عاد جاسر إلى منزله محطمًا وجلس على سريره بإهمال وهو يشعر بالإرهاق الشديد. ولكن قلبه اعتاد على الوجع، وتلك المرة أخف من ذي قبل، فلم يلبث أن تعلق بها بشدة ولكنه يشعر بالخذلان الشديد من قلبه.
فقد كان قلبه ضريرًا، مشى طريقًا، لم يحسب خطواته. ولكن مهلًا أيها الوجع، لقد فقدت احتمالي على الصبر. أصبحت أتمنى فقدان ذاكرتي كي أنسى اسمي، شكلي، وضعي، بل أنساني كلي. وكالعادة لجأ جاسر إلى ربه، فهو الواحد الأحد الأعلم بقلوب عباده، وهو فقط من يداوي الجروح ويضمد كسر القلوب، فهو يستعين بربه على خذلان قلبه والله خير معين.
وقف بين يدي ربه يناجيه كثيرًا وكثيرًا حتى نام من شدة الإرهاق والتعب، وانقضى ذاك اليوم بوجعه وأتى نهار جديد سطعت شمسه الذهبية وأعلنت عن نور الكون، وإن دل هذا على شيء فإنما يدل على أن بعد العتمة نور يضيء الكون بأكمله. انقضى نصف النهار وأشغل حاله في بعض القضايا التي بيديه، ثم ارتدى ملابسه وذهب إلى مكتبه وهو لا يعلم ماذا يفعل به قلبه عندما يراها. وصل إلى المكتب بأقدام مترددة ولكنه لم يعتد الهروب.
رآها منكبة على الأوراق التي أمامها بوجهها البريء الملائكي. ألقى السلام ببشاشة كعادته: _السلام عليكم ورحمة الله. إيه أخبار الحسابات على حسك يامنون؟ ابتسمت فور سماع صوته ثم رفعت وجهها إليه مرددة سلامه: _وعليكم السلام ورحمة الله. تمام يا متر، بظبط لك الدنيا أهو وكمان ظبط لك ملف المرتبات وعملته بنظام حلو. كل شيء يدل فيها على برائتها ورقيها، ثم وجد حاله يسألها: _ليه مجبتيش سيرة قبل كده بخطوبتك؟
هو إحنا مش أصحاب قبل ما تبقي شغالة معايا؟ أومأت برأسها بموافقة ثم أجابته: _طبعًا أصحاب، ويعلم ربنا إني بعتبرك كيف أخوي مدحت بالظبط لأنك راقي وبتتعامل وياي كأني عادية مش مختلفة. وأكملت وهي تقدم اعتذارها له: _إني غلطانة معلش، بس والله معاذ كان مسافر ولسه راجع من أربع أيام وجه كلم بابا طوالي وكله حصل ورا بعضه. تنهد بحسرة انتابت قلبه على تلك المنة التي حلم يومًا أن تكون زوجة له، ثم سألها كي يطمئن عليها:
_بس كنت اتأن في اختيارك وخدي وقتك في التفكير لأن جواز القرايب بيجيب مشاكل. وأكمل وهو يبرر كلامه: _إني مش بقلقك ولا بخوفك بس بقول لك نصيحتي من خلال واقع المحاكم اللي عايشين فيه دي. حركت رأسها بنفي ثم فهمته ظروف زواجها من معاذ:
_له أصل معاذ مش يبقى ابن عمي بس، له ده بن خالتي كمان. وأصلًا خالتي هي اللي ربتني ومن زمان وهي روحها متعلقة بيا وأني كمان بحبها كيف ماما بالظبط. فمن واحنا صغيرين تقول معاذ لمنة ومنة لمعاذ وهو بصراحة بيحبني قوي وكمان مراعي ظروفي. وأكملت وهي تحكي بضعًا من تفاصيل علاقتها بمعاذ المحببة إلى قلبها:
_تصور قبل ما يسافر كان ييجي يوديني كليتي بنفسه ويهتم بكل تفاصيلي. كان بيوكلني بإيديه وبيخاف علي من الهوا الطاير. بس لما يسافر قلت إنه أكيد هيشوف ناس جديدة ونظرته ممكن تتغير، ومع إنه كان بيكلّمني علطول وبيطمّن علي إلا إني مكنتش متأكدة من مشاعره ناحيتي، ولحد ما رجع أول حاجة عملها طلبني للجواز من بابا وماما. وقتها مش عايزة أقولك حسيت إن قد إيه غالية عنديّه، وإن مهما شاف ولف ودار مش هيلاقي حد يحبه قدي، ده كل الحكاية.
كان ينصت لها باهتمام شديد، وبعد حكاها تلك لم يستطع قلبه الجميل إلا تمني السعادة لها، ثم حمل حقيبته من على مكتبها هاتفا بتشجيع: _إذا كان كده فربنا يوفقك ويبارك لك فيه يارب. بس ياترى بقى هتكملي شغل في المكتب هنا ولا بعد ما تتجوزي هتفارقي وتسيبنا؟ أجابته بتأكيد:
_له مسيبش المكتب هنا، إني اعتبرتني صاحبة مكان وحبيت الشغل معاك ومع كل أصحابي واتفقت مع معاذ إني هكمل هنا وإني حابة المكان لأنه هادي ولأني حفظته وهو ممانعش خالص. بصراحة هو حد جميل قوي بيفهم علي ومش بيحتكر قراراتي. دي هو كمان اللي موصلني الشغل هنا وهو برضه اللي هييجي ياخدني.
