الفصل 57 | من 75 فصل

رواية من نبض الوجع عشت غرامي الفصل السابع والخمسون 57 - بقلم فاطيما يوسف

المشاهدات
22
كلمة
6,329
وقت القراءة
32 د
التقدم في الرواية 76%
حجم الخط: 18

انتهى حفل زفاف مكة وآدم على خير دون أي عقبات. ودعت والدتها وأخواتها بدموع انهمرت على وجنتيها بغزارة من ألم فراقهم. ثم انطلق العروسان إلى السيارة ذاهبين إلى جزر المالديف. آدم يشعر بالارتياح في تلك البلدة، وكما أنها مكان بعيد تمامًا عن مصر وعن الضوضاء الموجودة فيها.

بعد مرور عدة ساعات قضوهما آدم ومكة في السفر، وصلا أخيرًا إلى ذاك المكان المنعزل قليلاً عن الأناس، نظرًا لظروفها الخاصة، كي تستمتع بالجو وتكون على حريتها في الملبس والطعام وكل شيء. ما إن دلفت ذاك الشاليه حتى وضعت يدها على قلبها تهدئ من نبضاته. فهي وهو في مكان وحدهما منعزل عن العالم، وحتماً ستكون رحلتهم صعبة. فهما عاشقان هائمان اجتمعا ضد الظروف والزمان. ولقاؤهما كأي زوجين طبيعيين من المحال بالنسبة لمكة.

أما هو، ظل ينظر إليها ووجدها مشتتة وخائفة وعيناها زائغتين، وهي تنظر إلى المكان برهبة. فاقترب منها وحاول جذب انتباهها، وبدأ بالحديث معها كي تجعلها تهدأ من توترها ذاك: "حمد لله على السلامة، نورتي بيتك." ابتلعت ريقها بتوتر وهتفت بنبرة منخفضة: "الله يسلمك." ثم نظرت إلى المكان وسألته: "هو الشاليه ده بتاعك؟ اقترب خطوة واحدة وأجابها بموافقة وهو يومئ رأسه للأمام:

"أه يا ستي بتاعي. ها، إيه رأيك في ذوقه وفي جوه وفي المكان عمومًا؟ نظرت حولها تتفحص المكان من جميع أبعاده الجانبية، ثم قالت بإشادة: "المكان جميل وذوقه راقي ومريح للعين والنظر. بس هو ليه منحرف شوي عن الناس؟ "مش شايفه ولا مخلوق حوالينا هنا غير الجاردات؟ استرسلت وهي تتساءل برعب: "هو انت خاطفني يا آدم؟ اقترب منها الآن خطوات ووقف مقابلها، ثم أشار إلى حراسه الواقفين في المكان أن يغادروا. فنفذوا الأوامر في لمح البصر.

ثم فك رباط نقابها تحت رفضها التام، ولكنه طمأنها: "متخافيش يابنتي، محدش هنا خالص والحراس مشيوا. أما بالنسبة لحوار الخطف، هو في حد بيخطف مراته؟ مش هتفكي بقى ولا جو الاكتئاب هيفضل مسيطر عليكي." تنهدت بإرهاق، فهي تشعر بالتعب للغاية من السفر بعد الفرح مباشرة وهي ما زالت بفستان زفافها. ثم نطقت بإرهاق: "معلش إني تعبانة شوي، بس دخلني ووريني أوضتي. عايزة أغير الفستان ده، حاسة إنه هدني وعايزة أصلي وأنام وبعدها نتكلم."

رفع حاجبه باستنكار وردد: "أوضتك! هو انت هتنامي في أوضة غير اللي أنا هنام فيها؟ ده مستحيل ولا يمكن يحصل. مكان نومي هو مكان نومك." استدعت الهدوء كي تستطيع الإفلات من تشبثه بالرأي في ذاك الموضوع بالتحديد، فهي ليست على استعداد الآن للخناق ولا النزاع. ثم أجابته وهي تصطنع الضيق منه وعيناها تنظر أرضًا ولم تنظر لعينيه كي تشعره بضيقها:

"هو شرعًا لا يجوز وربنا ما أمرناش بكده، بس دي لما يكون جواز طبيعي مش غصبانية. وبعدين انت وعدتني إنك ما هتغصبنيش على حاجة واصل وإن كل شيء بالرضا." انشق قلبه حزنًا على كلمة الغصب التي قالتها الآن، وأصبح متيقنًا أنه دخل معها معركة خاسرة. فرغم حبها الذي تيقن منه، إلا أن نظرة التشبث والتصميم التي رآها في عينيها الآن ماهي إلا انفلاق لقلبه. فسألها بأسى ظهر بوضوح على معالمه: "يعني جوازك مني دلوقتي غصب يا مكة؟

ووجودك معايا هنا والفستان اللي انتي لابساه، عايزة تعرفيني وتأكدي لي إنهم وهم وإنها كلها فترة ما بينا هتتقضى وكل واحد يروح لحاله؟ تنهدت بنفس الأسى ومشاعرها الآن متخبطة ما بين حزنها عليه وحزنها على حالها. ثم أجابته برفق، فهي شعرت بانفطار روحه: "لو سمحت يا آدم، متاخدش كلامي دلوقتي وتفسره على كيفك. انت عارف كويس مشاعري بقت إيه ناحيتك، بس إني عندي مبادئ في ديني وتديني لا يمكن أتنازل عنها." ثم أشارت على

هيئتها وأكملت بنبرة مرهقة: "أرجوك، إني دلوقتي تعبانة ومحتاجة أرتاح وبجد هلكانة نوم ومش قادرة أقف على رجلي وحاسة إني هقع من طولي دلوقتي." أومأ برأسه للأمام، وهو الآن علم أنه انتقل من مرحلة الجري ورائها إلى مرحلة الجري الأكثر عن ذي قبل، مع الفارق. فالأول كان حاله به رأفة، أما الآن فقد رآها. اقترب منها، اشتم رائحتها، احتضنها بين يداه. رأى ضعفها في قوتها في آن واحد وهي تتنفس أنفاسه. قبلها قبلة عاشق. ثم نظر إليها

نظرة عميقة وعاتبتها عيناه: "أيتها الأبية، ماكل من ذاق الصبابة مغرمًا، وأنا مغرمًا، عاشقا، ولن أستكين." "مهما زاد عنادك وعلى كبرياؤك." "فذاك القلب وتلك الدقات لن تصمت." "وبالله على قلبك سأستعين." "وفي هواكي قلبي أعلنها وعشقي للأعمى ظاهرًا، وبحق خالق السماوات أنا قدرك اللعين."

أما هي، من نظرة عينيه القاتمة باللون الأحمر، رأت توعده لها وعلمت أنها ستسلم لفروض عشقه وأنه لن يتركها إلا وهي بين يداه أنثاه الكاملة وبكل رغبتها.

