الفصل 58 | من 75 فصل

رواية من نبض الوجع عشت غرامي الفصل الثامن والخمسون 58 - بقلم فاطيما يوسف

المشاهدات
23
كلمة
5,800
وقت القراءة
29 د
التقدم في الرواية 77%
حجم الخط: 18

التحاليل أهه أستاذ مجدي للأسف عقيم من صغره ونوع العقم اللي عنده مابيتعالجش أبدا. وعرضت التحاليل على كذا دكتور مسالك بولية ودكاترة كبيرة وكلياتهم أكدوا لي نفس الكلام. متزعليش حبيبتي. ما إن استمع كلاهما إلى كلمة عقيم حتى رددا في صوت واحد من أثر الصدمة وهما ينظران لبعضهم نظرات منصـ.ـعقة من اثر الكلمة التى وقعت على مسامعهم: _عقيييييييم!

فسرت اندهاشهم أنه صـ.ـدمة حزنهم من ذاك الخبر. وظلت تنظر إليهم وإلى وجوههم التى تلونت بالسواد وكأن لسانهم التقم من شدة صـ.ـدمتهم بأنه عقيم. ثم أكملت لهم بأسى على حالهم: _في ايه يا جماعة! وحدوا الله اكده مش اول واحد ولا آخر واحد ربنا يقدر له العقم. اكيد ربنا بيقطـ.ـع من اهنه ويوصل من اهنه. والدنيا منتهـ.ـتش يعني.

كانت تحدثهم وهم على حالة الذهول ينظرون لبعضهم نظرات غريبة وكأن النـ.ـيران تخرج من عينيهم. ظلا على وضعهم هكذا حتى هبطت دمـ.ـوع تلك المها على وجنتيها. دموع صامتة. دموع تخرج من اعماق جـ.ـسدها وليست من عينيها فقط. دموع خشية من القادم. وفجأة أغشى عليها ووقعت أرضا. فلم تستطيع التحمل أكثر من ذلك. مجرد دقائق مرت عليهم جعلتهم في عالم أخر. مجرد لحظات فتـ.ـكت بأحشائهم ودمـ.ـرت خلايا عقولهم. دخلت عالم الهروب الذي يجعلها تنسى مـ.ـر القادم. عالم تود ان تسكنه كي تنسى حياتها المؤلمة. حياتها الماضية التى يصحبها القهـ.ـر والقادمة يبدوا أنها ستكن سنوات العجاف لها.

انتـ.ـفضت الطبيبة من مكانها أما هو لم ينتبه لما حدث لها هو في عالم آخر. أيعقل أن الطفلان أبنائه! أيعقل أنهما ولدا من رحم الخطيئة! لا ياربي لا تجعل عقابك لنا بتلك الدرجة، ما ذنب هؤلاء البريئين أن يتدنسوا في وحل الخطيئة؟ ماذا عنهم وعني إن رأيتهم أمامي وهم أبنائي؟ ماذا عن حياتهم القادمة، أتكون هلاكًا لهم؟ يالله كم صعب جزاؤك لنا الذي شق قلوبنا!

حاولت الطبيبة إفاقتها، وبعد دقيقة استجابت لها، ثم فتحت عيناها وجدت تلك الطبيبة في وجهها وتذكرت كلمتها "عقيم". فصرخت تلك المها صرخة دوت الغرفة بأكملها، بين يدي تلك الطبيبة التي انفطر قلبها لها وتبدل صراخها لشهقات متتالية تدمي لها القلوب. يالله من ذاك الوجع الذي يحاوطك، تلك المها! أوجاع لها معانٍ عدة، وجع الحرمان، ثم وجع الخطيئة، ثم وجع الفقدان من الآن. كفاك زماني، ألم تحن بعد وتمنحني الأمان؟

كم عظيم ابتلاؤك ربي، شق صدري، هزم روحي، ودفنت راحتي. يالله ارحم ضعفي وقلة حيلتي وخذني عندك أخذ عزيز مقتدر، فأنت أحن على عبدتك من قلوب البشر. ثم هدّأتها الطبيبة: _بسسس ياماما اهدى، متعمليش في حالك أكده، إنتِ ليكي الحرية لو مهتقدريش تتحملي ظروف عجزة وظروف عقمه، اطلقي وهو مش من حقه يزعل، إنتي من حقك تبقي أم ومحدش يقدر يلومك أبدًا.

وأكملت وهي تحاول تهدئتها أكثر، ولكنها كلما تحدثت الطبيبة كلما شهقت أكثر من ذي قبل، وكأنها تضع سائلاً شديد الاشتعال على جسدها، فتشعر بأن الدموع التي تهبط من عينيها دموع من نار. بعد مرور أكثر من ساعة في مكتب الطبيبة من انهيار تلك المها، وأفاق عامر ورجع إلى رشده أخيرًا. طلب من الطبيبة: _ممكن يادكتورة متجيبيش سيرة لأخوي، كفاية اللي هو فيه، ولا لأي مخلوق خالص. هزت الطبيبة رأسها بتفهم ثم ردّت: _طبعًا طبعًا يافندم.

وأكملت وهي تناوِل مها منديلًا ورقيًا: _خلاص بقى امسحي دموعك، والله العظيم قطعتي قلبي عليكي، وربك رب قلوب ولا يكلف نفسًا إلا وسعها. خرجا كلتاهما من عند الطبيبة، ثم ارتدت نظارتها الشمسية وقالت له باختصار: _هسبقك على الشقة بتاعتي، تاجي ورايا طوالي. حرك رأسه بموافقة، فهو أيضًا يريد التحدث معها، فداخله منهار الآن. بعد مرور نصف ساعة، وصلت مها إلى شقتها ودلفت إلى المكان تنتظره.

فور دخولها، عيناها نظرت إلى صورتها هي وأبنائها تلقائيًا، وهي تنغمر بالدموع التي لم تنقطع منذ أن علمت من الطبيبة تلك المعلومة المميتة. وصارت تحدث حالها: _هي مرة واحدة فقط أذنبت فيها وتركت نفسي للشيطان الذي أغواني، دمرتني. وياليت الدمار لحقني وحدي، ففلذات أكبادي نالهم من وحل خطيئتي. وعند ذكر أولادها، انهارت مرة أخرى وصارت تبكي، فهم عزيزا عيناها، قرة روحها. ثم رجعت بذاكرتها إلى ذاك اليوم المشؤوم، سنوات وسنوات.

