انتهت تلك الليلة وأتى يوم جديد بصباح جديد مشرق نأمل فيه راحة لنفوسنا وجبراً لأرواحنا. ذهبت سكون إلى المشفى وهي ترتدي نظارتها الشمسية كي تداري عيناها اللامعتين بالدموع عن الجميع. فهي ما إن خرجت من المنزل وصعدت سيارتها حتى أدمعت عيناها، وانقلبت الدموع لبكاء شديد مما حدث لها من ليلة وضحاها.
ولكن هي الحياة لها نكبات وابتلاءات شديدة على بني البشر، ولكن قوة تحمل تلك السكون في ذاك البلاء هش وضعيف. فهي ستخسر فيه عمرانها، فلن تصبح أنانية وتحرمه من أن يكون أباً وهو يحلم بذلك، وخاصة أن عمره تخطى الثلاثين بأربع سنوات، وسلطان وزينب متعجلين هما الآخرين لعوض عمران. دَلفت غرفة مكتبها، رأتها صديقتها فريدة فدلفت إليها على الفور ورأت حالتها، ثم اختـ.ـطفتها بين أحضانها بحنان. ولم يزدها ذلك إلا أنها بكت أكثر من ذي قبل.
وفريدة بكت هي الأخرى، وبعد وقت يبكون في أحضان بعضهم، أخرجتها فريدة من أحضانها ثم احتضنت وجنتها وهتفت لها: "متبكيش ياسكون، متبكيش ياحبيبتي. ربك هو الحلال ومتقدريش البلا قبل وقوعه. اصبري بس لما نروح للداكتورة ابتهال وهي هتفهمنا أكتر، يمكن فيه جديد. إحنا آه دكاترة نسا، لكن لسه في البداية وهي ليها وجهة نظر تانية وحلول كـ.ـتير." ازدادت سكون في البكاء أكثر ثم تحدثت بتقطع:
"بـ.ـعت لها وقالت لي إن الحالة عايزة علاج كتيير وعايزة صبر وكله بإيد ربنا، ومقلتلهاش إن دي تحاليل. يــ.ـارب ارزقني العون والهدوء يارب. مش عارفة أجيب لعمران سيرة الطلاق إزاي، ولا هيوبقى ظروفه إيه ساعتها. أني خايفة عليه قوووي، خايفة عليه من ساعة ماعرفت." سألتها فريدة: "إنتي عرفتي كيف بحالتك دي ونزلتي الجنين ميتى؟ أجابتها وهي تتذكر ذاك اليوم المشئوم قبل زواج مكة بأربعة أيام:
في ذاك اليوم استيقظت سكون من نومها وذهبت إلى عملها باكراً وهي تشعر بالدوار بطريقة رهيبة. وكما أن الدورة الشهرية تأخرت عنها، فقررت أن تجري سونار لنفسها كي تتأكد مما تشعر به. وبالفعل وجدت أنها حامل ومدة حملها ثمانية وعشرين يوماً. ثم بدأت بفحص نفسها جيداً، والسعادة لامعة في عينيها. فاليوم ستحتضن عمران وتخبره بحملها، فهي بالتقريب حملت في ليلة دخلتها على عمران. ثم لاحظت وجود موجات فوق صوتية في السونار فشعرت بالخطر، ولكن قدرت عدم وجود البلاء. وفي نفس اليوم أجرت جميع التحاليل الخاصة بالحمل وقررت أن لا تخبر عمران حتى ينزاح الشك الذي تشعر به.
ولم يمر ثلاثة أيام حتى استيقظت وشعرت بسيلان شيء ما، ودلفت إلى الحمام وجدت تلك الدماء المملوءة في سروالها، مما جعلها تكتم شهقاتها مما رأته. فقد مات جنينها في شهره الأول. وظلت تنزف ذاك اليوم بغزارة دون أن تعلم أحداً بما بها، ثم قررت أن تجري فحصاً كاملاً لها، واكتشفت بأن عندها مرض في رحمها يجعلها تفقد جنينها في شهوره الأولى. وأكملت حديثها مع فريدة:
"في اليوم اللي نزل فيه الجنين قلت له إني هبيت عندنا عشان خاطر فرح مكة وأكون جارها ومهملهاش لحالها، عشان كنت بنزف كـ.ـتير في اليوم دي. نتيجة الأشعة والتحاليل ظهرت والمفروض إني آخد حبوب منع الحمل لحد ما أبدأ أعالج نفسي وأشوف إذا كنت هفضل كده ولا ربنا رايد لي إني مخلفش." اقترحت عليها فريدة: "طب ما تحكي لعمران حالتك بالضبط والمفروض إنه هيقف جنبك ومهيسيبكيش." تنهدت بحسرة وألم نفسي انتابها فور تذكرها أمر عمران:
"عايزاني أروح أقول له إني كنت حامل والجنين نزل، عايزاني أروح أقول له اتحمل معايا سنين لحد أما يبقى عندك 40 سنة وما خلفتش، وإذا كان هو هيتحملني أمه وأبوه هيتحملوني كيف؟ وأكملت وهي تدمع بقهر: "عايزاني أروح أقول له إني هاخد حبوب منع الحمل عقبال ما أعالج نفسي. إني كده هبقى أنانية." شجعتها فريدة على رأيها: "وفيها إيه يعني لما يستناكي، كل شيء بأمر الله، ما أنتِ استنيتيه سنين عشان ييجي يخطبك وكنتِ بترفضى أي فرصة تيجي لك."
حركت سكون رأسها برفض وعللت موقفها: "إني اللي استنيته مش هو. هو ماكنش عارف بحبي ليه. وأول ما ربنا قدر النصيب متهاونش، وفي شهور كنت مرته حلاله وفي بيته." نفخت فريدة بضيق من عنادها ثم سألتها: "أمال هتعملي إيه ياسكون؟ طب متتكلميش خالص واعملي نفسك معرفاش حاجة وعالجي نفسك في صمت من غير مايعرف، لعل وعسى ربنا يعجل شفاكي. متسبقيش الأحداث." سألتها بتيهة: "وأكده هبقى مش بغشه يافريدة وبخبي عنيه حاجات من حقه يعرفها؟ واسترسلت
وهي تتأكد من حالها: "أني عارفاني ولا هعرف أداري حزني وهمي وهيكشفني طوالي، ولو عرف مستحيل يهملني وأني مهرضلوش إنه يتعذب وياي، ولا هرضى له الحرمان من الأبوة المدة الطويلة اللي إني معرفاش قد إيه. ومعرفاش إذا كنت هخف ولا لأ واصل." ربتت فريدة على ظهرها وطمئنتها: "متتعجليش البلا قبل وقوعه واتفائلي بالخير ياحبيبتي. واعرفي إن ربنا مهيضركيش أبداً. اصبري بس على حالك واسمعي كلامي."