الآن تيقن جاسر أنه أمام عشق الطفولة من ابنة عم لابن عمها. فتحت جدار الوجع بقلبه ودقّت فيه بشدة. تذكر حب طفولته هو الآخر. كل ما قالته منة عن معاذ كان يفعله هو الآخر مع رحمة. ومن المحير له أن منة شعرت بمحبة ابن عمها بظروفها تلك. وبات داخله يسأل لم لم تكتشف رحمة محبته وعشقه لها كمنة الله؟ ولكن وقف مع حاله وأعاد التفكير قائلًا لحاله:
ولكن مهلًا أيها الجاسر، فرحمة لم يُمهد لها كمنة، فلا تبتئس بقلبك واترك قلبك ونصيبك بيد الله، فهو مقلب القلوب وسيهرم بعطاياه. فاق من شروده على صوت منة تسأله: _إيه يا متر رحت فين؟ تنفس بعمق داخله ثم تحدث: _موجود أه. تمام والمكتب طبعًا ميقدرش يستغنى عن موظفة نشيطة وشاطرة زيك. أسيبك بقى وهدخل أراجع القضية اللي معايا عِندي جلسة النهاردة.
تركها ودلف إلى مكتبه وجلس على الكرسي وهو ينظر إلى أركان مكتبه، ومن الآن فصاعدًا لن يفكر في أي ارتباط ووقته كله سيوهبه لمهنته حتى يصبح عِالمًا في القانون يُحتذى به. في المالديف تجلس مكة أمام تلك البحيرة وسط المساحة الخضراء الواسعة، فكم يعطيها ذاك المكان قسطًا كبيرًا من الراحة والسلام النفسي. كانت ممسكة بهاتفها تتصفحه ثم قررت تصوير المكان بفيديو قصير ثم قامت بنشره على الانستجرام والفيسبوك مدونة فوقه:
"بيت الأحلام محاط بجمال الطبيعة وروعة الاخضرار بعيدًا عن ضجيج العالم" رأى آدم ذاك المنشور عندما وصله إشعار بما نشرته، ثم قام فورًا بالتعليق عليه، فهو يشعرها دائمًا بالاهتمام بها مرسلًا تعليقه: "ويسكن ذاك البيت أميرة متوّجة على عرش العالم بأكمله، سكنت قلب أميرها" وصلها تعليقه فور نشرها لذاك البوست ثم تفاعلت معه. ألقت الهاتف من يدها وقررت الاستمتاع بجمال الطبيعة، وما إن جلست مع حالها بدأ عقلها يفكر من أين ستبدأ مع آدم؟
وهل ستستمر من زواجها به؟ وكيف ستكون حياتها معه؟ فهي لن ترضى أن تأكل وتشرب من ماله وهو في نظرها مال حرام. لن تشعر بالارتياح في معيشتها معه وهو مازال يغني بتلك الطريقة التي يرفضها عقلها بتاتًا. كانت تستند على الأريكة وقررت أن تفرد جسدها عليها علها ترتاح من الوساوس التي اقتحمت جميع مخيلتها في فترة النقاء التي قررت أن تجلسها مع حالها.
نظرت حولها لم تجده موجودًا في المكان، ومن الواضح أنه مسترخٍ في غرفته، فقامت بخلع حجابها وفردت شعرها خلف ظهرها، وكما أنها قررت خلع ذاك الجلباب الذي ترتديه دائمًا.
كانت ترتدي أسفله قميصًا من اللون الأسود بنصف أكمام شفافة وصدر مفتوح بعض الشيء ويصل لما بعد ركبتيها، مما أظهر جمالها البارع مع جسدها الأبيض في جو مشمس يشعرها بالدفء، وكما أن فصل الشتاء قارب على الانتهاء فلم تشعر بالبرد، وأغمضت عيناها كي تستمتع بهدوء اللحظة بعيدًا عن ضوضاء العالم، فاللحظات الهادئة التي تريح النفس تمر سريعًا. أما هو قرر النزول إليها ومشاركتها جلستها، فقد أنهى مكالمته مع راشد عن العمل.
نزل وعيناه مشطت المكان باحثة عنها، فالمكان واسع، فوجدها في ركن جانبي أمام البحيرة الواسعة. ساقته قدماه إليها ثم رآها بهيئتها الآخاذة تلك، فوقع قلبه صريعًا بين يديه من شدة خفقانه انبهارًا بكتلة الأنوثة المتفـ.ـجرة المسترخية أمامه الآن. وقف أمامه وقام بتوجيه هاتفه عليها والتقط لها صورة بوضعها تلك، فقد أبهرته تلك الصغيرة بهيئتها.
استمعت تلك المكة إلى صوت فلاش الكاميرا فانتفضت من مكانها مرتعبة خوفًا من أن يكون غريبًا اقتـ.ـحم عزلتها، ولكنها وجدته زوجها. رأى هلعها فذهب إليها وجذبها إلى أحضانه مرددًا بحنو وهو يقبلها من رأسها: _اهدئي يا حبيبي متقلقيش ومتخافيش، محدش غريب يقدر يجي هنا.
حاولت أن تبعده عنها ولكنه كان متمسكًا بها، فلأول مرة يحتضنها وهي بهذه الهيئة المهلكة لأنفاسه بهذه الدرجة. فكل جلستها معه بحجابها وجلبابها، أما تلك اللحظة رأى أنثاه الحقيقية متجسدة أمام عينيه وبين أحضانه، ولن يتركها قبل أن يشبع رغبته بها حتى ولو كان ظاهريًا. احتضنها من خصرها بقوة بإحدى يديه وبالأخرى رفع وجهها إليه كي يجبرها تنظر داخل عينيه، ثم همس لها: _مالك مرعوبة كده ليه؟ إحنا هنا لوحدنا وتقدري تلبسي اللي على كيفك.
