكب أظن مينفعش." ابتسمت لها الخبيرة ثم طمأنتها: "مين قال كدة ياعروسة، ادخلي اتوضي طبعاً. الماتريال اللي بنشتغل بيها ضد المياه ويستحيل وشك يجرى له حاجة. يالا اتوضي وتعالي نصلي وبعدين نكمل."
انفرجت أساريرها وما عادت تصدق ما قالته، فلأول مرة تعرف عن ذاك المكياج ضد المياه. ثم سألتهم على نوعه ومن أين يأتي، فأجابوها بأن تطلبه منهم لأنهم أضمن من أي أشخاص. ثم دلفت إلى الحمام وتوضأت وخرجت إليهم. وصففن بجانب بعضهن وأمتهن أكبرهن سناً وأقرأهن علماً. وبعد عشر دقائق انتهين من الصلاة وجلسن للتسبيح، ثم رجعن يكملن ما بدأوه. بعد مرور ساعة أخرى تحدثت الخبيرة وهي تمسكها من يداها وتلفها حول نفسها:
"بسم الله. تبارك الله. اجمل عروسة قابلتها في حياتي. ربنا يتمم لك على خير ويفرح قلبك ياموكة." شكرتها مكة واحتضنتها بمحبة، فهي شعرت بالراحة معهم وأحبتهم كثيراً. الآن أصبحت الساعة السادسة مساءً. ذهب إليها آدم بطلته المبهرة الخاطفة للأنفاس، فقد كان وسيماً بحلته السوداء ورابطة عنقه ورائحته التي تسبقه وبشاشة وجهه وابتسامته التي أعطته كاريزما خاصة به.
ذهب إليها وقلبه يدق بوتيرة سريعة مما هو قادم إليه، فحبيبته وعروسه ستتوج إليه اليوم. فهو مشتاق ومتلهف لرؤية طلتها، ولكنه خائف على نفسه من فتنتها ومن جمالها الذي يأسر روحه. أخذ نفساً عميقاً قبل أن يدلف إليها، ثم دخل إلى المكان الموجودة فيه. وجدها تعطيه ظهرها خجلاً من الموقف، ثم استدعى الهدوء ووقف خلفها واقترب من أذنها هامساً لها من الخلف:
"عارف إنك هتطلعي جميلة أوي أوي. وهتبهريني. بس أرجوكي براحة على قلبي المسكين ياحبيبي." كانت تستمع إليه ودقات قلبها تتصارع داخلها وجسدها على وشك الانهيار من الخجل. ثم استجمع شتاته ووقف مقابلها وناولها الورد في يدها الذي قبل باطنهما برغبة. ثم اقترب منها وبدأ يرفع نقابها. وما إن رآها حتى كاد يخر صريعاً من بهاها. ولم يجد تعبيراً عن عشقه لها وفرحته بها غير أنه جذبها من يدها ورفعها أرضاً وصار يدور بها بفرحة عارمة.
ثم أنزلها وردد بهيام وهو ينظر داخل عينيها: "الصمت في حرم الجمال جمال. في حد يخطف قلب حد كده. واكتر من كدة أنا هدوب ياموكتي." ثم أنزل نقابها وشبك يداه في يداها وذهبا إلى جلسة التصوير. بعد مرور حوالي ساعة أخرى انتهوا من جلسة التصوير وذهبوا إلى القاعة المختصرة المعازيم على أهلها وأهله فقط.
وهرول الجميع إليها وجذبوها إلى أحضانهم وانهالوا بالمباركات عليها والفرحة سكنت وجوههم جميعاً. وبدأت أجواء الفرح بدون موسيقى، وحقا كانت الأغاني المنتقاة بدون موسيقى رائعة وأثرتهم جميعاً. كانت أجواء الفرح هادئة نوعاً ما نظراً لرقي طبقة آدم وأهله وعدم وجود الموسيقى في الفرح. جلس آدم بجانبها أخيراً بعدما انتهى من التسليم على أقاربه وأصدقائه. وماجدة وأخواتها تركوا مكة كي تجلس وتستريح. أمسكها من يدها بتملك قائلاً،
وهو ينظر إليها بهيام: "مبسوطة بيومك وبأجواء الفرح ياحبيبي؟ ابتسمت بهدوء وأجابته: "كل حاجة فيه جميلة ماعدا الاختلاط، وخاصة إن فيه ستات تبعكم لبسها مكشوف شوي." نظر إلى المكان حوله ووجد الجميع يتسامرون برقي وأجواء السعادة بادية على وجوههم، ولم يوجد في المكان سكر أو أي اختلاط فيه شغب ومؤذٍ للعين. ثم هدأ قلبها من إحساسه بالذنب:
"ياحبيبي كل عيلة قاعدة مع بعضها والفرح راقٍ ومفيش أي مظهر يدل على غضب ربنا. باختصار المكان والجو شكل ما يكون سهرة عائلية مش فرح فيه رقص شباب مع بنات." لمست الراحة لها في كلامه، ثم بدأت تنسجم مع الأجواء وتوزع ابتسامات لصديقاتها وأهله الذين يبتسمون لها. واستمر الفرح بأجوائه على هذا النمط المريح للعين والنظر والأعصاب.
