تحميل رواية «من نبض الوجع عشت غرامي» PDF
بقلم فاطيما يوسف
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
حلَّ الليلُ على البيت، وغرقت البلدة في صمتٍ ثقيل، كأن كل شيء توقف عن الحركة ليترك السكون يسود. في الطابق السفلي عند نهاية الممر الطويل، وُجِدت تلك الغرفة ذات الباب الرمادي، مغلقة كعادتها في مثل هذا الوقت. لا أحد يقترب منها، ولا أحد يسأل. "فريدة" بخطواتٍ هادئة لا تُحدث صوتًا، هبطت السُّلم وهي تحتضن بين يديها كتابًا كانت تقرأه قبل قليل لكنها لم تستطع التركيز. هناك شيء ما منذ أيام يتحرك في عقلها ولا تستطع الإمساك به. حدس خافت، شعور بأن ثمة ما يتسلل من بينها وبين "فارس". حين اقتربت من الغرفة توقفت....
رواية من نبض الوجع عشت غرامي الفصل الأول 1 - بقلم فاطيما يوسف
حلَّ الليلُ على البيت، وغرقت البلدة في صمتٍ ثقيل، كأن كل شيء توقف عن الحركة ليترك السكون يسود.
في الطابق السفلي عند نهاية الممر الطويل، وُجِدت تلك الغرفة ذات الباب الرمادي، مغلقة كعادتها في مثل هذا الوقت. لا أحد يقترب منها، ولا أحد يسأل.
"فريدة" بخطواتٍ هادئة لا تُحدث صوتًا، هبطت السُّلم وهي تحتضن بين يديها كتابًا كانت تقرأه قبل قليل لكنها لم تستطع التركيز. هناك شيء ما منذ أيام يتحرك في عقلها ولا تستطع الإمساك به. حدس خافت، شعور بأن ثمة ما يتسلل من بينها وبين "فارس".
حين اقتربت من الغرفة توقفت. الباب موصدًا بإحكام. خرج من أعلاه نور خافت منبعث من زجاجه وظلالٌ تتحرك على الجدران كأنها أطياف. وقفت هناك لا تنوي التجسس، لكنها لم تستطع التراجع. شيء ما في قلبها جذبها لتسمع.
ولكن ماذا سمعت تلك الـ"فريدة"؟
صوت "فارس" منخفض، حنون، لا يشبه نبرة صوته المعتادة معها وهو يردد:
"فينك، بقالك كتير قوي مظهرتيش. أنا ببقى كويس لما بشوفك، ببقى حي فاهماني؟"
سكون. ثم صوت أنثوي خافت لا يمكن تمييز مصدره، ناعم دافئ يردد بنبرة متحمسة هائمة:
"وأنا جنبك. دايمًا جنبك بس إنتَ اللي بتبعد، "فارس"."
فريدة اتسعت عيناها، وانكمش قلبها فجأة، وكأن الهواء من حولها تقلص. وسمعت صوته مجددًا:
"أنا مش عارف أعيش من غيرك. فاكرة لما كنا بنقعد على السطح والليل فوقينا ساكن كده، وكنا بنضحك على أي كلام. أنا عايز اللحظة دي تفضل ما تخلصش."
ضحكة خافتة غير مألوفة وهي ترد عليه:
"أنتَ لسه بتحبني ولا الحب ده مات من ساعة ما بعدنا عن بعض؟"
أجابها بعينيه يملؤها الحنين وهو يؤكد لها:
"أنا عمري ما حبيت حد قد ما حبيتك. حتى لما اتجوزت كنت بضحك وعايش بس قلبي كان هنا، كان معاكِ انتِ ولسه واقف مستنيك."
ارتعشت يد "فريدة" والكتاب سقط منها على الأرض بصمت. لم تتحرك، لم تنطق، وعينيها علِقت عند الباب كأن الزمن توقف هناك. وما زالت تستمع إليه ويديها ترتعشان وعينيها متسعتان بهول وفزع مما استمعت إليه أذنيها.
"الناس فاكرة إني اتغيّرت بس أنا كأني ماشي على حبل بين الحياة والموت. ولما رجعت لقيتك مستنياني بس بعيدة عني ومش عارف غير اني اكلمك بس، مش قادر اجي لحدك ولا احضنك ولا اشم ريحتك. أنا وحشني ريحتك قووي فوق ما تتخيلي. فارس ضايع ومشتت وحزين من غيرك قووي."
ثم ارتفع صوته قليلًا بنبرة عاشق حائر حينما لم يجد منها غير الصمت:
"إنتي ليه بتسكتي كده بتخوفيني؟ أنا تعبت من الصمت. قولي لي، إنتي شايفة إن وجودك جنبي خيانة ليها ولا أنا اللي خانتني روحي؟"
صمت آخر ثم الهمس ذاته بدفء مؤلم:
"أنا مش زعلانة بس خايفة عليك. مفيش حد بيعيش بنصّ قلب."
اقتربت "فريدة" من الباب أكثر. أنفاسها متقطعة، وجهها متجمد، وكل شيء داخلها يهوي في فجوة. من هي؟ من تلك التي يسمع صوتها؟ لماذا هذا الدفء في صوته لا يظهر معها؟ ولماذا شعرت فجأة أنها هي الغريبة؟
ثم سمعته يهمس مجددًا:
"أنا محتاجك. الليل طويل وعيوني مش بتنام. وكل ما ألمس إيدي على المخدة بلاقيني بدوّر عليكِ."
لم تستطع أن تتحرك. كانت ساكنة في مكانها، كأن قدميها تجمدت والدموع تأبى أن تنزل لكنها تراكمت في العين حتى بلّلت رمشها. شفتيها ارتجفتا دون أن تنطق. القلب وحده كان ينهار في صمت. لحظة، لحظة، بدأت الأصوات تخفت. ظلّت هناك واقفة، تنظر للباب كمن ينتظر الحقيقة أن تخرج وحدها. لكن الحقيقة لم تخرج، وهي لم تسأل، فكيف تسأل وكيف تواجه ذاك المخادع وبم تقول وماذا تفعل؟
استدارت أخيرًا بهدوء العاصفة بعد الدمار وعادت إلى غرفتها. سارت في الممر المظلم كأنها تتحسس الطريق داخل نفسها لا بين الجدران. وحين أغلقت بابها خلفها، وضعت الكتاب على الطاولة وهمست لنفسها فقط:
"هو أنا ولا واحدة تانية؟ طب ازاي يكلم غيري ويقول لها كلام زي اللي بيقوله لي واكتر؟"
وابتسمت نصف ابتسامة لها ألف معنى تنم عن معاني كثيرة وأغلبها الخذلان. لااا ورب السماء الخذلان من! فشعورها أصعب وأضل سبيل من الخذلان والدمار والقهر. ثم انطفأت الابتسامة ليحل مكانها إحساس لا يوصف بمعجم من الكلمات.
فتح "فارس" الباب ببطءٍ بعد أن التقط أذنه ذلك الصوت الخافت في الخارج. ظل واقفًا لحظات يتأمل العتمة التي تحيط بالممر، كأن الظلام نفسه يهمس له بالحذر. أنصت جيدًا، ثم أغلق ما كان يعمل عليه سريعًا، وانطفأ الضوء الأزرق من الجهاز، واختفت ملامح الوجه الذي كان يحدّثه كأنها لم تكن.
صعد الدرج بخطواتٍ مترددة، يحمل في داخله رغبة عارمة في الهرب من وحدته، أو ربما في النجاة من مرآته التي تفضح ما لم يجرؤ على الاعتراف به.
كانت "فريدة" تجلس هناك، على الأريكة، في ظلال الأباجورة الصفراء، وجهها ساكن، عيناها لا تنظران لشيء محدد، لكن تفاصيل ملامحها كانت تحمل من الوجع ما لم يعرفه من قبل.
اقترب منها بهدوء، جلس إلى جوارها كأنما يخشى أن يُوقظ الصمت المتراكم بينهما، ثم قال بصوت خفيض يحمل من الشوق ما يذيب الجليد:
"تعرفي أنا كنت تحت بفكّر فينا، فيكِ، في اللحظات الحلوة اللي بتجمعنا وبالنسبة لي هي كل الحياة. كنت بفتّش جوايا على أي حاجة تنادي لك، لأنك واحشاني، واحشاني بالصوت وبالملمس وبالروح، وأنا من غيرك ناقص، تعبان، تايه، مش لاقي أي باب يتفتح لي غير باب حضنك. أنا من غيرك بتوه يا "فريدة". من غيرك ما ليش مكان ولا عنوان، انتِ كل حاجة ليا وحتى وانتِ في حضني بتوحشيني."
لم تُجبه، لكن شيئًا في طريقة جلوسها أخبره أن قلبها ليس على ما يرام، وأن عينيها تحملان ما لا تقوله الشفاه. ساد صمت طويل، ثم مال بجسده نحوها قليلًا، محاولًا أن يتلمّس بعضًا من قربها وهو يتابع بصوت متهدّج وهو يتذكر شجارهم وحالتهم المتوترة منذ يومين:
" "فريدة" في حاجات الواحد بيكتشفها لما يحس إنه ممكن يخسرك. أنا طول عمري بهرب منك وقت الزعل، بس النهاردة أنا مش قادر. مش قادر أكمّل يومي من غير ما ألمس إيدك، من غير ما أحكي لك وجع صدري. أنا بحبك، بحبك بكل اللحظات اللي قضّيناها، وبكل اللي لسه ما جاش."
لم تتحرك "فريدة"، ظلت عيناها شاخصتين في الفراغ أمامها، شفتاها تتحركان بصعوبة، ثم نطقت أخيرًا، بصوت خافت بارد كالرماد وهي تتذكر ما سمعته للتو وعلم بقلبها:
"في حاجات لما بتتكسر ما بترجعش، حتى لو جمعناها تاني، بتفضل فيها علامة. أنا مش عارفة أقولك في إيه، ولا حتى أقول فيّ إيه، بس اللي جوايا متلغبط، ومش عارفة أصدّق أنا بعيش معاك ولا مع خيالك، ولا أنا مجرد تفصيلة بتفكر فيها لما تزهق من الباقي."
نظر إليها بذهول، اقترب منها أكثر، مد يده نحو يدها، ثم أمسك بها كأنما يستنجد بها من الغرق، وهمس:
"ما تقوليش كده، إنتِ الأصل، إنتِ الحلم اللي ما اتحققش غير لما خدتك ليا. أنا مش بدوّر على بديلك، ولا عمري شفت في الدنيا ملامح تشبهك. انتي اللي بعرف أضحك وأنا جنبك، انتي اللي لما تزعلي بحس إني مات نصي. أنا يمكن أكون تايه، يمكن أكون وقعت في حتت سودا، بس لسه انتي مكانك في قلبي بيكبر ويزيد مع الايام. وشايل ليكي حب مش بيخلص بل بالعكس بيكبر كل يوم عن التاني."
رفعت "فريدة" عينيها ببطء، كان فيها نظرة لا يفهمها، ليست رفضًا تمامًا، وليست قبولًا، فقط دهشة حزينة كأنما لا تزال ترى فيه وجهًا آخر يختبئ خلف وجهه، وجهًا كانت تسمعه قبل دقائق وهو يتنفس الحب لامرأة أخرى. لكنها لم تُظهِر شيئًا، فقط قالت بهدوء:
"هو الحب بيبقى موجود لوحده؟ ولا محتاج يبقى فيه وضوح، صدق، وجود؟ أنا مش عارفة أحس بالحاجات دي دلوقتي، حتى لما تقرب لي، بحس المسافة أكبر، وكأن اللي بينا مش بس وقت، ده بينا حاجة أعمق بكتير. أنا مش قادرة أقولك إني لسه زي زمان، ومش قادرة أقولك إني خلاص."
تنفّس "فارس" بعمق، كأن صدره يحاول ابتلاع خيبته، ثم اقترب منها أكثر، وضع راحته على خدها بحنان، ونظر إليها طويلًا، ثم قال بنبرة تكاد تُبكي الحجر:
"طب إديني فرصة أرجّعك لنفسك، رجّعيني ليّا، خليني ألمس وشك، أحس بيكي، أصدق إنك لسه هنا، لسه ليّا. أنا قلبي وجعني من الشوق، من الوحدة، من البرد اللي مالي البيت. خليكِ حضني اللي كنت برجع له وأنا متبهدل من اللي حواليا، خليكِ بيتي."
همس بذلك وهو يقرّب وجهه منها، وعيناه تتعلّقان بشفتيها، اقترب أكثر كأنه يريد أن يسرق من هذا الليل قُبلة تعيده للحياة. لكن في اللحظة التي كاد فيها يلامسها، تراجعت "فريدة" بسرعة، رفعت يدها لتُبعده برفق، وملامحها جامدة لا تنطق بشيء.
تجمّد مكانه، عيناه اتسعتا بدهشة صادمة، صوته خرج متلعثمًا:
" "فريدة" إنتي بتبعديني؟ أنا عملت حاجة؟ احنا متخانقين خناقة عادية شجار بسيط زي اي زوج وزوجة مش لدرجة اني اقرب منك ومشتاقك فتبعدي عني. أنا مش فاهم... ليه بعدتي؟"
ثم احتضن وجنتيها بين كفاي يديه بتملك وعاصفة اشتياق جارفة وعينيه تكاد تلتهم شفتيها وهو يمرر لسانه على شفتيه بوله وقد أسكره قربها ورائحتها التي يعشقها:
"شفايفك وحشوني قووي، إنتي متتصوريش يومين بعد عنك بالنسبة لي كأنهم نــ.ــار. أنا مشتاقك قووي يا فيري وحقك على راسي من فوق يا عمري."
نهضت بهدوء، وقفت أمامه بثبات لا يشبهها، ثم قالت بصوت ناعم لكن يحمل في داخله عاصفة:
"أنا مش قادرة، مش دلوقتي، يمكن مش النهاردة، يمكن مش الأسبوع ده. أنا تعبانة من جوايا، تعبانة من أفكاري، تعبانة من كل حاجة، ومش عارفة أفتح لك قلبي وأنا قلبي مش ثابت في مكانه. سامحني، بس محتاجة وقت."
ثم استدارت ببطء، مشت نحو غرفتها كأن خطواتها تُثقلها جراح لا يراها أحد، وحين بلغت الباب، التفتت للحظة بعينين غارقتين في الضباب، ثم أغلقت الباب خلفها بصمتٍ يليق بانكسار امرأة ما زالت تحاول أن تفهم... من يكون هذا الرجل الذي يُحبها باسم ليس اسمها؟
أما "فارس"، فبقي جالسًا مكانه، يحدق في الفراغ، والبرودة تمتد من يديه حتى قلبه، وصوتٌ داخله يتمتم:
"يمكن كانت سامعة مكالمتي... بس هي ما سألتش، وده أصعب سؤال."
**********
ها هو واقفٌ أمام باب الغرفة يكاد القلق يلتهمه التهامًا، يذرع المكان ذهابًا وإيابًا كمن ينتظر معجزة تنشقّ من خلف الباب. لم يكن هذا الانتظار عاديًّا، بل كان مزيجًا من اللهفة والتوتر والفرح المشوب بالدهشة. كأنّه لا يصدق بعد أنه صار عريسًا بالفعل بعد ان انتظرها أربعة أعوام. يضحك فجأة مع نفسه، ثم يشرع في الغناء بصوت خفيض لا يخلو من الطرافة، مستعرضًا صوته المتهدّج قائلاً:
"طلّي طلّي يا زهرة الحُسن والدلال، زهقت من الانتظار وقلبي مولع نـ.ـار يا بطبط يا جبار."
ثم يصفّق لنفسه ساخرًا، كأنّه جمهور لنفسه، ويقول:
"أهو هو ده الجواز اخيرا يا أشرف هتنول المراد والحلة هتتلم على غطاها."
يغنّي ويهذي كطفل ينتظر حلوى العيد. ينظر إلى الباب نظرة من يترقّب فتح أبواب الجنة، ويهمس:
"ايه ده كله بتغيري هدومك ما تنجزي بقى يا بطبوطي."
يصمت للحظة ثم يضحك ضحكة خفيفة ويقول بعدما مكثت ما يقرب من ساعه وهو يقف على نيران امامه بابها منتظر طلتها:
"الله دي شكلها بتروق نفسها على الآخر علشان الليلة تبقى عسل يا واد يا "أشرف"."
في قلبه دعاء وعلى لسانه نكتة، وفي عينيه رجاء. لا يريد منها سوى أن تطلّ عليه، فقط تطلّ، فيهنأ قلبه أخيرًا.
أما هي وقفت خلف الباب تتردد يدها على المقبض وقلبها يرتجف كفراشة حُشرت بين جدران الضوء. كانت تسمع صوته من الخارج، يغني ويضحك بطريقته العفوية التي تعرفها، فتبتسم رغم توترها. ثم يعاود الكلام، فتخفق أنفاسها وترتجف ركبتاها من الخجل. تارة تهمّ بالخروج وتارة تعود خطوة إلى الوراء، تتفقد طرحتها مرة وتُصلح من ثوبها مرّات. يعلو صوته بمزاح رقيق، فتضحك بخفة، ثم تضع يدها على فمها خشية أن يسمعها قلبها كطبلٍ صغير يدقّ فوق أرض رخوة، وروحها حائرة بين اللهفة والحياء. لم تكن مستعدة رغم أنها تنتظره منذ العمر لتستمع اليه يردد استعجالها بعد ان فقد صبره من مكوثها بالداخل:
"جرى ايه يا "فاطمة" هانم هنقضي طول الليلة انتِ واقفة جوه وانا برة مستنيكي. انا حمضت من الوقفة يا عسل. لو مش عارفة تقلعي الفستان افتحي لي وانا اقوم بالمهمة دي علشان هي مهمتي أصلا. افتحي يا ماما بقى بلاش لعب عيال مش هنبتديها من أولها هربان. أنا ناوي لك النهاردة مش هتفلتي من ايدي يا "بطوط" هتموتي يا سوسو."
خرجت من الغرفة بخطًى مترددة، ترتدي بيجامة قطنية بأكمام طويلة، يغطيها حجاب بسيط، لا زينة فيها ولا ألوان، كأنها تخفي نفسها خلف الحياء. وقفت عند العتبة، عيناها إلى الأرض، ويديها مشبّكتان أمامها تواريان ارتجافها ووجهها محتقن بالخجل. لم تجرؤ على رفع نظرها نحوه لكنها شعرت بصدمته تخترق الصمت، كأن نظراته تقول ما لم تنطق به شفتاه. لم يكن هذا ما تخيّله، لم تكن تلك هي الصورة التي رسمها لعروسه.
أما هي فكانت تغرق في صمتها تائهة بين خجلٍ غامر وخوفٍ من ألا يكون كفاها المرتجفتان قادرتين على حمل هذا اللقاء الأول. كان يقف مشدوهاً، لا يفهم ما يرى، كأن اللحظة خانت توقعاته. لطالما تخيّل عروسه تخرج إليه بفستان أبيض تتلألأ فيه، أو على الأقل شيئًا يوحي بالفرح، بالأنوثة، بالاحتفال. لكنه وجدها أمامه ببيجامة طويلة وحجاب بسيط، كأنها تتهيأ للنوم لا لبداية حياة. لم يكن غاضبًا، بل مرتبكًا، عاجزًا عن فهم سبب هذا الحذر، هذا التكتّم في أول لحظاتهم سويًّا. أحسّ كأن بينهما ستارًا لم يُرفع بعد، ليس من قماش، بل من رهبة وخجل وأسئلة لا يعرف لها إجابة.
كانت الواقفة أمامه زوجته، نعم، لكنها بدت بعيدة تمامًا عن صورة "العروس" التي كان ينتظرها. ليقترب منها بعيناي تفترس جسدها المغطى وهو يهتف بسخرية من هيئتها ويده تشد أعلى كتفها وكأنها صبي ميكانيكي:
"نعم يا روح امك خارجة لي ببيجامة قدك مرتين ولابسالي حجاب على راسك. هو ده الجواز؟! هي دي الأنوثة في وجهة نظرك؟ هو ده لبس العروسة لعريسها؟ ده انتِ ليلتك مش فايتة النهاردة يا "فاطمة". طب ايه رايك بقى انا عايزك دلوقتي زي ما ولدتك امك يا اما الليلة مش هتعدي النهاردة يا شيخة "فاطمة"."
شهقت بصدمة وهي تبعد يدها عنه مرددة بذهول:
"وه اتجنيت إياك بعد يدك داي عني واحترم نفسك أني لا يمكن ألبس الحاجات داي أني هتكسف وهخجل منيها عاد ويستحيل ألبسها."
اقترب منها وبحركة مفاجئة نزع عنها حجابها لينسدل على ظهرها كالأمواج وهو يمرر لسانه على شفتيه ساحبا اياها أمامه لترتطم بعظام صدره مرددا بوعيد:
"يمين بعظيم يا "فاطمة" اما فتحتِ دماغك دي معايا وشيلتي عرق الصعيدي الناشف اللي في دماغك وتفكيرك ده لهخلي ايامك شبه."
كاد أن يكمل إلا أنها زمت شفتيها باعتراض ليكمل هو بابتسامة:
"شبه شعرك الحرير الناعم اللي أول مرة اشوفه ده يا "بطبط" قلبي. أنا عايزك بقى تفكي وتروقي على نفسك كده وبعدين احنا مخطوبين بقى لنا اربع سنين يا ماما. أنا حمضت جنبك. أنا هموت. أنا الهرمونات عندي في ذمة الله بسبب النشفان بتاعك طول الخطوبة عليا ودلوقتي جايه تنشفيها اول يوم جواز لينا ده انا قـ.ـتيل الليلة يا بطبط لو ما ريحتنيش."
شهقت بصدمة مرة أخرى من تلميحاته الجريئة ونظراته التي تكاد أن تفتك بها وتمتمت بخجل:
"طب ممكن تسيبني لحالي وبلاش الليلة داي على ما اخد على المكان خجلانة يا "أشرف"."
ضـ.ـرب كفا بكف من كلامها لينطق لسانه بلفظ اعتراضي أذهلها ولم تتوقع سماعه منه وهو ينظر لها نظرات نارية تكاد تفتك بها:
"لااا بقى انتِ اكيد حد مسلطك عليا. انتِ اتجننتِ في دماغك ولا ايه يا "بطة". عيب عليكي ده انتي حتى من الصعيد، يعني اهل الصعيد يقولوا عليا ايه مش عارف ادخل على مراتي ولا الين دماغها؟ والله العظيم ان ما ظبطتي الكلام لا هتبقى الليلة نـ.ـار ودمـ.ـار. أنا مش هحلك ولا هسيبك فوقي يا "بطة" النهاردة دخلتنا يا ماما لو مش واخدة بالك."
انكمشت "فاطمة" في مكانها كطفلة باغتتها صافرة قطار، عيناها تهربان منه، وجسدها بأكمله يرتعش، وملامحها تشهق بالخجل والرعب من هذا الانفـ.ـجار الذكوري الغاضب أمامها. كانت تقف كتمثالٍ خشبيٍّ أصابه الذهول، لا تدري كيف تردّ، ولا بمَ تردّ، ولا هل الردُّ أصلاً في مثل هذه اللحظة مأذون به. الهواء بينهما صار ثقيلًا، مختلطًا بعطرها البسيط الذي خرج رغمًا عنها، وبأنفاسه المشتعلة الممزوجة بالغضب والرغبة والتوتر.
أما هو "أشرف" فكان يتقدّم بخطوات كمن يقترب من غنيمته التي طال انتظارها، وفي عينيه خليطٌ من الحسرة والتهكّم، وكأنه يعاتب القدر على تلك المفاجأة الصادمة من هيئتها:
"يعني بجد؟ بجد يا "فاطمة"؟ أربع سنين خطوبة وألف خناقة معاكي ونشفتيها على اللي جابوني على آخر الآخر وأنا أقول كله يهون عشّان الليلة دي، وآخرتها تلبيس لي بيجامة مقاس خالِك وتتحجّبي لي؟! ده انا لو عايز أتجوز "إحسان"، شغالة عمتي، ما كنتش هتوّرط في دا كله."
أطلقت "فاطمة" شهقة خافتة ودفنت وجهها بين كتفيها كأنها تود لو تبتلعها الأرض، ثم قالت بصوت متقطّع:
"أني أني مكسوفة يا "أشرف"، مستحية قوي، دي أني أول مرةأول مرة أقف قدام راجل كده وأنت شوف شكلك عامل إزاي، عينيك بتاكلني كأنك نمر مش عريس يعني!"
ضحك "أشرف" ضحكة قصيرة، كأنها طلقة في ساحة معركة، ثم اقترب أكثر وهمس:
"نمر؟ أنا نمر فعلاً، نمر جعان، جعان لك يا "فطومة"، جعان لليلة دي من أربع سنين، جعان أشوفك على طبيعتك، مش ملفوفة في خمسمية طبقة قماش. أنا مش عايز عروسة من كتالوج، أنا عايز مراتي بقي مراتي اللي قلبي داب عليها يوم ما شفتها."
قهقه فجأة ضاحكًا وهو يضرب كفًا بكفّ وهو يراها تبتعد عنه والخجل مرسوم على معالمها ببراعة:
"يا جدعان، أنا اتجوزت كائن نادر... دي مش عروسة، دي بنت خالِة الحياء نفسه! يا "بطبط"، لو استنيتك لحد ما تاخدي على المكان، أنا هتكتب لي شهادة وفاة رسمية من جمعية ضحايا ليلة الدخلة!"
أدارت وجهها عنه، وارتجفت شفتيها وهي تحاول أن تخفي بسمة خجولة، ثم تمتمت:
"أني هحاول والله العظيم هحاول، بس إنت مش مديّني فرصة أتنفس، بتخضّني بكلامك وحركاتك."
رمقها بنظرة رقيقة فجأة، وتغيرت ملامحه كما يتبدل الطقس في لحظة، ثم قال وهو يقترب منها كأنما يحتضن الهواء بينهما:
"طيب بصي، نبدأ واحدة واحدة مش لازم كل حاجة دلوقتي، بس إنتي بس كفاية ترفعي عينيكي تبصي لي بس كده، وتسيبي لي نفسك خالص وأنا القائد اللي هيسحبك لمعركة عشقه من غير ما تحسي يا "بطبط"."
رفعت "فاطمة" عينيها إليه للحظة، فقط لحظة، لكن هذه اللحظة كانت كافية لأن تضيء وجهه بنورٍ جديد، كأنه رأى فيها وعدًا صغيرًا، بإنسانة ستكسر حواجز الخجل رويدًا رويدًا، وتمنحه قلبها كما منحها قلبه منذ زمن.
تنحنح "أشرف" فجأة، وعاد لنبرة دعابته وقال وهو يدندن ويعرض عليها محاولاته كما لو كانت طفلة صغيرة:
"طب يلا يا عروسة نلعب استغماية؟ إنتِ تستخبي تحت البطانية وأنا أعدّ لحد عشرة بس أوعى تتأخري، لأن الليلة دي "أشرف" هيعلن فيها النصر أو الشهادة!"
ضحكت "فاطمة" أخيرًا، ضحكة صغيرة خرجت رغمًا عنها، كأنها أول انتصار للحب على الخجل، وأول وعد حقيقي بليلة لن تُنسى. اقترب منها "أشرف" بخفة من يطارد عطراً لا يريد له أن يتبدد، كانت خطواته متأنية، كأنها تخشى أن تفسد سكون اللحظة، وعيناه لا تغادران ملامحها، تلك الملامح التي اختبأت خلف حياء كثيف لكنه لم يستطع أن يخفي فتنتها. لم تكن الزينة على وجهها، ولا فستان أبيض يتلألأ تحت الأضواء، بل كان فيها شيء آخر شيء حقيقي، ناعم، مثل نسيم فجر صيفي، يحمل وعداً لا يقال، ولكن يُشعَر.
لما اقترب منها أكثر، مال برأسه قليلًا إلى جانبها وهمس بصوت خفيض:
"هو إنتي كنتي مخبية الجمال ده كله فين يا "فاطمة"؟ ده أنا لو كنت عارف إنك كده، كنت خلصت الخطوبة دي في أسبوع!"
احمرّ وجهها حتى كاد الحياء ينسكب منه، وخفضت بصرها بسرعة، كأن الأرض صارت أكثر أمانًا من عينيه، ثم تمتمت:
"بعد يدك بقي، اني مش قادرة اتنفس."
مدّ يده بلطف، لا بعنف، كما يفعل من يطلب الإذن قبل أن يقطف وردة، ورفع ذقنها برفق لينظر إلى عينيها مباشرة، كان قلبه ينبض بقوة، وعيناه تتأملان تفاصيلها كأنها لوحة رسمتها الأيام خصيصًا له. ابتسم بعذوبة، وقال:
"أبعد مين ده انا ما صدقت. والله يا "بطبط" لو كانوا بيدّوا شهادات تقدير على الجمال الطبيعي، كنتي خدتِ الماجستير بتفوق. ده أنتي كلك هندسة، بس هندسة مش كباري ولا كهرباء هندسة قلوب!"
ضحكت بخجل وهي تحاول أن تُخفي ضحكتها براحة يدها، لكنه التقط اللحظة سريعًا، وكأن هذه الضحكة الصغيرة كانت بوابة الدخول إلى قلبها. جلس بجوارها بهدوء، لا اقتحام فيه، فقط حضور مطمئن، ثم قال بنبرة أكثر رقة:
"عارفة كنت دايمًا بحلم باللحظة دي، بس والله ما حلمت إنها هتبقى بالحلاوة دي. أنا مستعجل بقي على قربك على فكرة."
كانت "فاطمة" لا تزال تائهة بين خجلها ودفء كلماته، تشعر بأن أنفاسها تختلط بدقات قلبها، وأن حائط الخوف بدأ يتشقق شيئًا فشيئًا. مدت يدها بخجل، فالتقطها "أشرف" كمن يحفظ كنزًا، وقبّل أطراف أصابعها في هدوء، كأنما يعاهدها أن يكون لها السند، والعاشق، والصديق.
ثم ابتسم بعينه وهو يغمز لها بشقاوة اعتاد عليها وقال وهو يتنهد:
"يلا بقى نعيش الليلة من غير بيجامة خالك دي، ولا خجل، ولا يحزنون. بس بحب كبير وزفة قلبين، مش بس عروسة وعريس."
وانطلقت اللحظة، لا صخب فيها، فقط دفء، وهمس، وخطى خفيفة نحو بدايتهم الأولى، كأن الكون كله اختصر نفسه داخل تلك الغرفة، وترك لهم المساحة ليكونوا هما، فقط هما.
*******
كان الصباح مُحمّلًا برهبة لا تُشبه غيرها، إذ أن المحكمة الكبرى كانت على موعدٍ مع امرأةٍ لا يهابها الخصم، ولا تُربكها نظرات المتفرجين. "رحمة"، التي عُرفت بلقب "ديفا المحاكم"، تقدمت صوب بوابة المحكمة بخطىٍ واثقة تشبه وقع أقدام الجيوش قبل الالتحام. عباءتها السوداء ترفرف من حولها كما لو كانت راية النصر، وملامحها الواثقة تنبئ عمّن يعرف طريقه ولا يحيد.
وما إن اقتربت من المدخل، حتى وقف أمامها رجل ضخم الجثة، تتلبّده ملامح الخطر، واعترض طريقها بصوت خافت، لكنه كان مشبعًا بالتهديد والوعيد:
"اسمعي يا أستاذة "رحمة" انتي لو دخلتي المحكمة النهاردة واترافعتِ في القضية داي... وطلعتي المتهم براءة، هتندمي وهتخسري كَتير وإحنا مش هنرحمك. طلعي حالك من الحوار دي ملكيش صالح بيه عاد واظن اني بعت لجوزك وعميلت اللي علي ما هتلومونيش بعد اكده من اللي هيوحصل لو الواد دي خد براءة."
توقفت "رحمة" لبرهة، نظرت إليه بعينين لا تعرفان الوجل، وكأنما نظراتها سهام مغروسة في صدره، وقالت بصوتٍ يحمل بحة الجبال وثقل التجربة وكأنها اعتادت المشهد:
"انتَ جايلِي تهددني في عرض المحكمة توبقى ما تعرِفنيش كويس. اللي يخوفني لسه ما اتخلقش. يعني تقف اكده عوج وتتكلَم عدل ما اتخلقش اللي يهدَد "رحمة سلطان المهدي" 'ديفا المحاكم'. وأني هدخل المحكمة دي وهاترافع، واللي فيها فيها. واني اللي بحذرك اياك تقرب مني هتندم ندم عمرك اني مش سهلة واصل ولا سالكة وقرصتي كما الحيات."
تجاوزته دون أن تلتفت، كما تفعل الريح حين تمرّ على الأعشاب الذابلة، وخطواتها توقِع على الأرض بإيقاعٍ حازم لا يقبل المساومة، كأنها تكتب بخطوها بيان الحق القادم.
دخلت القاعة، والأنفاس محبوسة، والعيون معلّقة بها كأنها النبأ الذي سيقلب الموازين. القاعة كانت ممتلئة، المقاعد مكتظة بالحضور، والصمت يسود كما يسود الليل في الصحراء قبل أن يعصفه الرعد.
المتهم يجلس داخل القفص الزجاجي، عيناه ذابلتان، وفي نظراته شوقٌ مستحيلٌ للنجاة. كم من مرّة جلس في المكان ذاته، يُحاكم أمام الجميع، في حين أن قلبه يصرخ بالبراءة.
جلس القاضي الجليل على منصته العالية، رجل مهيب، تعوّد الناس على عدله وصلابته، وكان يرقب "رحمة" من فوق نظارته التي يعبر من خلالها نحو باطن النفوس لا ظاهرها.
حرك القلم بين أصابعه كما لو كان يختبر صبر القانون ذاته. أما المحامون في الجهة الأخرى، فقد تبادلوا نظرات الاستخفاف، فهم على يقين أن هذه القضية كانت كالصخرة، قد اصطدمت بها خبراتهم من قبل وتهشمت. لكن "رحمة" لم تكن كغيرها، كانت تقف أمامهم كالطود، شامخة كأنها لا تعرف للانحناء سبيلا.
رفعت وجهها وقالت بصوت قوي هز أركان القاعة:
"يا سعادة القاضي، هيئة المحكمة الموقرة، حضرات المستشارين، النهاردة أني جاية أطلب من عدلكم مش بس براءة المتهم، لكن كمان إدانة للي لفقوله التهمة."
ارتجّت القاعة، وترددت الهمهمات كالموج المتلاطم على شاطئ الحقيقة. القاضي، الذي لم يعتَد الانفعال، رفع حاجبه بدهشة خافتة وقال بنبرة تمتحن المتحدث لا تهاجمها:
"وما هي أدلتك يا أستاذة "رحمة"؟"
مدّت يدها إلى حقيبتها الجلدية السوداء، تلك التي باتت تعرف أسرار المرافعات كما تعرف راحتها، أخرجت ملفًا سميكًا وكأنها تستخرج سيفًا من غمده في لحظة فاصلة:
"الأدلة يا سعادة القاضي متقسمة تلات أقسام... الأول، تقرير الطب الشرعي اللي محدش قرأه بعين قانونية قبل كده. التقرير بيقول إن أداة الجريمة سكـ.ـين عادي، لكن جرح القـ.ــتيل كان أعمق من الحد الطبيعي لسـ.ــكين المطبخ وده يخلينا نفهم إن أداة الجريمة مش اللي الشرطة قالتها كما هو موضح أمامكم في محضر الواقعة."
هنا انعقد حاجبا القاضي، ولمعت عيناه، وكأنه اكتشف شيئًا لم يره في أوراقٍ مرّت عليه عدة مرات. كان صمته تلك اللحظة أبلغ من الكلام، إذ أدرك أن شيئًا غير مألوف يحدث أمامه وهو يشير إليها أن تكمل:
"- كملي يا أستاذة."
قالها القاضي بعد لحظة طويلة، بدت كأنها دهر، كأنه يحثها على المضي قُدمًا في طريق الحسم:
"ثاني دليل... تسجيل من كاميرا مراقبة كانت موجودة في محل أدوات كهربائية قريب من مكان الجريمة. التسجيل بيُظهِر المتهم في توقيت الجريمة وهو داخل المحل، والمحل ده بيدخل بالأمانة، يعني سجل التوقيت مظبوط المتهم كان هناك ساعة وقوع الجريمة."
تبدلت ملامح المدعي العام، وانكمش في مقعده كمن يوشك على السقوط. أما القاضي فقد شبك أصابعه أمام فمه، وأسند ذقنه إليها، كأنّه يُنقّب عن الصدق في نبرة صوتها، ويبحث عن مصداقيتها في ملامحها:
"ثالث دليل... وده الأهم شهادة شاهد كان ساكت طول الوقت لإنه خايف على أخوه. الشاهد ده قاللي بنفسه إن القـ.ــاتل الحقيقي هو أخوه وفعلا سجلت اعترافه صوت وصورة ودي طبعا بعد ما اخدت إذن النيابة وهأقدمه للمحكمة الآن."
أخرجت جهاز تسجيل صغيرًا من حقيبتها، شغّلته أمام القاضي، فصدح الصوت في القاعة، كأنه صوت عدالة أُخفيت طويلًا:
"أنا اللي قتـ.ــلت الراجل مش أخوي بس انتِ ما تقدريش تثبتي دي وهو وافق يتحمّل علشاني ملكيش صالح بينا."
ساد القاعة صمت يشبه صمت القبور بعد العاصفة، ثم بدأ الهمس يتسلل كالريح بين المتفرجين. أما القاضي فقد أغلق عينيه لبرهة، ثم ضـ.ـرب بمطرقته ثلاث مرات وقال بصوت مرتفع يتماشى مع وقار اللحظة:
"سنعقد جلسة تشاور بعد عرض هذه الأدلة. رفعت المحكمة."
بعد مضي نصف ساعة، عاد الجميع إلى أماكنهم، وكانت العيون شاخصة نحو القاضي، الذي بدا عليه أثر التأمل العميق، والتفكير الذي يحفر في أدق التفاصيل.
جلس القاضي، ونظر إلى "رحمة" نظرة طويلة فيها تقدير، وفيها انبهار كاد يُخفيه، وقال بصوت رسمي مهيب:
"بعد دراسة الأدلة، واستماع المحكمة للتسجيل، وثبوت وجود المتهم في مكان آخر ساعة الجريمة وثبوت اعتراف القـ.ـاتل تقرر المحكمة براءة المتهم مما نُسب إليه."
انفـ.ـجر صوت البكاء من داخل القفص، وانهار المتهم على ركبتيه كمن استعاد الحياة بعد مـ.ـوتٍ معلّق. تصفيق عفوي انطلق من الجمهور، لم يمنعه القاضي هذه المرة، وكأنّ قاعته كانت بحاجة لهذا التنفيس.
خرجت "رحمة" من القاعة، والجماهير تتجمهر عند المدخل، الصحافة، الكاميرات، الأصوات، الفلاشات:
"إزاي قدرتي تحصلي على الأدلة دي يا أستاذة "رحمة"؟ إيه تعليقك على إنك لُقبتِ بديفا المحاكم فعلًا بعد المرافعة دي؟"
أجابتهم بثقة وثبات وعينيها القويتين تنظر إلى الكاميرات باعتياد دون انبهار:
"الدليل الحقيقي مش في الورق، الدليل في التفكير. لازمن نعرِف نقرأ ما بين السطور وأني ما دخلتش المهنة داي علشان أعدّي قضايا والسلام، أني دخلت القضية علشان أطلع الحق من وسط ركام الكدب."
سؤالا آخر توجه إليها من أحد المذيعين المتكدسين أمامها:
"يعني فعلا تلات محامين قبلك ما عرفوش يثبتوا براءته؟"
برهنت برد قوي:
"أني مش جاية أنافسهم، بس جاية أعمل اللي محدش حاول يعملُه بضمير واللي ربنا بيريد له ينكشف، هينكشف والمظالم لازم تترد."
وبينما تغادر محاطة بعدسات الكاميرا والصوت، انفتح الطريق فجأة، وظهر أمامها الرجل الذي هددها في الصباح، عيناه تتوقدان غضبًا، وملامحه مشتعلة بالوعيد:
"فاكرة إنك كسبتي؟ إنتي فتحتِ على نفسك نـ.ـار ما هتنطفيش، وأني وراكي وهتشوفي."
نظرت إليه "رحمة" بهدوء وقالت بصوتٍ منخفض فيه نبرة العاصفة المستترة:
"أني ماشيه في طريق الحق، واللي يوقف قدامي يا إما يزيحني ودي صعب جداً عليه يا إما أزيحه ودي بركة ربنا اللي هتصاحبني وين ما كنت عشان بدافع عن المظلوم وبجيب حقه من الظالم مهما كان مين وسلطته ايه."
وتابعت سيرها بخطوات ثابتة، وتركت خلفها رجلاً مهددًا بالانطفاء أمام امرأة قررت أن تضيء الطريق بعد طول عتمة.
*******
كان يجلس على تخته وبيده سيجاره الذي ينفث به بشراهة وكأنه ينفث به وحدته ويلعنها. منذ شهرين لم يلتقي بسكونه كزوج وزوجة وهذا حالهم من وقت وضعها لأولاده. المسافة بينهما تبتعد رويداً رويداً.
أربع سنوات وهو يلتقي بها كل عدة شهور مرة. في العامين الأولين لأطفالهم كان يساعدها ولم يتركها وحدها تعاني معهم، يسهر معها الليالي، يداعب الأطفال ويخفف عنها حملهم كثيراً بمحبة وقلب صادق دون ان يلزمها بأي شيء تجاهه وأي واجبات وحقوق له عليها. فـتلك الفترة كانت صعبة للغاية لكليهما.
ولكن بعد مرور العامين والأطفال قد كبروا قليلاً بدأ يشعر بالحنين إليها وبأن مسؤولية الأطفال هدات عن ذي قبل ولو بنسبة قليلة. ولكن ما زالت "سكونــه" تنغمر مع أطفالها متغافلة عن أن لديها ابن أكبر يعشقها حتى النخاع، يتنفس بعطرها يعيش على أمل أحضانها.
كان ممسكاً بالهاتف بإحدى يديه واليد الأخرى ينفث بها سيجاره وقد أتى أمامه مقطعاً رومانسياً من إحدى المسلسلات فألقى الهاتف جانباً وأسند برأسه على التخت يتذكر كم قضى من السنوات والليالي هو وسكونه يبث كل منهما الآخر عشقه بطريقة لا توصف ولم تكن موجودة. ومن رآهم ورأى عشقهم قبل ذاك يقسم انه لم يرى عاشقين كمثلهم.
وحين التقاها صدفة في الممر وقد خرجت من غرفة الأولاد متجهة إلى الحمام، شعر أن نبض قلبه قد عاد فجأة إلى الحياة. لم يتردد لحظة واحدة، بل تحرك كمن وجد ماء الحياة بعد عطش مرير. اقترب منها بخطوات سريعة، التقط ذراعها بيده المرتعشة، وسحبها برفق ممزوج بالإصرار نحو الغرفة. لم يترك لها مجالًا للفهم أو الرفض. وما إن أدخلها حتى أوصد الباب خلفه وألقى المفتاح بعيدًا، وكأن هذا اللقاء بالنسبة له حياة أو موت.
ثم حاصرها بين الباب وصدره، بين الجدار وحنينه العاصف، عينيه تغوصان في تفاصيل وجهها، يده تتشبث بكتفيها كمن يخشى أن تستحيل سرابًا فهتف بلهفة ولوعة:
"متوحشتكيش يا "سكون" حضن "عمرانـك" اللي انتي بَعيدة عنيه من شهرين وزيادة ماشتقتيش ليه؟ اني محتاجك يا سكون جاري اني خلاص تعبت من حياتنا داي وعاتبتك كَتير ومفيش مرة عتابي أثر فيكي ولا رجلك جابتك حداي وقالت لك اجري لحضن "عمران" ولا هتحسسيني اني وجودي وحضني فارق وياكي."
اشتعلت أنفاسه وهو يهمس بتلك الكلمات، وكل كلمة تنبع من عمق جرح، من ألم رجل عاشق تمزقه الحياة برفق، يشعر أنه لم يعد يُرى في عيني زوجته، لم يعد يُحس بها رغم قربها الجسدي. صوته كان متكسّرًا، يحمل انكسارًا لم يعتده منها ولا في ذاته. عينيه تغرقان في عتاب صامت قبل أن تنطق شفتاه بما عاتبها به.
ولكن هي بررت موقفها وهي تشعر بالخزي من حالها:
"معلَش يا "عمران" اني عارفة ان اني مقصرة وياك قوي وعارفة كمان ان المفروض تزعل مني بس الولاد تلاتة مسؤوليتهم جامدة قوي علي واني مش عايزة اقصر معاهم. مش عايزة اكون أم وحشة وما تاخدش بالها من عيالها وأكيد انت فاهم قصدي وفاهم تعبي ومقدر."
انخفضت نبرتها، وكأن قلبها أدرك فجأة وجعه، عينيها امتلأتا بنظرات رجاء. تعلم أن كلماتها لن تكون شافية، لكنها تحاول أن تبرر، أن تقول له بأنها ما زالت تحبه ولكن الأمومة اجتاحتها كما يجتاح الطوفان كل شيء جميل. يديها متشابكتان أمام صدرها كمن يقف في محكمة الحب ينتظر حكم الغفران.
ولكنه حزن من أجل ردها ذلك وأكمل عتابه معها وبالتحديد حينما رأى نظرتها المتعلقة بينه وبين الباب الذي أغلقه:
"يعني حتى وانتي معاي نظرتك متعلِقة بباب العيال حتى واني هقول لك اني توحشتك كَتير يكون كلامك عن العيال. اني تعبت يا "سكون". طب اعتبريني من وقتك زي ما هتوقفي في المطبخ تطبخي ليهم أو اعتبريني عيل رابع هتعتني بيه من ولادك وياخد من وقتك. مش عايز أحس ان اني بقيت وحيد ومراتي جنبي، مش عايز احس ان اني مش من حقي حتى اشتاقك."
ارتجف صوته بين أحضانهما المتقاربة، كان كلامه كالمطر حين يسقط فوق أرض عطشى. رجفة الاشتياق التي تسكن كل حرف تخرج من بين شفتيه. جسده يفيض رغبةً وحنينًا إلى تلك المرأة التي كانت يومًا لا تفارقه لحظة. كيف له أن يتحمّل هذا الجفاء وقد كان يومًا أنفاسها وهواؤها. وهي شعرت بذلك فوضعت يدها على شفتيه وهي تؤكد له بعشق جارف لايقل عن عشقه لها:
"وه! انت عارف زين ان كيف "سكون" هتِعشِق "عمرانها" كيف هتتنفسه وكيف هتتمني رضاه؟ بس اني كنت محرومة من إحساس الأمومة سنين وسنين وربنا وضع في قلبي محبتهم وعلقني بيهم وخلاني مقدراش أفوتهم وحدهم. إحساس الأمومة غالب على قلبي وعقلي ومخليني عايزة أشوفهم قدامي علطول ولو غابو عن عيني هبقى حاسة إني هموت على شوفتهم. الإحساس دي والله غصب عني يا "عمران" مليش يد فيه دي ربنا اللي هيوضع في قلبي الحاجات داي ناحيتهم."
امتلأت كلماتها بشجن عميق وندم خفي، لم تكن تتهرب منه، بل كانت تشرح ألمًا آخر يسكنها، ألمٌ لا يُرى في عيني امرأة أحبت ولم تَعُد تملك وقتًا للحب. أرادت أن تطمئنه، أن تخبره أنها ما زالت له، لكن قلب الأم الذي وُهب لها بعد حرمان، كان أقوى مما تظن. كانت تراه لكنها لم تعرف كيف ترتمي بين ذراعيه من جديد.
ولكنه شعر بوخزة في قلبه من أعذارها فعذرها بالنسبة له اقبح من ذنبها ويبدوا أن تلك الليلة هي ليلة ملامات العمران لسكونه:
"يعني أفهم من كلامك دي انك استغنيتي عن حضني ولمستي ليكي وانك تكوني ليا زوجة وسكن واني معادش من حقي أطلب حضنك ولا أطلب انك تكوني معاي بولادك يا أم "سَليم"."
أراد أن يصرخ بوجه الحياة التي خطـ.ـفت زوجته منه، لكنه لم يفعل، صوته خرج هادئًا لكنه دامٍ، كأن كل خيبة داخله تحولت إلى نصلٍ يغرسه في صدره ببطء. نادّاها بأم "سَليم" لأول مرة، وهو يعلم أن ذلك الاسم الذي كان يفترض أن يكون شرفًا لها هو الآن سياجًا يفصلها عنه. عينيه لا تفارقان ملامحها، يبحث فيهما عن العاشقة التي كانت تهيم به كما يَهيم القمر بوجه الحبيبة:
"لاااااه يا "عمران" لااااه. حضنك بالنسبة لي كل حاجة في الدنيا. حضنك حضن الأمان والراحة والحب والسكينة لـ"سكون". وبعدين أول مرة تناديني بأم "سَليم" عمرك ما كنت هتناديني غير بسكوني. هو انت مهتحبنيش زي الاول يا "عمران"؟"
كانت تتوسل إليه بعينيها قبل لسانها، يداها امتدت إليه بخجل، كلماتها خرجت كأنها نغمة ناعمة وسط صخب العتاب. هي لا تنكر شوقها، لا تنكر اشتياقها، لكنها تُغالب قلبًا تمزقه المسؤوليات، وكلما حاول أن يتقرب منها شدّها واقع الأمومة بعيدًا عنه. لكنها الآن أمامه، ضعيفة ومشتاقة، ترجو منه أن لا يبتعد عنها وهي على وشك أن تعود:
"ناديتك بأم "سَليم" علشان حسيت انهم بقوا كل حاجة ليكي، وأهم حاجة عنديكي دلوك، حسيت ان اني بشحتك يا "سكون" لـحضني، في حاجة أكتر من اكده؟"
كان كمن يعترف لأول مرة، كمن يقف عاري القلب أمامها، كل رجولته، كل كبريائه، تبخروا أمام حبيبته. كلماته خرجت بانكسار شديد، نبرة صوته تراجعت تحت وطأة العتاب المكلوم، وأطرافه تتوسل نظرة دفء تعيده إلى حياة كانت يومًا مأواه.
وهي ما زالت تؤكد له مراراً وتكراراً:
"لااااه يا "عمران" لااااه. انت حبيبي وروحي وعيني. قلبي اللي بينبض بدقاته ليك. عمري كلاته وسكون هتعشق عمرانها. انت دليل وعنوان السكون يا عمران ولو تاه دليلي أو بعد عني هموت."
تخطت خطوة نحوه، وعيناها تغوص في بحره الممتلئ وجعًا، يداها امتدتا إليه بلا تردد هذه المرة، وضعت أناملها المرتجفة فوق شفتيه المرتعشتين، وابتسامة ممزوجة بالشوق والندم انسكبت من عينيها، تقرأ في قسمات وجهه اشتياقًا ما عادت تقوى على صده، وتهمس له بأن "سكون" عادت إلى حضن "عمران" الذي لم يبرح قلبها يومًا.
ونطق هو متلهفاً:
"لاااه بعد الشر عنيكي يا نبض القلب وسكنه اني مهقدرش اعيش من غيرك. تصدقي لمسة يدك لشفايف عمران كانت وحشاني. ودلوك أني عايزك وحضني مشتاقك وروحي وقلبي ملهوفين عليكي."
وحين أنهى كلماته الأخيرة، كانت "سكون" قد ذابت تمامًا بين ذراعيه، تتوسل من عينيه الصفح، ومن قلبه البقاء، وكل خلية في جسدها ترتعش بالشوق إليه، كأنها وجدت نفسها بعد طول ضياع في المكان الوحيد الذي يليق بها، في حضن "عمران". كان يبثها اشتياقه بعاصفة اقتراب كما لم تكن من قبل وهي كذلك، أعطته أحضانها وسكنته عشقها أمناً وسلاماً حتى أبردت نيـ.ـران عشقه، حتى نال جـ.ـسده من الاشتياق لها ما جعله هدأ تجاهها من ابتعادها.
كانت عدة ساعات معدودة بينهم قضوها مابين العتاب والاقتراب والحنين والاشتياق. وبعدها غادرت "سكون" الغرفة كالمعتاد وذهبت تنام في أحضان أبنائها.
لم يكن "عمران" بحاجة إلى أن يلتفت، فحين غابت عن فراشه بعد أن كانت بين ذراعيه منذ لحظات، عرف أنها عادت إلى حيث اعتادت الرحيل، تركت سكينته معلقة في الهواء وانسلت بهدوء إلى غرفة الأطفال، وكأن دفء صدره لا يسعها، أو كأنها تحنّ إلى هدوء آخر لا يكون معه.
لكنه لم يتحرك، ظل في مكانه ساكن الجسد مضطرب الروح، يتقلب بين غطاء الوحدة وشراشف اللهفة التي ما برحت تحت جلده. في عينيه نظرة فارغة كأنها تحمل كل شيء، وفي صدره صوت مكتوم يناديها ولا يُنطَق. تمدد على الفراش كجسد نُسي في عاصفة، وكل جزء فيه يفتقدها حتى أطراف أصابعه. كان معتادًا على هذا الغياب رغم قربها، معتادًا أن يظل وحده في الليالي التي يفترض أن تكون دفئًا وسكنًا، لكنها تغيب كعادتها وتمنحه نصف اللقاء ثم ترحل كأنما لا يعنيها الاحتياج.
تحسس مكانها الخالي في السرير، لم يكن بارداً بعد، لا زال يحمل رائحتها الدافئة التي تدغدغ وجدانه كلما اقترب منها ثم ابتعدت. همس لنفسه بكلمات لم يسمعها أحد، كأنما يتوسل لظلها أن يعود، أو ربما يتحدث إلى وهمها المتبقي على الوسادة. كان يعشق فيها كل شيء حتى غيابها، لكنه سئم أن يكون الوطن الذي لا تسكنه.
حرك يده في الهواء كأنه يطارد خيطاً من دفء قد تسلل قبل قليل، ثم أغمض عينيه بقهر صامت، يتنفس شوقاً لا ينتهي. كم تمنّى لو التفتت إليه قبل أن تنهض، كم تمنى أن تسأله عما به، أن تقرأ عينيه قبل أن تقرأ وجوه أولادهم النائمين. لكنه يعلم أنها ستعود، في الغد أو بعد أسبوع أو حين يدفعه الاشتياق ليلمس روحها بالكلام.
تقلّب على جنبه الآخر، كأنما يهرب من واقعه داخل السرير إلى واقع أشد قسوة في اللا شيء، كأنه يود لو تباغته وتعود، أن تدخل عليه دون صوت وتضع يدها فوق قلبه لا فوق وسادتها. لكنه يعرف أنها لن تفعل، ليست الليلة، وربما ليست قريباً، فحياتها معه صارت مشواراً متقطع الأنفاس، يصلان فيه ويتباعدان، ثم يلتقيان عند الحافة ويبتعدان من جديد.
أغمض عينيه ولم ينم، ولم يحاول، بل ترك لعقله باب السهر مفتوحاً، يستعيد صوتها ولمساتها وارتجافة كتفيها حين كانت بين يديه منذ قليل، كأن اللحظة لم تكن إلا سراباً جميلاً ثم اندثر. لم يكن في قلبه لوم لها، كان فقط يشتاقها، يشتاقها بكامل صمته وضعفه وحنينه ووجعه الذي لا يسمع له أحد سوى الليل.
رواية من نبض الوجع عشت غرامي الفصل الثاني 2 - بقلم فاطيما يوسف
مالك يا "عمران" يا ولدي شايفاك حيران وتايه على طول ووشك الضحكة ما عادتش تزوره واصل، مالك يا ولدي فضفض لامك؟
تنهد "عمران" بحسرةٍ موجعة، وحرقةٍ دفينة، وكأن قلبه مثقل بجبالٍ من الهموم. يحمل خيبته في صدره كرجلٍ استُنزفت منه الحياة، يرى شبابه يتسرب من بين يديه، وعشقه لزوجته ينهار أمام عينيه دون أن تستطيع حتى رؤيته. حتى والدته التقطت إشارات البؤس المرتسمة على وجهه، من نظرات عينيه المليئة بالخذلان. بينما زوجته لا تهبه سوى نظرة أو ابتسامة يتيمة كل حين. يقضي ليلة يتحايل عليها فقط لينال لحظة قرب، ثم ترحل عنه في هدوء. وها هو يُنكر حزنه، يطوي قلبه الجريح ليرد على أمه بصوتٍ مجهد:
لا يا أمي ما تقلقيش، بخير وزين. الحكاية كلها إن الشغل تاعبني شوي، وكمان الفَرسات شكلهم جايلهم دور شديد من اللي هيمشي اليومين دول، وحالهم يصعب على الكافر. وآديني استدعيت "محمد" صاحبي، هيشوف لي دكتور كويس بيطري من اللي يعرِفهم ياجي يطمَني عليهم.
ربتت والدته على ظهره بحنانٍ يشوبه القلق، تقرأ حزنه ككتاب مفتوح. تعلم أن ابنها لم يعد سعيدًا بزواجه، مذ انشغلت زوجته بالأولاد وغيّبته عن أولوياتها. لكنها رغم معرفتها للسبب آثرت ألا تتدخل في ما بينه وبين زوجته، خشية أن تزيد جراحه نزفًا:
طب يا ولدي، الدور دي ما هيخفش من مرة واحدة، لازمهم دكتور يعاينهم و ياخد باله منيهم علشان يشفوا من الحُمى. أنت عارف إنها هتقعد حداهم بالشهور، وكمان الفرسات عددهم زاد ما شاء الله، وعشان اكده لازمهم داكتور يراعيهم على طول، وما يهملهمش واصل.
طمأنها "عمران" بصوتٍ خافت، بينما هو يتناول فنجان القهوة بلا رغبة، فكل تفاصيل حياته باتت تُؤدى دون شغف، كأن النبض قد غادره مذ ابتعدت عنه زوجته:
ما هو دي اللي هيوحصل يا أمي، "محمد" هيجيب الداكتور، وزمانهم جايين في الطريق. واتفق معاه إنه هيقعد معانا في الاستراحة، ويوبقى يروح إجازاته كل أسبوع لو حب. هو قال لي إنه مش متجوَز، زمانهم على وصول دلوك.
هزّت رأسها بتفهمٍ وهي ترى أن جفاف ردوده لم يأتِ من فراغ، بل من زواجٍ فقد طراوته. ولكن حاولت طمئنته بحنو:
زين يا ولدي، ربنا يكتب لك الخير، ويبعد عن فرساتك كل شر. أنت هتحبهم وهتراعيهم كيف ولادك، وعمرك ما هملت فيهم واصل، وعلشان اكده، ربك ما هيضركش فيهم ابدا اطمَن يا ولدي.
وافقها بصمت، وقبل أن يستطردا دخل الغفير من الخارج لينادي بلهفة:
يا "عمران" بيه، يا "عمران" بيه، الدكتور "محمد" وصل، ومعاه الداكتورة البيطرية اللي هتكشف على الأحصنة.
جاء رد فعل "عمران" وأمه سريعًا، وقد علت على وجهَيهما علامات الدهشة:
داكتورة؟! كيف يعني؟ يا واد، اللي جاي معاه الدكتور دي راجل مش ست؟!
دخل "محمد" يبتسم وهو يلقي السلام ثم التفت إلى "عمران" متهكمًا:
والله اللي لقيته قدامي ممتاز، وكل أصحابي شكروا فيها وقالوا إن دي المتخصصة الوحيدة في علاج الحُمى عند الأحصنة، لأنها أصلاً رسالة الدكتوراة بتاعتها كانت عن اكده، فما تقعدش تلوي بوزك وتعمل لي حوارات. احمد ربنا إني لقيت حد يقعد عنديك في الاستراحة ويشتِغل معاك، كلهم متجوَزين ومش قادرين يسيبوا بيوتهم، هي الحمد لله، لا متجوَزة ولا حداها عيال هيقرفونا كل شوي.