ثم أشار إليها بصمت دون كلام أن تدلف إلى المنزل، فهو مكون من طابق واحد فقط. منزل مصمم على الطراز الكلاسيكي ومنعزل عن العالم، تحيطه الخضرة من كل مكان، وأمامه بحيرة صممها آدم خصيصًا لمتعته باللون الأزرق الفاتح. كانت أجواء المنزل تشع بالهدوء والرقي والجمال الذي يبعث في النفس الراحة من الجلوس في حديقته وأمام بحيرته فقط. كما أن المنزل مجهز بجميع الأدوات المنزلية الكلاسيكية العصرية التي تجعلنا نشعر بأجواء الزمن الجميل ولكنها تناسب العصر الآن. ورائحة المنزل تشبه رائحة الجنة ونظافته وترتيبه يبعث في النفس الهدوء.

لقد خصصه آدم، وعدل فيه أشياء كثيرة كي تناسب حبيبته، فهو يعلم أنها رقيقة وتحبذ تلك الأشياء من خلال منشوراتها على السوشيال ميديا. أما هي، دلفت إلى المكان وانبهرت به وردد لسانها: "بسم الله ما شاء الله. المكان اللهم بارك جميل قوي ومريح للأعصاب." ثم نظرت إليه وسألته: "ياترى ده ذوقك واختيارك ولا مهندسين ديكور يا فنان؟

رق قلبه وفرح بشدة لسعادتها البادية على وجهه، ورغم حزنه من كلمتها وأيضًا من قرار نومها بعيدًا عنه، إلا أنه مجرد أن رأى بسمتها فرح بشدة. ثم أجابها بعينيه تلتمعان بالعشق: "ده ذوقك إنتي يا مكة. حبيت أعمل لك كل حاجة بتحبيها." اتسعت مقلتاها بذهول من إجابته، ثم سألته: "وانت عرفت إزاي إني هحب الأجواء دي؟ زين ثغره ابتسامة هادئة ولكنها جذابة أعطته مظهرًا ملائكيًا، أثرها في تلك اللحظة:

"اللي بيحب حد بيعرف عنه كل حاجة. كنت متابع صفحتك وكنتي دايما بتنزلي قرآن للشيخ مشاري راشد العفاسي على بحر أو على جزيرة وشاي ك المفضل اللي بالنعناع. عرفت بقى إنك بتحبي الأجواء دي. وعرفت كمان إنك مبتحبيش الشتا، عشان كده عملت لك ركن دافي هنا كده."

وأشار بيده إلى تلك المدفأة الموقدة بالنار، ولكن الذي أثرها وجعل قلبها يرق له ما وجدته في ذاك الركن. فقد وجدت فيه راديو على الطراز الكلاسيكي أيضًا، موديل السبعينات، وبجانبه باجور وعلبة كبريت وبراد من موديلات السبعينات أيضًا. والراديو على محطة القرآن الكريم ومصحفًا على مقعده ومصلّاه ومسبحة وأريكة مغطاة بالقماش الأبيض من نوع الكتان.

جلست على الأريكة واحتضنت ذاك المصحف بين أحشائها وقبلته بحب، فهو أثمن هداياها في ذاك المكان. ثم تفوهت من فمها بتلقائية دون أن تلقي بالاً لكلامها وهي تنظر له نظرتها الآسرة لقلبه المسكين أكثر من ذي قبل: "انت جميل قوي يا...

لاحظت ما تفوهت به، فـتراجعت عن كلماتها، ولكنه شعر وكأنه ملك زمانه في تلك اللحظة من مجرد كلمات بسيطة قالتها، حتى ولو لم تكملها. فهو حقًا يعشقها، ومن يعشق ينسى ويغفر، فهذه قوانين العشق ليس بها رأفة أو رحمة بقلوب العاشقين. ثم جلس بجانبها على الأريكة وطلب منها بلهفة وعيناه على ذاك الباجور: "طب بقول لك إيه، ممكن تعملي لنا كوبايتين شاي بالنعناع هنا على السخان ده؟ نفسي أشربه من إيديكي قوي؟

ضحكت بشدة على نعته لذاك الباجور بالسخان، ثم هدأت من ضحكاتها التي جعلت قلبه يخفق بعنف من رقتها الساحرة، فحقا ضحكاتها أنغام وورود كما غناها العندليب الأسمر: "سخان إيه بس! داي اسمه باجور بيتحط فيه جاز وبنشد الفتلة بتاعته اكده وبعدين نولعه بالكبريت.

ثم صفقت بيدها بعدما نجحت في تشغيل ذاك الباجور وبدأت في صنع الشاي حسائها المفضل لديها. وبعد عدة دقائق قامت بسكبه في الإناء الزجاجي التقليدي ثم ناولته إياه برفق. فأخذه منها ولكن على حين غرة جذب يداها وقبلها قبلة شغوفة من باطنها جعلت داخلها يهتز ووجهها كأنه صبغ باللون الأحمر من شدة خجلها. ظل محتضنا إحدى يداها ومشاعر جسده تطالبه أن يسحبها داخل ضلوعه ولكنها مازالت عاصية لك قلبي.

لاحظ توترها فترك يدها برفق كما جذبها ثم شكرها بامتنان وهو يحتسي الشاي: "بجد أول مرة أدوق شاي بالطعامة دي. تسلم ايدك ياحبيبتي."

ابتسمت له وهي تضع عيناها في ذاك الكوب من خجلها البين على معالمها ثم بدأت بتناوله هي الأخرى وهي تحتضن ذاك الكوب بين يداها كي يشعرها بالدفئ. ظلا صامتين فهو كفاه اليوم احتسائه الشاي من صنع يدها وتقبيلها والجلوس بجانبها ورائحتها المسك تعبئ صدره فهو كان يحلم فقط برؤياها والآن جبر بالجلوس معها في منزل وحدهم. وبعد أن انتهوا أوصلها إلى الغرفة الخاصة بها وانتقاها بعناية. أدخل الحقائب الخاصة بها في الغرفة ثم تحدث:

"تصبحي على جنة من الرحمن ياحبيبتي." ابتسمت له وبادلته مساه: "وانت من أهلها." بادلها نفس الابتسامة ثم أرسل إليها قبلة في الهواء وهو يغمز لها بإحدى عيناه فنظرت ارضا من خجلها. اما هو ذهب إلى غرفته وترك لها مساحة من الحرية وهو يثق في عدالة السماء أنه سينصف في ليلة وضحاها. -أما في منزل سلطان المهدي يجلس سلطان في الاسطبل وأمامه الشيشة يسحب منها الأنفاس بتكيف. دلف إليه عمران وألقى السلام فأجابه سلطان بترحاب:

"وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. تعالى اقعد ياولدي. عامل ايه ومرتك كيفها؟ جلس عمران بجانبه وتحدث بنبرة عاتبة يغلبها الضيق: "إحنا بخير الحمدلله يابوي. بس ليا عتاب عنديك." تحمحم سلطان بحرج منه فهو يعلم أنه أخطأ ولكن اصطنع عدم الفهم: "خير ياعمران ماكلياتكم موراكمش غير العتاب لسلطان دلوك وبالنسبة لكم سلطان بقى وحش وميتعملش." التوى ثغره بحسرة من طريقة بدئ والده في الحديث ولكنه صمم على عتابه:

"انت يابوي اتغيرت ويانا كلياتنا. ليه اكده ياحاج سلطان عمرك كله معميلتش فينا اكده عاد؟ استنكر سلطان كلام ولده ثم تحدث بنبرة حادة خشنة: "هو أني كنت عميلت ايه لدي كلياته ياسي عمران ياللي قاعد تحاسب بوك وواقف له على الواحدة؟ وأكمل وهو ينفث دخانه بغضب: "ولا هو العيل منيكم لما يتجوز ويبقى له مرة يتحول على أهله." نفى عمران كلام والده بشدة:

"له يابوي مرتي عمرها ماجابا سيرتك بالباطل أبدا. يابوي سكون متربية وبت ناس. دي انت هينتها في أهلها وفي أصلها وتاني يوم نزلت صبحت عليك وكان محصولش حاجة واصل." واسترسل حديثه وهو يحاول تليين عقل والده:

"يابوي انت راجل حاجج بيت الله وعارف الحرام من الحلال وانت سبت المصونة اختها اللي اتجوزت واتعمل لها فرح قنا كلياتها بتتحدت عنيه. رميت ودنك للشيطان مع انك معاهد ربك وانت في بيته انك متظلمش ابدا تقوم تاجي على ولية وانت كمان حداك ولايا مترضالهمش اكده." شعر سلطان بالخزي من حاله من كلام ابنه وهو على يقين بأنه علي حق مائة بالمائة ثم تحدث بنبرة أكثر لينا:

"يعني كنت عايزني أعمل إيه واني شايف أختها واحد شايلها وواخدها في حضنه وبيركبها عربيتة غصب عني عقلي فط مني ومعرفش وقتها اقول ايه." تنهد عمران بثقل ثم نصح والده: "يابوي انت راجل قاري قرآن ربنا اللي قال 'وإن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين'."

"يابوي مابال رجل قال كلمة لا يلقي لها بال دخل بها الجنة وبال رجل قال كلمة لا يلقي لها بال دخل بها النار. يعني ممكن كلمة نقولها من غير قصد وندخل بيها الجنة وكلمة نقولها من غير قصد تدخلنا النار." مط سلطان شفتيه بامتعاض: "يعني عايز بوك يحق لعيلة من دور بناتاه على اخر الزمن ياعمران؟ حرك عمران رأسه برفض ثم قال: "له يابوي معاذ الله. بس عايز منك تطيب خاطرها بكلمتين داي بردك يتيمة وهي معتبراك في مقام بوها." ألقى خرطوم الشيشة

من يداه ثم تحمحم بموافقة: "اممم.. حاضر ياعمران قوم بينا نطيبوا خاطرها. هي عليت في نضري علشان مردتش علي واتعملت بعديها طبيعي وعلشان احترمتني فهي بت أصول وولاد الأصول يتشالوا على الراس." فرح عمران كثيرا ثم تحدث بامتنان: "ربنا يبارك في عمرك يابوي. بس بعد اكده لما حد يبلغك حاجة متاخدش رد فعل إلا لما تتوكد زين دي النفس أمارة بالسوء ياحاج."

تحركا من مكانهم وذهبا إلى المنزل. في غصون دقائق دخل إلى المكان وجدهم كلهم مجتمعين فألقى السلام عليهم فردوا جميعا. عدا زينب ما إن رأت قدومه حتى قامت من مكانها مرددة: "هدخل أريح في أوضتي شوي معايزاش حاجة ياسكون يابتي." ابتسمت لها سكون وقالت: "ليه اكده ياماما الحاجة خليكي قاعدة وياي شوي ملحقتش اقعد وياكي. وكمان تكملي لي حكاية الحاجة نفيسة متسبنيش اكده حيرانة." اصطنعت زينب التعب:

"معلش يا بتي يوم تاني مقدراش دلوك متزعليش يامرت الغالي." هنا تحدثت رحمة بامتعاض مصطنع: "ميتي يا حاجة زينب هتنعتيني بالغالية زييهم كلهم اكده؟ "هو إنت زييهم لاسمح الله يابتي؟ "وه أمال إيه أفرق عنيهم ايه أني؟ "تفرقي كتير يابت بطني. إنت قوية ومفـ.ـترية ومحدش يقدر عليكي." وأكملت وهي تنظر تجاه سلطان: "معلوم وارثة ناس في قوتهم الجبارة." فتحت رحمة فاهها بدهشة: "وه وه ياحاجة هو أني في نظرك هولاكوا قوووي اكده!

والله حرام عليكي يا زوبة. س يابت، حرمت عليكي عيشتك يا أم لسانين إنتي، دي الراجل اللي هياخدك إن مكانش يبقى عابد ناسك والمفروض يبقى نظره ضعيف كمان علشان ميشوفش غيرك، يا أما هتعذبيه يا عين أمه وهتوريه النجوم في عز الضهر. مطت رحمة شفتيها وأردفت بمكر: ماله ياحاجة، لازم أبقى مالية مركزي أكده، إني مش أي حد بردك، إني أمي الحاجة زينب على سن ورمح. وصلها مغزى ماتقوله تلك الماكرة ثم قالت آخر كلماتها وهي تدلف إلى غرفتها:

إني هروح وأجي فيكي إيه يا بت بطني. كان سلطان ينظر إليها باشتياق، فقد شعر بأنه افتقد جزءا كبيرا من يومه، الجزء المريح والركن الهادئ الساكن له. كان ينظر إليها وهي تتحدث بلهجة جديدة كليًا عنها. ففي قانون التعدد الاشتياق يزداد أضعافًا. ما كان يتوقع منها القسوة، الابتعاد، الهجر، فحقًا خلت بقلبه. استأذن منهم أن يدخل إلى البراندا كي يتصل بأحدهم.

وعلى حين غرة دخل من أمامهم جانبًا، وهو ينظر إليهم لم يجد أحدهم تتبعه عيناه، ولكن تلك الرحمة اتبعتهم بعينيها. كم تمتلك مكراً ودهاءً! لم يرى سلطان نظرتها، فكانت خفية. دلف إلى غرفة زينب وجدها تقف أمام مرآتها بقميصها القطني المعتادة على ارتدائه في غرفتها وتصفف شعرها الحريري الطويل الذي تهتم به دائمًا. فمن يراها لا يظن أن لديها ولدًا ثلاثينيًا، ولو وقفت بجانب رحمة وحبيبة يظنوها أختهم وليست والدتهم.