ثم غمز لها بإحدى عينيه وهو ينظر إلى جسدها بوقاحة زوج عاشق: _يعني ممكن تلبسي بوركيني وتنزلي البحر، وممكن تلبسي هوت شورت وأنتي قاعدة في المكان الساحر ده، ولا إيه؟ تاهت في عينيه وهمسه ولمسه الرقيق وصوته الرجولي المصحوب بالحنو، ثم قالت وهي تنظر أرضًا: _إنت كنت بتصورني ليه؟ من فضلك امسح الصورة علشان حد ميمسكش الموبايل بتاعك ويفتح الصور ويشوفني بالشكل ده. رفع وجهها إليه مرة أخرى ثم طمأنها:
_أولًا مفيش حد بيمسك موبايلي خالص غيري. ثانيًا كل البرامج عندي مقفولة بباسورد محدش يعرف يفتحه غيري. وأكمل وهو يلصقها بأحضانها أكثر: _هو معقول أخلي حد يشوف روبانزل بتاعتي! قولي لي بقي قاعدة لوحدك ليه؟ لم تستطع التحكم في حالها وهي في قربه المهلك، ثم تمتمت بخفوت راجية إياه أن يتركها: _طب ممكن تسيبني ونقعد نتكلم براحتنا؟ حرك رأسه رافضًا بقطع: _لا يمكن أبدًا أسيبك بعد ما لقيتك اتكلمي واحنا زي ماحنا كده. وأكمل مشاغبًا
إياها: _قولي بقي إنك ضعفتي وحنيتي ومش قادرة تتنفسي في قربي. حاولت الإفلات من يده ولكنها لم تفلح، ثم سألته: _طب انت عايز إيه دلوك يا آدم؟ _عايز أفضل كده حتى لو هفضل باصص جوه عيونك من غير كلام. _حرام عليك انت بتتعبني وبتتعب أعصابي كده. _فيها إيه يعني مانت تعبّة أعصابي وقلبي وعيوني وكل حاجة فيا بتقول آآه منك يا بنت قلبي. _ليه يعني هو أنا عملت إيه؟
_تؤتؤ، قولي معملتيش إيه، سهر وسهرتيني، دوخة ودوختيني وراكي، تعب أيام وليالي ومرمطتي اللي خلفوني، مش عايزاني بقى أتعبك شوية. _بردو مردتيش على إنت عايز إيه دلوك؟ _عايزك. أغمضت عيناها من طريقته وتلميحاته، وبات جسدها يدق بعنف داخلها وأعصابها تفككت من نبرته ونظراته لها.
أما هو، حينما أغمضت عيناها لم يستطع التحكم في حاله، واقترب منها يقبلها برغبة، فهو رجل وهي امرأته بين يديه، فهو عاشق وبين يديه أنثى راغبًا بها بشدة، وهي مشاعرها عذرية لم تفقه في قوانين القرب شيئًا، فجعلته يتمنى المزيد. صار في دوامة قربه منها، وهي لم تستطع الإفلات منه، تريد الابتعاد وجسدها خانها. تريد أن تدفعه وتجري من أمامه وتختبئ بين جدران غرفتها كي تهدأ مشاعرها الثائرة، ولكنها غير قادرة على الحراك. أخذتها الأماني والحلم معه إلى بعيد، فهي لم يرضيها عذابهما. فهما قد وصلا قمة الحب، وحبًا، وبالرغم من ذلك حكم البعاد مسيطر على حالها.
لم يفصل قبلته عنها حينما لم يجد اعتراضها، ولكن فصل قبلته عندما رأى دموع عينيها الساخنة هابطة على وجهها، فأغمض عيناه هو الآخر ودفن يداه خلف رقبتها وأسند جبهته بجبهتها مرددًا بعتاب: _ليه كدة يا حبيبتي؟ ليه العذاب ده؟ انت بتحبيني وكل حتة فيكي عايزاني ومش قادرة تبعدي، يبقى ليه كدة؟ كانت الأخرى مغمضة العينين، وكأن عيناهما هي سر ضعفهما، فهربا كلتاهما من نظرات تضعفهم، ثم تحدثت أخيرًا عما يجيش في صدرها من أرَق:
_لأني مش مرتاحة، حاسة إن الأكل اللي باكله من فلوس حرام، والمكان اللي قاعدين فيه من مال حرام، والعيشة داي كلها من الحرام. حقا أدمته تلك الحقيقة التي نطقتها الآن، ولكن ماذا يفعل الآن؟ هو عمله ولقد رزقه الله بتلك الموهبة ومن ورائها اكتنز ذاك المال، فهو لم يسرق أو يقتل أو يتاجر في الأشياء الممنوعة. ثم أخذ نفسًا عميقًا وزفره بعمق، حتى هي شعرت بأنفاسه الساخنة تلفح وجهها، فاستشعرت إزعاجه، ثم تحدث بنبرة موجعة:
_طب أعمل إيه دلوقتي؟ ده شغلي ومعرفش أعمل غيره. يا مكة افهميني، دي موهبة ربنا رزقني بيها، ليه أدفعنها وأضيع نفسي في حاجات هتوه فيها؟ قررت أن تفتح عيناها الآن وتسحبه معها لعالمها الجمييييل، عالم طاعة الله ورضاه. عالم لم تكفيه كنوز العالم، ثم بدأت لأول مرة غنواها له بصوت ساحر جعله أن يصدم له ولم يصدق حدسه مما استمع إليه الآن، وهي تجذبه من يداه وتجلسه على الأريكة، وبدأت بالتمايل أمامه كفتيات الفيديو كليب، بل ويزيد.
