تحميل رواية «من نبض الوجع عشت غرامي» PDF
بقلم فاطيما يوسف
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
حلَّ الليلُ على البيت، وغرقت البلدة في صمتٍ ثقيل، كأن كل شيء توقف عن الحركة ليترك السكون يسود. في الطابق السفلي عند نهاية الممر الطويل، وُجِدت تلك الغرفة ذات الباب الرمادي، مغلقة كعادتها في مثل هذا الوقت. لا أحد يقترب منها، ولا أحد يسأل. "فريدة" بخطواتٍ هادئة لا تُحدث صوتًا، هبطت السُّلم وهي تحتضن بين يديها كتابًا كانت تقرأه قبل قليل لكنها لم تستطع التركيز. هناك شيء ما منذ أيام يتحرك في عقلها ولا تستطع الإمساك به. حدس خافت، شعور بأن ثمة ما يتسلل من بينها وبين "فارس". حين اقتربت من الغرفة توقفت....
رواية من نبض الوجع عشت غرامي الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم فاطيما يوسف
انحصرت أنفاسها ولم تعد تقوى على التنفس في قربه. يا الله، كم من المشاعر المتضاربة التي تطرق على أبواب قلبها كالطبول تطالبه بالمزيد. كم أنت بارع حقًا أيها الآدم في أن تجعل كلي يثور داخلي.
رأت نظراته المترجية ويداه الممدودة لها وكأنه مسكين في الغرام يترجى النظرة كي يجبر قلبه الجائع لها. ثم همست بدون تفكير:
"ارفع النقاب يا آدم، مش من حقي أمنعك دلوقت."
ابتلع ريقه وأخرج تنهيدة حارة تنم عن مدى غرامه بها. فلقد أذنت له حبيبته أخيرًا بفك الحصار كي يراها. كم كان ذاك الشعور مرهقًا لقلبيهما، فهو عاشق ولأول مرة يرى وجه من عشقها.
ثم اقترب منها وكادت المسافات أن تكون معدومة بينهما. أحس بسخونة أنفاسها من تحت نقابها تدل على اضطرابها. سمع صوت نبضات قلبها وهي أمامه واخترقت خلايا جسده. رفع نقابها في موقف حبس أنفاس لكليهما.
وأخيرًا، أزاح الستار عن معشوقة القلب والروح. ودقات قلبه ونظرات عيناه تنظر لها بانبهار وقلب خفقان لصاحبة العيون الزرقاء.
"يا الله، أقسم برب السماء الذي خلقكِ وسواكِ أنكِ ملكتي الفؤاد وأنرتِ الظلام بطلتكِ ملاكي. اهدأ أيها الآدم، اهدأ قلبي، اهدئي أيتها النفس الضائعة الهائمة في بهاها. فلقد طُلّت عليكِ الشمس والقمر والنجوم في لحظة وضحاها. أخبروها بأنها الأمس واليوم والغد والكل، وهي النفس ومُناها. أخبروها بأن تترأف بحال مسكين عاشق ذاب، فماذا بعد؟ ماذا عساها؟"
تسمّرت عيناه على كتلة الجمال الطبيعي الذي يأسر النفس ويجعلها تذوب غرامًا. كم رآها في مخيلته كثيرًا بألف وجه، ولكن الآن أجزم أنه لم يتخيل طلتها الخاطفة لأنفاسه، وأن وجهها لم يكن من بين الألف الجميلات اللائي رسمهن خياله.
أما هي، فألقت نظراتها أرضًا من شدة خجلها بسبب نظراته الهائمة بها. نعم، لقد فهمت معنى نظراته وتسربت داخلها وجعلت ذاك الساكن الذي لم يتحرك أبدًا يتحرك الآن بنبضات متتالية لم تنفض عنها ولن تصمت عن دقاتها بعد.
وأخيرًا، بعد حبس تلك الأنفاس لكليهما، رفع وجهها وأجبر عيناها كي تسكن عيناه. ثم همس بعشق:
"حرام عليكي يا شيخة، حرام عليكي بجد، إيه اللي بتعمليه فيا ده!"
اتسعت مقلتاها بذهول من كلامه وسألته عيناها: ماذا بك؟ فهي من شدة خجلها لم تقوَ على التفوه. فأكمل هو تلك اللحظة بتلك الأغنية الذي ألقاها لها بصوته الملائكي. وللعجب، أنها لأول مرة تسمعه بدون موسيقى، فقد سحرها بجمال صوته وسحبها لعالمه أكثر وأكثر.
أما هو، فغنى لها:
"عيونك شايفها وحاسس إن أنا عارفها
سيبيني براحتي أوصفها مكسوفة ليه
كإنك معايا بقى لك عمر ويايا
بنفس الصورة جوايا من قد إيه
سنين شايفك في أحلامي بنادي عليك ضميني
ليالي كنت مش عايش ومستنيكي تحييني
وحشتيني، وحشتيني سنين بعدك على عيني
ليالي كنت مش عايش ومستنيكي تحييني
وحشتيني، وحشتيني سنين بعدك على عيني
ليالي كنت مش عايش ومستنيكي تحييني
يا أجمل هدية بعتها القدر ليّ
يا قمري في عز لياليا أوصف لك إيه
والله والدنيا بقت في عينيّ حاجة ثانية
هواك قابلته وفي ثانية جريت عليه
سنين شايفك في أحلامي بنادي عليك ضميني
ليالي كنت مش عايش ومستنيكي تحييني
وحشتيني، وحشتيني سنين بعدك على عيني
ليالي كنت مش عايش ومستنيكي تحييني
وحشتيني، وحشتيني سنين بعدك على عيني
ليالي كنت مش عايش ومستنيكي تحييني
بحبك هقولها يا ريت قبل ما أكملها
تعالي في حضني ونقولها إحنا الاثنين
وحشتيني، وحشتيني سنين بعدك على عيني
ليالي كنت مش عايش ومستنيكي تحييني
وحشتيني، وحشتيني سنين بعدك على عيني
ليالي كنت مش عايش ومستنيكي تحييني
وحشتيني وحشتيني."
وفور أن انتهى من أغنيته لها التي دلت على مدى وحشته لها، وعلى حين غرة، جذبها إلى أحضانه قبل أن تفيق من حالة التيهة التي اعترتها في همسه ولمسه. تشبث بأحضانها كالغريق الذي وجد قارب نجاته بين يديها. قرر الإبحار في عالمها الخاص. ظل في أحضانها يتنعم بقربها، يشتم رائحتها.
أما هي، فكانت متخبطة. مشاعرها البدائية لأول حضن في حياتها لحبيبها وزوجها، حتى ولو كانت إجباريًا. فعن جضرة المحبوب تندثر قوانين الكبرياء والكرامة. ففي حضرة المحبوب تفوز لحظات العشق وتركل أبواب القلوب بمهارة حتى تستقر داخل شباك الحبيب، ووقتها حتمًا ستسطر النهاية. قد فاز الحب على الكبرياء، وماتت الكرامة وليس لها عزاء. فهي الآن أعصابها مخدرة، مهلكة، متيمة ليس لها دواء غير أحضانه.
ثم أخرجها من أحضانه واقترب منها ليزيح خصلة شاردة فوق عينيها، يتلمس وجنتها نزولًا إلى فكها، ثم صعد إلى شفتيها يتلمس كل منهما بإبهامه:
"طلعتي جميلة حد الفتنة، طلعتي أحسن من أي أغنية غنيتها، طلعتي مبهرة."
ثم أمسك يدها ليضع كفها على صدره وأردف:
"شوفي دقات قلبي في قربك عاملة إزاي، شوفي لو بعدت عنك وده إن قدرت، قلبي هيعمل فيا إيه. حياتي من غيرك ضياع."
واسترسل حديثه وهو يمرر عيناه على وجهها ككل، يحفظه داخله. مرة داخل عينيها، وأخرى شفتيها، وأخرى وجنتيها. وأخيرًا، قرر أن يكشف عن باقي المكنون وهي مازالت في تيهتها.
وفجأة، وبحركة خفيفة، خلع عنها حجابها وانسدلت الأمواج السوداء الكاحلة على ظهرها، مما جعله ينظر إليها بانبهار وهو يبتلع أنفاسه بصعوبة. أما هي، فنظرت بعيدًا عن عينيه تحاول كبت مشاعرها كي تصد هجومه الضاري على قلبها المسكين. لكنها لم تقدر أن تستعيد قواها وأخفت كل مشاعرها التي تملكت منها لمساته وهمساته بكل ضعف منها.
ثم نظرت له بعيون تخفي ضعفًا يستكين بداخلها، وقلب يخفق ألمًا وعشقًا معًا. ترتجف من لمساته التي تجعلها تود أن ترمي على صدره ويدفئها بحرارته المنبعثة من توهج عشقه لها. لكن كبرياءها كان يصرخ بداخلها يحثها بأن تصم أذنيها عن كلماته ورجائه وأن لا تتأثر حتى بأسبابه. ولكن تفوهت بكلمة واحدة وهي تبعد يداه برفق عنها:
"آدم أرجوك ابعد ومتستغلش ضعفي في قربك أكتر من كده. كفاية على كده النهاردة."
لم يقدر على الابتعاد عنها. وأزاح قميصه من على صدره ليشير إلى موضع قلبه الموشوم أعلاه وأكمل:
"بقى يرضيكي بعد الجري وراكي ده كله وقلبي ده اللي اتعذب في جفاكي ونفورك منه الشهور دي كلها وتيجي لحظة قربك وتقولي لي أبعد!"
ثم ابتسم بهدوء وأمسك كفها وطبع بداخله قبلة لثوانٍ، ولكن أذابتها من حرارتها المنبعثة من شفتيه. ثم نظر إليها وأكمل:
"لأ، يا عمري مش هيحصل ولو عملتي إيه بالذي أو قلتي إيه بالذي مش هبعد. هو معقولة أبقى في الجنة اللي دخلتها دلوقتي على إيديكي هسيبك وأبعد! متحلميش يا مكة ومش هيحصل أبدًا."
استجمعت شتاتها المفرق في قربه ثم نظرت جانبًا وجذبت حجابها كي تغطي رأسها. ولكنه لحقها وأخذ منها الحجاب ورماه بعيدًا عنها. ثم اقترب منها وجذب خصلات شعرها بين يديه برفق، ثم قربه من أنفه واستنشقه بهيام كأنه عبير من الجنة بين يديه. ثم لف خصلاته على إحدى يديه ودفن الأخرى بين شعرها حتى وصل إلى رقبتها. ثم اقترب على وجهها وأسند جبهته بجبهتها وتحدث وهو ينظر داخل عينيها ويتنفس أنفاسها مرددًا برفض قاطع وهو يغمز لها بطريقة أذابتها أكثر من ذلك:
"هو إنتي مش تعرفي ربنا كويس؟ وربنا بيقول لك مينفعش تداري زينتك على جوزك. حجاب إيه بقى اللي تلبسيه وانتي قاعدة مع جوزك حبيبك؟ مكة، لازم تفهمي كويس إن إني بقيت جوزك يعني من حقي أشوفك في أي وقت وأكلمك في أي وقت، ونحب في بعض في أي وقت، وأطلب منك تدلعيني فتدلعيني، وأطلب منك نتكلم مع بعض ونسهر لحد الصبح فتسهري معايا، وأقول لك: يالا نخرج نشم هوا فتخرجي معايا. وإلا هتشيلي ذنب والملايكة هتلعنك."
اتسعت مقلتاها بذهول من ذاك المجنون في وجهة نظرها. ثم استجمعت قواها أخيرًا واقتربت يداها من صدره تبعده عنها. ولكنه تمسك بيدها وحاولت الإفلات من قبضته. لكنها لم تستطع فتحدثت باستنكار:
"هو إنت بتاخد بالك من كلام ربنا في حاجات وحاجات له! إنت عجيب قوي يا شيخ، مش واخد بالك بردو إننا مش مكتوب كتابنا طبيعي زي أي اتنين وإني اتغصبت على وجودك في حياتي."