تجلس على التخت وهي تشد تلك الملاءة على جسدها، وهو يجلس على نفس التخت يعطيها ظهرها، وهو عاري الصدر لا يستر جسده إلا ذاك السروال الصغير. تبكي بغزارة على ما فعلاه الآن من جريمة كبرى، بل هي كبيرة من الكبائر التي تهتز لها السبع سماوات. كان ينفث دخان سيجارته بشراهة، فاعتدل بجلسته واقترب منها، وكاد أن يخلل أصابعه بين خصلات شعرها، إلا أنها أبعدت يداه بحدة:

_بعد عني، متلمسنيش خالص، إني مطيقاش لمستك ولا طايقة أبص في وشك، ولا حتى طايقة ريحة نفسك. تنهد بضيق من كلامها وبكائها ومن الموقف ككل، ومما حدث. ثم تحدث: _طب ممكن تهدّي شوي، اللي حصل حصل خلاص يابت الناس، والشيطان غواني وغواكي، ولا كان بيدي ولا يدك.

جذبت ذاك القميص وهي على وضعها، ارتدته بحدة، ثم قامت من على التخت وأتت بتلك العباءة وخبّأت جسدها بالكامل، وكأنها تستر الخطيئة التي ارتكبتها، ولم تستر جسدها الذي دهسته الآن في وحل الحرام. ثم وقفت على الباب وأشارت بيدها: _اتفضل اطلع بره، معيزاش أشوف وشك تاني ياعامر، لحد ما أموت.

انتصب واقفًا وذهب تجاهها، ثم نظر إليها قائلًا، وهو يبتلع أنفاسه بصعوبة ومشاعر الاحتياج لها، ولمتعته التي رآها بين يديها منذ قليل، ضربت بجسده وطالبته أن يقترب مرة ثانية، والشيطان بدأ يزينها أمام عيناه، حورية من حوريات الجنة، وحقًا أنها كالحور في جمالها وبهائها ورقتها. طالت نظرته بها وهي تقف متسمّرة أمامه، وتفهم معنى نظراته، فاحتقرت حالها بشدة.

ثم جذبها فجأة إلى أحضانه وتحدث بصوت باكي جعلها تهتز، فلأول مرة تجرب ضعف الرجال، ولأول مرة تجرب إحساس أن يحتاجها رجل. وكأن تلك هي المرة الأولى التي تشعر بأحاسيس موجودة عند كل امرأة، ولم تجربها مع زوجها يومًا ما. ثم همس بجانب أذنها بصوت خشن أثّر دموعه: _حقك عليا يامها، غصب عني ضعفت واستسلمت للشيطان، وخلّيتك خاينة، وإني خنت أخوي، ابن أمي وأبوي. ثم أخرجها من أحضانه، ودفن يداه بين رقبتها وأسند جبهته بجبهتها قائلًا:

_اللي إحنا عملناه دلوقتي غصب عننا يامها، بس إني خلاص بعد ما جربت حضنك وحبك، بعد ما شفت منك وحسيت اللي عمري ما أحسّه مع ست غيرك، مش هقدر أبعد تاني. حركت وجهها بين يداه وهي تغمض عيناها وتود أن تبعده عن أحضانها، ولكن كل خلية بجسدها هي الأخرى وشهوة القرب من رجل كانت أقوى من أي فرائض وقوانين والصح والخطأ. كانت تتمسح بوجهها بين يداه كالقط الوديع. حركتها تلك جعلته يقترب منها مقبلًا إياها من رقبتها وهمسًا بجانب أذنها:

_إني عايزك دلوقتي في حضني، مقدرش. خدرها تمامًا، وجعل أعصابها مفككة من قربه، ثم بدأ بتقبيلها بعنف وكأنهما في معركة، وإن ابتعدا الآن سيخسران. انجذبت له وتاهت معه مرة أخرى، ومع صوت ارتطام عباءتها أرضًا، فاقت تلك المها وأبعدته عنها بحدة وهي تحتضن جسدها العاري: _اطلع بررررررررررة. ثم جذبت ملابسه وألقتها في وجهه وهي تردد بأمر لاذع لا نقاش فيه: _اطلع بررررررررررة دلوقتي، ومعايزاش ألمح طيفك تاني.

قالت تلك الكلمات وخرجت من أمامه، ودلفت إلى الحمام وفتحت صنبور المياه ووقفت أسفله تبكي بغزارة، وكأن دموعها تسابق المياه النازلة من الصنبور من كثرتها. تقف أسفل المياه تجذبها على جميع جسدها تمحو بها أثر الخطيئة، وظلت على وضعها هكذا أكثر من ساعة.

أما هو في الخارج، ارتدى ملابسه وخرج من الغرفة، ولكن تعثرت قدماه في تلك العباءة الملقاة أرضًا، فوجد نفسه جذبها بين أحضانه يشتم رائحتها، وكل ذلك وهو في غفلة لم يدري لها بال، ووجد حاله يأخذ تلك العباءة معه ويخرج من الشقة. وكانت تلك المرة الأولى والأخيرة في تلك العلاقة الحميمية المحرمة التي حدثت بينهم، ولم تتكرر.

ومرت الأيام، ومنعت مها نفسها تمامًا عنه، حتى مر أسبوعان كاملان لم يراها فيها، ولكنه كان يحاول الاتصال عليها والمجيء إليها، وهي كانت تصده بشدة. وفي إحدى المرات، أصر عليها أن يتحدث معها، وإن حاولت الإفلات منه سيفعل ما لا يحمد عقباه، فاضطرت أن توافق على أن تتحدث معه. وقف أمامها ينظر إليها بوحشة شعرت بها، فتحدثت على الفور ناهية إياه: _إياك تبصلي البصة دي تاني، علشان ما هضعفش يا عامر، ومهعملش الخطيئة دي تاني واصل.

ودلوقتي تقول لي إنت عايز إيه بالظبط، عشان مش هسمح إننا نقعد مع بعض تاني. أخذ نفسًا عميقًا ثم تحدث بندم مثلها: _إني عارف كل كلمة بتقوليها، وعارف إن اللي إحنا عملناه ذنب كبير، وعلشان كده جاي أودعك وأقول لك إني خلاص هسافر وهسيب البلد بحالها، لإن ما ينفعش أبقى موجود فيها، وكنت حابب أشوفك قبل ما أمشي عشان أودعك، يمكن تكون دي آخر مرة نشوف بعض فيها، ومهرجعش تاني. شعرت بنغزة شديدة في قلبها، ولكن قوّت حالها وشجّعته

عليه قراره: _عين العقل اللي إنت عملته، وذنبي اللي ارتكبته في حق ربنا وفي حق نفسي هتوب عليه عمري كله، وهطلب من ربنا يسامحني، وإنت كمان لازم تلجأ لربنا عشان يغفر لنا الذنب الكبير ده. مع السلامة يا عامر. ثم تركها وغادر، وفي نفس اليوم ترك قارة بأكملها وهاجر إلى الخارج. بعد يومين من سفر عامر، دلفت مها إلى غرفتها وجدت مجدي يبتلع أحد الأقراص، فاقتربت منه وعلى حين غرة جذبت ذاك الدواء وقرأت محتواه، وإذا بها تنصدم قائلة له:

_إيه الحاجات اللي إنت بتاخدها دي يا مجدي، إنت ناقص ضعف، مش كفاية إنك ما بتعاملنيش زي خلق الله، ليه أكده؟ ثم أكملت وهي تـ.ـلكزه في كتفه ببطء: _الحاجات دي بتعمل ضعف أكتر صدقني. ليه ما تروحش تتعالج عند دكتور وتبقى طبيعي زي أي راجل ومرته؟ بقى لي كتير بحايل عليك، كفاية بقى يا مجدي، حرام، كفاية، إنت وصلتني معاك لطريق ما كنتش حابة أمشي فيه، أرجوك ارحمني، أرجوك.