كانت حركتها التي تفعلها مع طريقة غنواها الساحرة جعلته ثائرًا، وجسده يأمره الآن أن يرفعها أرضًا ويهرول بها إلى غرفتهم ويقضي معها أوقات من السعادة التي تجعله يهدأ عندما يفرغ طاقة غرامه المشحونة بها، فقد كانت تغني له بطريقة مثيرة: أنا أنا بعشقك أنا، أنا كلي لك أنا ده أنا بعشقك أنا، أنا كلي لك أنا أنا، أنا، أنا، أنا، أنا، أنا يا من ملك روحي بهواه، روحي بهواه الأمر لك طول الحياة، طول الحياة
يا من ملك روحي بهواه، روحي بهواه الأمر لك طول الحياة، طول الحياة الماضي لك وبكرة لك وبعده لك ده الماضي لك وبكرة لك وبعده لك أنا في سهادي وفي منامي بندهك وبسألك بتحبني ولا الهوى عمره ما زارك بتحبني ولا إنكتب على القلب نارك، نارك بتحبني ولا الهوى عمره ما زارك بتحبني ولا إنكتب على القلب نارك، نارك قول يا حبيبي، حبيبي قول قول يا ملاك أنا، أنا، أنا بعشقك أنا، أنا، أنا بعشقك أنا بعشق الكلمة اللي بتقولها وبعشق ضحكتك
أنا، أنا، أنا بعشقك أنا بعشق الليل اللي في عيونك وبعشق رقتك أنا، أنا، أنا بعشقك أنا بعشق الأرض اللي عديت يوم عليها خطوتك أنا، أنا، أنا بعشقك. ثم أنهت غنواها وجلست أمامه قائلة بشيء صدمه منها: _إيه رأيك مش أني عندي موهبة برضو ومدفونة؟ إيه رأيك لو عملت فيديو كليب بذمتك مش هينجح؟ إنت فنان وعارف العرب والمقامات، هل أنا غلطت في طريقة إلقائي؟ كان ما زال منبهراً مصدوماً مما استمعه للتو، لقد كانت رائعة، جذابة، مثيرة.
كفاكي يا امرأة، ماذا تقصدين الآن بما فعلتيه الآن؟ ثم سألها بصدمة: _مكة إنت بتعرفي تغني؟ سألته هي الأخرى: _جاوب الأول، هل غنيت صح؟ هل غلطت في طريقة إلقائي؟ هل صوتي ينافس الفنانات الموجودين على الساحة دلوك؟ أجابها وهو ما زال غير مصدق ما استمعته أذناه الآن: _ده إنت مش بتعرفي بس، ده إنت عظمة على عظمة يا بنتي، ده إنت خطيرة جداً. ثم ضرب كفًا بكف وهو ما زال على صدمته: _إنت بتعرفي تغني من امته؟
تعمقت مع بالحديث بأريحية، فهي انتوت توبته ولن تكل ولن تمل، ولم تفعل ذلك بالغصب والكلام الجارح، فهي متدينة وتعرف ربها، فـ "لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي": _إني طلعت على الدنيا لقيتني بغني زيي زي الأطفال، ومع الوقت لقيتهم بينبهروا بصوتي وبيقولولي إن صوتي حلو. لكن لما كبرت شوية وعرفت الصح من الغلط والحرام من الحلال، بطلت أغني خالص وبقيت بستغل صوتي في قراءة القرآن لحد ما كله نسي إني بعرف أغني وإن صوتي حلو.
ثم أكملت وهي تفرغ قنبلتها أمامه، وهي متأكدة أنه سيثور عليها، فهو عاشق ويغار، ومن يغار لا يتحمل ما ستقول، ولكنها تحاول معه بالعقل: _طب تمام، إيه رأيك بقى أخلع النقاب وأخرج بالحتة السواريه وأروق على شكلي كده وتعلن عن مولد فنانة جديدة تهز أركان الوطن العربي بصوتها اللامع، وأعمل لي كام فيديو كليب كده مع حبة شباب طول بعرض مرمين على القهاوي وألعب بالملايين لعب. أمال إيه عاد، ماني عندي موهبة حرام أدفعنها بالحيا.
انتفضت أعينه بحدة، ثم قطب جبينه وهز رأسه بعدم فهم وتساءل متعجبًا: _نعم ياماما، سمعيني كده، إنت قلتي إيه تاني؟ مطت شفتيها بدلال اصطنعته جيدًا كي تبرع في تنفيذ ما انتوت عليه: _اللي انت سمعته، فيها إيه يعني دي، إني موهبة ومينفعش تفضل مكمورة كده في الضلام، وكمان حرام الملايين دي تضيع علي. انتصب واقفًا بغضب، ثم قام من مكانه وجذبها من كتفها وهدر بها بحدة وكأنه صدق أنها ستفعل ذلك، فتلك المكّة كل يوم يكتشف
بشخصيتها أشياء جديدة: _موهبة مين يا أستاذة! طب جربي تخلعي حجابك كده ولا نقابك ولا اعملي اللي انتِ بتقوليه ده. انتصبت واقفة هي الأخرى وبنفس نظرات التحدي أردفت بتصميم كي تقنعه: _بس أكده حرام تحلل لنفسك حاجة وتحرمها علي. إحنا بني آدمين مخلوقين زي بعض بالظبط وداي تفرقة عنصرية. _لا ياماما أنا راجل وانتِ ست. _مفرقتش يافنان إني صوتي حلو وانت كمان ومنفرقش عن بعض يبقى ليه تحجر علي.