وضع إبهامه على شفاها كي يمنعها أن تكمل ثم نهاها عن الحديث:
"متحاوليش تنكدي عليا وتخلي هرمونات النكد اللي بتبقى جوة كل ست تطلع دلوقتي ودلوقتي بالذات علشان مش هديكي الفرصة يا مكة. ومهما كان كلامك واعتراضك في النهاية إنتي مراتي ومن حقي عليكي الطاعة، يا إما هشتكيكي لربنا وانتي بتخافيه أوي، فبلاش نمشي مع بعض بمبدأ الملاوعة ده."
نفخت بضيق من حصاره ثم سألته بغيظ وهي تأكل شفتيها وتلك حركتها المعتادة عند الاضطراب الشديد لديها:
"وه يعني إنت عايز إيه دلوقت يا ابن الناس؟ إني تعبت ومبقتش قادرة أتحمل لعب الأعصاب دي واصل."
أعجبه نبرتها الطفولية وحركاتها التي تفتعلها بوجهها، فكل حركاتها جديدة عليه كليًا، فأول مرة يراها. ثم احتضن وجنتيها مرددًا بنفس لكنتها:
"عايزك في حضني وجار قلبي يا بت الصعيد إنتي، عايزك تبقي ليا وعايز حضنك ميفارقش حضني واصل وبس أكده."
ثم استرسل حديثه وهو يغمز لها بكلتا عينيه بدعابة:
"إيه رأيك فيا وإني بتحدث وياكي صعيدي؟ مش لايق عليّ بردو ولا إيه يا قمرة إنتي؟"
نفخت بضيق ثم أدارت وجهها المحكم بيداه بعيدًا عنه. وظل يشاغبها كثيرًا وكثيرًا، فتلك لحظته المنتظرة. فوجدها تجيبه:
"طبعًا ما أنت ممثل تعرف تتغير وتتلون بميت لون في لحظة. يعني لو عايز تحب وتدوب اللي قدامك هتعرف تعملها. لو عايز تبكي وتبكي اللي قدامك بردك هتعرف تمثلها."
حرك وجهها مرة أخرى بحدة خفيفة آلمتها وجعلتها تنهره:
"يدك تقيلة وجعتني."
حرك حاجبه بعبس:
"سلامتك من الوجع يا قلبي، بس إنتي ضايقتيني بكلامك."
لاحظ تعجبها فأكمل هو:
"أيون، يعني إني بمثل عليكي الحب مثلاً! طيب بذمتك يا مكة واحد في مكانتي الفنية هيستحمل منك اللي استحمله ده كله ليه! علشان بس يقضي معاكي لحظة صفا وبعدها يفر، ولا علشان يخطف قلبك ويسيبك ويغدر."
وتابع حديثه وتبدلت نظراته من ملامة لها إلى عاشقة وبنبرة متيمة اعترف لها:
"لأ، يا حبيبتي ده علشان أنا بحبك. عارفة يعني إيه بحبك؟ يعني إيه قلبي وكلي عايزك ومش عايز غيرك. يعني مهما يحصل مش هبعد يا مكة، مش هبعد."
أخذت نفسًا عميقًا ثم زفرته بهدوء وتابعت باستفسار:
"طيب انت نسيت مشكلتنا وسرحت في عالم تاني خالص، هنعمل إيه فيها؟"
استوعب سؤالها واردف بنبرة عاشقة متجنبًا خوفها:
"طيب هو في أحلى ولا أجمل من العالم اللي أنا سرحت فيه؟ قدامي مراتي حبيبتي اللي سحلتني وراها ومرمطت اللي خلفوني لحد لما وصلت للحظة دي. ولولا إن ربنا ما رضاش لعبده المرمطة أكتر من كده وعارف إنه كفاية عليه كده وهونها عليه، كان زماني لسه بعد النجوم وبسهر الليل على ضوء عيونك اللي بلون السما يا حبيبي."
اتسعت مقلتاها بذهول من حديث ذاك الآدم وحتمًا سيجعلها تطبق في رقبته الآن من طريقته. ثم هدرت به:
"يا ربي، أووووووف، هتجنني معاك والله وإني منقصاش جنان."
ابتسم بمشاغبة ثم أردف:
"الله شفتك النهاردة بجميع حالاتك وكلهم في وقت واحد، بذمتك أنا مش متمكن بردو؟"
قال كلمتها الأخيرة وهو يغمز لها بطريقة جعلتها تبتسم ثم أكمل:
"أيون كدة يا شيخة اضحكي خلي الشمس تطلع والدنيا تنور، خلي القلب يدفى بعد البرد اللي عشّش جواه."
تنهدت بتعب ثم طلبت منه:
"طيب ممكن نشوف المشكلة ونحلها الأول وبعدين نشوف جنانك ده وهنشوف هنكمل مع بعض في الجواز ده ولا…."
لم يتركها تكمل ووضع يداه مرة أخرى على شفاها ناهراً إياها:
"متكمليش يا مكة مش هسيبك ورب الكون ماهسيبك."
ثم جذب وجهها إليه وأنهال على شفتيها بعشق ووله مصاحبان لقليل من العنف في قبلته بسبب تهديدها له بالابتعاد. فلم يشعر بحاله وهو يقبلها بذلك العنف الذي آلمها. يعلو بداخلها أصوات صراع صاخبة بين قلبها وكبريائها. فقامت بدفعه في صدره وهي تلتقط أنفاسها. انحنت نحو الأرض وألتقطت بعنق زجاجة حطمتها على الفور ووضعتها عند العرق النابض في عنقها وصاحت بتهديد بعدما فاض بها:
"والله لو عملت كده تاني لاهموت نفسي وأريحها وأريحك مني وأريح الدنيا كلها. ثم استرسلت ودموعها لمعت داخل عينيها: يا أخي اديني فرصة استوعبك، اديني فرصة أتقبل ظروفك وأشوف هتعامل وياها إزاي."
اتسعت عيناه خوفًا فأشار إليها بكفيه وقال:
"خلاص خلاص نزلي الإزازة دي وأنا والله ماهعمل كده تاني، بس أرجوكي اهدي وصدقيني أنا مش بحلف كذب."
رمت عنق الزجاجة المحطمة على المنضدة ثم لامها:
"بقى كده يا مكة والله حرام عليكي بجد."
لم ترد عليه ولكن لاحظ نظراتها للزجاجة مرة أخرى وكأنها تهدده. ثم نفخ بضيق من أفعالها المتهورة. ولكن حاول تهدئة حالها ثم أمسك حجابها ويليه نقابها قائلاً:
"اتفضلي البسي الحجاب ولمي شعرك كويس جدًا والبسي النقاب وخلي أعصابك هادية علشان هنطلع البث المباشر. واعملي حسابك بردو هتمسكي في إيدي طول البث علشان متتهوريش قدام الكاميرا."
ثم أدلى عليها تعليماته وما سيقولاه في البث وأطاعته بكل شيء. وبالفعل، بعد دقائق بدأ البث وذكر فيه كل ما قالته له أخته بالتفصيل وبدأت المباركات تنهال عليهم بالآلاف. وفي نهاية البث نظر إليها وأمام العالم أجمع وهو ينظر داخل عينيها:
"وفي النهاية أحب أقول لمكة قدام العالم كله إني مش بس بحبها علشان مكتوب كتابنا، لأ. أنا بحبها علشان هي أعظم انتصاراتي. هي كل حاجة حلوة حصلت لي في حياتي، وبوعدها قدامكم كلكم إني عمرها ماهسيبها ولا هقدر أستغنى عنها. ومن دلوقتي بعزمكم على فرحي منها بعد أسبوع يا أجمل جمهور وعيلتي التانية."
ثم أنهى البث بعد أن ودع متابعيه. فدَلَفَت هند ومها وسكون وعمران وماجدة فرحين بأن الغمة انزاحت. فجذبوها إلى أحضانهم وأنهالوا بالمباركات عليهم. وهي بعد كل ذلك تشعر بالتخبط وعدم الارتياح، ولكن ستترك أمرها بيد الله يدبره كيفما شاء وليس أحن على قلوب العباد من خالقه.
***
في نفس اليوم وبالتحديد في الساعة السادسة مساء، في مكتب ماهر الريان، جالسًا وهو شارد الفكر يتذكر اليوم المشؤوم الذي مر في حياته. فهو من الأساس لن ينساه. عاد بذاكرته إلى عشر سنوات من الآن وهو يتذكر تلك الليلة المريرة التي فقد فيها ابنته وهي ولدت للتو وأخذها بين أحضانه ولم تلبث عشر دقائق حتى فارقت روحها الحياة قبل أن تبدأ. وظل يردد داخله بحزن دفين:
"لم يؤلمني التقدم بالعمر لأنه محتم، بقدر ما ألمتني أمنيات شابت بداخلي. لقد شاخ قلبي قبل عمري. نمضي في الحياة ولا نعرف أين نحن ذاهبون؟ نهرب من أشياء لا نعرف لما تطاردنا؟ نقوم بكل الأشياء المفروضة علينا إلا تلك التي نرغبها وبشدة. نتكلم كثيرًا إلا الكلام الذي نود قوله نحبسه بداخلنا! تائهون في حكايات مضت، وأخرى نعيشها، مشتتون بين أمنيات نرغب بها، وأخرى تاهت منا دون أن ندركها. معتادون على كل شيء حدث ويحدث معنا، مقبلون على الحياة دون أنفسنا. وبعد.. إلى الأيام القادمة مري علينا بسلام، فقلوبنا جدًا متعبة ومرهقة، أرهقتها الحظوظ وأتعبتها تراكمات الأيام."
**فلاش باك**
فرح وهي تتوجع بشدة:
"الحقني يا ماهرررر بمووووو. ت آااااااااه."
شعر بالذعر لحالتها ثم نقلها على الفور إلى المشفى. وما إن رأوا حالتها حتى أدخلوها فورًا إلى غرفة العمليات وألحوا عليه أن يدلف معها. ولبس الملابس الخاصة بالعمليات ودلف معها وهو ممسكًا بيديها، ينظر إليها بهلع وهو مرعوب من فقدانها. بعد ساعة كاملة من وجودهما في غرفة العمليات، فقد كانت حالتها صعبة للغاية. فهي قد تناولت عقارًا مخدرًا يؤدي إلى الوفاة، فلم يتحمله جنينها. ولكن سطر القدر كلمته وفارقت روحها الحياة وعادت إلى بارئها وهي مخطئة في أمانة روحها التي أهدرت فيها ونسيت أنها أمانة ونسيت قوله تعالى: "ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة وأحسنوا إن الله يحب المحسنين."
أدمعت عيناه على فراقها رغم رحلة عذابه معها. أمسك ابنته التي ولدت للتو في أحضانه، يشتم رائحتها، يتلمسها برفق وحنان. يكبر في أذنها ومع انتهاء آخر تكبيراته فارقت روحها هي الأخرى الحياة. فلم تتحمل المخدر السام التي تجرعته والدتها. لاحظ شحوب وجهها فعلم أن قطارها وصل محطته الأخيرة قبل أن تنتهي أصوات صافرة تحركه. حضنها بين أحشائه بعمق ورهبة من فقدانها مرددًا بوجع من يراه تذرف عيناه دموعًا كالأنهار. فقد فارق الرضيع وضاع قبل أن يتنفس:
"آااااااااااااه، لااااااااااااااا، بنتااااااااااااي."
ظل يصرخ بلا جدوى ولا فائدة على ضناه التي ماتت بين يديه قبل أن يجبر قلبه وتقر عيناه بها. حلم السنين أن يكون أبًا لأنه عاش ابنًا وحيدًا رحل قبل أن يتعمق ذاك الحلم ويبتسم له. وكان ذلك نبض الوجع الأول الذي ناله ماهر من الغرام، ولكنه الوجع الأكبر والقاسم للظهر.