تنهدت سكون بتعب من حالتها ثم قررت أن تسمع كلام صديقتها وتترك أمرها بيد الله يدبره كيفما يشاء. ********************* أما في المالديف عند العروسين، مر عدة أيام على زواجهما ونوعاً ما الأوضاع بينهم مستقرة. فآدم يحاول أن يحفظ طباعها ويدرس شخصيتها، وهي الأخرى تحفظ طباعه، وكأنهم في فترة خطوبة. يتشاركان في جميع أمور المنزل، فهما رافضين أن يقتحم حياتهم أي شخص، ونوعاً ما الأمور تسير بينهم على ما يرام.
كان آدم جالساً يمسك هاتفه يتصفحه ويتابع التي جاءته على صورته بعرسه. ووجد تعليق إحداهن تكتب فيه بحـ.ـرقة: "ليه اتجوزت ياحبيبي؟ كنت فتى أحلامي. وكمان من واحدة منقبة ومعقدة. انت حبيبي أنا مش هي، ومسيرنا هنتقابل قريب أووي. وأنا واثقة إنك لما تعرفني هتحبني وهتسيبك منها المعقدة دي. انت تليق لك واحدة برينسس تمشي جنبك كده مش دي خالص".
حقاً استفزه ذاك التعليق، فهو من عادته لا يرد على الـ.ـصفحة يتابعها الأدمن المسؤول عنها. ثم فتح صفحتها فضولاً منه كي يرى من تكون تلك الجريئة التي كتبت ذاك التعليق على العام، ولم تخشى هجوم المتابعين عليها وسخريتهم منها.
أتت صورتها أمامه وهي تجلس في وضع غير مريح، بجسدها المثير العاري بعض الشيء، فالملابس التي كانت ترتديها تكشف أكثر مما تفضح. وأثناء تفحصه للصورة من باب الفضول، وهو مندمج في معرفة تلك الجريئة كي يرسل صفحتها إلى راشد ويتولى حظرها وحذف التعليق، ومن حظه السوء رآته مكة وهو مثبت الهاتف على صورتها. وفجأة خطـ.ـفت منه الهاتف بحدة وهي غير مصدقة أنه يفعل هكذا، مما جعله ينصدم من فعلتها. ثم وجهت الهاتف أمام وجهه وهي تردد باستنكار:
"ايه القرف اللي انت بتبص عليها دي؟ هو انت طلعت منهم اللي بيعملوا كده؟ حاول جذب الهاتف منها ولكنها امتنعت على أن تعطيه له، ثم أكملت استنكارها: "شكلي كده هبدأ أولى صدماتي فيك واللي كنت خايفة منه هكتشفه واحدة واحدة." علل موقفه قائلاً بتبرير: "يابنتي انتي فاهمة الموضوع غلط والله العظيم. هو أنا معقولة أعمل كده أو أوصل للمرحلة اللي أجيب صورة واحدة وأتأمل فيها ليه يعني؟ بنفس ضيقها ولكن لم يعلو صوتها وبنبرة أكثر استياءً:
"انت هتجنني؟ أمال اللي شفته بعيني دلوقتي هتسميه إيه؟ "تعالى نبدل الأدوار كده لو دخلت علي لقيتني جايبة صورة راجل وبتأمل فيه شوف رد فعلك وقتها هيوبقى عامل كيف؟ رفض عقله سؤالها ولم يستوعبه وأجابها: "ده مستحيل يحصل منك، هو أنا متجوز أي واحدة وخلاص؟ أنا قلبي اختار اللي واثق ومتأكد إنها هتصوني وهتحافظ على اسمي وشرفي، وخاصة إني أنا شخصية معروفة، فكان لازم أتأنى في اختياري."
تجمعت شياطين الغضب أمام عينيها من رده على نصف سؤالها والآخر تركه. وباتت الغيرة تضـ.ـرب بجسدها وتملؤه نيراناً، ثم هدرت به: "يعني اخترت نص كلامي وجاوبت عليه والنص التاني لأ! "آه مانت بقى هتلاقيك بتبررها لنفسك وتقول ماني محروم ومرتي عصياني وهي نايمة دلوقتي أعمل اللي على كيفي ومزاجي." اتسعت مقلتيه بذهول من عقلها وطريقة تفكيرها، ثم اقترب منها وحاول تهدئتها وهو يلمس كتفها بحنان:
"يابنتي اهدي ومتخليش الشيطان يوسوس في دماغك ويصور لك حاجات مش موجودة من الأساس. اهدي ياحبيبتي." وكأنه بكلامه وفعله تلك يسكب عليها مادة شديدة الاشتـ.ـعال، فاحـ.ـترقت أكثر، ثم دفعت يديه بحدة من على كتفها مكملة نهرها: "هو انت شايفني مجنونة عاد قدامك وبشد في شعري ولا إيه؟ "رد علي دلوقتي جايب صورة واحدة عريانة وبتتفرج عليها وتتأملها ليه ياآدم؟ انت متعرفش إن دي ذنب كـ.ـبير وإن دي من باب التحرش بردك؟
فتح فاهه على وسعه مما قالته ووصل إليه عقلها، ثم تحدث باستنكار: "إنتِ اللي شكلك اتجننتي رسمي، هي دي أشكال أبص لها أصلاً؟ وبعدين دول كانوا بيترموا تحت رجلي وعمري ما عبرتهم، قوم بقى أجيب صورهم وأبص عليها! "يامكة حكمي عقلك شوية ومتبقيش متسرعة." ثارت أكثر من ذي قبل وانفعلت عليه ولكزته في كتفه، فقد شعرت بالغيرة من مجرد صورة في يداه: "آه لف ودور علي وابلفني بكلمتين وهتقول علي هبلة وعيلة وملهاش تجارب وهضحك على عقلك بكلمتين."