أنهت كلماتها ثم دخلت في نوبة بكاء شديدة، ولكنه كعادته لم يتأثر ببكائها. وبعد قليل بدأت تلك الأقراص أثرها على جسده، فاقترب منها وأخذها معه إلى عالمه، ولكن عالم مجدي ليس كأي عالم، عالم فاتر، بارد، سريع، ليس به أي شعور ولا إحساس، ولم يراعي فيه أن بين يداه أنثى محتاجة. وكرر تلك العلاقة بعد سفر أخيه ثلاث مرات. وبعدها اكتشفت مها حملها، ولم يأتِ ببالها أن يكون من عامر أبدًا.

ولكن مرة واحدة عصت فيها الله وضعفت، كان ثمارها ذاك التوأم، وزوجها عقيم. وبعد سفره حاول محادثتها كثيرًا وكثيرًا وحاول جذبها إليه، ولكن تمنعت ورفضت، خاصة أنها كانت حاملًا. وبعد أن وضعت توأمها بسنة، استطاع عامر بإلحاحه أن يجعلها تنجذب إليه مرة أخرى وتتحدث معه، ولكن كانت تلك المحادثات لفترات بعيدة نظرًا لأنها كانت تلوم حالها، ولكن حدثته كثيرًا.

فاقت مها من شرودها على صوت الباب يعلن عن وصول عامر، فقامت وفتحت له الباب وأذنت له بالدخول. جلس كلتاهما على الأريكة وكل منهم يضع يديه نصب عينيه، ثم تحدث مفجرًا رأيه: _العيال هيطلعوا ولادي، هعمل لهم تحاليل، ولو ثبت إنهم ولادي مش هسيبهم، اعملي حسابك على كده. انتفضت من مكانها كمن لدغتها عقرب، ثم وقفت قباله هادرة به برفض قاطع:

_دي في أحلامك يا عامر، ومن المستحيل يحصل إنّي أدمر ولادي اللي تعبت في تربيتهم عشان خاطر حضرتك اللي جاي تفتكرهم دلوقتي إنهم ولادك. إني اللي تعبت فيهم، وإني اللي من حقي أقرر مصيرهم، إنت غلطت زمان لما جرجرتني وراك للغلط، فتحمل النتيجة لحالك. انتصب واقفًا هو الآخر وهزها من كتفها بعنف، ولم يعجبه كلامها: _كيف الكلام ده؟ عايزني أعرف إنهم ولادي وأفوّتهم ينكتبوا على اسم حد تاني!

عايزني أشوفهم وهما حتة مني قدامي وأعاملهم كأني عمهم وهما ولادي! إيه القساوة دي اللي طالعة منكِ؟ جزّت على أسنانها بغضب ونظرت إليه بعينين محمرتين من شدة غضبهما، وأفلتت كتفها من بين يديه هاتفة بتصميم: _الله الوكيل يا عامر، لو ما رجعت مكان ما كنت لهدّن المعبد على دماغك ودماغي. وإني بحذرك، العيال ولادي، متقربش منهم، مليكش صالح بيهم. وبعدين دول مكتوبين على اسم أخوك اللي إنت خنته واستحليت عرضه وشرفه.

إنت كده بتضيع مستقبل العيال وهتفضحنا يا عامر، هتفضحنا، والعيال اللي إنت عايز تكتبهم باسمك هيتدمروا وهيكرهوك وهيكرهوني وهيكرهوا نفسهم. واسترسلت نهرها له وهي تربع ساعديها وتنظر له داخل عيناه بقوة منبهة إياه: _من الأفضل يا عامر إنك تبعد عنينا وتسيبنا نعيش في ستر ربنا، وكفاية إنك شايفهم مرتاحين وكويسين، ده أحسن حل لينا كلياتنا.

ولو إنت خايف عليهم صح، وإحساس الأبوة نقح عليك وحسيت بيه دلوقتي، ابعد عنهم ومتفضحش باب الستر اللي حاوطنا كل السنين دي. نفخ بضيق وحالته انقلبت إلى الأسوأ بشدة، ثم ركل تلك المنضدة بغضب عارم وصل إليه من نهرها، وبعينيه لمعت دمعة. ورآها مها مرة أخرى، أردف بتمنع: _إزاي أعملها دي؟ ولادي يكونوا قدامي وأني عارف إنهم ولادي ومأخدتش ولادي في حضني! إزاي يتكتبوا على اسم غير اسمي وهم ولادي؟ إزاي أسيبهم وأبعد عنيهم؟

وأنت عارفة إني مش جامد ولا بارد ولا إحساسي صلب زي مجدي، اللي سبحان الله كان بيتعامل معاهم معاملة غير معاملة الأب، وكأن ربنا مزرعهاش في قلبه عشان هما مش ولاده. وأني مجرد ما كنت بشوفهم وبقعد معاهم وبحضنهم مكنتش ببقى عايز أسيبهم، ودلوقتي بعد ما عرفت إنهم ولادي عايزاني أفوتهم؟ إزاي يا مها، إزاي؟ قررت أن تهدأ من نبرتها الغاضبة كي تستطيع التأثير عليه، ثم تحدثت بتعقل وبنبرة أكثر هدوءًا:

_فرضا مشيت ورا كلامك، زين وزيدان الاتنين كبروا وبقوا عارفين إن مجدي أبوهم. وولادي أذكيا، هتبقى صورتنا في نظرهم إيه لما يكبروا ويعرفوا! _إنتي تطلقي مني وناخدهم ونسافر ومنرجعش هنا تاني يا مها. مجدي نشوف له واحدة غلبانة ترضى بظروفه وتتحملها، وأني وأنت ناخد ولادنا ونفر بيهم من هنا ويتربوا بين أب وأم أسوياء. _قصدك يتربوا بين أب وأم خاينين وحرامية. _حرامية إزاي يعني؟

_أه حرامية، سرقنا لحظات من الزمن مش من حقنا زمان ولا ترضي ربنا، ومن ورا كده هما جم للدنيا. تصور ساعتها هيفتكروا إيه؟ _هما لسه صغيرين ومش هيفتكروا مجدي أصلا. وإحنا هنبعد عن الدنيا كلها، هيفتكروا إزاي يعني وهما لسه أطفال.