**عودة من الباك**
دَلَفَت رحمة إليه بملف القضية التي سهرت عليه، فقد وكلها بتلك القضية أن تفهم مغزاها وتأتي له بالحل الجذري بها. وحقًا كانت صعبة. نادت عليه كثيرًا وكثيرًا ولكنه كان شاردًا مغمض العينين. وفاق أخيرًا من شروده وفتح عينيه اللامعتين بالدموع. وفور أن رأته بتلك الحالة، تخبط القابع بين أضلعها هلعًا على معشوق الروح ومعذبها. اقتربت منه بلا هوادة وسألته بخوف:
"مالك يا ماهر وشك مقلوب أكده ليه! في حاجة حصلت لاسمح الله؟"
بعينين قاتمتين وغضب عارم على صوته:
"إنتي إزاي تدخلي المكتب من غير ما أديكي الإذن يا بني آدمة إنتي؟"
تراجعت بضع خطوات للخلف وهي تنظر له بصدمة من طريقته الفظة معها. ولكن ليس هذا ما يزعجها، فهي أصبحت تحفظه عن ظهر قلب. فهي اقتحمت عزلته وهو في أشد حالات ضعفه ورأت عينيه اللامعتين بالدموع. إياكم أن تستحقروا دموع الرجال، فدموع الرجال لا تسقط إلا عندما تكون فاقت الهموم فاقت قمم الجبال. الرجل لا يبكي إلا لسببين: الأول حين يفقد أحد والديه، والثاني حين يعشق امرأة حد الجنون ولا تكون من نصيبه. ويبكي الرجال لفراق الوطن، وغياب الأحبة. يبكي الرجال عند ما يسقط كبرياؤه وعزته وتغلق الدنيا أبوابها عليه. يبكي الرجال عندما يكون كرمه أخضر. كان الجميع معه، وعندما يبس الكرم تفرق الجميع وتركوه بمصائبه. يبكي الرجال ولكن في العتمات وتحت الأمطار وعلى الوسائد. لكن دموع الرجال لا تخرج من العين على الخد فيراها الجميع، بل تخرج من القلب وعلى القلب فتظهر التنهدات والنظرات وتجاعيد الوجه، بياض الشعر ورجفة اليدين. هكذا يبكي الرجال.
ثم اصطنعت الزعل وتحدثت وهي تعطيه ظهرها تنتوي الخروج:
"تمام."
قام من مكانه بحدة وهو يركل الكرسي بقدمه مما جعله طار ناحية الحائط وأصدر ضجيجًا أرعبها جعلها تدير وجهها له ورأت علامات الغضب لا تبشر بالخير على وجهه. وفجأة اقترب منها وفاجأها بمسكه له من ذراعها لأول مرة يهزها بعنف وهو يهذي بكلماته الغاضبة وكأنها بفعلته تلك وضعت البنزين على النار مما جعل غضبه سريع الاشتعال:
"هو بمزاجك الدخول والخروج! ولا أنتم مفكرين إنكم هتمشوا الكون على كيفكم."
علمت أنه الآن كان داخل قوقعة الماضي الأليم الخاص به وأنه ليس في عقله. وحتمًا وجب عليها مجاراته كي تجعله يستفيق. فهي قررت أن تجعله يخرج ما في صدره ويكبس على أنفاسه ولن يكن ذلك إلا باستفزازه:
"آه طبعًا بمزاجي وعلى كيفي، أنا حرة يا ماهر وانت مليكش حكم عليا ولا صالح بيا."
هزها بعنف أكثر من ذي قبل فقد أشعلت الفتيل وأوقدت الحريق بداخله فلتتحمل ماذا يحدث لها الآن. ثم ذهب ناحية الباب وأحكم إغلاقه مما جعل ناقوس الخطر يدق على ناقوس جسدها وصارت لا تقوى على الحراك من هيئته الغاضبة. ولوهلة شعرت بحماقتها. ثم عاد إليها ينظر إلى جسدها كالأسد الجائع وما إن رأى فريسته حتى انقض عليها. أمسكها من ذراعها متحدثًا بفحيح ولأول مرة ترى تلك النظرة:
"مين قال إنه بمزاجك يا بت امبارح! مش قبل ما تدخلي عش الدبور تشوفي الأول هتعرفي تتحملي قرصته ولا له؟"
لم تشعره بالخوف ولو لبرهة واحدة، فهي رحمة المهدي ولم تعهد ذاك الخوف. وردت عليه بقوة:
"مين قال لك إن إني مهتحملش؟ لأ، يبقى إنت متعرفنيش. لا دبابير بخاف من قرصها ولا تعالب بخاف من مكرها ولا أسود بخاف من زئيرها الواهي اللي اعتادوا عليه عشان يخوفوا اللي قدامهم."
أنهت كلامها ثم ضغطت بحذائها ذي الكعب الحديدي على مشط قدميه بقوة غليظة لا تناسب جسدها الضئيل مما جعله يفلت يديه من حركتها المفاجئة وتوجع قدميه. ولكن لم يتأوه كي لا يشعرها بضعفه وهي تردد من بين أسنانها بحدة:
"خليك بطل وجنتل وواجه من غير فرد عضلاتك على واحدة ست يا متر."
لم يلقِ بالاً لكلامها المستفز ووضع يديه على صدرها وأزاحها ناحية الحائط قائلًا ببرود قاتل:
"خليكي على مبدأك يا سوبر هيرو واجمدي أكده علشان خاطر هوريكي الجحيم على الأرض دلوقت يا بت سلطان. وعلى نفس تثبيته لها في الحائط وقبضته كما هي جذب ريمود الشاشة وأشعلها على موسيقى عالية كي لا يسمعه من بالخارج. فتحدثت هي: إيه هطلع عقدك عليا دلوقت يا متر ولا إيه؟"
ثم ضربته بقبضة يديها الصغيرة في صدره مرددة بعصبية:
"فوق ياماهر ميلقش عليك الحاجات دي! اطلع بقى من قوقعة الماضي الفارغة اللي عايش فيها بقالك سنين وهتضيع الباقي من عمرك."
جز على أسنانه بغضب من طريقتها المستفزة لها:
"إنتي مالك بالماضي ملكيش دعوة بيه. واسترسل حديثه الغاضب: وبعدين إنتي بقيتي تدخلي كتير في اللي ميخصكيش واللي مدتكيش الإذن تتكلمي فيه."
كانت تنظر إلى قبضتي يديه المحكمة بشدة عليها وداخلها يرتعب، ولكن نظرة عينيها تدل على الصرامة مما أوحى له أنها لا تهابه فيزداد العند أكثر من ذي قبل ويتوعد لها أكثر من ذي قبل. ثم تحدثت وهي تحاول إفاقته بطريقة أكثر برودًا:
"هو إنت مفكر إنك بطريقتك دي هتخوفني منك مثلاً! أو المفروض إني أبوس إيدك وأقول لك: ابعد عني وسيبني أخرج!"
واسترسلت حديثها وهي تحرك رأسها بنفي:
"متخلقش لسه اللي يخوف رحمة سلطان المهدي ولا يهز لها شعرة ولا إنه يدخلها الجحيم غير رب العباد لو حكم عليها بكده."
استدعت شياطين الإنس والجن الآن بقوتها أمامه، فهو لا يحب المرأة القوية لأنه تذكره بتلك الفرح فقد كانت قوية لأبعد الحدود وهو كان ضعيفًا في محبته أمامها ومنذ أن ذاق منها الويلات وانهارت حياته على يديها وخسر نفسه من عنادها وكبريائها وتجبرها. عاهد نفسه منذ ذاك الوقت بأن لا يعرف الضعف طريقه أمام أي أنثى وتلك الرحمة أقوى من أي أنثى. نظراتها تحوي شراسة كنظرات الصقر الذي لا يهاب أحدًا مما جعل بداخله يتحداها. فااقترب منها وهو مغيب وعقله قد رُفع عنه الآن ونزع حجابها من على رأسها بوحشية آلمتها وجعلتها لم تصدق أنه سيفعل بها ما لم يخطر على بال بشر. واقترب من شفاها وكاد أن يقبلها إلا أنها بأظافرها الطويلة غرستها في وجنته بقوة جعلته يتأوه بصوت عالٍ وسحب يديه كي يمسح دماؤه. فتحركت من مكانها صوب المكتب وعلى الفور أمسكت بمقلم الأظافر الذي أمامه وصدرته في وجهه هادرة به:
"لو قربت مني هقتلك وهقتل نفسي يا ماهر."
اقترب منها ولم يهمه تهديدها وهو يصيح في وجهها:
"اقتليني يمكن أستريح من عذابي والدنيا المرة اللي أنا عايش فيها. خلصيني من حياتي وريّحني من قلبي اللي خلاني أحبها قبلك وماتت بس قبل ما تموت كانت نهت على كل حاجة حلوة في حياتي."
واسترسل وهو يبتعد عنها ويجلس على الكرسي بروح منهكة:
"مسبتلكيش حاجة حلوة تعيشيها معايا، مسبتلكيش غير الوجع والروح المرهقة اللي هتخلي حياتك معايا مملة ملهاش طعم ولا لون ولا ريحة."
شعرت بآلامه ومدى قهره، ويا ويل الرجال حين يُقهروا. رغم ما فعله بها الآن إلا أنها تعلم أنه ليس على طبيعته ولم تهب منه أو تحزن منه، بل حزنت عليه وعلى ضيقه المهلك له. فجذبت حجابها وارتدته على رأسها وثبتته بإحكام ثم جلست أمامه ولم تبتعد عنه إلا مسافات قليلة وبدأت بتقويته:
"انت مليكش صالح بيا ومتربطش علاقتي بيك بعلاقتها اللي ماتت واندفنت ببعض. أنا حاجة وهي حاجة تانية خالص. يعني مثلاً هي كانت بتحب الضوضاء والسهر والشرب والشغب، أنا عكسها خالص أنا بحب الهدوء ومليش في السهر ولا حوارات الديسكو. أنا من طينتك يا ماهر صعيدية شكلك بالظبط، عاداتنا واحدة وتقاليدنا عارفينها وحافظينها. انت اخترت طريقك غلط من البداية وكملت فيه وعاندت التكافؤ الاجتماعي بالظبط ما تكون عملت الشاي بالملح. اهنه جسمك كله هيرفض الحاجة الغريبة دي. وعشان انت تعبت في عمله رفضت ترميه لحد ما قرفت وبطنك وجعتك وكرهت الشاي بسبب غلطك في الأول."
واسترسلت حديثها وهي تحثه على أن ينسى الماضي:
"وبعدين مالك يا حضرة الأفوكاتو اللي دارس الشريعة والقانون، انت بتعترض على حكم الله في ابتلاؤه ليك. انسى يا ماهر ومتبقاش قانط من رحمة الله وتكتب من القانطين عندي."
رفع رأسه ولأول مرة منذ عشر سنوات ينظر لأحدهم بذاك الضعف وهتف بوجع:
"طب هي وهتتعوض بنتي اللي ملحقتش أسمع صوتها، اللي فارقت الحياة من قبل ما تبدأ، اللي ماتت بسببها أنساها كيف؟"
ابتسمت له وأجابته:
"عمرها كده في الدنيا. وبعدين بص لها من الناحية الإيجابية، مش لو كانت جت الدنيا وشافت أمها بالشكل ده كانت هتبقى حياتها عاملة إزاي وكانت هتتربى في البيئة اللي انت مش راضي عنها دي إزاي؟ لو بصيت لها من ناحية الصح يا ماهر هتعرف إن ربنا كرمه كبير قوي علينا. وإن الحاجة اللي إحنا شايفينها صعبة ومستحيلة ومن حقنا نعيشها ونلمسها وسبحانه بياخدها مننا ظلم، لا، دي ظلم لنفسنا إحنا. وبعدين: 'وعسى أن تحبوا شيئًا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون'. فوق من غفوة الماضي وعيش الحاضر وكفاية ألم سنين بحالها."
وأكملت حديثها وهي تنظر له بعشق:
"في ناس حواليك بتحبك وبتتمنى وجودك في حياتهم ومش عايزين من الدنيا غيرك يا ماهر."
قبل أن يرد عليها، صدح صوت الأذان عاليًا هز قلبه وجعله عاد إلى عقله المفقود. وقام من مكانه وأخفض صوت الموسيقى وردد وراء المؤذن ما يقوله بقلب خاشع مما أعاد الطمأنينة إلى قلب تلك الرحمة. وبعد الانتهاء ردد الدعاء المعروف عقب الأذان، فلسانه تلقائيًا معتادًا عليه لما له من فضل عظيم. يقول النبي ﷺ في الحديث الصحيح: "من قال حين يسمع النداء: اللهم رب هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة، آتِ محمدًا الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقامًا محمودًا الذي وعدته؛ حلت له شفاعتي يوم القيامة."