لَوَى "عمران" شفتيه بضيق، فبادرت والدته بالترحيب:
يا أهلاً يا ولدي، أنت وضيوفك تنوروا وتشرفوا، على راسنا من فوق. أمال هي فين الدكتورة، وديتها فين؟
أجاب "محمد" ضاحكًا:
وديتها الاستراحة، على ما أشوف رأي الأستاذ "عمران" اللي واخدني وش اكده على طول، مش كفاية إنه مرمطني معاه في حواراته اللي ما هتنتهيش، وفي الآخر، لا رحّب ولا جاب لي قهوة، ودماغي هتنفجر من جواها، يرضيكي اكده يا حاجة؟
ضـ.ـربت "زينب" على صدرها استنكارًا:
في دي عنديك حق يا ولدي، المفروض كنا نقول اتفضل الاول، وأني هقوم أعمل لك القهوة بنفسي، وبعدين ما انتاش غريب يا "محمد" يا ولدي، أنت صاحب مكان.
ثم نظرت إلى ابنها تسأله:
ولا تحب يا ولدي أعمل القهوة ليكم أنتم التلاتة، وأجيبها لكم بره، علشان الضيفة ما ينفعش تقعد لوحدها، اكده هتقول علينا إيه؟
نهض "عمران" من مجلسه موافقًا:
عِندك حق يا أمي، إحنا هنخرج بره للداكتورة، وإنتي اعملي القهوة وهاتيها لنا، وتسلم يدك يا ست الكل.
سبقهم "محمد"، وقبل أن يتحرك "عمران"، اقترب منه "محروس" الغفير، وهمس بنبرة مشاغبة وعينين زائغتين:
جهز نفسك يا "عمران" بيه، ده أنت خارج على صاروخ أرض جو، حتة داكتورة كأنها نازلة من الجنة، كأنها كانت عايشة مع الحور العين، الله يعينك على اللي هتشوفه.
اتسعت عينا "عِمران" من كلامه، وهاجمه بنظراته قبل أن يوبخه:
وه اتحشم يا "محروس" يا أبو عقل مفوت، حور عين مين وصاروخ إيه؟ اتجننت إياك في عقلك من كتر ما بتتفرج على الفيديوهات على البنتَّة في المحمول بتاعك المخروب، دي هتفكِر كل الناس زيك؟ امشي يلا روح على الفرسات شوفهم عطشانين جعانين، واللي تعبان فيهم تاجي تبلغني على اللي فيه طوالي.
خرج "عمران" ليقابل "محمد" والدكتورة، وتلقائيا نظر من بعيد لمحها، ترتدي بليزر أبيض فوق بيزيك أزرق، وربطت حجابها للخلف، ينسدل من تحتها خصلتان ناعمتان من شعرها. لمح ملامحها، فوجد فيها جمالًا لا يخطئه القلب، وتذكر كلام "محروس" عنها، فاستغفر ربه، وواصل السير نحوهم، يلقي السلام بصوته الوقور:
السلام عليكم ورحمة الله، نورتي بيتنا يا داكتورة، إن شاء الله تكوني مرتاحة اهِنه في بلدنا.
ردت بهدوء، وعينيها تمشط المكان دون أن تلتقي بعينيه:
وعليكم السلام ورحمة الله، البيت منور بأصحابه يا باشمهندس، الحمد لله، كل أماكن ربنا حلوة.
بادر "محمد" بالتعريف بينهما:
دي الدكتورة "نور جمال القاضي"، دكتورة مصرية، عندها 30 سنة، وجت اهنه قنا من سنتين، اشتغلت في العيادة البيطرية في الوحدة الصحية، وفتحت شقة بسيطة بتستقبل فيها الحالات، وما بتعزش نفسها عن حد واصل.
ثم أشار إلى "عِمران" معرفًا به:
وده الباشمهندس "عمران"، المكان ده ملكه، والمزرعة اللي فيها الأحصنة ملكه، وتقريبًا جالهم الحمى زي ما شرحت لك، وكمان هو عايز يعينك المسؤولة عن المزرعة ورعاية الأحصنة، وهيديكي اللي انتي عايزاه، وطبعًا مكان المبيت موجود، وانتي اهنه في بيت الكرم، بيت الحاج "سلطان" والحاجة "زينب"، ناس عمرِك ما هتلاقي زيهم واصل.
خرجت "زينب" بالقهوة، وأبصرت "نور" لأول مرة، فانبهر قلبها بجمالها، ثم نظرت نحو غرفة "سكون" وأولادها، وتنازعها القلق، فالجمال الطاغي القادم إليهم اليوم لا يبشِّر بالسكينة. وقدّمت القهوة، وتحدثت مع "نور" قليلًا، فوجدت فيها أنوثةً ودلالًا وأدبًا. لم ترفع عينيها لا على ابنها ولا على "محمد"، لكن القلق تسلل إلى قلبها، وقررت أن تنصح قبل أن يقع المحظور، فيما كانت "نور" تستعد لجولة تفقدية، ورافقها "عمران" و"محمد" لتفقد المزرعة.
خرجت "رحمة" من بوابة المحكمة وسط هدير الصحافة وعدسات التصوير التي لاحقتها حتى وصلت إلى الرصيف المقابل، حيث كان "ماهر" واقفًا، بذراعين متشابكتين وصدرٍ يعلو ويهبط كأنما يتنفس نـ.ـارًا لا هواء. وجهه متجهم كسماءٍ على وشك الانـ.ـفجار، وعيناه تتقدان بعاصفةٍ من الغيرة والغضب والخوف في آن. لم يتحرك نحوها، بل ظل ينظر إليها بصمتٍ مشحون، كأنما يلومها بصدره قبل لسانه.
أما هي، فما إن رأته حتى توقفت خطواتها للحظة، لم تبتسم، لكنها لم تتراجع، بل تقدمت نحوه بخطى ثابتة، وكأنها ذاهبة إلى امتحانٍ أخير لا تخشى نتائجه. فهي اعتادت على خناقه وغيرته العمياء وتحكمه بها دوماً.
اقتربت منه حتى أصبحت أمامه تمامًا، مسحت بأناملها على حجابها، ثم نظرت إليه نظرة الواثقة التي لا تعتذر عمّا فعلته، لكنها تفهم تمامًا كم أثّر ذلك عليه. كأنما أرادت أن تسبق كلماته بما لا يُقال.
لكن "ماهر" لم يصبر، نطق أخيرًا، وكان صوته كجمرٍ مشتعلة تحت جليد الكلمات:
يعني اكده بردو يا "رحمة"؟ تنزلي القضية دي من ورايا؟ وتروحي المحكمة وتدخلي وسط تهديدات ومعارك من غير ما تسيبي لي حتى خبر؟ هو أنا بقى مليش كلام عليكي يا هانم مع اني محذرك ومنبه عليكي ترفضي القضية داي إنتي مش قد الناس دي ولا قد دمارهم ولا الخراب اللي هيحصل لنا من وراهم.
كلماته خرجت مخنوقة بالوجع و الغضب وهو يضع ابنته أمام عينيه. فهو منذ ان أتت إلى الدنيا وأنارت قلبه بات قلبه يخاف عليها بشدة ويخاف من اي ظروف تجعلها في خطر. فــخط المحاكم ضغيف أمام ابنته بشدة.
كان قلبه يعتب أكثر مما يثور، عيناه كانت تتفحص وجهها بغضب شديد بسبب عصيانها لأوامره معها. ولكنها دوما شرسة ولن تستكين ابدا.
ثم أحنت "رحمة" رأسها قليلاً، ورفعت عينيها في وجهه بثبات، لم تهرب من المواجهة، ولم تلِن ملامحها، بل حملت له ما يكفي من الكبرياء والحب في آنٍ واحد وهي تتشبس برأيها ولم تهتز لغضبه. ولكن نبرتها كانت هادئة فهي ذكية جداً في معاملة ماهرها:
مش اكده يا "ماهر" بس أني ما عرفتش أبلغك علشان عارفاك كنت هتمنعني، وأني ما كنش ينفع أرجع لورا، مش بعد ما وصلت للحقيقة وبراءة المظلوم هسيبه ينعدم. اني في مدرسة خط المحاكم متعوَدتش على اكده وواصل ولا ايه؟
ابتعد "ماهر" خطوة إلى الوراء، كأنما كلمتها دفعته، تشتعل في داخله نـ.ـار لم تهدأ، نـ.ـار الغيرة والخوف والفقد في لحظة واحدة:
وانتي شايفة إني لما أمنعك أبقى ضدك؟ أني كنت عايز أحميكِ يا "رحمة" من ناس مش بتهزر، ناس ممكن يئذوكي بجد مش كلام تهديد وخلاص. اني خايف عليكي لكن حضرتك مش في دماغك ويولـ.ـع "ماهر" على اللي جابوه بسبب عنادك وفتحة صدرك دي لأي تيار مهما كانت قوته.
وأكمل بغضب شديد وهو يهدر بها بحدة وقد سحبها من يدها وأدخلها سيارتهم بحدة أرعبتها قليلاً ولكنها لم تظهر ذلك:
انتِ ازاي اصلا اقول لك ما تعمليش حاجة وتروحي تعمليها؟ ازاي امنعك عن قضية وتروحي تشتغلي عليها؟ ما اني قلت لك ابعتي لي ملفات القضية لو ضميرك ناقح عليكِ قوي واني هشتِغل عليها بنفسي. عملت لي فيها الشجاعة اللي محدش زيها وقلتي لي ما لـقيصر لقيصر وما للروم للروم! وساعتها نبهت عليكي بسبب انك مش بتسمعي الكلام انك ما تدخليش القضية داي وبرده استغليتي سفري ورحتي اشتغلتي عليها من ورايا. والله يا "رحمة" ما هفوتها لك.
اقتربت منه خطوة، وحدقت في وجهه بقوة كأنها ترسل إليه كل ما لم تقله بعد، ثم رفعت كفها وكادت تضعه على صدره، لكنها توقفت وقالت:
وأني شايفة إنك لو بتحبني لازم تثق فيا، تثق إني أقدر أواجه، إني ما بخافش ولا بنكسر. ولو كل مرة خوفتك من الوجع خلتك توقفني، عمري ما هحقق اللي أني داخلاه بكل دمي وقلبي ولولا فتحة صدري ما بقيت "رحمة سلطان ديفا المحاكم".
شدّ "ماهر" قبضتيه بجانب جسده، من غضبه منها، وعجزه أيضاً عن السيطرة على قلبه الذي يرتجف خوفًا عليها، من حبه الذي يشتعل فيها حتى يكاد يـ.ـحرقه:
أني مش قادر أتخيلك في خطر يا "رحمة"، ولا قادر أتحمل فكرة إن حد يهددك حتى بكلمة. انتي مراتي، وحياتي، ولو اتأذيتِ والله ماهنعرِف نعيش لا اني ولا بنتك. إنتي ازاي مش حطاها في اعتبارك وكانها هوا بالنسبة لك؟
واسترسل بعيناي يملؤها الحزن وهو يقترب منها ويضع جبينه على جبينها ويديها تتمسك برقبتها من الخلف بعنـ.ـف وشفاه تلفح وجنتها تارة وجبينها تارة. وهو يتذكر حياته السابقة قبلها وما حدث له بسبب عناد زوجته معه:
يا "رحمة" اسمعي كلامي اني خايف عليكي وعلى حياتنا وبنتنا. الشغلانة داي خطر وانتي داخلاها عند وتحدي قبل ما يكون نجاح. مش هتحمَل يحصل لكم حاجه انا فقدت قبل اكده أعز ماليا بسبب عنادها. ارجوكِ انتي كمان ما تعانديش لو حصل لبنتنا حاجة بسبب عنادك عمري ما هقدر اسامحك.
نظرت إليه، بعينين تشعان بحنان لم تنساه الأيام ولا الحروب، وابتسمت ابتسامة شاحبة وهي تحاول ان تطمئنه بمكر ودهاء أنثوى كي يهدأ من ثورته:
طيب يا "ماهر" اسمع، أني لما قبلت أتجوزك ما قبلتش أكون ست ضعيفة تقعد في البيت وتستخبى. أني اخترتك علشان نكمل مع بعض، مش علشان تمنعني. أني محتاجاك في ضهري مش قدامي كحاجز. وبنتنا مالها ما هي زي الفل ومحدش يقدر يمسها واصل. واني هخاف عليها زيك بالظبط ويمكن اكتر أني أمها.
وأكملت بعتاب ممزوج بغيرة عنيـ.ــفة وهي تلكمه على صدره بقبضة يديها الصغيرة:
وبعدين متجيبش بعد اكده سيرة المرحومة يا إما هزعل منك. متتحسينيش انك لسه هتموت عليها وعلى فراقها اكده بتخليني أقيد نـ.ـار من جوايا يا "ماهر" ونـ.ـار غيرتي مهتتحملهاش واصل يابن الناس.
اقترب منها فجأة، دون وعي، وضع إصبعه على شفتيها وكأنما يختبر أمانها بجسده، وقال بصوت خفيض مرتعش لامرأته التي يعشقها بجنون وهو يجعلها تنظر لعينيه وجبهته مازالت ملتصقة بجبهتها:
لو في قلبي عاصفة فدي بسببك، انتي بتغيري فيا حاجات كَتير. أني طول عمري بعرِف أواجه أي خصم إلا خصم جوايا بيقول لي إنك ممكن تتأذي في لحظة وأنا مش جنبك. أني هحبك وهخاف عليكي يا "رحمة" افهمي بقي اني أدرى منك بالعالم دي.
رفعت "رحمة" يدها ببطء، وضعتها على وجهه، مسحت بها على جبينه برفق كأنها تروي شقوق روحه، وقالت بصوت مفعم بالثقة:
أني مش هتأذي طول ما انت جنبي، بس خليك جنبي سند مش مانع، خليك السـ.ـلاح اللي بحمي نفسي بيه مش القيد اللي بيمنعني أتحرك. انت بالنسبة لي الحصن الحصين من اي أعداء. أنا بتحامى في حضنك قبل اسمك يا "ماهر".
نظر إليها "ماهر" مطولًا، ثم أطلق تنهيدة طويلة كأنها أخرجت من صدره حجرًا ثقيلًا، وغمغم:
أني هغير عليكي بجنون يا "رحمة"، وأكتر حاجة بتقتـ.ـلني فكرة إنك تتأذي وأني ساكت. فكرة إن راجل يقف قدامك اصلا ويوجه ليكي كلام وتهديد بتمـ.ـوتني من جواي بالبطئ.
ابتسمت، واقتربت أكثر، وهمست له بنعومة وهي تقبله جانب شفتيه:
طيب ما تبقاش ساكت، بس خليك واعي، خلي عينك وقلبك يحكمو ليا بالنجاح اللي وصلت له في الفترة القليلة داي. وأني هعرِف كيف أحافظ على نفسي وبلاش تقلق علي قووي اكده.
لحظة صمت جمعت بينهما، صمت فيه كل الكلام، وكل الغضب، وكل الخوف، ليبقى فقط ما بين نظراتهم، تعاهد صامت على الاستمرار، وعلى الوقوف معًا، لا فوق بعض.
ثم أمسكت بيده، وسحبته برفق قائلة بدلال ونعومة وكأنها تعزف على غضبه بألحان الأنثى الناعمة التي يحتاجها الرجل في ذاك الوقت:
تعالى، روحنا محتاجة تهدى، وأني محتاجة أشرب قهوتي معاك من غير لا قضايا ولا عراك وانسى يا روحي الحوار دي.
وأكملت وهي تقبله جانب شفتيه مرة أخرى وهمست في أذنه بدلال ونعومة جعلته يبتلع ريقه بصعوبة من دلالها وهمسها فحقا ذكية وماهرة بل داهية كبيرة تلك الصغيرة الماكرة ففي لحظة أبدلت غضبه لصالحها:
وبعدين انت وحشتني قووي غايب عن رحمتك بقى لك أسبوع ونفسي قوي في حضنك اللي بحس جواه إني طفلة جوة حضن أمانها وغرامها. اني كمان هحبك وهعشقك ياقلب "رحمة".
ومضيا سويًا، وخلفهما الليل بدأ يلملم وشاحه، بينما بين أيديهما خيطٌ دافئ، يُخيط الشرخ الذي أحدثته المعركة، ويرسم بداية لمعركةجديدة فيها، لا في مواجهة بعض، بل في صفٍ واحد. وقد أدارت الديفا اللعبة بخيوط من الدهاء مع ذاك الشرس العنيد بكل مهارة وفازت هي بتلك الجولة وأُضيفت إلى جولاتها مع ذاك الخط. فهما خصمان لا يلينان، كلٌّ منهما يملك صلابة لا تُقهر، وشرارة لا تنطفئ. هو الشرس الغيور الذي لا يهدأ له بال حتى ينتصر، يطارد الحقيقة كمن يطارد ضوءًا في العتمة. وهي العنيدة القوية، لا تنحني أمام الرياح، ولا تخشى الوقوف وحدها في وجه العاصفة. تصطدم أرواحهما كما تصطدم الأمواج بالصخور، وكل منهما لا يعرف سوى لغة التحدي والبقاء.
بعد مرور شهرين على تلك الأحداث في منزل "سلطان". لم تكن جلسة "زينب" اليوم أمام "سكون" جلسة اعتيادية تحمل طابع الحماة وزوجة ابنها المألوفة، بل كان في خطواتها ما يشبه الحِمل الثقيل الذي اختزنته في صدرها طويلًا، حتى آن الأوان لتطرقه بحذرٍ لا يُخفي قلقًا دفينًا.
جلست "زينب" على الأريكة القريبة من النافذة، تُقلّب نظرها في ملامح "سكون"، تلك التي لم تعد كما كانت في بدايات الزواج، وراحت تفتح الحديث بنبرة أم لا تزال تحمل بعض الحنان رغم ما تحمله من ملامح اللوم:
كيفك يا "سكون" يا بتي طمنيني عنك وكيف الولد عاملين ايه وياكي تاعبينك اكيد وانتِ ما رايداش حد يتدخل في رعايتهم غيرك؟
تبادلت "سكون" معها النظرة بابتسامة هادئة متماسكة، تتكئ على قدرٍ من التعب الممزوج بالرضا. نظرت إلى أطفالها وهم يتقافزون حولها، ثم التفتت بهدوء إلى حماتها، وأجابت بحنو:
الحمد لله يا ماما الحاجة الأولاد بخير زي ما انتِ شايفة اهم قاعدين حواليكي وصحتهم كويسة الحمد لله وبعدين احنا بنقعد وياك طول النهار وبنطلع يا دوب على الليل.
تأملت "زينب" الإجابة بعينين لا يسكتهما الظاهر، كانت تنظر أبعد من الكلمات، تفتّش في نبرة الصوت عن تلك الشرارة التي بدأت في الاختفاء، ثم قالت بجديّة فيها كثير من الأمومة وقليل من الصبر:
باختصار اكده احوالك مش عجباني يا "سكون" يا بتي انتِ كيف "حبيبة" و"رحمة" بناتي يوم ما هيعملوا حاجة غلط او الدنيا تلهيهم عن اللي ليهم واللي عليهم هنصحهم وهرجعهم عن غلطهم. اني كنت ساكتة وما رايداش اتدخل في اللي ما يخصنيش لكن الحال ما يسرش ابدا.
لم تستوعب "سكون" بعد حجم ما يُقال، إذ أن صوت "زينب" بدا كأنه يحمل عتابًا مفاجئًا غير مألوف، فارتسمت علامات الاستفهام على ملامحها، وردّت متسائلة، وفي صوتها لهجة مستغربة لا تخلو من الحذر:
في ايه بس يا ماما الحاجة ايه اللي حوصل لدي كلاته؟ اني شايفه ان الدنيا تمام ومفيش مشاكل ولا حاجة واصل علشان تشيلي نفسك الهم من تلاي.
لكن "زينب" لم تكن تتحدث من فراغ أو شكوك عابرة، بل من خوف ناضج ترسّب في قلبها من خلال مراقبة طويلة، فألقت كلماتها التالية بثقل امرأة تعرف ما تقوله وتعرف إلى أين يمكن أن تصل الأمور:
يووه يا بتي للدرجة دي الغشاوة عامية عينيكي يا بتي، حابي على طيرك في عشك لا يهملك ويطير لغيرك، حابي على جوزك يا بتي لساته صغير وفي سن الاربعين يعني عز شبابه اللي الراجل محتاج مرتَه توبقى ونسه، ما تفارقهوش ولا ليل ولا نهار وانتِ طول النهار ساحلية حالك تحت رجلين ولادك وعلى الليل تطلعي تنامي جارهم وتسيبي جوزك بالشهور ما تراهنيش على صبره يا بتي.
رغم الهدوء الظاهر في وجه "سكون"، إلا أن قلبها انكمش من وقع الكلمات، إذ لم تكن تتوقع هذا الاتهام الضمني بالإهمال، فرفعت رأسها بشيء من التحدي وقالت بانفعال غير متعمّد:
وه كيف الكلام دي يا حاجة؟! "عمران" لا يمكن ابدا يبص لحد غيري ولا يمكن يشوف ست في الدنيا تملا عينيه غير "سكون" كانك ما وعياش هتتحدتي عن مين واصل؟
ردة فعل "سكون" لم تُربك "زينب"، التي كانت تُدرك أن الحب وحده لا يحمي البيوت، بل إن رعاية التفاصيل الصغيرة هي الحصن الحقيقي، فمالت بجسدها إلى الأمام، ونظرت في عيني "سكون" نظرة مباشرة وقالت بتصميم:
لااه انتِ اللي ما وعياش يا بتي ان البَعيد عن العين بعيد عن القلب. وانتِ بعد ما كنتي هتدي لجوزك كل وقتك ليلك ونهارك وكل اهتمامك فجأة من يوم ما ولدتِ عيالك من سنين وانتِ هتراعيهم ورافضة أي حد فينا يتدخل وياكي في مراعيتهم. واني عذراكي لأنك اتحرمت من ريحتهم سنين ومن حقك تخافي على ولدك؛ لكن برده خافي على جوزك، خافي على إنه يطير من يدك ويروح يدور على عش تاني يحتويه. الراجل يا بتي بيحب اخر الليل يرجع عشه يلاقي وليفه مستنيه ببسمة حلوة ونظرة تخليه يحس ان لساته مرغوب فيه؛ لكن انتي يا بتي بعدتي خالص وما تلوميش اللي حالك لو حوصل حاجة وجوزك شاف راحته في حضن غيرك وقتها هيبقى عنديه حق.
كان وقع الكلمات كأنما صفعة على وجه "سكون"، إذ لم تتخيل يومًا أن تُقال لها مثل هذه الجمل، فردّت بحنق تخالطه غصة في الحلق، تحاول أن تُبرّر لنفسها قبل أن تبرّر لغيرها:
يعني ايه كلامك ده يا ماما الحاجة؟ هو اني هعمل ايه ما لازم يعذرني اني ام لتلت اطفال رعايتهم أمانة في رقبتي ولازم اخد بالي منيهم وهو عارف ان روحي متعلقة بيهم ولازم يتحمل لحد ما يكبروا شوي.
لم تَرفّ عين "زينب"، بل تابعت الحديث بنبرة تحمل الحكمة وتجربة العمر، وكأنها تُنقّب عن شرخٍ خفي لا تريده أن يتسع:
ما هو اتحمل يا بتي كَتير قوي بزياداكي عاد بقالك اربع سنين وزيادة والدة وولادك بسم الله ما شاء الله هيدخلو الحمام لحالهم وهتسيبي لهم الساندوتش هياكلوه في يدهم لحالهم. يعني حملهم قل عنك وكمان هيروحوا الحضانة، وانتِ تحاولي تريحي نفسك شوي وتخلي بالك من جوزك. علشان خاطر المركب تمشي لازم توازني الأمور لازم ترجعي تنامي جار جوزك وكفاية ان ولادك خدوكي منه اربع سنين وزيادة بزيادكي يا بتي عاد. جوزك هيقابل في شغله حريمات كَتير وكلهم بس يتمنوا نظرة منيه لأدبه وأخلاقه ورجولته اللي هتتحدث عنيها قنا كلياتها يعني باختصار اكده جوزك فيه الطمع يا بتي.
بدا الذهول على ملامح "سكون"، وكأنها تُدرك لأول مرة أن الحياة ليست فقط احتواءً للأبناء، بل توازن دقيق بين أدوار متشابكة، فترددت وهي تنطق كلماتها، وقد بدأ شيء من القلق يتسلل إلى صوتها:
ايه... انتِ بتقولي ايه انتِ اكده هتخوفيني! "عمران" ما يعملش اكده واصل، "عمران" ما هيحبش غيري ولا هيبص لأي ست غيري في الدنيا مهما كان.
لكن "زينب" لم تكن تتحدث بدافع التخويف، بل من واقعٍ تعرف ملامحه جيدًا، فأجابت بحزمٍ لطيف يجمع بين النصيحة والتحذير:
"عمران" راجل يا بتي زييه زي أي راجل ما هوش نبي ولا راهب له احتياجات حدا مرته اللي هتعيش وياه وعمره ما هيقدر يستغنى عنيها ولا عن حضنها ولا عن حنانها عليه. الراجل كيف العيل اللصغير والغريزة اللي هيحتاجها من مرته داي حاجة من عند ربنا ما لوش يد فيها. ما تختبريش صبره أكتر من اكده يا بتي ومن الليلة تطلعي تنامي جار جوزك بعد ما تطمَني على ولادك انهم ناموا وغفيوا وهما تبارك الله هيناموا طول الليل خلاص ولا هيرضعوا ولا يحزنون وقدامك النهار كلاته راعيهم وخدي بالك منيهم وشبعيهم من حضنك واشبعي بيهم على كيف كيفك لكن الليل لجوزك وحضنك لجوزك اني عليا نصحتك وانتِ براحتك. ربنا يهدي لك حالك يا ام "سَليم".
كان مغادراً من عمله وصعد سيارته وبعد أن أحكم إغلاقها تحسس بطنه بنهم وهو يحدث حاله:
أخيراً يا واد يا "أشرف" طمطم هتحن عليك وهتاكل محشي النهاردة من ايدين صعيدية يعني محشي حاجة محصلتش من الآخر والليلة ليلة خميس وهنهيص.
ثم قاد سيارته وأخرج هاتفه وقام بالاتصال عليها وما إن أتاه الرد حتى قال بدعابة:
حبيبي اللي ليا والعين الجوانية، نبض القلب والكلاوي والحتة اليمين والشمال، بطبط قلبي تحبي اجيب لك ايه وانا راجع من الشغل يا حب الحب؟
أجابته بتكاسل وهي تتحرك على التخت بعشوائية:
قلقتني واني نايمة يا "اشرف" هو انت دايما اكده هتصتادني وقت راحتي؟
اعتذر بمحبة:
من حقك ترتاح يا جميل عندك حق، مانتي طول النهار واقفة على رجلك وكمان مع تعب الحمل. خلاص انا ربع ساعة واكون قدامك.
أغلق معها الهاتف وهي مندهشة من كلامه عن وقفتها طيلة النهار وهي لم تفارق التخت منذ أن غادر إلى العمل إلا ساعة واحدة فقط تناولت فيها الإفطار ثم عادت إلى تختها فهي يداهمها الدوار منذ الصباح. ولكن لم تضع في بالها وعادت إلى النوم مرة أخرى إلى أن عاد أخيراً هو من العمل وفتح باب الغرفة واقترب منها وقبلها من جبينها قائلا بحنو:
حبيب قلبي الغالي "بطبط" اصحي بقى من النوم جايب لك بقى حبه شوكليت وعصاير وشيتوس عشان انا عارف انك بتحبيه.
عندما سمعت اسم "الشيتوس" قفزت من على تختها دفعة واحدة وتناولت منه الحقيبة الممتلئة بالمسليات مما داهمه القلق عليها من قفزها وهي في بداية شهور حملها:
بس يا ماما خافي على نفسك يا حبيبي قومتي مرة واحدة ده انا مشبعك شوكولاتة وشيتوس يعني. ولا انتِ عند الشيتوس عقلك بيغيب خالص والله انا متجوز طفلة.
ابتسمت وهي تتناول كيس الشيتوس بنهم مرددة بتأكيد وهي تحرك رأسها للأمام بابتسامة عابثة وفمها ممتلئ بالمقرمشات:
ايوه اني طفلة وهحب حاجات الأطفال وهحب اللي يجيبها لي يعني انت دلوك حبيبي حبيبي يا اشروفي.
ـ اشروفك! ... جملة تعجبية نطقها بذهول نظراً لتحسن مزاجها فهي منذ أن حملت وهي مزاجها دوماً سئ. وتابع بتسلية وهو يفرك كفاي يداه ببعضهم:
لا ده الليلة النهاردة ليلة هنا وسرور، ده احنا هنتدلع قوي كده بالصلاة على النبي. طب قومي بقى حطي لي طبق محشي ورق عنب من اللي انتِ عاملاه وشفته في الحالة على الوتساب وما صدقتش نفسي والله حكم انا من ساعة ما شفته واني مانع نفسي عن كل الأكل.
ابتلعت ما في فمها سريعاً ثم هتفت بتعجب لما قاله:
محشي! وورق عنب كمان! انت كنت هتحلم ولا ايه انا ما قمتش من على السرير من ساعة انت ما مشيت غير اني قمت عملت لنفسي كيس اندومي وشربت كوباية لبن ورجعت نمت تاني لو عايز تاكل اعمل لك كيس اندومي انت كمان.
انصدم من كلامها وهدر بها مذهولاً وكأن أحدهم صعقه:
اندومي مين يا روح امك! بقى انا راجل واخد وردية من الساعة خمسة الصبح في الكافيه لحد دلوقتي في الشغل وارجع البيت وتقولي لي اتغدى اندومي يا بنت الصعيد! والله عيبة في حقكم. أمال المحشي اللي انتِ منزلاه على الحالة بتاعتك على الواتس ده جه منين يا "بطة"؟
انزعجت من الاسم كالمعتاد لتعلن احتجاجها ككل مرة عن نعته لها بذاك الاسم الذي تكرهه بشدة وهي تزوم بغضب:
"اشرف"، اني نبهت عليك ميت مره قبل سابق ما تقوليش "بطة" داي عاد، اني اسمي باش مهندسة "فاطمة" وبعدين المحشي دي صورة قديمة كنت عاملاه في بيت ابويا لو كنت مركز في الحلة اللي محطوطة فيها تعرف انها مش بتاعتي.
أشاح بيده في الهواء وهو يسخر منها:
بلا باشمهندسهة بلا يحزنون طب بطة، بطة، اها استريحتي. اه قلت لي صورة وكنتِ كل شوية واحنا مخطوبين تبعتي لي صور اشكال والوان من الأكل واقول ده انت وقعت واقف يا ولا والبت عرفت ان قلب الراجل معدته علشان كده هتتعلم الأكل وهتروق يا واد يا "أشرف" اتاري "أشرف" لبس في اندومي. منها لله اللي كلت دراع جوزها.
ثم أكمل وهو يرتدي حذائه مرة أخرى:
ده صاحبي اللي متجوز واحدة معاها دبلوم بتعمل له المحمر والمشمر والمحاشي والكفتة المشوية وانا مراتي تعمل لي اندومي اللي جايه من الصعيد؟ ده يا خيبتك يا "اشرف" يا وكستك يا "اشرف".
رأته غاضباً وهو يرتدي حذائه فسألته بعينين زائغتين:
طب انت لابس الجزمة ورايح فين تاني؟
ـ ما لكيش دعوة يا بطة اروح اكل عند امي هي عاملة بقى محشي بحق وحقاني خليك انتِ مع الاندومي بتاعك يا "بطة".
رسمت الحزن على عينيها ببراعة و قامت سريعا من على التخت هي تتمسك بذراعه:
طب يرضيك بطتك حبيبتك الحامل في ابنك او بنتك تتغدى اندومي واني دايخة وتعبانة خدني معاك اكل محشي من اللي عاملاه ماما.
نظر إليها بنصف عين وهو قد اقترب على مشارف الجنون من كلامها:
تصدقي المثل اللي هيقول اللي عنده دم احسن من اللي عنده عزبة انتِ عايزه تنقطيني يا "بطة"؟ طب يمين بعظيم ان شفت صور ليكي تاني على الحالة لأكل ولا لشرب لهاجي امسك الموبايل بتاعك ده ادشدشه لك ميت حتة. علشان ما تعمليش فيها الشيف "شربيني" تاني.
مطت شفتيها للأمام وهي تصطنع التعب الشديد والدوار وتدللت عليه وهي تقبله من وجنته:
معلش بقى اني تعبانة وكمان الحمل مخليني كسلانة على طول اوعدك اول ما افوق هعمل لك محشي بس خدني وياك، إن شاء الله تكسب وتفرح وتتهنى يارب خدني معاك يا أشروفي.
ضـ.ـرب كفا بكف من دلالها ثم قال بنفاذ صبر:
عيلة والله العظيم عيلة، إنتي واقفة تشحتي على باب السيدة يا "بطة"؟ يلا يا حظي البسي عشان هاخدك معايا انا عارف انك لحد ما تولدي هتطلعي عين اللي خلفوني كل شويه الحقني يا "أشرف" دايخة يا "أشرف" وانت ربنا يعينك يا "أشرف" ده انت داخل على منعطف تاريخي من الست طمطم هانم.
صفقت بابتسامة لحنوه معها مما جعله ابتسم لسعادتها وطفولتها المحببة إلى قلبه ثم قبلها من رأسها بمحبة وشرعت في ارتداء ملابسها وعند لبس حذائها قام بنفسه واجلسها على التخت وساعدها في ان ترتديه كي لا تشعر بالدوار مما راق لها فعلته تلك فبعد ان انتهى جذبت كف يديه وقبلته من باطنهما ثم قالت بعشق التمع في عينيها:
بحبك قوي، ربنا يخليك ليا وما يحرمنيش من حنيتك ولا حبك ولا طيبة قلبك.
وانتهى الأمر بابتسامتهم وسعادتهم.
دخلت "سكون" غرفتها وأغلقت الباب خلفها ببطء، كأنها تهرب من مواجهةٍ لا تملك لها سلاحًا. وقفت لحظة تتأمل الفراغ الممتد بين جدرانها، كأنّ صمت المكان يصرخ بوجهها كلمات "زينب" التي تسلّلت إلى قلبها، فهزّته بعنفٍ لم تتوقعه. كانت كلمات حماتها أشبه بمرايا تُجبرها على أن ترى انعكاس نفسها كما لم تجرؤ من قبل.
جلست على طرف السرير، وانكمشت على نفسها كأنها تحتمي من تيار باردٍ تسلل إلى أعماقها، نظرت إلى الأرض طويلاً، ثم رفعت عينيها نحو المرآة المقابلة، فرأت امرأة لم تعُد تعرفها امرأة اختفت ملامح الأنوثة منها شيئًا فشيئًا، تحت وطأة التعب، والمهام المتراكمة، والقلق الدائم على أبنائها. همست لنفسها بصوتٍ متهدّج، لا يسمعه أحد سواها:
"هو عمره ما قصّر وياكي يا "سكون" كان دايمًا جنبك وانتِ اللي."
وأكملت بحزن على حالهم بسببها:
"أني اللي انسحبت من غير ما أحس، نسيت إني مرته مش بس أم لعياله."
انسابت دمعة ساخنة على خدها، لم تكن ناتجة عن حزن، بل عن ندمٍ صامت، شعرت وكأنها أغلقت الباب في وجه رجلٍ أحبها بصدق، دون أن تعي ذلك في خضمّ تفاصيل الحياة. تذكّرت كم من مرّة عاد إلى البيت متعبًا فلم تجد له كلمة حنونة، أو نظرة تقدير؟ كم من مرّة تحدّثت عن الأطفال وأوجاعهم دون أن تلتفت لحاجته هو إلى من يُصغي إليه؟
نهضت من مكانها ببطء، كأنها تحمل ثقل ما ارتكبته من تجاهل، ثم اقتربت من النافذة وأزاحت الستار، كأنها تفتح نافذة جديدة داخل قلبها. كانت السماء تمتلئ بالنجوم، وكأنها تهمس لها 'ما زال هناك وقت، ما زال هناك فرصة للعودة "سكون".
أخذت نفسًا عميقًا، ومسحت دموعها، ثم قالت بصوتٍ خافت، لكنه حاسم:
"أني اللي لازم افوق مش هستنى حد يفكرني، هو جوزي وأني اللي لازم أحافظ عليه."
كانت نبرتها مزيجًا من حزم واعتراف. الآن فقط أدركت أنها لم تخسره بعد، لكنها إن استمرت بهذا الجمود العاطفي، فقد تفتقده إلى الأبد والندم حينها لن يُعيد ما مضى.
جلست أمام التسريحة، وأمسكت بفرشاة شعرها، وبدأت تمشّط خصلاتها ببطء، كأنها تحاول استعادة ذاتها، أنثى كانت له، وستهتم أن تكون له مجددًا. كل حركةٍ كانت بمثابة إعلان ناعم عن بداية جديدة.
فقد كانت الغرفة هادئة، يغمرها ضوء خافت قادم من أباجورة صغيرة، بينما الستائر الثقيلة تُخفي ضجيج العالم خارجها. فرشت "سكون" الأرض ببساط من الورد المجفف، وأشعلت شموعًا عطرية تنبعث منها روائح فرنسية نفاذة، حتى الهواء بدا كأنه يتنفس حبًا.
وقفت أمام المرآة تتأمل نفسها لم تكن ترتدي سوى بيجامة قطنية ناعمة بلون رمادي، لكنها جعلت البساطة فتنة. ضمت شعرها الطويل على كتفها وتركت خصلة تهرب على جبينها كأنها دعوة للدهشة، وضعت قليلًا من أحمر الشفاه، ونقطة عطر خلف أذنيها، ثم ضغطت زر الهاتف، فبدأت أغنية "عبد الباسط حمودة" تُعانق الحيطان. وهي تعلم ان زوجها يعشق تلك الأجواء وقد قررت إدخال السرور على قلبه اليوم فـ"زينب" أعطتها نصائح ودرساً اليوم لن تنساها.
تنفست بعمق، وقلبها يطرق صدرها بإيقاع أقوى من الإيقاع الموسيقي. كانت تعرف كيف ترقص له، له وحده برقّتها، بخجلها، بحبها.
خطت نحو الباب، ثم رجعت، وضبطت إضاءة الأباجورة قليلًا، لتكون الأجواء أكثر حميمية. انتظرت. دقائق قليلة، ثم سمعت صوت خطواته. دخل "عمران" كعادته، يُمرر يده في شعره، وملامحه مرهقة من يوم طويل. لكنه ما إن فتح الباب حتى تجمّد مكانه من تلك الأجواء التي حُرم منها أعواماً وأعوام.
وقف مكانه، يحدّق بها، كأنها مشهد حُلم فاجأه في منتصف واقعه. ثم قال بدهشة منخفضة وهو مازال ينظر حوله بذهول وعدم تصديق:
إيه الجو دي والحوار اللي قربت أنساها دي يا أم "سَليم"؟
رفعت يدها برفق وسحبت خصلة الشعر خلف أذنها، وقالت بدلال:
أم "سَليم" مستنياك بقى لها كَتير متأخر ليه؟
اقترب بخطوات بطيئة، وعيناه لا تزيغان عنها، كل شيء فيها بدا له جديدًا، رغم أنها زوجته منذ سنوات. وكأنها تعيده للحظة لقائهما الأول.
ـ انتِ بجد ولا اني هحلم ولا اني دخلت أوضة غلط، معقولة جاية اكده من نفسك وعميلتي كل دي علشاني؟
اقتربت منه وهي تتحسس وجنته بنعومة جعلته أغمض عينيه من اقترابها ودلالها وهمست بدلال:
ـ علشانك طبعاً، هي "سكون" ليها مين غير عمرانها علشان تدلعه وتدلله.
مال برأسه وهو يبتسم ببطء وقد التقط كف يديها وقبَّل باطنه بوله وعطش واشتياق:
ـ وانتي عرفتي بقي عمرانك رايد ايه ولا النهاردة ليلة تحقيق الأماني والأحلام يا سكوني؟
أجابته وهي تفعل نفس ما فعل وقبلت باطن يديه بإغواء:
ـ لااه أني هخلقها مخصوص علشانك يا كل العمر يا قلب وعقل "سكون".
نظرت نحوه، ثم بدأت تتحرك ببطء و تناغمت خطواتها مع كلمات الأغنية، جسدها يهمس أكثر مما يتحرك برقصة مثيرة جعلته يلهث أمامها فكانت مليئة بالإحساس. كل التفاتة منها كانت وكأنها تناديه دون صوت.
اقترب منها، جلس على طرف السرير، وابتسامته تُصارع ذهوله، هي ليست فقط جميلة، بل تعرف كيف تُدهشه. ليردد وهو يضحك بخفوت:
ـ "سكوني" إنتي ناوية تقـ.ـتلينى الليلة، براحة شوية علي يا بت قلبي "عمران" اكده مهيتحملش شقاوتك داي كلاتها بعد بعدك؟
قالت وهي ترفع حاجبًا بخفة:
ـ هو دي الهدف يا عمراني إني لما اعاود يوبقى بقوة وانت ما عليك غير انك تجابهني بنفس القوة وترواض خيالك بمهارة.
ثم غمزت له وهي تتمايل أمامه على انغام الحكمدار التي يعشقها:
ـ هتقدر ولا مش جاهز لسكونك ومش عامل حسابك؟
قالتها و أكملت الرقص، وكل حركة منها كانت دعوة. لم يكن الأمر في جسدها فقط، بل في نظرتها، في رعشة صوتها، في حبها الذي بان وهي ترقص له كأنها بتعزف عليه بأطرافها.
فاقترب منها جاذباً إياها بقوة فائقة حتى ارتطمت بصدره القوي وهو يطغو أمامها برجولة لم ولن تكن لغير رجل مشاعره المثيرة تسبقه وعينيه تأكلها بتحدي:
ـ وه، وه! هتقولي ايه يا سكوني؟ كانك متعرفيش قدرات عمرانك ولا ايه هتوبقى زي القطط اللي هتتمتع وتنكر، دي اني عمران يعني فارس يعرِف كيف يرواض الفرسة بتاعته وانتي الفرسة بتاعتي يعني تخليكي شجاعة وتتحمَلي شوق الليالي والأيام وكل واحد منينا له حق لازم يا خده الليلة.
ثم اقترب من وجهها وهو ينظر إليها بعيناي تكاد تلتهمها شوقاً:
ـ توكلنا على الله، معركة وانتي ابتديها يوبقى تتحمليها يا عشق العمران وروحه.
وأخيراً انسكب الليل بين جدران الغرفة كحبرٍ دافئ يكتب أول فصول العودة بين قلبين ما ابتعدا إلا غصبًا. كانت أنفاس "سكون" تتصاعد ببطءٍ كأنها تستجمع ما تبقى من شوقٍ داخلها لتسكبه في حضن رجلها، في مأواه، في "عمران" الذي كان ينظر إليها بعينين لا تكتفيان من التأمل، كأنها رجعت له بعد غياب عمر لا أربعة أعوام.
ارتخت ملامح "عمران" وهو يضمها إلى صدره كأنما يحتضن وطنًا ضاع ثم عاد، يديه تتجولان على ظهرها كما لو يحاولان أن يحفرا لمسة أمانها من جديد على جلده، أن يكتبا على قلبه؛ هذه أنثاك التي كنت تنتظرها. اما هي لم تكن بحاجة لكلماتٍ لتفهم أنه يشتاقها حدّ الهذيان، فكل لمسة منه كانت تقول أكثر مما يستطيع النطق به، وكل تنهيدة منها كانت تعني أكثر مما يسمح الحياء بالبوح به.
اقترب منها حتى لامست أنفاسه وجنتيها وقال بصوته المبحوح وهو يحاوط وجهها بكفيه:
ـ اني لو كنت أعرِف اني هرجع ألقاكي اكده كنت رجعت بدري من الشغل وسبت الدنيا كلاتها تخرب.
قبلته بدلال من وجنته وهمست بنعومة:
ـ المهم انك جيت والحاجة الحلوة مبتحبش غير المفاجآت يا "عمراني".
ضحك وهو يغرس جبينه في رقبتها كأنّه يختبئ من العالم فيها وقال:
ـ وانتي عارفة المفاجآت عندي بترد بعنـ.ـف يا "سكوني" ويا ويلك منّي الليلة.
لم يكن في نبرته تهديد بل وعدٌ بالعناق الذي لا يُنسى، فانزلقت أناملها خلف عنقه وجذبته إليها ثم همست بصوتٍ مخنوق بالحب:
ـ انت اللي كنت واحشني يا "عمران" حقم عليا في كل ليلة قضيتها بعيد عنك، حقك على "سكون" يا قلبها وعمرها كله.
كأن تلك الكلمات كانت إذنًا بانهيار الجدار الأخير بينهما، فسقط الحذر، وسقطت السنوات، وسقطت الأمومة قليلًا لتفسح المجال للأنوثة أن تتحدث، وتصرخ، وتحب، وتشتاق، وتُعانق.
لم يكن لقاءهما تلك الليلة كأي ليلة، بل كان إعادة اكتشافٍ لرغبةٍ قديمة ظنّاها تاهت في زحام المسؤوليات، وكانت "سكون" بكل خليةٍ فيها تقول له؛ أنا هنا، وعدتُ إليك، ولن أتركك بعد اليوم.
مرت ساعات مرّت من الحبّ الخالص، لم يكن فيها صوتٌ سوى الهمس، ولم يكن فيها نورٌ إلا من ارتعاشات الشموع، جسدان يعرفان بعضهما بحكم الحبّ، لكنهما تعلّما من جديد كيف يتحدثان في الصمت، كيف يكتبان الشعر باللمس.
وفي نهاية تلك الليلة، وبينما تنام العطور على الوسائد، وتلف اللحظة عبيرها حول صدرها، كانت "سكون" تلتف أكثر في حضنه، لم تنهض كعادتها لتذهب إلى الغرفة المجاورة، لم تنسحب، لم تتردد.
رفع "عمران" حاجبه بدهشة وسألها وهو يتظاهر بالمزاح:
ـ ايه ده يا "سكوني" مش ناوية تقومي تشوفي العيال ولا خلاص سهرتي دي مخصوصة علشان أبوهم؟
ضحكت بخفة وسحبت وجهه إليها وهمست بعذوبةٍ مبللة بالحب:
ـ لا مش ناوية ولا هسيبك تاني يا "عمراني" خلاص دول كبروا شوية ومش هيجرى حاجة لو ناموا لوحدهم الليلة وكل ليلة بعد اكده، انت اللي مش لازم انام بعيد عن حضنك تاني مهما حوصل.
كأن روحه ارتجفت من الاعتراف، حدّق فيها طويلًا، ثم خبأ وجهه في شعرها وهمس كأنه لا يصدق ونبرته ممتلئة بالحنين للبيات في أحضانها:
ـ يعني انتي هتباتي جنبي كل ليلة ومش هتهربي تاني مني يا "سكون"؟
أجابته بحزمٍ رقيق:
ـ هبات في حضنك طول العمر يا "عمران" ومش هسيبك تاني ابدا حتى لو الدنيا كلها طلبتني مش هقوم من جارك واصل.
قبله في جبينها وهم يضحكان سويًا كأنهما طفلان التقيا بعد فراق، وما إن هدأ كل شيء وسكنت الأصوات، حتى استسلما معًا لنومٍ عميقٍ لا يشبه سوى راحة وطن بعد حروب طويلة.
لكن الراحة لم تدم طويلًا، فقد تزلزل السكون فجأة مع أول خيوط الفجر، حين دوّى طرقٌ عنيف على الباب، يتبعه صوت "سليم" وهو يصرخ بفزعٍ يشقّ القلب. فاستيقظت "سكون" على وقع صرخة ابنها، صوت مذعور ممزوج برجفة قلبه البريء، اندفع إلى غرفتهما يطرق الباب بعشوائية كمن يهرب من شبح. كان قلبه يسبق قدميه، وصوته يتهدج بانفعال طفولي لا يخلو من الرعب:
ـ مااااااااااما، الح "سكن" يا ماما.
فزعت "سكون" من نومها كمن سُحب من أعماق حلم إلى كابوس يقظ، تسمرت للحظات قبل أن تقفز من السرير كأن نـ.ـارًا اشتعلت تحت قدميها، لم تنتظر أن يسألها أحد، ولم تلتفت خلفها، فقط نظرت لعين "عمران" بلوم شديد لثانية واحدة فقط بل مزقته تلك النظرة ثم انطلقت تعدو كأن صوت "سليم" قد قطع شريان الأمان في داخلها.
في لحظة، انقلب البيت إلى ساحة من القلق، أبواب تُفتح، خطوات متسارعة، والهدوء الذي كان يغلف الساعات الأولى من الفجر تبعثر كزجاج مُلقى على الأرض.
كان وجه "سليم" شاحبًا، ويداه ترتجفان، ودموعه تنهمر دون وعي، وهو يصرخ من جديد بصوت أكثر وجعًا: "سكن" بصت لي ومش بترد علي وبقها كله دم ووشها على الأرض ومش بتتحرك يا ماما إلحقوها.
تجمد قلب "سكون"، وشعرت كأن الهواء انسحب من صدرها، كأن الحياة بأكملها توقفت في انتظار أن تدق الساعة القادمة بمصير قد يكون مدمرًا. نظرت لعيني "سليم"، فوجدت فيهما خوفًا من الفقد لا يطاق، وصرخة للنجدة تتجاوز عمره بكثير.
تحولت نظرات "سكون" إلى"عمران" كطعَنات خفيّة لا صوت لها، لكنها تخترق القلب وتُزلزل الروح. وكأنها تخبره وبكل قوة أنه السبب فيما حدث لابنتهم. وهو تفهم نظراتها ووعاها بشدة وكأنها نصل من السيوف الحادة التي انغرزت في صدره وأصيب بالخذلان منها.
مزيجٌ مُرعب من الألم واللوم، كأن عينيها تُناديه وتُعاتبه وتُحمّله ذنبًا لم تتلفّظ به. كل رمشة منها كانت كأنها بمثابة اتهام واضح. وفي وسط ذهولها المرتجف، كانت عيناها ترتعشان بالخوف على ابنتها، وبالغضب المكتوم عليه هو تحديدًا.
رواية من نبض الوجع عشت غرامي الفصل الثالث 3 - بقلم فاطيما يوسف
الفصل الثالث من الجزء الثالث
لكن "سكون" لم تسمع سوى صوت كلمة، فاقت، فاندفعت للداخل، زحفها صار أسرع حتى وصلت إلى الباب، وقفزت بجسدها المرتعش داخله ،
كانت "سَكن" الصغيرة تجلس بصعوبة، وجهها باهت، وفمها فيه دم، بينما "سليم" و"سيف" يقفان بجوارها بعيون دامعة، انحنى "عمران" بسرعة، واحتضن ابنته بين ذراعيه، وراح يُقبّل رأسها بشغف وخوف كأنها عادت من موت مُحقق:
ـ يا قلب بابا انتي زينة ،يا روحي فيكي حاجة؟ حاسة بإيه واجعك؟
كانت الطفلة تنظر إليهم بلا فهم وتبكي كما أخويها يبكون ثم دون أن ينتظر، حملها بسرعة واتجه بها للحمام، يغسل وجهها بالماء، يمسح دمها بعناية وهو يهمس بكلمات حب وطمأنينة: ـ خلاص يا حبيبتي متبكيش عاد بابا معاكي، وانتي جامدة كيف بابا، أهو غسلنا وشنا ، بصي بقيتي حلوه تاني ازاي ، اصلا سوسو قمر ، تعالي يا روح بابا تعالي .
ثم حملها مجددًا بين ذراعيه وخرج، وهو يطمئن إخوتها الباكيين وهو يحتضنهم برعاية:
ـ ما تبكوش عاد انتو رجالة و "سَكن" هتوبقى زينة ، هي وقعت بس انتوا كنتوا جامدين وصحّيتوها، وأخدتو بالكم منيها ،
ثم قبلهم من رأسهم وهو ينظر إليهم بحنو:
ـ أني مخلَف رجالة زين هيراعو أختهم وهيخافوا عليها كيف عينيهم وعلشان اكده بابا هيكافئكم لما اروح اني وماما نطمَن على أختكم عند الداكتور ونرجع ، خلو بالكم من حالكم ومتغلبوش تيته الحاجة عاد.
أومأ الأطفال بطاعة لأبيهم الحنون ثم وصل إلى "سكون" التي كانت ما تزال تزحف وكأن جسدها فقد كل قوّته، فاقترب منها وأعطاها الصغيرة قائلًا:
ـ خديها، خدي بتك اهي متخافيش عليها وجمدي قلبك عاد العيال ياما بيجرى فيهم يا سكوني .
احتضنتها "سكون" كأنها وجدت روحها، ضمّتها لصدرها بقوة، قبلتها في رأسها، في وجهها، في كتفها، وراحت تفتش في جسدها بلهفة وهلع، تبحث عن اي خدش، أو أي نقطة ألم ،
همس "عمران" وهو يضع يده على كتفها بلطف: ـ
بالراحة عليها يا "سكون"، انتي هتخوفيها اكده أكتر، هي محتاجة تطمَن مش تشوف خوفك اللي هيرعبها دي .
هزّت رأسها وهي تبكي، ثم وقفت، تمسّكت بـ"سَكن"، لا تريد أن تتركها لحظة واحدة، بينما قال "عمران":
ـ البسي بسرعة، هنروح على المستشفى نطمَن أكتر، دراعها مورم ووشها كمان، مش هناخد الموضوع ببساطة وبردو علشان قلبك يطمَن انها زينة .
في دقائق كانوا داخل سيارة تنهب الطريق، و"سَكن" بين أحضان والدتها، متسمّرة لا تتحرك، وصلوا للطوارئ، استقبلهم الطبيب وعلى الفور بدأ الفحص، وحين رأى الورم في الجبهة والذراع، طلب منهم إشاعات كاملة ،
وسألهم:
ـ وقعت ازاي؟ من مكان عالي؟
ردّت "سكون" وصوتها مخنوق بالبكاء:
ـ من على السَرير، واحنا نايمين، وقعِت وإحنا مدارينينش.
نظر لهم الطبيب باستغراب:
ـ طيب ما هو عادي، الأطفال بيقعوا وبيتعوروا، ودي عادي وطبيعي، بس رد فعلكم ده يخض بصراحة، إنتوا عملتولي حالة طوارئ من ولا حاجة، أهم حاجة ما ننقلش رعبنا للطفل.
تدخل "عمران" بصوت جاد:
ـ دكتور، إحنا لينا سنين مستنين الضنا دي، والبنت دي هي قلب أمها وروحها، يعني أي وجع ليها بنحسه عشر أضعاف، ياريت تعمل كل اللي ممكن يطمَنا.
هز الطبيب رأسه:
ـ حاضر، هعملها إشاعات زي ما حضرتك عايز، بس أطمنكم، شكل الإصابة خارجي، مش حاجة داخلية ولا مرعبة نهائي يعني طمنو حالكم من دلوك وبلاش الذعر دي عاد.
بعد فترة من الانتظار، ظهرت نتائج الأشعة وعاد الطبيب إليهم وهو يحمل الأوراق ويقول:
ـ الحمد لله، مفيش أي كسور، ولا ارتجاج، بس عنديها كدمات بسيطة، ووشها محتاج مرهم خفيف، والذراع كذلك، وهتكون زي الفل خلال سبوع واحد.
انفرجت أسارير "عمران" قليلًا، أما "سكون" فانهارت دموعها مرة أخرى، لكنها هذه المرة كانت دموع راحة ولكن يصحبهم ألم دفين وتأنيب ضمير.
في السيارة، كانت "سَكن" نائمة بين ذراعيها، و"عمران" يقود بهدوء، لكنها رفعت رأسها نحوه وقالت بصوت خافت مليء بالندم:
ـ أني السبب، والله العظيم أني السبب ، اني مش فاهمة كان فين عقلي لما هملتهم لحالهم لحد بتي ما فضلت تدور على حضني اللي مفتهاش ليلة واحدة من يوم ما اتوَلدت ، كل اللي حصل لها بسببي اني ام مهملة سيبت بتى تُقع وياعالم كان ممكن يجرى لها ايه علشان اشوف متعتي ، سامحني يارب.
هنا أحس كأن أحدهم جلده بسوطٍ حامي حتى جرحه بشدة فكان وقع كلماتها وصداها الحزين على ليلتهم وحزنها على أنها أعطته قليلاً من حقه بالنسبة لها ما هو الا هراءً ،
وحدث حاله بوجع وهو يخلل أصابعه بين خصلات شعره بصوت مكتوم :
ـ اهدأ "عمران" اهدأ يا رجل ولا تأخذ حديثها وحزنها على بتها أنها ندمانه علي أنها باتت في أحضانك الحانية وتجرعت من شهد احتوائك لها في لحظاتكم الآمنة ونالت منك ونِلت منها ساعاتكم الحالمة لا تفهمها أنها نادمة ، ثم ركن حزنه منها ومن نظراتها اللائمة جانباً وكتم ما يشعر به داخله من خذلان منها ومدّ يده وربت على يدها وهو يحاول احتوائها وتهدئتها :
ـ "سكون"، انتي أم عظيمة، بس بقي بزيادكي جلد ذات، دي حاجة عادية هتحصل لكل العيال وربنا سترها، خلينا نرجع للعيال واحنا وشوشنا هادية ومطمنة علشان ميترعبوش اكتر من اكده ، اهدي يا ام "سَليم"
نظرت له، ودموعها تتساقط:
ـ مقدراش يا "عمران" مقدراش كل لما افتكر ان مر على بنتي لحظة خوف ووجع واني مكنتش جارها ، إحساس بشع .
هز رأسه بتنهيدة طويلة، وعاد للصمت، لكنه في داخله كان يعلم، تلك اللحظة غيّرت فيهم شيء كبير، وربما للأبد ،
وعادو إلى المنزل وقام هو بمداواة ابنته بنفسه وهو يدللها ويضحك معها ويداعبها هي وأخواتها فهم يعشقون أبيهم بشدة لحنوه عليهم وخاصة "سكن" متعلقة بأبيها بشدة ولم يتركهم طيلة اليوم وفي نهايته احتضنت أبنائها بتملك شديد وهو احتضن وسادته الخالية يتقلب على تخته وحيداً كمن يتقلب على جمر من النـ.ـار .
*********
في زاوية تلك الليلة المتأججة بالصمت، كان "فارس" جالسًا في العتمة الممزوجة بضوء الشاشة، تحدق عيناه في صورتها التي تظهر أمامه، ونبرته تنزف شوقًا لم يفارقه منذ زمن، بينما صوته المتعب يرتجف وهو يهمس بكلمات لا يُراد لها أن تُسمع خارج حدود تلك الغرفة ،فـقال بصوتٍ ممتلئ بالقلق، يحاول أن يُخفي ارتباكه خلف الحنان الذي لا يجيده إلا حين يخاطبها :
ـ عاملة ايه، شكل وشك بيقول انك تعبانة ومجهدة اكيد ما اخدتيش علاجك مع اني منبه عليكِ كويس تاخدي بالك من نفسك وتاخدي علاجك كويس انا كده هزعل منك يا "بيري" .
أجابته هي بنبرة تفيض بالدفء والاشتياق، نبرتها تمس شيئًا ما في داخله، شيئًا لا يعرف له اسمًا ولكنه يتورط فيه كلما سمع صوتها :
ـ ما تقلقش يا حبيبي انا كويسة شوية إجهاد ،وبعدين متضايقة علشان من ساعة ما سافرت وانت ما جيتش ولا مرة تطمن عليا انت وحشتني قوي يا "فارس" اتحجج بأي حاجة وتعالى نقضي اسبوع مع بعض حضنك وريحتك وحشوني.
أخفض "فارس" رأسه قليلًا، وتسللت ملامح التوتر إلى قسمات وجهه، كأن كلماته القادمة ستُدين قلبه قبل لسانه وهو ينطق بحنين ووحشة لها ولاحتضانها :
ـ والله نفسي آجي لك جداً بس غصب عني هقول لـ"فريدة" ايه ؟
انا كنت لسه مسافر بشتري معدات جديدة للعيادة وانتِ عارفة وكمان ما ينفعش اخد أجازة من المستشفى لأني تقريباً مخلص كل أجازاتي .
تعلّق صوته أكثر عندما سمع نبرتها المتغيرة، نبرة تحمل بين طياتها عتابًا قاتلًا، ومشاعر تستغيث :
ـ لا أنا زعلانة جداً يعني انا ما وحشتكش علشان تفضلي نفسك اسبوع وتيجي تشوفني؟ انا بجد زعلانة منك يا "فارس" ومخاصماك ومش هكلمك تاني.