_إني هقول لك يا عامر، إذا كنت أنت عايز تنساهم فرب العباد شايف ومطلع على عملتنا السودا ومش هيخليهم ينسوا. رب العباد هيحط لنا إني وأنت في كل خطوة ندامة بدل السلامة، عشان سيبنا أخوك العاجز وإحنا خاينينه وسبناه في عز ضعفه. _دلوقتي حنيتي ليه؟ مش دي اللي مرر أيامك وخلاك عايشة ولا إحساس ولا شعور؟ عايشة ميتة بالحياة! _أنت مالك، إني مسامحة عشان خاطر ولادي، ومهما عمل فيا مجدي مش هيجي ذرة من جزاء الخيانة يا عامر.

قول لي أنت بقى، هو عمل فيك إيه عشان تغدر بيه كده وتخونه في أهل بيته؟ ودلوقتي عايز ترميه وتخطف مرته وولاده؟ _هما ولادي، أنا ولاده هو. وبعدين هتفضلي تلوميني على غلطة عملتها وياي من سنين غصب عني. _الغلطة دي نتج عنها طفلين مالهمش ذنب في عمايل الكبار. بعد يا عامر وصدقني دي الحل الوحيد عشان مستقبل العيال ما يدمرش. بنفس التصميم اللاإرادي أجابها: _مقدرش أفوت حتة مني. دول ولادي يا شيخة، ولادي، حرام عليكي.

رأت ذاك التصميم وأن أولادها على مشارف التدمير، فركعت أرضًا وتوسلت إليه وقبلته من قدميه وهي تتذلل له ببكاء مرير: _أرجوك يا عامر، ولادي مقدرش أكسرهم. ولو أنت خايف عليهم صح، سيبهم لي وأنا أوعدك هتشوفهم حاجة تانية. وأنت مسيرك هتتجوز وهتجيب غيرهم، أما أنا فله. انفطر قلبه لبكائها وهبط لمستواها وأدمع مثلها قائلاً من بين دموعه: _إني دلوقتي شفت عقاب ربنا ليا، ولادي هيتربوا بعيد عن حضني وهيسموا باسم راجل غيري. وأكمل ببكاء

هو الآخر تنشق له القلوب: _آااااااااااه من انتقامك مني ياااااااارب. وضعت حبهم في قلبي وخلتني أتعلق بيهم، ولما عرفت إني أبوهم علقتني بيهم زيادة، وفي نفس الوقت مقدرش لهم أبداااا. حكمتك يااااارب. وظلا كلاهما يبكيان على وضعهم المرير في مشهد يحبس الأنفاس من شدة هلعهم. ولكن مهلاً أيها العامر وتلك المها، فتلك بداية نبض الوجع الحقيقي وليس نهايته. وبعد مدة أخذت وقتًا طويلاً في التفكير، تحدث عامر بقراره السليم كي يريحها:

_خلاص يا مها، إني هسافر من مكان ما جيت. بس لما أرن عليكي فيديو عشان أشوفهم وأطمن عليهم، تفتحي ومتعانديش. وخلي بالك إني أبوهم زي ما أنتِ أمهم، راعي مشاعري اللي اتعلقت بيهم. وأكمل وهو يسألها خوفًا عليهم: _بس هتقدري على رعايتهم ورعاية مجدي وظروفه لوحدك يا مها، ولا هتقصري فيهم؟ تنهدت بارتياح أخيرًا، ثم أجابته وهي تنظر إلى السماء:

_إني مش لوحدي، إني معايا ربنا اللي أقوى من الكل. إني دلوقتي بقيت إنسانة جديدة. بقيت بصلي وبدعي ربنا كتيييير يغفر لي ذنبي الكبير. وبقيم الليل. بقيت بستعين على ضعفي بقربي من ربنا. بقيت ألوم نفسي كتير وشلتها من وضع المظلوم وحطتها في وضع الظالم. بقيت بدعي ربنا يرزقني النفس اللوامة ويبعدني عن النفس الأمارة. ثم تبدلت معالم وجهها الحزين إلى آخر مبتسم:

_بقيت بقرب من ربنا وصدقني يا عامر، لذة القرب من ربنا ليها طعم تاني خالص. بقيت بحمده على الضراء قبل السراء. بقيت راضية وخلعت قناع القنوط اللي أنا عشت فيه سنين واقتنعت بقضائه ليا. وبعد مناقشات كثيرة بينهم، انتهوا على سفر عامر واستطاعت مها إقناعه، وهذا هو الرأي السليم. فستر الله ما زال محيطًا إياهم، ولأجل الأولاد سيتحملان الظروف القاسية التي وضعوا فيها.

في مكتب ماهر الريان، شعر ماهر بالأرق، فرفع سماعة الهاتف كي يطلب من رحمة أن تجعل الساعي يجلب له فنجانًا من القهوة، ولكن لم يأتيه رد، فنظر في ساعته فعلم أن ذاك الوقت هو وقت راحتهم ما بين الفترتين في مكتبه، فأرسل إليها رسالة عبر الواتساب: _إنتي فين يا رحمة دلوقتي؟

كانت تجلس في مطعم بجانب المكتب تشرب قهوتها وتفكر في حياتها مع ذاك الماهر الذي أتعب قلبها بشدة. مر على علاقتهم ببعضهم شهور عدة وهو متخبط وهي تتحمل. هو تائه وهي دليله. هو موجوع وهي دوائه. جلست تحدث حالها: _ماذا بك يا رجل أحلامي؟ لم لم تطمئن قلبي وتعترف بغرامي؟ ألم يدق قلبك شوقًا؟ ألم تذق عيناك نوماً وتأتي إلي متمنياً أحضاني. تع حبيبي وانسي الماضي الأليم وأعدك أني سأسحبك لعالمي، سأسحبك للأمان.

فاقت من شرودها على صوت رسالته فقرأتها ثم أرسلت إليه: _في المطعم اللي جنب المكتب بشرب قهوة في حاجة؟ قرأ رسالتها ثم حمل مفاتيحه وغادر المكتب وأرسل إليها: _خليكي عندك إني جاي لك دلوقت هشرب قهوة معاكي حاسس بصداع. استسلمت رسالته فتحولت بذاك الكرسي وأعطت وجهها للنافذة واستندت على الكرسي برأسها تتأمل المارة في الشوارع وهي تسبح بخيالها داخل أعماق ذاك الماهر الذي أتعبها، ولكن ذاك القابع بين أضلعها هو من يسوقها إليه بلا هوادة.

وصل ماهر إلى مكان تواجدها وجدها مغمضة العينين سارحة في ملكوتها.