بمجرد أن استمع إلى هرائها ذاك اندفع فيها ليشن حروب أفعالها فوق رأسها بعنفوان. كادت أن تكمل كلامها ولكن نظراته الحادة أرغمتها أن تبتلع ما علق في حلقها من كلمات وتتراجع للخلف. فتتقدم خطواته بقدر تراجعها ويغرس خنجر سؤاله في صدرها: _انتِ عايزة إيه بالظبط؟ عايزة بدماغك دي توصلي لإيه معايا؟
أنا تعبت منك. تعبت من جريي وراكي. تعبت من المحايلة والدلع وخلاص الصبر خلص من صبري وإن مشلتيش الحوار من دماغك يبقى هعاملك معاملة ماتمناش تشوفيها مني. تشعب الغضب برأسها ثم رددت بعناد وهي تحمل جلبابها كي ترتديه وهدرت به: _تمام لحد ما تفكر في كلامي ولا هاكل من الأكل اللي هتجيبه ولا هشاركك أي ترفيه ولا أي قعدة ولا هقبل منك أي مصاريف تخصني وأكلي هجيبه لنفسي من الكريدت بتاعتي ولو هاكل عيش وجبنة.
امسك الجلباب من يدها ورماه بحدة في البحيرة ثم جذبها من يدها ودلف بها إلى الداخل فقد استفزته بكلامها وفجّرت بركان الغضب داخله وكما تقل الحكمة "اتقِ شر الحليم إذا غضب" وقد كان وصل غضبه عنان السماء ثم دلف بها إلى غرفته ورماها على التخت. حاولت القيام والخروج من الغرفة فهي لأول مرة تجرب غضبه ولكنه أمسكها من يدها بقبضته القوية فهو ذو لياقة بدنية عالية مدرب عليها بمهارة.
لم تستطيع الإفلات من يده وأغلق الباب بالمفتاح ووضعه في جيب بنطاله ثم رماها على التخت هادرًا بها بأنفاس لاهثة: _طب طالما بتتكلمي عن الحرام والحلال يبقى أنا هاخد حقي فيكي حالا وبحلال ربنا بردو. لاحظت أنه الآن خرج عن سيطرة وعيه وبدأ يقترب منها فوضعت يدها على صدره مانعة إياه بصوت ضعيف باكي كي تجعله يتأثر ويبتعد ولكن هيهات لم يبتعد فهي قد جرحته بشدة وأشعرته بأنه قليل ورمت بكرامته في أرذل القمامة. فاقترب منها مرددًا
قبل أن ينهال على شفتيها: _خلاص وقت البكا راح. ثم اقترب منها وبدأ ممارسة حقه الشرعي فيها ولم يأبه لتوسلاتها في غصبها على تلك العلاقة التي لم تستعد لها نفسيًا. ولكن كان حنونًا معها ولم يستخدم معها العنف في علاقتهم. كان في قربها مغيبًا عن أي ظروف محيط ليه تخلي أجمل لحظة في حياة كل بنت مع جوزها اللي حبيته تبقى غصبانية؟ وأكملت بكائها وهي تضع وجهها بين يديها: _مش مسامحاك يا آدم مش مسامحاك.
نفخ هو الآخر بضيق من تهوره وما وصلا إليه كلتاهما، ولكن تدخل الشيطان بينهما وجعله فعل ما فعل بها. ولكنه لم يتركها وحدها الآن. سيداوي وجعها منه به. جذبها إلى أحضانه عنوة حتى ارتطمت بعظام صدره القوية وجسدها بدأ يهتز بسبب رفضه الاقتراب منها. ولكنه ظل متشبسا بها مانعًا إياها من الخروج من أحضانه حتى تشبست به هي الأخرى ودفنت رأسها في رقبته وهي مازالت تبكي.
لحظات من الضعف من الانهيار من القوة من التمسك في آن واحد شعرت بهم تلك مكة. وظلوا هكذا في أحضان بعضهم، هي تبكي وهو يعتذر، وكله تصميم على أن لا يتركها تحترق وحدها حتى هدأت عندما أفرغت شحنة غضبها منه بالبكاء، ثم احتضن وجنتيها بين يديه وردد بأسف للمرة التي لم يعرف عددها: _حقك على قلبي يا قلبي. والله العظيم ما هتتكرر تاني غير برضاكي وعمري ما هغصبك على حاجة تاني.
ثم قام من مكانه وجذب قميصها الملقى أرضًا وألبسها إياه كي يستر جسدها العاري. ثم تحدثت أخيرًا بصوت خرج من حلقها إجبارًا: _ممكن تسيبني لحالي دلوقت لو سمحت. ثم قامت بتسوية شعرها المبعثر من أثر هجومه عليها وعقدته برابطة الشعر الخاصة بها. وكررت كلامها مرة أخرى وهي تداري عيناها عن عيناه وتنظر جانبًا: _لو سمحت عايزة أبقى لوحدي. حرك رأسه برفض قاطع:
_يا مكة مش هقدر أسيبك لوحدك. غصب عني. ارجوكِ خليني جنبك. خليني أفضل جنبك عشان قلبي يفضل مطمئن عليكي. رأت التصميم في عينيه فشعرت أن جسدها يرتعش بردًا. ورآها في حالتها فدثرها جيدًا بالغطاء، ولم تلبث بضع دقائق حتى ذهبت في سبات عميق، فقد أرهق جسدها من عاصفة اقترابه وتلك المرة الأولى في اقترابه منها، وكما أن البكاء جعلها تشعر بالدوار.
وجدها نامت فاستراح بجسده جانبها، ثم جذبها إلى أحضانه وهو ينظر لها بخوف خشية فقدانها، ثم ذهب في نومه هو الآخر وهو مازال متشبسا بأحضانها. فما أجمل الفرار من الحبيب إلى الحبيب.