شعر "فارس" بالذنب كالسياط تضرب قلبه، فأسرع يُرضيها بكلمات تستجدي الصفح، ويستدعي دفء صوته لعله يُطفئ اشتعال الحنين بينهما:
ـ لا يا "بيري" انتِ عارفة ان انا ما اقدرش على زعلك ارجوكي ما تزعليش مني،وبعدين انتِ طول عمرك بتقدريني وبصراحة بقى انا لما بشوفك ما بقدرش ابعد عنك وبفضل ماسك في حضنك جامد وما بقدرش اسيبك ، انتِ بتغريني أصلك حاجة كده واو، ناقصك بس تصبغي شعرك وتخليه أحمر هتبقي خطر قوي .
ضحكتها الخافتة جاءت كدفء حـ.ـارق، تحمل في طياتها عتابًا آخر، وتُغريه بماضٍ لا يجرؤ على الهروب منه:
ـ اه انت هتاخدني في دوكة بقى قول ان انت مسفرني بره ومسيبني مصر واهلي وبلدي علشان ما اقرفكش هناك وكل شوية اقول لك تعالى بات معايا قضي معايا اليوم نتغدى مع بعض وانت عارف ان انا هنسيك الدنيا واللي فيها، بس طلعت انت بتحبها أكتر ما بتحبني .
أغلق "فارس" عينيه، وصدره يعلو ويهبط كمن يلهث تحت عبء الذكرى، ثم تحدث بصوتٍ مبلل بندمٍ عتيق:
ـ انتِ عارفة ان انا ما حبيتش حد قد ما حبيتِك بس كان لازم أكمل حياتي هنا كان لازم أتجوز وأخلف وأعيش والعلاقة اللي ما بينا زي ما هي الجواز بتاعي ما يمسهاش بشيء .
اختلطت عليه مشاعره وتاه عنه صوته الداخلي يتأمل الجدار وكأن فيه إجابة خفيّة لشيء لا يفهمه وفي قلبه شعور لم يعرف له اسمًا سوى التيه والتشظّي وهو يتابع حيرته وألمه في ابتعاده عنها :
ـ انتِ ما تتصوريش بعدك عني عامل ازاي انتِ بالنسبة لي روحي اللي لما بتخرج مني بحس ان انا همـ.ـوت، وريحتك لما بتغيبي عني بحس ان انا مخـ.ـنوق ومش عارف اعيش ، انتِ أكتر حد حبيته في الدنيا وأكتر حد اتعلقت بيه، واكتر حد مش شايف غيره، ارجوكِ ما تزعليش يا "بيري" وانا في اقرب وقت هاجي لك هناك ومش هسيبك خالص وطول الوقت هنقضيه في حضن بعض .
ساد الصمت لبرهة، كان فيها يلتقط أنفاسه المتقطعة، قبل أن يسمع صوتها المشحون بالخذلان :
ـ انت على فكرة بكاش وبتوعد وبتخلف كتير وانا خلاص ما عدتش اصدقك وزعلانة منك كتير علشان انت عارف لما بتبعد عني الفترة الطويلة دي انا ببقى تعبانة نفسياً وكمان ببقى مش مرتاحة وانت عارف ان انا ما ليش غيرك في الدنيا .
رفع "فارس" عينيه فجأة نحو الباب حين سمع خشخشة خافتة، كأن أحدهم يقترب منه، فـجفَّ ريقَه وازدرد توتره قبل أن يُكمل بنبرة مضطربة :
ـ طب خلاص يا ستي هاجي لك كمان اسبوعين يكون فات على السفرية اللي فاتت شوية وكمان اقدر اقول سبب مقنع لـ"فريدة" وانتِ عارفة تعلقها بيا قد ايه ما ينفعش ان انا اكسـ.ــرها بعد كل اللي عملته عشاني وانا عرفته لك كله من البداية للنهاية .
وبينما يتحدث بتلك النبرة الهاربة من الشعور بالذنب، اخترق السكون صوت مفاجئ خارج الباب، صوت "فريده" وقد انفجر كالرعد، يهز جدران روحه ويعرّي لحظته وهي تصيح به :
ـ افتح يا "فارس" ، "فريدة" كشفتك خلاص افتح وريني هتتحدت ويا مين يا خاين افتح الباب دي .
رفع "فارس" يديه المرتعشتين عن الجهاز أمامه وقام بإغلاقه ، والذعر يسري في أوصاله كجمرٍ مشتعل، تحوّل صوته إلى رجاءٍ هش حين رد بصوتٍ مكسور، غارق في محاولة الإنكار:
ـ اييييه... يا ،يا "فيري" ايه الكلام اللي انت بتقوليه ده وازاي تشكي فيا؟
وتشكي في حبي ليكي ؟وتشكي ان انا ممكن أعرف واحدة غيرك ؟اهدي يا حبيبي .
لكن صوت "فريده" كان كالسيف، حادًا، دامعًا، مكلومًا لا يعرف سبيلًا للصفح أو التراجع وهي تقف أمامه بعدما فتح الجدار الفاصل بينهم وتقابلت الوجوه بمختلف مشاعرها ما بين الخوف منه من ردة فعلها وما بين الصدمة منها ومن موقفه الخائن المخزي له أمامها:
ـ قد ايه انت بجح واناني ! هتكدِب وداني اللي هتسمعك وانت هتخوني وهتقول لها حضنك وحشني ؟!
وكمان ما هتخبيش عنيها حاجة وهتسافر لها وان ريحتها وحشتك وان انت مش قادر تعيش من غيرها ؟!
ثم توقفت " لوهلة وكأنّ الكلمات التي سمعتها لم تكن موجهة لها بل لطعنات داخلية تعرفها جيدًا،تشعر وكأن جدار الأمان الذي كانت تتكئ عليه بدأ يهتز ،كأن قلبها سُحب من بين ضلوعها دون إنذار وتابعت وهي تلكمه في صدره :
ـ هتفكِرني عاد ما سمعتش الحديت دي كلاته من الاول واني لساتي مختومة على قفاي منك ؟!
بقي جالك قلب تخون "فريدة" يا "فارس" وهتعشِق وتحب واحدة غيرها ؟!
والله ما مصدِقة حالي ولا مصدِقة اللي وداني سمعته منيك ،
واسترسلت حديثها والدموع أخيراً قد تحررت وهربت من مقلتيها وهي تتذكر كلامه المعسول معها :
ـ هقول لها محبتش ولا عحب حد كدك ؟!
ارتبك "فارس" كمن تمزق قلبه أمام عينيه، هوت كل تبريراته أمام نظرتها الغاضبة، فأراد أن يلملم ما تبقى من كرامة الحب، فمد يديه نحوها بضعفٍ رجلٍ على حافة الانهيار وهو يؤكد لها حينما رأى دموعها وانهيارها:
ـ يا "فريدة" انا ما حبتش غيرك ولا عرفت أحب غيرك ولا في حياتي ست عشقتها قد ما عشقتك ، اللي في دماغك غلط اهدي يا "فريدة" ما تعيطيش دموعك بيقطعوا فيا والله، تعالي في حضني يا حبيبي تعالي .
لكن "فريده" دفعت ذراعه بحدة، وعيونها تتطاير منها شرارات الغضب، ونبرتها لا تزال تهز كيانه كله وداخلها ضجيج لا يُسمع
وصمت أشدّ وقعًا من الصراخ وهي تنظر له بألم وتبحث عن "فارس" الذي أحبته فلم تجد أمامها سوى سرب طائر هرب من بين يديها وراح يرى غيرها في وجه آخر وهي تبعد يداه عنها بنظرة أهلكته خوفاً من القادم :
ـ بعد يدك عني، عشق ايه اللي هتتحدت عنيه واني هسمعك بوداني هتخوني مع ست غيري ؟!
ثم حاولت أن تزحزح جسده كي تصل إلى 'اللابتوب' كي تعرف من هي التي سلبت زوجها منها :
ـ بعد عن المخروب اللاب دي وريني لو عِندك الشجاعة كنت هتتحدد ويا مين؟
وريني خرابة البيوت اللي هتكلَم راجل متجوَز وهتعرِفه على مرته، خليها شجاعة وتقف قدامي وتواجهني واني هشوفها كيف تخـ.ـطف راجل من مرتَه وتتكلم وياه بالنعومة اللي سمعتها دي ؟
كاد "فارس" أن يسقط من فرط الذهول، كل ما في عينيه كان يسألها أن تُصدق قلبه لا أذنيها، لكنه لم ينطق، فقط قال بصوتٍ راجٍ وهو يقف حاجزاً بينها وبين الجهاز بهلع من اقترابها منه وبين أن تعرف مع من يتحدث؟ :
ـ لا ما لكيش دعوه باللاب وعمري ما هديه لك ارجوكي اهدي وما تهدميش اللي بينا في لحظة غضب انا باقي عليكِ وعلى الحب الكبير اللي بينا .
لكنها كانت قد فقدت ما تبقى من ثقة، ما تبقى من حلم، فقالت بمرارةٍ تحمل ماضيًا يُحرق الحاضر وهي تقف بين الشك والخذلان
تحاول أن تلتقط من كلامه ذرة صدق تُنقذ بها ما تبقى من ثقتها ولكن كلماته كانت كالجدران يمنع تصديقها له :
ـ وه ! كيف قلبك قسي اكده علي ؟!
هتخوني وتطلب مني اني ابقى عليك وعلى الحب الكبير اللي بيناتنا فينه الحب دي ؟!
ثم تلتفت ببطء وفي عينيها ارتجافة ليست خوفًا بل انكسارًا كأنها واجهت للتو جزءًا من "فارس" لم تعرفه يومًا وهي تردد بخزي:
ـ للأسف عرفتك كد ما عرفتك وطلعت ما اعرِفكش ،وحبيتك كد ما حبيتك وطلعت غبية ومبفهمش، ولآخر مرة هقول لك هات اللاب يا "فارس" وريني هتتحدت ويا مين ؟
هز "فارس" رأسه نافيًا والدمع يتجمع في عينيه لكنه أبى أن يسقط وشعر بحرارة تصعد في وجهه كأن كلمتها صفعة غير متوقعة
ومع ذلك ظل ساكنًا كمن يعرف أنه لا يملك مبررًا واحدًا :
ـ يا "فريدة" والله ما حبيت ولا هحب في الدنيا غيرك اللي في دماغك ده أوهام،
ثم حاول أن يزعزع ثقتها قليلاً كي يجعلها تخف من مواجهته لما سمعته من بشاعة وهو يختلق أسباباً واهية :
ـ وبعدين انتِ ازاي تتصنتي عليا بالشكل اللي انتِ سمعت بيه المكالمة ده،
اكيد انتي مركبة لي حاجة هنا في الأوضة؟
سكتت "فريدة" فجأة وهي تنظر له بسخرية كأنها تريد أن تصرخ ولكنها لا تجد صوتها
وكأن حبّها له بات عبئًا يتزايد كلما حاولت أن تتشبث به ثم جاء الجواب كرصاصٍ بارد :
ـ هو دي كل اللي همك؟هو دي كل اللي فارق لك؟
طب اه انا بقول لك اني مركبة لك ميكروفون هنا في الأوضة من ساعة ما سمعتك المرة اللي فاتت وانت هتتكلم في أنصاص الليالي وياها ،قلت اشوف جوزي بيعمل ايه من وراي وفي الاخر انصدمت صدمة عمري،
ثم هتفت بما جعله صُدِم :
ـ طلقني يا "فارس" انا لا يمكن اعيش معاك ساعة واحدة بعد النهاردة ؟
نظر "فارس" إلى الأرض كأنه يبحث بين ذراتها عن طريقة للهروب لكنه يعرف جيدًا أنه لن يستطيع الفرار من جرح سببّه لمن أحبّها ،ثم رفع يديه كأنهما يتوسلان، وصوته انفجر بنداء لا رجاء بعده:
ـ اطلقك ايه انت اتجننتي في عقلك؟!
انا بحبك يا "فريدة" انا ما أقدرش أعيش ولا يوم من غيرك انتِ وبنتنا وما حبتش في الدنيا قدك .
تتراجع "فريدة" خطوة للوراء وكأن كلمات "فارس" صفعتها وهي تتذكر كلمته لتلك الأخرى 'لم أحب أحدا غيرك' نفس الكلمة يقولها لها الآن ، كفاك عبثاً بعقلي الأبله يا رجل ثم سقطت من عينها دمعة لا تريد أن تعترف بها لكن كرامتها كانت أضعف من قلبها،
وكانت قد انتهت من داخله، فأدارت له ظهرها وهي تقول بكبرياء مكسور :
ـ يمكن زي ما انت ما بتقول ويمكن ما حبتش في الدنيا قدي لكن قلبك شكله هيساعي من الحبايب ألف، اني هروح بيت ابوي وتجيب لي ورقتي على هناك خلاص العيشة ما بينا بقت مستحيلة بعد الخيانة واني يستحيل أكمل وياك بعد اللي سمعته بوداني ،
والأغرب من اكده انك خايف عليها مني، خايف إني أجرحها لك بشوية كلام، هو في أكتر من اكده جرح منيك ليا ؟!
اقترب "فارس" خطوة واحدة فقط
خطوة لا تقطع المسافة بينهما لكنها تحاول
وكان في عينيه شيء يشبه الاعتذار الذي لا يُقال ثم أغلق عينيه وهو يصرخ بيأسٍ لا يُسمع :
ـ تروحي فين يا مجنونة انتِ؟!
انتِ لا يمكن تسيبي البيت، والله بحبك وما حبيت غيرك، انتِ ازاي تفكري كده أصلاً ؟
شعرت "فريدة" بأن الكلمات بدأت تخونها
كأنّ كل تبرير سيفتح أبوابًا أُغلقته عمدًا
ولكنها تستحق الحقيقة ولو كانت جارحة
وجائه الجواب كالسيف الأخير في صدره :
ـ اوعاك تحاول تطلعني مجنونة أو بوهم نفسي أو تكدِب وداني اللي سمعتك وسمعت نبرة صوتك وانت هتكلِمها كانك بتتكلم معاي بالظبط ؟
اني كشفتك على حقيقتك انت هتتلون ب 100 لون كيف الحرابى ولأول مرة اندم على اختياري ليك .
ثم غادرت من أمامه وصعدت غرفتها تجمع أشيائها في حقيبتها لتغادر ،تجمد في مكانه، كأن جسده رفض تصديق ما سمعته أذناه وما رأته عيناه، لحظات مرت كأنها دهر، وعقله يرفض استيعاب أنها حقًا ستغادر، تتركه خلفها كأنه لم يكن، هرول نحوها، ونبرة صوته ممزقة ما بين التوسل والذعر، كأنها تحمل بين يديها حياته كلها، وهي تهم برميها أرضًا :
– إوعي تعملي كده يا "فريدة" ،بالله عليكي متخرجيش، إنتي مش فاهمة أنا بحبك قد إيه، أنا قلبي بيتقطع دلوقتي، ما اقدرش أعيش من غيرك، ما اقدرش ، انتِ بالنسبة لي روحي اللي عايش بيها ، أنا أضيع من غيرك .
اقترب منها بجنون، عيناه تائهتان في وجهها الذي صار كتلة من الصمت الصلد، وقلبه يضـ.ـرب جدران صدره كأنه سجين يستنجد بالحرية، مد يده نحو ذراعها، ولمّا أحس بارتجافها، أيقن أن شيئًا ما انكسر ، ولكن أصر على محايلتها:
– بصي لي ،والله العظيم بحبك، بحبك لدرجة ما بتتوصفش، إنتي حياتي، نفسي، دمي اللي ماشي في عروقي، مينفعش تسيبيني كده وتمشي، دي تبقى نهايتي.
تراجعت للخلف خطوة، كأنها تحاول انتشال نفسها من الطين الذي غاصت فيه حتى العُنق، ولم تعد تدري أهذا الحب أم مرض، أهو عشق أم استحواذ؟! نظراته كانت تطعنها، ليست قسوة، بل استماتة :
– دي مش حب نهائي، دي هوس باعتقاد غريب منك، واني عمري ما كنت لعبة في يدك ولا هكون، حبك المتلون اللي مش مفهوم دي هيخنقي يا فارس، هيقـ.ـتلني بعد ما سمعتك وانت هتخوني ومرايدش تديني تفسير واحد للي وداني سمعته .
صـ.ـرخ بها كأنها ألقت بسهم في صدره، واندفع نحو الباب ليقفله بعـ.ـنف، ثم التفت إليها وعيناه كجمرتين:
– مش هتمشي ،مش هسمح لك تروحي منّي، فاهمة؟ إنتي بتاعتي أنا، بتاعت "فارس" وأنا مش هسيبك، ولا يوم، ولا ثانية ، كل حتة فيكي ملكي ، قلبك وروحك ونفَسك وجسمك كله بتاعي وملكي ،
ثم اقترب منها وجذبها بعـ.ــنف حتى ارتطمت بعظام صدره وهو يُطلق سبابته على شفتيها معلناً ملكيتها له :
ـ حتى شفايفك دول بتوعي ، كلك على بعضك ملك الـ"فارس" يا "فريدة" .
شعرت بالأرض تميد من تحتها، ما عاد أمامها مفر، ولا خلفها مأوى ،وقفت تتنفس بصعوبة، تراقب بعينين متسعتين تفاصيل وجهه وهو يقترب، كأنها تراه لأول مرة، تراه لا كما أحبّته بل كما أخفته الأيام خلف قناع زائف :
– إنت مين؟! فين "فارس" اللي كنت هحبه؟ فين الإنسان اللي حلف لي إنه عمره ما يأذيني؟! ودي مش أذية دي خيانة فاهم يعني ايه خيانة ؟!
مد ذراعيه ليحتضنها، أراد أن يدفـ.ـنها داخله، كأنه يخبئها من العالم، لكنها دفعته بذعر، صرخة خرجت من صدرها لا تشبهها، كأنها تودّع ثقتها كلها :
– بعد عني متلمسنيش، أني هخاف منيك،
أيوه بقيت بخاف منيك، ومقدراش أصدق إن دي إنت اللي حبيته وراهنت قلبي عليك!
أصرّ بشدة وكأن الحب عنده لا يُرد، لا يُناقَش، لا يُفلت ،شدها إليه بيدين مرتجفتين، يقبّل وجنتيها بشراسة الحب المجنون، ويهمس بعبارات خافتة، كأنها تعاويذ لاستحضارها من بُعد آخر وكل ما في مخيلته أنها ستبتعد وتتركه وحيداً كما تركته "عبير" وحيداً ، حقا أصابه الجنون وأصبحت حالته يرثى لها :
ـ "فريدة"، إنتِ بتقولي ايه ده أنا "فارس" اللي كنتِ بتضحكي معاه وبتهربي له من الدنيا ، أمنك وأمانك إزاي بتخافي مني؟! إزاي؟! أنا اللي كنت عايش بيكي، وما صدقت إنك تبقي ليا، إزاي دلوقتي بتبعدي وتصدّي وتحاولي تهربي وعايزة تسيبني زي كلها؟!
ثم خلل أصابعه بين خصلات شعره بحزن شديد وهو ينعي نفسه بألم :
ـ آااه يا الفارس كل اللي بتحبهم بيبعدو عنك ، بيمشوا ويسبوك ، ليه يارب ليه ؟
ثم على حين غرة جذبها بعـ.ـنف وكل خلية بجسده تدق كالطبول وأمال وجهه نحوها ليقبّل شفتيها بعـ.ـنف وكأن بتلك الحركة يضمن وجودها معه ، يثبت لها بتملكه الخانق لها أنها ملكه ،لكنها أمالت رأسها بسرعة، فتلامس وجنتها بشفتيه، واهتز جسدها كله من الرعب، كأنها كانت على وشك السقوط في بئر بلا قرار، سحبت جسدها بقوة من يديه المتشبستين بها بعـ.ـنف ودموعها تتزاحم في عينيها، لكنها تأبى أن تخرج :
– أنا مش هفضل محبوسة اهنه، افتح الباب، إنت مش طبيعي، إنت هتقـ.ـتلني بإسم الحب الموهوم اللي مليان خيانة والحب عمره ما كان سجن، ولا كان خوف!
ظل واقفًا في مكانه، كأن قدميه التصقتا بالأرض، وأنفاسه تتقطع وهو يراها ترتجف أمامه، لم يقصد إخافتها، لم يكن يريد إلا أن يحتفظ بها بجانبه لكنها الآن تخافه، تنظر إليه كأنه كابوسها :
– طيب أعمل إيه؟! قولي لي أعمل إيه علشان تصدقي إني بحبك؟! أقـ.ـتل نفسي؟! أخرجك من حياتك وانهار؟! إنتي مش شايفة إن قلبي بيتفتّت قدامك؟!
انكمشت على نفسها، كأن الكلمات تلسعها، كأنها تتلقى طعنات لا دم فيها، مدت يدها نحو المقبض تحاول فتح الباب، لكنه أغلقه ثانية وأدار المفتاح، ثم أسنده خلف ظهره كأنه يتحداها:
– والله ما هتخرجي من هنا، مش علشان أذيّك، بس علشان أفهّمك إني بحبك، وإنك ليا، ومش هقبل تبقي لحد تاني، ولا حتى تسيبيني وتروحي، فاهمة؟!
نظرت إليه بدهشة مخلوطة برعب، وكأنها أخيرًا فهمت أنها لم تكن تعرفه يومًا، وأن الرجل الذي أحبّته ربما لم يكن موجودًا أصلًا، بل كان ظلًا صنعته أحلامها:
– انت مجنون، وأني اللي صدقت إنك "فارس" الأحلام ، وأهه طلعت "فارس" السجان والخوف والانكـ.ـسار.
*********
بلهجة متوترة وبوجه يعلوه التعب، دخلت "رحمة" المطبخ وهي تخبر "أم محمد" صوت خطواتها يشي بإرهاق دفين ومع ذلك وجهها لا يزال متماسكًا حتى في غمرة الإنهاك، التفتت بنظرة مستعجلة إلى "أم محمد" وهي تمسح جبينها بتنهيدة مثقلة يا "أم محمد" حضري الغدا للمتر على ما ياخد شاور وينزل.
أومأت "أم محمد" بسرعة، وابتسامة محبة على ملامحها المتعبة، تحمل في قلبها ولاءً لهذه الأسرة التي تخدمها بإخلاص منذ سنين، وهي تشعر بثقل التعب على ظهرها لكنها لا تتردد :
ـ حاضر يا أستاذة من عينيا .
صوت "فيروز" كان يعكر لحظة السكون، قفزت الصغيرة بحيوية طفولية في أحضان "أم محمد" وبين لهوها وضحكها كانت تشد أطراف "أم محمد" التي بالكاد تستقيم من آثار العمل، لتشكو وهي تداري ضيقها بابتسامة محبة :
ـ بس يا "فيروز" يا بتي هديتي حيلي وإني ست كبيرة وعايزة أخلص الغدا للأستاذ "ماهر" اقعدي زينة عاد ولا روحي لماما .
استدارت "فيروز" بعينيها اللامعتين بشقاوة، وكأنها لا تسمع إلا صوت قلبها النقي، قلب يريد الحب والحنان و كلماتها خرجت وهي تلوح بذراعيها وتبتسم بكل ما تملكه من براءة:
ـ تؤ تؤ أنا أحبك يا "تيتا" انتِ حلوة تجيبي "لفيروز" عصير مانجا وتجيبي لها شوكليت وآيس كريم ومامي تقول لي لما أخلص شغل أجيب لــ"فيروز" اللي هي رايداه .
اقترب "ماهر" من المشهد بصلابة رجل يحمل همّ البيت على كتفيه، عيناه تتنقلان بين الصغيرة و"رحمه" بشيء من الحنان المشوب بصرامة يعتاد أن يخفيها خلف نبرة صوته الغليظة، انحنى قليلًا وهو يتحدث إلى ابنته التي لا يقوى أن يراها جائعة:
ـ حبيبة "بابي" لما تكوني رايدة شئ كلمي "بابا" وهو هيجيب لك اللي انتي رايداة يلا تعالي اتغدي مع "بابي" علشان ما بيعرِفش ياكل لوحده واصل .
استدار بنظره الحاد نحو "رحمة"، حواسه تشتعل بغـ.ـضب خفي وغيرة مستترة خلف سؤال يبدو عابرًا، لكنه يحمل ما هو أكثر من مجرد دعوة للطعام:
ـ وانتِ يا أستاذة "رحمة" مش هتاجي تتغدي وياي ولا هتفضلي ماسكة اللابتوب المخروب دي ليل ونهار .
رفعت "رحمة" عينيها عن الشاشة دون أن تخلع منها أثر الإجهاد، بدا صوتها محايدًا لكن ملامحها كانت تحمل تذمرًا داخليًا يكاد يصرخ من تحكمه الزائد عن الحد خلال الأيام الماضية، شفتاها تحركتا بخفة لكنها كانت تخفي شيئًا أكبر خلف هذا الرد القصير :
ـ معلش يا "ماهر" اني أكلت ساندوتش وأني قاعدة من شوي ومقادراش آكل حاجة تانية وكمان شغالة على قضية مهمة من بقالي يومين صعبة جدا ومحيراني .
اتسعت عينا "ماهر" بانزعاج مكتوم، تراجع خطوة وكأن صدره امتلأ بما لا يقال، غضبه كان يتسلل بهدوء إلى نبرة صوته دون أن يصرخ، لكنه كان كفيلًا بإشعال أي هدوء :
ـ سبحان الله حياتك كلاتها بقت قضايا ولابتوب وموبايل ؟!
الحالة دي ما تنفعش وياي واصل لازمن تفصلي ما بين شغل المكتب وما بين بيتك وجوزك وبنتك يا هانم ولا انتي شايفة ايه يا حضرة الديفا ؟
رفعت "رحمه" رأسها بتحدٍ، صوتها لم يعلُ لكن عيناها كانتا كفيلتين بإعلان الحرب، وكأنها لا تخشى هذا الطبع النـ.ـاري الذي يملكه، بل تواجهه بندية تشبه النــ.ـار التي تحـ.ـترق بها هي الأخرى من الداخل:
ـ يعني أعمل إيه أسيب شغلي واللي وراي والقضايا اللي مسؤولة مني ينفلقوا علشان حضرتك زعلان إنك هتاكل وحدك ؟!
زفر "ماهر" بحدة، حدق بها نظرة طويلة كأنها تحمل كل اللوم الذي كبته منذ زمن، جسده ثابت لكن صوته كان مليئًا بالقهر والغيرة المختلطة بالإحساس بالإهمال:
ـ آه تسيبي كل حاجة أني برده ببقى سايب القضايا في المكتب وما بجيبهاش اهنة البيت ولو كانت قضية مهمة زي اللي هتمسكيها في يدك بركنها على جنب وأقعد عليها ساعة بالليل قبل ما أنام والموبايل بيترمي زي ما انت شايفه اكده طالما رجعت البيت .
ابتلعت "رحمه" ريقها بصعوبة، وكأن الكلام صار سكـ.ـينًا تجرحه وتؤلمها رغم تمسكها بموقفها، صوتها كان أقرب لصفعة تحاول أن تعيد التوازن لنفسها:
ـ هو انت عايز تتخانق وخلاص وتطلع أي أسباب تطلعني فيها مقصرة انت راجع من شغلك لقيت واكلك جاهز وبيتك نَضيف وبتك زي الفل ومخلصة الواجب بتاعها وكل حاجة تمام والدنيا هادية .
اقترب منها "ماهر" خطوة وهو يشير بيديه مستنكرًا، وطبعه النـ.ـاري انفـ.ـجر في عينيه قبل صوته، لم يعد يخفي غيرته ولا نقمته على غيابها عنه، كل كلمة خرجت منه كانت تعبر عن رجل يرى نفسه مستبعدًا من حياة من يحب :
ـ طب انتِ عميلتي إيه في اللي انت هتقولي عليهم دول كلاتهم ؟
بنتك المسؤولة عنها "أم محمد" هتوكلها وهتشربها وهتاخد بالها منيها ليل ونهار والست كبيرة وما تقدرش على دلع "فيروز" والبيت مش انتِ اللي هتنضفيه ولا مسؤولة عن تنضيفه ،ولا حتى الوكل ما عدناش ناكل من يدك حاجة خالص يا إما هتجيبيه جاهز يا إما هتخلي "أم محمد" هي اللي تعمله، وبالنسبة للواجبات هتجيبي لها مدرسين البيت وهتدفعي لهم أضعاف علشان حتى الواجب يحلوه معاها، فين دورك كأم مع بنتك ؟
نظرت إليه "رحمه" بعيون مشتعلة، لا خوف فيها بل رفض صريح للمواجهة، كان الغضب في صدرها يوازي نيران صوته، وقررت أن تنهي الحوار دون أن تفقد أعصابها:
ـ لاه أنا ما فايقاش للحوارات دي خالص النهاردة ممكن نأجل الخناق لما نطلع أوضتنا بالليل وقول اللي نفسك فيه كلاته .
ضحك "ماهر" ضحكة ساخرة لكنها كانت تحمل انكسارًا داخليًا، صوته ازداد غلظة وكأن الجرح قد تعمق أكثر، نظراته كانت كالسـ.ـكين الذي يشق روحها إلى نصفين:
ـ بالليل أيوة لما الهانم تخلص اللابتوب بتاعها والموبايل يكونوا خلاص أصلًا قربوا يفصلوا منيكي هتطلعي على سَريرك طوالي وهتقولي آه يا عيني آه يا راسي وتنامي بسبب وحلتك مع الشغل وكأني ما لكيش راجل ولا بيت ولا بنت مسؤولين منك ورعايتنا واجبة عليكي !
رفعت "رحمة" حاجبيها بسخرية متألمة، وقررت أن تنسحب، اختارت أن تبتعد قليلًا بدلًا من أن تشتعل أكثر في حضرة رجل لم يعد يرى إلا تقصيرها :
ـ طب تمام طالما الحوار فيه خناق وهتحمر لي عينيك وهتشد لي أعصابك أني هاخد بتي وهنطلع ننام في حضن بعض وانت خليك مع خناقك يا حضرة المتر المبجل.
تركها تصعد مع ابنتها كي تنيمها وتناول عشاؤه وحيداً كالمعتاد وبعد أن انتهى قرر الصعود إليها ، دلف إليهم الغرفة ونظر إليهم ولاحظ غياب الصغيرة، فخفض صوته للحظة وسأل بنبرة لم تخلُ من الحدة رغم هدؤه الظاهر:
ـ البنت نامت ولا لساتها صاحية ؟
أجابته "رحمة" بنبرة مقتضبة وهي تدير له ظهرها، أرادت إنهاء هذا الليل بأي ثمن :
ـ أهه نامت واطفي النور عشان عايزة أنام اني كمان.
تقدم نحوها ببطء محاولًا تهدئة الموقف، رغم أن الغضب لا يزال يشتعل في عينيه، كانت كلماته تحمل أمرا لا نقاش فيه :
ـ طب يلا قومي على أوضتك وسيبك من لعب العيال ده يا "رحمة" ؟
لكنها لم تتحرك، كانت ثابتة كالجبل، تنظر إلى الحائط كمن يبحث فيه عن مفر، رفضها لم يكن مجرد عناد بل كان صرخة مكتومة من قلب مثقل:
ـ لاه مقايماش ولا عايزة أنام جارك ، كل يوم هتنكد علي وهتتخانق وياي روح بقى اتخانق مع الوسادة بتاعتك وأني هنام جار بتي اهنه.
انتفخت أوداج "ماهر" وصوته خرج كالرعد، نبرة تنذر بعاصفة قادمة، غضبه بلغ الذروة ولم يعد يقوى على كتمانه :
ـ "رحمة" الزمي حدودك وياي ، واعملي حسابك مش هتمشي علي يا بت "سلطان" ، نوم إيه اللي هتناميه جار بتك؟
شكل صواميل مخك فوتت منك، الكلام دي ما هيحصلش في بيتي، قومي بهدوء يا "رحمه" وارجعي على الأوضة علشان عايزة أتحدت وياكي شوية وتنسي حوار إنك تنامي بعيد عن سَريرك اللي هو سَريري غير اكده ما هيحصلش واصل .
حدقت "رحمة" فيه بعينين زائغتين من كثرة القهر، صوتها كان يحاول أن يبدو قويًا لكنه ارتجف في صدرها لحظة النطق :
ـ وه! هو النوم بالعافية إياك ولا إيه؟
أني مريداش أنام جارك ،إديني مساحتي في إني زعلانة منك وعايزة أبَعد عنيك شوي .
زم "ماهر" شفتيه وأشار بيده مهددًا، كان كمن يفقد آخر خيط من صبره، وقرر أن يفرض وجوده كرب للبيت وكأن أي تراجع هو إعلان هزيمة وهو يأمرها :
ـ مساحة مين يا هانم يمين بعظيم يا "رحمة" إن ما قمتي دلوك وسبقتيني جري على أوضتنا لا هتبقى ليلتك مش معدية،
وأكمل وهو يحاول استفزازها وهو يسحبها من على التخت متمسكاً بكتفيها بتملك وعناد :
ـ واعملي حسابك إني بقى رايدك والليلة كماني ومزاجي هيقول لك السهرة صباحي فلمي الدور وقومي من السكات .
نزعت يده بعيداً عنها بنفس العناد ثم جذبت الغطاء حول جسدها بحدة، وكأنها تصنع سجنًا لها من القماش، تتحدى به الغضب والغرام به معًا وهي تجلس على التخت مرة أخرى:
ـ وه هو انت هتغصبني إياك على إني أنام جارك طب مقيماش يا "ماهر" وأهه إديني متبتة في سَريري جار بتي ومرايحاش حتة.
اقترب "ماهر" منها بعنـ.ـف ظاهر، تحولت خطواته إلى تهديد صريح، لم يعد يطيق مزيدًا من التمرد:
ـ كده طب انت اللي جبتي لنفسك يلا بقى .
وعلى حين غرة حملها بين ذراعيه فكانت بين يديه كاللبؤة في يد الأسد فصـ.ـرخت وهي تحاول الإفلات من قبضته، نظراتها مليئة بالعناد والرفض، فـكانت تقاوم رجلًا لا يفهم الرفض بسهولة:
ـ بعد يدك عني نزلني يا "ماهر" بطل شغل العيال اللصغيرة دي مش هنام جنبك يعني مش هنام جنبك وسع يدك داي ومتقفلش الباب عاد .
توقف "ماهر" لحظة ونظر إليها بغضب كامن تحت جلده، وغضبه المكبوت ينفـ.ـجر بها دون رحمة، كلماته كانت خناجر موجهة نحو كبريائها الجريح :
ـ مالك يا بت "سلطان" شادة حيلك اكده ليه؟
مشايفنيش راجل قدامك علشان تروحي تنامي جار بتك وتسيبي جوزك ؟!
اعملي حسابك الحركة دي إن اتكررت تاني هكـ.ـسر عليكي السرير والأوضة فوق دماغك يا "رحمة" واظبطي الكلام معاي علشان أني مش راجل لا مؤاخذة علشان تمشيني على كيفك أنا اهنه الراجل ولازم تسمعي كلامي .
ثم أوصد الباب جيداً وخلع ملابسه وأصبح عاري الصدر أمامها ثم جذبها عنوة عنها وأوقفها أمام الدولاب وفتح ضلفتها آمراً إياها وهو يدير وجهها ناحية خزانة الملابس واحتضنها بتملك شديد من ظهرها مما استدعى تذمرها وهي تحاول الإفلات من بين عظام صدره ولكنها لم تفلح مما جعله همس بصوت أجش خشن وبنبرة متشبسة بها وهو يخرج لها قميصاً باللون النبيذي قصير بعض الشئ :
ـ متحاوليش تطلعي من بين ضلوعي علشان هتتسحقي جواهم يابت "سلطان" ودي ليلتك وتلبسي لي الحتة النـ.ـارية دي علشان مزاجي طالب الليلة يتظبط ولحد الصبح وتصحي بنفسك تعملي لي مساج وتحضري لي الحمام بنفسك وكمان هتعملي لي الفطار بيدك الناعمة داي يا بت "سلطان" ومفيش مكتب ولا محكمة بكرة هنقضي طول اليوم تروقيني اكده شكل ما نكون عرسان جداد .
انتفضت من تحكماته فتحولت بجـ.ـسدها وإذا به يتمسك بذراعيها بتحكم شديد وعيناه تنظر إليها بصرامة وتحدي فانفـ.ـجرت به وهي تقف أمامه كالفأر أمام القط الشرس :
ـ وه ! هي عافية ولا ايه ؟ معايزاش حضنك ولا تقرب مني أني زعلانة منك .
وأكملت برفض قاطع لما يطلبه منها بنبرة ساخرة :
ـ وبعدين شغل ايه اللي عايزني أقعد منه الصبح يا سي السيد يا بيه ؟
أني ورايا شغل مهم ورايحة المحكمة أخلص شغل مهم وبكرة بالذات مينفعش.
تمسك بخصلات شعرها من الخلف يلويها بين يديه لدرجة أوجعتها وهو يخبرها بتشبس قاطع لا جدال فيه:
ـ مفيش مرواح مكتب ولا محكمة ولا موبايل ولا لاب توب ولا أي حاجة واللي هقوله هيتنفذ يا "رحمة" .
دبت قدميها في الأرض باعتراض وهتفت بتذمر :
ـ لاااه بقي اني مش هعمل اكده واصل، هي قوة واقتدار ولا ايه ؟
حرك رأسه للأمام ببرود وبنبرة كالجليد عرفها:
ـ اها ، قوة واقتدار وإن كان عاجبك بقي يا "رحمة" ويالا بقي علشان أني عايزك تفكي لي عضلاتي وتروقي علي علشان اني مش عاجبني.
توترت من اقترابه وأنفاسه التي تلاحقها ولمساته المدروسة لها وكأنه يعرف مفاتيح أنثاه الشرسة العنيدة فضعفت من اقترابه وبالتحديد حينما جذب يدها و وضع به القميص الخاص بها وأكمل بنبرة خشنة وبنظرة عيناي راغبة بها جعلتها ابتلعت أنفاسها بصعوبة:
ـ طب متضيعيش الوقت بقى علشان إنتي عارفاني مخي جزمة قديمة واللي عايزه هيتعمل مهما عملتي .
ابتلعت أنفاسها بصعوبة بالغة من اقترابه بذاك الشكل الذي أثارها لتهتف بنعومة وهي تلكزه بكتفها في صدره بدلال شديد وهي تمط شفتيها للأمام وتعلم جيداً ان تلك الحركة تجعله يقف أمامها بلهفة نظراً لدلالها الأخاذ:
ـ طب انت مزعلني وقاهرني هبسطك كيف ؟
أجابها بإحساس وشجن :
ـ ملكيش صالح يابت "سلطان" البسي دي واني هعرِف أبسط حالي وأخليكي تعرِفي تبسطيني كمان ،
وأكمل وهو يغمز لها بشقاوة وعبث:
ـ دي اني الخط لو موخداش بالك يعني .
وبعد ارتداؤها لما يريد اقترب "ماهر" منها بخطوات ثابتة تنبض برجولته الصارمة وكأن الأرض تفرش له طريقًا من الهيبة والجاذبية
عيناه تشعان بلهيبٍ مكبوتٍ يحمل وعودًا لم تنطق بها الشفاه لكن الجسد فهمها دون ترجمان،مدّ يده نحوها بسلاسة فيها من الحزم ما يربك الحواس ومن الحنان ما يذيب الكبرياء ،"رحمه" رغم عنادها المتأصل شعرت بقلبها يذوب أمام حضوره المتفجر وكأنها تُسحب برضا غافل نحو قدر محتوم
في لحظة التقاء العيون سحبها لعالمه بلا مقاومة كأن أنوثتها تعرف تمامًا كيف تُنصت لرجولته دون كلمات
**********
كان "آدم" يحتضن "مكة" كأنما يحتضن الحياة ذاتها، ذراعيه يلفّان جسدها الهش كدرعٍ من الأمان، وصوته ينساب في أذنها كنسيمٍ عذبٍ يغني:
بتلوموني ليه، لو شفتم عيينه حلوين قد إيه هتقولو انشغالي وسهد الليالي مش كتير عليه .
لم تكن تلك اللحظة عابرة كما كل اللحظات، بل كانت أشبه ببوابةٍ تؤدي إلى فردوسٍ صغيرٍ أقاماه معًا بعيدًا عن العالم، بعيدًا عن الوجع، بعيدًا عن الناس الذين لطالما حاولوا تحطيمهما،
قال لها "آدم" بصوته الرجولي الحاني، بينما كان يمرر أصابعه على خصلات شعرها المتدلّية على كتفه:
ـ إنتِ مش بس مراتي يا "موكة" إنتِ قلبي وروحي وعقلي ونبضي ودمي ،إنتِ الهَدوء في زمني اللي كله دوشة ،إنتِ السَكينة اللي دايمًا بدور عليها وبلقيها في حضنك ،من يوم ما اتجوزنا والله ما حسّيت بالملل لحظة .
ابتسمت "مكة" وهي ترفع رأسها لتنظر في عينيه، عينيه اللتين لم تعرفا يومًا لا الخذلان ولا التردد، عينيه اللتين رأت فيهما وطنًا حين ابتعدت عن وطنها الحقيقي وأهلها وصديقاتها وأحلامها القديمة ،
وردّت عليه بصوتٍ يقطر عشقًا وامتنانًا، وهي تمسح على وجهه بأناملها الرقيقة:
ـ أني عشت عمر ما كنتش فاهمة يعني إيه راجل يحتوي ست لحد ما شوفتك، أني كنت فاكرة إن الحب ضعف وإن الراجل عمره ما يحس، بس انت غيرت لي المعنى كلاته، انت حضني في الغربة، وأماني في البعد، وسندي وقت الضعف، انت نعمة كبيرة أوي من ربنا .
ضمّها إلى صدره بقوةٍ أكبر كأنه يحاول أن يخفيها من هذا العالم، كأنه يخاف أن تُؤخذ منه، أو أن يفيق ليجدها لم تكن يومًا حقيقته
ثم همس في أذنها كأنما يحفر كلماته في ذاكرتها للأبد:
ـ لو اتكتب لي ألف عمر، هختارك كل مرة، ولو خيروني بين الدنيا كلها وبينك، هختار حضنك من غير تفكير .
ضحكت "مكة" برقةٍ وسعادة، ثم غمغمت وهي تشد على يديه :
ـ أني ماليش غيرك يا "آدم" وربنا عالم أني قد إيه هحبك انت وولادنا وأي وجع جربته في حياتي راح لما ضميتني لحياتك ،كنت هشوف الحب مستحيل، بس انت خلتني أعيشه بجد.
غمرتهما لحظةٌ لا يُقاس زمنها بالساعات، لحظةٌ كانت تكفي عمرًا بأكمله ،لو لم يكن القدر قد كتب صفحةً أخرى بمداد أسودٍ لا يعرف الرحمة .
******
في شقةٍ فارهة، وأثاثٍ يلمع كالذهب، كان "سيف"، ابن عم "آدم"، يجلس على الأريكة الجلدية بجوار أخيه، وقد بدا عليه التغيّر الكبير، وجهٌ اكتسى بقسوةٍ نضجت من الحقد، ونظرةٌ تشبه لهبًا لا يطفأ ،
فـقال "سيف" وهو يشعل سيجارًا فخمًا، ثم ينفث دخانه في فراغ الغرفة :
ـ انت عارف آخر مرة شوفت فيها "آدم" كنت عامل إزاي ؟
كنت واقع على الأرض، ووشي كله ورم وأغلى الناس عليا سابتني لأني اتضربت قدامهم واتذليت الخطوبة اتفسخت، والناس بقت تتريق عليا في كل مكان لدرجة ان خطيبتي سابتني علشان مش شايفاني راجل بسبب اللي عمله فيا الحيوان ده .
رمقه أخوه بدهشةٍ ممزوجة بالحذر:
ـ بس انت سافرت ونجحت وبقيت مليونير، خلاص يا "سيف"، عدت وعدّينا ، فكر بقى في شغلك واستقرارك هنا وفكك منه .
قهقه "سيف" ضاحكًا، ضحكةً لا تحمل في طيّاتها شيئًا من الفرح :
ـ عدت؟! إزاي تعدي وأنا كل يوم بشوف الفيديو بتاع الضرب قدامي! ده أنا اتعرّيت، اتعرّيت كراجل قدام الدنيا كلها ، وهو السبب ولازم يدفع التمن .
صمت لحظة ثم مال للأمام، عيناه تلمعان بخطةٍ شيطانية:
ـ أنا محضر له مفاجأة، مفاجأة هتخليه يندم إنه اتولد أصلاً ، هخلي حياته جحيم، ومراته دي، آه مراته... المزة دي هتبقى ليا، هخـ.ـطفها من حضنه، وهخليه يشوفني وأنا باخدها منه وهو مش قادر يعمل حاجة .
تنحنح أخوه وقد بدا عليه التوتر:
ـ انت بتتكلم جد؟ دي مراته وبتحبه بجد، وباين عليهم سعدا إنت ناوي تخرب عليهم ليه؟
ضرب "سيف" بكفّه على الطاولة الخشبية أمامه حتى ارتجّت الكؤوس :
"لأنه خربني وأنا لما انتقِم، بنتقم بقلب ميت ومراته دي مش هتفلت بردو من تحت ايدي دي أول خطوة في تدميره وهبدأ بيها .
عاد يضحك، ضحكةً لا تمتّ للإنسانية بصلة، وكأن الشيطان ذاته قد سكن فيه، عيناه تبرقان كأنه يرى مشهده المنتصر مسبقًا، وكأن دمار "آدم" و"مكة" بات محتومًا لا محالة،
أما في تلك اللحظة، كان "آدم" و"مكة" لا يزالان يحتضنان بعضهما، غير عالمَين أن عاصفةً مدوّية تقترب منهما، تقترب بصمتٍ شيطاني، في زمنٍ لا يرحم الطيبين، ولا ينجو فيه العاشقون بسهولة .
رواية من نبض الوجع عشت غرامي الفصل الرابع 4 - بقلم فاطيما يوسف
رواية من نبض الوجع عشت غرامي (ج3) الفصل الرابع 4 - بقلم فاطيما يوسف
الفصل الرابع من الجزء الثالث
رفعت "رحمة" رأسها ببطء كأنها تعود من عمق بحر أفكارها، عيناها تترنحان بين الانزعاج والدهشة، شعرت للحظة أن طلبه هذا أشبه بعبثٍ غير منطقي في خضم جدول مزدحم بالمواعيد والتقارير :
ـ يووه يا "ماهر" أني وراي شغل كَتير، والله اليوم ده مزدحم بشكل مش طبيعي، واللابتوب مليان تسليمات وملفات متأخرة بلاش الموضوع دي النهاردة بالله عليك .
لم تتغير ملامحه، بل بدا كأن عنادها أشعل فيه فتيلًا لا يُطفأ، حدّق فيها بثبات كأن عينيه تُلقِّنها درسًا لن تنساه، رفع يده عن المكتب وضمّها خلف ظهره وسحب نفسًا عميقًا :
ـ "يولّـ.ــع الشغل، ويولّـ.ـع اللابتوب والتقارير واللي بتكتبيه من الصبح، بنتنا لازم تخرج النهاردة، وإحنا لازم نكون وياها، غصب عننا هنفضي وقت ليها، إحنا مش مكلفين نعيش نشتغل وننسى البنت ، ولو حكمت يوبقى ما فيش شغل خالص ليكي يا "رحمة" .
ارتجفت شفتا "رحمة" للحظة من وقع كلماته، لم تكن معتادة أن تسمعه يقاطع خططها بتلك الحدة، لكن عنادها الفطري دفعها إلى المواجهة، فرفعت حاجبيها واعتدلت في جلستها وقد زاد جمود نبرتها:
ـ "أني مش ناسية بتي يا "ماهر" بس كل حاجة ليها وقتها، النهاردة بالذات مش هينفع عاد، حداي مقابلات مهمة، والعميلة اللي مستنياني دي مش هتعيد الجلسة لو اتأخرت ، وحوار اني اسيب الشغل دي مستحيل يوحصل بعد ما نجحت النجاح دي كلاته.
زمجر صدره بحنقٍ مكبوت، ورجولته تأبى عليه أن تُبرر له بهذا الشكل، شعر أنها تُفرّغ الحياة من جوهرها، تُسلّمهم إلى شاشة وكيبورد وكأن ابنتهم كائن ثانوي لا يستحق انتظارًا أو تضحية، تقدّم منها حتى صار بين جسديهما مساحة لا تُذكر، وصوته خرج من صدره بثقلٍ لا يرحم :
ـ كل حاجة ليها وقتها ، ايوه صوح؟!
وبنتك داي وقتها إمتى يا "رحمة" هانم؟ إمتى هتحسي بيها لما هتنادي عليكي وما ترديش؟
لما تعيط في وسط حاجة مضيقاها ولا تعباها في ركن وحديها عشان مفيش حضن حنين يحتوي وجعها وخوفها كطفلة؟
لاااه يا "رحمة"، النهاردة لازم تسيبي كل دي وتركزي معانا، انتي أم طول الوقت لكن مش موظفة غير في بعض الوقت .
توسعت عيناها بامتعاض، لكن في عُمقها شيءٌ موجع بدأ يتسلل، كبذرة تأنيب تفتحت رغمًا عنها، لكن عنادها ما زال متشبثًا بأطرافها، كأنها تخشى أن تعترف له بأن لديه حق، فتنهار أمام صلابته :
ـ أني مش هسيب شغلي كل شوية اكده، أني ببني مستقبلي، وببني مستقبل بنتي، وبكفي إني شايلة البيت كله لوحدي ومكفية بيتي ومسؤلياتي ومطالبتش منك أي مساعدة كزوج ، فـ بالله عليك ما تزايدش عليا في دوري كأم.
هزّ رأسه ببطء، وكأن كلمتها الأخيرة كانت مسمارًا دُقّ في نعش احتماله، اقترب أكثر حتى كاد صوته يُلامس جلدها، وقال بهدوءٍ مضغوط بالغضب:
ـ لااا يا هانم انتي مشايفاش حاجة من كتر الشغل ،مشايفاش إن بتنا بتضيع واحدة واحدة، ولا شايفة إنك هتستخدمي الشغل عشان تهربي من حياتك، مني، منها، من نفسك حتى، علشان تثبتي لنفسك حاجة كبيرة هتخسري قبالها حاجة أكبر ،
فمن السكات اكده تلبسي ويالا هنخرج دلوك من غير نقاش.
أحست فجأة أنها بين مطرقة كلماته وسندان ضميرها، شيئًا ما في عينيه جعلها تبتلع لسانها للحظات، لكن تمردها على الاستسلام ظل ينقر في قلبها بلا هوادة :
ـ "ماهر"... أرجوك بلاش الأسلوب دي معاي، أني مش طفلة، وأني حرة في وقتي، ودي حاجة بيني وبين بنتي، ما تدخلش نفسك في أسلوبي معاها، بلاش تفرض رأيك عليا بلاش تحسسني اني مموتاها معاي للدرجة دي .
ضحك ضحكة قصيرة مفرغة من أي دفء، ضحكة من يسمع كلمات لم تعد تدهشه، ثم أردف بصوتٍ حاسمٍ قطعي:
ـ "ماشي، سيبيكي مني ،سيبيكي من رأيي، بس بصي في عين بنتك، اسألي حالك لو فرحانة، لو حاسة بأمان، لو بتحس بحضنك أصلاً، انتي أمها يا "رحمة" يعني الأولى بكل تفاصيلها مش أي حد غيرها .
سكنت كلماتُه الهواء كصدى ثقيل، شعرت "رحمة" وكأن الأرض تميد تحتها، كأن جدارها الحديدي المُحصّن بدأ يتشقق، لم ترد، لم تنطق، فقط نظرت إلى شاشة اللابتوب، ثم إلى يده الممدودة نحوها، يد تأمر، تُصرّ، تُنازع عنادها برجولته التي لا تستأذن ،
ثم زفر "ماهر" زفرة طويلة كأنها تحمل كل خيبته وكل توقه، اقترب مجددًا، وضع يده على كتفها برفقٍ مفاجئ، وصوته أصبح أكثر هدوءًا وإن ظلت النيـ.ـران مشتعلة داخله :
ـ "أني مش عايز أخرج لوحدنا، أني عايزك معانا، عايز "فيروز" تضحك وتبص تلاقينا جنبها، مش تُبقى بتلعب تدور علينا، ولا تتعود على إننا هنحبها من بَعيد لبَعيد بزياداكي بعد عن بتنا يا "رحمة" .
رفعت نظرها إليه، ورغم الغضب المتراكم في صدرها، وجدت نفسها تُحدّق في عينين لا تزالان تُحبها رغم كل شيء، عينين تحملان وجعًا لم تلتفت له من قبل، شعرت بالارتباك، بالصراع، برغبة دفينة في التراجع لكن كبرياءها كان يصفق لها من الخلف رافضًا :
ـ طب هحاول اخلص بسرعة وهجهز علطول اديني حبة وقت بساط .
قاطعها فورًا، كأن أي تردد منها لم يعد مقبولًا:
ـ لااه، مش ممكن ،قومي دلوك، اني هستناكي عشر دقايق، لو ما نزلتيش خلالهم، هطلع لك تاني وأكرر الكلام ده، بس المرة الجاية مش هيبقى بنفس الهدوء يا "رحمة" اتقي شر الحليم إذا غضب .
ثم استدار مغادرًا الغرفة، وخلفه ترك سحبًا من التفكير تنهش عقلها، وظلالًا من الذنب تلاحق أنفاسها، وبين يديها لوحة مفاتيح باردة لم تعد تشعر نحوها سوى بنفور خافتٍ بدأ ينمو في صدرها ببطء، ثم جهزت حالها للخروج على مضض منها وجهزت ابنتها ولكن لم تنسى جهاز الحاسوب واصطحبته معها ،
وصلا إلى المكان المخصص للأطفال الذي قام "ماهر" بالحجز معهم مسبقاً وبعد جلوسهم مايقرب من نصف ساعة أتته مكالمة مهمة فابتعد عن المكان قليلاً كي يجيب المتصل نظراً للضوضاء الموجودة في المكان بسبب الأطفال ، وما إن قام من مكانه حتى استغلت "رحمة" قيامه وأخرجت الحاسوب من حقيبته وبدأت تراجع ملفها المهم بالنسبة لها فهي في استغلال الوقت لا يهمها شئ :
ـ من فضلكم يا جماعة فين مامت الطفلة "فيروز ماهر" ؟
انتظرت المشرفة الرد وهي تمسك بيدها الطفلة وكانت حالتها صعبة وهي تقف بنظرات مرتعبة بجانب المشرفة ولم يأتي الرد من أيٍّ من الأمهات حتى كررت المشرفة السؤال مرة أخرى ولكن بصوت أعلى وللأسف لم تجد رداً فأحست الطفلة بالحزن الذي غيم معالمها وهي ترى والدتها منشغلة بالعمل على الحاسوب ولم تعنيها أدنى اهتمام لتسألها العاملة بلطف وهي تتحسس وجنتها بحنو:
ـ قولي لي يا روزي فين مامي يا حبيبتي وانا اخدك وانزل لها ؟
مطت الطفلة شفتيها بأسى والخوف من ذاك السؤال جعل جسدها ارتعش لتجيبها بلسانٍ ثقيلٍ يتلجلج :
ـ مامي قالت لي لما اكون شغالة على اللاب توب مناديش عليها خالص لحد ما تخلِص شغل وبعدين تعمل لروزة اللي هي رايداه منيها ولو ناديت عليها ممكن تزعِق في روزا جامد .
انزعجت المشرفة بشدة من كلام الطفلة والذي إن دل فلا يدل إلا على أن والدة تلك الطفلة لا تهمها أمر ابنتها بالمرة لدرجة أنها مشغولة على الحاسوب ولم تكلف حالها ولو مرة واحدة الإطمئنان على ابنتها كمثل باقي الأمهات والدخول إليها في حجرات الألعاب للاطمئنان عليها ولا حتى سمعت نداها فقررت إحراجها أمام الجميع وخصوصاً أن الطفلة ترتعش بشدة وملامحها يبدو عليها الرعب بسبب تحذيرات والدتها لها ،
فتحركت خطوتين وبيدها الطفلة وجذبت مكبر الصوت ونادت مرة ثانية على أم الطفلة :
ـ طب يا جماعة الظاهر اكده ان صوتي مش واصل ليكم عاد هكرِر سؤالي مرة تانية فين والدة الطفلة "فيروز ماهر البنان" ؟
كان "ماهر" يقف إلى جوار منطقة ألعاب الأطفال، يحدّق في الفراغ وهو يُنهي مكالمة هاتفية طويلة، أمامه امتد الكافيه الهادئ حيث يجلس الآباء والأمهات يراقبون صغارهم أمام أعينهم وفجأة استمع إلى صوت مرتفع بالمناداة باسم ابنته عبر الميكروفون، فقطع صمته والتفت بخوف ونظر إلى زوجته ووجدها في عالم اخر وهي تضع سماعات الاذن واصابعها تتحرك على الحاسوب ويبدو انها لم تترك العمل حتى في نزهتهم مع ابنتهم فانصدم من ذاك المشهد حينما رأى رعب ابنته وهي تتمسك بيد العاملة ونظر إلى ملابسها وانصدم مما رآه فذهب إلى زوجته بانزعاج وغضب وصل عنان السماء والأرض ونزع السماعات من أذنها ثم أشار بعينيه إلى موقف ابنته وعينيه تنطلق شرار لها لتنظر هي الأخرى مكان نظرته فإذا بها تنصدم مما رأته فجرى مسرعا ناحية العامله وهو يأخذ ابنته بين أحضانه ويجيب العاملة:
ـ في حاجة حصلت يا فندم انا والد الطفلة "فيروز" معلش كنت بتكلم في التليفون ووالدتها كان معاها شغل مهم ؟
مطت العاملة شفتيها بامتعاض على ذاك السبب من الأب المستهتر والأم الغير مسؤولة بالمرة لتنطق بسخرية جعلته في موقف لا يحسد عليه بل يود أن تنشق الأرض وتبلعه :
ـ والله اللي اعرِفه حضرتك إن المفروض لما تكونوا خارجين مع بنتكم الوحيدة في نزهتها وفي وقت اجازتها انكم تركنوا موبايلاتكم على جنب وتهتموا بالبنت ،من الواضح يا فندم ان البنت بتخاف جدا من رعشة جسمها واني واقفة جنبيها ومن كتر خوفها ورعبها دي ما رضيتش تشاور على والدتها علشان خاطر محذِراها انها لما تكون بتِشتغل ما تناديش عليها واصل ، بنتك يا فندم بتعاني من حالة رهبة شديدة ، وكمان في حاجة جامدة مخوفاها لدرجة ان وهي بتلعب مع الأطفال عملت بوتي على نفسها .
انصدم "ماهر" مما استمع إليه وعلى الفور شدد من احتضان ابنته واعتذر للمشرفة:
ـ انا اسف جدا لحضرتك وللي حصل في المكان وبعتذر عن موقف بنتي وشكرا جدا على النصيحة الغالية داي .
تفهمت العاملة أسفه ولكن قبل ان ينطلق بابنته نصحته :
ـ أسف حضرتك مقبول لكن في نصيحة مهمة جداً عايزه اقولها لحضرتك ؛حاول تشبع بنتك انت ومامتها من حبكم وحنانكم لانها من الواضح ان عنديها فوبيا رهيبة من ناحية حاجات كَـتير ودي اللي خلاها تعمل البوتي على نفسها ،ولازم تعرضها على دكتور نفساني ولازم والدتها تشترك معاك في المشكلة داي لأن البنت عندها أربع سنين يعني في سن ما ينفعش تعمل اللي حصل دي، الأطفال في السن دي محتاجين رعاية وحنان أكتر ما محتاجين أوامر وشخط ونطر .