وأكملت وهي تلكزه على صدره: "طلقني دلوقتي إني لا يمكن أكمل معاك وترجعني مصر حالا، وخليك هنا مع الصورة وصاحبة الصورة ياخاين." أمسكها من كلتا يديها وهزها بقليل من العنف وهو يحذرها: "طلاق مين ياماما، هو أنا كنت اتجوزتك لسه أصلاً عشان أطلقك! "بطلي بقى ظنونك السيئة دي وتفكيرك الغلط ياهانم، ولا انتي مستنية أي حاجة تعلقي لي المشنقة عشانها." ثم أكمل عندما رأى عاصفتها لم تهدأ بعد، مكملاً وهو يقربها منه ومازال متمسكاً بيدها:
"مكنتش أعرف إنك بتحبيني أوووي كده وإن غيرتك عامية ومبتشوفيش في غيرتك وبتهبي كده من غير ما تفهمي الأسباب." حاولت الإفلات من يده وهي تبتعد بعينيها بعيداً عن عينيه كي لا يكشف ضعفها، وهي تردد بتوتر: "غيرة إيه دي؟ وسع أكده متقربليش وملكش صالح بيا وانت خنتنتي في أول أسبوع جواز. جذبها أكثر من خصرها وهمس برفق وهو يدللها كي يجعلها تهدأ: _طب يرضي ضميرك ياشيخة أكون متجوز القمر اللي قدامي ده وأبص لغيرها؟
طب حد يصدق اني أعمل كدة أصلا؟ دي متجيش فيكي ذرة؟ ده إنتي جنبها صاروخ نووي يدمـ.ـر أجدعها جيش هقوم بقى أبص لدي. لقد لعب على اوتار الأنثى بجرائة وغاص في أعماق مشاعرها وأصبح يسبح في عالم تفتيت خوفها منه بمهارة فأكملت وهي تحاول الإفلات منه: _أه وعرفت منين إنها متجيش فيا ذرة علشان تعرِف انك كنت بتتأمل فيها وأديك اعترفت بلسانك ياغشاش.
راعى غيرتها بل وجعلت داخله يسعد بشدة ثم برر موقفه وهما مازال جاذبها إلى أحضانه وما زالت عيناها تنظر أرضاً خجلاً: _دي كانت كاتبة تعليق وحش معجبنيش فدخلت أخد صفحتها اسكرين علشان أبعتها لراشد يتعامل معاها مش زي اللي في دماغك خالص ياحبيبي وانتِ حضرتي وأنا لسه هاخد اللقطة ، شفتي بقى انك ظلمتيني. استطاع أن يجعلها تهدأ من مجرد قربه منها ومن مجرد همسات ولمسات سحرها بها ، لاتتعجلِ تلك المكة فأنتِ في أحضان
رجل عاشق وأنتِ في عامك الأول من أبجديات العشق ، تمهلِ فهو لن يستسلم وسيسحبك إلى عالمه دون أن تدري فتلك قوانين الغرام ، ولكن فقط من مجرد نظرات داخلها ذاب وخارجها ارتاب وهو الآن أصبح على يدها صابراً نِعْمَ العبد أوَّاب. حاولت الإفلات من يده ولكنه لم يجعلها تهرب وتشبس بها ولن يمرر الموقف مرور الكرام ، ثم همست وهي تمرر لسانها على شفتيها وهي تشعر باقترابه منها وهي إلى الآن لم تستعد: _طب سيبني أدخل أجهز الفطار علشان جعانة.
بإحدى يداه رمى حجابها أرضاً وفك رباط شعرها وجعله ينسدل على ظهرها بحركة ساحرة وبنبرة متيمة طلب منها: _طب متلبسيش الحجاب تاني عايز أشوفك بشعرك ولا ده مش من حقي ؟ وكمان سيبك بقي من الاسدالات اللي بتلبسيها دي أنا عريس ومن حقي أتدلع ولا ايه ؟ تمتمت بخفوت وهي أوشكت على أن يغيب عقلها معه: _طب مش لما نتفق الأول وبعدين حكاية المطالب والحقوق داي نتكلَم فيها. مازال مصمما على رأيه قائلاً:
_وماله نتفق براحتنا احنا ورانا ايه ، إحنا قاعدين هنا شهر بحاله علشان نبقى لوحدنا ونتكلم براحتنا ونتفق على كل حاجة وعلشان تريحيني بردوا. _أريحك كيف يعني ؟ _هي العروسة المتجوزة جديد بتريح جوزها إزاي ؟ _انت قليل الأدب على فكرة وراعى الألفاظ اللي بتقولها قدامي. _ايه يابنتي دماغك راحت شمال ليه ، تريحيني يعني متتعبيش أعصابي وتفتكري فيا حاجات مش موجودة ، شفتي بقى تاني مرة تظني وحش فيا النهاردة.
_انت مكار كبير على فكرة وأنا مش قدك. _والله عارف انك مش قدي وصعبانة عليا كمان ، جهدك ضعيف ومش هتقدري تتحملي. اتسعت مقلتيها بذهول من كلامه ووبخته: _ايييييه الكلام دي ، بلاش طريقة المتحرشين في الكلام داي. _وماله أقول اللي يعجبني هو إنتي مش مراتي وحلال أقول وأعمل وأبص على اللي يعجبني ولا ايه ؟ _طب سيب يدي اللي انت قافش فيها داي مههربش اني. _موكتي. _يووووه ، نعم.
_عيونك يجننوا من قريب كأنهم مدينة الواحد يسافر فيها بلاد وبلاد ويتوه في جمالهم ، ثم خلل أصابع يداه بين خصلات شعرها وأكمل: _وشعرك جماله عليكي زادك أضعاف ، له حق ربنا يشرع الحجاب علشان الجواهر اللي زيك تتدارى من العيون الوحشة ، الجواهر اللي زيك متنفعش تبقى متاحة للجميع ، لازم تتقدر بالغالي أوووي.