أما على تلك المنضدة الجانبية يجلس عمران وسكون وحدهما، فقد كانت رحمة تقف بجوار مكة وزينب كانت تجلس مع ماجدة يتحدثن مع بعضهن. فسألتها ماجدة كي تطمئن على حالها بعدما علمت تفاصيل مشاكلهم من رحمة: "طب واخرتها ايه يا أم عمران؟ لا انتي هتقدري على كيد البت دي ولا صحتك حمل سلطان لو مد يده عليكي تاني؟ تنهدت زينب بتعب من حالها المكلوم الذي وصلت إليه بسبب غدر زوجها لها بعد كل ذاك العمر:
"في إني لازم أتحمل وأبقى موجودة في بيتي وأتعامل بالعقل دلوقتي. إني عندي ولد متجوز وبتي اللي لسه والدة بتيجي البيت على حسي ولسه معايا بنت لازم أكون جارها ومفوتهاش. آدي الله وآدي حكمته." شعرت ماجدة بالأسى عليها ثم تحدثت بحنو وهي تربت على ظهرها: "أهي الدنيا كده. البني آدمين فيها حالهم ماشي بالمقلوب. لا الحلو فضل على حاله حلو والوحش بيزداد وحشة." وأكملت وهي تشجعها على قرارها:
"عين العقل إنك مهتخسريش جوزك أبو عيالك وتفوتيه للعقربة دي." جحظت عينا تلك زينب وهتفت باستنكار: "جوز مين دي اللي مهفوتهوش يا أم الداكتورة! دي لامؤاخذة اللي ميشيلنيش حوايا على راسه ملبسهوش مداس في رجلي. واستطردت حديثها بتأكيد: _اني مجبتش سيرته خالص، اني قعدت علشان ولادي والبت دي ماهفوتهاش تتهنى بشقاي وتعبي طول السنين. وأكملت بقوة امرأة مجروحة وهي تجز على أسنانها بحرقة:
_أما هو وحياة رب العباد وشعري اللي شاب واني كنت تحت رجليه وشايفه طلباته أوامر وبمحبة ماهيلمس شعرة مني تاني ولو حتى طلقها. اني اتكوّيت منه وقلبي كل يوم مولّع بسببه وهو مشافش مني أي شين يخليه يخون. تنهدت ماجدة بحرقة هي الأخرى: _لا اللي معاها الراجل مرتاحة ولا اللي وحديها مرتاحة والعيشة بقت صعبة قوووي. أفاقت زينب من حالة الوجع التى اعترتها ثم ربتت هي الأخرى على يديها متسائلة بقلق:
_وه طب وانتي مالك إنتي كمان، ما بناتك أهم كل واحدة فيهم بقت متسترة وفي بيتها وخلاص همهم انزاح عنيكي وهتعيشي كل يومين تاجي لك واحدة فيهم ولا راجل ينغص عيشتك تقومي براحتك وتنامي براحتك وتاكلي اللي على كيفك واللي ميعجبكيش متعمليهوش. وأكملت بدعابة كي تدخل السرور على قلبها لما رأته من حزنها: _ههه والله اني بحسدك يا أم مها ياشيخة فكي بلا نكد. ضحكت الأخرى بخفة ثم أردفت:
_ههه الله يعزك يا أم عمران. أيييييه دوام الحال من المحال. أما عند عمران وسكون تحدث وهو يجعلها تنظر إلى والدته ووالدتها قائلا بدعابة: _شفتي امي وأمك من شوي كانت ملامح وشهم كانهم هيبكوا عاد ودلوك الضحكة من الودن دي للودن دي. والله انتو الستات حالكم عجيب. قهقهت سكون على طريقته الدعابية ثم هتفت بنفس الطريقة:
_هما الستات أكده في لحظة تلاقيهم بيضحكوا على حزانهم وفي نفس اللحظة تلاقيهم بيعيطوا في فرحهم ودماغهم بسيطة قوووي وأقصى أمانيهم يقضوا يومهم فنجان قهوة على البحر وهما بيسمعوا المنشاوي ولا الشيخ محمد رفعت وبعد شوية تلاقيهم بيبصوا للبحر بسعادة وبعدها يغيروا المحطة ويشغلوا الست أو فيروز وبتبقى نفسيتهم في الوقت دي في أحسن ما يمكن. بس ليت ما يتمناه المرء يدركه والستات مطحونة في دوامة الحياة اللي مبتنتهيش وحلمهم البسيط ده ممكن ميحققهوش اصلا إلا لما قطر العمر يجري بيهم والصحة تروح وياه وساعتها قعدتهم هتبقى بكا على اللي راح.