وقف "ماهر" في موقف بشع لم يكن ان يتخيل ان يوضع به يوما وهو يحتضن ابنته الصغيرة، يشعر بثقل الذنب يعصف بصدره، وعيناه لا تقويان على النظر إليها ،كانت والدتها ما زالت منشغلة كعادتها حينما رن هاتفها وانشغلت به بل واعتمدت كالمعتاد على زوجها في حل أي مشكلة وكأن شيئا عادياً حدث، تتابع هاتفها ببرود بينما الطفلة المسكينة لم تجد من يلاحظ حاجتها، فبللت ملابسها أمام الجميع وهو يخجل من كلمات العاملة اللاذعة والتي هزّت كيانه، كلمات لم تحتمل المجاملة ولا التخفيف، شعر حينها أنه عجز كأب، وأنه ترك صغيرته وحدها في لحظة احتياج، فظل واقفًا مكانه، مكسور النظرة، لا يملك إلا الصمت والخجل ولكن حرك رأسه باهتمام أمام المشرفة بابتسامة باهتة وأخذ ابنته في أحضانه وهو يقبل رأسها وجبينها بحنو وذهب إلى زوجته وكانت نظراته كالسِّهام الملتهبة، تخترق الهواء وتستقر في الصدر كأنها نيران لا تُطفأ، فــاشتعلت عيناه بوهج الغضب، كبرقٍ صامت يسبق العاصفة،
اشتعل غضب "ماهر" في صدره كنـ.ـارٍ لا تُبقي ولا تذر، يتطاير شررها في كل الاتجاهات وهو يرمق زوجته بنظراتٍ لا تعرف الرحمة، ثم أمسك بذراعها بقوة رجولته المشتعلة وثباته الجارح، يسحبها خلفه دون أن يسمح لها بالاعتراض، فخطواته كانت كخطى العاصفة لا تلتفت ولا تهدأ وهو يهمس بشرار بجانب أذنها :
ـ انجزي ولمي حاجتك وتعالي معاي على العربية وانتي ساكتة بدون ما تفتحي بقك بنص كلمة حتى .
لملمت أشيائها سريعاً بقلب ينفض رعباً ، ثم تابعت خطواته المرتجفة من الغضب، بينما يداه تحتضن جسد "فيروز" التي غرقت في نومٍ بريء على كتفه، وحين اقترب من السيارة، فتح الباب الخلفي برفقٍ نادرٍ لم يمنحه إلا لابنته، ثم أنزلها بحنوٍ بالغ ووضعها على المقعد، وأغلق الباب برقة لم يُظهرها لأي أحد من قبل ، ثم نظر إلى "رحمة" آمرا إياها بهدوء ما قبل العاصفة:
ـ اركــــبي يا هانم .
ثم دار حول السيارة، وفتح الباب الآخر بعنفٍ يشبه غضبه المتصاعد، وقاد "رحمة" للجلوس مكانها، وما إن أُغلِق الباب خلفه حتى ساد صمت ثقيل مُحمّل بعاصفة لا هواء فيها، فأخرج اللاب توب من الحقيبة ورماه على المقعد الأمامي بعـ.ـنف:
ـ دي الشغل اللي شاغلك عن بنتك ط دا اللي خلّى بنتنا تعمل حمام على نفسها قدّام الناس وحضرتك كنتي مفضياش ليها ولا انك تقومي تطمَني عليها وكل اللي في دماغك العميلة والزفت؟!
تجمدت "رحمة" في مكانها، فذهولها شلّ قدرتها على النطق، ولم تتحرك حتى رأته يرفع اللاب توب عاليًا ويضربه في مقعد القيادة بكل ما أوتي من غضب، صوت تحطمه كان كصوت تحطيم شيء أعمق بكثير، شيء بداخلها مما جعلها شهقت من كسره لحاسوبها بذاك العـ.ـنف والغضب وهو يكمل بنبرة غاضبة بشدة :
ـ دي بنتك! بنتك يا هانم ، اهم من شغل يخلص ولا قضية تتقفل ، اني زهقت منك ومن الكلام معاكِ ، وصلت بيكي الدرجة تهملي فيها بالشكل دي وتخلي دماغها تخزن موقف مخزي ليها زي دي وتكره حالها لما تكبر وتفتكره ؟
لم تستطع أن تتحكم في أنفاسها، قلبها يرتجف وهي ترى عملها يتحطم أمام عينيها، ولكنها عجزت عن الدفاع، لم تجد الكلمات التي تشفع لها ، واكمل نهره لها بأمر لا يقبل النقاش:
ـ اعملي حسابك يا "رحمة" ويمين بالله وقسم هتحاسب عليه قدام ربنا مفيش حاجة اسمها شغل بعد المكتب تاني!
فهمتي؟! كل يوم هسألك.. انتي اللي اهتميتي بالبنت؟ انتي، مش غيرك يعني مش حد تاني ويمين بالله كمان مرة لو اكتشفت ان اي حاجة تخص البنت "أم محمد" هي اللي عِملتها ليها لا هيكون رد فعلي مش مبشر بالخير ابدا وهوريكي وش متمناش تشوفيه مني واصل .
صوته كان كالقصف، يحملها مسؤولية كاملة دون أن يمنحها فرصة الهرب أو الإنكار، نظراته اخترقتها كالسكاكين، تذكرها بخطيئتها التي لا تُغتفر ، فتمتمت برعب من صوته وهيئته الغاضبة :
ـ بس اني ....
حاولت أن ترد، أن تجد ثغرة تبرر بها تقصيرها، لكن صوته قطع عليها الطريق :
ـ مفيش بس! دي قرار مش نقاش، وحطيه في دماغك كويس، انا مش هسمح لبنتي تتحرم من أمها علشان شوية ايميلات وتقارير ، يولـ.ـع المكتب بتاعك على العملا بتوعك على الكل كليلة إلا بنتي يا "رحمة" "فيروز" خط احمر .
اشتد ارتجافها وهي ترى حزم ملامحه، الصرامة التي لا رجوع فيها، فأدركت أن لا مهرب من حكمه الصارم فأجابته بطاعة ودهاء كي تحتوي الموقف وتمتص غضبه وهي تومئ بعينيها للأسفل :
ـ حاضر هحاول يا "ماهر" حاضر ، وأني اسفة بجد على تقصيري واللي حوصل مني وأوعدك إنه مهيتكررش تاني .
خرجت كلماتها خافتة مكسورة، وكأنها تعترف بهزيمتها، لكنها في قرارة نفسها شعرت كأنها تسلم على مستقبلها المهني، شعرت أن كل تعبها يذوب في الهواء بلا قيمة، ولكن أمام غضب "ماهر"، أمام وجع "فيروز"، لم تجد القوة للوقوف ضده فلتأخذ هدنة لبعض الوقت كي تستعيد جأشها في مواجهة عاصفة "ماهر البنان" :
ـ تمام بس خلي بالك المحاولة دي تكون حقيقية، مش كلمة تتقال وخلاص.
أنهى حديثه بنبرة منخفضة ولكنها أكثر قسوة من الصراخ، ثم استند إلى مقعده، مطبقًا عينيه بإرهاقٍ جسديٍّ وعقليٍّ لا يُوصف، بينما السيارة تسير بصمت ثقيل نحو وجهةٍ لا يعرفانها، محملان بوجع طفلة ونقمة أب وندم أم.
*********
كانت الشمس تغرب ببطء، ترسم ظلالًا طويلة على أرضية الغرفة الهادئة، وكأن الزمان نفسه توقف احترامًا للصمت الثقيل الذي خيَّم بين جدران البيت، مر يومان وهي لا تخرج من البيت، ولا تكاد تنطق، تجلس في ركن بعيد، تحتضن ابنتها بين ذراعيها، بينما تجلس مشاعرها المنكسرة على أنقاض قلبها،
كل ما حولها يذكِّرها بـ"فارس"، صوته، خطواته، حتى رائحته التي كانت تملأ المكان لم تعد تشعر بها كما كانت، بل أصبحت رائحة باهتة، معلقة في هواءٍ خانق. لم تكن "فريدة" تبكي، بل كانت تنظر إلى اللاشيء، وكأن روحها فُرغت من داخلها، تُعيد شريط الكلمات التي سمعتها صدفة، والاسم الذي نُطق على لسانه لم يكن اسمها ،
اقترب منها "فارس" بحذر، وكأن بينهما هاوية لا تُرى ،كانت عينيه زائغتين، وجهه شاحبًا، ويداه متوترتان كأنه يحمل ذنبه فوق كتفيه، جلس أمامها على الأرض، وراح يتكلم بصوت خافت، مُتقطع، كمن يتعثر في الكلام من ثقل ما فيه:
"فريدة" أنا عارف إني جرحتك وكلامي ليها وجّعك بس والله العظيم ما كنت أقصد، أقسم بالله كانت غلطة، غلطة كبيرة وندمان عليها من قلبي .
لم ترد، فقط شدّت ابنتها إلى صدرها أكثر، كأنها تتخذ منها درعًا يحميها منه، منه هو، الذي كان يومًا وطنها:
ـ بصي لي بس، بصي في عيني وشوفي الندم اللي مالي قلبي، أنا من يوم ما سمعت صوتك وانتي سامعة المكالمة وأنا قلبي بيتقطع وبقول لنفسي، إزاي قدرت أوجعك كدة، إزاي؟
لم ترفع عينيها إليه، لكنها سمعته، بل وسمعته بقلبها، بكل نبضة جرحها ،
تقدم على ركبتيه أكثر، حتى صار قريبًا منها، كأن اقترابه قد يمنحه فرصة للغفران، وراح صوته يخفت أكثر، ويهتز كأن كل كلمة تخرج من فمه تُنزف من داخله وهو يكمل اعتذاره وندمه:
ـ أنا مش هكدب عليكي، أنا غلطت، وكان ضعف مني، وكان شيطان، وكان وقتها عقلي مش معايا، بس ده عمره ما كان معناه إني مبقتش بحبك، لأ، أنا بحبك، وبموت فيكي، وانتي مراتي وحبيبتي وأم بنتي وأصلاً عمري ما حبيت في الدنيا غيرك سامحيني على اللي انت سمعتيه ارجوكي اديني فرصة تانية .
رفعت رأسها ببطء، لأول مرة منذ يومين، ونظرت له نظرة تحمل مزيجًا قاتلًا من الألم والخذلان، فاختنق صوته وهو يرى انعكاس خيبته في عينيها :
ـ يعني عشان بتحبني، تروح تكلم واحدة تانية؟ عشان بتحبني، تقول لها الكلام اللي سمعته في لحظة ضعف؟! دي مش نزوة يا "فارس"، دي خيانة، خيانة تجرح ست حتى لو بتحبك ، انت خاين يا "فارس" خنت حبي وقلبي وثقتي فيك .
انحنى أكثر حتى وضع جبينه على قدميها، وقبّل يدها وهي تحاول سحبها، لكنه تمسك بها كالغريق :
"حقك عليا، والله العظيم حقك عليا، أنا مستاهلش نقطة دمعة نزلت من عينك، بس سامحيني، أنا كنت تايه، بس رجعت لك، رجعت لك ندمان وكلي خجل من نفسي، خدي مني التليفون، اكسريه، اعملي اللي يريحك، بس متبعديش عني، متسيبينيش.
انسابت دموعها في صمت، لا تعرف إن كانت تبكيه أم تبكي نفسها، فقد كان حبه نقطة ضعفها الكبرى، وكان جرحه ضربة قاتلة لكرامتها وقد قررت اللعب معه بنفس طريقته لتطمئنه بما سيريحه حتى تستطيع كشف الحقيقة:
ـ أني مش هسيب البيت يا "فارس" مش علشانك، علشان بنتنا، بس أني محتاجة وقت، محتاجة أداوي جرحي، أداوي قلبي اللي انكسر، محتاجة تبعد عني، متطلبش مني أي حاجة، لا كلمة، ولا حضن، ولا حتى نظرة، لحد ما قلبي وعقلي ينسوا اللي سمعوه وحسو بيه من وجع منك .
رفع رأسه لينظر إليها، بعينين دامعتين، مكسورتين، ثم قال بصوت أشبه بالبكاء:
ـ طب عايز أحضنك ، حضن واحد بس، علشان أقدر أعيش باللي فاضلي من العمر، حضن أعيش بيه لو قررتي تبعدي، علشان أقدر أصدق إنك لسه هنا ، عايز اشم ريحتك بس قبل ما تحرميني من اغلى حاجة في الدنيا ، ارجوكِ يا "فريدة" ارجوكِ.
لم تستطع أن ترفض، فمدت ذراعيها، فاحتضنها كمن وجد روحه بعد التيه، التصق بها بقوة، وراح يشم في شعرها، ويقبل عنقها وجبينها، كأنها آخر نسمة حياة له، كانت مشاعرها تتزلزل من احتضانه، من حرارة دموعه التي تبلل رقبتها، لكنها تمالكت نفسها، ودفعت جسده برفق بعيدًا عنها :
ـ كفاية يا "فارس" كفاية، متخلينيش أضعف، سيبني أداوي جرحي، محتاجة أصدق إني مهمة عنديك، مش مجرد لحظة ندم وهتعدي .
ابتعدت عنه، وذهبت إلى غرفة ابنتها، أغلقت الباب عليها، واحتضنت الصغيرة كأنها تختبئ بها من كل هذا الألم، أما هو، فبقي مكانه على الأرض، يحتضن ذاته، ويبكي كطفل فُطم عن أمه، وكل ما في الكون خذل ،.
لم ينم، لم يأكل، لم يشرب، فقط ظل ساكنًا، ينتظر من خلف الباب بصيص رجاء، ربما في الغد، ربما في بعد غد، ربما يومًا ما تعود له، بقلب سليم،
أما "فريدة"، فنامت على وسادة مشبعة بالدموع، تقبّل جبين طفلتها، وتهمس لنفسها:
ـ لازم اعرِف ايه اللي وراك يا "فارس" ،لازم اعرِف مين دي اللي انت هتخوني معاها ؟
لازم ادفعك تمن اللي انا سمعته غالي ، تكن خيانتك ليا ، لازم يا "فارس" .
********
"جاء الليل بالعطر والحب والنبأ العظيم"
كان الليل هادئًا كعادته، يتلحف سوادًا شفيفًا وتنسدل على أكتافه نسمات ناعمة، تحمل شيئًا من رائحة الياسمين المنداة عند نافذتها، لم يكن في السماء قمرٌ، ولكنّ النور المنبعث من عينيها حين فتحت له الباب كان كافيًا ليستدل القلب على طريقه،
دخل "جاسر" بخطاه الهادئة كأنّه يخشى أن يوقظ دفء المكان، كان يحمل في عينيه تعب النهار، ولكن حين التقت عيناه بعيني "مها"، نسيت قدماه كل الطرق التي مشتها، كأنّه عاد إلى وطنه، فـقالت وهي تبتسم له وتمد يدها لتأخذ حقيبته:
- مالك يا حبيبي شكلك هيحكي حكاوي من التعب ؟
شكلك مرهق قوي بس وشك هيحكي لي حواديت من غير ما تنطُق ،
فاقتربت منه واحتضنت وجنته بهيام اعتادت عليه وبالتحديد عند عودته من عمله مجهد :
ـ بحس إني شايفاك قبل ما تيجي، وسامعاك قبل ما تتكلم ، بحس ان صوت مفتاح الباب وانت هترجع البيت كأن صوت الأمان ضـ.ـرب قلبي وفتح بيبانه للراحة والسكينة .
اقترب منها ببطء، كأنّه يعيد اكتشاف ملامحها من جديد، وفي عينيه نظرة من يعرف أنّ هذا المكان هو ملاذه، وأنّ كل الطرق مهما طالت لا تقوده إلّا إليها ،
وقال بصوته العميق، وهو يلمس خدها بأنامله كمن يتحسس وردة تخشى الذبول:
- إنتي اللي هتنسينب التعب يا "ام الزين" بشوفتك ، الطلة في وشك تفتح الف باب وباب للراحة ، أني بقالي يومين غايب عن البيت وكانهم سنة ومستني اللحظة دي ، مستني أشوفك، أقعد معاكي، ألمس إيديكي، وأقول لك إني مهشفش راحة ولا أمان غير وإنتِ جاري.
سحبت يده برقة وجلست على الكنبة، وأشارت له أن يجلس جوارها، كان في عينيها شوق من نوع آخر، مزيج من حنان الأم وانتظار العاشقة، وكانت الأغنية التي تنساب من المذياع خلفها تزيد اللحظة طربًا وعمقًا:
"الليل وسماه ونجومه وسهره ، سهره وقمره وانت وانا ياحبيبي انا "،
وحينما جلس، لم تقل شيئًا، فقط نظرت إليه طويلًا، كأنّها تحتفظ بالكلمات لآخر اللحظة، ثم تنهدت، ووضعت يدها على بطنها برقة خافتة لا يلاحظها إلا من يعرف تفاصيل جسدها كما يعرف حروف اسمه ،
ثم تحدثت بنبرة خفيفة كأنّها تخشى أن يفضحها قلبها قبل لسانها:
- عايزاك تهدى، تاخد نَفَس، وتحاول تفتكر إحساسك أول مرة قلت لي "أم الزين" لسه فاكر اللحظة دي؟
رفع حاجبيه بدهشة خفيفة، اقترب منها أكثر، وترك يده على يدها، وابتسم وهو يهمس:
- فاكرها؟ دي أني حافظها! إنتي لما دخلتي حياتي وأني اللي سميتك اكده، عشان من يومها وأني حاسس إني على باب نعمة ربنا ليه بتسألي دلوقتي؟
رفعت رأسها إليه، نظرت في عينيه طويلًا، ثم أنزلت عينيها بخجل رقيق لا يليق إلا بها، وضغطت على كفه بخفة، ثم هو
أخبرته:
- عشان... أمممم.. يمكن تبتدي تسميي اسم تاني، يمكن قريب قوي تبقى "أبو الزين" .
لم يفهم للوهلة الأولى، ولكنه حين نظر إلى بطنها مجددًا، وفهم ما تحاول قوله، ارتعش داخله شيء، كأنّ الزمن توقف على باب قلبه وطرق بلطف ،
لينطق مذهولًا، وهو يمد يديه إلى وجهها ليضمّه إليه برفق:
- مها؟ اوعي تقولي إنك حامل؟
حامل تاني، ده بجد؟ ولا حلم من أحلامي اللي هخاف أصحى منها؟
أومأت برأسها وهي تبتسم، ثم وضعت يدها فوق يده الملامسة لبطنها، وقالت بشيء من المزاح والحياء معًا:
- أيوه يا سي "جاسر"حامل و قلبي هيدلني إنها بنت كمان، وقلبي هيقولي إنها شبهك، وهتوبقى هادية ودمها خفيف زيك وأخت لـ"زينة" .
كان صوته يرتجف، وعينيه تلمعان كمن أبصر للتوّ معجزة، أمسك بوجهها بين كفيه وطبع على جبينها قبلة طويلة كأنّه يشكرها عن كل لحظة أمان منحته إياها، ثم قال، وصوته يغلب عليه التأثر:
- والله العظيم إنتي رزق يا "مها"
كل مرة بتفاجئيني بحب جديد ودلوك ببنوتة جاية من السما، بهدوءك، بنورك اللي بيغمر حياتي يا "أم الزين" أم البنوتة اللي لسه ما جتش ، ياه كرم ربنا واسع عليا قوي إنه رزقني اجمل ست في الدنيا ، كفاية ريحتك الحلوة اللي هتسبقك في كل مكان ، قلبك الجميل اللي هيساعي قلوبنا كلاتنا وهيملاها حب واحتواء ومخلية بيتنا جنة وهتراعي بتنا وهتراعي أبوها كيف ما يكون ولدك مش بس جوزك ،
ثم احتضن وجنتيها بين كفاي يديه بتملك وحنان وجذبها وقبل جبينها بحب جارف ظهر بيِّنا من عينيه :
ـ أنتِ نعمة ربنا ليا ولحياتي ولعمري ربنا يخليكي لي يا "أم الزين" .
أغمضت عينيها للحظة، ومالت برأسها على كتفه، كأنّها وجدت لحظة سكينة مكتملة، وكانت أم كلثوم تُغني خلفها من مذياع صغير في ركن الصالة:
" و الهوا اه منه الهوا ،سهران الهوا يسقينا الهنا و يقول بالهنا ،يا حبيبى ،يللا نعيش فى عيون الليل ،و نقول للشمس تعالى تعالى ..تعالى تعالى ،بعد سنه مش قبل سنه
دى ليله حب حلوه.. بالف ليله و ليله
الف ليله و ليله ..الف ليله و ليله ،بكل العمر
وهو العمر ايه غير ليله زى الليله،
زى الليله... الليله ..زى الليله '
ثم قالت بصوتها الناعم وهي تتحسس كتفه:
- أني اللي محظوظة، عشان ربنا بعت لي راجل زيك، هيحضن وجعي قبل فرحتي، وهيصدق أحلامي حتى قبل ما أحلمها ، راجل انتشل قلبي من الضلام وسكني الأمان ، أني مش بس أم الزين ، لااه ؛أني كمان أم قلبك، وأم حنيتك، وأم حياتك لو حبيت.
نهض ببطء، كأنّ الحب أثقله وأحنَاه، وسحب يدها ليجعلها تنهض معه، ثم حملها بين ذراعيه كما فعل ليلة زفافهما، وهمس لها:
- طب هقول لك ايه يلا بينا، نمّسي على البنوتة، ونقول لها إن بابا هيحبها من قبل ما تاجي الدنيا وإن ماما أجمل ست في الدنيا.
ضحكت، ودفنت وجهها في عنقه وهي تهمس بخجل :
- بس بالراحة علي علشان اني مش قد أمسياتك يا روحي .
ضحك، وضحك قلبه، وضحك الليل من حولهم، وفي الركن تواصل أم كلثوم غناءها، كأنّها تؤرخ لهذا العشق،
"يا حبيبي الليل وسماه ونجومه وقمره
قمره وسهره وإنت وأنايا حبيبي أنا يا حياتي أنا ،كلنا في الحب سوا،والهوى آه منه الهوى
سهران الهوى يسقينا الهنا ويقول بالهنا "
*************
غابت الشمس عن المزرعة، تاركة ظلالًا طويلة تمتد بين الأشجار والبيوت الصغيرة، بينما كان الهواء يحمل معه رائحة التراب المبلل ونسمات المساء التي تلامس الوجوه برفق، في تلك الساعة التي تسبق العشاء، تعالت أصوات الأطفال الثلاثة "سيف"، و"سليم"، و"سكن"، من ساحة اللعب الخلفية، يتشاجرون بصخب لم تألفه تلك الأرض الهادئة.
كان "عمران" قد أنهى للتو جولة سريعة لتفقد أحوال العمل في المزرعة، وعاد إلى المنزل بثيابه الملطخة بتراب الحقول، يجرّ تعب النهار معه، ولكنه كعادته، لم يتردد في التوجّه إلى مصدر الضجيج حين سمع صراخ "سليم" المتهدّج بالبكاء ،ثم اقترب بخطوات متسارعة، وقلبه يشتعل قلقًا ،
رآهم هناك، واقفين كأطياف صغيرة في ضوء الغروب، وكلٌّ منهم يحمل في عينيه مزيجًا من الغضب والدموع، كانت "سُكن" تمسك بكتاب ممزق، فيما "سيف" يقف بعيدًا بذراعيه المشبوكتين، و"سليم" يضـ.ـرب الأرض بكعب قدمه وهو يصرخ في وجه أخته ،
تقدّم "عمران" بخطًى ثابتة، وأشار إليهم أن يهدؤوا، فعمّ الصمت برهة، لكنها لم تدم طويلًا،قال بنبرة تجمع بين الحزم والتفهّم:
ـ "إيه اللي حوصل ياولاد؟ وليه في كتاب متقطع اكده ؟ وليه أخوك بيعيط اكده وهو هيبص لك يا "سكن"؟"
رفعت الصغيرة عينيها إليه، وبدت الحيرة في ملامحها، لكنها لم تُجب فتكلم "سيف" قائلًا بتوتر وهو يحكي ببراءة ما فعلته الصغيرة بهم :
ـ هي اللي قطعت الكتاب بتاع "سليم"، علشان ما عجبهاش الرسم اللي فيه وهتقول له رسمتك عفشة يا "سَليم" .
اتسعت عينا "عمران" دهشة، ثم التفت نحو "سكن" مجددًا، وقد هدأ صوته قليلًا:
ـ لاااه معقولة"سكن" البنتة الأمورة تعمل اكده في رسمة خوها ؟
ردي يا "سكن" إنتي اللي قطعتي كتاب أخوكي؟ وليه تعملي اكده؟
هنا جاءت "سكون"، مسرعة من المطبخ بعدما سمعت صوته، وهي تمسح يديها بمنشفة المطبخ، ووجهها مشدود بالغضب والتعب عندما سمعته يوبخ وحيدتها على شقيقين ،
ثم قالت بصوت متوتر وهي تقترب منهم وسحبت الطفلة بين أحضانها وكأنها خائفة عليها من ملام أبيها فجعلت طريقتها تلك تنقل الخوف إلى ابنتها مما أزعج "عمران" على حركتها تلك :
ـ لاااه اني سمعت جزء من اللي حوصل، واللي حوصل غير اكده يا "عمران"، "سَليم" هو اللي استفز "سكن" وقال لها إنها مش بتعرف ترسم زيّنا، فغضبت وقطّعت له الكتاب بسبب استفزازه ليها ، وعادي يعني ياما بيوحصل بين الخوات.
رمقها "عمران" بنظرة طويلة، ثم رد بصوت هادئ، لكنه صارم:
ـ بغض النظر عن السبب، إحنا مش بنعاقب بعض بقطع حاجات بعض، دي مش تربية إحنا علمناها لهم، لازمن نفهمهم إن في حدود والبنت غلطت وتصرفها بالشكل دي مع أخوها يعتبر تصرف عدواني ولو سكتنا عليه وادنالها أسباب العدوانية حداها هتزيد ،
ثم مد يده كي يسحب الطفلة برفق ويفهمها خطأها بحنو فاحتضنت الطفلة وكأنها تخبئها من بطش ابيها وقد قرأت مشاعره تجاه ابنته وفسرتها خطأ :
ـ تعالي يا "سكن" أفهمك الصوح يا بتي .
رفعت "سكون" حاجبيها بدهشة مغلّفة بالغضب، وقالت وهي تضع يديها على ابنتها بتملك وهي تبعدها عن يداي أبيها :
ـ يعني انت شايف إن الحل دلوك إننا نوبّخها قدّامهم ؟
تقدم خطوة نحوهم، وأشار للأطفال الثلاثة أن يدخلوا البيت، ثم نظر إلى "سكون" مباشرة بعينين لا تخفي فيهما القلق العميق ،ثم قال بنبرة حاسمة:
ـ "مش موضوع توبيخ عاد، موضوع إن فيه سلوك غلط لازم يتصلّح، وإحنا اللي لازمن نكون واضحين فيه قدامهم ، وبعدين شايفك ماسكة البت بين يدك كاني عفريت هيلبسها ولا غول هياكلها اني بوها كيف ما انتي امها يعني هخاف عليها وهحبها زيك .
تنفست "سكون" ببطء، تحاول أن تبتلع الغضب الذي بدأ يتجمّع في صدرها كعاصفة صغيرة من اتهاماته التي لا تنفض عنها دوماً:
ثم هتفت بصوت مخـ.ـنوق:
ـ أني قاعدة معاهم طول اليوم، ودي مش أول خلاف بيناتهم بس أني بحاول أعلّمهم يعبّروا عن نفسهم من غير ما يحسّوا إن كل حاجة لازم تتاخد بحدّة .
ردّ بسرعة وقد بدأ صوته يفقد هدوءه شيئًا فشيئًا:
ـ يعني اللي حوصل من وجهة نظرك مش محتاج تدخل مني لما اتحكى لي وسمعته ؟
يا "سكون"، دي بتنا قطّعت كتاب أخوها، إزاي نعدّي دي وكانه عادي ومنعرِفهاش غلطها ؟
اقتربت منه بخطوة، ثم قالت وقد علت نبرتها قليلًا فعند أبنائها تفقد أعصابها والصح والخطأ عندها سواسية :
ـ ما هو إنت شايف كل حاجة لازم نوقف عندها ونحلها بطريقتك، حتى لو كانت بسيطة! وأني اللي عايشة معاهم وأعرف طبيعتهم أكتر منك فبالتالي شايفة إن اللي حوصل عادي جدا الأولاد ياما بيعملوا في بعضهم دي قاضي ذات نفسه العيال اشتكى حاله .
سكت "عمران" للحظة، ثم أشار نحو البيت قائلًا:
ـ طب أني كنت هقعد وياهم كل واحد على حدة وأسمع منهم، وأشوف إزاي أقدر أوصل لهم إن الغلط له عواقب وانتي اكده بطريقة التملك للعيال مش مدياني فرصة اني اشاركك معاهم وهتوقفي لي زي اللقمة في الزور يا "سكون" .
أجابته بما تراه صحيحاً من وجهة نظرها:
ـ "وهترجعهم يحسّوا إنهم في محكمة مش بيتهم؟!
أني مش ضد التوجيه، بس مش بالشكل دي يا "عمران" نظرتك للبنت رعبتني اني شخصياً .
قال بحدّة مفاجئة لبرهنتها للموقف بأسباب واهية :
ـ "أني مش محامي اهنه أني أبوهم، ولو كل مرة هنعدّي الغلط علشان ما نزعلش حد، يبقى بنربّيهم على الهروب مش على المسؤولية.
رمقته بنظرة طويلة، تائهة بين التعب والحزن والحيرة ثم قالت بهدوء شديد، لكنه موجع:
ـ طب إيه رأيك إنت ترتاح وتريح راسك من وجع العيال دي ومليكش صالح بمشاكل الأولاد تاني، سيبها علي ،أني اللي قاعدة معاهم ٢٤ ساعة وأني اللي هحلّها بطريقتي.
وقف "عمران" للحظات دون أن ينبس ببنت شفة، ثم رمقها بنظرة مطوّلة، نظرة اختلط فيها الألم بالذهول، كانت كلمتها الأخيرة كالسهم الذي أصاب قلبه، لا لأنها أهانته، بل لأنها فصلته عن أقرب من يحب وهي تقرر أن تنحيه من دوره كأب ، ثم توجه ناحية الباب وأغلقه جيداً وقد فاض الكيل به من كلامها وأفعالها وتصرفاتها معه وهو يهدر بها :
ـ طريقتك كيف دي؟!
اني بقى اللي خلاص زهقت من عيشتنا دي زهقت مني تصرفاتك وياي وتطنيشك ليا ولمشاعري، من إنك عايزه تخليني أتنحى عن مسؤوليتي كأب وبتطلبي مني بكل بجاحة ما دخلش نفسي في حوارات الأولاد شكل ما ي
اكون جوز امهم مش ابوهم،
انفـ.ـجرت الكلمات من بين شفتي "عمران" كبركان راكد أيقظه الغضب دفعة واحدة كانت ملامحه حادة والخذلان يسكن عينيه وصوته يشق صمت المكان بنبرة ممتلئة بالعجز والوجع كان قلبه يصرخ قبل لسانه متسائلًا عن مكانه في هذه الحياة التي بات فيها غريبًا في بيته وغريبًا في حضن زوجته التي طالما أحبها حد الانكسار :
ـ فوقي يا "سكون" طريقتك دي هتخسرك كَتير قوي وياي، بقى لي خمس سنين صابر عليكِ وعلى تجاهلك ليا وهقول انت ام لتلت عيال ومسحولة وياهم وهلتمس لك بدل العذر مليون لدرجة اني نسيت إنى راجل متجوَز ومعاي ست ، ما تراهنيش على صبري اكتر من اكده، يعني يا نعيش عيشة طبيعية زينا زي اي اتنين متجوزين وعندهم أولاد دي هيبقى ليا تصرف تاني معاكي .
لم تستطع "سكون" أن ترد سريعًا فقد كانت كلماته كالسياط تنهال على روحها التي استنزفتها المسؤوليات وإن حاولت أن تتماسك لم تستطع أن تخفي ما اعتراها من الذهول كأنها تسمع لائحة اتهام لا تعرف متى ارتكبت ما فيها لكنها تعلم في أعماقها أن كل حرف من تلك الكلمات له أصل ووجع دفين:
ـ بقى اكده هتعلي صوتك علي يا "عمران" وتقول لي الكلام الجارح دي! للدرجة دي هانت عليك "سكون" ؟!
طول عمرك وياي شهم وراجل وهتتحمَل الصعاب واني عارفة إن حياتنا بشكلها العام دي مش طبيعية لكن الأولاد يكبروا شوية وهتلاقيني وياك ومعاك كيف ما كنت،
واديك شفت ليلة واحدة بتها في حضنك بنتي دراعها كان هينكسر وكانت ممكن لا قدر الله تموت فيها وكان وقتها انا ممكن يجرى لي حاجة .
كان "عمران" يقف أمامها بعينين ملتهبتين لا يطفئ نارهما إلا رحمة منها أو احتضان يعيد إليه شيئًا من رجولته التي أنكرها غيابها المتكرر كان ينظر إليها وكأنه يتوسل إليها أن تراه أن تتذكر أنه لا يزال هناك وأن قلبه لا يزال ينبض بحبها الذي لم يفتر يومًا رغم كل الغياب:
ـ وانتِ مفكرة حالك انك لما تنامي جارهم هتمنعي عنهم قدرهم؟
فاهمه انتِ غلط يا داكتورة يا اللي انتِ نسيتي إنك داكتورة واصل ، يا اللي نسيتي كلام ربنا في كتابه العزيز
" أينما تكونو يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة" ،
ما تفكِريش ان نومك جارهم هيحميهم من قدر ربنا مهما عِملتي .
أرادت "سكون" أن تحتج أن تدافع عن نفسها أن تقول إنها لم تكن تقصده وإن ما يشغله لم يغادر قلبها يومًا لكنها وجدت نفسها أمام رجل أنهكه الانتظار وامتص منه الصبر ما يكفي ليكسر الجبال لم تكن تجهل أنه يحبها لكنها نسيت أنه يحتاجها كما يحتاجها الأطفال الذين تحتضنهم كل ليلة:
ـ انت عارف كيف أني متعلقة بيهم ومتعلقة بوجودهم في حضني كل ليلة والتانية، اديني فرصة يا "عمران" ووقت اشبع منيهم ، اني اتحرمت من ريحتهم سنين وسنين وكنت هتمنى ضفر عيل منيهم واني عارفة انك هتحبني وقلبك كَبير وهتتحمل "سكونك" يا "عمراني" وهتصبر علي .
تابع "عمران" كلماته وهو يقترب أكثر بعينين تلتمع فيهما الحسرات وقد تكسرت داخله كل محاولات التماسك كان يتكلم كمن يلفظ ما في صدره من احتقان سنين طويلة صبر فيها على الوحدة والخذلان وهو لا يطلب إلا حياة كريمة فيها زوجة ترعاه كما يرعاها لا حياة يكون فيها مجرد ظل لرجل:
ـ "عمرانك" ! أيوة ! طب شوفي بقى "عمران" صبر عليكي صبر يهد جبال ،
بقى عايزاني اصبر اكتر من اكده ؟!
قربت على الخمس سنين هسـ.ـرقك فيهم لحضني كل وقت والتاني وانتي هتحسسيني بأنك هتمني علي بالوقت اللي هتديهلي في حضنك ؟
كانت "سكون" تصغي إليه بقلب ممزق وروح ترتجف من التأنيب كان وجعه يعري تقصيرها ويضعها أمام نفسها دون مهرب فهي التي كانت ترى كل شيء إلا حزن "عمران" كانت تفكر في الأولاد في آلامهم في مستقبلهم لكنها أغفلت أن أباهم يتألم أيضًا وأنه يقف وحيدًا في معركته مع الوحدة، وما إن أكمل "عمران" حديثه حتى ساد الصمت بينهما لكنها لم تكن لحظة راحة بل كانت لحظة مواجهة بين قلبين أحدهما أرهقه الاشتياق حتى ذاب في صمته والآخر يحاول أن يجد مخرجًا من دوامة الأمومة التي التهمت فيه كل شيء حتى ملامح الأنوثة وحتى ذكرى العشق الذي كان:
ـ غصب عني يا "عمران" ، والله العظيم غصب عني احساس الأمومة هيسيطر علي ، هينسيني كل حاجة في الدنيا وحتى اسمي وشكلي ونفسي ، احساس مقدراش اسيطر عليه ومش بيدي والله ما بيدي .
حينها رفع "عمران" صوته كان الأمر أكبر من مجرد غضب فقد كان كمن ينهار من الداخل كان كل حرف ينطق به أشبه بنداء استغاثة لرجل يموت عطشًا في صحراء اسمها "سكون" يناديها بكل حب دفين يناديها لأن قلبه لم يعد يحتمل الصمت وكيانه يتمزق من شوق قيدته الأيام والليالي الباردة،
أما "سكون" اهتز قلبها وهو يخاطبها بتلك النبرة التي لم تعهدها منه نبرة امتلأت بكل سنوات الحرمان والخوف والحاجة كانت ترتجف من الداخل وهي تسمعه يستعرض لها أعوامًا طويلة من الغياب رغم وجودها تحت سقف واحد غياب شعرت لأول مرة أنه كان مؤلمًا بهذا القدر :
ـ هتبكي كل لما هكلمك يا "سكون" وكالعادة المفروض اني أتنازل عن حقي معاكي لما اشوف بكاكي والمفروض اني أفضل اتنازل ، وأتنازل لحد ما يوبقى اللي بينا سراب علشان التعلق المرضي اللي جواكي بحاجة وهم ،
انتِ نسيتي شغلك ونسيتي حياتك ونجاحك اللي هو بردو من حق ولادك ، نسيتي انك دكتورة وعمالة تأجلي وتاخدي اجازات ودفنتي راسك زي النعام في هم واحد ، نسيتي إن نجاحك بردو من حق ولادك اللي لازم يتعلموا ويشوفوا حاجات مختلفة معاكي ، إنتي للأسف إنسانة تانية معرفهاش مش "سكون" اللي حبيتها واتجوزتها .
نطقت هي بصوت مختنق من الضعف :
ـ أني زي ما أني يا عمران والله ما اتغيرت ، بس كل اللي هعمله مع ولادي من حقهم علي كأم ، ارجوك اتحمَلني .
حين نطقت "سكون" باسم "عمران" اختنق الحرف في حلقها كانت كأنها تستجدي الرحمة من حكمٍ لم يصدر بعد وهي تدرك في أعماقها أنها تأخرت كثيرًا عن تلبية نداء رجل انتظرها بشوق العاشق وألم الغريب في وطنه كانت تبكي وهي تحاول أن تبرر ولكن قلبه المثقل لم يعد يحتمل المزيد من الأعذار
ثم جاءت كلماته الأخيرة كالسيف المسنون تقطع ما تبقى من خيوط الأمل التي كانت تتشبث بها عيناها لم تصدق أذنيها حين سمعته يلفظ ذلك الحكم المؤلم الذي سحب منها ما كانت تحسبه حقًا لا يُنتزع كان كمن يعلن نهاية مرحلة من الصبر وبداية مرحلة أخرى من المواجهة:
ـ طب نهاية الحديت والاسطوانة المشروخة داي اسمعي يا بت الناس انتي مرتي وحبيبتي وبينا عشق مالوا حدود و بتصرفاتك داي عاد بتقـ.ـتليه وبتقـ.ـتلينا معاه وهتموتي كل حاجة حلوة جوانا ، وهتمحي بضعفك كل ذكرياتنا الحلوة وسنين التعب والشقى اللي كانو مليانين عشق ومحاوطة مني ليكي ،
اني في الأول والآخر راجل ليها حقوق ربنا شرع بيها وده لجل ماعفي نفسي يا بت الناس
واني لحد دلوك عمال اسايس ومش راضي ازعلك واصل، بس لحد اكده وبقولك كفاية
ونومتك هتبقي جاري لأن دي حقي عليكي ،
معاكي طول اليوم لولادك اما الليل فدي حقي اني واللي مش هسمح بيه اني افضل في أوضة وانتي في أوضة تانية ،
كل الناس حداها عيال مشفناش حد بيعمل كيف ما بتعملي اكده ودي اخر حديت عندي يا "سكون"
وقفت "سكون" في مكانها وكأن الأرض اهتزت تحت قدميها كانت ملامحها عاجزة عن إدراك المصير الذي رسمه "عمران" بنبرة صارمة لكنها منكسرة في العمق كانت تشعر بأن هواء المكان قد ثقُل وبأن قلبها عاجز عن النبض للحظة وهي تستوعب أن من أحبته بصدق قرر أن يقول كفى،
وهي تنظر إليه بعينين يغمرهما الذهول والانكسار لم تستطع أن تتحرك أو تتنفس كانت صدمتها بحكمه الأخير كصفعة قاسية أفاقتها من وهم أن الحب وحده يكفي كانت ترتجف ليس خوفًا منه بل خوفًا من فقدانه وخوفًا من أن يكون الفاصل قد وقع بالفعل دون رجعة .
( ملحوظه يا بنات حاسه ان في ناس زعلانه من ان الاحداث كلها ناريه واني بادئه الجزء كله نار بين كل الابطال لو لاحظتوا ان انا بناقش قضايا مهمه جدا جدا جدا كل الكابلز ليه قضيه مختلفه تماما عن التاني فنصبر مع بعض في الاحداث لحد ما نشوف ان هي ايه خليكم واثقين فيا اديكم شايفين انا مش بمط في الاحداث خالص وبناقش المشاكل كلها بتعجل جدا وبفرش حياه الابطال بعد ما خلفو وعاشوا مع بعض خليكم واثقين فيا يا بنات رجاء تتفاعلوا على الفصل لان انا بتعب فيه جدا فوق ما تتخيلو واخيرا عايزه رايكم الفصل ما يقرب من 7000 كلمه .
رواية من نبض الوجع عشت غرامي الفصل الخامس 5 - بقلم فاطيما يوسف
تابعت بذهول وهي لم تصدق أن ذاك الواقف أمامها هو "عمران" الذي عشقته سنوات وسنوات دون أن يعرف وعانت في عشقه كثيراً.
"بقى رايد تتجوز على "سكون" يا "عمران"؟"
"هذه حالك اللي هتشوفه عليا؟!"
"أنا مصدومة من كلامك والله ومصدقاش اللي سمعته وداني عاد؟"
أجابها "عمران" بحدة خفيفة كي يجعلها تفيق من دوامة الوهم التي تعيش بها وعقلها وقلبها وجل جسدها الذين ورطتهم بل وسحلتهم في مفهوم بئر خاطئ من الأمومة وألقته هو في بئر الحرمان منها دون أن تكترث لمشاعره ولا أن يلومها ضميرها على إهمالها له وهو يتقطع داخله لأجل حزنها.
"مصدومة من أني بطلب منك حقي فيكي اللي ربنا أمرك بيه؟"
"ولا مصدومة في أن طيرك العاشق المربوط والموصوم بعشقك وصلّتيه بإهمالك أنه بقي تايه وحيد. الدفء غادر فرشته وبعدك عنه ليالي وشهور، خلي أيامه كيف الحنظل المر. بتعتبي علي ولا خايفة أن طيرك المربوط بعشقك هيفلت زمامه من يدك؟"
"أنا لو عايز أغدر ولا أخون مستناش ده كله يا "سكون"، مقعدش كل ليلة والتانية أحضن مخدتي كيف البت البايرة ومرتي اللي هعشقها وهيفصل بيني وبينها يدوب جدار ما يطولها."
وتابع بحدة مصاحبة لبعض العنف وقد زهق الصبر من صبره وهو يمسك بكتفها يهزها بغضب:
"ارجعي بقى عن اللي في دماغك، ارجعي لي "سكون" مرتي اللي ما كانتش تتحمل بعد "عمرانها" ولو ليلة واحدة."
"ويكون في معلومك المرة دي بالذات أني مش هتنازل عن اللي في دماغي يا "سكون"، ودلوقتي تتفضلي تظبطي حالك لجوزك ومفيش بيات في أوضة العيال تاني ولو اعترضتي يبقى باكده بتبني أول نعش في طريق سد بيناتنا."
"وأظن أني عداني العيب وياكي وصبرت كتير، وما فيش راجل هيتحمل إلا أني اتحملته السنين دي كلها يا بت الناس."
أنهى كلامه وتركها وخطى خطوتان لخارج الغرفة فلحقته وتمسكت به وهي تسأله:
"طب أنت رايح فين دلوقتي يا "عمران"؟ لسه ما خلصناش كلامنا، أنت قلت اللي عايز تقوله وما اديتنيش فرصة أدافع عن نفسي ولا أقول أني كمان عايزة إيه؟"
أبعد يداها برفق عنه وهو ينظر بعينيه تجاه غرفة أولاده معلماً إياها بحزم:
"رايح لبتي أشوف إزاي قدرت تعمل السلوك العدواني ده مع خواتها وأعلمها الصح، وأعلمها كيف تبقى زينة عشان دي واجبي ناحيتهم واللي أنتِ عايزة تنحي عني."
واسترسل حديثه باعتراض صارم وهو يحذرها بشدة:
"وإياكي يا "سكون" تفكري أنك تخليني صورة في باترينا قدام ولادي وأني ما ليش رأي معاهم."
"وأنك الكل في الكل وأنك المسؤولة عنهم في كل شيء وتنحي دوري كأب، وتخليهم يدوب شايلين اسمي وإني مجرد اسم بس."
"هما ولادي وليهم حق عليا كيف ما هم ولادك برده وليهم حق عليكي، مش أني الراجل اللي هيقف يبص على ولاده من بعيد ولا يشوف أخطائهم ويقف متكتف عشان خاطر عامل حساب ليكي ولزعلك."
"وما تفكريش نفسك هتحبيهم أكتر مني؛ لا يا "سكون"، حبي لولادي من حبي ليكي ورعايتي ليهم المفروض أنها تبسطك مش تخليكي خايفة من رد فعلي عليهم ساعة الغلط."
"راجعي نفسك يا بت الناس لأن الكيل طفح ومش هتحمل أكتر من كده واصل."
كان الليل يفرش أجنحته على أرجاء المنزل بهدوء مهيب، بينما هدوء يملأ الأجواء بعد نهارٍ طويل مليء بالحركة والصخب. وقف "عمران" أمام باب غرفة أطفاله وقد تملكه شعور مزدوج بين الحزم والحنان. دفع الباب برفق ودخل إلى الغرفة حيث كانت "سكن" تجلس على طرف السرير وتمسك بيدها قلماً وكراسة وتحاول أن ترسم كي تكون بارعة في الرسم مثل أخيها، بينما كان "سليم" و"سيف" جالسين في ركن الغرفة يلهون ويلعبون مع بعضهم بلعبة "البازل".
اقترب "عمران" بخطوات بطيئة مدروسة ثم جلس على الأرض أمام ابنته ورفع وجهه لينظر إليها بعينين تغمرهما الأبوة والرفق، بينما خيم السكون على الغرفة كلها. مد يده ومسح على يد "سكن" الصغيرة وهو يقول بصوت منخفض يفيض حناناً:
"قولي لي هتعملي إيه يا "سكن"؟ هترسمي؟ وريني كده رسمتك."
خبأت الطفلة رسمتها المشوهة من وجهة نظرها عن أبيها وهي تقول بحزن:
"لا يا بابا رسمتي وحشة، "سَليم" و"سيف" هيقولوا عليها عفشة."
"ماني بحاول أتعلم أرسم حلو زيهم وماما هتساعدني كتير لحد ما أرسم رسمة زينة أوريها لك."
أخذ منها الدفتر وهو ينظر إلى رسمتها وقد زينت الابتسامة ثغره وهو يبدي إعجابه برسمتها:
"إيه الحلاوة دي يا بتي، هتخزي العين ولا إيه؟ ما أنتِ هترسمي زين أهو."
"وما تاخديش على كلام خواتك، هم هيمسكوا على عندك وعلشان كده ما كانش ينفع تقطعي كتاب "سَليم"، أنتِ غلطتي يا حبيبة بابا."
"أنتِ عملتي كده ليه يا حبيبتي؟ قولي لي إيه اللي خلاكي تعملي كده في كتاب خوكي؟"
في عيني "عمران" كان يلمع قلق لم يحاول أن يخفيه، إذ شعر أن الغضب ليس سبيل الإصلاح في هذا الموقف، بل إن الحوار والرفق هما ما تحتاجه ابنته الآن. لقد كان يعلم أن مشاعر الغضب عند الأطفال تأتي من شعور بالعجز أو الحاجة للانتباه، وقد أدرك من نظرة عينيها المرتبكتين أنها نفسها لم تفهم ما دفعها لفعل ذلك.
رمشت "سكن" عدة مرات ثم هزت رأسها بخفة وقالت والدموع تتساقط على خديها ببراءة الأطفال:
"والله ما كنت أقصد يا بابا، والله ما كنت أعرف إن ده هيحصل."
"الكتاب كان في يدي و"سَليم" كان هيزعق لي جامد وقال لي ما تلعبيش معانا واني ما هعرفش أرسم ورسمتي عفشة قوي واني ما قدرتش أتحمل وكنت متضايقة جوي."
استمع "عمران" إلى كلماتها بانتباه بالغ وهو يشعر بوجعٍ في قلبه من اعترافها البريء وبكائها الحار. لقد أدرك أن الطفلة الصغيرة كانت تتصرف من انفعال مفاجئ ولم تدرك عواقب ما فعلت، وقد ازدادت مشاعر الحنو في قلبه نحوها أكثر فأكثر.
"بصي يا "سكن"، أنا فاهم إنك زعلانة وفاهم إنك كنتي متضايقة، بس برضو لازم تعرفي أنك لما تتضايقي ما ينفعش تعملي حاجة تزعل خوكي أو تأذيه."
"ولا لازم لما حد يزعلك تاجي على طول تقولي لي وأنا اللي هتكلم معاه وهجيب لك حقك من غير ما تزعلوا بعض."
كانت ملامح "عمران" وهو يتحدث تتلون بصدق مطلق، في صوته اهتزاز خفيف يعكس الألم العميق الذي يشعر به حين يرى أبناءه يجرحون بعضهم البعض عن غير قصد. كان يعلم أن مشاعر الطفولة رقيقة وسريعة الانكسار وأن أي جرح قد يترك أثراً طويلاً الأمد إذا لم يتم علاجه بالكلمة الطيبة والعناق الدافئ.
"أنتِ عارفة أنك مش بس أختهم، أنتِ بالنسبة لهم زي أمهم بالضبط يا "سكن"، والأم لازم تكون قلبها وبالها طويل، وأنتِ اللي لازم تكوني قدوتهم في كل حاجة."
"طيب ينفع بنتي قمر زيك تعمل كده؟ بنتي الحلوة اللي أنا هعشقها تعمل كده؟ لا طبعاً، أنتِ أحن من كده بكتير وأطيب من كده كماني."
رفعت "سكن" رأسها ونظرت إليه بعينين مغرورقتين وقد بدا عليها أنها تسمع صوته لا بأذنيها فقط بل بقلبها كله. كان وقع كلماته عليها كالماء البارد على نار داخلها كانت توشك أن تحرق كل شيء. إحساس طفولي بعقل صغير جعلها تشعر أنها سيئة للغاية.
"أنا آسفة يا بابا، أنا فعلاً آسفة."
"ما كنتش أقصد أزعله، أنا كنت عايزة ألعب معاهم وخلاص وهم كانوا هيمسكوا على عندي."
نظر "عمران" إلى ابنه "سليم" الذي كان لا يزال جالساً دون حراك ثم أشار له أن يقترب. اقترب "سليم" بخطوات مترددة وعيناه متعلقتان بأبيه.
"تعالى هنا يا "سليم"، تعالى جنبي شوية."
"شوف يا حبيبي، أختك غلطت لما قطعت الكتاب بس هي قالت إنها ما كانتش تقصد وكانت متضايقة."
"وأنت كمان غلطت لما مسكت عليها وضغطت عليها بالكلام، المفروض أننا كلنا نحافظ على بعض وما نوجعش بعض بالكلام ولا بالفعل."
التفت "عمران" إلى ابنته وقال بلطف وحنان:
"يا "سكن"، هتجولي لأخوكي إيه؟ جولي له إنك آسفة وإنك مش هتعملي كده تاني وإنك بتحبيه."
نظرت "سكن" إلى "سليم" ودموعها لم تتوقف ثم قالت بصوت منخفض:
"أنا آسفة يا "سليم"، بجد مش هعمل كده تاني سامحني علشان أنا هحبك وكنت عايزك تقول على رسمتي حلوة بس المرة الجاية مش تقول لـ"سكن" رسمتك عفشة."
ثم التفت "عمران" إلى "سليم" وقال له:
"وأنت كمان يا "سَليم"، لازم تعتذر لها عشان الكلمة اللي قلتها لها وجعت قلبها."
"إحنا ما ينفعش نكسر قلب بعض عشان ننتصر في لحظة."
"قول لخيتك إنك آسف وإنك هتحبها."
أخفض "سليم" رأسه قليلاً ثم قال بصوت خافت:
"أنا آسف يا "سكن"، أنا ما كنتش أقصد أزعلك، أنا كمان هحبك."
في تلك اللحظة شعر "عمران" أن قلبه قد امتلأ دفئاً غامراً وتسللت ابتسامة خفيفة إلى شفتيه دون أن يدري. مد ذراعيه واحتضن "سكن" و"سليم" ثم نادى على "سيف" الذي كان يراقب الموقف بعينين فضوليتين فركض إليه وقفز في حضنه دون تردد. ضم "عمران" أولاده الثلاثة إلى صدره بشدة كأنما يريد أن يحتفظ بهم داخل قلبه وألا يفرط في لحظة دفء واحدة معهم. أحاطهم بذراعيه ونظر إليهم بعينين تلمعان بالحب والحنان وقال بصوت منخفض لكنه مملوء باليقين:
"اسمعوني كويس يا حبايبي، أنتم إخوات يعني لازم جلبكم يبقى على جلب بعض وتبقوا يد واحدة وما حدش يغدر بالتاني وما حدش يزعل التاني وما حدش يعاند مع خوه."
"أي حاجة تحصل بينكم تيجوا تحكوها لبابا على طول وبابا هو اللي هيحلها."
شعر الأطفال جميعاً بدفء الأمان في صدر أبيهم وارتسمت على وجوههم الصغيرة ملامح الاطمئنان والسكينة وكأنهم أدركوا أن لهم سندا لا يتخلى أبداً عنهم مهما حدث.
وفي الطرف الآخر من الغرفة كانت "سكون" تقف بصمت تراقب المشهد ويداها تتشابكان أمام صدرها وعيناها مغرورتان بالدموع. كانت تشعر بغصة في حلقها ووجع يعتصر صدرها كلما نظرت إلى "عمران" وهو يضم أولاده إليه بحنان لم تبذل هي جهداً في دعمه كما ينبغي. كانت تلوم نفسها في صمت وتعترف أمام قلبها بأنها قصرت في حقه كثيراً ولم تقدر جهده كما يجب. كانت تعرف أن قلبه عامر بالحب وأن صبره لم يكن يوماً ضعفاً بل قوة لا تضاهى. وفي تلك اللحظة فقط تمنت من قلبها لو استطاعت أن تعيد الزمن لتكون أقرب إليه كما كان دوماً أقرب إلى أبنائهم منها. ولم تخرج من تلك الليلة إلا بصمتٍ طويل ورسالة واحدة تنبض في قلب "سكون" قبل عقلها أن "عمران" لم يكن أباً فقط بل وطناً حقيقياً لثلاثة قلوب صغيرة وسنداً لامرأة ما عادت تعرف كيف تفيه حقه في زمن مرهق بالخذلان.
كانت تقف أمام المرآة تنهي لمساتها التجميلية لوجهها ومن ثم شعرها وهي تنظر إلى هيئتها بإعجاب شديد ويدها تتحسس ذاك القميص الناعم باللون الأسود والذي أعطاها هيئة أنثوية مغرية للغاية والإبتسامة العابثة تزين ثغرها وأخذت تدور حول حالها بخيلاء وداخلها واثقة الخطى أنها ستبهره بشدة.
ثم أمسكت بزجاجة المعطر وبدأت ترش عطرها في جميع الغرفة كي تعبئ المكان بتلك العطور النفاذة وبعد أن انتهت استنشقت عبقه وهي تغمض عينيها وكان ذاك المشهد أعطاها سحراً خاصاً لا يليق إلا بتلك القوية.
في تلك اللحظة دلف زوجها إلى الغرفة وجدها تجلس على الشزلونج وقدماها ممدتان بأنوثة وتغمض عينيها تستنشق عبق العطور الذي يملأ الغرفة. ساقته قدماه إليها كالمسحور من جمالها وجمال المكان ناهيك عن رائحتها التي نادته من أسفل وهيئتها الساحرة التي خطفته وهي تقف مغمضة العينين وتلك الموسيقى الرومانسية الهادئة تعطي نغماتها لحناً خاصاً وساحراً. كم كان ذاك المشهد بالنسبة له كالحلم الذي حلم به كثيراً.
حلم بأن يعود من عمله يجد زوجته تنتظره بتلك الهيئة دون أن يجبرها على أن تكون في أحضانه وأنه يشتاقها كل مرة. وهو يحدث حاله أمامها وكل ذلك حدث في بضع ثوانٍ. كل تلك المشاعر والأحاسيس والنبضات التي كادت أن تخترق صدره وتهرب من بين ضلوعه وتستقر بين يديها.
فقال العقل: اهدأ يا رجل وتمسك بحالك قليلاً أمام تلك العابثة الماكرة. اهدأ ولا تستكين لمحاولات جذبها إليك بذاك الدهاء الكبير.
ليرد القلب الملهوف الآن: أحقاً! لن تستطيع يا رجل أن تصمد أمام كتلة الأنوثة تلك. تقدم وانهل من رحيق شهدها المسكر حتى تغيب معها وتنسى نفسك والظروف والزمان والمكان وكل الأشياء.
هنا عاد العقل يذكره بما فعلته وهو ينهره: تراجع يا رجل، تراجع عن أفعال تلك الماكرة فهي ماكرة تقصد أن تنسيك العقاب. أين الكبرياء؟ فلا تدعها تنسيك وكل ما فعلته معك يضيع هباء.
نطق القلب مكانه وهو ينهر ذاك العقل: اصمت أنت أيها العقل. ألم ترى هيئتها الساحرة؟ ألم تشم عبقها الآخاذ؟ ألم تقف أمام فاتنة بإطلالة ثائرة؟ أنت الآن سوف ستجعلني أخسر جولة ممتعة أمام تلك الصغيرة الفاتنة. فليذهب العقاب والعقل والقلب إلى الجحيم وسأخطو بقدمي إليها بعد أن أشعلت حريق الاحتياج لها داخلي. تقدم يا رجل واسحبها إليك واسحقها بين أحضانك وتمتع وتهنئ باقترابها.
وعلى الفور هبط بنصف جسده أمامه وهمس بصوت أجش داخل أذنها حتى اقشعر جسدها من صوته الرجولي في أذنها.
حينما استقر الضوء في قلب الغرفة وارتسمت على ملامحها سكينة خفيفة مع لمحة دلال لا تخفى على عين "ماهر" المترصدة لكل نبض منها اقترب منها وهو يحمل في عينيه رجفة الاشتياق وغضبة المحب التي لا تلبث أن تنقلب إلى شغف متوهج. كان حضوره في الغرفة كأنفاس عاصفة صيفية ناعمة تحاصر الهدوء وتحرك كل ساكن فيها. اقترب بكبريائه الذي لا يلين ووقف أمامها بذراعين مفتوحتين وكأنه يختصر المسافات بينها وبين اعتراف قلبه.
"على فكرة تدوبين وتجننين وكل حاجة حلوة ومختلفة ومميزة فيكي النهاردة يا رحمتي."
فتحت عينيها على اتساعهما وكأن قلبها سمع صوته قبل أذنيها وبمجرد أن لمحت طيفه أمامها شعرت بأنفاسها تخرج متلاحقة كأنها تحاول اللحاق بهيبة حضوره. وقبل أن تنتفض لتقوم من مكانها إذا به يسبقها بحركته الحاسمة محاصرًا إياها بين ذراعيه والشزلونج وكأن لا مفر من سطوته ولا نجاة من سحر عينيه.
"رايحة فين يا بت "سلطان"؟ هو دخول الحمام كيف خروجه ولا إيه عاد؟"
"وبعدين إيه الجو الجامد ده يا رحمتي؟ دي الغيبة بتاعتي مقصرة فيكي قوي وهتموتي من الاشتياق يا صغنن؟"
لم تضعف "رحمة" رغم الحصار ولم تهرب رغم القرب بل رفعت حاجبيها بدلال أنثوي لا يجيده سواها وعيناها تتحدثان قبل شفتيها وكأنها تخبره أن التحدي بدأ الآن وأن اللعبة لم تنتهِ بعد. وجهها تلفه ابتسامة خبيرة تخبئ وراؤها موجة أنوثة تندفع نحوه بثبات.