كانت تائهة في كلامه ، أول مرة اسمع ذاك الكلام ، أول مرة تجرب تلك الأحاسيس الجميلة ، والحق يقال ما أجمل تلك المشاعر إذا وُظِّفت في وقتها ولمن يستحقها ، عزيزتي حواء أنصحك بأن تغلقي على قلبك لفارس أحلامك في حلال الله كي تشعري بسحر اللحظات البدائية ، لها رونق لن يُنسى طيلة العمر ، لها تأثير في نفس صاحبها سيظل العقل والقلب يتذكرها ولن ينساها أبداً ،
لاحظ احمرار وجهها وخجلها الزائد فجذبها من رأسها وقبلها قبلة توقير لها ، فحقا هو سعيد بذاك التأني في علاقتهم ، فصبره عليها باختياره فهو من السهل أن يسحبها لعالمه وهي مهما كانت تمتلك لسانا فقط تنهره به إلا أنها امرأة عاشقة وعلى أتم استعداد أن يجعلها تستسلم بين يداه ولكنه يريد اللقاء الأول بينهم أن يكون لقاء أسطوري ، لقاء يطالب به جسدها قبله ، لقاء زوجة تود زوجها بجانبها بل وتتشبس به حينئذ سيصبح لمدينتها جيش احتلال يسكن قلبها وعقلها وكل كيانها ،
فهو يريد أن يري الشوق في عينيها اليوم والأمس وغدا كي يدون ذكريات الأشواق منها داخل كيانه ككل. ***************** مر عدة أيام أخر واليوم وبالتحديد في الساعة التاسعة مساءً تجلس رحمة في توتر بالغ فماهر في مقابلة والدها وأخيها في الخارج وتجلس هي وسكون بداخل الغرفة وهي متوترة للغاية وتدور حول نفسها ، أمسكتها سكون من يدها وأجلستها قائلة:
_يابنتي اهدي اكده خيلتيني معاكي ، ايه عمالة تلفي وتدوري كيف النحلة حواليا ، اقعدي هما خلاص هيقروا الفاتحة أهه. دبت في الأرض بقدمها ثم سألتها بإلحاح: _بجد! طب عرفتي منين ياسكون ، اتكلمي بسرعة ؟ مطت سكون شفتيها بامتعاض من تلك المجنونة ثم أجابتها: _لااا ده إنتي ماهر واكل بعقلك حلاوة بالجامد ، دي لو مكانش عميلها كان زمانك شبطتي فيه وقلتي عريس يابووي ، عمران بعت لي رسالة ياستي. وضعت رحمة يدها على صدرها تهدأ من ضربات
قلبها ثم تحدثت بهيام: _يوووه يامرت أخوي بحبه يختيي بحبه ، تقيل اكده وراسي وأني أحب النوع دي قوووي ، جنن أمي بن الذين على ماعترف لي بحبه. التمعت عيناي سكون فهي عاشقة مثلها وانتظرت حبيبها أعواماً ثم تذكرت حالتها ونبضات قلبها ضـ.ـربت داخلها بقـ.ـهر ثم خرجت الكلمات من بين أسنانها بضيق: _طب انتي كلهم كام شهر اللي استنيتي فيهم ، طب أني استنيته سنين ويا ياجيني يا اما له ، لو مكاني كنتي عميلتي ايه ؟ اتسعت عيناي
تلك الرحمة وأردفت بتمنع: _يختتتييي بعد الشر علي ، له ياسكون معنديش صبر ولا طولة بال زييكي يختي ، أني اللي أحبه لازم ياخد باله من حبي ، لازم يهواني قوووي وياجي حدي ويعترف طوالي ، وأكملت وهي تتمتم بضيق: _بس بردو طلع تقيل وراسي اكده ومبيتكلمش كتير ودماغه مقفلة ، بس على مين دي أني رحمة اللي هتنطق الحجر وإن ماجننته وخليته يتلفلف حوالين نفسه مبقاش أني.
ولم تنهى حديثها إلا واستمعت إلي دقات الباب ودلف عمران إليها واقترب منها بابتسامة ثم سحبها لأحضانه وقبلها من رأسها وهو يبارك لها: _مبروك يارحوم ، ألف مليون مبروك ياحبيبتي ، قرينا فتحتك وإن شاء الله كتب كتابك بعد اسبوعين والجواز بعد ستة من دلوك. قامت سكون هي الأخرى واحتضنتها مرددة بفرحة: _مبروك ياحبيبتي ، ربنا يجعله عريس الهنا والسعد عليكي يارب. أما عمران غمز لسكون قائلاً:
_وانت ياحبيبي عقبال فرح بنوتك المستقبلية اللي هتاجي الدنيا بإذن الله. اصطبغ وجه سكون باللون الاحمر من شدة رعبها عندما ذكرها بالحمل ، وتمتمت بخفوت فهمه عمران أنه خجل: _بإذن الله. ثم دلفت إليهم حبيبة بوجه مبتسم وهي تفرد ذراعيها بسعادة كي تبارك لها: _حبيبة قلب أختها مبروك ياصغنن ، مبروك ياحبيبتي. شددت رحمة على احتضانها ثم لكزتها على ظهرها معاتبة إياها بعد أن ردت على مباركتها:
_بقى اكده ياحبيبة تسبيني في يوم زي دي ، مخصماكي ياوحشة. اعتذرت لها حبيبة عن عدم تواجدها: _معلش ياحبيبتي حقك علي والله العيال مجنني التنيين ومخليني معرفاش اهتم بنفسي حتى ولا بعرف أسرح شعري ، وسهر طول الليل ولبخة وعمران خوي قال لي متخرجيش بالعيال كتير ولا تاجي البيت اهنه كتييير علشان متخديش عين بعيالك وأني الحق يتقال معنديش جهد أروح وأجي بيهم. رفعت رحمة شفتيها الأعلى ورددت باستنكار: _حسد وعين!