كان ينظر إليها باشتهاء، فهي تهجره منذ أكثر من شهر وهو اشتاقها بشدة، فهي طيلة الثلاثون عامًا وأكثر لم تنم بعيدًا عنه. أما هي لم تفزع من رؤيته، ثم جلست على الكرسي أمام الكمود وجذبت شعرها بأكمله على كتفها مما أعطاها مظهرًا تجعله راغبًا به. مما جعلها تفهم معنى نظراته، بل تفهمها جيدًا. وللحق سعد داخلها، فتحدثت وهي تستدعي البرود: إيه اللي جابك هنا؟ مخايفش من ست الحسن والجمال تلمحك تقوم تهجرك هي كماني وتبقى جوز الهاجرين؟

نظر إليها نفس نظرات الاشتهاء وبدأ يقترب منها كي يجعلها تلين، فهو سيلعب الآن على الوتر الحساس للأنثى وهو رغبتها به، وبالتأكيد اشتاقت له هي الأخرى. هي متهمنيش كدك أنتِ يا أم عمران، إنتِ اللي في القلب واللي مفيش ست غيرك تملي قلب سلطان. قامت من مكانها وحركت رأسها بشدة، فتحرك شعرها الطويل حتى لمس وجهه، فأمسك خصلاته بين يديه بسرعة وبدأ يشم رائحة عبيره بنهم التي استوحشها كثيرًا.

لاحظت حركته فاغتاظت، فهي لم ولن تصفو له وستكبت إحساس الشعور بالاحتياج لرجلها حتى تنتقم، فهي لن تجاريه في سحبه لها تجاهه، وإن حدثت مرة ستحدث ألف مرة. فشعر داخلها حينئذ بالنيران وأنها ستصبح جاريته وتحت أمره وقتما يريد، فجذبت شعرها من يديه ولكنها لم تفلح، فكان متمسكًا به بشدة، مما جعلها تأوهت، فأثرت تأوهاتها به، فجذبها فجأة بين يديه وهو يثبت خصرها قائلاً وهو ينظر إلى عينيها الخضراء (فرحمة شبيهة والدتها كثيرًا)

بذمتك متوحشتيش سلطان يا زينب؟ كادت أن تضعف وتستكين وتسلم راية الاستسلام، ولكنها بعدته عن أحضانها هاتفة بتصميم: الله الوكيل لو قلبي وجسمي اتفقوا عليا على أنهم يشتقاولك، لفعصهم بين يدي دول، ولا إنك تمس شعرة مني يا سلطان. استفزته بشدة ووجعه رفضها له، فجذبها عنوة حتى ارتطمت بعظام صدره، جعلها تتألم. إنتي أكده بتعصي ربنا يا زينب، واللي إنتي فيه ميرضيش ربنا واصل، والملائكة هتلعنك على تمنعك لجوزك.

رفعت إحدى حاجبيها، وبإحدى يدها داعبت خصلات شعرها ورددت بنظرات حادة قوية اختلقتها أنثى مجروحة: ماهو بردو ربنا أدى للست حق الطلاق لو هي مطيقاش معاشرة راجلها. وتابعت بنفس النظرات وهي تجز على أسنانها: وأني مش طايقاك يا سلطان وكارهة نفسك. نظر إليها نظرات مرعبة، فحقا سحلته وكرامته دهستها تحت قدمها دون أن يرف لها جفن.

وداخله يغلي، ومن شدة غليانه برزت عروق رقبته واحمرت عيناه، وفجأة دفعها على التخت وخلع جلبابه ورماه أرضًا، واقترب منها كي يأخذ حقه الشرعي منها إجبارًا عنها بعدما هدرت كرامته وجعلته لا قيمة له ولا هيبة. وكاد أن يقترب من وجهها إلا أنها وضعت يداها على صدره مانعة إياه بقوة أن يقترب منها، هادرة بعينيها تمتلك إصرارًا على هجرها له، وبقوة لم يعهدها على تلك الزينب من ذي قبل، فقد عهدها وديعة، حنونة، مشتاقة، راغبة به.

لو قربت مني غصب عني هصوت وهلم عليك عيالك اللي قاعدين برة، وشوف بقى لما يدخلوا يلاقوا الحاج سلطان الكبيرة عايز مراته اللي رافضاه، شوف بقى كرامتك قدامهم كلياتهم وقدام مرة ولدك هتبقى عاملة إزاي. وتابعت حديثها بشراهة أكثر، ولكن خففت يداها وأنزلتها من على صدره حتى تشعره بنفورها منه. الهيبة الواهية هتسقط، وأني مش هستسلم ليك يا سلطان مهما حصل، لو انطبقت السما على الأرض، ولآخر مرة بقول لك طلقني.

لكزها بقوة في كتفها وقام من فوقها وانتصب واقفًا، ثم هدر بها بصوت أجش خشن، ولكن يبدو عليه الانكسار. طب خليكي على عنادك دي يا زينب، وخليكي زي البيت الواقف أكده، وطلاق مش هطلق، وهعرفك كيف تعصي جوزك. وأكمل وهو يلتقط جلبابه بتوعد: ومسيرك هتقعي تحت يدي، ووقتها مش هرحمك، واللي ميجيش طيبة ييجي غصيبة، ووقتها مهتلاقيش حد ينجدك من يدي يا بت نفيسة الدلالة. مطت شفتيها للأمام بدلال وفردت ظهرها على التخت ووضعت يدها تحت رأسها، ثم

رفعت حاجبيها وأردفت بكيد: مالها نفيسة الدلالة، جابت لك ست كمل بعيون خضرا وجمال ودلال مهتشوفوش في ست غيرها، بدليل إنك واقف تترجل قدامي أكده وهتموت على، وإني ممطولكش مرادك يا سلطان. ثم داعبت خصلات شعرها وأكملت كيدها: ولو كنت لاقيت اللي عند بت نفيسة الدلالة، مكنتش رجعت طالب الرضا والسماح، وهي عارفة ومريدة.

جز على أسنانه بغضب من طريقتها المتغيرة كليًا، ثم نفض جلبابه بغضب وخرج من الغرفة وذهب إلى البراندا كي يهدأ من أعصابه التي تلفت على يدها. ثم خرج إليهم وجدهم يتحدثون بمرح، فدخل معهم في الحديث كي ينسى ما فعلته به زينب. وبعد مرور عدة دقائق نظر لسكون متسائلاً: كيفك يا دكتورة وشغلك أخباره إيه؟ ابتسمت له سكون وسعد داخلها لأجل سؤاله عنها ونبرة الحنو الواضحة في صوته. زينة وشغلي زين الحمد لله، منحرمش من سؤالك عني يا بابا الحاج.