"مين دي اللي هتموت من الاشتياق؟ مين يا حبيبي؟"
"قول إن أنت اللي مش قادر تمسك حالك قدامي وأنك أول لما دخلت الأوضة وشفتني هتموت على إنك تاخدني في حضنك وأنك مش قادر تتنفس قدامي أصلاً."
ضحك "ماهر" ضحكته الرجولية التي تحمل في نبرتها ثقة المنتصر وهو يرمقها من أعلى وكأنه يعرف أن هذه اللحظة تخصه وأنها لن تفلت منه مهما حاولت الدفاع أو المناورة. عيناه تخترقان ملامحها ويداه تتشبثان بإطار اللحظة ليؤكد أنه لا مجال للهروب بعد الآن.
"أنا برضه اللي هموت عليكي، آمال الروايح اللي معبية الأوضة دي إيه؟"
"والشموع والموسيقى والقمصان الجامدة والحركات اللي أنتِ عاملاها دي تدل على إيه؟ غير أنك أنتِ اللي هتعرضي نفسك علي وهتموتي على إنك تنامي في حضني النهاردة وانتِ كل يوم والتاني هتحضنيني بعد ما أنام ومفكرة إن مش هحس بيكي. لعلمك بقى أنا عارف أنك ميتة من الاشتياق وجبتي آخرك، اعترفي بقى أنك رجعتي وانتِ مسلمة الراية البيضا وكلك جوع لأحضان "ماهر"."
تقهقرت "رحمة" بخطوة لكنها لم تبتعد، ظلت واقفة أمامه كالملكة التي لا تسمح بالهزيمة حتى وإن أرادت أن تهدأ. عنادها جعلها تصعد في اللعبة وعزتها جعلتها تتمايل بالكلمات لكنها في قرارة نفسها كانت تشتاق أكثر منه لتقول قبل أن تنتوي الخروج بعد أن أحست بالحرج من تلميحاته.
"فشر مين دي اللي بتعرض عليك؟ دي أنا "رحمة سلطان المهدي"، يعني أنت اللي تشوفني تموت علي وتتمنى رضاي وحضني."
"قول بقى إنك أول ما دخلت الأوضة وشفتني ما قدرتش تمسك أعصابك وبقيت تطلع نار من كل حتة حتى حرارة جسمك وصلت لي واحنا في أيام الجو معتدل فيها."
"وإذا كان على اللبس والحركات اللي هتتكلم عنها دي، أنا ست وفي أوضة نومي الخاصة وحبيت أدلع نفسي وأروق على حالي بعيد عن الحوارات اللي في دماغك دي خالص اللي أنت أصلاً هتموت عليها، وأما صدقت شفتني كده وهتموت على نفسك."
لم يتحمل "ماهر" تلك النبرة المتعالية التي تخرج منها وكأنها تملك الحق كله في قلب المعركة. أراد أن يعيد التوازن ويؤكد أن السيطرة ما زالت بيده فتقدم منها خطوة أخرى اقترب حتى أصبح يفصل بينهما أنفاسهما الملتهبة وأمسك بيدها بحزم العاشق الواثق.
"تعالي هنا رايحة فين؟ هو أنت هتشعلي النار جواي وتهربي كده عاد؟"
"اعقلي يا بت سلطان وما فيش خروج من هنا واصل إلا لما تطفي الحريق اللي أشعلتيه."
"آه منكم أنتم يا جنس حوا شاطرين في اللفلفة والدوران والمكر. ما تقصري الطريق واعترفي أنك عايزاني وأنك مقدرة تعيشي من غيري يوم واحد وأنك عملتي الليلة دي عشان تصالحيني وأنا يا ستي بكل نفس راضية سامحتك."
أشاحت بوجهها قليلاً لكنها لم تستطع الفرار من قبضته أو من صوته الذي يتغلغل في عروقها كالموسيقى المتسللة بين جدران القلب. وقفت بثبات الأنثى العنيدة ورفعت ذقنها في كبرياء ظن أنه قد ولى لكنها أثبتت أن الحب حين يسكن القلوب لا يلغي قوة الشخصية.
"هاو مش "رحمة سلطان المهدي" برضه اللي تيجي راكعة وتطلب الوداد؟"
"اعترف أنت إنك مش قادر تمسك حالك قدامي وأنك أول ما دخلت الأوضة وشفتني هتموت على وإنك دلوقتي خلاص جبت آخرك يا متر وأنا جامدة موت وعرفت أخليك تقف قدامي وعيونك هتاكلني وكمان تصالحني على الأسبوعين اللي قعدتهم بعيد عني ومخاصمني. اعترف وأنا أخليلك الليلة دي زي شهرزاد بالظبط وهعيشك ليلة ولا ألف ليلة وليلة من بتوع شهرزاد."
لم يتمالك "ماهر" نفسه أمام هذا الإغراء الملفوف في تحدي وكبرياء. ضحك بحرارة وهو يهز رأسه بإعجاب واستسلام وكأن كل الكلمات قد ذابت في وهج عينيها وشوقه الذي لم ينطفئ منذ أول يوم افترقا فيه.
"طب أعترف أنا "ماهر البنان" وأنا بكامل قواي العقلية إن "رحمة سلطان المهدي" خلتني دايب ومشتاق ومش قادر على بعدها ولا قادر مشدهاش لحضني ولا قادر أستنى أكتر من كده قدام سحرك وجمالك يا صغنن."
أطلقت "رحمة" تنهيدة دافئة خرجت من أعماق قلبها المنهك من الخصام وتقدمت نحوه كمن وجد ضالته في حضن الحبيب فتراقص صوتها بدفء وصدق وهي تنطق الكلمات كأنها مرهم على جراح الاشتياق.
"وأنا عفوت عنك يا متر بس ياريت متعملهاش تاني عشان أنت عارف أني هحبك وهعشقك يا قلب "رحمة" وما أقدرش على بعدك أكتر من كده كيفك وأكتر كمان."
ضم "ماهر" يديها بين يديه ونظر في عينيها بعمق لا يحمل إلا الصدق والحب والخوف من الفقد من جديد. تنهد بحنان الأب والعاشق وقال بصوته الرجولي العميق الممزوج بعاطفة جياشة.
"وأني هحبك طول ما أنتِ واخدة بالك من بنتنا وهتراعيها بنفسك، أنا مليش غيركم يا "رحمة"، أنتم جنتي على الأرض وأنتم كل حاجة حلوة بالنسبة لي وأحب أشوفكم بكل الخير."
في تلك اللحظة كانت روحهما قد تصالحت معًا قبل أن تتصالح الكلمات وألقت "رحمة" بكل العناد أرضاً ورفعت كفيها لتطلب حضنه كأنها تعلن أنه وطنها الوحيد فمالت عليه بهمسة ممزوجة بالشوق.
"طب خدني في حضنك بقى، اتوحشتك جوي جوي يا "ماهر"، اتوحشت حضنك وضمتك ليا وحنانك علي، اتوحشت أنفاسك وريحتك وكل حاجة في يومي وحشة من غير كلامك معايا بقى. هنت عليك تخاصمني أسبوعين بحالهم من غير ما تسأل فيا؟ هنت عليك نبقى نايمين على سرير واحد وتبعد عني وأجي أقرب منك كأن كهربا لمستك وتنفرني. أنا زعلانة منك جوي وجلبي مش مسامحك على بعدك وهجرك ليا."
اقترب منها أكثر وكأن الندم يذوب على ملامحه وتشابكت نظراته بنظراتها ليسكت كل الأسى باعتذار من قلبه لا يحتاج إلى كلمات لكنه رغم ذلك نطق بها بصوته الذي اختلط بالحب والندم.
"حقك علي بس اللي حصل منك لبنتنا ما كانش سهل واصل ويا ريت ما نفتحش فيه تاني عشان أنا ناوي أني أدوبك الليلة وأخد حقي في الأسبوعين اللي فاتوا منك لحد ما تجيبي آخرك وتهربي مني وتجولي لي ارحمني بقى كفاية."
ساد في الأرجاء صمت مهيب، كأن اللحظة ذاتها تخشى أن تقاطع ما بين قلبين ينبضان بنبض واحد. في ذلك الركن الهادئ من البيت، حيث لا ضجيج سوى همسات الهواء، ولا حركة سوى ارتجافة الستائر، كان كل شيء يدعو للسكينة، لكنه يخبئ في طياته نداءً عارمًا للشوق، ليقول "ماهر" بصوت منخفض أقرب للهمس.
"حاسس إني محتاجك جوي يا رحمتي ومش هستحمل تبعدي تاني."
انزلقت نظراتها على ملامحه، متأملة تلك القسوة التي لا تفارق قسمات وجهه، لكنها تعلم تماماً أنها تختبئ تحتها حناناً لم يكتشفه أحد سواها. كانت تحب فيه هذا التناقض، وتشتاق دوماً للغوص في أعماقه لتتحسس وجنتيه بنعومة وابتسامة خفيفة ونغمة لا تخلو من الدلال والمناوشة.
"طب ما أنا هنا أهو، واقفة قدامك ملك يمينك، اعمل ما بدالك يا جلب "رحمة" واني هتجبل منك أي عاصفة اشتياق بصدر رحب."
اقترب منها ببطء، وكأن كل خطوة منه تعني تحدياً لصبره، وتعني لها عزة في أنوثتها، لكنها قاومت، كعادتها، واختارت أن تقف متماسكة، رغم أنها كادت أن تنهار بين ذراعيه. وقد اقترب حتى بات بينه وبينها شبر واحد، ينظر في عينيها نظرة تعرف جيداً معناها.
"أضمك جواي بس اتحمل بقى جبروت ابن البنان المحروم من حضن مرته."
شعرت برجفة تسري في أطرافها، لكنها ما زالت متشبثة بتلك اللعبة الجميلة، لعبة القرب والتمنع، لعبة النساء التي لا يجيدها سواها. لكن عينيه جعلتاها تفقد اتزانها للحظة لتقول بصوت خافت وهي ترفع رأسها لتثبت نظرتها في عينيه.
"يعني ناوي تفتكر دلوقتي إنك هتحبني؟ بعد ما سبتني أتقلب في الوحدة وأنا جنبك يا أبو جلب حجر."
تقلصت المسافة بين جسديهما، لكنه لم يمسها بعد، وكأن لمسة واحدة ستشعل الكون، وستفتح أبواباً من الضعف والشوق، لم يردها أن تُفتح سريعاً، بل أرادها أن تنكسر أمام رجولته شيئاً فشيئاً ليهمس بصوت أجش، فيه نبرة احتياج ورغبة لا تحتمل التأجيل.
"أنا ما بحبش أبرر، بس لما بكون بعيد، ببقى شايل الدنيا على دماغي وكل لحظة بتعدي علي من غيرك، بحس إني مطايقش حالي وهخانق دبان وشي."
أشاحت بنظرها قليلاً، وكأنها تخشى أن يقرأ في ملامحها ما تخفيه، لكنها لم تبعد كثيراً، فقد كانت كل ذرة فيها تشتاق لاحتوائه، لوجوده، لرائحته، لكنها فقط أرادت أن تعرف: هل هو ما زال يراها كما كانت؟ لتنطق بصوت مرتعش، لكنه ما زال يخبئ قوة امرأة تعرف من تكون وهي تمسح في صدره كالقط الوديع.
"وأنت فاكر إني كنت مرتاحة وانت هتبعد كل يوم عن حضني؟ إني من غيرك بتوه توهة، أنت دليلي يا "ماهر"."
لم يتمالك نفسه، رفع يده ببطء، ولمس طرف خدها بطرف أصابعه، كأن لمسته تحمل آلاف الاعتذارات التي لا تُقال. ثم أحاط وجهها بكفيه، وقال كلماته كمن يُقسم على صدر السماء بصوت منخفض، يشبه تنهيدة موج عائد للشاطئ.
"طب أديني رجعت لك بقلب مليان اشتياق، ومليان حب، وكل حاجة ناقصة فيا مش هتكمل إلا بيكي يا صغنن."
أغمضت عينيها للحظة، وكأنها تحتبس دمعة، أو تحاول لجم عاصفة داخلها، ثم فتحتها ورفعت يدها تمسك بيده الموضوعة على خدها، وضغطت عليها برقة ونعومة وبصوت هامس.
"يا هلا وغلا بيك يا قلب وروح وعمر الصغنن."
اشتدت عاصفة الاقتراب بينهما كما يشتد الموج إذا عانق الصخر بعد طول غياب، لا رحمة في الاشتياق، ولا عذر في الحنين. كانت بين ذراعيه كأنها وطنه المفقود، وكأن صدره كان يفتقد أنفاسها كما يفتقد الجسد روحه حين تتيه. احتواها "ماهر" بين ضلوعه برجولة لا تعرف التراجع، وقبل وجعها قبل شفتيها، وبعينيه أخبرها كم أرهقته المسافة، وكم كان عناده مجرد صرخة خوف من حجم الحب الذي يسكنها.
أما "رحمة"، فقد أذابت كبرياءها بأناملها على وجهه، وكتبت بلمساتها على جسده قصيدة عشق ناري. لم تحتج حروفاً، بل تناثرت همساً وأنفاساً لا تُفسر. كانت عنيدة، نعم، لكنها ما إن لامس دفء صدره روحها، حتى استسلمت بكامل كبريائها، كأنها لم تكن يوماً سيدة الممانعة.
التصقت به كأنها تختبئ من العالم، وكأنها تقول له بلغة الجسد؛ "أحبك رغم كل شيء". فرد عليها بلغة أكثر وحشية، أكثر رجولة، أكثر امتلاكاً.
تسابقا في الجنون، في الاقتراب، في كسر كل ما بينهما من جليد عنيد، وكان كل منهما يشتهي الآخر كأنه لم يره من قبل. لم يكن مجرد لقاء جسد، بل اشتعال روحين كان بينهما آلاف الكلمات المؤجلة، وكم هائل من الرغبة المخبأة تحت وسائد العناد. لم تكن قبلاته تلامس بشرتها فقط، بل كانت تقتحم أعماقها، تشعلها، توقظ أنوثتها من نومها الطويل، وظلت هي تهمس له بصمتها، بصدرها الملتصق به، بدموعها التي لم تنزل بل احترقت على جفنيها، أنها لم تملك يوماً مهرباً منه، ولن تملك. وكانت تلك اللحظة، رغم جنونها، لحظة خلاص، لحظة عناق بين العاشقين، حين يتلاشى الزمن، ويذوب العناد، وتنتصر الرغبة في لحظة حب لا تعرف التراجع.
كان الصباح يزحف على أطراف الغرفة بهدوء، كأن الشمس تخشى أن توقظ من ناموا على وعد الحب. غير أن "أشرف" لم ينتظر الضوء، كان مستيقظاً قبله، يتقلب في الفراش كمن لدغته نحلة الشوق. نظر إلى "فاطمة" التي تنام على الطرف الآخر من السرير، متكوّرة كقطة صغيرة، وغطاؤها يرتفع وينخفض بأنفاس هادئة، ووجهها نائم في براءة تُغري بالمشاكسة. مال ناحيتها، وبصوت هامس لا يخلو من المقالب قال:
"يا صباح الجمال على وش القمر، قومتي؟ ولا لسه في عالم السنافر؟"
لم ترد، لكنه لمح حركة خفيفة في زاوية فمها كأنها تكتم ابتسامة، فعلم أنها مستيقظة، لكنها تتغافل. وهنا شعر أنه آن أوان اللعب. اقترب منها أكثر وهمس في أذنها:
"بصي لو ما قمتيش دلوقتي، هتشوفي الوجه التاني لـ "أشرف" هتشوفي الجنرال بيتنطط لك هنا في الأوضة. هفتح لك الشباك، وأغرقك بشمس يوليو في عينيكي، وبعدين هغني لك ذهب الليل وطلع الفجر والعصفور صوصو، بصوتي اللي يخلي العصافير تهاجر!"
فتحت "فاطمة" عينيها بتثاقل، وما إن رأته يضحك كالأطفال، حتى عضت شفتها وغطت وجهها بالملاءة، ثم تمتمت:
"قوم يا "أشرف" خليني أنام شوية، أنا لسه ما خدتش نفسي من اللي حصل امبارح، جاي تهزر من بدري كده؟!"
رد وهو يمد لسانه:
"لا يا حبيبتي أنا خلاص خلصت نوم وانتِ كمان هتقومي من النوم اجباري عشان تجهزي لي فطار وتعامليني معاملة الملوك في يوم إجازتي وانت كل يوم بتبقي نايمة وبتشخري وسايبة جوزك حبيبك يروح الشغل من غير فطار. قوم يا بطبط عشان مش هحلك النهاردة."
اعتدلت "فاطمة" في جلستها وجلست على طرف السرير، تغطي صدرها بالغطاء، وشعرها المبعثر قد تناثر حول وجهها كستار شفاف، ثم قالت بخجل:
"إنت كان لازم تصحيني بالشقلوب؟ يعني ما فيش صباح الخير ناعم كده، ولا بوسة على الراس، ولا أي كلمتين من اللي هيعملهم الراجل ويا مرته لما يصحيها من النوم."
رفع حاجبه كأنه يمثل مشهد درامي وقال:
"والله أنا ناوي أقولها، بس لما شفت منظر الشعر الغجري اللي يسافر في كل الدنيا ده، نسيت كل حاجة!"
قالها وهو يشير لشعرها المنكوش، وعينيها المتورمتين من النوم، فأطلقت ضحكة خفيفة، ثم رمته بالوسادة وهي تقول:
"يا قليل الأدب، هو ده ذوقك وصباحك؟ طب قوم حضّر فطارك بدل ما تفضل تتمسخر علي."
أمسك الوسادة وضربها بها ضربة تمثيلية كأنه داخل حرب، ثم صاح:
"مش هحضر حاجة، أنا راجل شرقي، لازم مراتي تصحى تحضر لي الفطار، وأنا أقعد على السفرة أستنى ولو ما عملتيش كده، هبعت لأمك تقولك جوازنا باطل!"
قامت "فاطمة" وهي تكاد تتعثر في الغطاء، وقالت بتهديد وهمي:
"ماشي، طيب يا "أشرف"، والله ما هعملك غير شاي بكركديه سخن عشان يهدّ أعصابك، ومعاه بيضة مسلوقة ناشفة تطلع لك تراب في بقك، هو ده الفطار بتاع الرجالة الشرقيين!"
وضع يده على صدره كأنه تلقى طعنة:
"كده يا فاطمة؟ بيضة ناشفة؟ ده أنا كنت فاكرك هتعملي لي فول بالسمن، وطعمية مقرمشة، ومربة مشمش، وشاي بحليب!"
اقتربت منه بخطوات محسوبة وقالت:
"مش أنت الراجل الشرقي؟ قوم اعمل لنفسك يا باشا، دي المساواة بقى، مش أنت بتقول هتحب المودرن والفاهمين؟"
"ولعلمك بقى أني عايزة أتعامل معاملة بطة جدو علي تصحى من النوم تغطس وتتعوم وهات يا لعب وهات يا نوم، ما ليش أنا في حوار الزوجة اللي تفطر جوزها دي خالص."
رفع حاجبيه وقال:
"بس أنا بحب الفاهمة اللي بتفهم إن الرجالة صباحهم بيبدأ بلقمة حلوة، مش نكد وضرب بالوسايد يا "بطة"، ما ليش أنا في الجو ده بلا بطة جدو علي بلا بطة جدو حسين."
ضحكت "فاطمة" ثم اتجهت إلى الحمام، لكنها قبل أن تدخل، استدارت نحوه وقالت بخبث:
"بقولك إيه، لو قعدت تعيط شوية وأنا جوه، ممكن أطبخ لك بيضتين بدل واحدة."
رمقه بنظرة فيها تمثيل الذل والخضوع، ثم تظاهر أنه يجهش بالبكاء:
"هو ده جزاء اللي استناكي أربع سنين؟ هو ده؟ دموعي بتنزل، طب يا ناس شوفوا مراتي هتذلني عشان تفطرني."
دخلت الحمام وضحكت ضحكة خفيفة، وتركته يمثل في الخارج مسرحية درامية لا تنتهي.
بعد قليل، خرجت "فاطمة" من الحمام، ترتدي قميصاً بسيطاً بلون السماء، وشعرها لا يزال مبللاً يتدلى على كتفيها، ووجهها متورد من حرارة الماء والحياء. كانت تتحرك في الغرفة بخجل، كأنها تمشي على أطراف الضوء.
توقف "أشرف" عن التهريج فجأة، ثم قال ببطء وهو يتأملها:
"إيه الجمال ده؟ هو أنا رجعت تاني ليلة الدخلة ولا إيه؟ طب ده أنا لازم أعمل لك زفة تاني من السرير للمطبخ!"
خفضت "فاطمة" بصرها وهمست:
"خلّي عندك دم، مش كل مرة تقعد تسبل لي كده وتحرجني."
اقترب منها، ووضع يده على كتفها برقة، ثم قال بنبرة أكثر دفئاً:
"والله يا "بطبط"، لو كل يوم أصحى على وشك ده يبقى كتر خير الدنيا. كفاية عليا ضحكتك دي، دي فيها أكتر من ألف صباح."
هزت كتفها محاولة أن تبعد يده بخفة، لكنها لم تقاوم كثيراً، ثم قالت بنعومة:
"طيب قوم بقى يلا عشان نفطر يا سيدي الرومانسي أنت."
قال وهو يغمز:
"طيب بس عندي شرط."
"خير؟"
"الفطار يكون على السرير ومعاه بوسة مجانية فوق البيعة!"
نظرت إليه بصدمة، ثم قالت بسرعة:
"هو إحنا في فندق ولا في بيت؟ قوم يلا يا "أشرف" قبل ما أرجع أنام تاني وتصحيني بكركديه فعلاً!"
ضحك، ثم اندفع خلفها إلى المطبخ وهو يغني بصوته المزعج:
"بطبط يا بطبط، يا حتة سكرة خلقك ضيق قاسينه بمسطرة، يا أجمل من المربى على العيش السخن يا سكرة."
وانطلق النهار عليهما كما ينبغي أن يبدأ، خفة دم، ودفء، وكسوف، وضحكة من القلب، تملأ البيت قبل الشمس.
هبت نسمات المساء على أرجاء المزرعة، تداعب أشجار الجميز والنخيل، فيما خيّم السكون على المكان إلّا من أصوات الطيور العائدة إلى أعشاشها، وصهيل بعيد من أحد الخيول داخل الإسطبل.
كان "عمران" جالساً تحت مظلة خشبية تتوسط حديقة المزرعة، على مقعد بسيط من القش، ينظر نحو غروب الشمس الذي لوّن الأفق بدرجات من البرتقالي والذهبي، ويداه متشابكتان في هدوء تام.
لم تمر دقائق حتى اقتربت منه الدكتورة "نور" تمشي بخطوات ثابتة، تمسك بملف صغير، وعلى وجهها علامات التوتر. وقفت أمامه، ثم قالت بصوت منخفض وهي تنظر إليه مباشرة:
"مساء الخير يا بشمهندس "عمران"، معلش مضطرة أبلغك بحاجة مش كويسة."
رفع عينيه إليها ببطء، وعيناه امتلأتا بالقلق قبل أن يتكلم، بصوته العميق ولهجته الرجولية التي لا تخطئها الأذن:
"خير يا دكتورة، فرسة منهم حصل لها حاجة؟"
أومأت برأسها في حزن:
"آه للأسف "لمّة"، حالتها مش مستقرة خالص، بعد ما كشفت عليها، شكيت في بداية إصابتها بـ"داء الحوافر المزمن" وده مرض مؤلم جداً للخيل، وبيأثر على حركتهم بشكل كبير."
ظل صامتاً للحظات، ثم مال بجذعه للأمام، ووضع كفيه على ركبتيه، قبل أن يهمس وكأنه يخاطب أحد أبنائه:
"لمّة؟ يا ساتر يا رب! دي أغلى فرسة عندي يا دكتورة، دي أنا مربيها من يوم ما كانت مهرة صغيرة."
نظرت "نور" إلى ملامحه في تلك اللحظة، فرأت شيئاً لم تعهده في وجوه الرجال الذين عرفتهم، لم يكن فقط حزناً، بل انكساراً صامتاً، يتسلل من بين السطور المتماسكة في هيئته.
ثم قالت بتردد:
"أنا آسفة، بس لفت نظري حاجة، أنت بتحبهم أوي كده؟ أقصد الخيل بالنسبة لك مش بس شغل أو تجارة، صح على ما أعتقد؟"
اعتدل في جلسته، ثم نظر نحو الإسطبل البعيد كأنه ينظر إلى أرواح تسكنه، وقال ببطء يحوي صدقاً شديداً:
"الخيل عندي مش بس حيوانات، دول أهلي وونسي من وأنا طفل صغير، كل واحد فيهم له حكاية. لمّة دي مثلاً، كانت بتنهج وهي بتجري عشان صدرها ضعيف، فضلت شهور أقعد جنبها، أدفّيها ببطانية وأرضّعها بلبن صناعي عشان تقوى. فقولي لي بربك، ينفع أنسى دي ولا أحس بالحزن على مرضها؟"
شعرت "نور" أن قلبها اهتزّ، ليس من حكاية الفرسة، بل من الطريقة التي حكاها بها. نبرة صوته، عمق مشاعره، عينيه اللتين لم تخشيا أن تُظهرا التأثر كان مختلفاً.
ثم ابتسمت في حياء وهي تهز رأسها:
"أنا بشتغل في المجال ده من سبع سنين، لكن عمري ما شفت حد بيحب الخيل كده، الصراحة، أنت مختلف جداً يا بشمهندس "عمران"، عندك وفاء تجاه الفرسان مشفتهوش قبل كده."
رد وهو يُخفض بصره في احترام، ثم قال بصوت حزين كحاله:
"وإزاي مهكونش ليهم وفي وهم ليا أوفياء؟ عمرهم ما بيتغيروا في محبتهم ليا كيف البني آدمين ما بتتغير طباعها، والسنين هتخليهم أنانيين مهيشوفوش غير حالهم."
صمتت نور لثوانٍ، ثم قالت محاولة أن تخفف من الجو الكئيب:
"طيب إحنا هنبدأ العلاج فوراً، بس محتاجين نتابع كل يوم، وأحب أكون أنا اللي أشرف بنفسي على كل حاجة تخص الفرسة ده لو ما كانش يضايقك يعني؟"
هز رأسه بامتنان، وهو يقول:
"لكِ السماح يا دكتورة، إنتي من يوم ما جيتي المزرعة وقلبي مطمئن للخيل، ربنا يجعل تعبك في ميزان حسناتك."
ابتسمت في هدوء، ثم جلست على المقعد المقابل له، وأخرجت من الملف بعض الأوراق، وبدأت تشرح له الخطة العلاجية.
في تلك اللحظة، كانت "سُكون" تقف في شرفة الطابق العلوي، ذراعاها مسنودتان على السور الحجري، ووجهها يعكس مزيجاً من الصدمة والضيق. لم تكن تسمع ما يُقال، لكن عينيها رأت كل شيء. رأت "عمران" وهو يجلس بهدوء أمام امرأة جميلة حد الفتنة، ملامحها مصرية أصيلة، تتحدث إليه بثقة، وهو ينصت إليها بكل احترام واهتمام. رأت ضحكتها الخفيفة، وجلوسها المقابل له، ولمحت في عينيها نظرة لا تُخطئها النساء، نظرة إعجاب، وشيء آخر لا تستطيع أن تسميه، لكن قلبها أحسه.
شعرت كأن ناراً اشتعلت في صدرها، ناراً باردة لكنها مؤلمة، تمددت في شرايينها ببطء. تراجعت خطوة إلى الخلف، وداخلها يسألها:
"ليه وجعاني النظرة دي؟ وليه حسيت إنها كانت بتبص له مش كدكتور إنما كرجل؟"
أما في الأسفل، كانت الجلسة قد صارت أكثر هدوءاً فقالت نور وهي تنظر إليه نظرة أطول من اللازم:
"عارف؟ أنا أول مرة في حياتي أقعد مع حد وأحس بالأمان ده، يمكن عشان كلامك صادق، أو يمكن عشان فيك حاجة نادرة."
قطّب "عمران" حاجبيه قليلاً، ثم قال بحزم مهذب:
"كتر خيرك يا دكتورة، بس أنا راجل عادي جداً هيتهيأ لك."
ضحكت بخفة، ثم ردت وقد تبدلت معالم وجهها للحزن وقد تذكرت ما حدث لها من جنس الذكور وما جعلها ترى في "عمران" أنه مختلف حقاً:
"أنا كمان مش بحب المجاملات، بس بحب أعترف بالحقيقة، ويمكن الحقيقة المرة بجد إن الرجالة اللي زيك نادرين."
أشاح بوجهه نحو الغروب، وقال بنبرة أقرب للهمس:
"هتصدقي لو قلت لك إن الندرة ساعات بتكون نقمة مش نعمة."
ساد الصمت بينهما، لم يقاطعه سوى صوت الرياح وهي تمر بين أوراق الأشجار. ومن بعيد، كانت "سُكون" ما تزال واقفة، تراقب، دون أن تدري هل تغار عليه كزوج؟ أم كرجل سكن قلبها دون إذن؟ ربما كانت لحظة عابرة، وربما كانت بداية حرب صامتة لم تُعلن بعد.
كانت الحاجة "زينب" تجلس على المقعد الخشبي خلف نافذة الصالون، تُطل على الحديقة الهادئة التي ما عادت هادئة في عينيها. هناك في ذلك الركن الظليل تحت شجرة التوت، كان عمران يجلس بجواره تلك الدكتورة الجديدة. لم تكن المسافة بينهما ضيقة، ولا الأحاديث المعلنة تحمل ريبة، لكن نظرات "نور" كانت تحمل اهتماماً زائداً، وعين "عمران" رغم التشتت كانت تستمع، تنصت، تتجاوب.
رفعت "زينب" بصرها إلى البلكونة، فوجدت "سكون" واقفة شاردة، يديها مشبوكتان، ووجهها جامد كأنها تمثال من خيبة. غير أنها حين التفتت نحو الحديقة، اشتعلت في عينيها شرارة لم تخفَ على الأم. كانت تلك نظرة امرأة تستفيق من غفلة، نظرة أنثى أحسّت أن ما تُهمله، قد يُؤخذ منها ذات لحظة.
تنهدت "زينب" بحرقة وهي تتذكر أنها نصحتها ألف مرة:
"الراجل مش بيتساب يا بتي، الراجل لو مهتمتيش بيه، غيرك هيشوف فيه اللي أنتِ ناسياه."
كانت تشعر أن البيوت لا تنهار صخباً، بل بصمت يتسلل من بين الشقوق الصغيرة. وها هي ترى الشق يتسع، والنار تتهيأ للدخول. حدس الأم لا يُخطئ؛ العلاقة بين "سكون" و"عمران" مثقلة بصمت مريب، وتلك الدكتورة "نور" ليست بريئة النظرات، و"عمران" ابنها رجل كأي رجل، إن وجد اهتماماً في عيون امرأة، مال القلب وإن لم يُدرك العقل.
رواية من نبض الوجع عشت غرامي الفصل السادس 6 - بقلم فاطيما يوسف
ـ وانت كمان يا "آدم" مش بس جوزي ده انت سندي وضهري وكل تعب هيهون وانت جاري وكمان لازمن القناة تظهر للنور بقى لنا سنتين طالقين التردد واها بدأت من كذا شهر البرامج بتاعتنا تعمل صدى كويس جداً الحمدلله.
ثم وجهت أنظارها وبدأت تتابع عرض الأفكار على شاشة اللابتوب بينما انشغل "آدم" بقراءة تقرير تحليلي عن نسب المشاهدة، فجأة انكمشت ملامح "مكة" قليلا وكأن شيئًا ما داخلها انفجر في صمت حين رأت رسالة إلكترونية غريبة وصلتها للتو من مصدر غير معروف، فتبدلت تعابير وجهها من الهدوء إلى التوتر في لحظة واحدة، مال "آدم" برأسه ناحيتها وقد لاحظ اضطرابها الواضح وقال بهدوء يشوبه القلق:
مالك يا "مكة" وشك اتغير كده ليه في حاجة حصلت ولا ايه ؟
أغلقت الشاشة بسرعة كأنها تحاول إخفاء الألم الذي تسلل إلى داخلها لكنها لم تنجح فالحزن ظهر في عينيها رغمًا عنها ثم قالت بصوت منخفض:
جالي ايميل غريب اكده مش مريحني واصل يا "آدم" فيه كلام عني وعن لبسي في المؤتمر اللي فات وفي صورة متفبركة مش بتاعتي خالص وهيقولوا عني إني لابسة النقاب رياء واني بعمل اكده علشان القناة تنجح وألم متابعين كَتير وأكسب تعاطف عامة الشعب معاي واني بتحددت عن انجازات القناة واني هتخذ الدين وسيلة للنجاح وجني المليارات.
نهض "آدم" من مكانه بسرعة دون أن ينبس ببنت شفة، ووقف خلفها ينظر إلى الشاشة التي فتحتها من جديد بتردد، وما إن رأى مضمون الرسالة حتى شعرت "مكة" بأن جسده قد تصلب بالكامل كأنه تمثال غضب بشري، انكمش حاجباه وتصلبت شفتاه وكأن الدنيا اسودت فجأة أمامه، لكنه تمالك نفسه بعد لحظات ثم قال بنبرة حاول أن يجعلها هادئة:
الناس دي لازم يتعرفوا ويتحاسبوا انا مش هسكت على اللي بيحصل ده يا "مكة" دي مش أول مرة يلمحوا لحاجات زي دي وانا حاسس إن في حد ورا الموضوع بيخطط بذكاء عشان يشوه صورتنا وتقريباً كدة استنتجت لأن الرسايل الكتيره اللي بتجيلي تهديدات وكمان التعليقات الهجومية على صفحة الانستجرام بتاع البرنامج تعليقات مجرمة جدا، بمعنى أصح ناس متأجرين لجان سوشيال ميديا علشان يهدوا اللي احنا تعبانين فيه بقى لنا سنتين وزيادة والحاجات دي ما حصلتش إلا من ساعة زفت سيف لما رجع من السفر.
أطرقت "مكة" برأسها للأرض ثم تمتمت بصوت مرتجف لكنه مملوء بالثقة:
بس احنا معمِلناش حاجة غلط يا "آدم" احنا بنقدم محتوى نَضيف ومحترم وكل اللي هنفكِر فيه يرضي ربنا واننا نوصل رسالة محترمة للناس فمهما يعملوا مش هيقدروا يثبطوا عزيمتنا ولا يخلونا نفشل لأن من كان الله معه فمن عليه اطمَن يا حبيبي.
تنهد "آدم" بعمق ثم جلس بجوارها من جديد وأمسك بيديها بين يديه ونظر في عينيها نظرة مباشرة وقال بقلق:
طب وبالنسبه للفيديو اللي هم عملوه ليكي والكلام اللي قالوه عنك هنسكت عنه كده عادي ولا هنعمل ايه؟ ولا الصور المتفبركة اللي هم منزلينها بالذكاء الاصطناعي علشان الناس يتخيلوا شكلك على أساس ان انتِ اللي كنت منزلاها قبل كده! انا مش قادر اتحمل فكرة ان حد يكون بيتخيلك بالشكل ده من الأساس، انا مش فاهم ليه القذارة اللي بتحصل دي ؟
طمئنته بعيناي يملؤها الرضا والقناعة بكل أقدار الله:
ما يقولوا اللي يقولوه ويعملو اللي على كيفهم ولينا رب هيرد علينا ، وبعدين داي فتنة ووقت الفتنة بالذات اذا كان الكلام من فضة فالسكوت من ذهب واني دايما حاطه في قلبي وعقلي وقناعاتي قوله سبحانه وتعالى "ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لنزلنا عليهم بركات من السماء والأرض" واني ست مؤمنة وهاتقي ربنا في كل حاجه وعلشان اكده ربنا ما هيضرنيش واصل، وطالما ما التفتش للكلام دي وما ردتش عليه هيتنسي بسرعة واللي منزلينه عايزين إننا نرد وهم يردوا والموضوع هياخد اكبر من حجمه فالسكوت أفضل وكاننا ما شفناش حاجة وخلينا في شغلنا وهم في كيدهم اللي ربنا هيرده في نحرهم بإذن الله.
اطمئن من حديثها المقنع وهو ينظر إليها بمحبة نابعة من قلبه لتلك النقية البريئة والتي يعتبرها ملاكا أرسله الله إليه:
طالما انتي جنبي انا مش هعمل حساب لأي حد يا "مكة" واحنا مع بعض نقدر نعدي أي حاجة ومهما حاولوا يفرقونا مش هيعرفوا ولا هيقدروا.
ثم أشار بيده إلى الأوراق مرة أخرى واستعاد نبرته المهنية وكأنهما يتنقلان بين العاطفة والمسؤولية في توازن دقيق وكأن شيئاً لم يكن:
يلا نكمل الاجتماع يا "مكة" لان كل دقيقة مهمة دلوقتي لازم ناخد قرارات جديدة تخص البرنامج الجديد ونسب التفاعل والموضوعات اللي هنتكلم فيها.
هزت "مكة" رأسها بالموافقة ومسحت دمعة صغيرة كادت تنزلق من عينيها من تحت نقابها وداخلها يغار عليها من تلك الصورة الموضوع على تلك المواقع والأغرب أنها تشبهها كثيراً بل تكاد تكون هي ولكن نفضت عن بالها ثم قالت بثبات جميل يليق بقوة قلبها:
ماشي يا "آدم" نكمل وربنا يقوينا سوا ويبعد عنا الشر والناس الوحشة.
في ذات الوقت كان في مكان آخر بعيد عن هذا الجو المليء بالإيمان والحب يجلس رجل يملأ قلبه السواد ويأكل الحقد كل خلاياه، إنه "سيف" والذي بعد عودته من سفره محملاً بالثأر والغضب، كان يجلس في مكتب فاخر بجوار شقيقه "رامي" بينما يدخن سيجارًا فاخرًا وعيناه تشتعلان كأن فيهما نارًا لم تهدأ منذ أن طرده "آدم" وضربه أمام الناس، ضحك "رامي" ضحكة باهتة وهو يسأله وهو يمد له كوب قهوة ساخن:
انت فاكر حركة التعليقات والمنشورات المسيئة ليهم اللي انت عمال تنزلها ولا صورتها اللي انت عملتها بالذكاء الاصطناعي لما البنت اللي شغاله معاها بعتت لك صورتها وهي خالعة نقابها وهي بتتوضى ويدوب رحت جملتها بالذكاء الاصطناعي علشان تعمل الشوشرة دي عليهم هتعمل حاجة ؟ في حين إن هما ولا حياة لمن تناي ، الحاجات دي يا ابني اتهرست كتير والترندات كل ثانية بتطلع وكل ترند بيلغي اللي قبله .
هز "سيف" رأسه بعنف ثم ضرب الطاولة بيده وقال بصوت خافت لكنه مليء بالشر:
انا عمري ما نسيت القلم اللي ضربني بيه "آدم" قدام الناس ولا نسيت خطيبتي وهي بتسيبني علشان شافتني قليل وما دافعتش عن نفسي ولا نسيت الفيديو اللي فضحني وخلى الناس تتريق عليا لازم اخد حقي تالت ومتلت والعيار اللي ما يصيبش يدوش ده انا مجهز لهم حبة حوارات مش هيعرفوا يفكوا منها.
اقترب منه "رامي" وقال بنبرة خافتة:
بس يا "سيف" الوقت ده "آدم" بقى تريند وبيقدم حاجة محترمة والناس كلها بتحبه واللي هيلمس مراته الدنيا كلها هتقلب عليه وخصوصا ان ده كان مغني وبعد كده تاب وفتح قناه دينيه يعني له شعبية جماهيرية جامدة والناس اكترها بتحب الحاجات دي وبيعتبروا ان الشخص التايب من الذنوب في مرتبة تانية خالص، انا بقول لك انت كده بتضيع وقت وبتخسر فلوس على الفاضي، وانت مش مصمم على الخراب ده انت مصمم ان انت تنول مراته كمان.
ضحك "سيف" ضحكة شيطانية وهو يميل بظهره للكرسي وقال بثقة قاتلة:
ومين قالك اني عايز ألمسها وبس ده انا هكسرها واهز صورتها وصورته قدام الناس انا ناوي على حاجة كبيرة هتزله بيها هو وهي ومش هتعدي على خير ابدًا.
نظر له "رامي" بقلق بينما "سيف" كان يفتح حاسوبه ويعرض صورًا قديمة ومقاطع مركبة قال عنها بخبث:
دي البداية بس وانا وعدت نفسي مش هسيبهم في حالهم ولازم اخليهم يعيشوا نفس اللي عشته وخليها تندم انها رفضت "سيف" وعمري ما انسى نظرتها ليا المنحطة وكاني حشرة وانا واقف قدامها بغازلها برقي وكنت بتعامل معاها زي هوانم جاردن سيتي كده وبكل جنتلة وهي صدتني بالطريقة الشديدة دي.
كانت نبرة صوته باردة إلى حد مرعب وكأن قلبه لم يعد فيه مكان لأي شيء غير الكراهية، بينما من بعيد كان هناك صوت هادئ ينبعث من غرفة اجتماعات القناة الدينية صوت "آدم" وهو يقرأ آية كريمة أمام "مكة" بكل سكينة، آية تختصر كل ما في قلبه من إيمان وصبر واحتساب وهو يتلو آيات الله: "الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (173)".
أما ذاك السيف اضطجع على كرسيه وهو يتأمل المدينة من خلف زجاج نافذة مكتبه يدخن بلا اكتراث مكملاً بنبرة تجمّد فيها كل ما تبقى من ضمير:
انا رجعت مش علشان اقول له سامحني ولا علشان ارد اعتباري بس؛ لااا انا راجع علشان اخد اللي بيحبها واكسر قلبه بيها اخد منه مراته واخليها تسيبه بإيديها واللي حصل زمان منهم كان بروفة دلوقتي العرض الحقيقي هيبدأ.
تناهى إلى مسامعهما طرق خافت على الباب فنهض "سيف" بخطوات رشيقة ليقابل رجله الخاص الذي سلّمه ظرفًا وثائقيا دسّه تحت سترته ثم عاد إلى الداخل وهو يتمتم:
كل حاجه ماشية زي ما خططنا بالظبط وانا عندي صور وفيديوهات هتدمر بيها حياة "آدم" الداعية اللي عامل نفسه ملاك وهو أصلا كان بيرقص وبيغني من سنتين بس وهفضحه في كل حته وهخليه هو ومراته اضحوكة قدام الناس.
قاطعه شقيقه وهو ينفث دخان سيجارته الثقيلة بسخرية:
بس يا سيف مرات "آدم" مش سهلة دي منتقبة وملتزمة قوي وشكلها مش هتضعف ولا هتميل لأي حد.
غمز "سيف" بعين لامعة بالحقد وهو يقترب ليضع هاتفه أمامه ويُشغل له مقطع فيديو صامت لـ"مكة" وهي تبتسم لعدسة الكاميرا في أحد لقاءاتها الإعلامية بينما ترتب أوراقها كإعداد حلقة دعوية:
كل واحدة ليها نقطة ضعف وانا عرفت هي نقطة ضعفها ايه وهعرف ادخل منها كويس اوي وبعدين انا مش هدخل لوحدي ده انا مجهز خطة كاملة الناس كلها هتتفرج عليهم وهما بيقعوا خطوة بخطوة.
في الوقت ذاته كان "آدم" و"مكة" في غرفة الاجتماعات الخاصة بالقناة التي يديرونها كانت تجلس بجانبه تدقق في جدول الحلقات المقررة لشهر ربيع الأول بينما هو يراقبها بصمت تغشاه هيبة الحب الصامت من عينيه لم تكن تدري أنه يشعر بها كما لو كانت تحيا داخله نابضة لا تفارقه، توقف "آدم" عن مراجعة الأوراق وتسلل صوته بهدوء يخفي ورائه شغفا عميقا:
مش كفاية بقى شغل يا بابا ونروح علشان "أنس" وحشني، ثم أكمل وهو يغمز بكلتا عينيه بعبث: ومش بس كده ده ام "أنس" كمان وحشاني قوي.
رفعت "مكة" بصرها نحوه بعينين تغشاهما سكينة العشق وخجله وردت بمشاغبة:
يا بكاش انت بقى هتشتغل في مكر الشيوخ اللي عندهم حب النساء غاية ووسيلة لرضا ربنا.
اقترب منها أكثر وهمس بجوار أذنها وهو يبتسم تلك الابتسامة التي يعشقها قلبها:
على فكرة انا اسعد راجل في الدنيا علشان انتي في حياتي وكل يوم بيعدي عليا وانتي جنبي بحس اني عايش على طاعة وفرحة ومفيش ملل ولا لحظة ندم اني سبت كل حاجه كنت فاكرها اغلى حاجة علشان طلعت انت أغلى من اي ثمين.
رن هاتف "آدم" فقطع عليهما تلك اللحظة الساكنة أجاب ليرد عليه مدير القناة بصوت مضطرب يخبره أن صفحة إلكترونية مشبوهة بدأت تنشر مقاطع مجتزأة من حفلاته القديمة وأرفقتها بتعليقات ساخرة تطعن في مصداقيته وتحرض على مقاطعته، شهق "آدم" بذهول وهو يضغط على هاتفه ليفتح تلك الروابط واحدا تلو الآخر كانت المقاطع قديمة فعلا لكن الإخراج الماكر أظهرها وكأنها صور حديثة زادها تعليق يحمل تهكما فادحا:
شوفوا شيخ القناة الديني طالع يغني في فرح شعبي ولسه بيقول ملتزم.
وضعت "مكة" يدها على فمها بدهشة وهي تقرأ ما يُكتب وشعرت بانقباض قلبها فهي تعرف من يقف خلف كل هذا دون أن يُقال، همس "آدم" وهو يعتصر الهاتف بين يديه:
"سيف" الزفت هو اللي عامل كده والله ما هعديها له بس والله ما هسكت له.
رفعت "مكة" نظرها إليه بعينين يملؤهما رجاء خافت:
بس يا آدم استهدى بالله احنا في وقت لازم فيه نكون عقلانيين هو بيحاول يستفزك متقعش في فخه.
ابتلع "آدم" غضبه في صعوبة وكأن جمرة اشتعلت في حلقه لكنه أومأ برأسه في صمت وهو يردد في داخله أنه لن يدع تلك الحرب تمر دون رد وأن عاصفة الانتقام لن تشتعل إلا إن كان وقودها الحق، في حين استلقى "سيف" على أريكته مجددا وهو يبتسم ابتسامة شيطانية ويقول بصوت منخفض:
ده أول الغيث يا ابن عمي واللي جاي نار وقهر وخراب بيوت.
كان الليل شاهدا على البداية والموجة القادمة ستحمل في طياتها عاصفة لا تبقي ولا تذر.
********
بعد مرور شهر على تلك الأحداث، كانت "نور" جالسة في طرف الإسطبل الخشبي ساكنة القسمات مستندة بيدها إلى خدها كأنها تحمل فوق راحة يدها أعمارًا من التعب والخوف:
حاطة يدك على خدك ليه يا داكتورة "نور" وشايلة طاجن ستك على راسك لساتك ما اخدتيش على المكان حدانا اهنه عاد؟
نظرت نحوه بنظرة خافتة باهتة تشبه لون الغروب في آخر النهار ثم ردت بصوت خافت كأنها تسرد حكاية معتادة:
لا عادي انا هنا اهو داخلة على سنة الايام كلها زي بعضها اللي بنام فيه بصحى فيه في حياتي من زمان وانا كده ما فيش تغيير.
اقترب منها خطوة وكأنه يحاول كسر السكون الذي يلفها منذ وطأت المزرعة وكأن شيئًا في داخله يحثه أن يعرف ما وراء ذلك الحزن الساكن في ملامحها:
مش ناويه تقولي لي على قصتك وحزنك الدايم دي وخوفك ورعبك من المجهول اللي هتحلمي بكوابيسه كل يوم والتاني وصوت فزعك اللي هتحكي عنيه اللي هتساعد امي في البيت وهتاجي تنام حداكي كل عشية حكاوي؟
تحركت شفتاها بتردد ويداها تتشابكان في قلق طفولي مكبوت وقد بدا عليها الحرج والخجل لكنها لم تستطع الصمت:
انا شغاله في مزرعة الخيل بتاعتك بقى لي مدة كبيرة يا باشمهندس "عمران" وكل يوم تسألني السؤال ده وانا ارد عليك واقول لك اللي عندي ما ينحكيش اتكسف احكي من كتر ما هو مخجل ومؤلم ومن كتر ما انا عيشته في مرار من وانا طفلة صغيرة لحد ما بقيت الدكتورة "نور جمال القاضي".
أطرق برأسه لحظة ثم رفعها بنظرة يملؤها صدق الرجاء ممزوجًا بحنو الأخ الأكبر أو ربما أكثر:
طب مش احنا اتفقنا ان احنا هنكون صحاب وهتحكي لي في يوم من الأيام عن وجيعتك من الزمن ، لساتك ما هتأمنيش لـ.ـ"عمران" اللي آمنك على مزرعة الخيول حداه دونا عن دكاترة الصعيد كلاتهم ومعميلهاش مع حد واصل قبل سابق ؟! اني رايد اساعدك واخرجك من الهم التَقيل اللي هتحلمي بيه كل يوم والتاني ومخليكي دبلانة ومش عايشة حياتك كيف البنتة ؟
ابتسمت في مرارة خافتة ثم نظرت إليه نظرة طويلة كأنها تقيس صدقه وتحاول أن تضعه في خانة الأب أو الأخ أو الغريب أو ربما شئ آخر:
تعرفي يا داكتورة ان عمرك كد عمري مرتين الا حاجة بسيطة ، يعني اني دلوك حداي 41 سنة وانتِ حداكي ٣٠ سنة اعتبريني مش كيف اخوكِ الكبير يا ستي له كيف ابوكي ؟
هزّت رأسها ببطء كأنها لم تصدق الرقم ثم علت على وجهها ملامح دعابة خفيفة تحمل في طياتها شيئًا من التهرب:
ياااه ابويا ازاي انت اللي يشوفك يقول عليك ابن 30 ولا هتخزي العين عنك يا باشمهندس وتخلي واحدة زيي طول بعرض بنتك يصح الكلام ده برده ؟
قطب حاجبيه قليلًا وهو يستشعر محاولتها الدائمة لتحويل كل نقاش إلى هزل للهروب من حقيقة تعبها:
يوه هتقلبي الكلام لمزحة وهزار كالمعتاد وما هتحكيش ايه سبب رفضك انك تستقري زيك زي اي بنت وايه سبب موافقتك انك تاجي من مصر وتقضي شغلك اهنه في اخر بلاد المسلمين بعيد عن اهلك ؟
انخفض صوتها وكأنها تُفرغ بعضًا من شحنة الكتمان المتراكمة عبر السنين وهي تحدق في الأرض:
أهلي ! هم فين اهلي دول انا اتولدت يتيمة الأم ، ماما ماتت وهي بتولدني وعشت بين اب صلب وجاف في مشاعره او نقدر نقول الدنيا لهيته علشان يربيني انا واخواتي الولدين اللي اول ما خلصوا جامعتهم سافروا على بره وبابا طبعا ما استحملش يعيش من غير زوجة فجاب لي مرات اب خلت حياتي جحيم وكان ليها ابن ما اقول لكش بقى.
تنفس ببطء وكأن مفاتيح الحكاية بدأت تُفتح أخيرًا بين يديه فهز رأسه مؤكدًا:
آه .. قولي اكده بقى ان الحكاية فيها ابن مرات الأب ، طب ما تحكي لي حكايتك يا بت الناس يمكن ادلك على الطريق الصحيح اللي يخليكِ تعيشي مرتاحة بدل الكوابيس اللي هتحلمي بيها ليل ونهار داي عاد ؟
أغلقت عينيها لحظة كأنها تتنفس وجعًا لا يُقال ثم فتحتها والنظرة في عينيها تقول أكثر مما تنطق به:
وقت ما احس ان انا عندي القدرة والاستطاعة ان انا احكي البلاوي اللي عندي واحس ان اللي قدامي مش هيمل من سماعها هحكي ، صدقني يا باشمهندس "عمران" طلع نفسك بره حواراتي ومشاكلي علشان انا همي تقيل فوق ما تتخيل والأكتر قوي ان قدامي وقت قليل والهم الكبير راجع لي من تاني بس مش عارفة ههرب منه اروح على فين تاني ؟
رن صوت أنثوي مألوف لدى "عمران" فقطع اللحظة الحزينة وهو يلتفت خلفه فقام من مكانه وذهب إليها بابتسامته التى تحيي قلب السكون:
صحيتي يا "سكون" حمد لله على السلامة تعالى سلمي على الداكتورة "نور".
جاء الرد بنبرة لا تخلو من غيرة دفينة وعتاب مكتوم كأنها تلوم وجود شخص غريب اقترب من زوجها:
وهي الداكتورة "نور" بقت قدرنا ولا ايه يا سي "عمران" ؟! اني ما بقتش مرتاحة لوجودها اهنه في مزرعة الخيل وطلبت منيك قبل سابق انك تشوف دكتور راجل هو اللي يراعي مزرعة الخيول.
ابتسم "عمران" في محاولة منه لتحويل النقاش إلى دعابة خفيفة كأنه يطفئ بها نيران الغيرة:
كانك لساتك هتغيري على "عمران" يا"سكون"ـي وحبه هيشعلل في قلبك لدرجة هتغيري من داكتورة الاحصنة اللي هتشتغل حدانا ؟
رفعت حاجبيها بحدة وهي ترمقه بنظرة تحمل من الحدة ما يوقظ مشاعره دوماً تجاهها:
وه وما هغيرش ليه يا "عمران" كانك انت اللي ما هتعرفش يعني ايه غيرة "سكون" لسه هتجربها عاد ؟
ساد صمت قصير ثم تكلّم "عمران" بنبرة فيها ألم دفين وعشق مهجور كأنها رسائل لم تجد طريقها إلى قلبها من قبل:
ولما انتِ هتغيري علي فين اني من كل اهتماماتك ، من يومك ، من حياتك، انا ما بقتش موجود معاكي غير لما نتقابل صدفة، يا "سكون" ريحتك وحشتني بقالك قد ايه ما جيتيش فرشتك جار عمرانك وهتقضي لياليكي مع ولادك اللي من ساعة آخر مرة جرحتيني بيها في كلامك واني عديت رغم صعوبة اللي حوصل.
أدارت وجهها عنه وكأنها تخشى أن يرى ما يختلج في ملامحها من حيرة وتعب:
يوه يا "عمران" ما هتزهقش منيه الحوار دي عاد ؟ اني حابة اهتم بتفاصيل ولادي ومش حابة اهمل فيهم دول لساتهم اطفال لازم تتحمل وياي شوي هو انت هتفكِر إن الأمومة سهلة قوي اكده ؟
زفر بأنين خافت كأن كل كلماته الماضية لم تجد لها أرضًا لتُروى بها:
كل اللي هتقوليه واي مبررات هسمعها من بقالي سنين منك مش هتاكل وياي يا "سكون" كنت قبل سابق هلتمس لك الاعذار واعدي واكبر دماغي لكن حابب اعرفك اني خلاص فقدت قدرتي على التحمل في بعادك عني واهمالك فيا بعد ما قضينا ويا بعض سنين ما كانش ليا غير حضنك وما كانش ليكي غير دفا "عمران" وقلبه وروحه وحياته.
خفضت عينيها للحظة كأنها تستشعر الذنب ولكنها أرادت أن تسمع منه أكثر:
يعني انت دلوك يا "عمران" ما هتحبش "سكون" وشايفني وحشة في نظرك ؟
اقترب منها وكأن في خطواته كل حنين العالم وصوته يحمل خفقة قلب قديم لم يبرُد يومًا وهو يحتضن كف يدها ويقبل باطنهم برغبة في احتضانها بل واختلافها إلى عالمهم الخاص الفريد من نوعه والذي حرم من لذته:
وكيف ما هحبش السكون يا سكني وروحي ودنيتي الحلوة كلاتها ؟ كيف "عمران" اول ما هيقف قدامك ويمسك يدك لمستك ما تزلزلش كيانه ويوبقى وقتها عايز ياخدك ويطير بيكي على عش الحب ويقضي وياكي أجمل وقت هيعيشه في دنيته؟
ضغطت بيدها بكفه ببطء كأنها ترد لمسة الشعور القديم وكلماتها تمضي إليه بنفَسٍ من عهد الحنين:
وانت لازم تعرِف يا "عمران" إن "سكون" مهتحبش ولا هترتاح غير في حضنك بس اديني حبة وقت كمان وصبر وبعدها هتلاقي عشق الـ"سكون" للـ"عمران" بين يدك وأحسن من الاول كمان.
مال بوجهه نحو الأرض وكأن صبره أثقل من طاقته وسنينه تهرب من بين يديه:
وه هنعيدوه ونزيدوه الحديت الماسخ دي هصبر أكتر من السنين دي كلاتها يا "سكون" واني هشوفك وهخـ.ـطف لحظات هقضيها وياكي كيف ما نكون بنسرق ؟! له بزياداكي عاد يابنت الناس هجر لفرشتك ولحضن جوزك مانتيش أول ست تخلَف ولا أخر ست اتأخرت كام سنة على ما خلَفت ، ماتضيعيش شبابنا وأجمل لحظات عمرنا وتهملي احتياجي لحضنك بزياداكي عاد يا "سكون" كل يوم كانك اكتفيتي بيهم عن الدنيا بحالها ! اتحددت وياكي وقلت لك ارجع الاقيكي في فرشتك وبرده هملتي كلامي وقلت سيبها تأهل حالها وتلملم شتاتها وانتي بردو كيف مانتي بس خلاص دي آخر أمر مني ليكي أرجع الاقيكي في فرشتك وبزيادانا عاد حديت ماسخ ودلع منك.
ثم اقترب منها وأردف بتحذير قاطع نهائي لا رجعة فيه تلك المرة:
اوعاكي المرة دي تقولي "عمران" طيب ومش هيغضب مني ولا تقولي اني هطنش ، يمين بعظيم يا "سكون" لو رجعت ما لقيتك لا هيكون تصرفي وياكي بأني هروح للخالة "ماجدة" وهشتكيكي ليها ، اظن اني عمري ما عملتها ولا أحب إن اللي بينا يخرج برة ، واسترسل بنبرة حزينة وعيناي متألمة: ولو انها صعيبة قوي على راجل زيي يروح يشتكي مرته لأمها انها هاملاه ، صعيبة قوي يا بت الناس.
جاء صوت الطفل يحمل وجعه الصغير وكأن القدر قرر أن ينهي المشهد بنداء بريء:
مامي "سليم" ضربني وأخد مني اللعبة بتاعتي ومعايزش يدهالي وخلى لي صباعي واوا حتى شوفي.
ثم تبعه صوت آخر لا يقل ألمًا كأن الصغار صاروا جزءًا من الحكاية كلها:
مامي اعااااا ، "سيف" خربشني وضربني جامد بالرجل في بطني وأخد مني اللعبة بتاعتي ؟
تحرك "عمران" بخطوات بطيئة نحو الخارج وصوته يحمل نهاية خافتة لما تبقّى من الحديث وكأنه اعتاد على هذا المشهد وفقد الأمل:
امممم... روحي شوفي ولادك يا "سكون" اني رايح المزرعة وارجع بالليل ألقى مرتي في فرشتي.
*********
في تلك الليلة الخافتة الأضواء، وبين جدران غرفة النوم التي كثيرًا ما شهدت لحظات الود والبعد، وقف "فارس" يتأمل وجه "فريدة" بصمتٍ ثقيلٍ، يتقلب في داخله بين مشاعر الندم والخوف، كأن قلبه يطرق الأبواب المغلقة بحثًا عن نافذة صغيرة للغفران. عينيه كانتا تحكيان حكاية رجل أدرك متأخرًا أنه أخطأ، وأن من أمامه لم تكن مجرد زوجة بل وطنًا كاملًا هددته رعونة لحظة:
ليه يا "فريدة" حاسس منك انك ما سامحتنيش زي ما قلتي لي؟ ليه حاسس ان انتِ دايمًا حزينة وشاردة بالرغم من اني وفيت بوعدي معاكي؟ وحتى التليفون كسرته قدامك واللاب توب عملت له ضبط مصنع وكل اللي عليه اتحذف يعني أثبت لك حسن نيتي إزاي بس علشان ترجعي لي؟ ليه لما تكوني في حضني بحس إنك مش زي ما كنتِ زمان؟ مش بحس بلهفتك عليا وكأنك بتقضي واجب زوجي وخلاص ليا، أنا عايز همستك ولمستك ليا تكون بإحساس احتياج واشتياق زي إحساسي ناحيتك بالظبط.