في منزل سلطان تجلس زينب ومعها خبيرة التجميل التي أحضرتها رحمة لها منذ أكثر من ست ساعات، فقد قامت بصبغ شعرها إلى اللون الأحمر الكستنائي، فذاك اللون يليق على لون بشرتها، ثم جعلت الخبيرة تجري لها جلسة بروتين حتى تصبح كالنجمات الشاشة، وحقًا فذاك اللوك أصغرها أعوامًا وأعوامًا. ثم قامت بتنظيف بشرتها بجميع مراحلها حتى نضر وجهها والتمع وظهر لون عينيها مع بريق وجهها، مما أعطاها مظهرًا جذابًا للغاية. وبعد أن انتهت
الخبيرة تحدثت بانبهار: _ماشاء الله يا حاجة كانك صغرتي عشرين سنة. ده انتِ اللي يشوفك ميصدقش إنك مامت رحمة خالص. كانت زينب تنظر لحالها في المرآة وهي غير مصدقة أن ذاك شكلها. ثم تحدثت بانبهار وهي تشكر تلك الخبيرة بامتنان: _تسلم يدك يا شيرين ده أنا معرفتنيش. هو كده أكده الستات مهملة في نفسها لدرجة إن نص يوم يظبطوا فيه حالهم يلمعوا كده! دي انتِ رجعتيني عشرين سنة لورا يا اللي يدك تتلف في حرير.
ابتسمت لها الخبيرة، ثم أعطتها زينب مبلغًا من المال يزيد عن طلبها لما فعلته معها الآن. ثم قالت رحمة لها: _يا عيني عليكِ يا بوي ده انتِ جايلك أيام مهببة من كيد زينب واللي هتشوفه على إيديها. وأنا أقول انتِ يا بت طالعة قوية وحربوقة لمين؟ اتارييي. على حين غرة ألقت زينب نعلها في وجه تلك رحمة وهي تهدر بها: _اقطع لسانك من لغلوغه يا أم لسانين يا قليلة الرباية. بقى أنا حربوقة يا بت الجزمة انتِ.
ماتت الخبيرة ضحكًا على تلك الزينب وابنتها وهي تحاول الفكاك بينهم، فزينب تلاحقها بالغرفة ومصممة على ضربها حتى استطاعت الفصل بينهم، ورحمة تردد لها بكيد: _بقى كده يا زينب آخرة المعروف الضرب بالكفوف. ولا انتِ عشان بقيتي شبه الممثلات دلوقتي هتكبري على بتك يا قمرة انتِ يا وحشة. فحقًا كان خناقهم مضحكًا للغاية، ثم قالت زينب لها بتهديد: _وأديكي بالجزمة كماني لو ما قصرتيش لسانك ده يا بت سلطان.
_دلوقتي بقيت بت سلطان يا زينب. ما صحيح خير إن تعمل ضرب وتهزيق وشتيمة تلقى ماشي. ابقي قابليني لو خليتك تلعلطي كده تاني ومعرفتيش تغيظي أبو السلاطين يا ناكرة الجميل. مازالت شرين تضحك عليهم وهي تقف مانعة زينب من الانقضاض عليها، ثم حذرتها شرين: _والله يا رحمة إن ما سكتي لأسيّبها عليكي وأنا بصراحة هموت وأسيبها عليكي. شعرت رحمة بأن زينب فقدت أعصابها من كيدها لها، ثم اعتذرت لها وهي تضحك على حالهم:
_الله يا زوبة متكونيش أفوشة كده بهزر معاكي يا وحش الكون انتِ. سعدت زينب من ذاك الوصف، ثم سألتها: _بجد يا بت رحمة بقيت زي وحش الكون كده؟ _أمال إيه عاد دي انتِ تفلقيها بجمالك اللي يدوب أج دعها شنب وخصوصي شنب أبو السلاطين. ظلوا يبتسمون مع بعضهم بعضًا من الوقت، ثم قالت رحمة لوالدتها:
_خلاص يا زوبة ادخلي انتِ خديلك شاور كده والبسي من الهدوم الجديدة اللي جبتها لك واخرجي اقعدي برة كده وسيبي شعرك وحطي رجل على رجل وكيدي الأعادي.
بعد مرور ساعة كانت زينب تجلس في بهو منزلها بذاك الجلباب الأبيض المزخرف بالنقوش السوداء وبه خطوط طويلة أظهرت تناسق جسدها الممتلئ قليلاً، ويزين أكمامه دانتيل باللون الأسود ويصل إلى نصف ذراعها، وكذلك صدره مزين بذاك الدانتيل ومفتوح بعض الشيء يبرز عضلات صدرها الأبيض اللامع، وتفرد شعرها على ظهرها من الخلف ورائحتها الجميلة الساحرة عبأت المكان بأكمله.
كان سلطان في ذاك الوقت يهبط الأدراج وهو يدندن، فقد كان يقضي وقته مع تلك الوجد. ثم نظر إلى الأسفل ووجد امرأة غريبة تجلس بتلك الأريحية والانكشاف في بيته. نزل سريعًا كي يرى من تلك الجريئة التي تجلس بذاك الشكل. أما هي سمعته وهو يدندن أعلى الأدراج فاغتاظت بشدة وتوعدت أن تسقيه الويلات. وصل إليها حتى وصل أمامها ثم تحدث مندهشًا: _زينب! إيه اللي انتِ عميليته في حالك ده؟ وضعت قدمًا فوق الأخرى وأجابته وهي تتصفح ذاك الهاتف
بين يديها ولم تنظر إليه: _عملت إيه يعني؟ أجابها باستنكار: _قولي معملتيش إيه! حطالي أحمر وأخضر، وقاعدة لابسة قميص النوم ده ومش مختشية. لا ولدك يدخل عليكي دلوك. قومي يا ولية اتحشمي ولمي شعرك دي وامسحي وشك. انتصبت واقفة أمامه واقتربت منه وهي تردد برفض قاطع:
والله يا عمران يا ابني لو شافني عريانة حتى مليكش صالح أنت. واعمل حسابك إن دي شكلي ودي لبسي في بيتي، بعد أكده مش عاجبك طلقني يا سلطان وهمل البيت ليا ولولادي وخد الحرباية اللي إنت اتجوزتها علي وسيبوني براحتي في بيتي ألبس كيف ما يعجبني وأعمل اللي على كيفي. كسـ.ـر دماغك على دماغ اللي يتشدد لك يابت نفيسة الدلالة. ثم جذبها من رسغها وأدخلها غرفتها عنوة عنها، وهي لم تستطيع الإفلات من يده فكان متمسكا بها بإحكام.