كان التوقيت حينئذ وقت غروب الشمس وهيئتها مع غروب الشمس أهلكت قلب ذاك الماهر. فعندما تنسحب الشمس إلى مخدعها وراء الغيوم تترك أذيالها الحمراء الذهبية اللامعة تزين جهة الغرب من السماء لتشكل بذلك مشهداً سحراً البشرية منذ الأزل وحتى يومنا هذا، ويحرك مشهد الغروب الكثير من القلوب. فترى الناس يتأملون غروب الشمس، ويتذكرون الهاجر أو المحب القريب. إلا أن وقت الغروب يحرك أحياناً إحساس الألم والفراق، تماماً كفراق النور الذي تمنحه الشمس لوجه الأرض كاملاً ليعم الظلام بعدها. لكنه ظلام أكثر هدوءاً، وفيه القمر الجميل، والنجوم المضيئة. وكانت تلك الرحمة نجمة من تلك النجمات المضيئة ولكن لها بهاءها وسحرها فاق جمال جميع النجوم.

لقد أسرت قلب ذاك المتبلد المكابر. لقد ضربت بقوانين الكبرياء لديه بديناميت مشاعرها القوية وشخصيتها الشرسة وفجرت بركان الجمود لديه فنطق الحجر أخيراً بعدما شعر بدقات قلبه العنيدة والتي من كثرتها جعلته سيتركه ويقفز بين يديها ويعترف هو بدلاً من أن ينطقها ذاك اللسان الأخرس المعاند. فجلس على الكرسي الذي بجانبها بخطوات هادئة لم تشعر بها تلك الرحمة واستراح بجسده وسند رأسه على ذاك الكرسي وجلس مثلما هي جالسة مغمضة العينين ثم خرجت الكلمات من لسانه أخيراً:

_خلاص يارحمة جت لك لحد عندك وقلبي مقدرش يستناني أتعافى من الماضي. جت لك علشان أقول لك إني بحبك ومش قادر خلاص سلمت لك ونجحتي تخلي قلب ماهر اللي اتفقل سنين يتفتح تاني بعشقك.

مازالت على نفس جلستها مغمضة العينان وظنت أنها في حلم جميل. ظنت أن نطقه ليس حقيقي وأنها تاهت في ملكوت خيالها الواسع ملكوت ماهر الريان الذي أهلك قلب رحمة المهدي. فذاك الرجل الأربعيني إلا سنوات قليلة أوقع قلب تلك الأميرة الصغيرة. فحقا من يرى رحمة يظنها أميرة في وجهها الأبيض وعيناها الواسعتين ذو اللون الأخضر وشفاها المرسومتين الصغيرتين وشعرها المغطى بالحجاب ذو اللون الذهبي ويصل إلى منتصف ظهرها. ثم تحدث لسانها ناطقاً

دون تصديق: _حلم جميل حلمت بيه كتير إنك تيجي لحدي وتعترف بحبي. ودلوقتي سمعتها منك بقلبي وخايفة أفتح عيني ألاقيني بحلم ياماهر. توجع قلبه لأجل تعبها ولكنه ليس بيداه فهو كان في محنة وابتلاء طالت لياليه وأيامه ثم أكمل مؤكداً لها: _لا يارحمة فتحي عيونك هتلاقيني جارك وجاي حداكي لجل ما أعترف لك إني خلاص مقادرش على الصبر وانتي واخداني بشقاوتك ومكرك على الحامي ومش مديني فرصة أتعافى من الماضي.

_يعني بجد انت قاعد جاري دلوقتي واني لو فتحت عيوني هشوف شفايفك وهي بتنطقها ومش هطلع بحلم. _فتحي ما خلاص القلب اتسند عليكي وطالما اعترف يبقى مهيقدرش يتحمل بعاد أكتر من كده. فتحت عيناها رويداً رويداً ونظرت جانبها وجدته يجلس مسترخياً نفس جلستها. فوجهت أنظارها إليه مكملة بوله وهي تستغل سحر اللحظة وأحضرت شخصية رحمة العاشقة الآن وتركت الماكرة فليس ذاك وقتها ولا مكانها وطلبت منه:

_طب افتح عيونك وقولها لي وانت باصص جوة عيوني ياماهر علشان قلبي يصدق. تنهد بأنفاس طويلة ثم فتح عيناه ونظر جانباً تجاهها وعيناه سكنت عيناها وتحدث بصوت أجش: _يعني مش حساها دلوقتي يارحمة ولازم أنطقها تاني؟ بعينيها المثبتة داخل عيناه هتفت برجاء لقلبه: _ما إني حساها من زمان ياماهر بس حقي دلوقتي أسمعها مرة واتنين وعشرة. حقي أشوف شفايفك وهي بتنطق بحبك يارحمة. وهي بتعترف بعشق رحمة. متحرمنيش منيها اللحظة دي يا معذب قلبي معاك.

_ومن فينا متعذبش ومتوجعش بس غصب عني اتأخرت عليكي فيها. كنت مستني أجي حدك واني متعافي تماماً. _اتعافى بيا ومعاي ياماهر وصدقني مهتلاقيش في حبك ليا غربة هتلاقيني وطنك كله بجنوده اللي هتحاوطك وقت تعبك ووقت تيهتك. _مكنتش عايز أتعبك معاي ولا أشيلك حمل همي الثقيل بس إنتي طلعتي جسم صغير لكن عقل كبير يوزن بلاد بحالها. طلعتي قدها وقدود وأثبت لي إن القوة الحقيقية هي حد وجود حد بيحبنا بجد من كل قلبه جنبنا.

_ياه ياماهر أخيراً عرفت إن الفرار من الحب أكبر دمار للقلب. تعبت قلبي معاك يابن الريان. _معلش حقك علي ياحبيبي ومن النهاردة هتشوف ماهر تاني خالص. _الله كلمة حبيبي نزلت على قلبي غسلته ورطبته وخلته انتعش وفتح أبوابه للدنيا من جديد. _طب إيه بقى آجي للحاج سلطان وأطلبك منه خلاص مقدرش أصبر أكتر من كده؟ حركت رأسها برفض قاطع أذهله ثم قالت بتصميم:

_لا يا ماهر. لما تقولها وانت باصص جوة عيوني ساعتها هقول لك هات المأذون مش بس تعالى للحج سلطان. تنهد بتعب من تلك المشاغبة الصغيرة ثم اعترف بها بعشق وهو يستجمع شتاته المتفرق من نظرة عيناي تلك المشاغبة: _بحبك. كانت كلمة واحدة نطقها من فاهه ولكنها بمثابة معجم بأكمله. كانت أعذوبة وترنيمتها عزفت على أوتار قلبها. كانت كلمة ولكن بألف كلمة تحيي قلوباً تمنت سماعها كثيراً.