تحمحم وسألها عن والدتها. يستاهل الحمد يابتي، وأختك عروستنا الحلوة أخبارها إيه؟ هنا اتسعت ابتسامتها ونظرت إلى عمران نظرات فخر، فهو قد أتى بأبيه إليها كي يراضيها دون أن يحدث بينهم بغيضة أو ضيق لكلاهما. فهي منذ أن تزوجت عمران وعدت حالها أن لا تسبب بينه وبين أبيه وأمه أو إحدى أخواته أي مشكلة، وستتعامل مع كل المواقف برقي وستترك أمرها، وحتى لو آذاها أحدهم ستتركه لرب العباد. ثم أجابته بابتسامة تزين ثغرها:

زينة الحمد لله يا حاج، جوزها أخدها بعد الفرح على طول وسافروا برة هيقضوا شهر العسل. واسترسلت بحزن: والله هتوحشها قوي وبعادها هيحزن في قلبي، هي كانت الأصغر وكانت قريبة منا كلياتنا. هنا تحدثت رحمة وهي تأخذها بين أحضانها بحنو: يا حبيبتي ربنا يسعدها يارب، دوام الحال من المحال، وهي دلوقتي اتجوزت واعتبرني مكانها ياستي، ولا منفعتنيش، ومتقلقيش إني قاعدة على قلبك ومهفوتكيش واصل لحد ما تزهقي مني وتقولي فوتيني بقى وهمليني.

ابتسمت بامتنان لتلك الرحمة التي تظهر للجميع أنها شرسة، ولكنها في الأصل قلبها مملوء بالحنان والاحتواء، صديقة بدرجة امتياز. لديها جيش من القوة والذكاء يجعل من أمامها يهابها من نظرات عينيها الشرسة. ثم شدت سكون من احتضانها وأردفت: عمري ما أزهق منكِ يا قمرة إنتي، ربنا يكرمك يا حبيبتي ويرزقك الزوج الصالح يارب. واسترسلت حديثها برقتها المعتادة وهي تنظر إلى سلطان.

والله العظيم يعلم ربنا يا بابا الحاج إنّي من يوم ما دخلت البيت ده وأنا أعتبرتك كيف أبويا بالظبط، ورحمة وحبيبة خواتي، وماما الحاجة زينب زي أمي. ربنا يخليكوا ليا ويبارك فيك وفي صحتك ويخلي لك عمران وحبيبة وتفرح برحمة. هنا شعر سلطان بمدى الخزي من حاله، فهي أصغر منه سنًا، ولكن جعلته في موقف مصغر بسبب ما فعله معها، ولكن هي الدنيا تثبت لنا أن العقول ليست بالسن. ثم تحدث ممتنًا لها:

عقبال ما نشوف عوضك يا بتي إنتِ وعمران، ساعتها هعمل ليلة تتحاكى بها قراها كلياتها. هنا ربت عمران على ظهر والده قائلاً: أمال إيه، هو هيبقى أي حد، ده هيبقى حفيد الحاج سلطان والحاجة زينب، ربنا يبارك في عمركم يا أبويا ويبعد عنيكم الأذى والشر.

كانت تلك الوجد تقف في الأعلى تستمع إليهم وداخلها ينهار حقداً بسبب جلستهم الطيبة وشعرت بأن الخطر قادم عليها لا محالة وبأنهم قادرون على سحب سجادة سلطان من تحت قبضتها. ثم دخلت غرفتها وارتدت ملابسها وانتوت الخروج. أنهت ارتداء ملابسها ثم وضعت في حقيبتها مبلغًا من المال وحملت أشياءها وهبطت إلى الأسفل، وجدتهم يضحكون جميعهم، فاستأذنت من سلطان.

بعد إذنك يا حاج، إني عندي معاد مع الدكتور، هروح دلوقتي عشان ما أتأخرش، لأني حاسة إن ضلعي بيوجعني شوية. نظر سلطان في ساعته ثم سألها: وليه ما قلتيش من أول النهار؟ إني عندي دلوقتي مشوار شغل مش هيخلص قبل ساعتين، أجليه الميعاد ده النهاردة. في نفس الوقت أرسلت رحمة رسالة إلى عمران قائلة له:

خلي الراجل بتاعك يجهز عشان يمشي وراها دلوقتي حالا وما يفوتهاش، وتأكد عليه ما تهربش منه وتشد عليه كويس قوي، وأنا هطلع أعمل اللي اتفقنا عليه، هو ده الوقت المناسب بالظبط. استلم رسالتها وعلى الفور أرسل إليها: تمام، أخرج أكلمه دلوقتي حالا. وبالفعل استأذنهم عمران أن يخرج لمكالمة عمل. أما وجد ظلت تتحايل على سلطان وهي تصطنع الوجع.

غصب عني يا حاج، مقدرش أصبر لبكرة، ضلعي بيوجعني جامد، وانت شفت بنفسك الدكتور قال لي لازم تيجي تتابعي أول بأول، وأني من وقتها مرحتش، وأخاف أصبر على الوجع ده يجرى لي حاجة. أشار إليها قائلاً بتحذير: قدامك من دلوقتي ساعتين بالظبط تكوني هنا، وما تتأخريش، وتقولي أصل صاحبتي مسكت في، وأفسر إيه ومدرك إيه، ساعتين بالظبط يا وجد تكوني هنا. أنهى كلماته وتركهم وغادر المكان وذهب إلى عمله.

أما هي هزت رأسها بفرحة لا تدل على حزنها، والتي شهدتها رحمة وهي تتابع رد فعلها، ففكرت أن تعطلها قليلاً حتى يجهز ذلك الرجل، مرددة بحنكة: مالك مبسوطة أكده وكانك مش رايحة عند دكتور، ولا كان ضلعك بيوجعك ولا حاجة، وضحكتك مغرقة وشك على الآخر، ومن شوية كنت بتتوجعي وهتعيطي من الوجع. استطاعت رحمة أن تستفز تلك الوجد بكلماتها، ثم رددت: إني دلوقتي مليش كلام معاكي، وملكيش صالح بيا خالص، ولا إنتِ بتقولي شكل للبيع وخلاص.

جزت رحمة على أسنانها بغيظ من تلك الباردة، ولكن قررت الآن معاملتها بنفس البرود. والله إني أقول اللي على كيفي واللي على مزاجي، مش واحدة زيك تقول أعمل إيه ومعملش إيه. ثم شمرت عن ساعديها ونظرت لها نظرات شر تفهمها تلك الوجد جيدًا وأكملت. ولا تحبي تشوفي وتجربي اللي عودتك عليه من ساعة ما دخلتي البيت ده يا خرابة البيوت إنتي.

زاغت نظرات تلك الوجد وارتعبت من طريقة رحمة، فهي تعلم شراستها جيدًا وجربت شرها كثيرًا، وهي الآن لا تعرف أن تدافع عن نفسها، فقررت المغادرة من أمامهم وهي توعد لها سرًا. والله لأخلص من اللي رايحة له دلوقتي وأفوق لك يا رحمة إنتي وأمك، وإن ما خليتكم تقولوا ياريت اللي جرى ما كان، مبقاش إني وجد، وهطلع عليكم القديم والجديد، وأولهم هسلط عليكم حبة نسوان يكسحوكم، التكسيح التمام اللي تقعدي فيه سنين تتعالجي.