ثم عاد إلى مكانه وجلس أمامه معتذرًا عن ما فعله بها وعن وحشيته معها:
"أنا بعتذر لك عن اللي حصل، كنت خارج إرادتي ومعرفش عملت أكده إزاي وخصوصي إن الهمجية مش طبعي. وبعد أكده لما تلاقيني في الحالة دي همليني لحالي."
على نفس نظراتها المبتسمة تشبثت برأيها بوجودها جانبه كي تدخل السرور على قلبه وتشعرها بمدى أهميته عندها:
"مش ههملك مهما يكون يا متر، انت بقيت قدري المتعب بس على قلبي زي العسل."
أخذ نفسًا عميقًا ثم نبهها:
"هتتعبي معايا قوي وانتي لساتك صغيرة على التعب وياي عاد يا بت الناس."
"مهما كان التعب ومهما كانت الأشواك هتحملها. إني عرفاني مبحسش بطعم الحاجة السهلة لازم أتعب وأعافر علشان لما تبقى ملكي أحس بطعمها الجميل ومفرطش فيها واصل."
"يااااه أحلامك لسه خضار ملوّثتهاش المبيدات البشرية، علشان كده بحذرك اختاري لك طريق سهل ومتزرعيش في أرض بور مش هينوبك منها غير خراب زرعتك اللي أهلكتك وقت ومجهود."
"متقلقش طالما العود خضار يبقى هيتحمل أي عاصفة تواجهه. الرك على الأصل يا متر."
"تمام يعني موافقة أجي أتقدم لك واللي فيه الخير يقدمه ربنا؟"
إلى هنا وانقلبت نظراتها المبتسمة إلى وجع ثم ابتلعت ريقها وأجابته:
"مش قبل ما أسمعها منك يا ماهر."
ادعى عدم الفهم:
"هي إيه دي اللي عايزة تسمعيها بالظبط؟"
أردفت بحاجب مرفوع ونظرة غاضبة:
"والله! إحنا هنلعبوا حاوريني يا كيكا ولا إيه! ولا إنت هتشغل دماغ خط المحاكم على رحمة يا متر، انت فاهم كويس أنا أقصد إيه."
لم يريد الخوض في تلك الأحاديث أكثر من ذلك وتهرب من حصارها متسائلاً إياها دون أن ينظر إليها:
"قولي لي عملتي إيه في القضية اللي كلفتك بيها، عرفتي توصلي لحاجة تدل إن ده مش السارق وإنه بريء؟"
فهمت من تهربه أنه ما زال يكابر ففضلت الهروب معه أيضًا، فتلك اللحظة ليست مناسبة لذاك الاعتراف:
"تمام، لسه موصلتش لنتيجة بس قربت وأوعدك هبهرك."
ثم قامت من مكانها قاصدة الحمام الموجود في الغرفة وجلبت علبة الإسعافات ووضعتها أمامه قائلة بمداعبة وهي تشير إلى جرح وجهه:
"اتفضل يا متر داوِ وشك لأن شكل حد رسم لك خريطة مصر عليه."
رفع حاجبه باستنكار وأمسك المرآة ورأى وجهه وانصعق من مظهره وكاد أن يلقي بغضبه عليها. وجدها اختفت من أمامه خوفًا على نفسها من رد فعله. فابتسم أخيرًا على أفعال تلك الصغيرة وبدأ بمداواة جرحه.
***
في منزل سلطان، عاد عمران وسكون وجدا البيت هادئًا وساكنًا. فرحمة لم تأتِ من المكتب بعد. كادت سكون أن تدلف إلى غرفة زينب للاطمئنان عليها إلا أن عمران منعها:
"له متقلقيهاش سبيها نايمة، أنا مابصدق إنها تبطل سهر وفكر وتنام وتريح أعصابها شوية."
هزت رأسها بتفهم ثم صعدت بجانبه. ولكنه نظر حوله يتفحص ما إذا كانت تلك الحية موجودة أم لا، ولكنه لم يراها ولم يسمع لها صوتًا وسيارة والده لم تكن في الخارج فاستشف عدم وجودهما. وعندما صعدا إلى الطابق الثاني، فجأة حملها بين ذراعيه مما جعلها تتأوه من فجأته وهي تحرك قدميها في الهواء باستنكار:
"اااه، في إيه، إيه اللي جرى لك بس!"
"نزلني يا عمران لاحسن حد يشوفنا ومنظري يبقى وحش."
غمز لها بشقاوة ثم قبلها من وجنتها قائلاً:
"عبد الباسط حمودة بيقول إيه؟ بيقول: 'الجو هادي خالص والدنيا هص هص وأنا وانت يا حبيبي ونجوم الليل وبس'."
ضحكت بشدة على مراهقته ومشاغبته وطريقته وعضت شفتيها السفلى بخجل:
"وه! إنت عايز إيه بالظبط وناوي على إيه؟"
نظر إليها باشتهاء:
"ناوي على كل خير بإذن الله، بس إنت روّق معايا أكده يا بطل."
شهقت بذهول من طريقته:
"لأ، معقولة عمران الرزين بيقول الكلام ده، والله ما مصدقة حالي!"
أدخلها شقته وأنزلها أرضًا وجذبها من خصرها قائلاً:
"عمران يقول للفرسة بتاعته كيف ما هو عايز، ويدلعها وينسيها اسمها كماني."
ثم ألصقها بأحضانه وداعب وجنتها مكملاً:
"هو إنت مش عايز تدلع يا بطل ولا إيه؟"
تململت بين يديه تحاول الفكاك:
"إني تعبانة يا عمران ونفسيتي النهاردة خلت مودي مش تمام. ممكن أدخل أنام دلوقت وبعدين نشوف حوار الجو الهادي دي بعدين."
ضربها بخفة على كتفها ناهراً إياها:
"ده نجوم السما أقرب لك من إني أفوتك النهاردة. أنا صاحب مزاج وعليكي وعد ولازم تنفذيه وحوار الخلعان دي سبيكي مني علشان ما هيجيبش فايدة مع عمران يا عيون عمران."
قطبت جبينها بعبس وابتعدت عنه:
"وعد! وعد إيه دي إن شاء الله يا سي عمران."
جذبها إليه عنوة فارتطمت بعظام صدره القوية:
"اااه، ده إنتي بتنسي بقى يا دكتورة، تمام أفكرك لما كنتي بتستنجدي بيا عند ماجدة إني أبعد عنيكي وساعتها وعدتيني إنك لما نيجي بيتنا هتعيشيني ليلة ولا ليالي ألف ليلة وليلة، صح ولا إني غلطان؟"
التوت ثغرها باستنكار وادعت عدم الفهم:
"إني مفكرش الكلام ده، بعد بقى يا عمران وبلاش شغل عيال صغيرة إني هموت وأنام من التعب."
عقد حاجبيه بعدم تصديق ثم قال ساخرًا من طريقتها:
"بعد بقى يا عمران! طب واللي خلق الخلق يا دكتورة لاهترقصي الليلة لعمران والتعب دي هتشوفيه على حق، ومن الآخر انسي."
لوت فمها وتحدثت بنبرة ساخطة:
"أرقص! إني مبعرفش أرقص بذمتك شفت دكتورة كان كل حياتها كتب ومذاكرة ومراجعات بيعرفوا يرقصوا؟"
ضم حاجبيه وعبس وجهه وسأل مستفسرًا بدهشة ظهرت على معالم وجهه:
"ياراجل! طب قولي كلام غير ده، ده عيوني دول شافوكي وانتي بتميلي كيف الفراشة يمين وشمال يوم حنتك يا دكتورة. ثم مط شفتيه بامتعاض: إنتي معرفتيش إن الكذب حرام وأكده هتدخلي النار!"
أفلتت يداها من يديه بخفة ثم جرت من أمامه ودخلت غرفة الأطفال وكادت أن تغلق الباب عليها إلا أنه لحقها وأمسكها من رقبتها قائلاً وهو يأخذ أنفاسه بصعوبة من أثر لحاقه بها:
"آه، إحنا فينا من أكده، طب وعهد الله يا سكون ماهتنامي الليلة والسهرة هتبقى صباحي."
زاغت أعينها من أمره وصارت تعترض بدلال ولكنه لا يبالي لاعتراضها ولو لحظة. ثم جذبها من يدها ناحية حجرة النوم ووقفا أمام خزانة الملابس وانتقى ثوبًا خصيصًا لتلك الوصلة وهو ينظر له بانبهار:
"يالا يا حلوة خدي دي البسيه وتعالي أوفي بوعدك، أنا عايز أشوف راقصات شارع الهرم اللي بيتحدثوا عنهم وعن رقصهم النهاردة كلياتهم فيكي، يالا يا سكوني."
دبت بقدميها أرضًا من تحكماته ثم تمتمت باعتراض:
"وه يا عمران هو إنت متجوزني من كباريه ولا إيه، والله حرام وميرضيش ربنا اللي هتخليني أعمله ده! وبعدين إنت مراعيش تعبي ولا إيه."
خلع قميصه وأصبح عاري الصدر وجلس على الأريكة آمرًا إياها:
"إن مكانش دي اللي يرضي ربنا إيه اللي يرضيه! وبعدين يا دكتورة في حد يطول الدلع وميتدلعش والله إنتي بترفسي النعم. ثم أشار إليها ناهيًا ذاك النقاش: يالا يا سكوني متضيعيش الفرص وورينا جمالك الفتاك اللي وقع قلب عمران وانتي بتتمايلي كيف الفراشة."
دبت بقدميها أرضًا وبدأت بتنفيذ ما يريد. ارتدت ذاك القميص الذي اختاره لها، واختار المزمار البلدي كي ترقص عليه فهو عاشق له. وبدأت تتمايل بخفة على أنغام الموسيقى وعيناه تتآكلها بأفعالها المثيرة له ولقلبه. وأثناء رقصتها تمايلت عليه فجذبها بوله هامسًا جانب أذنها:
"ده إنتي طلعتي مهلكة يا شبر وأقطع، على النعمة بطل الأبطال يا دكتورة. ها يا دكتورة."
ثم أكمل همسه:
"كنتي بتتعلمي الحركات اللولبية دي في الكلية يا أم كتب وطب وما بعرفش أرقص، ده إنتي حركاتك وقعت قلب عمر بين إيديكي."
همست هي الأخرى برقة جعلته هائمًا في سماء عشقها متلهفًا أن يلتهم شفتيه بين شفاها ويسقيها شهده ألوانًا وألوان:
"ياه يا عمران ده إنت أمك داعية لك في ليلة قدر إن ربنا يرزقك بالحلى كلياتهم."
ثم أكمل وهو يحتضن وجنتيها بين يديه ويتنفس أنفاسها وعيناه تلتهما بعشق:
"تعالى يا بت قلبي، ده إنتي ليكي في قلب عمران اللي ما يكونش لغيرك من ستات الكون كلياتهم."
ثم سحبها لعالمهم الخاص، عالم سكون وعمران بالتحديد، غير أي عالم لم نسمع عنه منذ قديم الزمان، عالم شهريار وأميرته شهرزاد، عالم الألف ليلة وليلة. يحاكيها فيها من غرامه ما يليق بها وهي تنسحب معه رويدًا رويدًا وتبحر بمهارة فهي امرأة عاشقة حد النخاع. وبعد قليل فاقا كليهما على صوت سلطان يهز أرجاء المنزل:
"عمران، إنت يا ولد، انزل لي حالا."
فزعا كليهما ثم هتفت سكون بذعر:
"كفى الله الشر، حصل إيه؟ قوم يا عمران شوف الحاج ماله، لا يكون حصل حاجة عفشة لاسمح الله."
انتفض عمران وهو يمسح على شعره بغضب ثم جذب جلبابه:
"ياساتر يارب، آه هو ده هدم اللذات بعنيه وباينها ليلة ما تفوتش."
ثم أكمل وهو يحذرها:
"متحركيش من مكانك مهما حصل ولا تفارقي سريرك."
ثم غادر الغرفة وهبط للأسفل. رأى والده في حالة هائجة يرثى لها:
"شفت أمك الست الكامل مكفاها إنها كسرت لها ضلعها وجبسناه إلا أنها لمت خلجاتها وهملت بيتها من غير إذني."