ثم تذكرت أمر وجد وأن عمران بالتأكيد خاف عليها وعلى الطفلين من تلك المؤذية فاخترع لها أسباب ، ثم أكدت على رأيه الآن: _أه ياحبيبتي عنديه حق عمران يقول لك اكده ، الناس عينيها وحشة فلقت الحجر ، ثم دلفت إليهم زينب وباركت لها هي الأخرى ثم أكملت: _ايه يابت العريس دي وقعتي عليه فين ، بسم الله ، الحارث ربنا الواد طول بعرض وحاجة كدة فخامة ، مطلعتيش سهلة يابت بطني حتى في نقاوتك. وضعت رحمة يدها على رأسها وهي تصطنع الدوار
ثم قالت بنبرة تمثيلية: _أاااه الحقوني ياناس ، دوخت من أولها ، أمي بتحسدني عيني عينك ، ياعيني عليكي يارحمة ، أااه. لكزتها زينب على كتفها ناهرة إياها: _هحسد مين ياللي تنشكي إنتِ ، والله الجدع دي الله يكون في عونه وباين اكده أمه داعية عليه ، ثم جذبتها من يدها وسألتها بقلق: _بس يابتي بيقول إنه كان متجوز قبل اكده ، وانتِ رضيتي عاد بأنك تتجوزي واحد كان متجوَز قبليكي ؟ أجابها عمران بدلاً عنها لأنه يعرف جميع ظروف
ماهر فرحمة قصت عليه كل شئ: _ماهو ياحاجة ملحقش داي اتجوز سنة واحدة بس ومرته ماتـ.ـت وهي بتولد وكمان بتـه مـ.ـاتت هي كمان ، ربنا يرحمهم. كان عمران يحكي لها بنبرة حزينة أثرت في زينب: _وه ، وه ، ياحبيبي دي الجدع اتحمَل اللي ميتحملهوش حد واصل ، ثم أكملت باستفسار أخر: _طب يابتي دي عنديه ٣٦ سنة وانتِ لسه صغيرة وفرق السن كَبير بيناتكم ، موعياش ليه الحوار دي ؟ أومأت رحمة برأسها بموافقة تؤكد لها معرفتها:
_أها واخدة بالي ياحاجة ١٤ سنة مش كَتييير ولا حاجة ، وبعدين هو مش مبين عليه السن ولا حاجة وشكلنا مناسبين لبعض. اتسع ثغرها بابتسامة فخر لذاك الماهر: _هو الحق يتقال واد نقاوة خسارة فيكي ياجامدة الجامدين إنتِ . اصطنعت رحمة الضيق ثم سألتها بنبرة صوت حزينة مصطنعة: _إلا قولي لي يازينب هو أني مش بتك ولا لاقياني على باب ملجأ وكسبتي فيا ثواب وربتيني ولا حاجة ؟ أصلك مكـ.ـسرة مقاديفي علطول. ابتسموا جميعا على نبرتها ثم مد عمران
يداه لها بحب وهو يتعجلها: _طب يالا ياخيتي علشان الجدع ميحمضش من الانتظار برة واكده حرام عليكي. اصطبغ وجهها باللون الأحمر من خجلها ثم تمتمت: _ايه دي هو أني هخرج بالساقع والحوارات اللي بتحصل داي! لا، معملش أني أكده. هو مش قرأ الفاتحة، خليه يروح بقى وبعدين نشوف حوار التعرف دي لبعدين. رفعت زينب شفتيها باستنكار ثم هدرت بها: _يا شتات الشتات منك يا بت بطني، من أولها هتمشي الجدع قفاه يقمر عيش؟ ثم نظرت إلى عمران وسكون مكملة:
_مش قلت لكم البت دي جامدة والراجل ده خسارة فيها. ثم خلعت نعلها ووجهته في وجهها وأكملت بتهديد: _وعهد الله إن ما خرجتي دلوقتي لأخليه يشوفك وأنتِ بتضربي بالشبشب وتبقي اتفضحتِ وشاف جنانك عياناً بياناً. ثم صرخت بها: _يلا يا بت، متجرسيناش قدام الراجل تحت وأبوكي يمسكها لي ذلة ويقول زينب معرفتش تربي. اختبأت رحمة وراء ظهر عمران، فوالدتها ممكن أن تفعلها، ثم أدلت باعتراضها: _الله، ما يعايزاش إني أنزل، هي عافية؟
قولي بقى إنك عاملة حساب لحبيب القلب وعايزة تاخديني كوبري علشان ميكسبش بونت عليكي. ضحكوا جميعا على هرائها ثم هتف عمران لها: _خلاص بقى يارحمة متزهقيش الحاجة وتطلعي زاربينها وخليكي عاقلة اكده وانزلي لخطيبك ومتقلقيش ولا هتدخلي بصنية ولا يحزنون هو قال عايز قهوة سادة وملهش في الساقع ولا السكريات هتدخلي في يدي وخلاص. حركت حاجبيها لوالدتها ورددت بدعابة أهلكتهم جميعا وحقا تليق بتلك الرحمة:
_أيون هو ملهش في السكريات كفاية عليه أني علشان نفسيته متجزعش. اغتاظت زينب من طريقتها الكائدة ثم هتفت: _بالك يازفتة إنت المفروض لسانك دي ينقطع لسانك بيشر كيد وغم وهم الحمدلله إن حماتك ميتة وحماك متجوز وعايش لحاله في مصر والظاهر اكده مفيش عمار بينه وبين أبوه لو كانت الله يرحمها عايشة كانت اتجلطت من كيدك يالا بقى همي عاد بدل ما أجلطك اني. رأت نظراتها المتوعدة فخرجت مع عمران وهي تدب أرضا من الغيظ. قبل أن يدلفوا
الغرف تشبست بيد حبيبة: _مكسوفة ياخيتي أدخل هي العادات والطقوس داي مهتبطلش عاد فيها ايه يعني لو جه مرة تانية أكون هديت من التوتر دي. شجعتها حبيبة قائلة بهدوء يليق بشخصيتها: _طب ليه يارحوم؟ داي اللحظة اللي بتحبها كل بنت سمي الله وادخلي ويا عمران وشوي وهتاخدي على الجو. أتى عمران وأخذها من يدها ودلف بها إليهم وهو يلقى السلام برجولة تليق بذاك العمران.
ورحمة هي الأخرى ألقت السلام بخجل وجلست بجانب عمران وكادت أن تلتصق به في جلستها بجانبه من شدة خجلها وتوترها فأكثرهم دعابة أشدهم خجلا وتلك الرحمة في خجلها وكأنها ستنهار أما ذاك الماهر كان يغلي داخله فور أن رأى عمران يمسك يداها بذاك التملك وغير ذلك تجلس بجانبه وتلتصق به بشدة فحقا ذاك الماهر يغير غيرة مختلفة.
ومن الواضح أنه سيغار عليها من أبيها وأمها وحتى من ثيابها فمرحبا بك تلك الرحمة في عالم ماهر الريان عالم سيجعلك هائمة في سماء العشق المختلف العشق المتملك فمرحبا بك في قلعته المنغلقة التى سيغلق أبوابها عليك برمش عيناه فهو قائد شجاع متيم ولكن كتوم. بعد جلسة دامت بينهم جماعة نصف ساعة تركوهم وحدهم. فور خروجهم أمسك هاتفه وجلس يتصفحه بإهمال مما زادها اندهاشا.
ظنت أنه سينتهز الفرصة ويقترب منها ويغدقها بوابل من الكلام المعسول ولكن مهلا تلك الرحمة فهو جلس أكثر من نصف ساعة يغلي داخله من التصاقك بأخيكي. يالك من رجل عنيف في غيرتك أيها الماهر. استفزها بحركته تلك وعدم اهتمامه بها وشعر داخلها هي الأخرى بالغليان وهي تجلس تشطاط من بروده ولم تعرف مالسبب فهو كان يتحدث مع أبيها وأخيها الآن بطلاقة.