رأتهم من الأعلى تلك الوجد، فغلت الدـ.ـماء في عروقها حينما وجدته قد أغلق الباب خلفهم. فدلفت إلى غرفتها وهي تتمشي فيها بحقد يأكلها وهي تحدث نفسها: داي حتى أنت يازينب يا شايبة، منتيش سهلة. ولا الولية بتاعت الأعمال داي كمان، ولا عيملت حاجة من وقت مارحت لها. ثم ضربت بقبضة يدها في الحائط وهي تكمل بغيظ: هو في إيه بالظبط؟ اني معدتش مستريحة.
ثم ارتدت الخمار التي تجلس به في شرفتها وأخذت هاتفها وخرجت إلى الشرفة واتصلت بتلك الدجالة التي ما إن رأت رقمها حتى هدرت بها: إيه ياحضرة الشيخة هانم، مش شفتلكيش كرامات ظهرت ولا حاجة؟ وبقالي أكتر من أسبوعين مستنية، هو إيه أصله ده؟ كانت تلك الخضرة قد نسيت أمرها والآن ذكرتها بما حدث لها بسبب جلبها لذاك القطر الملعون من وجهة نظرها وكما أسمته، ثم هدرت بها هي الأخرى:
صوتك ميعلاش على الشيخة خضرة يابت إنت. وبعدين عايزة حاجة تاجي لي حدي، ونتحدتوا. كلام التليفون داي مبحبوش. واعملي حسابك عملات للبت داي معملش، وأعلى ما في خيلك اركبيه ويالا من غير سلام. أغلقت الهاتف في وجهها، ثم جلست تلك الوجد تشطاط غضبا فقد ابتلعت نقودها في بطنها ولم تفعل لها شيئا. وصارت تجلس بأقدام تدب أرضا، وهى ترى نفسها ملقاه خارج المنزل دون أن تثأر لقلبها من ذاك العمران ولكرامتها من تلك الرحمة.
ثم اتصلت بصديقتها أولا، وبعد أن أجابتها طلبت منها: شوفي بقي أني عايزة أربع نسوان شداد، نسوان مش أي كلام. سألتها صديقتها: ودول عايزاهم لايه دوول؟ عايزة أخد حق ضلعي اللي اتكـ.ـسر وحق الضـ.ـرب اللي انضربته، والعين بالعين. طب ودول عايزاهم امته يا أم دماغ يابس انت؟
بكرة بالظبط، هقول لك تخليهم مستنينها على أول الزراعية على الساعة ٨ بالليل. تكون اللي ماتتسمى اللي اسمها رحمة راجعة من شغلها، هبعت لك كذا صورة ليها تخليهم يحفظوا شكلها كويس. عايزاهم يكسـ.ـرو لها ضلوع يدها الاتنين ورجليها كمان ويخـ.ـزقوا لها عينيها ويخلوها تمشي عورة، وزي ما عيملت فيا هي وأمها المرة الشايبة العايبة يتعمل فيهم ويزيد.
أنهت كلامها وهي تنظر بحقد لذاك المنزل التي ماعادت تطيق الجلوس به، ولكن لها تارا ستأخذه منهم جميعا. ثم جلست تفكر ماذا هي فاعلة بعد الآن. أما في غرفة سلطان وزينب كان يهدر بها: أني صبرت عليك كـ.ـتير، والظاهر أكده إن دماغك ناشفة، وانت اللي جبتيه لنفسك يازينب. ارتعبت من طريقته، ثم قامت من مكانها وقصدت الباب كي تخرج وتهرب من أمامه. فعمران وسكون في عملهما ورحمة خرجت، ولم تجد أيا منهم تستنجد به مهما صرخت.
لاحظ نظراتها على الباب، فسبقها وأغلق الباب. حاولت أن تأخذه منه، ولكنها لم تفلح. فرمى عصاه وعبائته أرضا واقترب منها وهو يلف ذراعها خلفها مكملا بغضب: مش قلت لك يازينب قبل أكده، اللي مياجيش طيبة ياجي غصيبة، واهه محدش هينجدك من يدي واصل يابت نفيسة. تحدثت وهي تحاول الفكاك من يده فلم تستطع، فلجأت إلي أسنانها وغرزتها في يداه. فتوجع من فجأتها وأفلتت يداه فابتعدت عنه. لحقها ولكنه لم يستطيع جذبها، ثم قالت:
متبقاش عيل صغير يا سلطان وهملني لحالي. مرايدكش يا أخي، هي عافية ولا إيه؟ مش بمزاجك يازينب، وحقي الشرعي هاخده منك غصب عنك. قررت اللجوء للحيلة الآن، فهو لن يتركها. فبكل هدوء تمددت على التخت وقالت له بنبرة جدية مصطنعة: آه ياني فرهدتني على الفاضي. وريني هتاخدوا إزاي وأني مش طاهرة يا سلطان. شعر بالخزي للمرة الثانية، ثم سألها: مش طاهرة كيف يعني؟ أجابته بثقة وتأكيد جعلته لم يشك بها: هو أني مش كيف الحريم ولا إيه يا سلطان؟
مبياجيش علي أيام جوزي، مينفعش يقرب مني. لو عايز تتأكد أخليك تتأكد. هي تعلم أن نفسه تتموع من ذكر تلك العادة أمامه. ثم تحمحم وهو يأخذ عبائته مرددا لها بتحذير والشر يتطاير من عيناه: طب يمين بعظيم يازينب، لو خرجتي من الأوضة بالمسخرة داي تاني، لاهيتكسـ.ـر لك رجلك علشان متعرفيش تخرجي منيها تاني.