أرسلت رحمة رسالة إلى عمران بأنها خرجت للتو، فطمأنها أن الرجل يقف بعيدًا عن مرمى المنزل في انتظاره، وكما أنه انتقى رجلاً يعرفها جيدًا، ولكن يثق فيه بشدة. كانت سكون تتابع الموقف بصمت تام، فهي من النوع الذي لا يحبذ المشاكل أبدًا وتفضل التجنب في تلك الأجواء الشاحنة، فأمسكت هاتفها وانشغلت به. أرسلت رحمة رسالة أخرى إلى عمران:

أكدت عليه يصورها فيديو لو دخلت أي مكان، ويصور أي مكان رايحاه له، ويظبط الفيديو كويس يا عمران، ولو اختفت جوة مكان يحاول يطق عينيه ويعرف كل حاجة. طمأنها عمران:

متقلقيش يا رحمة، إني باعت الواد لهلوبة مشاوير، واد جن وحويط، وإنتِ عارفة بيحبني قد إيه ويتمنى يخدمني بعينيه، وكماني واد كتوم ومهيجبش سيرة لحد واصل. وبالنسبة للتصوير دي، اشتريت له آيفون مخصوص عشان تطلع بت الجزمة دي، تطلع واضحة أكده، وبقالي تلات أيام بدربه عليه يستخدمه كيف، وهو واد مخه نضيف وفهم بالعجل. انفرجت أساريرها وهم على بدء الانتهاء من تلك الوجد، ثم تعجلته.

طب يلا تعالى دلوقتي خد مراتك واطلع، وإني هطلع أشوف شغلي، بوك مش هنا، ولا هي كماني، ودي أنسب وقت. لم يكمل دقيقة ودلف إليهم وجلس بجانب سكون، أما هي استأذنتهم. طب إني هطلع بقى أنام شوية، حاسة إني هلكانة خالص، معيزاش حاجة يا سكون. ابتسمت لها سكون وأجابتها: لا يا حبيبتي، نوم العوافي. أما عمران أمسك يد سكون قائلاً: واحنا كماني هنطلع شقتنا، حاسس إني عايز أرتاح شوية، وسكون كمان كانت مسهرة في فرح أختها وتعبانة هي كماني.

انطلقوا كل منهم إلى وجهته، وفور أن سمعت رحمة صوت قفل الباب عندهم، خرجت من غرفتها وبيدها تلك الحقيبة الصغيرة وانطلقت مسرعة إلى غرفة تلك الوجد كي تنفذ خطتها وتضع لها الكاميرات بحرفية، فهي منذ يومين تشاهد فيديوهات على جوجل عن كيفية تركيبها. دلفت إلى الغرفة وأوصدت الباب خلفها بالمفتاح، ثم أخرجت هاتفها وقامت بتصوير الملابس وطريقة ترتيبها حتى تعيدها كما كانت، ولم تلحظ تلك الخبيثة أي تغيير.

ثم بدأت عينيها تنتقي الملابس التي ترتديها تلك الوجد بكثرة، وخاصة خمارها التي تجلس به في الشرفة. رصدتهم جميعًا، وبدأت بوضع الكاميرات بحرفية. وبعد أن انتهت من الملابس قررت أن تضع كاميرا في الشرفة مكانها المفضل للجلوس دائمًا. وبالفعل دخلت زاحفة كي لا يلمحها أحد قادمًا من الداخل.

وبدأت بوضعها، فمن يراها لا يظن أنها كاميرا بتاعته. وضعتها مقابل جلوسها بالتحديد. كانت تود أن تضع لها أخرى في غرفة النوم، ولكن راعت الخصوصية لها ولأبيها ولم تفعلها، ومع أن تلك الكاميرا كانت ستنفعها بشدة، إلا أنها قررت أن تكتفي بما وضعته. أنهت مهمتها وأرجعت كل شيء مكانه بالتمام والكمال وخرجت من الغرفة وعلى وجهها علامات السعادة وهي تكور قبضة يدها بفرحة مرددة لحالها:

والله يا بت يا رحومي إنتي مكانك مش هنا، مكانك على مكتب وكيل نيابة بدماغك الألماظ دي. ثم دلفت إلى غرفتها تستريح بضع ساعات كي تذهب إلى المكتب، فهي منذ يومين لم تذهب إلى العمل، فكانت منشغلة معهم في فرح مكة وآدم، وأرسلت رسالة إلى عمران بأنها أنهت كل شيء على ما يرام. أما في غرفة عمران وسكون، كان عمران يتابع عمله على اللابتوب وبيده بعض الحسابات الخاصة بمزرعته.

أتت إليه سكون وبيدها كوبان من الشاي وجلست بجانبه ووضعت الأكواب على المنضدة، ثم سألته: قربت تخلص ولا لسه قدامك كتير؟ ابتسم إليها بحنو اعتاد عليه: يعني الميزانية مش عايزة تظبط معي، قدامي ساعتين أكده يا حبيبي. عايزة حاجة؟ أجابته وهي تضع يدها على قلبها: مش عارفة، حاسة إني قلبي مقبوض أكده ونفسيتي مش تمام وحاسة بخنقة غير طبيعية. انتبه عمران بكامل حواسه إليها، ثم جذبها إلى أحضانه مرددًا بقلق: مالك يا حبيبي ليه أكده؟

حد ضايقك هنا ولا حاجة؟ حركت رأسها بنفي وهي في أحضانه: له مفيش حد ضايقني، بس معرفش أو يمكن لأن فترة البريود دي بتبقى وحشة وبتأثر على نفسية الست وبتخليها مش طايقة نفسها، وكمان إني متعودة على روتين صلاة كل يوم بيخلي نفسيتي مرتاحة وقلبي مطمئن. شدد من احتضانها ثم طمأنها:

طب أخلص الشغل اللي في يدي وأصلي المغرب ونقعد جنب بعض نقرأ السور والآيات القرآنية اللي تفك الضيق، إني هقرأ من المصحف وإنتي من التليفون عشان ظروفك الخاصة مينفعش تمسكي فيها المصحف. وإذا كان على الصلاة بدليها بالذكر بيطمن القلوب بردك والدعاء كماني. أومأت رأسها ونال رأيه استحسانها، ثم تحدثت بخمول وهي تذهب ناحية التخت: ماشي، هنام الساعتين دول ولما تخلص صحيني. ابتسم لها قائلاً: نوم العوافي يا حبيبي.