اتسعت مقلتا ذاك العمران ناطقًا بدهشة وهو يجري ناحية غرفة والدته:
"وهي أمي مش هنا! أنا قلت إنها صلت العشاء ونامت بدري فمدخلتلهاش."
وصل للغرفة لم يجدها ثم عاد لأبيه سائلاً إياه:
"حصل إيه لدي كلياته يا بوي، عملت إيه حرمك المصون خلت الحاجة زينب هملت بيتها اللي سكنته لغيرها وحرقت قلبها ونويت منك يا بوي."
دب سلطان بعصاه أرضًا ثم نهره:
"الزم حدك وانت بتتحدث ويا أبوك يا ولد وإذا كانت هي أمك فآني أبوك ومن الواجب عليك تتحدث زين وياي ومتعليش صوتك علي ولا تقف تحاسبني."
لم تستطع سكون الاستمرار في غرفتها أكثر من ذلك ثم ارتدت عباءتها وهبطت إلى الأسفل. وقفت بجانب عمران وهتفت بنبرة قلقة:
"وه مالك يا حاج بس كل شي هيُبقى تمام بس انت هدي حالك."
هدر بها سلطان وهو في عز غضبه لأول مرة:
"بعدي إنتي يا بت الأصول ياللي فضيحتكم بقت على كل لسان ماهو كله بسببكم إنتي وأختك المصون."
انزعج عمران من طريقة والده معها ثم نظر إليها آمرًا إياها بحدة:
"هو أنا مش منبه عليكي متفوتيش أوضتك واصل، اتفضلي يا دكتورة على فوق يااااالا."
انجرحت بشدة من كلام سلطان والتمعت الدموع في عينيها ورآها كليهما مما جعل قلب العمران يلومه في تلك اللحظة على صوته العالي عليها. ثم تركتهم وصعدت الأدراج وصوت بكائها وصل إلى مسامعهم مما جعل عمران لأول مرة يتحدث بتلك الطريقة مع أبيه ولكن من أفعاله:
"لو سمحت يا بوي مينفعش تتكلم ويا مرتي وتزعق لها بالطريقة دي، دي مهما كان بنت ناس واللي مترضاهوش على خواتي مترضاهوش على بنات الناس."
هدر به سلطان:
"مش لما تبقي بنت ناس يا سبع الرجال."
استمعت سكون إلى كلماته الأخيرة مما جعلها انصقت ووقفت مكانها تنظر في عيني كليهما بصدمة من أعلى الأدراج.
رواية من نبض الوجع عشت غرامي الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم فاطيما يوسف
لو سمحت يابوي مينفعش تتكلم ويا مرتي وتزعق لها بالطريقة دي، دي مهما كان بنت ناس واللي مترضوش على خواتي مترضوش على بنات الناس.
هدر به سلطان:
_ مش لما تبقى بنت ناس يا سبع الرجال.
استمعت سكون إلى كلماته الأخيرة مما جعلها تنصت ووقفت مكانها تنظر في عين كلتاهما بصدمة من أعلى الأدراج، وحقا استفزتها كلماته فهتفت من بين دموعها بضيق:
_ وعشان إني بنت أصول وبنت ناس مش هرد عليك يا بابا الحاج يا اللي اعتبرتك في منزلة بابا الله يرحمه.
ألقت كلماتها وتركتهم وأكملت صعودها وهي تبكي. كل ذاك الهراء وتلك الوجد تجلس مكانها تشعر بالسعادة العارمة. ثم لامَه عمران بهدوء فهو مهما كان أبيه:
_ ليه يا بوي أكده! مفتكرتش قول ربنا “وأما اليتيم فلا تقهر”. شفت منها إيه خلاك انقلبت عليها أكده وتسـ.ـمم بدنها بالطريقة دى؟
واسترسل حديثه وهو يصعد الأدراج كي يراضي زوجته التي جرحت كرامتها من أبيه:
_ الله يسامحك يا بوي، الله يسامحك.
لم يعتري سلطان لغضبه اهتماماً ولكنه أكمل حديثه بنفس الحدة:
_ كأنك هتحاسب أبوك يقول إيه وميقولش إيه. وبعدين أنا مأذنتلكش تمشي قبل ما أخلص كلامي.
التفت ثانية وهو يسأله:
_ قول كيف مانت رايد يا بوي. هي خلاص النفوس شالت والوقيعة حصلت من ولاد الحرام اللي عنيهم على أنا ومرتي وأمي.
لم يلقي سلطان لعتابه بالا وأمره:
_ تروح تجيب أمك من بيت أبوها وتعرفها إني معنديش مرة تفوت بيتها وإلا هروح لها هناك وهفرج عليها الناس. ومبقتش راجل إلا لما رجعتها غصب عني النهاردة، فقول لها تبطل جَلَعَها دي وترجع أحسن. يمين بعظيم ما هفوتها لها على خير.
انزعج عمران من طريقته وعلى صوته بعض الشيء:
_ لو سمحت يا بوي أمي ست كبيرة وليها قيمتها وميتفعش واصل تتعامل وياها بالطريقة المهينة دي. دي الحاجة زينب بجلالة قدرها فبلاش الطريقة دي.
حدجه بريبة ونهره بحدة:
_ جلالة قدرها دي عليك أنت يا ابن أمك. أما أنا جوزها يعني واجب عليها تطيع أمري ومتعصنيش وإلا ربنا يغضب عليها.
عادت رحمة من عملها للتو وسمعت صوت أبيها الغاضب وتساءلت بدهشة:
_ وإيه اللي حصل؟ استهدوا بالله يا بوي انت وعمران صوتكم طالع برة.
وجه سلطان حديثه إلى رحمة:
_ كويس إنك جيتي تروحي وياه حدا أمك وتعقلوها. ودي آخر كلام عندي.
ثم نظر إلى وجد آمراً إياها:
_ يلا قومي على شقتك ورجلك متخطيش تحت وإلا هكسـ.ـرها لك هي كماني.
نفّس غضبه في وجههم وغادر المنزل. ثم تحدثت رحمة وهي تنظر إلى تلك الوجد:
_ عملتي إيه يا بوز الأخص! إنتي خليتي الحاجة زينب فاتت بيتها!
ثم اقتربت منها وجذبتها من حجابها بعـ.ـنف آلمها:
_ دي أنا هخلي اللي ما يشتري يتفرج عليكي النهاردة من اللي هعمله فيكي يا واطية إنتي.
ثم اقتربت عليها وكادت أن تضـ.ـربها بسبب غلها مما فعلته بهم من عدم ارتياح إلا أن عمران جذبها من يدها مردداً بسخط:
_ وه فوتك من الزفتة دي وتعالى معايا ليها. روّقـ.ـة بعدين.
تنفست وجد الصعداء وقامت من مكانها وهرولت إلى الأعلى وهي تحمد ربها أن أُنقذت من يدي تلك الرحمة. صعدا رحمة وعمران إلى غرفتها ثم تحدث عمران بغـ.ـضب:
_ شفتي الحاج سلطان عمل إيه وقال إيه لسكون!
كان يتحدث وهو يدور في المكان بغضب عارم. لو كان أحداً غير أبيه من تحدث بتلك الطريقة لزوجته لكان الآن في عداد المـ.ـوتى، ولكنه أبيه ولا يقدر أن يرفع صوته عليه فتلك تربية زينب الراقية لأبنائها. فسألته رحمة بذعـ.ـر لما رأت حالة الغـ.ـضب الظاهرة على وجهه ودورانه حول نفسه في المكان بهوجاء:
_ إيه اللي حصل؟ اُنطُق يا خوي قلبي اتوغوش؟ وأمي راحت فين وهملت مكانها؟
تنهد بثقل وألم نفسي انتابه جراء كلمات أبيه الذي جـ.ـرح بها زوجته وأمامه وهو لم ينطق:
_ أبوك جـ.ـرح سكون ورمى لها كلام زي السـ.ـم محدش يقبله واصل. هو تقريباً عرف باللي حصل لمكة أختها وشكل الملعونة مرته سمـ.ـمت دماغه وأمك سمعتهم فمتحملتش واتعاركوا.
بمجرد أن سمعت كلامه تشعب الغـ.ـضب في رأسها وتكاثر بلا حدود من أفعال تلك الشيطانة التي توقـ.ـد جيوش الحـ.ـرب والوقيعة بينهم وهدفها تفرقة ذاك المنزل. ثم نظرت للأمام بعين تلتمعان بانتـ.ـقام من تلك الوجد:
_ الله الوكيل لآهندم البت دي على اللي بتعمله ويانا وهخليها تقول ارحموني وتتمنى الرحمة من رب العباد ينجدها من اللي هعمله فيها ومش هتطولها.
شجعها عمران قائلاً:
_ البت دي عايزة تخطيط واعِر من اللي يجيب من الآخر ويخليها تخرج من البيت ومن البلد بلا راجعة، أو نوقعوها في شـ.ـر أعمالها ونسلمها لعزرائيل بإيدينا ونخـ.ـلص منها لأننا مش هنعرف نعيش وهي وسطنا.
حركت رأسها بتفهم ثم عرضت عليه:
_ البت دي هتتراقب من النهاردة وهحط لها كاميرات صوت وصورة في أوضتها وفي لبسها الخروج كله. وهشوف لها واحد يراقبها زي ضلها. وان ما خليتها تندم على اليوم اللي فكرت فيه تدمرنا مبقاش المحامية رحمة سلطان المهدي.
ضيق عينيه وتساءل بعدم فهم:
_ هتحطي لها كاميرات مراقبة في هدومها كيف يعني؟ ماهي الهدوم هتتغسل؟
أجابته سريعاً:
_ دي كاميرات مراقبة صغيرة جداً مخفية على شكل مسمار حائط. بتشتغل بالواي فاي. تصوير وتسجيل فيديو صوت وصورة مراقبة مباشرة عن طريق التليفون عن بعد. وضد المياه لمدة ٢٥ يوم. واحنا مش محتاجين أكتر من كده نجيب آخرها فيهم. بس محتاجة أظبط وقت أحطهم في أكتر هدومها بطريقة مخفية. والوقت ده مش هيكون غير وهي رايحة للدكتور هتاخد لها ساعتين وزيادة.
نظر إليها بصدمة من معلوماتها:
_ مطلعتيش سهلة يا بت أبوي.
واسترسل حديثه وهو ينظر لجسدها الضئيل:
_ أما صح، يوضع سره في أضعف خلقه.
ضحكت بخفة لذهوله وهتفت وهي تشير على حالها بنبرة إطرائية:
_ أمال إنت مفكر إيه! ده أنا الباش محامية رحمة المهدي اللي بإذن الله هترج محاكم قنا كلها في يوم من الأيام.
لكزها بخفة على كتفها قائلاً باعتراض:
_ إنتي محسساني إننا رايحين نوقع بلد. دي حتة بت لاراحت ولا جت. هجيبها تحت رجلي وأقطع لها لسانها ورجليها وأخليها عايشة ولا تسوى وأريح الكل منها.
اتسعت مقلتاها بذهول:
_ وه وتُبقى مجرم يا عمران! وتواجه أبوك إزاي بعد كده؟ ده مش بعيد يقتـ.ـلك فيها يا غشيم إنت.
واستطردت حديثها بإبانة:
_ أخد الحق حرفة. وعلشان الحاج سلطان يطردها بيده يبقى لازم يقتنع. ومش هيقتنع إلا لما يشوف الزفتة دي ناوية الشر لبيته ولولده.
تنهد بحـ.ـرقة وسألها:
_ طب بالنسبة لسكون اللي فوق دلوقتي عاملة مناحة من اللي أبوك عمله فيها. هطلع أحط عيني في عينها كيف وأقول لها إيه؟ وكمان الحاجة زينب كماني اللي زودتها بفوتتها البيت ومشيتها منه؟
لوت شفتيها بسخرية:
_ وه هو أنا اللي هعرفك تصالح مراتك كيف يا خوي! والله عيب عليك يا عمران! ده إنت بتستعبط يا راجل!
وأكملت وهي تزيحه ناحية البباب:
_ روح إنت راضي مراتك وملكش صالح بالحاجة. وأنا في نص ساعة هجيبها وآجي. ومشي دنيتك حكم أني عارفة عقل الستات صغير كده. وزمانها بترشف وبتنبر على الجوازة الشينة اللي وقعت فيها والحوارات الفاضية بتاعت الحريم دي.