كانت كلمة صدى سمعها في أذنها جعل عيناها لمعت بدمع الفرحة. وأخيراً قالها ماهر. قال لها أحبك رحمتي. قالها وذاك القلب لم ينفض عن دقاته بعد. قالها وتعلق القلب والعقل والجسد والكل. ثم نظرت له بعمق ونطقت شفاها بتمرد جعله يبتسم ويفتخر بها في نفس ذاك الوقت: _إني بقى مهقولهاش دلوقتي ياماهر. مهقولهاش إلا لما أبقى في بيتك حلالك ووقتها ساعتها هتحس بلذتها علشان دي هي وقتها. وأكملت بابتسامة زينت وجهها الجميل وهي تبسط يداها أمامه:

_أهلاً بك في حياة رحمة المهدي. هاخد لك معاد مع بابا وهخلي عمران أخوي يبلغك بيه. ******************* في المشفى حيث تجلس سكون وصديقتها فريدة جلستهم المعتادة وبيدهم قهوتهم التي اعتادوا عليها ذاك الطقس اليومي الذي لم ينفكوا عنه أبداً فسألتها فريدة: _بردك متقوليش ليه كنتي الأسبوع اللي فات أدخل عليكي المكتب ألاقيكي بتبكي ومفلوقة من العياط ياسكون؟ هو إني مش صاحبتك وطول عمري شايلة سرك وكاتمة أسرارك؟

ارتشفت سكون قهوتها وما إن استمعت إلى سؤالها حتى نطقت وهي تمط شفاها بضيق: _يادي السؤال اللي دوشتيني بيه يافريدة. قلت لك ميت مرة يا أم مخ تخين إنتي زعلانة على فراق مكة أختي. نفخت فريدة بغيظ منها وأردفت باستنكار: _مختومة على قفايا إني علشان أصدق الهبل اللي هتقوليه دي عاد. نظرت لها سكون بزهق منها وبأمر لا يقبل النقاش:

_ممكن منتكلمش في الموضوع ده يافريدة. يمكن ياستي حاجة خاصة حصلت بيني وبين جوزي ومحبش أتكلم فيها ولا أتحدث في خصوصياتنا حتى مع أمي اللي خلفتني. وأكملت سكون وهي تذكرها بما اتفقا عليه فهي لم تريد أن تفشي سر البيت التي تعيش أوسطهم وحتى أنها لم تحكي لوالدتها عما حدث حتى لا تعبئ النفوس حقداً من بعضها: _هتيجي وياي عند خالتي أم أيمن ولا هتهمليني أروح لوحدي عاد؟ لكزتها فريدة بغيظ في كتفها ثم قالت بتوعد:

_ماشي ياسكون هياجيكي يوم ومش هرضي فضولك اللي إني أكتر واحدة حافظاه. ثم حملت حقيبتها وأكملت آمرة إياها: _يالا هروح وياكي إني كماني اتوحشتها قوي من ساعة ماروحنا نعزمها على فرحك آخر مرة واني مشفتهاش. بس تعالي ندخل الكوبيات دي المكتب ونمشي.

ابتسمت لها سكون وفعلت ما أملته عليها وبعد دقائق قليلة خرجتا من المشفى وركبتا سيارة فريدة ثم أرسلت سكون رسالة إلى عمران تخبره بأنها تحركت هي وفريدة إلى تلك السيدة فهي قد استأذنت منه في الذهاب إليها ليلة أمس. وصلتا إلى منزل أم أيمن التي رأتهم من بعيد وهي تجلس مع جارتها المقربة إليها أمام منزلها. فرحت بشدة عندما رأتهم وتقدمت عليهن بابتسامة فرحة للغاية.

واحتضنت كلتاهما بسعادة ثم أدخلتهم منزلها المرتب النظيف ورحبت بهن كثيراً وقدمت لهن واجب الضيافة. وبعد انتهاء السلام والاطمئنان على حالهن نظرت إلى سكون وتحدثت: _بالك يادكتورة سكون كنتي على بالي من يومين كده ساعة المغربية ومش عارفة ليه قلبي كان واكلني عليكي. قمت بعد ما صليت المغرب قعدت كتير أدعي لك يابتي ربنا يحميكي ويرضيكي ويرضي عنيكي ويبعد عنك الأذى والمؤذيين علشان انتي بت حلال وأصيلة والعيبة متطلعش منك واصل.

طمنيني عنك يابتي؟ تذكرت رحمة منذ يومان وفي ذاك التوقيت التي ذكرته بالذات كانت بالفعل تشعر بالضيق وحينها جلست هي وعمران جلسة الذكر التي آراحتها ويبدو أن أحدهم كان يدعو لها في ذاك التوقيت مما أراح الله صدرها عندئذ ولم تكن إلا تلك السيدة البشوشة ثم أخبرتها:

_والله ياخالة في الوقت ده بالذات كنت مضايقة قوي وحاسة إن الدنيا كانت في عيني قد خرم الإبرة لكن يظهر إن دعواتك الطيبة ليا استجاب لها ربنا وريح قلبي. ربنا ما يحرمني من دعواتك ولا قلبك الطيب. هنا تحدثت فريدة وهي تصطنع الحزن: _وأني ياخالة أم أيمن مليش نصيب في دعواتك دي ولا هي سكون بس. إنتي أصلاً بتحبيها أكتر مني مع إني بجيكي زيها بالظبط بس هقول إيه بقى المحبة مبتتشحتش عاد. ابتسمت تلك المسنة لها ثم ربتت على

ظهرها بحنو وطيبت خاطرها: _له يابتي كيف دي عاد! الله الوكيل بدعي لك انتي كماني هو أني عندي أغلي منيكم. واسترسلت بنبرة حزينة جعلتهم ضاقوا لأجلها: _انتو بتسألوا علي اكتر من مرت ولدي اللي مهتعبرنيش خالص. بس يالا أهي ديون وهتترد وكل واحد منينا هينوبه جزاته إذا كان طيب ولا شين. قامتا كلتاهن وأخذاها بين أحضانهن وهم يهدهدوها بحنان ورددت فريدة:

_خلاص بقي متنكديش على روحك وسيبك من بوز الاخص داي. والله ماتعرف قيمتك اللي ياجي ويحط عليها البعيدة. وبعدين ماحنا بنجيلك اني وسكون كل اسبوع هو إحنا ممكفينش واصل.

تشبست بأحضانهم كالطفل الصغير الذي يخشى فراق أمه وهدات من حزنها وجلسوا يتسامرون بمحبة. فكل اسبوع تأتيان لزيارتها والاطمئنان عليها كي تدخلان السرور إلى قلبها. فمبدا الصديقتان من سار بين الناس جابرا للخواطر أدركه الله في جوف المخاطر وقد حدث بالفعل فقد نالت سكون من دعوات تلك المسنة واستجاب لها رب السماء وكأن أبوابه كانت مفتوحة في ذاك الوقت وكأنها ساعة استجابة.