أما عند وجد، قبل نصف ساعة من قبل، وصلت إلى مكان تلك الدجالة، وكان ذاك الرجل الذي يراقبها متتبع خطواتها دون أن تشعر. وفور أن رآها تدخل إلى ذاك المنزل، دهش بشدة، فهو معروف في الكفر بأن تلك السيدة مؤذية للعباد، وقام بتصويرها على الفور وهي تدلف إلى ذاك المنزل، ثم وقف يحوم حول المكان كي يرى نافذة توصله إلى تلك الدجالة كي يقوم بتصويرها وتسهل مهمته، ولكن تلك الماكرة تؤمن منزلها بشدة.

دلفت وأعطت النقود لسليطة اللسان التي تقابلها كل مرة دون كلام، ثم طلبت منها أن تجلس إلى أن تنتهي جلسة من بالداخل. مر وقتًا كثيرًا والجلسة لم تنتهي بعد، حتى مر أكثر من نصف ساعة، فسألتها: هي الجلسة دي هتنتهي متى عشان أنا أكده اتأخرت؟ مطت تلك الأخرى شفتيها باستنكار لسؤالها:

سايق عليك النبي يا أختي، ولو إنك متعرفيهوش ما تسألينيش أسئلة غبية جوابها معروف، مش ناقصة وجع دماغ اللي فينا مكفينا، وقت أما الشيخة تخلص اللي عندها هتدخلي، معيزنيش صداع. لم ترد على طريقتها الغليظة، فهي معتادة منها على ذلك، وفضلت السكوت كي لا تفقد أعصابها أمام تلك الباردة. بعد مرور عدة دقائق بسيطة، انتهت جلسة من بالداخل، ثم دلفت وجد وألقت السلام وهي تنظر يمينًا ويسارًا برعب معتادة عليه عند دخولها عليها، ثم سألتها خضرة:

حمد لله على السلامة، اتأخرتي كتير، يا ترى جيتي بالمطلوب ولا له؟ ردت وجد سلامها وهي تخرج النقود من حقيبتها: اتفضلي المبلغ أهو بالتمام والكمال، خلصيني بقى من الموال دي عشان إني اتبهدلت في البيت ده بهدلة، ولازم يدوقوا من النار اللي إني دوقتها. أخذت النقود منها بلعاب يسيل رغبة على ذلك المبلغ الضخم الذي طلبته منها، وبدأت بعده بالورقة، وتلك الوجد تجلس على نار، فهي لا تريد أن تتأخر، وسلطان متوعدًا لها إن تأخرت.

وبعد دقائق كثيرة، أنهت خضرة ما تفعله، ثم طمأنتها بحفاوة: أخلص الناس اللي ورايا، وساعة أكده ولا ساعتين وأشتغل، وعلى الصبح هتلاقي البشاير هلت، واقعدي واتفرجي كيف خضرة هتلاعبهم على الشناكل. انفرجت أسارير وجد بفرحة عارمة، فأخيرًا ستراهم يبكون قهرًا على ما سيحدث لتلك السكون وعلى الوقيعة بينها وبين زوجها، ثم تحدثت بنظرات فرحة:

والله لو حصل صح، لا يبقى لك عندي هدية معتبرة تليق بيكي يا شيخة، وكمان هاجي لك عشان بت جوزي مطلعة عيني دي، بقى عايزة تخطيط تاني خالص، عايزاها تعمى بعينيها وتتشل بإيديها عشان ما تعرفش تأذيني تاني ولا تقدر تعملها. كانت خضرة في عالم آخر تنظر إلى النقود، ولم تنتبه لكلامها، ولكنها وعدتها بكلمات كي تغادر وتتركها مع غنيمة اليوم. تمام، من عيني متقلقيش.

ارتاحت وتنهدت بعمق، وكأن اليوم عيدها، ثم تركتها وغادرت بقلب فرح. رأى لهلوبة خروجها من بعيد، ففورا قام بتصويرها وهي خارجة من ذاك المكان، ثم تتبعها إلى أن عادت إلى المنزل، حتى لا يتهمها سلطان بالتأخير، ووقتها لن تمر ليلتها بسلام.

أنهى عمران ما كان يفعله، ثم توضأ وصلى فريضة المغرب، ثم أيقظ سكون، فقامت وهي تشعر بالفتور في جسدها، ثم دلفت إلى الحمام وغسلت وجهها بالمياه كي تفيق، وبعدها خرجت إلى عمران الذي كان يجلس في المكان الذي خصصوه في الغرفة للعبادة، وجلسوا يقرأون بداية من سورة الإخلاص وآية الكرسي، ثم انتقلت إلى سورة الملك، وهو كذلك، فهم معتادون على أنها تقرأ خمس آيات وهو الآخر خمس آيات، متشاركون في القراءة في جو يشعرهم بالراحة والأمان والطمأنينة.

في نفس التوقيت، كانت تلك الشيخة تبدأ مراسم طقوس العمل الذي تفعله لسكون، ولكن كلما بدأت شعرت بأن يديها ثقيلة، لا تستطيع التحرك، وكأن شيئًا ما يمنعها بشدة. كانت سكون في ذلك الوقت تقرأ قوله تعالى: "وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين * وأعوذ بك رب أن يحضرون". فشعرت أن هذه الآية تشعرها بالأمان، فكررتها ثلاث مرات أخرى.

أما تلك السيدة، المكان حولها أصبح غريبًا، فلأول مرة تدخل طقوس عمل وتجد تلك الغرابة، وكأن الشياطين التي أحضرتها الآن نائمة، فقررت أن تمكث قليلاً ولو بضع دقائق. وعلى نفس جلستهم، عمران وسكون، سألها عمران: إحنا كنا واقفين فين في البقرة في الورد؟ أجابته: له تعالى نبدأ فيها من الأول، حاسة إني عايزة أقرأها كلياتها. تمام، يلا نقرأ سورة البقرة لآخرها. مضى أكثر من نصف ساعة حتى

وصلت سكون إلى تلك الآية: "واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون".

كانت تقرأها بخشوع وقلب خاضع لله سبحانه وتعالى، وكانت تلك القشة التي قضت بتلك السيدة، شعرت بأن المكان يحترق من حولها، وكأن أحدهم يخنقها ولم تعد قادرة على التنفس، فلأول مرة يحدث لها ذلك. وعلى الفور خرجت من المكان وهي تردد بأنفاس لاهثة تلتقطها بصعوبة: حماس إيه اللي جرى؟ أول مرة يجرى أكده! هذه البت جايبة لي قطر، مين اللي تنشك؟ والله لا أكون مقندلة عيشتها هي. رأت حالتها من تعمل معها، فسندتها في وقفتها وكان جسدها يهتز.

"مالك ياشيخة؟ حوصل إيه؟ اهدي أكده." وضعت تلك الدجالة يدها على صدرها تهدئ من ضرباته الثائرة داخلها، وهتفت من بين أسنانها التي تصك رعبًا وهي تخبرها بما حدث لها. ثم أكملت وهي تنظر للأمام بشر: "البت دي اللي اسمها وجد، لما تيجي المرة الجاية تسحبي لي طرحتها من على راسها من غير ما تدري. والله لأخليها تولول من العذاب اللي هتشوفه على يدي. جايبالي قطر مين دا؟ بت الجزم، كنت هموت النهاردة بسببها."