ضـ.ـرب عمران كفاً بكف بذهول من لسانها السليط:
_ هو انتي لسانك ده متبري منيكي يا أختي! مانتي أدرى بقى بحوارات الحريم. مانتي منهم يا شبر ونص.
واسترسل حديثه باستفسار:
_ طب وإنتي ضامنة منين إن أمك هترضى تيجي وياكي؟
أجابته بثقة وهي تشير لحالها بفخر:
_ عيب عليك يا عمران. الله في سماه لآهبات في بيتها النهاردة وما هيهتوفوش تاني. واتفرج على رحمة لما تشغل دماغها بس. تعمل عمايل تخلي الحديد يلين.
رفع حاجبه وهو على نفس ذهوله مردداً قبل أن يغادر المكان:
_ طب لما نشوف يا فقيدة طول لسانك وفشخـ.ـرتك بحالك دي هيحصل ولا لأ؟
حركت رأسها لأعلى بتأكيد:
_ هتشوف يا قلب الفقيدة. روح صالح مراتك وأنا هروح لها واستنى مني تليفون وتاجي تاخدنا. علشان الوقت بقى وخري. لما نشوف اليوم المزعبب ده هينتهي ميته.
تحرك من أمامها وقال:
_ تمام هستنى تليفونك يا بت أبوي.
تركها ثم صعد إلى الأعلى كي يرى سكون والتي بالتأكيد تبكي بشدة بسبب ما سمعته من أبيه. أخذ نفساً عميقاً واستعد لمواجهة سكون. دخل إلى الشقة وعيناه تدور في المكان تبحث عنه فلم يجدها إلا في غرفة النوم وهي تؤدي الصلاة فاندهش لأنها صلت العشاء معه في جماعة. وبعد أن انتهت نظرت إليه وجدته يجلس جانبها. عندما رآها أنهت صلاتها جذبها من رأسها وقبلها معتذراً:
_ حقك على قلبي يا سكون. حقك على راسي من فوق. إنتي ست الناس وبت أصول ومن بيت أصول.
ثم نظر أرضاً وأكمل:
_ بس دي أبويا ومقدرش أقف قدامه ولا أعلى صوتي عليه. وهو كان في ساعة غضب بسبب إن أمي هملته لحاله وفاتت له البيت ومشيت. فطلع غله فيا أنا وإنتي. أنا عارف إن ملكيش ذنب ومن حقك تزعلي بس حقك علي أنا.
ثم جذب رأسها مرة أخرى وأكمل:
_ وآدي راسك أبوسها. وهاتي يدك كماني.
رفعت جفونها الملتمعة بالدموع وبدلت دمعتها بابتسامة جعلت داخله يخفق وأردفت بدعابة أدهشته:
_ قول بقى إنك جاي وطمعان إنك تكمل وصلة الرقص والفرفشة يا عمراني، وعشان كده عايز تبوس كل اللي يقابلك.
اتسعت مقلتيه بذهول وسألها:
_ وه! هو إنتي مزعلناش من كلام الحاج سلطان وحديته اللي يوجـ.ـع؟
حركت رأسها رفضاً واحتضنت وجنتيه بين كفي يديها:
_ الإنسان في ساعة غـ.ـضب ميعرفش هو بيقول إيه. وهو أكيد زعلان عشان الحاجة مش موجودة زي ما إنت ما قلت. وكمان هو من ساعة ما حط إيده في إيد خالي واعتبرني زي بنته. أنا كماني اعتبرته أبويا. وما فيش بنت بتزعل من أبوها وبتتقبل منه أي كلام.
نظر إليها نظرة طويلة وهو صامت ولكن وجهه يحكي آلاف الحكوى. لسانه عاجز عن نطق الشكر والامتنان لهدية ربه له. نعم فتلك السكون هدية الله لذاك عمران. وفجأة سحبها لأحضانه وأدخلها لعالمه وود أن يدخلها بين ضلوعه ويخبئها من العالم أجمع. كان يشدد من احتضانها وكأنه خائف من فقدانها فهي أثمن هدايا القدر له. ثم همس بجانب أذنها:
_ معقولة يكون ربنا بيحبني قوي أكده! معقولة يكون راضي عني بأنه رزقني خير النساء اللي قال عنيهم عليه السلام في الحديث: "إذا نظرت إليها أسرتك، وإن أمرتها أطاعتك، وإن غبت عنها حفظتك". وإنكِ يا سكون، أنتِ من النساء اللي قال عنهم الرسول عليه الصلاة والسلام: "خير النساء التي إذا نظرت إليها أسرتك، وإن أمرتها أطاعتك، وإن غبت عنها حفظتك".
ثم أخرجها من أحضانه واحتضن وجنتيها مكملاً بعشق وهو ينظر داخل عينيها:
_ كان أبو العمران داعي له في ليالي القدر اللي في عمره كله بأن ربنا يرزقه بيكي يا سكوني.
نظرت إليه بعشق وتحدثت:
_ كيف أزعل منك يا عمران وإني حلمت بيك ليالي ملهاش عدد؟! كيف أمشي وأهملك وإنت الدنيا بحالها وإنت نور العين ومن غيرك تبقى حياتي مظلمة؟! عمرنا قصير ليه نقضيه في الزعل والفراق وخصوصي إنك مليكش ذنب في اللي حصل. إني واثقة ومتأكدة إن عمران عمره ما يهين سكون أبداً ولا يجرحها. إني أعشقك يا عمران، والست اللي بتعشق جوزها صح لا يمكن تقف له على الواحدة.
أغمض عينيه وتحدث بانتشاء:
_ يووووه على عمران يا بت قلبي منكِ! هو إنتي ملاك ولا بشر؟ ولا إنتي مش من جنس حواء خالص! يا بوي لا تطلعي حلم جميل وأصحى وأعود لكوابيسي من تاني.
أمسكت يداه وقبلتها قبلات متفرقة ومع كل قبلة تردد:
_ لأ يا عمراني دي حقيقة. سكون بتحبك. ومتقدرش تستغنى عنيك. ولا تقدر تفارق أبداً وهتفضل جارك عمرها المتقدر في الدنيا كله.
جذبها من يدها وانتصبا كليهما وأحاط خصرها بين يديه ونظر داخل عينيها برغبة ثم اقترب من وجهها وقبلها قبلة احتياج. قبلة الأمان لقلبه تثبت له أنها حقيقة وليست خيال. وهي الأخرى بادلته قبلته بمثلها وأعطته من الاحتياج لها ما يشعره بالأمان. أثبتت له أن عقول النساء ليست متشابهة وأن عشقها له أقوى من أي عاصـ.ـفة أو ريـ.ـاح. فنصيحتي لكي حواء، كوني لآدم ضلع احتواء، اصنعي البسمة وقت الحزن، أكرميه إن أكرمك ولا تستعلي عليه فالمرأة خلقت من ضلع أعوج ورجُلها هو السند.
ابتعد عنها برفق وهي تلتقط أنفاسها بانتشاء من هجوم العمران عليها. ولكن هي امرأة عاشقة بين يدي رجل عاشق متلهف فما عليها سوى الطاعة العمياء. ثم غازلها بعشق:
_ جميلة إنتي يا سكوني وغير كل الستات. وكل يوم بتثبتي لي إن اسمك لايق على طبعك. يابخت قلب عمران بيكي.
ابتسمت لغزله وأردفت بغزل مماثل له:
_ ويابخت قلب سكون بيك يا عمراني. اللي لو لفت بلاد الدنيا شرقها وغربها ما هتلاقي ضفر عمران.
أما في منزل والد زينب، تحدثت هي ورحمة فيما حدث وعلمت رحمة منها كل شيء. ثم رددت بفطنة:
_ طب عال قوي تسلم يدك على اللي عملتيه فيها وبردتِ نـ.ـارك. بس هي برضو أكده اللي فازت عليكي يا زوبة.
اتسعت مقلتاها بذهول وسألتها:
_ انتصرت على مين يا بت إنتي! بقولك إني كسـ.ـرت لها ضلعها وخـ.ـزقت لها عينيها الاتنين وخلتها متساواش، تبقي انتصرت علي كيف؟
مطت شفتيها للأمام وأجابتها:
_ كانت المفروض تيجي مجبسة تلاقيِك قاعدة في الجنينة مشغلة الست أم كلثوم وبتشربي قهوتك ساعة العصاري وإنتي حاطة رجل على رجل. أما دلوقتي زمانها بت الجزم دي بتقول علقة تفوت ولا حد يمـ.ـوت. بس طيرتها من البيت وبقيت أنا ست الدار.
ضـ.ـربتها زينب على كتفها وهتفت باستنكار:
_ ست الدار مين دي! الدار ملهاش غير ست واحدة بس هي أنا.
أدارت رأسها للخلف وهي تبتسم لأنها بسهولة استطاعت استفزاز والدتها وتسهيل مهمتها وأكملت:
_ كان زمان بقى إنتي انسحبتي والمسحوب مغلوب. أما لو عرفت إنك مهملتيش دارك هـ.ـتولع وشوفي بقى هتحس إن كـ.ـسر ضلعها مع كـ.ـسر نفسها من اللي عملتيه فيها وهتقضيها نكد على أبو السلاطين لحد ما يزهق من وشها البوم ويطردها طردة الكلاب. وساعتها تقعدي وتحطي رجل على رجل وتاخدي تارك منيه وإنتي قاعدة في بيتك ست الدار.
زاغت عيناي زينب وشعرت بمدى غبائها ثم تمتمت:
_ آه يا اللي تنشكي يا بت سلطان. ده إنتي عليكي مكر حريم يودي اللومان. اتعلمتيه فين ده يا بت؟ إنطقي.
ضحكت بشدة على كلام والدتها ثم قالت من بين ضحكاتها:
_ هو المكر بيتعلموه يا زوبة! دي طبيعة. والست منا في الخديعة مع عدوها لازم تبقى ضليعة.
واسترسلت حديثها وهي تخلع حجابها:
_ أنا هقعد بقى وياكي هنا ونفوتوا مالنا وحالنا وبيتنا لوجد تبرطع فيه بلا سلطان بلا وجع راس. والله بيت جدي هادي وجميل ومريح.
استطاعت استفزازها ثم ضـ.ـربتها على فخذها آمرة إياها:
_ قومي يا بت فزي لمي لي الهدوم اللي جوه دي. هنروحوا بيتنا وهقعد على قلبها لحد ما أفشفش لها ضلوعها كلياتهم لحد ما أخليها تقول حقي برقبتي.
_ طب ليه يا زوبة أنا ارتحت هنا لهوا بيت جدي، خلينا شوية هنا وهي تهيص شوية هناك.
_ الله الوكيل يا زفتة إنتي لو ما قمتي لآهطين عيشتك. قومي يا بت مهديهاش فرصة بت المركوب دي تنتصر علي وهقلعها من البيت وأخلي أبوكي يقول حقي برقبتي.
أرسلت رحمة رسالة لعمران أن يأتي إليهم كي يأخذهم فابتسم لتلك الصغيرة الماكرة فقد فعلتها بحق دون عناء. ثم دخلت غرفة النوم وعبأت الملابس في الحقيبة وأتى عمران إليهم ولامها على ما فعلت ثم أخذهم في سيارته وأوصلهم إلى المنزل وانتهت تلك الليلة العصيبة.