رأت غيرته النابعة من عيناه، ففرح قلبها بشدة وقررت السكوت الآن. إلى أن ارتدي جلبابه ثم خرج من الغرفة. فوقفت على أعتابها، وعندما رأته اقترب من الباب نادت عليه بعلو صوتها مرددة بكيد جعله يركض إليها، لكنها أغلقت الباب بسرعة: نئبك طلع على شونة يا سلطان. أني لسه مصلية العصر دلوك علشان تعرـ.ـف إنه بخطري، وبردو مهخليكش تلمس شعرة مني. وخليك بنـ.ـارك أكده يابتاع وجد وزفت الطين.
ظل يسبها بأبشع الألفاظ، فأشغلت الهاتف على صوت الموسيقى العالية كي لا تسمع سبه لها، وهي تنطق لنفسها داخلا: ولسه يا سلطان، إن ما خليتك تقول حقي برقبتي مبقاش أني زينب بت نفيسة الدلالة. أما في الأعلى عند وجد، قررت أن ترسل تلك الفيديوهات التي دمجتها مع بعضها والتي صورتها لعمران وهو نائم، وهي كانت تتدلل في أحضانه بأوضاع غير مريحة. من يرى عمران يظن أنه مغمض العينين ويتنعم في قربها من تقلبه بين يدها. أرسلت
الفيديو لسكون ودونت أسفله: قلت لك كتير وحذرتك قبل ما تدخلي البيت دي. قلت إنه عشقان مرت أبوه، وهي كمان عشقاه، وانت مصدقتنيش. أني بقول لك انفدي بجلدك دلوك منه، وخلي بالك لو وريتي حد الفيديو دي، هو وابوه هيتعاركو واحتمال يموته. وصل ذاك الفيديو لسكون ورأته مرارا وتكرارا، وحقا انصعقت مما رأته وهبطت دموع عينيها كالشلالات، وأصبح حالها يرثى له.
في اليوم التالي وبالتحديد في غرفة عمران وسكون، على صوتهما بعض الشيء، ومن الواضح أنهما واقفين من عدة ساعات على حالتهما تلك، والنقاش احتدم بينهم مما اكتشفه عمران من تلك السكون وجعله ينصدم. تشنجت عضلاته وهو ينظر إليها بغضب ساحق مغلف بالاندهاش، ثم امسكها من كتفيها مرددا بغضب وهو يهزها بعنف: من ميته وإنتي اتحولتي أكده؟ من ميته وإنتي حالك اتعوج، ومحدش بقي عارف يكلـ.ـمك، وبقيتي كيف الأسد لما يعيش دور ملك الغابة؟
ثم استرسل حديثه بنبرة زادتها الدهشة وهو يدور بها في الغرفة وعيناه مثبتة بداخل عيناها: ولا انتي كنتي أكده أصلا، ومكنتش شايفك على أصلك اللي بان وبالجامد أووي! نفضت يداها بغضب مماثل، ثم هدرت به بحدة: سيبك بقى من جمودك اللي زهقت منه ده وتعاملك الناشف وياي. واعمل حسابك أني خلاص مش هتحمل أعيش في البيت ده تاني بعد اللي شفتـ.ـه بعيني. المستور انكشف، ويا عيني على المغدور بيه لما يعرف اللي بتعمله.
وأكملت وجعها وعلامات وجهها تحكي آلاف الحكاوى المريرة وهي تضم حاجبيها بحزن: مع إن ربنا بعت لي تحذيره مرة واتنين، بس عاندت وكبرت دماغي ومشيت ورا قلبي، وقلت لاااا يستحيل يطلع منه أكده! متمشيش يابت ورا هواجس شيطانك وعيشي حياتك وافرحي بحبـ.ـك ده السند اللي ربنا عوضك بيه. صفق بيداه وفكه يهتز بسخرية من حالة ظلم النفس التي تظنها، وردد باستنكار:
ياريت متعشيش الدور وتمثلي دور المظلومة، وأنك الملاك، وأنك المجني عليها في الرواية. ثم اقترب منها وحضن وجهها بين كفاي يداه، وأكمل بتهديد وعيناه قاتمتين من شدة غضبه: بس ورب الكون لاهندمك على كل لحظة وجع عيشتها لي. على كل لحظة حب اديتهالك ملقتش قصادها غير غدر. على كل لحظة ائتمنتك فيها على قلبي وخنتي الأمانة، وافتكري إنك اللي بديتي والبادي أظلم. وضعت كفاي يداها على كفاي يداه، وبنفس طريقته ونظراته نطقت:
كل كلمة ووعد وتهديد وتحذير وجهته لي دلوك لك زيه وأكتر، وزيد عليهم كيد النسا اللي تدعي ربنا ينجيك منه. صار كليهما يدوران في نفس المكان ونظراتهما تحوي آلافا من تحدي العناد وجيوش الغضب. وكل منهما يظن أن الآخر قد غدر به ونسي عشقه، وكل منهم يردد داخله نفس المقولة "على الباغي تدور الدوائر"
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!