وبعد أن انتهت جلستهم ودعاها وعادا إلى المشفى وظلت هي تدعوا لهم من قلبها دعوات صادقة. في منزل سلطان ليلا، وبالتحديد في شقة عمران كانت رحمة جالسة معهم وبعد حديث طويل دار بينهم أخبرت رحمة عمران بطلب ماهر وطلبت منه أن يأخذ موعد له مع أبيها فوعدها وقلبه سعيد لأجلها: _والله فرحت لك من قلبي يابت أبوي ربنا يكمل لك على خير يارب. هتكلم ويا الحج سلطان وهاخد لك معاد منيه هو أني عندي أغلي منيكي.

كانت سكون في ذاك الوقت تشعر بالحزن الشديد داخلها فنتيجة التحاليل التي أجرتها لنفسها منذ أسبوعا ظهرت ووجدت فيها ما جعلها تنهار كليا ولكنها دارت حزنها ببراعة أمامهم ثم لاحظ شرودها كلتاهما فسألتها رحمة: _مالك ياسكون سرحانة في ايه عاد ومقلتليش مبروك يعني ومش داخلة معانا في الحوار. تحمحمت سكون بتوتر ثم رسمت البسمة بصعوبة على وجهها وباركت لها: _ألف مبروك ياحبيبتي ربنا يجعله عريس الهنا والسعادة يارب.

وأثناء حديثهما استمعت رحمة الي رسالة أتتها عبر الهاتف وإذا بها والدتها تطلب منها أن تأتيها فورا إلى غرفتها. فاستئذنتهم وتركتهم ونزلت اليها. دلفت رحمة إلى والدتها وسألتها بقلق: _مالك يا ماما في حاجة ولا ايه؟ جذبتها زينب من يدها ثم تحدثت بمقدمة لحديثها فهي لاتعرف من اين تبدأ حديثها كي تطلب منها ماتريد: _تعالى بس اقعدي جاري اهنه ومتوغوشيش أني زينة الحمد لله. اندهشت رحمة من والدتها ثم جلست قائلة:

_اديني قعدت اهه. ها مالك يازينب انطقي؟ توترت زينب قليلا ولكن استدعت الشجاعة وطلبت منها: _أممم.. شوفي بقي يابت يارحمة ياقمرة إنت. اني عايزة اكده أغير من طريقة لبسي. عايزاكي تجبي لي هدوم جديدة بيتي وخروج. عايزة كمان أظبط وشي اكده وتعلميني احط السخام دي اللي اسمه ميكب. وكماني عايزة روايح حلوة اكده من الغالية اللي تفوح في البيت كلياته. ثم نظرت إليها وأكملت وعيناها تلتمعان بلمعة المكر والدهاء:

_اني عايزة أحس أني ست جديدة اللي يشوفني ميعرفنيش. ويفتكروني عيلة صغيرة اني عايزة ألعلط اكده يابت. ضحكت رحمة ضحكات عالية متتالية على والدتها وما حكته الآن. فلكزتها زينب على فخذها بقوة آلامتها وجعلتها توجعت: _بتضحكي علي يابت إنت؟ تصدقي بالله اني غلطانة إني جيت لك انتي يابوز الاخص. اني هروح لمرت ولدي البت الرقيقة داي وهطلب منيها ومعايزاش منك حاجة. أهي هتوبقى أحن علي منك ياأم نضارة قعر كوباية إنت. يابتاعت المحاكم.

هدأت من ضحكاتها ثم قالت من بينهن: _حقك علي ياست الكل. اهدي بس اكده. وأكملت وهي تغمز لها بشقاوة: _هو القمر الشوق رماه لأبو السلاطين وهيشحن نظام شوق ولا تدوق ولا ايه. زاغت نظرات عينيها بحرج من تلك الابنة الماكرة وقالت بتوتر: _اممم.. له يابت دماغك متروحش لبعيد اني خلاص زهدت الرجالة بوكي كرهني فيه وفي صنف الرجالة كلياتهم. كل الحكاية إني هملت في نفسي كتير وعايزة اهتم بيها شوي. ها هتساعديني ولا اشوف غيرك. رفعت حاجبيها

بمكر وأردفت بتأكيد: _هو دي سؤال ياحاجة دي اني بتك رحمة الوحيدة اللي هتخليكي تنوري في الضلمة. وأكملت بوجه مبتسم ببلهاء: _أصلك متعرفيش اني أحب أمور الكيد قووووي وخاصة بتاعت الست للراجل. ثم سألتها بنفس البلهاء: _إلا قولي لي يازوبة هو أني طلعة كيادة لمين بالظبط؟ لكزتها زينب مرة أخرى على كتفها وهدرت بها: _أه ياللي تنشكي يابت بطني. تقصدي ايه بكلامك دي يابت إنت؟ أجابتها بغمزة:

_اصل من يومين اكده لما كنا قاعدين شفت الحاج وهو داخل عنديكي وبيتسحب بس على مين دي أني رحوم. وسألت حالي وقتها هو جاي حداكي وحديه ولا الهوى رماه. وأكملت بضحكة ساخرة مجيبة حالها: _اني دلوك عرفت الإجابة. إن هوا زينب رماه ولما لقيته خارج الشر هيطق من عنيه عرفت ان الهوا لطشه جامد وادي له لسعة برد محترمة. قامت زينب من مكانها وأمسكت نعلها وصوبته في وجه تلك المشاغبة ثم هدرت بها:

_أنت يابت إنت دماغك داي ايه هو مفيش حد اهنه بيفلت من تحت عنيكي! جايبة الجمدان دي كله منين يابت بطني. _الله يازوبة هما مش بيقولوا بردك اقلب القدرة على فمها تطلع البت لأمها يعني مهجبهوش من برة أني. _الله يكون في عونه اللي هياخدك يابتي حكم إنت. قوية ومفترية وربنا مايحكمك على ظالم. امشي يابت من قدامي دلوك معايزاش منك حاجة واصل. _مين دي اللي هتمشي!

الله الوكيل ما حد هيطلع الطلعة دي غيري يا زوبة. أني هخليكي ولا مارلين مونرو، هخليكي ملكة جمال ودلال قنا، بس اسمعي كلامي واديني فرصتي، حكم أني أحب لعب الكبار دي قوي. استفزتها بكلامها فقذفت نعلها في وجهها، فطارت رحمة من أمامها ورددت هي: _يالا يا بت امشي من قدامي، ما عايزه أشوف خلقتك دي تاني يا جزمة أنت. غوري اتشك في معاميعك. أما في شقة عمران، نظر إلى سكون متسائلا بنبرة قلقة: _مالك يا سكون؟ فيكي إيه؟

إنتي بقى لك أسبوع من قبل فرح أختك وحالتك صعبة ومتغيرة أكده. تهربت سكون من عيناه، ثم اصطنعت الهدوء وأجابته وهي تقوم من أمامه: _لا، مفيش حاجة يا عمران. متهيأ لك، أني زينة الحمد لله. قالت كلماتها بتهرب وتحركت من أمامه، فأمسكها من يدها متسائلا إياها: _على فين رايحة أكده وفايتاني؟ أجابته وهي تنظر بعيدا عن مرمى عيناه حتى لا يلمح لمعتها بالدمع: _هدخل الحمام وهرجع لك طوالي.