أتى صباح يوم الجمعة وذاك اليوم إجازة “منة الله” من المكتب. وفي ذاك اليوم تحبذ الخروج إلى ذاك الكافيه المعتاد التي ترتاح به، فثمة عدد من المقاهي التي لا تزال عالقة في تلابيب الذاكرة. وكان الأدب يعيش فيها، في فترات زمنية، كانت تعج بالمناظرات والنقاشات، وتتلاقى فيها الأفكار، وتولد القصائد والمقالات والأغاني والكتب. ما يميز المقهى الذي تجلس به ويكسبه صبغة ثقافية فريدة، أنه كان مأوى الفنانين التشكيليين الذين كانوا يرسمون فيه لوحاتهم المستوحاة من حي الحسين وخان الخليلي. وقس على ذلك مجموعة أخرى من المقاهي في القاهرة، دمشق، بيروت وبغداد، التي اشتهرت بدورها الثقافي في تنوير المجتمعات وولادة الأدب والفن. كما أنه يوجد فيها جميع الطوائف من الناس على اختلاف طبيعتهم وحالاتهم الخاصة. وكانت تلك المقهى التي تجلس بها تريح قلبها وعقلها ومعتادة على الجلوس بها. فصاحبها العم عبد ربه مولع بالأدب العربي وقد افتتحها خصيصاً لأن تكون ملتقى الأدباء وأصحاب المواهب. كان الراديو مشتعلاً على تلك الأغنية المفضلة لديهم لسيد مكاوي:
أوقاتي بتحلو بتحلو معاك
وحياتي تكمل برضاك
وبحس بروحي بوجودي
من أول ما بكون وياك
يا روحي ساعة ما ألقاكش
بس أوقاتي بتحلو
دي العيشة والناس والجو
والدنيا الدنيا بتضحكلي
معاك من كتر حلاوة الأيام
ونعيمي وسعدي بلياليك
مش بحسب فات منهم كام
ولا بقدر أفكر غير فيك
والليل وياك يساوي زمان
واليوم وياك يساوي زمان
وأكتر يا زمان من بكرة
ده الليل بلقاك أنوار وأمان
حتى ولو كان من قمره
كانت منة الله تمسك تلك الرواية ومنغمسة بقراءتها. وكعادتها صورت فيديو لها وهي تحتسي القهوة وبيدها الكتاب وصورت أجواء القهوة مع تلك الأغنية ثم شاركت الفيديو على صفحتها عبر تطبيق الانستجرام وهي تدون فوق الفيديو:
"ثمة أشياء هادئة وبسيطة نفعلها في أوقات فراغنا بعد أن ننهي عباداتنا ترزقنا السكينة وراحة البال. الآن من مقهى العم عبد ربه حفظه الله لنا وأطال في عمره."
ثم أشارت بتاج "مقهى الأدباء".
في نفس الوقت كان جاسر يمسك الهاتف يتصفحه بإهمال. فذاك يوم إجازته ويفضل أن لا يعمل فيه كي يشحن طاقة إيجابية تجعله متحفزاً طوال الأسبوع. ثم أتى أمامه الفيديو التي شيرته منة الله وتلقائياً ابتسم وأعاد الفيديو مراراً وتكراراً. لقد أدخل ذاك الفيديو السرور على قلبه فلم يجلس في تلك الأجواء ولا مرة طيلة عمره. فأجواء تلك القهوة تشبه رائحة زمان وحتى الأغنية التي سمعها في الفيديو لم يسمعها منذ وقت طويل. وفجأة وجد حاله يهاتفها وما إن آتاه الرد حتى شاغبها:
_ دي إنتي طلعتي صاحبة مزاج عالي أهه. مقهى الأدباء وقهوة وسيد مكاوي وبتقرأي روايات. طب ما تسأل يا عم علينا وشوفنا أكده بنقضي اليوم الكئيب الممل ده كيف وخذينا معاكي نروقوا إحنا كمان.
ضحكت بخفة على مشاغبته وقالت:
_ أصل أنا لازم كل جمعة من كل أسبوع بعد ما أفطر أصلي الضهر وأقرأ سورة الكهف وأخلص الورد القرآني بتاعي وأخلص أذكاري وبعدين ألبس عبايتي الكلاسيكية اللي تليق بجو المقهى وأجيب رواية مفضلة وآجي هنا أنا وأخويا مدحت. هو بيقعد في ركن الرسم والفنون التشكيلية وأنا أقعد في ركن الأدباء أقرأ روايتي لحد ما أحس إني خلاص تعبت. ياخدني يعزمني على الغدا وبعدين أروح هلكانة نوم. بحب اليوم ده باختلافه وأجوائه قوي وبحس هنا بالراحة.
تعلق قلبه بالروتين الخاص بها، فهي رقيقة حتى في حياتها. فليست كباقي الفتيات تحب الخروج في الأماكن التي يصحبها الضوضاء والشغب. شعر بأنه يريد أن يشاركها تلك الأجواء الكلاسيكية التي تبعث في الروح الرقي. ثم قام من مكانه مردفاً لها:
_ طب بقول لك إيه يا منون خليكي جدعة أكده وابعتي اللوكيشن وأنا طيران وهكون عندك. أصلي حبييت قوي مقهى عمي عبده.
أنصتت له بتركيز وما أن علمت بقدومه دق قلبها داخلها وفوراً أرسلت له اللوكيشن. ثم أغلقت ذاك الكتاب وجلست تفكر في ذاك الجاسر الذي اقتحم عالمها برجولته المفرطة. وهي تحدث حالها:
_ أمن الممكن أن يراني أحدهم يوماً ما وأنا بظلامي ذاك ويأتي إلي طالباً قربي ويدخلني عالمه؟ العالم الذي قرأت عنه كثيراً وكثيراً وسرحت بخيالي أميالاً وبلاداً ودياناً. أمن الممكن أن ذاك الجاسر أحب ألواني القاتمة وحياتي المنعزلة عن ذاك الكون الصاخب ويأتي معي إلى عالم الانغلاق الذي أعيشه؟ ولكن فلأترك أموري يدبرها خالقي كيفما يقدر لي.
وعادت إلى تلك الرواية التي تقرؤها وانغمست فيها بشدة. وصل جاسر إلى المقهى وبحث عنها وجدها تجلس في ركن هادئ يليق بها. ساقته قدماه إليها. وقف خلفها يتطلع إلى تلك الصفحة التي تقرؤها وهي تائهة في عالمها. دقق النظر ووجدها تقرأ:
"أقسى ما كتب نزار قباني عندما قال: 'أخاف أن أحبك جداً فأفقدك ثم أتألم، وأخاف أيضاً أن لا أحبك فتضيع فرصة الحب فأندم. أخبرني كيف أحبك بلا ألم؟ وكيف لا أحبك بدون ندم؟'"
حقاً تلك الكلمات التي كانت تقرأها تلك المنة. تمعن تلك الكلمات وتفهمها بقلبه وليس بعقله. ثم فاق على صوتها تردد له:
_ سايباك تخلص كلمات عمنا نزار قباني وترمي السلام يا متر. اتفضل المكان فاضي.
اتسعت عيناه بذهول كيف عرفت بوجوده. ولكن لم يريد أن يسألها ذاك السؤال كي لا يجرحها ولكنه تحدث وهو يجلس:
_ صح إني هستغرب ليه أكيد عرفتيني من ريحتي يا ست منة.
هزت رأسها موافقة:
_ من أول ما جيت وأني حسيت بوجودك. المهم إيه رأيك في كلام نزار قباني الكبير اللي بيقوله؟
أجابها بدعابة:
_ بصي هو بيقول كلام عميق وأنا في العمق آخد صفر في المية.
واسترسل دعابته وهو ينظر للمكان بحب:
_ سيبك من عم نزار قباني اللي يتعب الأعصاب ده وقولي لي إيه المكان الجميل المريح للأعصاب ده. بجد حاجة روعة.
أغلقت الكتاب ووضعته أمامها على المنضدة ثم تحدثت وهي تشكر ذاك المكان:
_ بحب المكان ده قوي بحس فيه إني مش مختلفة. بحس فيه إن محدش بيبص علي فيه إني حاجة غريبة، أو حد بيتعامل معاي هنا بشفقة بسبب ظروفي.
حزن داخله لأجلها ثم قرر تغيير مجرى الحديث كي لا يجعلها تشعر بالضيق في أهم أوقات راحتها النفسية:
_ أنا عايز أشرب من القهوة بتاعتك وزيها بالظبط وأسمع سيد مكاوي وأعمل فيديو زي اللي عملتيه يمكن أجذب البنات وياخدوا بالهم مني وإن فيه كائن اسمه جاسر المهدي رومانسي ومثقف والحوارات الهبلة اللي بتحبها البنات دي.
رفعت حاجبها باندهاش وسألته:
_ وه هي الحاجات دي هبلة في وجهة نظرك؟ هو في أحسن من الراجل الهادي المثقف الرومانسي؟
دق بأصابع يديه على المنضدة وأجابها وهو بما يشعر به داخله:
_ الراجل اللي تدور عليه الست في وجهة نظري اللي يعرف يحتويها. يحس هي عايزة إيه فينفذه لها من بعيد لبعيد من غير ما يوريها إنه إزاي سوبر مان. يعرف يخطف قلبها برجولته صح مش بصور ولا كلام ولا حبة أنشا حفظهم في كتاب.
انبهرت بكلامه الذي دوماً يشعرها فيه أن المشاعر لا تحتاج للرؤية بالعين فيمكن أن تُحَس بالمواقف. يريد أن يجعلها تشعر بأنها مثلها وأنها لا ينقصها شيئاً عنهم. ثم سألها بملامة:
_ إلا صح كنتي منزلة فيديو ليلة عشية وإنتي عاملة بيتزا وكاتبة جنبها صنع إيدي. مش عيب يا منون تعملي البيتزا بالطعامة اللي واضحة في الصورة دي وأنا باكل عيش وجبنة؟
ضحكت بشدة على طريقته الدعابية ووعدته:
_ حاضر يا متر ده إنت تؤمر ليك عندي عزومة على أحلى بيتزا.
_ هو إنتي بتعرفي تطبخي صح يا منون؟
_ أمال إيه ماما بتجيب لي كل الطلبات اللي بحتاجها وأنا طبعاً حفظت المطبخ بتاعنا والبوتجاز والتلاجة بالواي فاي فبعرف أظبط طبختي اللي بعملها.
حقاً شعر بأن الوقت ضاع معها والملل الذي كان يشعر به لم يعد موجوداً. لقد سحبته لعالمها الهادئ الجميل ويود الغوص به أكثر كي يعرف حياتها وكي تقضي يومها. وظلا يتحدثان في كل شيء يأتي ببالهم بتلقائية وهم سعداء بالحوار الراقي مع بعضهم. ثم جاء أخيها الأكبر وتعارفا على بعضهم وجلس معهم حتى انقضى الوقت معهم دون أن يشعروا فحقا الاختلاف في الحالات لا يفسد للحب قضية.
"في مثل ذاك اليوم ولدت الباش محامية رحمة المهدي وأتت إلى الدنيا فأنارتها. كل سنة وإنتي طيبة يا أنا."
ذاك البوست الذي نشرته رحمة على صفحتها على الفيس بوك وهي تهنئ نفسها بيوم ميلادها ونشرت صورتها تحت ذاك المنشور في الساعة الثانية عشر صباحاً. كان ذاك الماهر جالساً في حديقة منزله أمام حمام السباحة وفي يده كوباً من القهوة وأمامه ذاك المشعل المضاء بالنـ.ـار فالجو كان شديد البرودة في تلك الليلة ولكنه يحب الجلوس في تلك الأجواء الباردة التي تشبه برودة الحياة التي يعيشها. ثم استمع إلى ذاك الإشعار على هاتفه. أمسك الهاتف بملل ثم قرأ الإشعار وإذا هو تطبيق الفيس بوك يبلغه بأن ذاك اليوم ميلاد المشاغبة التي اقتحمت حياته وللعجب أنها كانت في باله في ذاك الوقت ويفكر بها بأن يرسل لها باقة تهنئة بيوم ميلادها. وهتف وهو يحادث نفسه ولكن بصوت مسموع:
_ كأنك ورايا ورايا حتى في خلوتي مع حالي مش فايتاني.
ثم فتح صفحتها وتلك أول مرة يفتحها ويجول فيها فاتسعت مقلتاه عندما رأى صورتها أمامه بذاك الجمال وكأنه رأى باربي متمثلة أمامه الآن. فقد كانت آية في الجمال بذاك الحجاب الأبيض وعيناها البارزتين بلونهما الأخضر وترتدي ذاك الزي المهندم الراقي في ذوقه. وكتلة الجمال تشع في وجهه. برزت عروق رقبته من شدة غضـ.ـبه بسبب تلك الصورة ولم يدري بحاله إلا وهو يهاتفها.