ثم شعرت بالمهانة وقامت من مكانها قاصدة الخروج وتركه وحده كي تشعره الآخر بما جعلها تشعر به. لاحظ حركتها تلك فتحدث ناطقا: _رايحة فين يا أستاذة؟ تعالى ارجعي مكانك تاني ماأذنتلكيش تخرجي. اندهشت من طريقته ثم اعتدلت بجسدها ووجهت أنظارها إليه وربعت ساعديها أمام صدرها وتحدثت بغيظ فهو يعلم أنها تكره كلمة أستاذة: _اسمي رحمة على فكرة يامتر هي داي مقابلة واحد جاي يخطب واول مرة يقعد مع خطيبته!
سيبتك بقي تتصفح الموبايل براحتك بخلي لك الجو علشان تكون هادي ورايق طالما وجودي ملهش أهمية. أشار إليها بيداه أن تعود إلى مكانها ثم هتف: _سيبك من شغل العيال اللصغيرة دي وعاودي مكانك. تشبست في مكانها ورددت برفض: _له مزاجي اكده إن كان عاجبك. اشتعلت عيناه بالغضب من عنادها ثم أمرها: _مبحبش الطريقة داي انظبطي معاي في الكلام أحسن لك يارحمة.
حقا استدعى غضبها بمهارة ثم استدارت بجسدها وانتوت الخروج كي ترد له بروده معها الصاع صاعين فقام على الفور ولحقها ثم أمسكها من رسغها موجهها أنظارها إليه وهو يعنفها. _أه من الواضح جدا إن دماغك ناشفة وهتتعبيني معاكي. جذبت يداه من يداه بحدة ثم قالت: _وواضح جدا إنك مبتفهمش في معاملة الست كويس. أدارها ووقف أماما الباب مانعا إياها الخروج فكان أمامها بطوله الفارع وهي منتصفه في وقفتهم وهم يناظرون بعضهم:
_تمام اللي حصل وانت داخلة دي ميتكررش تاني. نظرت له بذهول وسألته: _آه هو ايه اللي حوصل خلاك قالب وشك اكده إن شاء الله؟ استفزته بكلامها ثم هدر بها: _يارحمة اظبطي لسانك وانت بتتكلمي معاي يا اما هتشوف وش ماهر الريان التاني وهيوبقى يوم مش فايت النهاردة عليكي. رأت احمرار عينيه ونظراته القاتمة فهدأت من نبرتها واستغلت مكر الأنثى داخلها وانتوت اللعب على حنان قلبه وعشقه لها وفورا استدعت البكاء مما جعله يهتز
ثم رددت من بين شهقاتها: _هو أنى كنت عميلت ايه علشان تنكد علي في يوم زي دي يعني حرام عليك والله. اهتز لبكائها ثم كاد أن يجذبها لأحضانه الآن ويعتذر له ولكن تذكر أنه لا يحل له الآن فعل ذلك ثم هدأ من نبرة صوته الغاضبة وفهمها: _في إنك داخلة حاطة يدك في يد أخوك وقاعده جاره لازقة فيه هو دي يصح؟ حقا ذهلت وصمتت في بكائها فلم يخطر ببالها أن غضبه الجم ذاك لمجرد أن أخيها دخل محتضنا يداها وأنها كانت ملتصقة به
من خجلها ثم تمتمت بخفوت: _وه ياماهر دي أخويا ابن أمي وأبويا مش واحد من الشارع. تذكر حديثهما قبل ذالك ثم ذكرها هي الأخرى: _مش قلت لك يابت الناس مهتتحمليش غيرة بن الريان وهتتعبي رديتي على وقتها ورفضتي كلامي دلوك بتبكي من أولها. وأكمل وهو يعرض عليها مرة أخرى:
_لو تحبي نلغى المشاعر خالص علشان أنا حبي مختلف وغيرتي وحشة ومبشوفش قدامي ونتعامل مع بعض علاقة محترمة بردوا بس كل واحد فيها حر طالما مفيهاش غصبانية لربنا عادي معنديش مانع. شعرت بالغضب من عرضه ثم لكزته في كتفه مرددة برفض: _ما بس بقى هو احنا هنرجع للكلام الفاضي دي تاني. ثم أكملت وهي تنظر أرضا بخجل زادها جمالا: _معنديش اعتراض على غيرتك وحاضر معملش اكده تاني وهخلي بالي أكتر.
حقا لقد أثارته بخجلها فكانت هي الأخرى مختلفة مبهرة جذابة ثم رفع وجهها إليه بخفة وأنزل يداه سريعا وغازلها: _طب تعرفي ان شكلك جميلة وانتي خجلانة. لم ترد على غزله بها ثم أدارت جسدها للناحية الأخرى ووضعت يدها على قلبها تهدأ من ضرباته العنيفة في اقترابه وهمساته. فهمس هو بجانب أذنها من الخلف: _جميلة جمال مش عادي. أنهى كلماته ثم رجع مكانه بسرعة قبل أن يتهور ويجذبها إلى أحضانه ولكن لم يفعلها أبدا مادامت لم تكن زوجته.
ثم أكمل قائلا لها: _ممكن نقعد بقى ونبطل شغل القط والفار دي ونتكلم براحتنا. مشت بخطواتها بنفس خجلها ثم جلست أمامه مع مراعاة المسافات وقلبها مازال ثائرا داخلها وصار هو ينظر لتفاصيلها يحفرها داخله فهو عاشقا بمهارة ولكن عاشق متأني وهي تعشق تأنيه ذلك فهي امرأة قوية ولابد لها من جواد كي يعرف مراوضتها على حق.