كان صوته يحمل مزيجًا من الحنين والتوسل، كأنه يحاول إعادة عقارب الساعة إلى ما قبل الجرح، إلى تلك اللحظة التي انكسر فيها شيء ما داخل قلب "فريدة"، شيء لم تعد تستطيع ترميمه بسهولة، كانت عيناه تتوسلان إليها، لكن جرحها كان لا يزال نازفًا:
غصب عني يا "فارس" اني اسمعك وانت هتتحدت ويا واحدة غيري حتى لو كانت نزوة منك وانت اعترفت بغلطك اني ارجع زي ما كنت بالسُهولة دي، في حاجة كبيرة قوي انكسرت جواي منك، حسستني اني قليلة قوي، حسستني ان اني مش مكفياك وان اني مش غنياك عن كل الستات، حسستني اني ناقصني حاجات كتيرة قوي علشان تشوفني في عينيك بألف ست.
مرت لحظة صمت بعدها، وكأن كل حرف من كلماتها كان خنجرًا يقترب أكثر فأكثر من قلب "فارس"، لكن رغم الألم، لم يكن في قلبه إلا حبها، فاقترب منها خطوة وكأنه يقرب ما تبعثر بينهما، صوته كان متوسلًا، يائسًا، عاشقًا يتشبث بحلمه الوحيد:
ومين قال بس ان انتِ قليلة ولا مش مكفياني، ولا اني مش شايفك بمليون ست؟ انتِ أحلى من كل اللي أنا عرفتهم وقابلتهم، وأنقى من كل إنسان اتعاملت معاه، وأقرب لقلبي وعقلي وروحي من نفسي حتى يا "فريدة"، اديني الأمان صدقيني وأنا مش هخذلك، وارجعي لي بقلبك وروحك، عايز أحس معاكي اني حبيبك اللي ما تقدريش تستغني عنه واللي بتشتاقي ليه زي ما أنا بكون معاكي بكل اشتياقي.
تأملت "فريدة" ملامحه التي تغيرت كثيرًا، لم يكن كما كان يومًا خذلها فيه، بل صار رجلًا يحاول جاهدًا أن يُصلح ما تهدّم، لكنها لم تكن مستعدة لترك جرحها يندمل بهذه السرعة، رغم ارتجافة قلبها أمام صدقه، فكانت حروفها تخرج مختلطة بالعقل والقلب معًا:
طب اوعدني ان انت مش هتخذلني تاني ولا انك هتخليني اسمع اللي سمعته دي تاني، لأن المرة الجاية ساعتها مش عارفة هويحصل إيه لو جرحتني؟ صدقني هتوبقى حالتي صعيبة قوي ومش هقدر اسامح ولا أدي فرصة تانية يا "فارس".
شعر "فارس" وكأن العالم كله قد توقف عند وعدها، وكأن قلبه لن ينبض مجددًا إن خذلها مرة أخرى؛ رفع يده ليضعها على قلبه، كأنه يقدمه قربانًا بين يديها، وكان صوته ممتلئًا بحبٍ لا يُحتمل، صادقٍ حد الوجع:
ده أنا أوعدك بروحي وقلبي وعمري يا كل عمري صدقيني أنا ما حبيتش ولا هحب ولا عشقت ولا هعشق ولا قلبي ده حب بصدق غير ليكِ انتِ يا "فريدة"، والله العظيم ويمين وقسم خديه على عهد إن قلبي عمره ما يعشق ست غيرك ولا عشق ست غيرك.
أحنت "فريدة" رأسها لثانية، وكأنها تخفي دمعة تأبى السقوط، قلبها المرتبك كأنما يخوض معركة بين الغفران والخذلان، لكنها في النهاية كانت امرأة عشقت بكل ما فيها، فسمحت لقلبها أن يتكلم، للحب أن يأخذ الكلمة:
وانت كمان ما تتصورش اني هحبك كد إيه؟ بجد انت كل حاجة ليا في الدنيا، انت وبنتنا ومش عايزة أي حاجة من الدنيا غير اننا نكون مستقرين مع بعض نفسيًا وما حدش فينا يآذي التاني بأي شكل من الأشكال واصل.
تهللت ملامح "فارس"، كأنه التقط أنفاس الحياة بعد اختناق، فمد ذراعيه نحوها، كمن يبحث عن أمانه الأخير، عينيه امتلأت بندى الرجاء، وصوته خرج متلهفًا، يشبه ارتجافة طفل في حضن أمه:
هو في برده حد يقدر يأذي روحه وقلبه عمره؟ تعالي في حضني، وحشتيني قوي ونفسي في حضنك وانتِ بتضميني قوي زي ما كنتِ بتحضنيني بحب واشتياق قبل كده، احضنيني يا "فريدة" أنا محتاجك.
وقفت "فريدة" لحظة تنظر له، ثم تقدمت نحوه ببطء، ووضعت رأسها على صدره، وكأنها تعلن هدنة بعد حرب، وبين ذراعيه وجدت نفسها من جديد، وتكلمت بكلماتٍ صادقة من عمق قلبها:
تعالى يا قلب وعقل "فريدة"، ما تتصورش انت كمان حضنك ده بالنسبة لي إيه، وما تتصورش إني هحبك كد إيه، ربنا يخليك ليا ويبعد عننا الشيطان يا رب.
ظل الاثنان في حضن طويل، تلوّن بالدموع والحنين والاعتراف، بينما الليل بالخارج يراقب بصمت حكاية حب تنقذ نفسها من تحت الركام، كانت هذه اللحظة بداية جديدة لقلبين اختارا أن يكونا لبعض، رغم كل شيء ولكن ماذا يخبئ لهم القدر.
وفي تلك اللحظة، كانت الذراعان تلتفان حولها بشراسة الحنين، كأنّ "فارس" يعيدها من منفى طويل إلى صدره، احتضنها بكل ما في الشوق من جنون، وكل ما في الحب من لهفة، وكأنه يخشى أن تهرب منه مرة أخرى، أن تضيع كما ضاعت الأيام التي لم تكن فيها بين ذراعيه، كان يقبّلها بحرارة لا تعرف الهدوء، كأن فمه يبحث عن وطنه الضائع فوق عنقها وجبينها، وكأنّه يُعيد اكتشافها بكل خلية فيه، ينهل من ملامحها كمن يروي ظمأ سنين، لم تكن مجرد قبلة أو مجرد حضن، بل كانت طقس تملّك، طقس عودة رجلٍ إلى معبده المقدس، أنفاسه تختلط بأنفاسها، وقلبه يضرب في صدره بقوة العاشق الذي ظن أنه فقد معشوقته إلى الأبد، وما بين ذراعيه، بدت له كأنها العالم بأكمله، وكأنها الشيء الوحيد الذي خُلق من أجله.
*********
بعد ذاك الأمر الذي فرضه "عمران" بتشبس لم تستطيع "سكون" عدم تنفيذه ومرت أيام وأيام كثيرة وحال "سكون" تطور للأصعب في علاقتها بـ"عمران" حيث كانت تنام كل ليلة بجواره وهي تترك قطعاً من قلبها رغما عنها بعدما وضعها عمران في خانة اليك ولم تستطيع الإفلات من حكمه عليها، كل ليلة من تلك الليالي الكثيرة التي تنام ليلها بعيداً عن أبنائها تزرف دموعاً طيلة الليل وتلك الليلة حالها كمثل حال الليالي المنصرمة بعد ان تعمق عمران في نومه جلست على التخت بجواره نصف جلسه وهي تتكور برأسها على قدميها وتحدث حالها وهي تتألم بصمت على تلك الحالة التي لم تستطيع الخروج منها مهما مرت الأيام:
لما تبكين "سكون" الست في أحضان الـ"عمران" تلك الأحضان التي تعشقيها كما تعشقين أحضان أطفالك؟! فهذا "عمرانك" "سكون" عشق كل الليالي نبض قلبك الاول والثاني والاخير لكـنك رغم قربك منه، تشعرين ببعد شاسع لا تُدركين حدوده، أين ذهبتِ وأنتِ هنا؟ وكيف اختنقتِ وأنتِ في أمان حضنه؟ أتراكِ تحبين الجميع حد أنك نسيتِ أن تحبي نفسك و"عمران" هو نفسك ونفَسُك وجل كيانك ، أتراكِ تنزفين من كثرة العطاء لهم وقلة الاحتواء له ، حتى جف فيكِ النبض؟ تشتاقين إليهم في كل لحظة، تشتاقين إليه في اللحظة ذاتها ولا تستطيعين جمع القلوب في قلب واحد، لأنك تقفين بينهم لا معهم، أكنتِ تظنين أن الحب وحده يكفي؟ أم أن الأمومة ستبقى أقوى من كل شيء؟ أين "سكون" التي كانت تضحك من أعماقها؟ هل ماتت في زحام الواجب؟ أم نُفيت إلى آخر زاوية في الحياة؟
ثم ارتعشت أنفاسها، واغرورقت عيناها من جديد، وابتلّت راحتيها وهي تمسح دمعًا لا يُشبه سواه، دمع الممزقة ما بين قلبين، ونداءين لا يمكن أن تُلبيهما معًا دون أن تخسر نفسها على عتبة أحدهما، لماذا أشعر وكأنني أنقسم إلى نصفين؟ لماذا كل قرار بسيط، يتحول في صدري إلى حـ.ـرب؟ أيعقل أن حضن أطفالي يسرقني من حضن زوجي؟ أيعقل أنني أُرضيهم فأخذله؟ أُمسك بيد هذا فأترك يد ذاك، هل أنا أمّ أنانية؟ أم زوجة مقصّرة؟ أم امرأة لم تَعُد تعرف مَن تكون؟ كلما أوشكت على النوم في حُضنه، سمعت أنفاس أولادي فاشتاقت روحي إليهم، وكلما اقتربت منهم، شعرتُ أنني أبتعد عنه، فأخونه دون أن أقصد، أنا لا أريد أن أخسرهم ولا أريده أن يخسرني، لكني أخاف أنني بخوفي من الخسارة، سأخسر كل شيء فعلًا.
كانت الليلة ثقيلة كما ألفتها الأرواح الموجوعة، ساكنة سكونًا يشبه البرك الراكدة حيث لا حركة تُنبئ بالحياة، إلا أن بين جنبات الغرفة الصغيرة كان هناك قلبان يضجان بصراخٍ صامت لا يسمعه سواهما، "عمران" لم يكن نائمًا كما كانت تعتقد "سكون"، بل كان ممددًا بجسدٍ ساكن وعينين نصف مغمضتين وقلبٍ يقظ، يترقب اللحظة التي تظنه غفا فيها، ثم تبدأ هي في طقوس بكائها المعتادة، تلك الطقوس التي أصبحت لعنة تسكن وسادته وتحرمه لذة الاحتواء، تناهى إلى سمعه صوت أنفاسها المتقطعة، لم تكن تبكي بصوت، بل كانت تهتز بصمتٍ موجع، جسدها يرتجف كما لو كانت تتلقى طعنات متتالية لا تُرى، وحين رفعت يدها تمسح دمعة على خدها المبلل، لم يعد بمقدوره أن يصبر أكثر، تحرك بجسده فجأة، جلس في الفراش يرمقها بنظراتٍ مثقلة بالخذلان والغضب والحزن، كان يرى في عينيها شيئًا يُشبه الهزيمة، لكنه لم يشأ أن يواسيها، بل أراد أن يوقظها:
انتي فاكرة إني هنام جارك يا "سكون" واني سامعك وحاسك وانت هتبكي كل ليلة؟! فاكرة إني هغيب عنك في الليل زي ما إنتي بتغيبيني عن حضنك بعد ما انام وكاني طوق هيخـ.ـنقك ولما تصدقي اني نمت تبكي كل ليلة والتانية؟ انتي مش حاسه بيا واصل ولا عاملة حساب إن في راجل بينك وبينه عشرة وبيت وسنين وعشق وأزمات عديناها سوا وانتِ بعمايلك داي هتهدي كل الحلو اللي بيناتنا؟ انتي فاكرة دموعك داي بتعدي من جنبي اكده عادي ؟ لاه يا "سكون"، دي كل دمعة فيهم هتنزل على قلبي زي النـ.ـار، بتكوي قلبي وكبريائي وكرامتي كراجل هتحسسيه أنه هيغصب مرته على حضنه.
اتسعت عينا "سكون" بدهشةٍ مشوبة بالخجل، رفعت نظرها إليه بعينين دامعتين، شفتاها ترتجفان، لم تكن تظن أنه يعلم، كانت تبكي بصمت، تعتقد أن الظلام يخفي وجعها، لكنها نسيت أن الظلام لا يعمي القلوب فتابع لومه:
كنت هقول لنفسي اصبر عليها، هتتعوَد، هتتعالَج من التعلق المرضي اللي مسيطِر عليها، بس واضح إنك ما بتتعلَميش، انتي مصرة تعيشي نص واحدة، لا قدرتي تسيبي أولادك ولا عرفتي تصوني جوزك، واني اللي دفعت التمن كل ليلة في حضنك وإنتي بتبكي كأني سجان مش جوزك.
تكسرت الكلمات في صدر "سكون"، لم تجد ما تقوله، سوى أن تُنزل رأسها، أن تخبئ وجهها من قسوة عتابه التي كانت صادقة حد الألم، أرادت أن ترد، لكن صدرها كان ممتلئًا باعترافات ووجع، فرفعت رأسها ببطء وتكلمت بصوتٍ حنون مشوب بالانكسار:
اني ما بكرهش نومتي جارك صدِقني يا "عمران"، اني هحبك، هحبك حب كبير قوي، بس قلبي مش عارف يقسم نفسه بينك وبينهم، مش قادرة أتخلى عنهم لحظة، حاسة إني لو بعدت عنهم لحظة هيفوتني عمر، اني بحاول أرضيك، والله بحاول، بس مش بقدر، مش عارفة أختار ما بين حضنك وحضنهم، كل واحد فيكم ليه وجعه وليه حنيني ، فخلينا نتقابل كزوج وزوجة بحب وحنان وهديك وهاخد منك الحب كله بس اروح انام في حضنهم حاسة إني أنفاسي هتتسحب مني واني بَعيدة عنيهم.
تأملها "عمران" لحظة طويلة، رأى في عينيها الطفلة التي تخاف أن تفقد، والمرأة التي تاهت في زحام الأمومة، لكنه لم يكن بمقدوره أن يصفح بسهولة، لم يكن ضعيفًا لدرجة القبول بالمجتزأ من الحب ، أحس بالخذلان والوجع من كلماتها بألم وانكسار مالم تتحمله الجبال ولا أعتى الرجال فامراته تصرح أمامه بل وتستعطفه أن يتركها تبتعد عن أحضانه:
بقى عايزاني أأجر حضنك يا "سكون" أخد من حنانك وارتوي منك وترتوي مني دقايق هتمني عليا بيهم من وقتك وبعد اكده تهمَليني وأني وهبتك كل عشق الــ"عمران"؟ انتي فاهمة يعني إيه راجل ينام وهو حاسس إن مرته نايمة جاره ودموعها هتغرق هدومه هيحس بايه؟ فاهمة يعني إيه كل يوم أحس إني عبء عليكي وأقول فترة وهتعدي ألقاها هتزيد وتزيد معاها الفجوة في قلبي ناحيتك؟ إنك هتبصي لولادك بحنية وهتبصي لي كأني حد لازم تصبري عليه؟ دا اسمه إيه؟ دا اسمه جواز؟ دا اسمه حب؟ انتي نسيتيني يا "سكون"، وأنا موجود، عايش جنبك، بتألم كل لحظة.
جرت "سكون" نفسها من فراشها كأنما لم تعد تحتمل قسوة الاعتراف، جلست على الأرض عند قدمه، رفعت وجهها إليه وقد بللته الدموع، أمسكت بيديه المرتجفتين من شدة الغضب وقالت بصوتٍ لا يكاد يُسمع وهي ترى قهر العاشقين في عينيه يصرخ ألماً شديداً منها:
متزعلش مني، والله ما أقصد أوجعك، اني تايهة، تايهة بين أمومتي وحبي ليك، حاسة إني محتاجة حد يفهمني ويفهم مشاعري اللي هتغصبني على اكده، بس خايفة، اني مش قاصدة أجرحك، بس وجعي بيغلبني، اني لسه بحبك زي أول يوم، بس مشكلتي إني حبيت ولادي من نفس القلب، وحبي ليك اتكسر ما بين المسؤولية وإحساس أمومتي ناحيتهم واني انام في حضنهم.
سكت "عمران" للحظات، كانت يداه في يدها، وعيناه تشي بالغضب والخذلان، لكنه لم يسحب يده، كأنما لا يزال فيها بقية من ود، أو بقية من أمل في إصلاح كل شيء:
انتي محتاجة تتعالجي من ده، لازم ترفعي عنك الغشاوة، لو كل أم فضلت متعلقة بأولادها بالشكل دي، هتخسر نفسها، وتخسر جوزها، وهتخسر ولادها كمان، التعلق دي مش حب، ده احتياج مرضي بيهدّك كل يوم، وأني كل يوم بحاول أبنيكي تاني وانتي تهدي كل الحلو اللي هبنيه ليكي جوايا.
رفعت "سكون" وجهها فجأة، وكأنما ضربتها كلماته في أعماق وجعها، أرادت أن تصرخ، لكنها لم تفعل، اكتفت بأن تغمض عينيها، وأن تسند رأسها على ركبتيه، كان حضنه ما يزال وطنها، رغم كل شيء:
سامحني يا "عمران"، سامحني إنك بتحاول تصلح بينا ومش بتلاقي فيا جزء يساعدك، سامحني إني اتعودت أكون أم أكتر ما أكون مراتك، سامحني على بكايا اللي كسر كبريائك، وسامحني إنك لسه شايف فيا حاجة تستاهل بس صدقني غصب عني والله غصب عني حتى دموعي اللي هتنزل مني كل ليلة بحاول امنعها وهتنزل من عيني غصب عني.
ضاقت عينا "عمران" بتعب دفين، مدّ يده ووضعها على رأسها بفقدان أمل لا يخلو من العتاب، قال بصوتٍ خافت لكنه كان كالسيف:
أني مش هسامحك، إلا لما ترجعي لي "سكون" اللي حبيتها، اللي كانت هبتبص لي بعشق وعيون هتلمع كل لما تشوفني، اللي حضني كان بالنسبالها أمان، مش فرض، مش حكم، وقتها هسامحك، وهسامح دموعك، وهسامح الأيام اللي اخدتك مني.
ظلت "سكون" ساكنة، لا تبكي هذه المرة، بل كانت تشعر بأن جدارًا من التشتت قد انهار داخلها، لم تكن بحاجة إلى بكاء آخر، بل إلى أن تواجه ذاتها، أن تختار من تكون، أو على الأقل، أن تتصالح مع ما تبقى منها.
وخارج الغرفة كانت الحياة ساكنة كما الليل، لكن في قلب "سكون" كانت العاصفة قد بدأت تهدأ، لأول مرة، منذ سنوات لينطق "عمران" بوجع وخذلان وقلب جُرِح من امرأته التي يعشقها وهو يتمدد على التخت ويعطيها صدره ناطقاً بخزي:
روحي نامي جار ولادك "عمران" مبقاش رايد حضنك ولا رايد منِّتِك وتفضلك عليه ، ولا هيشحت منك حقه تاني.
في تلك اللحظة التي خيم فيها الصمت بين "عمران" و"سكون"، لم يكن مجرد صمت عادي بل كان كفيلاً بهدم جدران الثقة التي شيّدوها معاً طيلة سنوات من العشق والمحن. كان قلب "عمران" ينزف بصمت، كأن نظراتها الحزينة تطعن كبرياءه في مقتل، بينما قلب "سكون" يتشرخ ببطء تحت وطأة العتاب الذي لم تكن تملك له رداً إلا وجعاً، نظرت إليه بعينٍ يائسة ثم أسندت ظهرها إلى الحائط وانكمشت على نفسها، وكأن الأرض وحدها باتت مأواها، أما "عمران"، فظل جامداً في مكانه، عاجزاً عن لملمة ما تبعثر من حبها في تلك اللحظة التي سال فيها العتاب مرّاً في العروق، وهكذا بدأ العشق بينهما ، ذلك العشق الذي تحدى كل شيء في الانهيار بصمت مخيف، كأن القدر قرر أن يختبر ما تبقّى من قلوبهما المنهكة.
رواية من نبض الوجع عشت غرامي الفصل السابع 7 - بقلم فاطيما يوسف
معاً طيلة سنوات من العشق والمحن.
كان قلب "عمران" ينزف بصمت، كأن نظراتها الحزينة تطعن كبرياءه في مقتل.
بينما قلب "سكون" يتشرخ ببطء تحت وطأة العتاب الذي لم تكن تملك له رداً إلا وجعاً.
نظرت إليه بعينٍ يائسة ثم أسندت ظهرها إلى الحائط وانكمشت على نفسها، وكأن الأرض وحدها باتت مأواها.
أما "عمران"، فظل جامداً في مكانه، عاجزاً عن لملمة ما تبعثر من حبها في تلك اللحظة التي سال فيها العتاب مرّاً في العروق.
وهكذا بدأ العشق بينهما، ذلك العشق الذي تحدى كل شيء في الانهيار بصمت مخيف، كأن القدر قرر أن يختبر ما تبقّى من قلوبهما المنهكة.
رواية من نبض الوجع عشت غرامي الفصل الثامن 8 - بقلم فاطيما يوسف
أمام المشفى ليلاً وبالتحديد في الساعة الحادية عشر قرب منتصف الليل استعدت فريدة للخروج من المشفى فقد أنهت عملها وسهرتها في المشفى.
ثم خرجت أمام الباب وأخرجت مفاتيح سيارتها التي اشترتها بالتقسيط حديثا كي تتحرك للجانب الآخر التى تركن به سيارتها.
وعلى نفس الجانب كانت سيارة سوداء مفخمة تقف بجانب سيارتها وعلى أهبة الاستعداد.
فقال أحدهم:
ــ تقريباً هي دي اللي عليها العين يالا أجهزوا بسرعة علشان مش عايزين شوشرة ولا من شاف ولا من دري.
كان فارس يعد حاله هو الآخر لمغادرة المشفى في نفس التوقيت ولكنه كان في سيارته ممسكاً بهاتفه يرد على أحد أصدقائه ولم يراه الواقفين بتلك السيارة نظراً لأن سيارته هو الآخر مفخمة.
تحركت صوب سيارتها فلمحها فارس وتلقائيا نظر إليها وظلت أنظاره مثبتة عليها.
ثم على حين غرة لمح هؤلاء الأشخاص يقتربون منها.
ومن ثم كـ.ـتم أحدهم أنفاسها كي لا يعلو صوتها والأخر قام برش ذاك الرذاذ.
وفي لمح البصر غابت عن الوعي وحملوها السيارة وكل ذلك في غصون ثواني.
كاد أن يجن من ما رأته عيناه وعقله يكاد يكون متوقف ولكنه فكر سريعاً إن نزل من السيارة ستختفي ولا يستطيع الوصول إليها.
فأدار محرك سيارته على الفور.
أما هؤلاء الخاطفين لها انطلقو بالسيارة وهي بداخلها والانتصار يزين ملامحهم فقد تمت مهمتهم بنجاح دون أي عواقب.
فهم يراقبوها منذ ثلاثة أيام وسألوا عنها وعن مواعيد عملها وكل شئ يخصها ويخص عائلتها وذاك التوقيت والمكان الذي تركن به سيارتها منجرف قليلا عن المارة والوقت أصبح قرب منتصف الليل.
أما هو جن جنونه ما إن رأى ذاك الموقف امامه فكر كثيراً حتي يستطيع إخراجها من سيارة هؤلاء وهو يحاول اتباعهم.
ولكن ما لفت انتباهه أرقام تلك السيارة وعلم لمن تكون.
فضـ.ـرب الجنون بعقله من أفعال أبيه التي حتما ستصيبه بالانهيار.
وبسرعة بديهة خالف الطريق فهو قد حفظ ذاك المكان ثم قابلهم من شارع جانبي ومن ثم اعترض طريقهم ووقف بعرض الطريق.
وقبل أن يستوعبوا الأمر أخرج سلاحه وقام بإطلاق الرصاص النفاذ في اطارات السيارة بطريقة متدرب ماهر.
مما جعل هؤلاء الأشخاص يطلقون رصاصهم فعلى صوته هاتفاً بتهديد:
ــ أنا عارف مين باعتكم اهدو أنا فارس عماد الالفي واكيد سيد اللي متفق معاكم وخلو بالكم متعملوش شوشرة إحنا هنا في الصعيد وأهلها لو طلعوا هتتبهدلوا سيبوا البنت منك ليه يا اما مش هيحصل كويس.
مازالو يطلقون الرصاص حتى أصيب ذاك الفارس بطلقة في كتفه الأيسر وهو يحاول تفاديهم.
ولكن رئيسهم هاتف سيد المتفق معهم كي يستفهم منه وهو يأمرهم:
ــ اصبروا متضربوش نار أمنوا نفسكم كويس.
ثم أتاه الرد وفورا أبلغ سيد:
ــ بقولك ياباشا فيه واحد بيقول إن اسمه فارس عماد الألفي فجأة اعترض طريقنا وضـ.ـرب رصاص على العربية فاضطرينا نتعامل معاه وجت له رصاصة في كتفه بس الغريب بيقول إنه عارفك وأننا جايين تبعك هو انت كنت مكلف حد بالمهمة دي غيرنا ولا ايه علشان هو مصمم ياخد البنت.
شعر سيد بالذعر مما استمع إليه الآن.
ــ لااا بل شعر انه على حافة الهلاك على يد عماد الألفي مما سيفعله به ثم انطلق لسانه وهو يسب ذاك الرجل:
ــ الله يلعـ.ـنك يا بن ال… إنت ضـ.ـربت نـ.ـار على فارس ابن عماد بيه ياغبي يامتخلف.
أصيب الرجل هو الآخر بالذعر ثم علل بنبرة ترتعد من الخوف:
ــ والله ماكنت أعرف إنه يخص عماد بيه إحنا اتعاملنا على أساس إنه حد بيهاجمنا وخاصة إنه اعترض الطريق واول ماسمعت الإسم كلمتك علطول وكمان متقلقش الطلقة جت في دراعه.
جز “سيد” علي أسنانه غاضباً ثم أمرهم:
ــ ارمي البنت من العربية وسيب المكان فوراً وهو هيسيبكم مش هيجي ناحيتكم هو عايز البنت بس وتعالولي فوراً.
ابتلع الرجل ريقه بصعوبة والخوف سرى في عروقه وهو يتخيل نفسه الآن فريسة الذئب الكبير وما سيفعله به ثم قال بأسنان تصتك:
ــ طب اوديه المستشفي علشان الطلقة اللي جت في دراعه.
هدر به سيد بصوت عالٍ:
ــ سيبه يابني أدم إنت وتعالى هو جمب المستشفى وهيعرف يتصرف وانجز قبل ماحد ياخد باله.
أنهى أمره وأغلقت الهاتف في وجهه ثم ظل يفكر يخبر سيده عماد ام لا ولكن فارس سيحكي لأبيه عن ماحدث له وظل يشاور عقله كثيراً.
أما عند فارس وفريدة فقد فر هؤلاء الأوغاد هاربين بعد ان قذفوا فريدة أرضا فانطلق إليها.
وكان قد ربط ذراعه كي يكتم الدـ.ـماء التي تسيل من ذراعه.
ثم تحامل على نفسه وحملها بين ذراعيه وأدخلها سيارته وهي تائهة بسبب ذاك المخدر.
ثم رجع وأغلق سيارتها وأخذ حقيبتها ومفاتيحها ثم ركب سيارته وانطلق بسيارته إلى شقته كي لا يثير الإنتباه لهم فهو يخاف عليها من الموقف ككل ومن القيل والقال.
وصل إلى شقته ثم هبط من سيارته وحملها إلى الأعلى.
دلف الى بهو الصالة الواسع بفراشه الوثير ثم وضعها برفق على الأريكة وحاول افاقتها ولكنها مازالت غائبة عن الوعي ويبدو أن ذاك المخدر سيأخذ وقتا طويلا.
تركها في الأمان ثم فكر سريعاً في رد فعل أهلها فأخرج هاتفها من حقيبتها وجذب أصبع يدها فقد رآها وهي تفتحه قبل ذاك.
تبسم وجهه وشعر بالانتصار حينما فتح أمامه ثم أتى برقم والدها وفتح الواتساب وقام بتدوين الرسالة وحاول أن يتحدث بلغة الصعيد بقدر الإمكان:
ــ أني هاخد نبطشية كمان النهاردة علشان في حالة طوارئ في المستشفي متقلقش علي ومتبعتليش لاني داخلة العمليات دلوك ومهعرفش أرد عليك وهقفل الموبايل.
لم يمر غصون ثواني حتى أرسل إليها والدها رسالة داعياً لها:
ــ ماشي ياداكتورة ربنا يعينك يابتي.
تفاعل على رسالة أبيها ثم أغلق الهاتف وهو يتنفس براحة ثم بدأ بجلب أدواته الطبية كي ينتشل الرصاصة من كتفه فهو جراح ماهر ويرث دهاء أبيه في الجراحة.
ثم تحامل على حاله وانتشلها من كتفه وما ساعده انها كانت في كتفه الأيسر.
بعد مدة مايقرب من أكثر من ساعتين كان جالسا بجانبها غافيا من أثر المخدر الذي وضعه على كتفه.
بدأت تتملل في نومتها على الأريكة وفي غصون دقائق كانت تتأوه وهي تشعر بالدوار وتدلك جبينها.
أما هو فاق على تأوهاتها ثم آفاق الاثنين وكلاهما يمسح على شعره فقد نزع عنها حجابها كي تسطيع التنفس وعيناي كلاهما التقت في عيناي الآخر.
فنظرتها له تعني الذهول من الموقف ولم تدرك إلى الآن أنها منزوعة الحجاب.
أما هو تسهم إليها وهو ينظر إلى جمالها برغبة ويبتلع ريقه بصعوبة فقد كان تأوهها رقيقاً جعله يتعمق النظر إليها ويود أن يحذبها بين يداه الآن.
أما هي سألته بلسان ثقيل وما زال الدوار يتملك منها:
ــ أني ايه اللي جابني اهنه.
ثم شهقت وهي ترى خصلاتها هبطت على عينيها فمسحت على رأسها بتعجب وأكملت وهي تهدر به وعيناها تجول المكان تبحث عن حجابها:
ــ إنت عملت ايه ياسافل فين حجابي ياللي ايدك عايزة تتقطع قبل ما تمد يدك وتكشف ستري.
لم يشعر بالضيق من سبابها له بل ابتسم بتسلية لشراستها وتمردها وسألها متأدبا:
ــ تصدقي أنا دكتور وليا برستيجي ومحدش في الدنيا قدر يتكلم معايا بالطريقة دي غيرك بس ممكن نتفاهم بالراحة يادكتورة.
ما إن ناداها بلقب دكتورة حتى شعرت بالراحة غزت في جسدها وأحست بالأمان ثم تبدلت من نبرتها الشرسة إلى نبرة أكثر هدوءا وهي تسأله:
ــ ممكن أعرف حوصل ايه وايه اللي جابني اهنه؟
ثم تذكرت أمر هؤلاء الرجال الذين قامو رش ذاك المخدر عليها وهي تهتف بذعر:
ــ وه! افتكرت أنا كان في ناس رشو عليا مخدر وبعدين لقتني اهنه انت جبتني إزاي وليه ولا تكون انت اللي أجرتهم عليا علشان تخطفني.
ضحك بشدة لأول مرة في شبابه منذ أن فارقته أمه على طريقتها التي تتحدث بها وذعرها ثم تحدث من بين ضحكاته بنبرة سعيدة:
ــ تصدقي انك مسلية موووت وطريقتك في الكلام حلوة قوووي من زمان مضحكتش قووي كدة لااا ده ده من سنين ملهاش عدد يادكتورة.
سُرَّ قلبها لسعادته بل وخطفتها ملامح وجهه المبتسمة ودق ذاك النابض بين أضلعها ولم تعرف مالسبب وراء كل تلك الدقات.
تسهمت نظراتها أمامه وعينيها سكنت عيناه وكالعادة ما إن استقرت عينيها داخل عينيه تشعر بذاك السحر الغريب العجيب الذي يجذبها لإطالة النظر بهما.
تتسهم وتدخل في تيهة المشاعر وتخبط الإحساس بالاحتياج داخلها بشعور غريب لم يوصف بعد وكأن عيناه أكبر لص تحت قبة السماء.
أما هو سكتت ضحكاته عندما رأى نظرتها المتسهمة تلك ولم يفسر معناها بعد فدق قلبه هو الآخر وللعجب أنه نفس شعورها معه هو نفس ما يشعر به هو الآخر.
ثم حدثتها عيناه:
أتعلمين ما العجز يا حبيبتي؟ العجز أن أرى هذه العيون الجميلة ولا أستطيع تقبيلها.
وأجابته عيناها وهي تشعر بغرابة المشاعر داخلها:
ــ عندما أنظر إلى عينيك تأخذني إلى عالمٍ آخر عالمٍ من الخيال لا كلام يحاكيه ولا اقتباس ينصفه.
ظل تائها في لون عينيها البنيتين وشعر فيهما بالدفئ والاحتواء والحنان شعر فيهم بأنهم يجذبانه لها دون إرادة منه أو مقاومة.
ثم اقترب بخطواته منها وهمس أمام عينيها:
ــ عيونك فيهم دفا غريب قووي محستش بيه من زمان، هما إزاي جمال قوووي كدة بالرغم من إن لونهم منتشر.
ابتلعت ريقها بصعوبة بالغة من كلماته التي خدرتها وغير أنها مازالت تشعر بالدوار من أثر المخدر.
ثم تمتمت بخفوت بكلمات غير مرتبة لانها لم تستطيع لملمة اعصابها المشتتة بعد وقد ضـ.ـرب الخوف صدرها من سحر اقترابه ولم تستطيع السيطرة على حالها حينئذ:
ــ هو انت بتبص لي اكده ليه اوعي تكون جايبني اهنه علشان تضحك على عقلي وتقول داي بنت خام وهعرف الفها بكلمة ونظرة وابتسامة.
مازال يشعر بالاختلاف والجمال في حديثهم فهي تختلف اختلافاً كليا عن كل الحسناوات الذي قابلهن في حياته.
لا تشبه عيناها أي عيون، ولا حديثها سمعته أذناه قبل ذلك بل فريد، ساحر، مملوء بالعزة التي تليق بكِ فريدة زمانك، ما أجمل هاتين العينين البحريتين اللتين أهلكتا قلبي لشدة جمالهما!
ثم تحدث بحنو كي يطمئنها:
ــ يعني لو عايز أضحك عليكي زي ما بتقولي هستني ساعتين لما تفوقي من الغيبوبة اللي كنتي فيها مثلاً؟ مانـ.ـا كنت ممكن أعمل اللي أنا عايزه وانتِ غايبة عن وعيك ولا من شاف ولا من دري.
ثم سألها باندهاش:
ــ هو انتِ ليه مصممة اني شهواني للدرجة دي أو اني ممكن أستغل ضعف ست قدامي وأجبرها على علاقة مش حباها وغصب عنها وحتى لو قدرت أسحبها بكلامي وأستغل ضعف مشاعرها مش هعملها أنا ماما الله يرحمها علمتني إن ابقي راقي ومستغلش قلوب الناس ولا ضعفها ولا أعمل حاجة تغضب ربنا أبدا، علمتني قيم مش موجودة دلوقتي عند اغلب الشباب، وانتِ بجد لما تعرفيني هتعرفي اني لا يمكن أعمل حاجة فيكي تخليكي تخافي مني أبداً.
كانت تستمع إليه باندهاش فهو في شخصيته تلك راقياً إلى أبعد الحدود فكيف لتلك الشخصية أن تفعل ما فعله بها؟!
أيعقل أن ذاك الانفصام يحول الشخص مائة وثمانون درجة!
لاحظ اندهشها من تسهم عينيها وفمها المفتوح ببلاهة ثم سألها:
ــ انتِ مالك مسهمة كدة ليه يابنتي هو أنا بقول حاجات غريبة ولا ايه بالظبط؟
حمحمت بتوتر ثم خرجت من حالة الذهول وسألته:
ــ طب أني جيت اهنه إزاي سألتك السؤال دي ميت مرة ومجاوبتنيش؟
التفت بوجهه للناحية الأخرى ثم مسح على شعره وهو يشعر بالاشمئزاز من أفعال أبيه التي حتما ستجعله يود الفتك به ثم نظر إليها مجيبا إياها:
ــ والله انا كنت جوه عربيتي بالصدفة وقت مرواحي و شفت من بعيد تلت رجالة رشوا عليكِ المخدر ومشيوا بالعربية وفي لحظة لفيت لهم من الطريق التاني واتعاملت معاهم.
ثم وجه أنظاره إلي ذراعه الملفوف مكملا شرحه لها:
ــ اضطريت اني أضـ.ـرب نـ.ـار عليهم علشان اعمل لهم دوشة فخافوا ورموكي من العربية بس زي مانتِ شايفة كدة اخدت طلقة في دراعي وشلتك جبتك على هنا عشان ما كانش ينفع ادخل بيكي المستشفى واعمل لك شوشرة وفتحت موبايلك بالبصمة وبعت رسالة لوالدك ان إنتي عندك حالة طوارئ في المستشفي ومش هتيجي الا بكره علشان ميقلقش عليكي.
ــ شلتني! شلتني إزاي يعني؟
جملة استفهامية نطقتها فريدة وهي تود أن تختـ.ـنقه بين يدها وأكملت باستنكار:
ــ آااه دي انت انت خدت على اكده عاد واستحليت الحوار دي بقي وبتقول دي هبلة ومش هيفرق لها.
عاد لنوبة ضحكاته مرة أخرى ثم هدأ وهو يرى تذمرها مرددا بصوت مصطنع لائم:
ــ يعني هو ده اللي انت فهمتيه وركزتي فيه ومهمكيش اني اخدت طلقة في دراعي عشان خاطرك واني أنقذتك من اللي كانوا هيخطفوكِ ويحسروا قلب ابوكي عليكي ويعملوا فيكي البدع ده آخرة المعروف يادكتورة.
هزت راسها باستنكار واهتز فكها ساخرا:
ــ دكتورة مين هو انت خليت فيها دكتورة أنا بقيت حاسة إني عرضة بين ايدين الباشا يعمل اللي على كيفه وقت ما يحتاج.
امتعضت ملامح وجهه وهو يتسائل:
ــ تقصدي ايه بكلامك ده هو أنا أذيتك في حاجة قبل كدة علشان تقولي كدة ولا انت بتلوميني علشان أنقذتك ولا كنت اسيبهم يخدوكي علشان مشلكيش ولا كنت دخلتك المستشفي وأنا شايلك بردو ودراعي بينزف وساعتها بقي مش هنخلص وكل من هب ودب هيجيب سيرتك ولا انا وانتِ هنعرف نبرر واحنا داخلين على نص الليل وفي الصعيد كمان.
تدراكت خطأها في خلط شخصياته الاثنان الذي يحياهم ولامت حالها ثم اعتذرت له:
ــ اني متأسفة يادكتور بس اللي حصل لي دي ميصدقهوش عقل، اني ليه حد يخطفني اصلا في حاجة اني مش فاهماها.
تلون وجهه بالحمرة من تذكره لما فعله أبيه ولم يعرف بما يجيبها ولكنه حاول تهدئة حاله وأجابها بإنكار وكأنه لم يعرف شيئا:
ــ مش عارف هما مين ولا كانو عايزين ايه منك وبعدين كل اللي كنت مركز فيه إزاي أنقذك منهم.
ضمت شفتيها بامتعاض من ما حدث لها ثم رددت بحزن:
ــ مش عارفة اني بالذات ليه بيحصل معاي اكده مع إني ماشية جمب الحيط ومش بعمل مشاكل مع حد وكافية خيري شري.
اقترب منها ثم تحدث بهدوء وهو يجذب حجابها وناولها إياه مما جعلها تندهش من حركته تلك وشعرت برجفة في جسدها شعر بها هو الآخر من هزة يدها وهي تتناول منه الحجاب مما جعله هو الآخر اهتز جسده وهو يتأثر بحالتها تلك:
ــ البسي حجابك الاول علشان شعرك الأحمر ده ميخلنيش أعمل حاجة مش عايز اتهور وأعملها ده أولا، ثانياً بقي يادكتورة لازم تعرفي إن اقدار الله كلها خير ودايما ربنا هتلاقي ساتر اللي قريب منه قوووي ومهما كانت حجم المشكلة أو البلاء ربنا بيبعت معاه صبر وجبر هيخلوا الإنسان من حلاوة عطايا ربنا وهِبَته لينا بالخير كله هينسونا هموم الدنيا واللي جري لنا فحطي دايما في بالك إن ربنا بيجعل دايما مخرج للي بيتقيه.
كانت تستمع إليه بقلب بدأ ينبض شعوراً غريباً عنها لم تجربه من قبل ولكنه شعوراً لذيذا هائلاً أحبته وأحبت الإحساس به وتمنته الآن أن يدوم.
ثم لململت خصلاتها المبعثرة وثبتتها بدبوس الشعر ثم لفت حجابها وأحكمته على رأسها وهتفت بامتنان ووجهها يصحبه البسمة:
ــ كلامك مريح قوووي وجميل وعامل كيف البلسم وريحني قوووي.
ثم هتفت وهي تبدل نبرتها الهادئة المبتسمة الي أخرى شرسة جعلتها اندهش من تغير علامات وجهها مابين لحظة وأخرى:
ــ طب ممكن بقي لما يوحصل لي حاجة تاني متجيش ناحية حجابي وتكشف ستري علشان داي حاجة بتخـ.ـنقني قووي وبتخليني قرفانة من نفسي يافارس.
دق قلبها لسماعه اسمه من بين شفاها بدون لقب دكتور ثم حرك رأسه للأمام بموافقة:
ــ حاضر يادكتورة مش هتتكرر تاني بس لما خلعته عنك علشان أثر المخدر ونفسك يضيق بس إن شاء الله مش هيحصل حاجة تاني.
بعد أن أنهى طمئنته لها قام من مكانه ودلف إلى المطبخ وقام بصنع كوبان من القهوة كي يفيقا من أثر المخدر.
ظلا يتحدثان كثيراً هو يفتح مواضيع عدة يتعرف بها على شخصيتها وظروفها وهي تسأله عن علاقته بأمه وحياته قبل ذلك وبالتقريب عرف كلاهما كل شئ عن حياة الآخر فهو قد حكى لها عن حياته المستقرة الآمنة ولم يذكر شيئا عن حياته المريرة التى عاشها وهي كانت خير منصت له واليوم بل وتلك الساعة بالتحديد ولد قلب الدكتورة فريدة على يد فارس الألفي بالحب الذي كبل مشاعرها الآن تجاهه.
مر كثيرا من الوقت وهم لم يملوا بعد من حديثهم مع بعضهم حتى أشرق الصباح وأعلنت الشمس عن طلوع يوم جديد يحمل بين طياته الكثير من أقدار الله لعباده فحملت حالها وغادرت المكان وتركت ذاك العاشق الثاني الذي يشعر بنفس مشاعرها تجاهه فقد نبض القلب المظلم وبالغرام أصبح بها متيم.
في منزل عماد الألفي حيث أتى إليه سيد وهو يرتعب من الخوف مما سيبلغه به ولكنه مضطر والمضطر يركب الصعاب وهو ونصيبه.
دلف إليه وبالطبع أخذ موعداً معه فكان يجلس على أريكته وهو يرتدي الروب الخاص به من قماش الستان اللامع عاري الصدر تحته إلا ذاك السروال الذي يصل لركبتيه وأمامه مشروب الكحول الذي يحتسيه ثم تحدث وهو يرتشف بتمزج من الكوب:
ــ ها ياسيد جبتو البت الدكتورة اللي قلت لكم عليها؟
زاغت عيناي ذاك السيد ثم تهته بخوف:
ــ ها …اصلللــ …
ــ ماتخلص ياسيد هو أنا فاضي لك.
جملة اعتراضية نطقها عماد بحدة ارعبت ذاك الواقف الذي نطق على الفور:
ــ اصل الشباب حصل معاهم مشكلة بعد ما جابو البنت ودخلوها العربية وكل حاجة كانت ماشية تمام لحد فجأة طلع لهم فارس بيه ابن حضرتك في وشهم وضـ.ـرب عليهم نار وتقريباً عرفهم من العربية بتاعتك ياباشا بس كان ،كان ،ابتلع ريقه برهبة ولم يستطيع الإكمال.
فهدر به عماد وهو يلقي بالكوب الزجاجي على المنضدة بحدة مما جعله يتهشم علي الفور مما دب الرعب في صدر سيد كثيراً:
ــ أه وبعدين يابوز الفقر انت مانا عارف أنا مشغل معايا بهايم يغرقوا في شبر ماية.
ارتعش جسد سيد من عيني عماد الحمراء من الغضب ثم ابتلع ريقه بصعوبة بالغة وأكمل في دفعة واحدة وطبق الحكمة وقوع البلاء افضل من انتظاره:
ــ وفارس بيه أخد طلقة في دراعه.
اتسعت مقلتاي عماد ثم قذف المنضدة بما عليها فهو في غضبه غشيم للغاية ثم خطى الى سيد الذي وقف يتشهد الآن ومن رعبه أفلتت المياه من بين ركبتيه من هلعه ثم أمسكه من تلابيب قميصه يهزه بعـ.ـنف:
ــ يانهار أبوكم مش فايت بقى تضـ.ـربوا ابني طلقة! هات لي الجحوشة دول هنا علشان هبعتهم لعشماوي.
وأكمل متسائلاً بنبرة حادة:
ــ وبعدين جرى له حاجة وعمل ايه مع البنت؟
أجابه بصوت يكاد يخرج من حلقه غصباً وهو يطمئنه كي ينجى من براثنه:
ــ متقلقش ياباشا أنا سيبت واحد فيهم يطمن عليه من غير ما ياخد باله بس في حاجة غريبة هوريها لك ياباشا.
تركه عماد وإشارات وجهه تدل على الاستفسار ثم أخرج سيد الهاتف من جيبه وفتحه أمامه وأتى بذاك الفيديو ووضعه أمام عيناي عماد الذي شاهده باندهاش من أفعال ابنه الغير مفهومة لديه ثم سأله بعد أن شاهد الفيديو مرة ثانية:
ــ هو وداها فين بعد اللي حصل وعمل ايه؟
أجابه سريعاً:
ــ وداها عنده البيت ياباشا وفضلت موجودة معاه لحد الساعة ٥ الصبح وبعدين الراجل شافه وهو بيوصلها لعربيتها هي ماشية قدام وهو ماشي وراها ولافف دراعه بشاش وكان كويس.
ضم عماد شفتيه بامتعاض من تصرفات ابنه التي تستدعي ذهوله فمنذ متى وهو يحنو علي جنس حواء؟
منذ متى وهو ينظر إليهم بتلك النظرة العاشقة المتمنية؟
ومِن مَن؟ من ابنة بواب!
ثم أتى برقم فارس وهاتفه وما إن آتاه الرد حتى تحدث اليه بنبرة باردة:
ــ والله أنا مستغربك جدا يا فارس، يعني واحدة ضـ.ـربتك وهزقتك ومرمطت بكرامة أهلك الأرض وجيت اجيبها لك تحت رجلي علشان اعلمها الأدب علشان اتجرأت على أسيادها بنت البواب وفي الاخر تعرض حياتك علشانها للخطر؟
اهتز فكه بسخرية من تفكير أبيه ثم تحدث بنفس النبرة الباردة:
ــ والله ياباشا اختياراتي سواء مدمرة حياتي أو مظبطاها أنا حر فيها ملكش اختيار في حاجة زي دي طالما دي حريتي الشخصية.
ابتسم ببرود اعتاد عليه مع ولده هاتفاً بنبرة ساخرة:
ــ بس متوصلش لبنت بواب ارتقي شوية في اختياراتك وخليك ناصح ولو مرة واحدة في حياتك وسيبك من قلبك الخرع ده لو منبهر بيها خدها لفة أو لفتين أو عشرة لحد ماتتكيف وبعدين طوحها بطول دراعك بس متنزلش للمستوى اللي شفته منك في الفيديو لما الرجالة رموها ولا نظرة الخوف والرعب اللي كانت في عينيك عليها يافارس يا ألفي.
جز فارس على أسنانه بغضب ثم هتف بتوعد لأبيه:
ــ طب من الاخر كدة ياباشا ملكش دعوة بيا ولا بيها ولا تتدخل في اي حاجة تخصني احنا اتفقنا على كدة قبل ماتجيبني هنا اجباري ولا ناسي تهديدك ليا، المرة دي بقي انا اللي ههدد لو قربت من فريدة بالذات هكشف المستور وبعدها هخلص من حياتي خالص والساعة اللي كنت جايبها لي هدية وأنا جاي هنا وهي اللي عرفتك كل حاجة عن اللي حصل ولـ.ـعت فيها وخلصت منها أنا خلاص كشفت كل الاعيبك وحوارتك.
قهقه عماد من تحذيرات ابنه ثم هدأت ضحكاته ليقول بنبرة جليدية:
ــ بتهدد ابوك اللي وصلك للعز والمركز اللي انت فيه ده كله يافارس علشان بنت البواب والله واكتشفت دلوقتي اني ربيتك تربية ناقصة يابن عبير.
ــ إنت مربتنيش ياعماد يا ألفي وعبير دي هي صاحبة أي حاجة حلوة لسة فاضلة فيا أما انت مسبتليش غير المرار العلقم اللي افتكره لك واللي انت شربته لي بالكوم من وانا طفل صغير ولسه مكمل …
تلك الكلمات التي خرجت من فم الفارس بمرارة يشعر بها أي إنسان يسمعه مما زاد عماد حقداً على عبير ليعقب على كلماته بغل وغيظ:
ــ والله لو اطول أعمل في عبير اكتر من اللي عملته لا هعمل فيها علشان ربت عيل خرع فاشل زيك ومش هيعرف يحافظ على امبراطورية عماد الألفي يا نوغة عبير.
هدر به فارس بغيظ:
ــ متجيبش سيرة ماما على لسانك تاني يا عماد يا ألفي لو لسه باقي على حياتي وحياتك انت كمان، علشان معملش حاجة تخليك تندم أو متلحقش تندم أصلا.
ثم أكمل تحذيراته لأبيه قبل أن يغلق الهاتف في وجهه:
ــ أه اخر حاجة حابب أعرفها لك علشان متتهورش وتتغشم زي عوايدك لو قربت من فريدة بالذات أو صابها اي أذى هي أو أهلها لههد المعبد عليك وعليا وعلى الدنيا بحالها فريدة خط احـ.ـمر وانت عارف الخطوط الحمراء الدموية بالنسبة لي بتمثل ايه وأظنك جربت قبل كدة لما عيونك دمعت من الخوف فبلاش نوجع بعض وكل واحد يخليه في منطقته يلعب على كيفه وزي ماهو عايز.
أنهى كلماته وأغلق الهاتف في وجهه مما أثار غضبه فقذف الهاتف هو الآخر في الحائط وهو يشعر بالجنون ثم جلس على الأريكة وأشغل الموسيقى ومن ثم المطربة المفضلة لديه ألا وهي كوكب الشرق أم كلثوم وتبدلت حالة الجنون الي الرواق وهو يدندن معها.
تبدلت الحالة من النقيض إلي النقيض تماماً في جزء من الثانية ثم احتسى مشروب الكحول مرة ثانية وهو يجلس على الكرسي الهزاز منسجماً بهدوء من يرى ذاك الشائب ينخدع فيه انخداعا كليا.
*********************
في فيلا آدم المنسي حيث بدأ ذاك البث المباشر وهو يطرب فيه بأنشودة للعفاسي بصوت عذب جميييل وما إن اندمج في الأنشودة قرأت عينيه بعض التعليقات التي أثرت في نفسه وجعلته حزن كثيراً وبدأ حماسه يقل روايدا رويداً.
وبالرغم من أن أكثر التعليقات معجبة وبشدة للأنشودة بصوته إلا أن التعليقات السلبية هبطت من عزيمته ثم أغلق البث وبدأ بفرز التعليقات والتي كانت أغلبها:
ــ جرى ايه يانجم فينك وحشتنا ووحشتنا أغانيك الرومانسية اللي كانت بتطلعنا العالي سيبك من جو المشيخة ده احنا مش في الجامع.
وقرأ تعليقاً آخر:
ــ Oh No بقي آدم المنسي النجم اللي كانت البنات هتتجنن عليه وبتطلع له على المسرح تحضنه وتبوسه وترقص معاه يدفن نفسه وموهبته بالحيا كدة علشان مجرد حتة بنت صعيدية فلاحة وهو كان بيترمى تحت رجليه ملكات جمال!
لااا لااا يانجم عود لعهدك ومجدك يانجم وقول وسمعهم وغني ومتعهم.
وتعليقا آخر:
ــ ايه بجد الحاجات المقرفة اللي بتحصل دي يعني انت ضحيت بنجوميتك ومجدك وشهرتك علشان شخص في اي وقت لو حصل اي حاجة ينساك ويسيبك بس بعد مايكون خسرك كل حاجة حلوة وفي الاخر هيقولك محدش طلب منك تضحي ووقتها هتكون خسرت نفسك وجمهورك الكبير اللي قعدت سنين تبنيه.
ظل يقرأ المزيد والمزيد وهو يشعر بالتحطم من تلك التعليقات وأحس بأن أنفاسه ضاقت ذرعاً فأغلق الهاتف ورماه أرضاً حتى انكسـ.ـرت شاشته.
ومن ثمَّ كانت مكة تهبط الأدراج بخطوات متمهلة ورأت ما فعله فاندهشت واسرعت خطواتها إليه وهي تجذب الهاتف وتقلب فيه بيدها ثم ضمت شفتيها بحزن عليه فخطت إليه ووجهت شاشة الهاتف أمام عيناه وهي تسأله باندهاش:
ــ طب ممكن افهم ايه اللي حوصل علشان ترميه وتكسره بالشكل دي واصل؟
شعر بالاختناق من استفسارها فقد أثرت التعليقات السلبية عليه بشدة وجعلته الآن غير متزن فكرياً ثم أجابها بخفوت وهو يوجه أنظاره ناحية الحديقة بعيدا عن عينيها:
ــ مفيش مخنوق شوية بس.
استشفت حزنه من وأنه بالتأكيد مملوء بالهم وأنه على غير عادته الطبيعية ثم اقتربت منه وبدأت تدلك رقبته من الخلف بحنو كي تجعل جسده يشعر بالاسترخاء:
ــ طب ممكن نهدى ونستغفر ربنا الاول ونستعيذ بالله من الشيطان الرجيم ودقيقة ذكر اكده علشان نطمن قلبنا ونعرف نتكلم بهدوء لان وقتها الشيطان هيكون انطرد.
أخذ نفساً عميقاً وهو يمسح وجهه بيديه ولم يفعل ماقالته لينطق برجاء لها:
ــ معلش يا مكة سيبيني لوحدي شوية مش قادر اتكلم في أي حاجة ولا فيا طاقة اني أفتح اي حوار وكمان مش عايز وانا متعصب ومخنوق نتناقش اصبري لما أهدى شوية علشان أتكلم بأعصاب هادية ولا أنا اضايقك ولا انتي تزعلي مني في اي كلام أقوله لك.
تنهدت بحزن عميق من هيئته التي أوجعت قلبها ثم رددت بطاعة وقد التمع الدمع في عينيها لحالته تلك وطريقته التي لأول مرة يتعامل بها معها:
ــ حاضر يا آدم هسيبك لوحدك.
أنهت كلماتها وحملت مصحفها في يدها وخرجت إلى الحديقة كي تقرا وردها اليومي أما هو هاتف هند أخته فور خروجها وبعد السلام والتحية طلب منها أن تقرأ التعليقات التي دُونت له على بثه وبالفعل قامت بقرائتها وبعد أن أنهت معظمها سألته بتعجب:
ــ طب إيه بقي اللي في التعليقات مضايقك قوووي كدة ممكن افهم؟
أجابها بضيق:
ــ يعني مشفتيش طريقة الناس عاملة ازاي وكلامهم اللي زي السم؟
تفهمت وجعه جيدا ثم تحدثت باستجواد:
ــ أه شفت الناس الكتيرة قوووي اللي بتشكر في محتواك وتعليقاتهم مليانة قلوب على القائك للأنشودة وانك أبهرتهم في لونك الجديد.
تنفس بصوت عالي وصل إليها ثم قال بحيرة:
ــ طب والتعليقات التانية ما أخدتيش بالك منها ولا قصدتي تعمي عينك عنها؟
أجابته بثقة:
ــ ياسيدي هو الناس ليها عندك ايه يعني علشان تشغل بالك برأيهم ولا بكلامهم وتعليقاتهم السخيفة؟ بص على الحلو الكتيير قووي اللي مالي التعليقات وسيبك من الناس اللي لا هتودي ومبتجيبش من وراها إلا الهم فكأنك مشفتهمش وتنكد على نفسك.
وطالما الآراء الكتيرة عجبهم اللون ده يبقى نكمل ومنشغلش بالنا بالمحطمين وبعدين ياسيدي طالما مستريح وحابب اللي بتعمله يبقي طظ والف طظ فيهم ولا كأننا شفناهم قدامنا ولا كلامهم يفرق لنا يادومة.
وبصراحة بقي إنت أنشدت الكلمات حلوة قوووي وأنت عارف إن العفاسي شيخي المفضل علشان كدة هطلب منك كتييير حاجات حلوة للعفاسي بصوتك.
استطاعت شقيقته تهدئته ببراعة فائقة وهو يشعر بالاقتناع فهتف بقلب مطمئن:
ــ من زمان قووي وانتي بتبسطي الأمور وبتحليها بكلامك وتقلبي الوحش اللي ماليها لحاجة حلوة تطمن القلوب يا هنودة.
ابتسمت شقيقته ورددت بقلب مملوء بالحنان بنبرة تصحبها الدعابة:
ــ روق يانجم النجوم الناس مبتتفقش على حد وحتى على نفسهم فكبر الجي يافنان.
قهقه ادم على دعابتها ثم شكرها بامتنان:
ــ حبيبة اخوها منحرمش منك هقفل انا بقي علشان شديت مع موكة هروح اروق عليها.
أنهي حديثه معها ثم ألقى هاتفه وخرج إلى الحديقة وجد مكة تقرأ القرآن بتمعن وقلب مطمئن فاقترب منها واحتضنها من ظهرها وقبلها من جبينها هاتفاً بجانب أذنها بحنو:
ــ حبيبي اللي زعلته حقك عليا.
أغلقت المصحف الشريف وقبلته ثم وضعته علي المنضدة الموجودة أمامها وتحدثت إليه بنبرة ملامة وقد رأت التعليقات علي البث المباشر وعرفت سبب ضيقته:
ــ لا اني مخاصماك وقلبي زعلان منك قوووي.
جذب يدها بين كفاي يداه وهو يقبلها:
ــ طب متزعليش مني علشان إنتي عارفة مقدرش على زعلك ولا ان قلبك يكون مضايق من حاجة.
تهجمت ملامحها بامتعاض فكفاها تعب حملها الشديد عليها والذي أثر على نفسيتها بشدة وجاء هو وأكمل عليها ولم تدعى لأسفه اهتماما:
ــ ليه يا آدم لما نزلت البث وجت لك بعض التعليقات السلبية وشك قلب وزعلت قوووي اكده؟ بجد اني اتضايقت من ضيقتك ومش بس اكده له اني زعلانة كمان بسببها مش بسبب انك قلت لي بعدي عني دلوك.
تنهد بضيق من تفكيرها ثم تحدث بنفس تهجمها:
ــ هو دي كل اللي هامك وضايقك علشان نفسك مش علشان زعلانة اني اتضايقت! بجد أنا مصدوم فيكي دلوقتي وفي طريقة تفكيرك وحاليا حسستيني إن عقلك صغير ومبتعرفيش تحتوي زعلي ولا ضيقتي زي ما أنا بعمل معاكي.