حملق بها بدهشة من كلامها ثم سألها: _طب وانتي من الستات دي ياسكون؟ الله الوكيل لو نفسك تروحي تقعدي على البحر بعد فرح أختك أخدك أوديكي وأحقق لك كل أمانيكي. واسترسل حديثه وهو ينظر لها نظرات مشاغبة مرددا: _ونبقى بقى هناك وحدينا والجو هيبقى هادي خالص بصحيح والدنيا هص هص وأنا وانت ياحبيبي ونجوم الليل وبس. الى هنا ضحكت بشدة من كلمته وهتفت بتحذير بعد أن هدأت من ضحكاتها:
_ابوس يدك ياعمران بلاها الغنوة دي اقول لك بلاها عبد الباسط حمودة دي خالص مش هو بردو اللي قال "أبص لروحي فجأة لقتني كبرت فجأة وتعبت من المفاجأة ونزلت دمعتي قولي لي ايه يامرايتي قولي لي ايه حكايتي تكونش دي نهايتي وآخر قصتي". أنهت تلك الكلمات وضحك كلتاهما حتى أدمعت عيناهم وهتف وهو يغمز بكلتا عينيه: _طب ايه بقى الليلة هنا وسرور وعمران هيهيص من امبارح وانتي بايتة عنديكم وفايتاني لوحدي أعد نجوم الليل وحدي.
تذكرت أنها ستمكث أسبوعا بأكمله لم يستطع القرب منها نظرا لظروفها فحركت رأسها برفض: _لااا ياحبيبي ولا النهاردة ولا بكرة قدامك سبوع بحاله مهتجيش ناحيتي. برق عيناه من كلامها وأمسكها من يدها معنفا إياها: _وه وه عاد كانك كبرتي وخرفتي ياسكون! ده في احلامك ياعسسل. ضحكت بشدة مرة أخرى فهو فهم رفضها دلالا ثم فهمته ماتقصد وهمست في أذنه ما جعله تصنم بعيناه واعترى الحزن ملامحه ثم باغتها بذاك السؤال الذي جعلها حملقت فيه بعدم تصديق:
_وه واللي عملناه طول الشهر راح على الفاضي واترمى في بحر الغدر ياسكون. أنا كنت مواعد الحاجة زينب بعد ٩ شهور بالتمام والكمال هيشرف ولد عمران. اتسعت عيناه بذهول من طريقته التي يتحدث بها وكأن حزنه حقيقيا وسألته: _اوعاك تكون بتتحدت بصحيح ياعمران هزعل منك والله. ضمها برفق من كتفها بحركة مفاجأة وقبلها من رأسها دون أن يعطى للموجودين حولهم أدنى اهتمام مجيبا إياها بنفي:
_له طبعا، ياحبيبي هو أني أقدر على زعلك. بس بناكفك بس ياقمر. ابتسمت له ثم أشارت إليه أن ينظر إلى العروسين قائلة: _شوف حلوين إزاي. وفرحهم راقي وجميل. مط عمران شفتيه بسخرية: _وه هو فين الجميل في القعدة العائلية دي! هو آدم دي مش نجم ومشهور مجابش ليه عبد الباسط حمودة يروق لنا القعدة. ضحكت بخفة على طريقته المشاغبة ثم أردفت: _والله العظيم ملكش حل ياعمران. هو مفيش غيره عبد الباسط حمودة ده.
وبعدين هو ياعين امه يقدر يجيب حد ده كانت مكة أختي قلبت له الفرح جنازة. أعلن منظم الحفل عن رقصة العروسين التي فاجأت مكة وهتفت برفض له: _له مهرقصش أني قدام الخلق دي كلها. اعمل أي حاجة. ضغط على يداها وطلب منها راجيا: _مينفعش يامكة كده بتحرجيني وهتحسسي الناس إن في حاجة بصحيح والجوازة مش مظبوطة وانت المضرورة فأرجوكي اتعاملي طبيعي جدا. وبعدين ياستي للمرة المليون أنا جوزك.