ثم ابتدأ هو الحديث يسألها عن يومها واندمجت معه في الحديث وانتهت جلستهم آمنة ومرت بسلام من ذاك المتمرد وتلك الشرسة وتركها وغادر وفور دلوفه منزله جلس على الأريكة الموجودة في الحديقة ثم أرسل إليها تلك الكلمات التى جعلت ذاك القابع بين أضلعها يود أن يذهب إليه الآن ويرتمي بين أحضانه. أصابك عشق أم رميت بأسهم فما هذه إلا سجية مغرم ألا فاسقيني كاسات وغني لي بذكر سليمة والكمان ونغمي أيا داعيا بذكر العامرية أنني
أغار عليها من فم المتكلم أغار عليها من ثيابها إذا لبستها فوق جسم منعم أغار عليها من أبيها وأمها إذا حدثاها بالكلام المغمغم وأحسد كاسات تقبلن ثغرها إذا وضعتها موضع اللثم في الفم ******************** في منزل مجدي فقد عاد من المشفى منذ ثلاثة أيام وأصبح الآن حبيس الغرفة ومها تعتني به ولكل شؤونه دون كلل أو ملل فهي قد سلمت أمرها لله واستعانت على حالها بالصبر والصلاة. فتحدث مجدي قائلا لها:
_ماتجيبي زين وزيدان يقعدوا وياي شوي اتوحشتهم من امبارح ومسمعش ليهم حس خالص. كانت واقفة في الغرفة تنظم الملابس وتضعها في مكانها ثم أجابته: _حاضر هخلص تطبيق الهدوم وهروح أجيبهم أني سايباهم بيحلوا واجباتهم برة على مااخلص هيكونوا خلصوا. سألها بخزي من نفسه: _هم في سنة كام دلوك؟ تنهدت بحسرة ثم أخبرته سنهم: _رايحين تانية ابتدائي.
حرك رأسه للأمام بخزي من حاله فهو لم يعرف أبنائه في أي عام دراسي ولكنها لم تعلق على ذاك فهي باتت تستقبل أي شئ بهدوء فما أصابها وولداها لم يصدقه بشر. ثم أنهت ماتفعله وخرجت إليهم وجلست أوسطهم وهي تحتضنهم بحنان يولد في لحظته خصيصا لهم: _حبايب ماما دلوك بابا عايز يقعد وياكم شوي انتو اتوحشتوه قووي وبيسأل عنيكم. عايزاكم متتعبهوش علشان هو خارج من المستشفى صحته تعباه. تمام ياصغننين؟
ابتسما لها الطفلان مرددين بتصفيق فهما لم يصدقا أنهم سيجلسان مع أبيهم وسيتحدثون معه عما يريدون. ثم أخذتهم من يديهم ودلفت بهم إلى أبيهم الذي ابتسم فور رؤيتهم وهو يفرد لهم ذراعه قائلا بحنو لم يعهد عليه من ذي قبل: _حبايب بابا عاملين كيف وأخبار مذاكرتكم ايه؟ ابتسم الطفلان بفرحة لجلوسهم مع أبيهم لأول مرة ثم أجابه زيدان:
_إحنا زين قووي في العلام يابوي خالتو مكة حفظتنا جزء عم كلياته وماما دلوك بقت تحفظنا جزء الملك إحنا في سورة القيامة. سعد مجدي بالفخر لتربية مها من ذاك الطفلان الهادئان ثم ربت على ظهر زيدان مشجعا إياه: _عال عال يازين أذكى العقول عقل يحفظ القرآن. حزن زيدان داخله فأبيه ناداه باسم أخيه ثم تمتم الطفل بحزن: _أني زيدان يابوي مش زين مع إن الفرق بيناتنا واضح أنا طويل شوي عن زين وهو عنديه حسنة في جبهته.
قامت مها على الفور واحتضنت ولدها الحزين فهي لم تتحمل حزن أحدهم أبدا وعللت له: _له ياحبيبي بابا ميقصدش يتلخبط بيناتكم هو بس الدوا مخلي عنيه مزغللة ومشايفش كويس. متزعلش يازيدان ياحبيبي. ثم نظرت إلى مجدى تطلب منه أن يؤكد كلامها: _صوح يامجدي ولا مش صوح. أحس مجدي بالخجل من نفسه فهو لم يعرف الفرق بين التوأمين ثم أكد حديثها: _طبعا ياحبيبي معلش يازيدان ياولدي العتب على النظر. ابتسم الطفل ببراءة ثم هتف زين هو الآخر:
_هو انت يابابا ممكن توديني التمرين المرة الجاية زي مازن صاحبي. هنا شعر بالحزن الشديد فولداه محرومان من عطفه والآن أصبحا محرومان من وقوفه بجانبهم وتحقيق أمنياتهم. ثم ردت مها بدلا عنه: _مش أني قلت لكم إن بابا تعبان ومش عايزين نتعبه أكتر. يالا قوموا علشان تاخدوا شاور وتناموا. تشبس بهم مجدي مانعا إياها: _له سيبيهم وياي مش مضايقني ولا تاعبيني خالص. أعلن هاتف مها عن وصول مكالمة وجدتها الطبيبة فأجابتها
بترحاب ثم تحدثت الطبيبة: _بقول لك ايه ياحبيبتي لو قاعدة جمب جوزى هملي الأوضة واخرجي عايزة أقولك على حاجة مهمة جدا. شعرت مها برعب اقتحم جسدها ثم خرجت من الغرفة ودلفت غرفة أبنائها وسألتها بقلق: _في حاجة ياداكتورة قلقتيني عاد؟ تنهدت الطبيبة بأسى ثم أخبرتها بما عرفته: _في حاجة اكده كانت ظهرت في تحاليل مجدي الشاملة اللي عميلناها ومكنتش حابة أخبرك بيها إلا لما أتوكد الاول. الى هنا لم تتحمل مها الانتظار ثم سألتها بقلق:
_له إنت اكده قلقتيني خالص ياداكتورة اتكلمي هيوحصل ايه أكتر من اللي عرفناه؟ أخبرتها الطبيبة بما اكتشفته: _مجدي طلع عنديه لوكيميا في الدم في مرحلته الرابعة. شهقت مها بفزع من ماقالته الطبيبة الآن أيعقل أن يكون رب السما استجاب لدعواها عليه طيلة السنوات الماضية! لقد كانت حينما يقسوا عليه تدعوا الله وقلبها محروق “ربنا يحرق دمك “.