اشتد الاحتدام بينهم وهتفت بحدة:
ــ عقلي صغير! هو انت هتعايرني انك هتراضيني وتحتويني دي واجب عليك على فكرة انك تراعي أهل بيتك.
قام من مكانه وألقى الكرسي جانباً ثم هدر بها:
ــ لا إنتي اكيد مش طبيعية لأن طريقة كلامك مش مقبولة بالمرة وآدي المكان ليكي ياستي ولا تكلميني ولا اكلمك وخليكي بقي في نكدك ده لما تعرفي تتعاملي إزاي مع جوزك وتتعلمي انك متبقيش حادة معاه في الكلام وتغيري من أسلوبك نبقي نتكلم وقتها.
ألقى كلماته في وجهها ثم ترك لها المكان فأدمعت عينيها لما حدث بينهم ثم شعرت بالدوار يهاجمها وشعرت انها تريد التقيئ فمعدتها انقلبت بسبب حزنها وجرت ناحية الحمام وأفرغت مافي معدتها.
استمع الى تعبها وهو يهبط الأدراج فنظر إليها من بعيد بأسى وخطى بخطواته إليها كي يقف جانبها ولكنه تذكر كلماتها اللاذعة له فغير اتجاهه وغادر المكان تاركاً إياها تنفرد بحالها.
أما هي رأت تقدمه وتراجعه فشعرت بالألم النفسي وأنه تركها دون أن يحنو عليها كعادته فبكت بشدة بعد أن جففت وجهها وخرجت من الحمام وصعدت إلى غرفتها وارتمت على تختها وهي تبكي بأسى لشجارهم الذي لم يكن موجود من الأساس.
********************
في مكتب جاسر وبالتحديد في الساعة الثامنة مساء أنهى مقابلته مع موكله ثم عاد إلى مكتبه.
ألقى السلام على مها الجالسة المنكبة على الملف الذي بيدها فرددت السلام بخفوت بنبرة حزينة:
ــ وعليكم السلام.
اندهش لنبرتها ثم عاد بخطواته إليها متسائلاً إياها بنبرة حنون:
ــ مالك يا مها صوتك متغير اكده ليه؟
لم تريد رفع وجهها إليه فهتفت وهي تحاول الانشغال بالملف الذي بيدها:
ــ مفيش يامتر أني زينة متقلقش.
اندهش لعدم نظرتها له وبات داخله يتسائل ماذا فعلت بكِ كي لاتريني وجهك وتتحدثين معي بتلك النبرة الحزينة فسألها:
ــ هو أني ضايقتك في حاجة يامها علشان متبصليش واني هكلمك؟
تخبط قلبها داخلها لأجل حزنه وما وصل إليه من نبرتها فهو يتعامل معها برقي وذوق لم تعهده في جنس الرجال من قبل بل إنه يحنو عليها ويخاف على حزنها كأنها كقطعة زجاج رقيقة يخشى عليها الكسر أو الخدش فهو أثبت لها أن الرجال مختلفون متنوعون.
أنسـ.ـاها كل ماحدث لها من مرار، جعل قلبها ينبض بالحب الراقي الحلال لأول مرة في عمرها بأكمل.
ثم رفعت عينيها المغشيتين بالدموع وأثر الاحمرار الشديد نابع منهما فانقبض قلبه داخله لأجل حزنها الشديد البائن على ملامحها المنطفئة المملوءة بالقهر:
ــ لا والله يامتر يعلم ربي إني عمري ماشفت منك إلا كل طيب وكل رجولة اني بس اللي نفسيتي تعبانة شوية.
أنهت كلماتها ثم وأدارت وجهها بعيداً عنه وقد التمعت الدموع في عينيها ثانية فخطى تجاهها وهو يشعر بالوجع لوجعها ثم اقترب منه وكل ذرة داخله ثائرة فحبيبته حزينة بل عيناها ممتلئة بالدموع التي جعلت القابع بين أضلعه يريد اختطافها بين أحضانه كي يخفف ألمها.
ثم همس أمام عينيها برقة أذابتها:
ــ مش حرام العيون دي تدمع، مالك بس يا ام الزين؟
ما إن ناداها بأم الزين حتى شهقت في بكاء مرير جعله واقف أمامها يشعر بالعجز الآن ويود جذبها بين أحضانه كي يشعرها بالأمان الذي جافاها.
ثم مد يده دون أن يخشى اي شئ وأزاح يدها من على عينيها الباكية ورفع وجهها إليه حتى استقرت عينيها داخل عينيه الزيتونتين مما جعلها تهتز بإثارة من اقترابه وهو يطمئنها:
ــ له مهتحملش بكاكي ولا اني اشوفك اكده ومقادرش اضمك لقلبي واخفف عنك واوريكي إن الدنيا لسه مليانة حب واحتواء وأعرفك إن قلبك جمييل ميستاهلش إلا كل جميييل.
تطلعت بمقلتيها الحمراويتين من البكاء وهي تشعر بأنها في أكثر وقت لاحتياجه الآن فهو أتاها في عز ضعفها في عز تشتتها.
فأكمل هو:
ــ كفاياكي دموع وقولي لي جرى ايه خلاكي هتبكي بشدة قوووي اكده؟
هدأت من شهقاتها ثم تمتمت بنبرة خافتة حزينة:
ــ اصل النهاردة كان عيد ميلاد زين وزيدان وكنت بجهز للاحتفال باليوم دي من قبلها بيومين وكنت أعرف اي حاجة نفسهم فيها واكتبها أول بأول واجيبها لهم.
ثم ذرفت دموعها وهي تحاكيه عنهم مرة أخرى وهو يجلس أمامها على المكتب ويستمع إليها بإنصات شديد محبب إلى قلبه:
ــ كانوا روحي وقلبي والنفس اللي هتنفسه في أحضانهم بيكفيني وبيراضي قلبي عن أي وجع بس هما مشيوا ومبقاش ليا إلا الوجع، مشيوا وأخدوا وياهم ضحكتي وفرحتي وحياتي وحشة من غيرهم.
ابتسم لها مرددا بحنو:
ــ ياه يا مها قد اكده كنتي أم عظيمة وبتهتمي بيهم وهتحبيهم اكتر من نفسك لدرجة ان عيونك مليانة دموع لحد دلوك على فراقهم!
مررت لسانها علي شفتيها من جفاف حلقها ثم تحدثت بعيناي تلتمع عشقاً لطفليها الراحلين:
ــ واكتر من اكده كمان أصلك متعرفش زين وزيدان دول كانو متربيين كيف، وكانو كيف النسمة مهتحسش بوجودهم، وكانو جمال في الشكل والأسلوب والتربية وكل حاجة حلوة كانت زين وزيدان.
ثم أكملت وقلبها ينبض بالوجع لفقدانهم:
ــ شكل ماتكون الدنيا حالفة ماتخليني اتهنى على اي حاجة حلوة ومهتسبليش غير الوحش كلاته.
تحدث بنبرة دعابية كي يخرجها من حالة الحزن الكئيب الذي اعتراها وهو يغمز لها بعينيه:
ــ طب ما داي سهلة خالص يا ام الزين ممكن ببساطة تجيبي زين وزيدان غيرهم في تسع اشهر بس انتي حني وارضي.
فتحت فاهها ببلاهة من وقاحته ثم أدارت وجهها للناحية الأخرى وهي تشعر بالخجل الشديد من وقاحته فجذب وجهها مرة أخرى وشاكسها مزيداً:
ــ له مش وقت كسوف خالص إحنا لسه بنقول يا هادي تقومي تتداري عيونك عني وتخلي الدنيا تضلم يا أم الزين.
تطلعت لعينيه بخجل ثم تحمحمت باستفسار:
ــ اممم.. انت تقصد ايه بكلامك أصل انت غريب وطريقة كلامك دايما متلغزة يامتر؟
غمز اليها مرة أخرى وأكمل مشاكستها بنبرة دعابية:
ــ لااا واني بقول عنك كلك فهم يا أم الزين، هي كلمة نجيب زين وزيدان تانيبن في تسع شهور بس محتاجة استغراب واندهاش وعقل يروح ويجي ودراسة جدوى يعني وحوارات؟
وأكمل وهو يجبرها على النظر داخل عينيه:
ــ دي حاجات ومحتاجات بتتحس، إلا بصحيح انتِ محستهاش يابطل؟
شهقت بشدة شهقة عالية ثم تحدثت:
ــ هاااااااا انت بتقول يامتر هي وصلت لبطل كمان؟
ــ مالها بطل هو إنتِ اول مرة تسمعي الكلمة دي ولا ايه…
كلمات مشاغبة نطقها وهو مازال مكملا بطريقته الساحرة التي حبست أنفاسها في اقترابه ووقاحته وغزله المختلف التي أول مرة تسمعه.
ثم قام من أمامها وقد تيقن أنه أخرجها من حالة الحزن التي اعترتها وهو يردد:
ــ طب كفاية عليكي اكده النهاردة علشان خدودك احمروا على الآخر واني خايف عليهم يولعـ.ـوا كفاية الولـ.ـعة اللي أني حاسس بيها مش هنوبقي احنا الاتنين اصل اني هخاف عليكي قووي ياحب.
ما زالت تنظر إليه ببلاهة فهو بدأ يصارحها بمشاعره بطريقة مباشرة وانتقل من تخبئتة المشاعر إلي وضحها مما جعلها تجرب احساس لن تلقاه طيلة عمرها مما جعل النابض داخلها تعلوا دقاته حتى أنه ردد قبل أن يغلق الباب بنفس المشاكسة:
ــ شفتي روقت عليكي في ثانية وخليت صوت قلبك طالع وبيسمع حتى المكتب الخشب اللي هتقعدي عليه علشان تعرفي بس إنك بطل.
أنهي غزله به وأغلق الباب وتركها تتخبط بمشاعرها من تحوله المفاجئ وكلامه الهائم به الممتزج بوقاحة الغزل الذي لم تسمعه أذناها يوماً من الأيام وتبدلت لحظات الحزن الي لحظات من الهيام من كلام ذاك الجاسر لحظات جعلت قلبها يخفق داخلها ويطالبه بالمزيد والمزيد، تريد أن تسمع منه كثيراً وتتشبع أذناها بما لم تطرب به يوماً من الأيام، تريد أسبابه الملفقة وعلاته الكثيرة والكثيرة كي يختلق احاديث معها ويدق القلب بمشاعر المحبين الذي لم يتذوقها قبل ذاك، شعرت الآن بالهدوء بعد اللحظات التعيسة التي فكرت بها وجالت بخاطرها ثم أسندت رأسها على الكرسي وعلامات الاستمتاع بحديثه الخاص بها بدت على معالمها ثم أغمضت عينيها بانتشاء ووجهها يتبسم بحالمية وعقلها يعيد كلماته لها كثيراً فما أجمل حديث المحبين العاشقين للمتلهفين المحرومين!
حديث يشعرنا باللذة والمتعة.
*******************
في منزل ماهر الريان ليلا كان يستند على الشزلونج ومتكئا عليه باسترخاء وهو يفكر في معشوقة روحه التي قلبت حياته رأساً على عقب وهو يشعر بالإنهاك منها ومن جنونها التي تفعله به.
ثم جال بباله أن يهاتفها فالتقط هاتفه وقام بالاتصال عليها عبر الماسنجر وانتظر ردها وبداخله ينتوى لها ويتوعد بالويلات إن لم تجيبه.
ثم أجابته فور اتصاله فردد هو بنبرة صوت أجش يليق به وهو يشاكسها:
ــ جدعة ياصغنن طلعتي بتسمعي الكلام أو خفتي من اللي كنت هعمله فيكي أيهما أقرب.
ضحكت بسخرية يصحبها الدعابة من كلامه ثم رددت بثقة:
ــ ها خوف مين يامتر انت عارف وواثق إني مهخافش غير من اللي خالقني فهخاف منك انت، ها دى بعدك إن رحمة المهدى تخاف من حد واصل.
قهقه عالياً من حديثها وثقتها بنفسها ثم قال وهو يمسك على عنادها كي يثير استفزازها:
ــ بس بقى بلاش كلمتين فاضيين دي انت اترعبتي مني امبارح من مجرد نظرة مرعبة بعد العك اللي عملتيه ونفذتي الأوامر في ثانية.
بالفعل استطاع استفزازها فهو يعشق الحديث المثير المملوء بالمشاغبة معها يشعره بأن صدره مثلج.
أما هي تحدثت بتهديد له ولم يهمها:
ــ لا هو انت متصل بيا علشان تقول الكلمتين دول وتتفرعن علي ولا ايه يامتر؟ إذا كان اكده عادي البلوك موجود وشيل دي من دي يرتاح دي عن دي.
ازداد غضبا من كلماتها ثم هدر بها:
ــ طب قسماً عظما يابنت سلطان إن ماظبطي لسانك دي معاي وبطلتي المناطحة الند بالند دي لاهخليكي تعيطي لمي لسانك يارحمة واعرفي انك هتتحدتي ويا جوزك اللي بإذن الله لما تاجي بيته هيقص لك لسانك دي.
ضحكت بانتشاء فقد استطاعت استفزازه كما فعل ثم قالت:
ــ والله انت اللي حضرت العفريت فاستحمل بقي يامتر هو انت مفكر هتهددني وتعاملني بالطريقة داي وهسكت لاااا دي عندها.
ابتسم بتسلية لشراستها وتمردها ثم هتف بوقاحة وهو يغير مجرى الحديث:
ــ طب بقول لك ايه يارحمتي سيبك بقي من الحوارات داي، هو انتِ رميتي قلم الروج الأحمر اللي كنتي حطاه على شفايفك اخر مرة اتقابلنا؟
اندهشت من استفساره ولكنها أجابته بصدق:
ــ له مهرميهوش ياماهر حاجتي اني بعتز بيها جدا.
رفع حاجبه الأيسر هاتفاً باستمتاع:
ــ طب مترميهوش هاتيه معاكي ضمن حاجتك الشخصية علشان حبيته عليكي ولونه مثير وجذاب.
شهقت بخجل من تصريحاته وعقلها لم يصدق ماتفوه به ماهر الريان وهي تبعد الهاتف عن أذنها وهي تنظر إليه ببلاهة ثم تمتمت بنبرة ذهولية خافتة:
ــ اممم انت بتقول ايه هو انت ماهر اللي هتتحدت وياي ولا انت مين بالظبط.
ابتسم بتسلية من ذهولها ثم هتف مشاغبا إياها:
ــ هو انتِ مش مرتي وفرحنا كمان يومين فيها ايه لما اقول اللي يحلالي، دي اني اقول واعمل كمان يارحمتي.
ــ هااااااا تعمل ايه ياماهر ايه الطريقة دي انت شارب حاجة؟
قالتها رحمة وهي ما زالت مندهشة من كلامه الوقح وعبثه معها ثم عقب هو:
ــ رحمتي افتحي الفيديو حالا عايز اكلم كلامنا صوت وصورة.
يتبع…
رواية من نبض الوجع عشت غرامي الفصل التاسع 9 - بقلم فاطيما يوسف
ابتسم بتسلية من ذهولها ثم هتف مشاغباً إياها:
ــ هو انتِ مش مرتي وفرحنا كمان يومين فيها ايه لما اقول اللي يحلالي، دي اني أقول وأعمل كمان يارحمتي.
ــ هااااااا تعمل ايه ياماهر؟ إيه الطريقة دي؟ انت شارب حاجة؟
قالتها رحمة وهي ما زالت مندهشة من كلامه الوقح وعبثه معها، ثم عقب هو:
ــ رحمتي افتحي الفيديو حالا، عايز أكلم كلامنا صوت وصورة.
اندهشت من طلبه الذي لأول مرة يطلبه منها، فاليوم زاد تعجبها منه كثيراً من طريقة كلامه ومن طلباته العجيبة التي ظهرت فجأة دون أي مقدمات، ثم تمتمت وهي تتلفت حولها كي ترى ما إذا سمعه أحداً أم لا:
ــ أفتحه كيف يعني؟ وليه؟
ثم أكملت حديثها بذهول تكاثر على ذهنها اليوم:
ــ إنت سخن ولا فيك حاجة يامتر النهاردة؟
ضحك بشدة من كلماتها وذهولها ثم أجابها وهو على نفس طريقة تسليته معها:
ــ كانك انتِ اللي سخنة والله، على فكرة آني جوزك لو انتِ هتنسي وكمان يومين فرحنا ياهانم، وافتحي الفيديو خلينا نتعرف أكتر ويوبقى في بينا لغة حوار نحاول نفك بيها التوتر اللي انتِ فيه قبل ما تدخلي العش برجلك ياحبيبي.
ــ عش دي إيه إن شاء الله؟ هو انت هتتجوز بطاية ولا إيه يامتر!
كلمات استنكارية نطقتها رحمة، وعقب عليها وهو يمرر لسانه بتسلية على شفتيه من حديثهم المختلف كلياً والذي أحبه بشدة:
ــ بذمتك في بطاية توبقي صغنونة وعاملة كيف العصاية أكده! له ياحبيبي البط لازم يوبقي ملفوف وكيرفي يملى العين.
رفعت حاجبها بغيظ وفهمت من كلماته أن جسدها النحيف لن يعجبه، وهتفت بنبرة حادة وهي تستنكر كلماته:
ــ لااا يابابا، اني قوامي قوام عارضات الأزياء والفنانات بيصرفوا ملايين علشان يبقوا في رشاقتي، بس اني بقي طبيعي والطبيعي يكسب.
ــ طب ماتفتحي الفيديو يارخمة علشان نعاين القوام الفتاك وندرس الأبعاد بطريقة الفور جي كمان.
كلمات عاشقة كناية عن الغزل نطقها ذاك الماهر، مما أخجلها وجعلها أطبقت على فمها، والى الآن استيعابها لطريقته تحت الصفر. لم يجد منها رداً على غزله لها، فهتف بعبث جعل القابع بين أضلعها يتخبط:
ــ لااا دي انتي عايزة دروس إعادة تأهيل وتدريب على حاجات كتير قووي يارحمتي، أولهم متاخديش وضع الصامت دي مهحبوش، عايز رد على كل حاجة والرد يكون فعل قبل القول، ثانياً عايزك تسيبي لي نفسك خالص علشان اعرف أتحكم براحتي لحد ما أتمكن، ووقتها هتاخدي على الموضوع خالص وهيوبقى حاجة رواق لقلبك وعقلك ياحبيبي.
دق قلبها بوتيرة سريعة داخلها، ثم تمتمت بنبرة خافتة مغلفة بالاندهاش الذي ما زالت عليه:
ــ إنت كنت اكده أصلاً ولا إنت سخن النهاردة ولا ماسك قضية صعبة مأثرة عليك؟
رفع حاجبه الأيسر ووجهه مبتسماً بمكر ونطق مجيباً إياها بكلمات صريحة:
ــ له اني اكده ياحبيبي من زمان، بس الحاجات داي ليها وقتها ومعادها وناسها، وانتِ دلوك بقيتي أساسها.
ثم على حين غرة أغلق الهاتف وأعاد رناته عليها مرة أخرى فيديو كول كي يضعها أمام الأمر الواقع، مما جعلها تتأفف من عناد ذاك الماهر وإصراره. ثم وضعت حجابها على رأسها ونظرت يميناً ويساراً كي ترى ما إذا كان أحدهم في الحديقة. ولم تجد، ففتحت المكالمة. وجدته مثبتاً الهاتف على الرينج لايت وسماعات الأذن في وجهه، ومستنداً على الشزلونج أمام حمام السباحة، وهو يرتدي بنطالاً باللون الأسود وتيشيرت قطني بنفس اللون، وأشعة الشمس منعكسة على وجهه مما زاده جمالاً أثارها. فابتلعت ريقها ما إن رأته.
أما هو، فما إن رآها أمامه بذاك التريننج المنزلي الذي ترتديه بلون اللافندر وأكمام بيضاء وحجابها الموضوع بإهمال على رأسها وبعض من خصلاتها الشاردة على جبينها، حتى غمز لها هاتفا بطريقة أخجلتها:
ــ ايه الألوانات الجامدة دي يارحمتي؟ انتِ أكده معايزاش فور جي، عايزة ميكروسكوب خماسي الأبعاد يستكشف كل حاجة عيون تطولها.
وأكمل عبثه بطريقة جعلت الخجل يرتسم كخريطة على وجهها:
ــ بصي ابقي كترى من اللافندر ده كتيير، وخاصة في لبس البيت. ها لبس البيت، فهماني؟
أدخلت خصلاتها الشاردة على وجهها بخجل من تصريحاته، ثم همست بخفوت وهي تنظر جانباً ولا تستطيع النظر داخل عينيه المتفحصتين لها:
ــ على فكرة بقي انت رخم قووي وبتكسفني.
أنهت كلماتها وأعادت النظر إليه، فباغتها بقبلة بين يديه وأرسلها إليها وكأنه يقذفها بها، مما جعلها تبتسم خجلاً واستقبلت قبلته الشفافة وضمتها إلى قلبها، مما أثار غريزته. فغمز لها بكلتا عينيه مردداً على طريقتها التي جعلت تفاحة آدم المنتفخة في حلقه تتأرجح صعوداً وهبوطاً:
ــ لااا دي إحنا طلعنا جامدين وأشقيا أهو، استمري على وضعك بقي يا بابا علشان عجبني النظام، نكمل عليه بقي ونحاول نتطور يارحمتي ولا إيه رأيك؟
عضت على شفتيها السفلى بخجل نال إعجابه، ثم أكمل:
ــ هو احنا مخطوبين لبعض بقي لنا أكتر من سنة وكاتبين الكتاب زيادة عن أربع شهور، ليه مكناش بنتكلم فيديو صوت وصورة؟ دي طلع الموضوع حلو قووي ولذيذ وله متعة خاصة. إلا قولي لي انتِ هتحسي دلوك انك مستمتعة واحنا هنتحدت فيديو يارحمتي؟
ابتسمت ابتسامة عذبة أثلجت صدره، ثم أجابته برقة وقد راق لها تدلله وعبثه معها:
ــ أقول لك الحق؛ مبسوطة قووي إنك هتتعامل وياي اني حبيبتك وروحك واني بالنسبة لك الدنيا وما فيها. كلامك ومشاغبتك ليا دايماً شاغلني ومخليني عايزة أشوفك وأكلمك كل وقت، أنا بقيت بحس اني مقدرش أعمل حاجة ولا أتحرك خطوة بدون ماتكون انت فيها.
كانت عيناه تنظر إلى فمها المتحدث بهيام، وهي تتجول على ملامحها تتشبع منها، فتارة ينظر إلى عينيها وتارة إلى شفتيها. وتارة أذناه تتعمق في معسول كلامها لذاته. لقد أهلكت قلبه وعقله وأيضاً جسده الذي يود أن يخترق ذاك الهاتف الفاصل بينهما ويجذبها من يدها ويسحقها بين أحضان الحب والغرام. فتلك الصغيرة سلبت لبه. ثم تحدث بنبرة صوت هائمة:
ــ يوه عليكي يابت سلطان، بدلتي الحجر الصوان لعاشق متلهف لضمتك. صغيرة انتي بس حقيقي مهلكة قووي.
ثم أكمل وجال بخاطره استفساراً عن عرسهم:
ــ جهزتي كل حاجة الفرح واتفقتي مع الميكب ارتيست والفستان والحاجات داي ولا لساتك دماغك معاندة؟
تبسمت عينيها لاهتمامه بها، ثم حركت رأسها للأمام:
ــ أه حضرت كل حاجة، اختارت أصلاً الفستان أون لاين ورحت قيسته من يومين اني ومرت اخوي وكل حاجة تمام.
سألها باهتمام:
ــ طب مش نفسك في حاجة معينة أو فقرة نعملها في الفرح تكوني حباها؟
حركت رأسها للأمام بابتسامة عريضة وأجابته:
ــ أه حاجة مهمة قوووي هموت عليها.
ــ وه! وتموتي ليه يارحمة؟ أي حاجة هتطلبيها قولي عليها من غير كسوف، داي ليلة العمر حقك.
كلمات عاشقة نطقها ماهر، فعقبت عليها بعينين يملؤهما الشغف:
ــ عايزة عصام صاصا يغني في الفرح بتاعي.
رفع حاجبه الأيسر بذهول وردد باستنكار:
ــ عصام مين ياختي! مسمعتش عنه في طبق اليوم قبل أكده، داي اسمه بس بيقول أنه مش ولابد.
حركت رأسها برفض وهتفت بإقناع وهي تتشبث برأيها:
ــ مين دي اللي مسمعتش عنه؟ دي أشهر مطرب مهرجانات في الوطن العربي دلوك، ومليش صالح لازم تجيبه لي.
جز على أسنانه بضيق من تشبثها ليقول باستنكار:
ــ انتِ عايزة ماهر الريان يروح يجيب واحد اسمه صاصا في فرحي وأني كمان اللي أكلمه! دي إنتي دماغك هبت منك ياهانم وغاوية تعجزيني بطلباتك وتنكدي علينا.
ارتعب داخلها من ضيقه وغضبه، ثم تحمحمت وهي تبدي رأيها:
ــ أمم متكلمهوش انت، أحاول أوصلهم اني علشان متتضايقش.
نفخ بضيق أرعبها ثم هدر بها:
ــ رحمة متخنقنيش ياهانم واظبطي كلامك، صاصا مين ده اللي عايزة تكلميه؟ مركب قرون اني علشان تتفقي مع رجالة على فرحك وكمان واحد زي دي!
تأفأفت بضيق هي الأخرى من تحكماته في وجهة نظرها، ثم نطقت بغيظ:
ــ والله بقيت بحس اننا مقرور علينا والعين راشقة فينا كد أكده. هو أني بقول لك هروح أطلب يده ياماهر علشان تتعصب علي قووي أكده! ولا هخرج أفسح وياه، وبعدين ده أشهر نجم مهرجانات في الوطن العربي مش قاعد على الوايتر هو يتكلم مع اللي بيحجزوا.
ما زال الضيق يسيطر على أعصابه، فبمجرد سماع اسمه الغريب انقلبت معالمه الفرحة إلى حزينة، ثم تحدث بنبرة متشبثة:
ــ لااا والله مايحصل الكائن دي ياجي فرحنا ويحيي ليلتنا. وبعدين هو مش النجم آدم المنسي يوبقى قريبكم؟ خليه ياجي راقي ومحترم وحاجة تليق بينا.
ابتسمت بسخرية يصحبها الدعابة وهي تردد:
ــ والله! إنت عارف آدم في فرح يعني إيه! دي فنان كبير والفيزيتا بتاعته فوق يامتر في العالي.
واسترسلت حديثها بعينين تلتمع بشقاوة:
ــ أما صاصا الفيزيتا بتاعته متاجيش نصه وكمان هيشعلل الفرح.
ــ والله انتِ اللي قاصدة تشعلليني وتموتيني ناقص عمر يامجنونة انتِ! حد طلب منك انك تتكلمي في الفلوس أصلاً! دي انتِ عيونك هتلمع وهتتنطط من الفرحة وانتي هتقولي اسمه….
جملة استنكارية نطقها ماهر وهو يكاد يصاب بالجنون من تلك الصغيرة، ثم أكمل بإنهاء المناقشة:
ــ بصي متحاوليش لاني مش هجيبه نهائي، فبلاش نطول في الحوارات وترجعي تعيطي وتقولي بتعيطني وبتزعلني وانتِ اللي هتنكشي الزعل بالحوارات بتاعتك داي.
زمت شفتيها بامتعاض وتحدثت وهي تشعر بالغيظ الشديد منه:
ــ طب خليك انت فاكر انك رفضت تنفذ لي طلب هتجنن عليه في ليلة العمر وانت اللي هتزعلني بردو.
خلل أصابعه بين خصلات شعره، ثم جلب الهاتف وبحث عنه على جوجل وهو يسألها عن اسمه الذي نسيه في لحظة. وما إن جائت نتيجة البحث حتى تسمرت عيناه بذهول أدهشها من نظراته المتفحصة لصفحات جوجل، ثم وجه الهاتف في وجهها هاتفاً بنبرة ساخرة:
ــ بقي عايزة تجيبي واحد يشعلل لك الفرح وهو مسجون على ذمة قضية قتل! قسماً بالله انك هتجلطيني ياشيخة.
واسترسل حديثه بنبرة ساخرة وهو يتذكر كلماتها:
ــ قال أشهر مغني مهرجانات في الوطن العربي، تاتك خيبة يارحمة، سكي بقي على الحوار ومش هياجي الفرح غير آدم فقط لاغير.
ثم أبدل نظراته الساخرة الغاضبة إلى أخرى عابثة وهو يرى تزمتها بعينين يملؤها الشغف:
ــ بس مقلتليش إيه أخبار الروج الأحمر؟ أخدتيني في الكلام على اسمه إيه دي ونسيت أكمل استفسارات عن الكلام المفيد.
قطعت كلماته مرددة بتعجب:
ــ هو الكلام عن الروج الأحمر مهم ومفيد في وجهة نظرك!
غمز لها بطريقة جعلت جسدها يتفتت خجلاً وهو يهتز بمشاعر الاحتياج:
ــ وه أمال إيه! انتِ لساتك صغيرة على الحاجات داي، ويومين بالظبط وهبدأ أديكي دروس تقوية في العلاقات العاطفية، بس انتِ ركزي علشان توبقي تلميذة شاطرة علشان تاخدي تقدير امتياز في حب ودوبان ماهر الريان.
ــ يووووه ياماهر انت بتكسفني بجد، بطل بقى طريقتك داي وياي، هو انت موركش غير انك تتحدت معاي بالطريقة داي واصل من ساعة ماكلمتك.
ــ الله مش عريس داخل على جواز وانتي العروسة، فلازمن يدرس الأبعاد ويستكشف يبدأ اللعب إزاي.
ــ هااااااااا، انت على فكرة سافل بقي ومتحرش كمان.
ــ وماله ياصغنن، هو أنا بتحرش بحد غريب؟ دي في حالتنا داي التحرش حلال قووي.
ــ طب لو هتفضل تتكلم أكده هقفل والله.
ــ ويرضيكي تقفلي وتسيبي المتر هيشيط من غير ماتحني وتطبطبي وتدلعي.
ــ والله أنا اللي محتاجة الدلع والطبطبة مش انت، هي الآية انقلبت.
ــ وأنا جاهز قووي وفي الدلع مقولكيش، بس انتِ اظبطي الأداء وهتلاقي نفسك طايرة في السما يارحمتي.
ــ والله انت كل يوم هتسحبني لحدك بكلامك دي ومعرفاش هوصل وياك لحد إنهي شط يابن الريان.
ــ سبيلي نفسك يابت المهدي وملكيش صالح، واني سباح ماهر هيوصل لك لشط الغرام اللي هتدوبي فيه.
ــ رحمتي.
ــ اممممم.
ــ بحبك وهحبك ونفسي قلبي بقي يضم قلبك.
ــ وأني كمان هحبك ياماهر ونفسي ربنا يجمعنا على بعض واليومين دول يعدوا على خير.
ــ هيعدوا يابابا وهتوبقى اجمل عروسة في الدنيا بحالها.
***
في منزل حافظ الهنداوي، يجلس يستشيط من الغضب من أفعال ابنة أخيه. فبعد أن أعلن عن زواج ابنه منها وبدأ مراسم كتب الكتاب، هربت يوم كتابها وجعلته يقف عارياً أمام المدعوين ولم يعرف بما يجيبهم. جعلت سيرته على ألسنة الجميع بالعروس التي هربت ورفضت الزواج من ابن المحافظ.
ثم هتفت زوجته والغيظ يرتسم على معالمها:
ــ البت دي كسفتنا وحرجتنا قدام الناس وخلتنا ما نسواش قدامهم تعريفة، لازم تجيبها وترميها تحت رجلي هنا وتعرف أن الله حق علشان الحركة اللي عملتها دي وكسرت بقلب ابني يوم كتب كتابهم، ومن يومها يا حبيبي وهو ما بيخرجش من أوضته بعد ما وعدناه أنه هيتجوزها وهيلاقي واحدة تعيش معاه.
كان الآخر مغتاظاً وبشدة، ثم هتف بوعيد:
ــ ومين قال لك أن أنا هسيبها؟ ده أنا هخليها تندم على اليوم اللي فكرت فيه تعمل الحركة دي، بس المشكلة أنها مع محامي عقر ومش شوية في البلد اللي هو فيها، وكمان صعيدي يعني لو رحت لحد هناك برجلي هبقى بجيب لنفسي المشاكل لأنه راجل مش سهل خالص، بس فيه خطة في دماغي هحاول أعملها وأجيب البنت دي هنا تحت رجلي وأنسيها دلع أبوها وأعلمها الأدب اللي ما تعلمتهوش في عمرها كله.
سألته باستكشاف وفضول:
ــ خطة إيه يا حافظ؟ ما ترسيني على الدور علشان خاطر أبقى عارفة كل حاجة وما أبقاش زي الأطرش في الزفة؟
ضرب بقبضة يده على الأخرى، ثم أجابها:
ــ الناس اللي أنا مكلفهم يراقبوا المحامي ده ويعرفوا عنه كل حاجة جابوا لي اخباره أن فرحه كمان يومين، فأنا هستغل اليوم ده وهجيب البت دي. هو هيكون مشغول في فرحه ومش فاضي يبص لها ولا هيعرف ياخدها من تحت ايدي، ونبقى نشوف بقى هيعمل إيه لما يعرف أنها جت هنا في منطقتي، يبقى يجي بقى ووقتها هو الجاني على نفسه.
ابتسمت لخطته ونالت استحسانها، ثم هتفت بتشجيع له:
ــ برافو عليك يا حافظ، دماغك بتعجبني قوي، لسه زي ما هي شغالة في السليم. أقوم بقى أطمن ابني أن هي هترجع له تاني تحت رجله وأخليه يفرح.
أمسكها من يدها ومنعها من التحرك قائلاً بنصح:
ــ اصبري ما تبقيش متسرعة وتزعلي الولد تاني بعد ما عشمناه المرة اللي فاتت، لما كل حاجة تتم في السليم وتيجي هنا قدامه ساعتها هيطمن بالفعل مش بالقول، خلينا نظبطها الأول وارتب مع الرجالة وفي الآخر يحلها الحلال. في التأني السلامة يا بيبي.
حركت رأسها للأمام واقتنعت برأيه تماماً، ثم تحدثت بنبرة يملؤها الشماتة:
ــ حلو قوي، مش هتكلم ولا حد هيعرف أي حاجة، بس بليز يا حافظ خلي بالك وانت بتنفذ الحوار ده مش عايزين حاجة تبقى غلط في الموضوع.
وظل كلاهما يتحدثان بنبرة يملؤها الشر في كيفية التعامل مع تلك الشمس حين رجوعها إلى منزلهم وإجبارها على الزواج من ابنهم المعوق، وهم يرون أنهم على حق ويتهمونها بالتسيب. ولكن هل يستطيع حافظ إخراج تلك الشمس من براثن ماهر الريان؟ فلنرى ماذا سيحدث؟
*****
في كافيه مشهور بمدينة قنا، يجلس جاسر ومعه ذاك الموكل في غداء عمل ويتحدثون في قضيته منذ ساعة. وكانت تحضر ذاك الغداء مها، فهي السكرتارية الخاصة به، ونوعاً ما لابد أن تحضر معه بعض المقابلات، أو بالأحرى هو من يجعلها تخرج معه كي يراها في كل وقته وكي يجعلها تخرج من دوامة الماضي برؤية أناسٍ كثيرين وتغيير الأماكن كنوع من الرفاهية.
انتهى جاسر من الحديث مع موكله، ثم استأذن كي يغادر ومد يده لجاسر وتبادل معه السلام، ثم مد يده كي يسلم على مها هي الأخرى وهو يردد بابتسامة جعلت ذاك جاسر يقف مغتاظاً:
ــ سعيد جداً أني اتعرفت عليكي، وأتمنى نشوف بعض تاني.
بادرت مها بمد يدها كي تبادله سلامه، ولكن سبقها جاسر وهو يسلم عنها بابتسامة سمجة لذاك البارد في وجهة نظره قائلاً بتبرير:
ــ الشرف لينا ياباشا، معلش أصل الأستاذة مش بتسلم وموكلاني من أول يوم اشتغلت معايا فيه أنها مهتسلمش على رجالة واصل.
أعادت مها يدها سريعاً وتمسكت بحقيبتها حرجا، وأدارت وجهها للناحية الأخرى حتى يمشي ذاك الرجل الذي تحدث لجاسر مستأذناً بخجل وهو يشعر بانجذاب تجاه تلك المها بخجلها وأدبها:
ــ أه تمام، على معادنا يامتر في المحكمة وخلي بالك مني.
ابتسم جاسر بابتسامة باردة، ثم طمأنه:
ــ متقلقش ياباشا، كله هيوبقى زين، وبالنسبة للمواعيد مهتلاقيش أكتر مني التزام.
كان ذاك الموكل عيناه تجول ناحية مها التي جلست تقلب في صفحات هاتفها كي تشغل حالها ولم تركز معهم، مما أثار حفيظة جاسر. فتحرك خطوتين حتى وقف أمامها ومنع رؤيتها عن ذاك الأبله الذي لم يبالي بحركة جاسر في حجب رؤيتها عنه، حتى استأذن وغادر المكان.
أما جاسر، فور تأكده من مغادرة موكله، استدار بجسده إليها وهو يشعر بنيران الغيرة تأكل في صدره، ثم ضرب على المنضدة بحدة أذهلتها وفي نفس الوقت أرعبتها وهو يهدر بها:
ــ انتِ ازاي يا أستاذة كان عِندك نية تمدي يدك وتسلمي على السمج البارد دي؟ هو أنا طرطور ولا حاجة علشان تعملي اكده؟
تطلعت بمقلتيها بذهول لذاك المستشاط ولم تدرك سبب حدته تلك إلى الآن، ثم سألته بنبرة هادئة كعادتها دون أن تتعصب:
ــ ممكن تقعد ونتكلم وأعرف جرى إيه لعصبيتك داي وصوتك العالي وحدتك معاي في الكلام؟ حاصل إيه لدي كلاته؟
جلس مكانه وهو يعبث في جاكيت حلته بزهق، ثم أجابها صريحاً:
ــ فيها أنك مينفعش تمدي يدك وتسلمي على راجل غريب عنك، وكمان واني واقف وياكي دي. أني معملتهاش لحد دلوك تقومي تمدي يدك للسمج دي؟
تحدثت بهدوء كي تفهمه مقصدها وما زالت تحتفظ برقيها في الحديث معه:
ــ طب ماهو اللي مد يده هكسفه يعني! من الذوق أني أسلم عليه بكل هدوء وخلاص.
ــ أه دي عندها بقي يا أستاذة…
جملة اعتراضية نطقها جاسر، وعقب عليها بتحذير قاطع:
ــ الذوق ده تبليه وتشربي مايته، أو من الأحسن تروحي تدفنيه وتخلصي منه علشان ميمشيش معايا خالص، مليش في التحضر بتاع اليومين دول أصل أني راجل دقة قديمة قوووي.
تهجمت ملامحها بامتعاض من كلماته وأوامره وكأنها زوجته أو أخته وليست مجرد عاملة معه، ثم سألته بنبرة جادة:
ــ طب معلش يامتر دي بمناسبة إيه يمشي معاك ولا ميمشيش علشان تستدعي دي كلاته؟ ممكن تفهمني لو سمحت؟
ابتلع غصته بروح منهكة من استفسارها، ثم اعترف لها صريحاً دون لف كي يريح قلبه ويعرف مشاعرها تجاهه قبل أن يجذبها أحدهم:
ــ بمناسبة أني راجل بغير وبغير جداً كمان، ولازم تراعي نقطة زي دي، ولا تتكلمي مع راجل ولا يدك تلمس يد راجل حتى لو بالسلام من باب الذوق.
تطلعت بمقلتيه لتتحدث بنبرة تائهة ودقات قلبها تنفض داخلها من تلك الكلمات التي لأول مرة تسمعها، مع تنهيدة حارة خرجت من صدرها:
ــ بتغير عليا بردو كيف؟ مفهمش يامتر؟
لـوهـلـة غَـاص فـي عـيـنـيـهـا وفـي مـلامـحـهـا الـجـمـيـلـة، لـوهـلـة أخـذه فـؤاده لـشـعـور أن يغمرها بين يديه ويعترف لها بعشقه لها. ثم استجمع شتاته وانطلق الاعتراف صريحاً من على لسانه:
ــ واللي هيغير يا أم الزين على حد قوووي توبقى معناها إيه الغيرة داي؟ يمكن علشان هحبك، وكل لما اجي المكتب محبش إن يومي ينتهي والدقيقة الأخيرة تطول من عمري وعمرك علشان متسبنيش وتمشي.
واسترسل حديثه باستفسار وهو مازال يتعمق النظر ببحر عينيها العسليتين:
ــ هو انتِ قلبك محسش بقلبي وبحبي لحد دلوك يا ام الزين؟
تعـلـقـت عـيـنـاهـا بـه بـنـظـرة ضـائـعـة أرجـفـت ذلـك الـقـابـع بـيـن أضـلـعـه، ثـم بـلـلـت حـلـقـهـا الـذي جـف مـن كـثـرة خـجـلـهـا وخـوفـهـا وعـدة مـن الـمـشـاعـر الـمـتـضـاربـة داخـلـهـا، ثـم هـتـفـت بـنـبـرة ضـائـعـة مـشـتـتـة:
ــ أنـي مـنـفـعـكـش يـا جـاسـر، انـت لـسـه الـدنـيـا قـدامـك تـاخـتـار مـنـهـا الـلـي تـنـاسـبـك وتـسـتـحـق تـوبـقـى مـعـاك، أمـا أنـي مـجـرد واحـدة عـايـشـة وخـلاص بـتـقـضـي أيـامـهـا ولـيـالـيـهـا بـقـلـب مـ.ـيـت.
حـرك رأسه رافضاً بقطع مـاتـقـول، ثـم أعـلـمـهـا بـنـبـرة واثـقـة:
ــ مـيـن قـال إنـك مـتـنـفـعـنـيـش! بـنـيـتـي احـسـاسـك وحـكـمـك دي عـلـى أي أسـاس؟ هـو الـقـلـب اخـتـارك انـتِ وأمـور الـقـلـوب مـلـنـاش يـد فـيـهـا، وبـعـد يـن لـيـه هـتـسـتـكـتـرنـي عـلـيـكـي؟ انـتـي مـيـنـقـصـكـيـش اي شـئ عـن أي سـت، وبـالـعـكـس أنـي حـاسـس أنـنـا شـبـه بـعـضـنـا قـوووي، نـفـس الـهـدوء نـفـس الـرزانـة فـي الأمـور، فـنـدي لـبـعـض فـرصـة نـتـعـرف أكـتـر وكـل طـرف فـيـنـا يـدرس الـتـانـي عـن قـرب مـن قـبـل مـا تـحـكـمـي.
رفـعـت جـفـونـهـا بـبـطـء، ثـم قـالـت بـنـبـرة بـائـسـة:
ــ صـدقـنـي يـا جـاسـر، أنـا مـنـفـعـش أكـون مـعـاك ولا مـع غـيـرك، ولا انـفـع اربـط انـسـان بـيـا عـشـان أنـا جـوايا حـطـام وعـنـدي تـفـاصـيـل وجـع تـكـفـي الـدنـيـا بـحـالـهـا.
واسترسلت حديثها وقد تعمقت عينيها بالنظر داخل عينيه كثيراً وهي تبتلع ريقها:
ــ مـنـكـرش أنـي حـسـيـت مـعـاك مـشـاعـر عـمـري كـسـت وكـأنـثـى عـشـتـهـا مـع غـيـرك، حـسـسـتـنـي انـي كـسـت مـتـشـافـة ومـهـمـة بـكـل الـمـواقف الـلـي هـتـعـمـلـهـا مـعـاي وبـكـل كـلامـك الـجـمـيـل الـلـي يـجـذب أي سـت، بـس صـدقـنـي أنـا وأنـت مـنـنـفـعـش مـع بـعـض. لازم تـاخـتـار واحـدة انـت اول راجل فـي حـيـاتـهـا مـحـدش داقـهـا غـيـرك ولا كـشـف تـفـاصـيـلـهـا الـحـلـوة غـيـرك، تـعـيـش مـعـاهـا تـفـاصـيـل الـبـدايـات الـحـلـوة الـلـي تـبـسـط اي راجل.
دق على المنضدة بأطراف أصابعه والتوتر أصبح سيد الموقف بينهم، ولكنه لم يقتنع بأي من كلماتها وما تفوهت به الآن هراء بالنسبة له، ثم رد على كلامها بنبرة متشبثة بها بوجودها بجانبه:
ــ لـيـه مـصـمـمـة تـقـفـلـيـهـا يـامـه! لـحـظـات الـسـعـادة بـيـن أي راجـل وست مـلـهـاش عـلاقـة بـالـتـجـارب ولا الـزمـان ولا الـمـكـان.
ثم أشار ناحية قلبه بقبضة يده مكملاً بإصرار لخوض التجربة وهو على ثقة في نجاحها:
ــ طـالـمـا الـقـلـب ده عـشـق يـوبـقـى كـل حـاجـة لـيـهـا حـل وحـكـايـة الأحـاسـيـس والـمـشـاعـر بـتـاعـت الـبـدايـات الـلـي هـتـقـولـي عـلـيـهـا دي مـتـفـرقـش مـعـايـا خـالـص، كـل الـلـي يـفـرق مـعـايـا انـك تـحـبـيـنـي زي مـا حـبـك، تـتـمـنـي قـربـي ووجـودي فـي حـضـنـك زي مـا هـتـمـنـي.
تـغـلـغـل الـشـعـور بـالـفـقـدان داخـلـهـا مـا إن ذكـرهـا بـكـلـمـة "الـحـضـن". فـطـالـمـا عـاشـت امـرأة مـتـزوجـة مـايـقـرب مـن عـشـرة سـنـوات لـم تـعـرف مـعـنـى الـحـضـن، مـعـنـى الـدفـئ، مـعـنـى الاحـتـواء. لـم تـعـرف فـي تـلـك الـسـنـيـن غـيـر الـجـفـاء، غـيـر الـشـعـور بـالـحـرمـان مـن اي احـسـاس ومـشـاعـر مـن حـقـهـا كـأنـثـى. ولـلـعـجـب أن لـحـظـات الـبـدايـات الـتـي قـالـت عـنـهـا لـجـاسـر سـتـجـعـلـه يـحـيـاهـا مـعـهـا بـشـراهـة، فـلـم تـجـربـهـا مـن قـبـل. لـم تـجـرب شـعـور الاحـتـواء بـيـن أحـضـان رجـل بـالـرغـم مـن سـنـوات زواجـهـا. ولـكـنـهـا تـقـول لـه أيـة أسـبـاب كـي تـجـعـلـه يـبـتـعـد عـنـهـا لـمـا اقـتـرفـتـه فـي حـق ربـهـا. ولـكـن أيـهـا الـمـهـا الـى مـتـى سـتـعـاقـبـيـن حـالـك! لـقـد حـرمـتـي مـن كـونـك انـثـى سـنـوات لأجـل الاحـسـاس بـجـريـمـتـك؟ الـى مـتـى سـتـقـحـمـيـن حـالـك داخـل دوامـة الـمـاضـي الالـيـم وتـعـاقـبـيـنـهـا عـلـى ان نـفـسـك مـا زالـت حـيـة تـتـنـفـس عـلـى قـيـد الـحـيـاة؟
لاحـظ شـرودها، تـخـبـطـهـا، وجـعـهـا، تـيـهـهـا، فـأكـد لـهـا أنـه يـفـهـم ذلـك بـل ويـعـيـه بـشـدة:
ــ طـبـيـعـي الـتـخـبـط والـتـيـهـة والـخـنـاقـات الـكـثـيـرة الـلـي جـواكـي دلـوك مـابـيـن الـحـاضـر والـمـاضـي والـمـسـتـقـبـل. طـبـيـعـي انـك تـخـافـي تـتـقـدمـي خـطـوة أو انـك تـدي قـلـبـك مـن جـديـد لـتـجـربـة جـديـدة وتـتـوجـعـي تـانـي. بـس مـيـن فـيـنـا بـيـعـيـش لـحـظـات الـسـعـادة كـامـلـة! مـيـن فـيـنـا مـش بـيـجـي لـه اوقـات بـيـحـس انـه مـحـطـم وانـه كـاره نـفـسـه و كـاره الـدنـيـا وان الـنـاس كـلـهـا وحـشـة وان الـدنـيـا اضـيـق مـن خـرم الابـرة فـي عـنـيـه. و بـعـد يـن لـمـا يـهـدي و يـفـكـر هـنـلاقـي نـفـحـات ربـنـا بـيـبـعـتـهـا لـنـا تـحـسـسـنـا ان زي مـا فـيـه نـاس حـوالـيـنـا وحـشـيـن فـيـه كـتـيـر قـوووي حـلـويـن. وزي مـا تـجـربـة فـشـلـت نـنـسـاهـا ونـعـيـش غـيـرهـا وربـنـا يـبـارك فـيـهـا.
واسـتـرسـل حـديـثـه بـنـبـرة راجـيـة:
ــ هـا ايـه رأيـك فـي كـلامـي مـش نـنـسـي بـقـي الـلـي فـات مـن حـيـاتـك وحـيـاتـي ولا انـي عـايـز اعـرف عـنـيـهـا شـئ ولا انـتـي تـعـرفـي عـن حـيـاتـي الـقـديـمـة شـئ ونـدفـن الـمـاضـي تـحـت الـتـراب ونـعـيـش ولاد الـنـهـاردة بـمـشـاعـر اتـولـدت جـديـدة عـلـى يـدنـا احنا الاتـنـيـن بـشـخـصـيـة مـهـا الـجـديـدة؟
اقتنعت باقتراحه نوعاً ما، ثم نطقت بخوف:
ــ بـس حـاسـة بـخـوف ورهـبـة يـا جـاسـر مـن الـتـجـربـة.
تـفـحـص شـفـاهـا الـتـي نـطـقـت اسـمـه بـذاك الـهـمـس الـررقـيـق، رغـم خـوفـهـا، فـأراد ان يـخـرجـهـا مـن دوامـة الـخـوف مـردداً بـدعـابـة اخـجـلـتـهـا وهـو يـسـبـل كـلـتـا عـيـنـيـه لـهـا:
ــ يـووه عـلـى جـاسـر وسـنـيـنـه يـا ام الـزيـن، كـمـان مـرة وهـشـدك مـن يـدك وعـلـى الـمـأذون طـوالـي تـكـتـب الـكـتـاب ونـعـلـي الـجـواب والامـيـرة تـسـكـن احـضـان الامـيـر بـتـاعـهـا واول مـاتـسـكـن احـضـانـهـا جـوة مـديـنـة عـشـقـه هـتـسـتـكـيـن والـقـلـب يـرتـاح.
ثـم اكـمـل بـمـشـاكـسـة وهـو يـغـمـز لـهـا بـكـلـتـا عـيـنـيـه:
ــ بـس الـعـواصـف الـعـاطـفـيـة هـتـشـعـلـلل وووقـتـهـا هـيـاجـي دورك بـقـي عـشـان تـطـفـيـهـا و تـهـدي الـنـار يـا بـطـل.
ابـتـسـمـت بـرقـة مـصـاحـبـة لـلـخـجـل مـن مـشـاكـسـتـهـا لـهـا، ثـم هـتـفـت وهـي تـنـظـر جـانـبـاً:
ــ يـووه انـت يـادي بـطـل الـلـي كـل شـويـة هـتـنـادنـي بـيـهـا، والـلـه انـت واخـد فـيـا مـقـلـب.
بـنـفـس طـريـقـتـه الـدعـابـيـة أكـد لـهـا:
ــ طـب مـا تـيـجـي ابـحـث واكـتـشـف بـنـفـسـي الـمـقـلـب الـجـامـد بـالـقـووي الـلـي هـتـقـولـي عـلـيـه، وووقـتـهـا هـطـلـب مـنـكـي مـقـالـب مـالـهـاش اخـر يـا أم الـزيـن.
ضـحـكـت بـشـدة عـلـى طـريـقـتـه ومـلامـح وجـهـه فـي الـحـديـث مـعـهـا الـتـي تـشـعـرهـا بـعـدم الـمـلـل وأنـهـا تـريـد الـمـزيـد والـمـزيـد، ولـكـنـهـا شـعـرت أنـهـا تـأخـرت كـثـيـراً، فـنـظـرت فـي سـاعـتـهـا، ثـم وجـهـت انـظـارهـا الـيـه قـائـلـة:
ــ عـلـى فـكـرة الـوقـت سـرقـنـا و انـي اكـده اتـاخـرت ومـاجـدة هـتـخـلـيـنـي اقـعـد مـن الـشـغـل خـالـص.
حـمـل مـفـاتـيـحـه وقـام عـلـى الـفـور آمـراً ايـاهـا:
ــ لـه وعـلـى ايـه كـل الا زعـل جـدة الـعـيـال و تـقـعـدك مـن الـشـغـل و احـتـاس انـي، قـومـي يـالا اركـبـي عـربـيـتـك و نـتـحـرك حـالـا.
هـتـفـت انـدهـاشـاً:
ــ جـدة الـعـيـال مـيـن؟ انـت عـلـيـك كـلام…
قـبـل ان تـكـمـل، غـمـز لـهـا:
ــ يـد'وخ صـح، ويـجـنـن ويـخـلـيـكـي مـش عـايـزة تـمـشـي وتـفـارقـيـنـي يـا أم الـزيـن؟
حـمـلـت حـقـيـبـتـهـا وهـاتـفـهـا، ثـم قـالـت:
ــ لااا دي انـت لـو قـعـدت شـويـة كـمـان مـعـاك هـتـجـبـلـي تـروما مـن كـلامـك الـغـريـب دي يـامـتـر.
ضـحـكـا كـلاهـمـا بـشـغـف بـقـلـوب تـتـفـتـح مـن جـديـد لـحـيـاة يـتـمـنـوا ان تـكـون الا افـضـل عـلـى الاطـلاق كـي تـنـسـيـهـم ايـامـا مـريـرة عـاشـوهـا فـي تـجـاربـهـم الـفـائـتـة. ولـكـن مـاذا يـخـبـئ لـهـم الـزمـان؟
*****
ونـمـضـي بـخـيـالـنـا الـى ذاك الـثـنـائـي الـمـتـعـب "آدم الـمـنـسـي" وزوجـتـه "مـكـة الـجـنـدي". حـيـث مـرت لـيـلـتـهـمـا كـئـيـبـة عـلـيـهـمـا بـسـبـب عـنـاد كـلاهـمـا وتـيـبـس رأسـهـم. هـو يـرى انـهـا لـم تـحـتـويـه فـي اشـد لـحـظـات احـتـيـاجـه لـهـا، وهـي تـرى انـه تـركـهـا فـي عـز تـعـبـهـا وهـي فـي تـلـك الـبـلـدة وحـيـدة، لا ام مـعـهـا ولا اخـت كـي تـرمـي فـي احـضـانـهـم اوقـات تـعـبـهـا ولـيـس لـديـهـا غـيـره تـحـتـمـي مـن اوجـاعـهـا داخـلـه. ولـكـنـه لام نـفـسـه كـثـيـراً عـلـى تـركـهـا، ولـكـن وساوس الـشـيـطـان هـي مـن جـعـلـتـه يـتـركـهـا فـي لـحـظـة غـضـبـه.
كـانـت حـبـيـسـة الـغـرفـة عـلـى حـالـهـا ولـم تـره وجـهـهـا مـنـذ لـيـلـة امـس، فـقـد شـعـرت بـالـحـزن مـنـه. وقـف امـام بـاب الـغـرفـة الـتـي تـحـبـس حـالـهـا داخـلـهـا، يـقـدم قـدمـاً ويـؤخـر ا خـرى وهـو فـي شـتـات بـيـن كـرامـتـه و اوامـر قـلـبـه. وفـي الاخـر اسـتـجـاب لـنـداء قـلـبـه، ثـم دق عـلـى الـبـاب مـنـاديـاً ايـاهـا:
ــ مـكـة انـا جـهـزت الـفـطـار وعـايـز نـفـطـر مـع بـعـض. مـمـكـن تـفـتـحـي الـبـاب؟
لـم يـجـد مـنـهـا رد غـيـر الـبـكـاء، مـمـا جـعـلـه يـمـسـح عـلـى شـعـره بـضـيـق مـن تـركـهـا لـهـا. فـمـهـمـا كـان لـيـس لـهـا غـيـره. ثـم دق عـلـى الـبـاب بـرفـق مـسـتـجـدياً ايـاهـا بـاسـتـعـطـاف:
ــ طـب مـمـكـن تـفـتـحـي الـبـاب عـشـان تـفـطـري الـلـي فـي بـطـنـك. عـلـى فـكـرة مـالـوش ذنـب فـي انـك تـذنبـيـه مـن غـيـر اكـل. والـدكـتـور مـأكـد عـلـيـكـي الـغـذا ووجـبـة الـفـطـار بـالـذات عـشـان الانـيـمـيـا الـلـي عـنـدك وجـسـمـك الـضـعـيـف. و بـعـد يـن الا كـل والـشـرب مـالـهـمـش عـلاقـة بـأي زعـل بـيـنـا.
كـانـت فـي الـداخـل تـبـكـي بـدمـوع صـامـتـة، فـهـي تـشـعـر بـالـضـيـق مـنـه كـثـيـراً، ولـكـن كـلامـه صـحـيـح. طـفـلـهـا امـانـة داخـل احـشـائـهـا ووجـب عـلـيـهـا الـحـفـاظ عـلـيـه. ثـم قـامـت بـاقـدام بـطـيـئـة نـاحـيـة الـبـاب و فـتـحـتـه، مـمـا جـعـلـه ابـتـسـم وهـو يـشـعـر بـالـانـتـصـار لـنـجـاح مـحـاولـتـه مـعـهـا فـي جـعـلـهـا تـفـتـح الـبـاب و تـنـيـر الـكـون بـطـلـتـهـا امـامـه. مـا ان رآهـا حـتـى جـذبـهـا الـى احـضـانـه حـتـى وهـو يـرى تـمـلـصـهـا مـن بـيـن يـديـه، ولـكـنـه كـان يـشـعـر بـالارتـيـاح. ثـم تـاسـف لـهـا بـجـانـب اذانـهـا:
ــ مـعـلـش حـقـك عـلـيـا انـي سـيـبـتـك وانـتـي تـعـبـانـة امـبـارح.
ثـم اخـرجـهـا مـن احـضـانـه وقـبـلـهـا مـن جـبـيـنـهـا وكـلـتـا عـيـنـيـهـا، وهـو مـا زال يـعـتـذر لـهـا فـي كـل قـبـلـة. ولـكـنـهـا ابـعـدتـه بـيـديـهـا وهـي تـشـعـر بـان رائـحـة الـبـريـفـيـوم الـخـاص بـه تـشـعـرهـا بـالـغـثـيـان وتـلـك حـالـتـهـا مـنـذ ان حـمـلـت. ثـم دفـعـتـه وجـرت مـسـرعـة الـى الـحـمـام وافـرغـت مـا فـي مـعـدهـا، مـمـا جـعـلـه انـدهـش مـن حـركـتـهـا ود فـعـهـا لـه، و فـسـر حـالـتـهـا عـلـى انـهـا مـشـمـئـزة مـنـه او لـم تـريـد الاقـتـراب مـنـه. ثـم نـفـخ بـضـيـق مـن حـالـتـهـم تـلـك، و ذهـب و اقـتـرب مـنـهـا كـي يـطمـئـن عـلـيـهـا. ولـكـنـهـا مـا ان اقـتـرب مـنـهـا واشـمـت رائـحـتـه مـرة اخـرى حـتـى ازداد غـثـيـانـهـا، فـابـتـعـد عـنـهـا بـعـض الـسـنـتـيـمـتـرات وهـو يـسـألـهـا بـعـتـاب:
ــ قـد كـدة كـارهـة قـربـي ومـش طـايـقـة لـمـسـتـي ولا وجـودي جـمـبـك يـامـكـة؟ لـيـه كـل ده يـعـنـي! الـلـي حـصـل بـيـنـا مـوقـف عـادي جـدا و زعـل بـسـيـط اقل مـا بـيـحـصـل بـيـن اي زوجـيـن.