تمتمت باعتراض ولكنها استمعت لرجائه كي تنتهي من ذاك الحفل وكي لا تلفت انتباه أحدهم إليها. وقام على الاستيدج وهو يسحبها معه بدلال يليق بها. كانت كاميرات الموجودين جميعا موجهة عليهم مما أربكها. همس بجانب أذنها: _متتوتريش كل اللي هتعمليه انك هتحطي ايدك حوالين رقبتي وبس وملكيش دعوة بالباقي. كانت خائفة فهي ليست من نوع الفتيات التي كانت تشاهد تلك الرقصات وتعرفها جيدا ففعلت مثلما طلب منها وهي خجلة للغاية.
اما هو احتضن خصرها بتملك واسند جبهته بجبهتها واستنشق أنفاسها الساخنة من تحت نقابها وبدأ يتحرك بها برقة تليق بذاك الآدم ثم عبر عن ما بداخله بكلمات جعلتها هائمة ذائبة تجرب شعورا لم تفقهه ولم يعلمه جسدها من قبل شعور الاحتياج بأنها في أحضان رجل:
_عارفة ياحبيبي أنا واثق إن هيبقى بيني وبينك في يوم من الأيام حب كبير أكبر ماخيالك يتصوروا حاسس كمان ان ربنا اللي يقدر حبي ليكي بانك ما تبعديش عني ولا لحظه ارجوك يا مكه اركني كل حاجه على جنب وما تفكريش في اللي حصل ولا اللي فات وخلينا نفتح صفحة جديدة من غير أي ماضي ونشوف هنعيش ازاي مع بعض واعتبري يا ستي في اول جوازنا فترة خطوبة انك تعرفيني كويس وتطمني وبعدها انا واثق ان ربنا هيخليكي تقربي مني وهيخليكي تطمني في قربي وان انا عمري ما هضرك ابدا.
كانت عيناها تنظر ارضا من شدة خجلها ولكن نبرته اللحوحة لها وكما انه جذبها من وجهها ان تنظر اليه فاستقرت عيناها في عيناه وهي تمرر لسانها على شفتيها اسفل نقابها مرددها بهمس:
_اللي عايزه ربنا هو اللي هيكون سواء كان هكمل او هبعد ولو هكمل اكيد مش هعاند قدر ربنا بس في حاجات هنتكلم فيها كتير قوي بس اليوم ده يعدي وقتها هنحط النقط على الحروف وانت هتعرف اني عايزة ايه كويس ولو انت بتحبني فعلا وعايز مكة وعايز السكن والسكينة والمودة والرحمة هتلاقيهم كلهم عندي بس في المقابل انا عايزة راحة نفسية معاك في اللي هعيشه وعمري ما هرتاح نفسيا طول ما انت المغني ادم المنسي.
تنهده بتعب وأسى مما ذكرته الآن ثم سألها سؤاله الحائر والمتعب لقلبه وقلبها: _طب قبل اي حاجة وقبل ما نشوف ونفكر هنعمل ايه عايزة اسألك سؤال وتجاوبيني عليه بصراحة بتحبيني يا مكة ولا انت لسه حاسة ان انت مجبرة؟ لم تريد ان تنطق تلك الكلمة من فاهها الا وهي تشعر بأنه رجلها الكامل في نظرها دون اي عثرات في طريقهما ولا أشواك تنغص حياتهما ثم اجابته:
_ممكن مجاوبش على السؤال ده دلوقتي خليها تطلع من قلبي مش من لساني ومش وقتها. ومش قادرة اتعامل بنفاق وياريت ما تفهمش كلامي اني ما عنديش احساس او بتعامل معاك من فوق يعلم ربنا ان اني عمري ما كنت بتعامل مع البشر من العالي ابدا لكن انت مش اي حد يا ادم احنا بقينا خلاص لبعض وقدرنا بقى واحد وزي ما قلت لك قبل كده ههرب منك ليك. اقتنع بأسبابها ثم تحدث بنبرة مرهقة:
_هتفضلي تهربي من الحب لحد امتى هتفضلي تعاندي قلبك اللي عايز يشق ضلوعك دلوقتي ويسمعني بنفسه الكلمة اللي نفسي اسمعها؟ هسيبك براحتك لحد لما ما تقدريش تقاومي لأن أنا واثق ان إنت مش هتقدري يا مكة مش هتقدري.
أعلن المنظم عن الحفل انتهاء رقصتهما فعلى حين غرة رفعها ادم ارضا ودار بها في المكان بأكمله كما يفعل اي عريس بعروسه يوم زفافهم تحت تصفيق المدعوين وصفيرهم بالفرحة لذاك الثنائي المختلف ثم أنزلها أرضا وقبلها من جبهتها ولم يستطيع ان يتعامل ببرود في تلك اللحظة فهمس لها برقة اذابتها: _بحبك يا اغلى شيء في عمري بحبك يا كل عمري ربنا يبارك لي فيك ويخليك ليا وما يحرمنيش منك ابدا.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!