ولكن انتبهوا أيها السادة فقد حذرنا الله من الدعاء على أنفسنا ولا على أولادنا فقد قال تعالى “ويدعوا الإنسان بالشر دعاؤه بالخير وكان الإنسان عجولا”. فلا تدعين على ابنك أو ابنتك مهما كانت غلبتهم لكي فلعلها ساعة استجابة وحينها تندمون ولم يصبح للندم أي فائدة. ثم استجمعت شتاتها وسألت الطبيبة: _طب نعمل ايه دلوك ياداكتورة وايه الخطوات اللازمة علشان ربنا ياخد بيده؟ أجابتها الطبيبة وهي ترشدها بالخطوات التي ستفعلها:
_هبعتك لدكتور محي علام شاطر جدا وهو هيعرفك كل حاجة بس متبلغيش جوزك بالخبر لأنه هيأثر عليه جدا لما تروحي للدكتور سيبيه هو اللي يتعامل هبعت لك رقمه وعنوانه على الواتساب وتروحي له علطول لأن المرض في الدرجة الرابعة ولازم يبدأ رحلة علاجه. شكرتها مها ثم انتهت مكالمتها مع الطبيعة وأسندت رأسها على التخت ودموع عيناها تهبط على وجنتيها بغزارة وهي تحدث حالها: _ماذا بعد! ألم تمضي تلك الأيام المريرة؟ ألم تنتهي صفعات الزمان لي؟
لقد تعبت وتألمت وجرحت وفاضت روحي والألم مازال مكملا معي! كفاك أيتها الصدمات، كفاك أيها العمر وأنت تمضي بي رحلة عمري وضياعي. لقد أرهقت وأصبح كل شيء فوق مستوى احتمالي. ثم مسحت دموعها وقررت أن لا تبلغ عامر بما عرفته، ودلفت إلى الحمام وغسلت وجهها، ثم ذهبت لهم كي ترعاهم فمسؤوليتهم جميعًا تقع على عاتقها الآن. رآها مجدي وشعر أنها ليست بخير فسألها: _مالك يامها؟ الداكتورة قالت لك حاجة زعلتك؟ تنفست ببطء ثم أجابته بنفي:
_له يامجدي، هي بس كانت بتقول لي على اسم دكتور جديد هنروح له، هو اللي هيتابع حالتك بس مفيش حاجة تاني. ثم وجهت أنظارها إلى أبنائها آمرة إياهم: _يالا ياولاد علشان معاد نومكم جه، كفاياكم سهر لحد أكده. قاموا معها بطاعة اعتاد عليها ذاك الطفلان، وودعهم أبوهم بقبلة لهم، ثم خرجوا مع والدتهم. *** *** *** انقضى عدة أيام والأجواء هادئة على الجميع، ونوعًا ما الاستقرار يغلبهم.
واليوم الجمعة كان جاسر يستعد لأن يذهب مقهى الأدباء التي تجلس بها منة، فهو قد شعر بأنها أصبحت جزءًا من حياته، ولكنها هي المتحفظة بشدة في المعاملة بينهم. لم يشعر منها بأي إحساس تشعره تجاهه، فدومًا يسألها عن أشياء وإجابتها عكس ما يتمنى، ولكنه استشف أنها منغلقة على حالها نظرًا لحالتها الخاصة. ولكنه قرر اليوم أن يحكيها عن شعوره تجاهها كي يرتاح، فهو أحب براءتها وثقافتها وعقلها المتفتح. أحس بأنه يريدها في حياته. دق قلبه معها.
حتى العبادات والعادات التي تفعلها في ذا اليوم أصبح يفعلها مثلها كما عرف منها. أنهى ارتداء ملابسه ووضع البرفيوم الخاص به، ثم صعد سيارته وذهب إلى المقهى. دلف إلى ذاك المكان المحبذ لها ووجدها كالعادة تجلس وحدها. وصل إليها وألقى السلام ثم سألها: _أمال روايتك فين النهاردة اللي بتقرأيها وقهوتك؟ وكمان شايفك لابسة طقم ومتشيكة في عبايتك الكلاسيك! ثم ردد مندهشًا: _كلك النهاردة متغير يامنون، ياترى إيه سر التغيير؟ ابتسمت
منة وسألته هي الأخرى: _طب بمناسبة إننا هنا أصحاب، مش صاحب مكتب والمديرة بتاعته؟ إيه رأيك بقي في اللوك الجديد ده؟ حلو علي ولا إيه؟ أجابها بمشاغبة اعتاد عليها: _دي كلام بردك وسؤال تسأليه؟ قمر طبعًا ياصاحبي. أكمل وهو يسألها عن أخيها: _أمال فين مدحت؟ عديت عليه في ركن الفن ملقتهوش، هو راح يجيب الغدا بدري أكده؟ حركت رأسها برفض وقالت: _له، هو مجاش معاي النهاردة. اندهش من ردها ثم قال: _الله! أمال إنت جيتي لوحدك ولا إيه؟
ضحكت بخفة ثم أردفت: _الله! إنت أسئلتك كترت قووووي النهاردة يامتر، مش عايز تشرب قهوتك ولا إيه؟ ولا أقول لك اصبر عشر دقايق اشربها مع معاذ علشان أعرفكم على بعض. سألها بدهشة عن معاذ فلأول مرة تنطق هذا الاسم: _معاذ مين؟ إنت ليكي أخ تاني ولا إيه؟ حركت رأسها بنفي ثم قالت: _له، متجرجرنيش في الكلام، لما ياجي هو يعرفك بنفسه. اصبر بس.
منذ أن وصل إلى المقهى وهو يشعر بالغرابة من كل شيء في تلك المنة، ثم أمسك هاتفه يتصفحه بملل، فهو يشعر بوجود خطب ما. ولم يمكث عشر دقائق حتى وصل معاذ بوجهه البشوش ملقيًا سلامه: _السلام عليكم ورحمة الله. أكيد حضرتك المتر جاسر المهدي صوح؟ ابتسم جاسر بذوق لذاك البشوش ثم أجابه: _أينعم هو أني بذاتي. مين انت بقى؟ نحب نتعرف. أجابه وهو يجلس بجوار منة الله وينظر إليها بابتسامة:
_إني يا سيدي معاذ بن عم منة وخطيبها. لسه قارئين الفاتحة بتاعتنا امبارح طازة. حقا لقد شعر جاسر بأنه ضرب في مقتل الآن، ووجهه صار متعرقا بشدة وهم في عز البرد، ثم ابتسم رغما عنه مباركًا لهم: _ألف مبروك ياهندسة. ألف مبروك يامنة، ربنا يكمل لكم على خير يارب.
ثم استأذنهم بأنه يريد أن يدلف إلى الحمام، ولكنه تركهم وخرج من المكان بأكمله وهو يشعر بالخذلان من قلبه للمرة الثانية، وكأن الفرح والسعادة ليسوا مكتوبين لذاك الجاسر ونصيبه من الهوى الخذلان.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!