كـانـت تـلـتـقـط انـفـاسـهـا بـصـعـوبـة، فـهـي فـي الاسـبـوعـيـن الاخـيـريـن مـن ذاك الـوقـت وهـي مـتـعـبـة بـشـدة، و حـتـى انـفـاسـهـا لا تـطـيـقـهـا. ثـم جـفـفـت وجـهـهـا الـمـبـتـل. لاحـظ شـحـوب وجـهـهـا وان الـمـوضـوع اكـثـر مـمـا يـتـصـور او يـتـخـيـل. فـمـد يـده لـهـا كـي تـسـتـنـد عـلـيـه و خـرجـا مـن الـحـمـام. ثـم عـلـلـت لـه وهـي تـداري عـيـنـهـا عـنـه لانـهـا مـا زالـت تـشـعـر بـالـضـيـق مـنـه:
ــ مـعـلـش انـي زقـيـتـك اكـده بـس غـصـب عـنـي ريـحـة الـبـرفـان بـتـاعـك مـش طـايـقـاهـا بـسـبـب الـحـمـل. مـش عـارفـة ايـه الاحـسـاس الـغـريـب دي.
جـذب وجـهـهـا الـيـه بـرفـق، ثـم ابـعـد يـده الـمـمـتـلـئـة بـرائـحـة الـبـرفـيـوم كـي لا يـتـعـبـهـا اكـثـر. ثـم عـاتـبـهـا عـلـى تـخـبـيـة وجـهـهـا عـنـه:
ــ طـب هـغـيـره لـنـوع تـانـي انـتـي الـلـي هـتـخـتـار يـه بـنـفـسـك و تـكـونـي مـتـقـبـلاه. بـس لـيـه بـقـي بـتـداري عـيـونـك عـنـي؟ انـتـي لـسـه زعلانة؟
تـلـمـعـت عـيـنـاهـا بـالـدمـوع وهـي تـتـذكـر تـركـه لـهـا، ثـم تـمـتـمـت بـنـبـرة خـافـتـة لائـمـة:
ــ آه طـبـعـاً لـسـه زعلانة مـنـك قـووي. انـت سـبـتـنـي فـي عـز ضـعـفـي و احـتـيـاجـي لـيـك امـبـارح عـشـان حـصـل بـيـنـا مـشـكـلـة صـغـيـرة و شـد فـي الـكـلام مـنـي لـيـك. انـي اعـتـرف انـي غـلـطـت مـعـاك فـي اسـلـوبـي و فـي طـريـقـة الـحـوار بـس دي مـيـخـلـيـكـش تـسـبـنـي و انـا بـتـوجـع و تـهـرب و تـمـشـي. و انـت عـارف انـي اهـنـة ووحـيـدة و بـعـيـدة عـن اهـلـي و مـالـيـش غـيـرك. و كـمـان ان مـكـنـتـش انـت تـتـحـمـلـنـي لـو ضـايـقـتـك بـكـلامـي عـشـان شـهـور الـحـمـل الاولـى الـسـت بـتـوبـقـي نـفـسـيـتـهـا صـعـبـة جـدا. مـيـن هـيـتـحـمـلـنـي؟
أنـهـت كـلـمـاتـهـا و دخـلـت فـي بـكـاء مـريـر. وكـاد ان يـقـتـرب مـنـهـا كـي يـجـذبـهـا الـى احـضـانـه، ولـكـنـه تـذكـر رائـحـتـه. ثـم ربـت عـلـى ظـهـرهـا بـحـنـو مـعـتـذراً لـهـا بـنـدم:
ــ طـب مـعـلـش حـقـك عـلـيـا انـي المـفـروض مـكـنـتـش اخـلـط بـيـن خـنـاقـتـنـا و اخـتـلافـنـا و تـعـبـك. و عـمـومـا يـا حـبـيـبـتـي بـوعـدك انـي عـمـري مـا هـسـيـبـك تـانـي.
ثـم بـدّل طـريـقـتـه الـمـعـتـذرة الـى اخـرى عـابـثـة مـردداً بـشـقـاوة:
ــ انـتـي لازم تـشـوفـي لـك حـل فـي حـكـايـة الـبـرفـيـوم دي كـدة مـيـنـفـعـش يـامـوكـتـي. انـتـي عـارفـة الـنـجـم مـيـقـدرش يـبـعـد عـن احـضـان حـبـيـبـه.
ابـتـسـمـت بـرضـا وقـبـلـت اعـتـذاره و نـدمـه، ثـم اعـتـذرت لـه هـي الاخـرى:
ــ و انـي كـمـان اسـفـة انـي شـديـت مـعـاك فـي الـكـلام. الـمـفـروض كـنـت اتـعـامـل مـع الـمـوقـف بـهـدوء اكـتـر مـن اكـده. بـس هـي سـاعـة شـيـطـان بـقـي.
ربـت عـلـى بـطـنـهـا الـتـي تـحـمـل جـنـيـنـهـمـا بـحـنـو، ثـم ارضـاهـا بـكـلـمـاتـه الـراقـيـة الـتـي تـلـيـق بـمـثـلـه:
ــ ربـنـا يـخـلـيـكـي لـيـنـا و مـيـحـرمـنـاش مـن وجـودك جـنـبـنـا يـا قـلـبـي. و ان شـاء الـلـه مـافـيـش زعـل تـانـي.
فـالاحـتـرام بـيـن الـزوجـيـن فـي الإسـلام قـال تـعـالـى: (وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ). فـلـقـد حـثّ الإسـلام كـلا الـزوجـيـن عـلـى مـراعـاة كـل مـنـهـمـا الآخـر، بـإظـهـار مـشـاعـر الـحـب والاحـتـرام أمـام الـجـمـيـع، وأن يـجـعـل كـل مـنـهـمـا الآخـر فـي الـمـقـدمـة مـن حـيـث الاهـتـمـام بـعـد الـوالـديـن وأن يـكـون أهـم شـخـصـيـة فـي الـحـاضـريـن. وإظـهـار هـذا الاحـتـرام أمـام الآخـريـن يـديـم الـحـيـاة الـهـانـئـة الـسـعـيـدة بـيـن الـزوجـيـن. فـقـد كـان رسـول الـلـه صـلـى الـلـه عـلـيـه وسـلـم يـقـول عـن خـديـجـة رضـي الـلـه عـنـهـا: (إنِّـي قـدْ رُزِقْـتُ حُـبَّـهـا). وعـنـدمـا سـئـل: (أيُّ الـنَّـاسِ أحَـبُّ إلَـيْـكَ؟ قـالَ: عَـائِـشَـةُ).
وإن مـن آكـد الـحـقـوق بـيـن الـزوجـيـن حـق الاحـتـرام والـمـعـاشـرة بـالـمـعـروف. فـمـن مـظـاهـر احـتـرام الـمـرأة لـزوجـهـا طـاعـتـهـا لـه، وتـزيـنـهـا لـه، وتـبـسـمـهـا فـي وجـهـه، وحـفـظـه لـه. أمـا عـن مـظـاهـر احـتـرام الـزوج لـزوجـتـه، فـتـتـجـلـى فـي إحـسـانـه إلـيـهـا، وتـجـاوزة عـن هـفـواتـهـا. والاحـتـرام بـيـن الـزوجـيـن مـن أصـل الـديـن، ويـعـتـبـر مـن الـقـربـات الـتـي يـتـقـرب بـهـا الـزوجـيـن إلـى الـلـه عـز وجـل، حـيـث يـسـاهـم فـي حـسـن سـيـر الـحـيـاة الـزوجـيـة الـمـسـتـقـرة لـلأسـرة الـمـسـلـمـة. فـالـزواج مـؤسـسـة اجـتـمـاعـيـة بـالـغـة الأهـمـيـة فـي حـيـاة كـل رجـل و امـرأة.
*******
فـي مـنـزل سـلـط
رواية من نبض الوجع عشت غرامي الفصل العاشر 10 - بقلم فاطيما يوسف
رواية من نبض الوجع عشت غرامي (ج2) الفصل العاشر 10 - بقلم فاطيما يوسف
بسم_الله_الرحمن_الرحيم
لاإله_إلا_الله_وحده_لاشريك_له_يحي_ويميت_له_الملك_وله_الحمد_وهو_علي_كل_شئ_قدير
البارت_العاشر
بغرامها_متيم
الجزء_الثاني
من_نبض_الوجع_عشت_غرامي
بقلمي_فاطيما_يوسف
وصلت إلى شقته ثم دقت على الباب دقات هادئة وانتظرت حتى فتحت لها سكون الباب والذي ما إن رأتها حتى شعرت الارتياب والخۏف لأول مرة وهوى قلبها بين قدميها ثم أشارت بيديها إليها أن تدلف بلسان يرجف
اتفضلي ياماما الحاجة دي احنا زارنا النور .
خطت زينب إلى الداخل بأقدام واثقة ثم ربات على ظهر سكون
تعيشي يابت الأصول يامرت الغالي .
أشارت إليها سكون أن تجلس بترحاب
ارتاحي هنا يا ماما هتلاقي رجلك ۏجعتك من السلم.
جلست زينب على الأريكة ثم نظرت أمامها وجدت المسلسل التي كانت تشاهده معروضا علي شاشة التلفاز فسألتها وكأنها لم تكن تعرف
مع وصول أونصة الذهب إلى مستويات قياسية تجاوزت 2500 دولار، يجد المواطن المصري نفسه مضطراً لموازنة استثماراته بين الذهب واحتياجاته الأخرى، خاصة مع ارتفاع أسعار السيارات مثل تويوتا، هيونداي، وبي إم دبليو، مما يزيد من التحديات المالية التي يواجهها.
ايه ده هو انتي بتتفرجي على متولى وعيلته والله كنت بتفرج عليه تحت
ابتسمت سكون وهي توجه أنظارها لشاشة الهاتف
اه أصل أني بحبه قوووي وبالنسبة لي المسلسل المفضل هو و عبدالغفور البرعي بعشقهم قووي وأكيد إنتي كمان .
حركت رأسها للأمام بابتسامة عريضة
قوووي بحس فيهم ريحة ايام زمان لما كنت عيلة صغيرة بضافير بس وقتها لما كان بيتعرض ليه ذكرى وحشة معاي ابوي خلاني خدت الاعدادية ومرضيش يخليني أكمل .
ربتت سكون على ظهرها بحنو وهي تردد بفخر لها
بس والله ياماما الحاجة عقلك ماشاء الله كبير وحكيمة جدااا وبتوزني الأمور بميزان العقل أحسن من اللي معاهم شهادات وعلام عالي .
أحست زينب بالفخر من كلمات سكون ثم شكرتها بامتنان وأن رأيها عنها في ذاك الوقت أتى بموعده
أسعار السيارات في الآونة الأخيرة شهدت تقلبات ملحوظة، حيث تأثرت بارتفاع وانخفاض الدولار، مما انعكس على تكلفة علامات تجارية مثل تويوتا، هيونداي، ومرسيدس. و BMW هذا الارتباط بين سعر الصرف وسوق السيارات يحدد قدرة المستهلكين على اقتناء المركبات.
منحرمش من لسانك الزين يابتي طمنيني عنك كيفك وصحتك عاملة ايه دلوك
تحمحمت سكون من استفسارها عن صحتها ثم أجابتها باختصار
اممم .. زينة الحمد لله
ثم غيرت مجرى الحديث سريعا وانتصبت واقفة وهي تسألها
تحبي تشربي ايه ولا أعمل لك قهوة باللبن معاي
تحدثت زينب بمغزى
يستاهل الحمد يا غالية ماشي هشرب قهوة معاكي بس سكر بسيط علشان البتاع دي اللي اسمه الرجيم اللي هعمله مينفعش معاه سكر كتير .
ارتسمت على شفتاي سكون ابتسامة هادئة ثم رددت بطاعة مصاحبة للدعابة
عاش ياحاجة زينب عندك إرادة قمرر هدخل اعملها بقى بسرعة وجيالك .
دلفت سكون الى المطبخ بينما تابعت هي المسلسل بتيهة وهي تفرك مكانها ولا تعرف كيف البدأ معها في الحديث جال عقلها كثيرا وكثيرا وكل الطرق تؤدي إلى الطريق المباشر في الاستفسار ظلت الأفكار والسنريوهات تتهافت على مخيلتها حتى أرهقتها ولكن صممت على ان تطمئن على ولدها فداخلها يتآكل يرتعب عليه ولم يشعر أحدا بتآكلها بالتأكيد هي مؤمنة بإرادة الله ولكن رب العباد بذاته وهبنا من الحلول كثيرا فماذا عن عدله أننكره ! ماذا عن عطاؤه لعباده في حل معضلاتهم أنرميها عرض ظهورنا ولم نضعها كحل منصف يرضي نفوسنا جميعا !
أما عند سكون في المطبخ كانت تقف بأقدام واهية تكاد تكون كالهلام على الأرض من شدة خۏفها من استفسار زينب فقد قرأت بعينيها الإصرار ومن نبرتها التغير ومن كلامها أنها ستستفرد بها الآن ويبدوا أن معركتها معها أشد من معركة صلاح الدين الأيوبي قاهر الصلبيين بذاتها معركة حياتها عشقها الوحيد غرامها المتيمة به لا هي قادرة على الفراق ولا قادرة على أن تشاركها فيه غيرها
نظرت إلى السماء وهي تقلب الإناء الموضوع على الن ار بعقل غائب عنه وهي تناجى ربها بقلب يئن ألما ورهبة شديدة
قل لي ربي ماذا انا بفاعلة بأمري مالي بغيرك راجية وأتمنى الحصاد بعد سنوات العجاف
ما لي غيرك أشكو وأدعوا وأطلب وأبتهل في دعائي كي تجبرني فانا غير قادرة على الفراق
فاللهم يا مسهل الشديد ويا ملين الحديد ويا منجز الوعيد ويا من هو كل يوم فى أمر جديد أخرجني من حلق الضيق الى أوسع الطريق فبك أدفع ما لا أطيق
تلك الابتهالات التي نادت بها ربها المنصف لها دائما ولم يتركها فدوما يرعاها ولم تيأس أبدا
فاقت من شرودها على صوت قدح القهوة فحملت الإناء سريعا قبل أن يفسد صنعها وصبته في الأكواب المخصصة له وقبل أن تخرج أمسكت بالوعاء الذي يحمل الأكواب بإحدى يديها ثم وضعت يدها الأخرى على صدرها في حركة عفوية منها تحاول بها تهدئة صدرها المولع بالخۏف من هدم أمانها
استطاعت بقدر الإمكان كبت خۏفها داخلها ثم خطت بساقيها المرتعشتين إلي الخارج حتى وصلت إليها وهي جاهدة في رسم البسمة على شفاها ناولتها الكوب بتأدب مصاحب للذوق الرفيع التي تربت عليه ويليق بخلقها
مع وصول أونصة الذهب إلى مستويات قياسية تجاوزت 2500 دولار، يجد المواطن المصري نفسه مضطراً لموازنة استثماراته بين الذهب واحتياجاته الأخرى، خاصة مع ارتفاع أسعار السيارات مثل تويوتا، هيونداي، وبي إم دبليو، مما يزيد من التحديات المالية التي يواجهها.
اتفضلي ياماما دوقي عمايل ايديا هتعجبك قووي وهتظبط لك دماغك .
تناولت الكوب منها ثم ارتشفت منه بتلذذ لصنيعها وشكرتها بامتنان
تسلم عمايل يدك يابتي زينة ومظبوطة زي ما قال الكتاب
واسترسلت حديثها وهي تتحدث عن رحمة ابنتها بسخرية
مش شكل اللي كانت رحمة اللي تنزغد عاملاها لي من يومين كانت شبه وشها العكر .
ضحكت سكون بشدة على طريقة زينب في الحديث عن رحمة ثم هتفت بتبرير بعدما هدأت من ضحكاتها
طب والله لو زي وشها بحق توبقى قمرررر يا أم عمران داي رحمة اللهم بارك حلوة وكيف البدر .
استطاعت زينب إخراج سكون من حالة الړعب التي قرأتها في عينيها من أول وهلة طلت عليها منذ دقائق وهذا ماكانت تسعى إليه فهي تتميز بالحنكة والدهاء وتعرف كيف تغزل خيوط الحديث بذكاء كي لايفتل منها ثم أكملت طريقتها الدعابية
أسعار السيارات في الآونة الأخيرة شهدت تقلبات ملحوظة، حيث تأثرت بارتفاع وانخفاض الدولار، مما انعكس على تكلفة علامات تجارية مثل تويوتا، هيونداي، ومرسيدس. و BMW هذا الارتباط بين سعر الصرف وسوق السيارات يحدد قدرة المستهلكين على اقتناء المركبات.
والله انتوا هتاخدوا في البت داي مقلب واللي هتتجوزوا كمان يومين دي هيشيل هم تقييل وبدل ما تعمله الزين كلاته هتوكله وتشربه عجن دي ان عرفت تعمل العجن كماني مش المحروق والشايط.
لم تستطيع سكون كتم ضحكاتها وهي تنظر إلى طريقة زينب الفكاهية في التعبير ثم تحدثت من بين ضحكاتها
متهيألك البنت مننا بتدلع في بيت أبوها ووقت ما تروح على بيت جوزها بتطلع أحسن ما عندها علشان تبسط جوزها وتريحه على الآخر ورحمة مهتلاقيش زييها زينة البنات واصل ياماما الحاجة.
الى هنا واكتفت زينب بالفكاهة وأمسكت طرف الخيط من كلمات سكون ورددت بوجه حزين والحزن صادق بالفعل
بس أني نفسي ابني هو كمان ينبسط ياسكون يابتي وأشوف الفرحة في عيونه بدل الحزن اللي طافي ملامحه وروحه اللي هشوفها كاتمة الفرحة جواها طوالي .
انقشعت أخيرا غمامة الصبر تجاه زينب وبدت أولى تفج ير كتمانها لما تشعر به لسكون التي شعرت وكأن دلوا من الماء البارد سكب على وجهها في يوم بارد شديد البرودة في عز وقت الصقيع ثم ابتلعت ريقها بصعوبة بالغة لتقول باستفسار واهي كشعورها الآن
طب وايه اللي هيطفي فرحة عمران يا ماما اللي هتشوفيها وحدك داي
كانك معرفاش ياداكتورة ولا هتعملي حالك مش واخدة
بالك ! تلك الكلمات التي نطقتها زينب على رأس هذه السكون دون مراعاة لما تشعر به هي الأخرى ولكن هذا ابنها قرة عينيها وما على الأم في خۏفها على وليدها ملام .
تحمحمت سكون وهي تفرك في يدها بتوتر بالغ وهي تأتي بآخر زينب
اممم.. ممكن أفهم تقصدي ايه ياماما الحاجة خلينا نتكلم واضح علشان اني مليش في الكلام الملفلف
أجابتها زينب صريحة وقد فاض الكيل بها
يعني هتعملوا ايه في حوار حبلك يابتي اللي طال وقته بالقووي وعمران ابني سنه مبقاش صغير واني بصراحة اكده أم قلبها م ۏلع على ابنها والوحيد كماني حسوا بيا ياناس
ما إن قالتها صريحة حتى انهمرت الدموع من وجنتاي سكون غزيرة على وجهها من چرح قلبها ومشاعرها
مع وصول أونصة الذهب إلى مستويات قياسية تجاوزت 2500 دولار، يجد المواطن المصري نفسه مضطراً لموازنة استثماراته بين الذهب واحتياجاته الأخرى، خاصة مع ارتفاع أسعار السيارات مثل تويوتا، هيونداي، وبي إم دبليو، مما يزيد من التحديات المالية التي يواجهها.
أتعجب عندما أرى الكثير من الأشخاص يتحدثون عن الحب ولكنهم في الحقيقة هم أكثر الأشخاص الذين قاموا پتمزيق الكثير من المشاعر في قلوب غيرهم وكانوا سبب في ألم نفسي لا يمكن علاجه.
فأخطر أنواع الچروح هي چروح المشاعر تلك الچروح التي لا يشعر بها سوى صاحبها تلك الچروح التي لا يقدر أحد أن يداويها بداخل الشخص فقط يكفيه الأنين عند الشعور بها
فالمشاعر مثل ثوب الحرير أي قطع بسيط به لا يمكن علاجه وفي حالة النجاح في علاجه سوف يترك أثر قوي لا يمكن إخفائه
المشاعر هي الخيط الرفيع الذي يحافظ على النفس البشرية ففي حالة انقطاعه سوف تنساب النفس البشرية على الأرض ولن تقوم مرة أخرى وجرحها مثل الچرح المخفي تحت سرج الحصان لا يشعر به أحد سوى الحصان ولا يكتفي سوى بالأنين في صمت والآن سكون أصبحت قاب قوسين أو أدنى بين ني ران عشقها لزوجها ورفيق دربها وبين ني ران زينب ولهفتها على حفيد فتلك اللهفة تأكدت منها الآن لهفة واحتياج وشوق تضاهيهم قوة لن تقدر عليها تلك المسكينة ثم رددت بصوت خفيض وهي تومئ برأسها بالاسفل
أسعار السيارات في الآونة الأخيرة شهدت تقلبات ملحوظة، حيث تأثرت بارتفاع وانخفاض الدولار، مما انعكس على تكلفة علامات تجارية مثل تويوتا، هيونداي، ومرسيدس. و BMW هذا الارتباط بين سعر الصرف وسوق السيارات يحدد قدرة المستهلكين على اقتناء المركبات.
طب وأني ذنبي ايه في قدر ربنا وتدابيره
وأكملت وهي تشهق بشدة تنفطر لها القلوب
يعلم ربنا أني عملت اللي عليا بدل المرة عشرة وحاولت كتير اني أخلي عمران يخليني أمشي لكن مرضيش أبدا وأخر حاجة عرضت حياتي للخطړ علشان أفرحكم كلاتكم لكن ما باليد حيلة ربنا لسه ما أرادش .
ما إن رأت زينب دمعاتها حتى جذبتها إلي أحضانها على الفور وهي تنفى على الفور ما قالت وتحاول تهدئتها بقلب حاني صادق
له بعد الشړ يابتي طلاق ايه كفى الله الهم والغم وخړاب البيوت دي ربنا يخليكي لجوزك وميحرمكوش من بعض أبدا .
اتسعت مقلتاي سكون بذهول من كلمات زينب ثم خرجت من أحضانها وتبدلت معالم حزنها إلى نظرات أمل رحمة من الله ثم تحدثت بلهفة وبعيناي آملة برجاء الله
بجد ياماما ! يعني انت مش عايزاني أسيب عمران
حركت زينب راسها برفض وهتفت بنفي قاطع
مين قال سيبان وفراق وبعاد يابتي أني حبيتك وډخلتي قلبي ومتخيلش البيت دي من غيرك واعتبرتك كيف حبيبة ورحمة وربنا يبارك فيكي لجوزك .
كانت معالم الفرحة والسعادة بادية على سكون وكأن اليوم يوم عيدها وشعرت بأن هم الجبال انزاح من فوق رأسها مع دقات قلبها التي أعلنت الطبول مما استمعت إليه من زينب ولكن لم تكتمل فرحتها حيث أكملت زينب بما جعل دقات قلبها الفرحة تبدلت في لمح البصر بل في رمشة عين بل شعرت بأن أحدهم رماها من أعلى التلال والآن نظرتها واستماعها لها ماهو إلا حلاوة روح
في حل تاني يرضينا كلنا يا دكتورة محلله ربنا يعني عمران أشوف له عروسة بنت ناس غلابة ويتيمة يتجوزها بس انت مفيش غيرك في قلبي وفي قلبه معايزاكيش تردي عليا دلوك وطلب كماني متقوليش لعمران حاجة علشان فرح أخته كمان يومين ومش عايزاه ينشغل عنيها لو كنتي هتحبيني أمانة عليكي متجيبيش ليه سيرة واصل وموضوع الجواز دي فكري فيه على راحتك وشوفي الموضوع من جميع أبعاده وانت هتلاقي إن دي أنسب حل
واسترسلت حديثها وهي تربت على ظهرها بحنو صادق وكأنها لم تقل شيئا يضاهى المۏت بالحياة لتلك السكون كي تكسب تعاطفها وتجعل الموضوع هينا لينا عليها وقد انذرفت دموعها الصادقة أيضا من عينيها
انت متعرفيش أني بطلب منك الطلب دي كيف يعلم ربي انك كيف بناتي واني مهتمناش لواحدة فيهم اللي انت فيه وانك غالية علي قلبي بس دي ولدي الوحيد ابن عمري عشت طول حياتي أربيه وأكبره ولما شد عوده اتمنيت له إنه يلاقي بت الحلال اللي غلبني ليالي جرت سنين طويلة على ما لقاكي ياسكون ولما ربنا جبر بخاطري واتجوزك كنت هعد الأيام والليالي علشان أشيل عوضه على يدي وأخده بين أحضاني وأقعد أشم ريحة عمران فيه أصلك متعرفيش أنا بنيت لحفيدي من يوم ما عمران ماتجوزك بيت في قلبي كبيييييير قوووي قوووي اتخيلته هياجي الدنيا وأشيله معاكي ليل نهار لحد مايتعلم يحبي وأول ما يشوفني يجري علي أقوم فاتحة له دراعاتي على وسعهم وأضم عليه وأدفيه واتخيلته وهو هينادم علي ويقولي ياستي أني هحبك قوووي ويبوسني من خدي علشان يطلب مني حاجة معايزينش تجيبوها له وطلبها مني أني اتخيلته هياجي ڠضبان منك انتي وأبوه ليالي كتيرة ويختار حضڼي أني علشان يرتمي فيه ويتمسح فيا ويقول لي هنام جارك ياستي وههمل بوي وأمي حاجات كتيرة قوووي استنيتها سنين من قبل ماعمران يعرفك اصلا بس كلاتها اتبخرت أول ماعرفت اللي بيكي وخبتيه عني وزعلت قوووي انك مقلتليش من الاول علشان أجري معاكي وأساعدك وأدور معاكي استنيتك سنتين ودخلنا في التالتة وقربت تنتهي ومعرفش اللي بيكي إلا صدفة .
مع وصول أونصة الذهب إلى مستويات قياسية تجاوزت 2500 دولار، يجد المواطن المصري نفسه مضطراً لموازنة استثماراته بين الذهب واحتياجاته الأخرى، خاصة مع ارتفاع أسعار السيارات مثل تويوتا، هيونداي، وبي إم دبليو، مما يزيد من التحديات المالية التي يواجهها.
كانتا كلتاهما تبكي بغزارة في أحضان بعضهم وتشهقان بحزن شديد وكل منهم لسببه المختلف كليا والمضاد للآخر
و
لكنها إرادة الله يعطي من يشاء وقتما يشاء وكيفما شاء إرادة الله التي يعجز البشر عن تحديها ولكن سبحانه وتعالى أحن على عباده وعندما ينزل البلاء ينزل معه رحمته كي تكون بردا وسلاما على قلب المبتلى ظلتا تبكيان حتى أخرجتها زينب من أحضانها ونطقت بأسف حقيقي وهي تنظر داخل عينيها الداميتين
حقك عليا يابتي حقك علي عيني وراسي وقلبي
ثم أمسكت يدها وحاولت تقبليها كنوع من التعاطف والتأثير عليها ولكن سكون استنكرت فعلتها تلك وسحبت يدها لتقول زينب
أبوس يدك يابتي ماتزعلي من طلبي ولا كلامي اللي أكيد وجعك ومتفارقيش ولدي علشان عارفة انك روحه وحياته كلاتها ولو فارقتي وسيبتيه روحه هتروح وراكي ومهما عميلت مش هيرتاح أني عارفة إن طلبي صعيب قوووي عليكي
بس أني هوعدك انك والله لاهتفضلي ست دارك ومالية مقدارك ومهخلكيش تحسي بأن فيه حاجة غريبة خالص ولا هخليها تعمل شغل الضراير دي وياكي وهخليها طوع أمرك كماني بس انت وافقي وريحي قلبي.
حاولت سكون ظبط أنفاسها المكتومة من أثر البكاء الشديد وعقلها مازال لم يستوعب ما سمعته أذناها من زينب لقد رمتها وسط ح ريق مش تعل وتطلب منها أن تتحمل لهيبه لأجل العامل المشترك الأكبر والأهم بل وكل المهم عمران
يا الله عمراني لقد أهلكت سكونك وذبلت واقتحم حياتها الع ذاب النفسي والجسدي والمرئي والمسموع وكل أنواع الع ذاب
لاحظت زينب تخبطها وصډمتها فقامت من مكانها وهي تسحب منديلا ورقيا تجفف به عبراتها كي تتركها تنفرد بحالها وبعد ذاك يحلها رب العباد وهي تملس يدها على خصلات شعرها
مع وصول أونصة الذهب إلى مستويات قياسية تجاوزت 2500 دولار، يجد المواطن المصري نفسه مضطراً لموازنة استثماراته بين الذهب واحتياجاته الأخرى، خاصة مع ارتفاع أسعار السيارات مثل تويوتا، هيونداي، وبي إم دبليو، مما يزيد من التحديات المالية التي يواجهها.
هسيبك دلوك يابتي بزياداكي عاد بكا وهوني على حالك كيف ما أني ههون على حالي وأصبرها أيام وليالي وأني وانت على مركب قهر واحدة مش انت لحالك .
ثم قبلتها من رأسها بحنان أم صادق وكأنها لم تقل شيئا وكأنها لم تعبث بهناء السكون وعمران .
فور أن خرجت ارتمت جرت سكون على غرفتها تبكي وتشهق بشدة حتى غفت وأجبرت حالها على النوم كي لايرى عمران وجهها فهي طلب منها الأنين بصمت وما أدراكم ما صوت الأنين المكتوم
كان عمران في ذاك التوقيت جالسا مع صديقه محمد وقد قص عليه كل شئ منذ أن حدث وعلم مابه زوجته فهو نعم الصديق الصدوق الخلوق الذي دوما يبدي له نصائحه ثم عرض عليه بعد تفكير في معضلته تلك
طب انب عندي راي تاني ليك يحل لك مشكلتك ويبعد عنك المشاكل خالص انت ومرتك او على الاقل ما تبقاش عايش فيها ليل نهار .
أسعار السيارات في الآونة الأخيرة شهدت تقلبات ملحوظة، حيث تأثرت بارتفاع وانخفاض الدولار، مما انعكس على تكلفة علامات تجارية مثل تويوتا، هيونداي، ومرسيدس. و BMW هذا الارتباط بين سعر الصرف وسوق السيارات يحدد قدرة المستهلكين على اقتناء المركبات.
تلهف عمران بنظرة راجية ثم سأله بعيناي يملؤها الشغف
طب قول الله يرضى عنك يا صاحبي حكم اني حياتي اتمررت على الاخر ما بين سكون وامي .
ربت محمد على فخذه ناطقا بتشجيع
معلش كل البيوت علي حالك اكده مرت الابن وحماتها داي حتى إنت كمان أهون من غيرك يا عمران على الاقل مرتك عاقلة وامك مش من نوع الحموات اللي هيخربو على ولادهم عشان ينفذوت اللي في دماغهم ولولا ظروف الدكتورة الخاصة ما كانش حوصل مشاكل خالص بس ادي الله وادي حكمته
واسترسل حديثه وهو يعرض عليه الحل كي يجعله يهدأ ويطمئن وهو يرى اللهفة تشع من عينيه
انت كنت في الاول ناوي تتجوز في بيت بعيد عن امك وابوك اللي انت جهزته من البداية خد مرتك وعيشوا في البيت دي لحالكم وبالطريقة داي مش هيوحصل احتكاك كتير ما بينك وما بين مرتك والدتك الا في اضيق الحدود وهي هتحس انها هتعرف تطلع وتنزل وتتحرك وتخرج علشان مش حاسة انها متراقبه 24 ساعة وبرده انت هتوبقى جار امك وابوك والسبب اللي خلاك اصلا ما تهملهمش كان وجود مرت ابوك الله يجحمها مطرح ما راحت والحمد لله السبب زال فليه ما تاخدش مرتك وتبعدوا عن المشاكل علشان تقدروا تعيشوا وتقدر تتعالج لأن نص العلاج على النفسية اني دكتور وعارف ان النفس بتأثر جدا في تقدم اي علاج .
لمعت عيناي عمران ببصيص من الأمل ولكن أصابه الإحباط مرة أخرى عندما تذكر رد فعل والدته ثم سأله بنبرة غير مطمئنة
طب فكرك لو عميلت اكده امي مش هتزعل ولا هتقلبها مناحة بعد ما جربت ان احنا قعدنا معاها وكمان هتقول ان بسبب الموضوع دي ابعد عنيها وانت ما تعرفش امي واصل بعد ما عرفت سبب تأخير سكون في الحمل عمرها ما هتخليني أهمل البيت وهدخل في متاهات تانية خالص وكمان رحمة هتتجوز مش هيوبقى فيه غيرها في البيت هي وابوي الموضوع صعب قوي مش زي ما انت متخيل .
اجابه صديقه بنبرة قوية تشجيعية على ذاك الحل المناسب من وجهة نظره للجميع
شوف يا عمران لما يوبقى مشاكل هوينة شوي هتقدر تتحكم فيها لأن الحوارات موجودة اكده اكده على طول فمش هتفرق وانت موجود في البيت من وانت بعيد بل بالعكس وانت بعيد شوي مرتك مش هتسمع حاجة ولا هتشوف ملامات ولا نظرات ولا همسات ولا اي حاجة من الحوارات داي انت بس اللي هتوبقى في وش المدفع فتتحمل عنيها وكمان الزعلان مسيره هيروق وامك عمرها ما هتفضل مخاصماك ولا واخدة جنب منيك كتير مسيرها هترضى بالأمر الواقع خاصة لو كان دي حقك ما فيهوش عقوق منك ليهم لما هتلاقيك هتبرهم على طول
فكر في الحل ده هتلاقيه مناسب جدا صدقني ومفيش حل غيره .
تنهد عمران بضيق فكل الطرق تؤدي الى المشاكل ولكن ما قاله صديقه الآن اهون من أن ترى سكون تغير والدته معها وكلامها ووجد انه سيبدأ تنفيذ هذا الحل بعد زفاف اخته فلا يوجد امامه سوى الفرار هو وزوجته في منزل منعزل عن والدته ووالده كي تأمن حياتهم ويستطيع البحث والخوض في تجربة علاجها بنفس مطمئنة آمنة ثم هز رأسه للأمام باقتناع
مقداميش حل غير اني أوافق وأعمل اكده أني فكرت في الحل دي كتيير وكل مرة يصعب عليا اهمل امي وابوي في السن دي يعيشوا لوحدهم من غير انيس ولا ونيس كفاية اني هطلع وهنزل عليهم في اليوم كتير بس خلاص ما بقاش ينفع الموضوع بقى معقد جدا وربنا يستر من اللي الحاجة زينب هتعمله علشان مش هتمرر الموضوع دي مرور الكرام ابدا بس على رأيك حبة زعل مع حبة مراضية مني ليها وهتتعود بعد اكده الله المستعان يا صاحبي .
مع وصول أونصة الذهب إلى مستويات قياسية تجاوزت 2500 دولار، يجد المواطن المصري نفسه مضطراً لموازنة استثماراته بين الذهب واحتياجاته الأخرى، خاصة مع ارتفاع أسعار السيارات مثل تويوتا، هيونداي، وبي إم دبليو، مما يزيد من التحديات المالية التي يواجهها.
تبسم محمد في وجهه ابتسامة أمل كي يجعله ينسى الهموم وهو يردد بطريقة دعابية جعلت عمران هو الآخر يبتسم
كنا زمان مش عارفين هنجوزك كيف ودلوك مش عارفين هنخليك تخلف كيف
تكونشي وجد عيملتها وهي في السچن المزغودة على قلبها ولا قبل ما تخش السچن ولا ايه حاكم البت داي سرها باتع ربنا يول ع فيها البعيدة
ضحك عمران بفتور على دعابته ثم هتف
يا شيخ افتكر لنا حاجة عدلة بدل سيرة البت اللي هتغم من نفسي داي كانت قرفاني في عيشتي وخنقاني طول الوقت الله لا يخليها تكسب ولا تربح ابدا .
ضحكا كلتاهما وظلا يتحدثان في عدك أمور ومحمد يحاول التخفيف عنه بطريقته الدعابية كي ينسى الهموم وتنتهي جلستهم ويذهب لزوجته بحال أفضل مما أتى إليه به كي يهون عليه ولكن ماذا حدث ايها العمران ويبدو ان الصراعات ستظل خليفتك في كل خطوة تخطوها
ويبدو ان إرادة الله فوق تدابير جميع البشر فلنرى ماذا سيحدث
عاد عمران الى المنزل متأخرا بعدما جلس مع صديقه كثيرا وكثيرا فهو يريحه بشدة وييسط له الأمور نظر حوله كي يجد والدته ويلقي عليها تحيه المساء ويطمئن عليها ولكن لم يجدها ويبدو انها دخلت الى
غرفتها كي تنام فصعد سريعا الى سكونه فهو تأخر عليها اليوم في جلسته مع صديقه كثيرا وهو ليس معتادا على ذلك
دخل الشقة لم يجدها في الصالة ثم دلف الى غرفتهم وبحث عنها بعينيه وجدها على سجادة الصلاة تؤدي قيام الليل التي اعتادت عليه كل ليلة انتظرها حتى تنتهي من صلاتها وقد ابدل ملابسه وارتدى ملابس قطنية مريحة انهت سكون صلاتها ثم نظرت اليه بابتسامة عذبة لتقول له بترحاب نال اعجابه
حمد لله على السلامة يا سي عمران يا اللي فت مرتك علشان تسهر برة مع اصحابك لنص الليل وباين اكده ابتديناها بدري .
جذبها من يدها بعدما خلعت إسدال الصلاة حتى ارتطمت بعظام صدره القوية ليقول بنبرة يملؤها العشق
وماله لما أتدلع على حبيبي علشان أشوف غلاوتي عنده وأشوف هيسهر الليل يستنى جوزه لما يرجع من برة وأشوف الشوق في عيونه كمان
مع وصول أونصة الذهب إلى مستويات قياسية تجاوزت 2500 دولار، يجد المواطن المصري نفسه مضطراً لموازنة استثماراته بين الذهب واحتياجاته الأخرى، خاصة مع ارتفاع أسعار السيارات مثل تويوتا، هيونداي، وبي إم دبليو، مما يزيد من التحديات المالية التي يواجهها.
ثم احتضن خصرها بتملك مكملا بعشق وهو ينظر لها برغبة ويغمز بكلتا عينيه بشقاوة
وجيت لاقيت حبيبي سهران مستنيني وعايز حضڼ حبييه ومتلهف كمان ولا أني بيتهيألي ياسكوني
حاولت جاهدة رسم البسمة على شفاها والتعمق معه في الحديث كي لايشعر بشئ أبدا مما حدث بينها وبين والدته ثم حركت رأسها للأمام بدلال اصطنعته بأعجوبة
أها طبعا يابابا أمال هسيبك تسهر برة وتاجي تلاقيني نايمة فتتعود على اكده اما لما ترجع تلاقيني صاحية ومفنجلة عنيا مش هتطول في القعدة بعد اكده ولا ايه .
ردد بحنو بالغ وهو يتعمق بالنظر في ملامحها الذي يبدوا عليها معالم الحزن ولكنه لم يستطيع قراءتها بالكامل
طب رني عليا بس وقولي لي اتوحشتك ياعمراني تعالى دلوك وأني لما أصدق هركب لك جناح الشوق وأطير لعندك ياسكوني بس انتي معميلتهاش.
أسعار السيارات في الآونة الأخيرة شهدت تقلبات ملحوظة، حيث تأثرت بارتفاع وانخفاض الدولار، مما انعكس على تكلفة علامات تجارية مثل تويوتا، هيونداي، ومرسيدس. و BMW هذا الارتباط بين سعر الصرف وسوق السيارات يحدد قدرة المستهلكين على اقتناء المركبات.
ضحكت بهدوء ثم مطت شفتيها للأمام بطريقة أثارته
أه وترجع تقول داي عيملت زي الستات النكدية وتقول لي بتتصلي بيا وبتقوميني من مع صاحبي وحوار كبير سمعته قبل اكده من من ياجي 20 ممرضة معاي في المستشفى .
وه هو إنت سمعتي حوارات الراجل الصعيدي المصري وحرمه داي كتيير قبل اكده ياسكوني
حركت رأسها للأمام بموافقة بابتسامة بشوش
يوووه كتيير قوووي ياعمران وعندي خزاين كد اكده من حوارات المشاكل الزوجية اللي مهتنتهيش وفيه حاجات كتير بفتكرها وأقعد أضحك عليها قوووي .
ضحك هو الآخر على طريقتها ثم تحدث من بين ضحكاته مرددا بثناء
يسلم لي حبيبي العاقل الرزين الراسي اللي بيتعلم من مشاكل غيره
ثم استرسل حديثه وهو يغمز لها مرة أخرى بسؤال عابث
طب كانوا هيحكوا لك المشاكل والنكد بس مكانوش هيحكو لك حاجة تانية واصل
سألته بنبرة بريئة
حاجة ايه داي اللي هيحكولي عليها مفهماش تقصد ايه
رفع حاجبه الأيسر باستنكار
دي انت طلعتي طوب وطينة خالص ياسكوني يعني مسمعتيش قبل اكده إن الواحدة فيهم اللي سهرانة هتستنى جوزها بتوبقى مستنياه بلهفة ولابسة له حاجة من اللي تجيب من الآخر له وكمان تشغل عمنا الحكمدار عبد الباسط وتروق عليه ليلته وتنسيه الدنيا واللي فيها .
رفعت شفتيها الأعلى باستنكار لم قال ثم هتفت
أاااه قول اكده بقى انك هترسم لحوار كبيير وليلة طويلة وأني مفيقاش للحكمدار ولا لغيره .
اصطنع الحزن على معالم وجهه من اعتراضها ثم أقسم عليها
طب يمين بعظيم ياسكون لاهتقومي دلوك وتنصبي الڼصبة وتبتدي الوصلة أنا صاحب مزاج وعايز أتكيف .
استنكرت كلماته التي استخدمها في التعبير
أنصب الڼصبة وأبتدي الوصلة ! كانك هتحدت مع الغازية اللي هتهز في القهوة مش مرتك ياعمران
جذبها إليه عنوة فارتطمت بعظام صدره القوية
أه انت كيف الغوازي مش هزيتي قلبي أول ماشافك واطلع لك ياحبيبي يالا رطبي الجو ولطفي القعدة اكده خلي السهرة تحلو والقلب ينتعش والجسم بردو .
أنهى كلماته بغمزة جريئة ومازالت دقات قلبها تدق الطبول عند اقترابه من رغم أنهم متزوجون منذ عمر طويل إلا أنه يستطيع بكلامه س رق لبها ثم هتفت وهي تحتضن وجنتاه
ياه لو تعرف هحبك كد ايه ياعمران وبردوا مش هتقدر توصل لمدى حبي وعشقي ليك .
مع وصول أونصة الذهب إلى مستويات قياسية تجاوزت 2500 دولار، يجد المواطن المصري نفسه مضطراً لموازنة استثماراته بين الذهب واحتياجاته الأخرى، خاصة مع ارتفاع أسعار السيارات مثل تويوتا، هيونداي، وبي إم دبليو، مما يزيد من التحديات المالية التي يواجهها.
هتحبيني إزاي وكيف وكد ايه ياسكوني احكي لي نفسي أسمع .
بحبك بجميع المشاعر اللي بحملها وكأني جيت الحياة علشان أغرق بيك في بحر هواك وأغرق منك في كلامك الجميل
اني هحبك بمرك وحلوك بقليلك وكتيرك بكل مافيك والله هحبك يا اللي غيرت لي حياتي ياللي بقربك راضي قلبي و لاقية نفسي هحبك لو مالي على وصلك غير الحيلة و هحبك لو تبطي بيك الأيام عني
حبيبي متستغربش من چنوني في حبك أنا مجنو لأني هحبك بجد ياعمران وهعشق ريحتك ونفسك وكل حاجة حلوة في حياتي هو انت .
أنهت وصفها ثم ادمعت عينيها بشدة من روحها المهلكة لما هو قادم ومن كلمات زينب وحوارهم ولا تعرف كيف القادم سيكون وكيف ستتحمل
أسعار السيارات في الآونة الأخيرة شهدت تقلبات ملحوظة، حيث تأثرت بارتفاع وانخفاض الدولار، مما انعكس على تكلفة علامات تجارية مثل تويوتا، هيونداي، ومرسيدس. و BMW هذا الارتباط بين سعر الصرف وسوق السيارات يحدد قدرة المستهلكين على اقتناء المركبات.
في المشفى كانت فريدة جالسة في حديقتها ټشتم بعض الهواء بعد انهت الفحوصات المكلفة بها ثم جالت سكون بخاطرها وتذكرت أمر ذاك الطبيب فقامت بفتح تطبيق جوجل وبحثت عن اسمه فمجرد ان كتبت الاسم حتى وجدته يغمر الموقع فدخلت على إحدى الصفحات الخاصة بذاك الطبيب ووجدت عدد لا بأس من العمليات التي اجراها كما فتحت بعد التعليقات على صفحته الخاصة على تطبيق الفيسبوك ووجدت نفس التعليقات الإيجابية من كثير من الذين أجروا معه تلك العمليات الجراحية والحقن المجهري فشعرت بأن الأمل يطوف أمامها وقررت أن تفاتح سكون في ذاك الموضوع بعد زفاف رحمة ولابد عليها أن تشكر ذاك الفارس لأنه عرض عليها ذاك الأمر وعلى سيرته وجدت هاتفها يعلن عن مكالمة وإذا به يتصل بها ثم أجابت بصوت هادئ
السلام عليكم ورحمة الله.
تحدث هو الآخر عندما سمع سلامها بنبرة دعابية
ده ايه السلام الجميل المريح اللي كأن الواحد خارج من الجامع ده يا فوفا مفيش hello يا بيبي وحشتني مجيتش المستشفى النهاردة ليه
تطمني عليا وتسألي عني قد كدة وجودي من عدمه مش فارق معاكي انا زعلان منك خالص يا فوفا
التوت شفتيها بامتعاض ما إن سمعته يناديها ب فوفا فهتفت على الفور بنفس نبرته كي تزين له انها على خطاه كي يبدي لها ما وري من شخصيته الغير مفهومة
معلش يا بيبي اصل النهاردة المستشفى زحمة قوي وفي حاليا طوارئ كتير فما كنتش مالكة نفسي خالص ان انا اكلمك لكن انت حقك تزعل I am so sorry Fares .
حرك الكأس بين يديه بهوجاء وقد أعجبه ردها ثم أمرها
طب بقول لك ايه انا زهقان وعايز حد اتكلم معاه ومليش نفس اخرج من البيت ما تيجي كده نقعد مع بعض شوية ندردش وبالمرة نشرب كاسين سوا .
اتسعت مقلتيها بذهول من طلبه فهو يطلب منها أن تأتي الى منزله والأدهى يدعوها ان تتناول معه
ذاك الحساء المسكر ويبدو انه قد ذهب عقله بالفعل ولكن حاولت تهدئة حالها قبل أن ترد عليه ثم فكرت سريعا وأخبرته بأي حجة
له ما ينفعش اهمل المستشفى واصل في عملية كمان ساعة بيتجهز لها والدكتور بلغني اني هكون موجودة فيها معلش مره تانية بقى .
تأفأف بامتعاض من حجتها
أوووف بقى ايه الرخامة دي يافوفا ماشي روحي للعملية بتاعتك .
ثم اغلق معها الهاتف وتناوله حسائه بملل فهو كان يريدها في جلسته تلك كي يتحدث معها فحديثها يشعره بالراحة ثم ألقى الكوب من يده وقرر أن يدلف إلى الحمام كي يتنعم بحمام بارد وبالفعل توجه الى كبينة الاستحمام ومكث ما يقرب من نصف ساعة ثم خرج وارتدي ملابسه وقرر الذهاب الى المشفى فهو يشعر بالاكتئاب دون سبب فساقته قدماه الى هناك كي ينعم قلبه برؤيتها وكأنه أعطاه هذا الأمر أن يذهب اليه
مع وصول أونصة الذهب إلى مستويات قياسية تجاوزت 2500 دولار، يجد المواطن المصري نفسه مضطراً لموازنة استثماراته بين الذهب واحتياجاته الأخرى، خاصة مع ارتفاع أسعار السيارات مثل تويوتا، هيونداي، وبي إم دبليو، مما يزيد من التحديات المالية التي يواجهها.
قبل أن يصل إلى المشفى وجدها ذاهبة الى سيارتها فاندهش وهو ينظر في ساعته كي يرى موعد العملية انتهى ام ماذا
ولكن وجد ان موعدها الآن كما قالت له واستشف خداعها له فتحرك بسيارته حتى وقف أمامها بعرضها مشيرا اليها بإصبعه أن تدلف الى السيارة مما أرعبها بشدة فلم تكن تتوقع مجيئه خاصة أنها استشفت في صوته السكر
أما هي تنهدت بعدم راحة ثم ذهبت إليه قبل ان يفعل افعالا چنونية تثير الانتباه اليهم وخاصة أنه لم يكن في وعيه صعدت السيارة بجانبه ولكنه فور استقرارها تحرك بالسيارة بسرعة هوجاء مما أرعبها وجعلها تستنكر فعلته تلك وهدرت به
انت مچنون سوق بالراحة وانت رايح فين اصلا ازاي تتحرك بالعربية من غير ما تقول لي
أسعار السيارات في الآونة الأخيرة شهدت تقلبات ملحوظة، حيث تأثرت بارتفاع وانخفاض الدولار، مما انعكس على تكلفة علامات تجارية مثل تويوتا، هيونداي، ومرسيدس. و BMW هذا الارتباط بين سعر الصرف وسوق السيارات يحدد قدرة المستهلكين على اقتناء المركبات.
ممكن تقف لو سمحت وتنزلني انت شكلك سکړان .
ما زال على سرعته التي جعلت الخۏف يجرى بجسدها مجرى الډم في العروق مما جعلها تمسكت بباب السيارة المغلق بإحكام ولكنها لم تستطيع التحكم به فلجأت إلى حزام الأمان وسمعته يهدر بها
مطلعتيش سهلة ولا قطة مغمضة زي ما كنت فاكرك يا دكتورة !
طب قولي لي انك مش عايزة تيجي مش تخترعي حوارات مشتريهاش بمليم عيب عليكي ده إنتي مع البابا اللي بيفهمها وهي طايرة يافوفا .
ابتلعت ريقها بصعوبة بالغة من كشفه لها فذاك الداهي لم يخيل عليه حجتها ثم تمتمت بنبرة خاڤتة وهي تحكى سببا أخر غير مقنع له
اممم … أصل أني كنت تعبانة وحاسة بدوخة رهيبة ومش قادرة أتحرك شكلي داخلة على دور برد فقلت لك أي سبب جه على بالي علشان مقلقكش علي .
رفع حاجبه الأيسر والأيمن بعدم تصديق لما قالته ثم توقف بسيارته ووضع يده على جبينها بحركة مفاجئة وهو يهتف بنبرة عابثة
تعبانة قلتي لي استني كدة لما أشوفك سخنة ولا لا
ثم مرر يده على جبينها ووجنتيها بطريقة جعلت جسدها يتفتت خجلا وخوفا معا من حركاته المفاجئة لها ثم حاولت نزع يده برفق ناهية إياه
ممكن تشيل يدك وممنوع اللمس والاقتراب انت متفق معايا على اكده ما تخلفش وعدك وياي .
ما زال يتحدث بنفس نبرته العابسة
الله مش بشوفك يمكن دافية ولا حاجة على حسب مهنتي كطبيب مش كمغرم يافوفا .
يا الله ماذا تفعل هي الآن !
اتتجاوب معه وتترك لمشاعرها ان تنخرط لكلماته المعسولة ام تقف كصد منيع أمام قلبها وإحساسها تمنعهم ان ينجرفوا وراء ذاك الماكر العابس بقلبها وكأنها لعبه بين يديه
ثم سألته بنبرة متعجبة
مغرم ! يعني ايه بقي يادكتور .
قولي لي يافارس بلاش دكتور يافوفا … جملة راجية طلبها منها ذاك الفارس بمشاكسة ثم غمز لها بكلتا عينيه متسائلا إياها وما زال على نفس مكره
الا قولي لي يا فوفا هو شعرك الأحمر الن اري ده وراثة ولا انت كده طالعة زي حوريات البحر تجنني يا بيبي
نفخت بضيق ثم عنفته بنبرة حادة بعض الشئ
يادي شعري الأحمر الن اري اللي موركش غيره هو باين عليا هسبغه اسود مهبب علشان تستريح وتبطل تجيب سيرته تاني .
طب اعمليها كدة وانا هوريكي قلبتي على حق حذاري ثم حذاري تلعبي في لونه ولا تيجي ناحيته
لون شعرك نفس لون شعر عبير وأنا حبيته عليكي زي ماكنت بحبه على عبير سيبيه زي ماهو .
مع وصول أونصة الذهب إلى مستويات قياسية تجاوزت 2500 دولار، يجد المواطن المصري نفسه مضطراً لموازنة استثماراته بين الذهب واحتياجاته الأخرى، خاصة مع ارتفاع أسعار السيارات مثل تويوتا، هيونداي، وبي إم دبليو، مما يزيد من التحديات المالية التي يواجهها.
هي عبير كانت حلوة قوووي كدة
تبسم سنه وهو يصف لها عبير
ياه حلوة دي شوية قوي على عبير كانت جميلة الجميلات وجمالها ينض رب له المثل ورقتها وهدوئها ورقيها يخلوا اي حد يحب يتعامل معاها
ثم تغيرت معالم وجهه المبتسمة الى حزينة وهو يتذكر والدته
بس تصوري ساعات الجمال بيكون نقمة على صاحبه وبيوديه للقبر طوالي .
ارتعد جس دها خوفا من نظره عينيه المثبتة عليها والمفتوحة على وسعيهما عندما ذكر سيرة القپر المرتبط بجمال الأنثى وبالتحديد والدته ثم سألته وهي تحاول تهدئه جسدها من التوتر والخۏف
ليه هي اتحسدت على جمالها دي كتيير وعلشان اكده فارقتك وفارقت الحياة صغيرة
حرك رأسه رافضا ثم ترك يدها المثلجة من هلعها من يديه ورمى رأسه على الكرسي وأغمض عينيه ودخل دوامة الماضي الأليم
أسعار السيارات في الآونة الأخيرة شهدت تقلبات ملحوظة، حيث تأثرت بارتفاع وانخفاض الدولار، مما انعكس على تكلفة علامات تجارية مثل تويوتا، هيونداي، ومرسيدس. و BMW هذا الارتباط بين سعر الصرف وسوق السيارات يحدد قدرة المستهلكين على اقتناء المركبات.
ياريته كان حسد على الأقل لما الإنسان يتحسد بيلجأ لربنا وللصدقة وهيتعافى لكن أمي كان قدرها حكم بالإعدام كانت زي النسمة بس كانت فقيرة كان أبوها بيعلمها بشقاه والقدر وقعها في طريق من لايرحم اضطرت إنها تتجوزه وكان جابرها انها متخلفش منه هي حكيت لي كل الحاجات دي قبل ما تم وت وتسيبني لوحدي لكن كان نفسها تبقى ام فحملت ڠصب عنه لكن ما رحمهاش من اللي كان بيعمله فيها مخلهاش تعيش شبابها ولا تتهنى بيا ولا انا اتهنى بيها وډخلها معركه الجبابرة .
قط عت حديثه وهي تسأله بفضول
طب انت عرفت الحاجات دي كلها ازاي واللي باباك كان بيعمله فيها
أجابها وهو مازال على وضعه
بابا كان مركب كاميرات في الفيلا بتاعتنا كلها صوت وصورة وفي مرة وقتها كنت في اعدادي كنت بلعب والكورة بتاعتي وقعت في الاوضه اللي فيها الكاميرات وطبعا بابا قافلها جدا فعملت المستحيل ودخلتها وببص على الكاميرات بالصدفة لقيته ماسكها من دراعها وبيض ربها جامد شغلت الصوت المكتوم للشاشه وسمعت كل حاجه كانت بيطلبها منها ما تتصوريش مدى العڈاب اللي ماما اتعذبته معاه وهو ما كانش بيرحمها وبعد كده كل لما يقول لها تعالي عشان عايزك اشوف نظرتها المړعوبه ادخل من نفس المكان اللي دخلت فيه الاوضه واشوف كل حاجه واسمع هو عايز منها ايه .
مازال الفضول ينتابها وهي تسأله استفساراتها التي لم تنتهي بعد
طب هي ليه ما سابتهوش او خدتك وهربت بيك في اي مكان وبعدت عنه حتى لو هتاكل عيش وملح
اهتز فكه بابتسامة ساخرة وهو يجيبها
تفتكري عبير كانت هتعرف تفلت من ايد عماد الالفي ده
انت طيبة !
اصلك ما تعرفيش هو ايه ولا مين ولا وراه ايه ولا وراه مين حاولت مره وندمت نفسها على انها فكرت تهرب وراها العڈاب الوان فوق ما تتخيلي
ثم فتح عينيه وادار جسده اليها واكمل وجعه المخبأ داخل صدره
تصوري حرمها مني وحرمني منها شهر بحاله وانا كنت صغير وقتها ومحتاجها محتاج وجودها جنبي حنيتها اللي ما كانش فيه زيها في الدنيا ولما ماټت فارس الطيب الاخلاق اللي بيمشي يبتسم في وش اي حد زي ما هي علمتني م ات معاها .
ظلت التساؤلات تدور بمخيلتها كي تكشف اليوم الكثير والكثير من أسرار الفارس
هي كانت علاقتها ايه بربنا مش يمكن كانت بعيدة عنه وهو ده اللي خلاها متفلتش من تحت يده
تبسم وجهه ابتسامة عذبة أثلجت صدرها وجعلتها تأمل في تغير الفارس وهي ترى وجهه الذي يتغير مائة وثمانون درجة وهو يتحدث عنها مجيبا إياها
مع وصول أونصة الذهب إلى مستويات قياسية تجاوزت 2500 دولار، يجد المواطن المصري نفسه مضطراً لموازنة استثماراته بين الذهب واحتياجاته الأخرى، خاصة مع ارتفاع أسعار السيارات مثل تويوتا، هيونداي، وبي إم دبليو، مما يزيد من التحديات المالية التي يواجهها.
عبير علاقتها بربنا كانت جميلة قوي انت عارفة كانت عاملة ركن في بيتنا للعبادة وكانت في كل صلاة تشدني من ايدي وتعلمني ازاي اصلي وازاي بعد ما نخلص الصلاة نقعد نشكر ربنا ونذكره كتير
كانت دايما بتقول لي إن الذكر بيطمن القلوب ودايما كانت تنبهني اني مش بعد الصلاه اخد بعضي واجري على اللعب على طول كانت معرفاني معنى الآية اللي كانت دايما بترددها لي على طول
فإذا فرغت فانصب . وإلى ربك فارغب
لكن مش كل الناس بتاخد رزقها في الحياه راحه وماما ما ارتاحتش الا لما اقابلت ربنا .
ارتاح قلبها لسماع كلامه ولا تعرف ما السبب رغم قساوة ما يحكي لتقول باستفسار آخر
طب هي ماټت ازاي يعني قصدي ربنا بعت لها قضاه من عنده .
أنا اللي م وتها بإيدي أنا اللي دفنتها بإيدي أنا اللي قضيت على حياتها المرة أنا الجاني والمجني عليه أنا الق اتل وأنا المق تول
أسعار السيارات في الآونة الأخيرة شهدت تقلبات ملحوظة، حيث تأثرت بارتفاع وانخفاض الدولار، مما انعكس على تكلفة علامات تجارية مثل تويوتا، هيونداي، ومرسيدس. و BMW هذا الارتباط بين سعر الصرف وسوق السيارات يحدد قدرة المستهلكين على اقتناء المركبات.
أنا يادكتورة أنا … تلك الكلمات التي نطقها فارس بحسرة ودمع عيناه الغزيرة هبطت على وجنتيه ولأول مرة يعترف لأحدهم هذا الاعتراف الذي جعل فريدة تتصنم للأمام بهلع وړعب من قات ل أمه الذي تجلس معه الآن ويعترف لها مما جعلها تتيقن أن ماتخيلته فيما حدث لوالدته لم يكن إلا هفوة رغم تخيلها الصعب ورسمها للأمور اصبح هينا لينا بجانب ماسمعته الآن .