طمأنتها تلك السيدة بأنها ستفعلها، فهي تكره تلك الوجد بلا سبب. أما عند سكون، وصلت إلى الآية "وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله"، وشعرت بانقباضة في قلبها، ولكنها أكملت بخشوع. انتهوا من قراءة ورديهم، وبدأوا بالذكر المعتادين عليه، ولكن قرأوا أدعية رسول الله صلى الله عليه وسلم عند الضيق، فتلك الأدعية من يقرأها يشعر بالراحة والاطمئنان، وتلك سنة رسولنا التي ما إن اتبعناها حتى فزنا في الدنيا بأن لن يؤذينا أحد إلا الله.

بعد أن انتهت سكون وعمران من الساعتين من الذكر والخشوع، سألها: "حاسة بإيه دلوك؟ لسه عندك ضيق زي ما انتِ؟ أجابته براحة اغتالت روحها: "حاسة إني استريحت كتير. ربنا يخليك ليا يا حبيبي، زي ما بتعين على الطاعة والعبادة، وما يحرمنيش منك أبدا." ابتسم لها عمران مشيدًا بذلك الجميل لها: "ومين يشكر مين يا سكون؟

انتِ خليتيني أبقى ملتزم في الصلاة وما أفوتش فرض بعد ما كان اليوم بيعدي عليا من غير ما أكمل صلاته، وخلتيني أقرأ القرآن وأنا كنت ممكن أقعد بالشهر والشهرين ما أمسكش المصحف وأهاجره، وكمان علمتيني أذكر ربنا في الرايحة والجايه. انتِ بجد ملاك ربنا بعته لي." ***************** أما في المشفى عند مجدي، كان عامر يجلس مع الطبيبة يطمئن على حالة أخيه: "يعني يا دكتورة، أخويا أكده هيفضل عاجز على طول، ولا هتعاود له صحته تاني؟

نظرت إليه الطبيبة بأسى: "كل شيء بإرادة ربنا، جايز ومفيش مستحيل على ربنا سبحانه وتعالى. بس حالة مجدي والعجز جاه من حمى، وكمان عنده اضطرابات في المناعة الذاتية أثرت على الأعصاب فسببت له حالة العجز. تقريبًا حالات زيه سافرت بره واتعالجت علاج قاسي جدًا، وفيهم اللي بيرجع يمشي تاني، وفيهم اللي ربنا بيقدر له بقية حياته أكده."

كادت تتحدث الطبيبة، إلا أنها استمعت إلى دقات الباب، فأذنت للطارق بالدخول، فإذا بها مها تدلف إليهم، ووجدت عامر عند الطبيبة، فألقت السلام عليهم دون أن تنظر إليه. "السلام عليكم، كيفك يا دكتورة؟ ما إن رأتها الطبيبة حتى انقلب وجهها حزنًا على ما ستخبره به الآن، وردت سلامها: "زينة الحمد لله، كيفك انتِ يا مها؟ ابتسمت مها وأجابتها بهدوئها المعتاد:

"بخير الحمد لله يا دكتورة، طمنيني على حالة مجدي وهل يقدر يخرج بقى من المستشفى ولا إيه؟ تنهدت الطبيبة بأسى ثم أجابتها: "هو حالته نوعًا ما استقرت والحمد لله، ظبطنا المناعة، بس لازم تاخدي بالك منه وتمشي على العلاج مظبوط في البيت، وأنا هعرفك كل حاجة علشان خاطر مناعته ما تتأثرش تاني." كان عامر يستمع إليهم، ثم قال: "الدكتورة بتقول إن مجدي ممكن يسافر بره وحالته ترجع تستقر تاني، هيبقى فيه حبة تعب، لكن نجرب."

اهتز فكها بسخرية: "ويا ترى مجدي هيوافق على كلامك ده وهيصرف الفلوس دي كلها في السفر؟ دا ممكن يصرف اللي وراه واللي قدامه عشان يرجع يمشي على رجليه تاني." قطب عامر جبينه باستنكار: "وليه لا! هي الفلوس معموله ليه وبنتعب عشان نجيبها ليه؟ مش عشان لو تعبنا في يوم من الأيام نصرفها؟ هو في أهم من الصحة؟ وأكمل حديثه بتأكيد وهو ينظر إلى الطبيبة:

"إن شاء الله أنا هقنعه يا دكتورة، أهم حاجة حضرتك تعرفي لنا هنروح فين بالظبط وتوجهينا، وعلى الله التساهيل بعد أكده." توترت مها قليلاً قبل أن تسألها ذاك السؤال وعامر موجود، ولكنه يعرف عنهم كل شيء وعنها بالتحديد أكثر من أخيه، فسألتها: "ممكن أعرف أخبار التحاليل إيه يا دكتورة اللي كلمتك عنها؟ أكيد طلعت دلوك، كنتِ بتقولي قدامها يومين وأنا بقالي أربع أيام ما جيتش هنا." هنا سأل عامر: "تحاليل إيه دي اللي أخويا عاملها؟ أجابته

بكل ثقة دون خوف منه: "دلوقتي تعرف تحاليل إيه." ثم نظرت إلى الطبيبة واستنجدتها أن تتحدث: "ها يا دكتورة، طمنيني، شكلك ما يطمنش." أخذت الطبيبة نفسًا عميقًا، ولكنها معتادة على تلك الحالات، ثم أجابتها بهدوء: "عايزة أقولك إن كل شيء بأمر الله، وإن كل أقدار ربنا خير، وربنا ما بيمنعش عننا حاجة إلا وهي ضرر لينا."

هوى قلب تلك المها بين قدميها من مقدمة تلك الطبيبة، فمجدي زوجها من الممكن أنه أصيب بالعقم من جراء ذاك المرض، أم ماذا؟ ثم طلبت من الطبيبة أن تتحدث، فهي ذات قلب قوي ومعتادة على الصدمات. فأكملت الطبيبة وهي تناولها ملف تحاليل الجينات الذي أجرتها لمجدي: "التحاليل أهه." "أمم...

أستاذ مجدي للأسف يا مها عقيم من صغره، ونوع العقم اللي عنده ما بتعالجش أبدا. وعرضت التحاليل على كذا دكتور مسالك بولية ودكاترة كبيرة وكلياتهم أكدوا لي نفس الكلام. ما تزعليش حبيبتي." ما إن استمع كلاهما إلى كلمة عقيم حتى رددا في صوت واحد من أثر الصدمة وهما ينظران لبعضهما نظرات منصعقة من أثر الكلمة التي وقعت على مسامعهم: "عقيييييييم...

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...