ثم تركته ودخلت إلى الحمام وأغلقت الباب خلفها. ثم أخرجت الهاتف من جيبها وأرسلت رسالة إلى صديقتها فريدة وهي منهارة: _الحقيني يا فريدة، نتيجة التحاليل طلعت، واني ما بخلفش عمري، ولا هكون أم أبدا. أرسلت إليها فريدة رسالة تهدئها: _اهدي يا سكون، دي إنتي دكتورة نسا، ومفيش حاجة بعيدة على ربنا. وعارفة كويس إن ربنا خلق الدوا لكل علة، ومش عشان أجهضتي الجنين مرة هتفضلي أكده. امتلأت عيناها بالدموع، ثم أجابتها:

_بس مش في حالتي دي يا فريدة، أني الرحم بتاعي بطانته طلعت ضعيفة، وعندي ورم ليفي بيسبب تشوهات للجنين وبيخليه ينزل في أسابيعه الأولى. ومن الواضح إني حملت من ليلة دخلتي، ويدوب كمل شهر واضطريت أنزله لما عملت السونار وعرفت إنه مشوه. وكل ده وعمران ميعرفش حاجة. وأكملت كتابة رسائلها وعيناها انتفخت من شدة الدموع:

_عمران كل يوم يقول لي نفسي أبقى أب، وكل يوم أمه وأبوه يتمنوا حفيد لابنهم الوحيد، وبيقولوهالي في وشي، وأني طريقي علاجي طويل ويمكن ياخد سنين، ويمكن أتعالج ويمكن لا. هدأتها فريدة مرسلة لها: _اهدي يا سكون، ومتفكريش في أي حاجة دلوقتي، وسيبي ربك يدبر لك الأمور، هو أحسن مننا كلياتنا.

تنهدت بوجع عميق تأجج في جسدها وهي على مشارف فقدان عمرانها. والأدهى أنه سيكون بيدها هي لا بيد غيرها. فهي لن تظلمه معها، ولن تحرمه من إحساس الأبوة. أما في الخارج، شعر عمران بالقلق عليها، فهي تأخرت في الحمام كثيرا. طرق الباب مرة عليها ثم ردد وهو يحاول فتحه: _سكون، إنت بقى لك كتير في الحمام، فيك حاجة يا حبيبي؟ مسحت دموعها على الفور، ثم أجابته بصوت ادعت فيه نبرة الهدوء:

_لا يا عمران، أني زينة. بس حسيت بخنقة، قلت هاخد شاور. متقلقش علي. شعر بالحزن في نبرة صوتها، ولكن هي حاولت كتمانه، فطلب منها: _طب قافلة على حالك ليه يا قلب عمران؟ طب افتحي الباب خليني أطمن عليك. اصطنعت الضحك بداخل الحمام وحاولت استدعاء الثبات النفسي، ثم أجابته بنبرة دعابية مصطنعة كي تجعله يرحل عنها:

_هههههه، هبلة إني عشان أفتح لك الباب ونعمل ليلة النهاردة. انسى يا حبيبي، أني عندي شغل الصبح بدري وكمان نبطشية، يعني لو فضلت واقف أكده للصبح ما فتحتش. كانت في ذاك الوقت فاتحة صنبور المياه، وبالفعل قررت أن تأخذ شاورا يريح جسدها المشـ.ـتعل من نيـ.ـرانه. أما هو، ضحك على مشاغبتها بنفس الدعابة: _بقى أكده بترفض النعمة يا سكون؟ وبتتدلعي على عمرانك؟

طب لعلمك بقى، آني قاعد مستنيكي أهه عشان أشوف هربانك مني دي هيخلص إمتى ويانا يانتي الليلة. وبالفعل جلس على التخت وفتح شاشة التلفاز يلهي حاله بها وانتظر خروجها من الحمام. أما هي، علمت من صوت التلفاز أنه مازال بالخارج مستيقظا في انتظارها. فأنهت الشاور وارتدت ذاك الرداء الخاص بحمامها، ووضعت تلك الفوطة على شعرها كي تجففه، ثم خرجت إليه.

ما إن رأي خروجها حتى انتفض من على التخت ووقف أمامها وسحبها من إحدى يديها برفق قائلا، وهو يغمز لها بطريقة أذابتها: _نعيما يا حبيبي. إيه الحلاوة والجمال والريحة الحلوة دي؟ هتجنني عمران والله بشقاوتك دي يا سكوني. اصطنعت الثبات، فربما تكن آخر ليلة اليوم تقضيها في حضن عمرانها. فهي فكرت كثيرا ولن تجعله ينتظر أعواما بجانبها، واحتمال الشفاء منعدم، ولن تحرمه أن يكون أبا. ثم ابتسمت له بحب عندما رأت الرغبة في عينيه:

_طب بالراحة على سكونك، متاخدهاش على الحامي أكده، مش كده هي يا عمران؟ ولا كده حروبك دي. اقترب منها أكثر وجذبها إلى أحضانه حتى ارتطمت بعظام صدره، ثم همس لها بنبرة مبحوحة رجولية: _والله عمران اللي مش كده دلالك ولا جمالك اللي بيخطفه يا بت قلبي. شكل ما يكون ربنا وضع الحلا والجمال فيك انت بس يا حبيبي. شعرت بأنه دخل الآن عالم السكون وعمران، عالم الروح التي تنجذب لخليلها باشتهار ورغبة. فدفعته برقة في صدره وهي تردد بدلال:

_طب اصبر بس، هسرح شعري وأغير هدومي وبعدين نتكلم. ثبتت يداه على صدرها ثم شاغبها مرددا برغبة اغتالت أوصاله الآن في حضرتها: _لاااا، ممنوش فايدة الكلام ده. تعالي عايزك في حوار تاني وبعدين اعملي مابدالك.

أنهى كلمته وجذبها إلى عالمه برفق وعشق رجل لامرأته، وذابت هي بين يديه ودخلت عالم العمران ونسيت كل شيء. فلربما تكن آخر ليلة ستقضيها بين أحضان عمران، فل تستغلها وتنسى روحها بين يديه. أما هو، كان يشعر بأنها اليوم تائهة معه في عالمه، ورغبتها به غلبت كل الأيام والليالي. وشوقها فاق الحدود، فجعلته ثائرا بها مطالبا للمزيد، فهو رجل عاشق لتلك المرأة عشقا فاق الحدود وتخطى مراحل الجنون الآن.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...