كانت جالسة وفي يدها ملف تلك القضية التي أرهقتها كثيراً ثم سمعت رنات هاتفها فاندهشت كثيراً لأن الوقت متأخر ومن سيهاتفها في ذاك الوقت. ولكن دق قلبها بوتيرة سريعة داخلها عندما رأت نقش اسمه وأنه المتصل. أجابته على الفور فهي شعرت بالقلق تجاهه فهو لم يفعلها منذ أن عرفته وعملت معه:
_ السلام عليكم. في حاجة يا متر قلقتني عليك؟
كان يدور حول المسبح وهو لا يعلم من أين يبدأ ثم تحمحم:
_ أممم.. إيه الصورة اللي إنتي منزلاها دي؟
لوت شفتيها بامتعاض وهي تنظر إلى الهاتف بغرابة من سؤاله في ذاك التوقيت ثم سألته:
_ مالها الصورة وحشة ولا فيها إيه؟
تنفس بصوت عالٍ ينم عن بداية غضـ.ـبه:
_ آه وحشة جداً. شيليها يالا حالا.
استمعت إلى أنفاسه الغـ.ـاضبة وازدادت ذهولاً من رأيه الذي لا يمت للحق بصلة ثم أردفت باستنكار:
_ وه مين قال أكده! هو إنت ما أخدتش بالك جايبة تعليقات قد إيه واصل!
واسترسلت وهي تشير بإعجابها الكبير لتلك الصورة قاصدة استفزازه:
_ ده كله عمال يقول لي إيه القمر دي يا رحوم، واللي تقول لي باربي التانية، وكلياتهم أكده بيقولوا إن الصورة وصاحبتها قمر ١٤. هسيبهم كلهم وأخد برأيك إنت؟
حقاً استفزته بطريقتها وجعلت الغيرة تنـ.ـهش بقلبه ولكنه لم يبين لها ذلك وهتف بأعـ.ـصاب باردة:
_ بيجاملواكي وبيجبروا بخاطرك يا حضرة الأستاذة.
تفوه بتلك الكلمات وهو يضغط على كلمته الأخيرة "الأستاذة". فهمت مغزى طريقته فهو يريد أن يهز ثقتها بجمالها ولكنها أفحمته فتلك الرحمة لن تترك حقها قولاً أو فعلاً تأخذه من عين السبع دون أن تهاب:
_ والله حتى لو بيجاملوني كتر خيرهم جبر الخواطر حلو بردك. بس لعلمك بقى أنا عارفة حالي زين والله لو لبست خيش واتصورت بيه لا اللي يشوف الصورة ينبهر بيها. وعلى رأي المثل يا متر القلب غالب بس إنت اخلع نظارة الصلابة وقول للحلو في وشه يا حلو.
بعض الهاتف عن أذنه ونفخ بضيق من ثقة تلك الرحمة في حالها كي لا تسمعه ورأى أن أقصر الطرق هي الصراحة ثم هتف:
_ أها، طب حطاها ليه مستنية يبدوا إعجابهم بجمالك الفتاك ولا إيه؟ ملهاش لازمة شيلي الصورة يا رحمة.
فتحت فاهها بدهشة من ذاك الماهر أيغار عليها أم ماذا يقصد؟ ثم سألته وداخلها من فرط سعادته يكاد قلبها يقفز من بين ضلوعها:
_ وه هي عجبتني هشيلها ليه يعني؟ وبعدين هي دي كل سنة وإنتي طيبة بتاعتك في أول عيد ميلاد ليا وأنا في حياتك.
جز على أسنانه وهتف بغيظ آمراً إياها:
_ شيلي الصورة يا رحمة ومتستفزنيش أكتر من كده.
رفعت حاجبها من نبرته الآمرة:
_ ده اسمه إيه بقى إن شاء الله يا متر؟ هو إنت بأي حق تطلب مني الطلب ده؟
بنبرة حاسمة لا تقبل النقاش:
_ أنا مش بطلب ده أمر يا هانم. شيلي الصورة وكفاية كلام في الموضوع ده مش هنقعد نتكلم طول الليل في حوار فارغ ملوش لازمة.
اهتز فكها بسخرية من طريقته الآمرة ونطقت برفض:
_ بأي حق تأمرني يا متر إني مجرد متدربة عندك لا أكتر ولا أقل؟
استشاط غضباً منها وأجابها:
_ بقول لك إيه سيبك بقى من عقل العيال الصغيرة دي. كبرتي إنتي ومتلفيش وتدوري.
ثم أكمل بتهـ.ـديد صريح:
_ وقسماً بالله لو ماشلتيش الصورة اللي إنتي حطاها دي للكل يشوفها ويتغزل فيها وأصحاب العقول المريضة اللي ياخدوها ويتأملوا فيها على كيفهم يا اللي موعيش لكل ده. لا أكسـ.ـر لك الموبايل ده يا رحمة.
اندهشت من نبرته الغاضـ.ـبة بشدة وأمره الصارم ولكنه نبهها لنقطة مهمة وهو ذنب النظر لأصحاب القلوب المريضة وقررت أن تحذفه ولن تضع صورها مرة أخرى على جميع مواقع السوشيال ميديا وستحذف القديم بأكمله. ولكنها قررت أن تستفز مشاعره وأردفت بنبرة ماكرة تليق بجنس حواء:
_ يعني متصل بيا في أنصاف الليالي وبتزعق وبتعلي صوتك على صورة أنا نزلتها، طب ما تقول لي شيل الصورة عشان أنا غَيران عليكي وتتكلم بكل صراحة يا متر ولا إنت بتعرف تزعق وتشخط وتنطر بس.
عض على شفتيه السفلى بغيظ منها ومن مكرها ثم تحدث بنبرة حاول استدعاء الهدوء فيها:
_ طب أنا بقول تنامي بقى وكفاية سهر لحد دلوقتي عشان السهر غلط عليكي إنتي لسه صغيرة.
رفعت شفتيها لأعلى باستنكار ورددت:
_ والله! شكراً على إنك خايف عليا. تصبح على خير.
بنبرته الهادئة أمرها دون أن يرد على مسائها:
_ هقفل وأقل من دقيقة تكوني حذفتي الصورة.
ضغطت على أسنانها بغيظ من بروده معها ثم أطاعته وهي تزوم كالأطفال:
_ ماشي يا ماهر حاضر. وشكراً على كل سنة وإنتي طيبة اللي مقلتهاش.
قالت كلماتها وأغلقت الهاتف ثم أمسكت هاتفها وحذفت تلك الصورة وجميع الصور وقلبها سعيد بالخطوة التي تقدمتها مع ذاك الحبيب الذي اختاره قلبها. معـ.ـذبها ولكن تعشق ذاك الـ.ـعذاب منه ولن تقدر أن تتخلى عنه. وقررت أن تشاغبه فأنزلت منشوراً آخر وأشارت له من ضمن ثلاثين من الأصدقاء وهو في منتصفهم كي لا تلفت انتباه أحدهم وكان محتواه:
"الاهتمام الزائد قد يفقدك كرامتك
فاحذر أن ترمي كثير من الزهور في أحضان
فاقد حاسة الشم."
وصله إشارتها فقرأها وابتسم على مشاغبتها ثم ذهب إلى حالة الواتس ودون تلك الكلمات:
"أحدهم يظن أنه لا محل له من الإعراب ولكن جميع اللغات تخبره أن حروفه جميعاً تمتلك المعجم بأكمله ولكن مدارتها عن جميع الحركات تدل على أهميتها في اللغة بأكملها."
على الفور رأت حالته وقرأتها وتفهمت معانيها وفرح داخلها بشدة. فهو فور أن رأى كلماتها الحزينة لجفائه معها صالحها بتلك الكلمات التي أشعرتها بأهميتها عنده. وبعد قليل أتتها رسالة منه على الواتساب جعلت داخلها يخفق من فرط سعادتها برسالته:
"كل سنة وإنتي طيبة والسنة الجاية تكوني محققة أمنياتك بقلب سعيد مطمئن 💖💖"
رغم بساطة رسالته إلا أنها أسعدتها كثيرا واحتضنت هاتفها بفرحة عارمة كالأطفال ونامت وهي سعيدة من ذاك التقدم بعلاقتها مع ماهر. أما هو ظل ينظر للنجوم اللامعة في السماء وكل تفكيره الآن في تلك الرحمة التي اختـ.ـرقت قلعته المشيدة بالصرامة وهدـ.ـدت أمانها وبدأت بفك الحصار والقلب تبدل من مجرد نبضات إلى طلبه لوجودها داخل قلعته كي يسقيها من شهد عاشق محروم وياويلها من عاشق جلس أعواماً منغلقاً على حاله منتظراً عِوضه.
جلس يفكر بها ثم أهداها خاطرته:
ولا تتشبهين بشيء وأنتِ الأخيرة
ولا تسابقين الغير وأنتِ البدايات
فالقلب وجد مأواه بين يداكِ
يا رحمتي وألطف الكائنات
وعيناي خصصت نظراتها
المغرمة لكِ دون شتات
وروحي هامت عشقاً بكِ
وكلي أصبح الآن ثبات
#خاطرة_ماهر_الريان
#فاطيما_يوسف
#من_نبض_الوجع_عشت_غرامي
مرت الأيام على تلك الأحداث. زينب عادت إلى منزلها ولكن ليس بينها وبين سلطان أي نوع من الحوار وهو ممتثل الغـ.ـضب منها ولم يحادثها. ووجد التزمت غرفتها ولم تخرج منها بناءً على تعاليم سلطان لها. وسكون التزمت شقتها في تلك الأيام كي تتجنب أي حوارات تسبب جرحها وبالتالي ستتأثر حياتها مع عمران. ورحمة وماهر في مشاغبتهم المستمرة التي لم تنتهِ بعد. أما آدم ظل طيلة الأسبوع مشغولاً في تجهيزات فرحه هو وأميرته التي مازالت غير متقبلة تلك الزيجة ولكنها الظروف. ولكنه قرر أن يصبر عليها حتى تأتي إلى منزله ووقتها حتماً لن تستطيع الهروب منه مهما فعلت. أما مها ومجدي فهي تأتي له في المشفى يومياً وتهتم بجميع أموره وقررت أن ترضى بالأمر الواقع. فهي لا يهمها كلام الناس بقدر ما يهمها في المستقبل ملامة أبنائها عن لم تترك أبيهم العاجز وفرقت شملهم وهي من عودتهم على الرجولة منذ صغرهم.
دخلت إليهم الطبيبة كي تتابع حالة مجدي وبعد أن انتهت خرجت مها مع الطبيبة وسألتها:
_ بعد إذنك يا دكتورة إني عايزة أسألك على حاجة؟
أومأت لها الطبيبة بموافقة بترحاب ووجه مبتسم. فتحمحمت متسائلة بتوتر:
_ هو ممكن يعني… مجدي جوزي يخلف بعد حالته دي ولا مبقاش ينفع؟
راعت الطبيبة حرجها ونظرت إلى هيئتها المنمقة وملابسها التي تبدو جديدة. فظنتهم متزوجون منذ أشهر قليلة. فحقاً من يرى مها يجزم أنها عروسة أمس وليس سنوات. فربتت على كتفها مطمئنة إياها:
_ لا متقلقيش خالص جوزك هيمارس حياته الطبيعية بشكل طبيعي جداً وطبعاً لو معندوش أي حاجة هيخلف بالثلث.
شكرتها مها بامتنان وأكملت:
_ منحرمش من ذوقك يا دكتورة بس أنا نفسي أخلف بنوتة. إنتي عارفة بقى ده حلم كل ست.
تفهمت الطبيبة ما تحتاجه واسترسلت مها حديثها وهي تخفض نبرة صوتها طالبة منها:
_ طب هو ممكن حضرتك يعني تعملي له تحاليل تطمنيني بيها عن الموضوع ده من غير ما يعرف علشان كلمته في الموضوع ده كتير وهو مستنكرها قوي ويقول لي إني عارف إني زين ومفياش ولا عيب دوري على حالك. وأني كمان عارفة إني زينة وبالرغم من أكده عملت كل التحاليل وأثبتت إني مفياش عيوب.
قالت مها تلك الكلمات وبالفعل هي منذ أن وضعت توأمها منذ سنوات ولم تأخذ وسيلة ومنذ تلك المرة لم تحمل فانتابها الشك أن تكون أصيبت بأذى أو أن رحمها أصابه إعياء. وتابعت مع أختها سكون واكتشفت أن لديها مشكلة بسيطة منذ سنوات ولكنها عالجتها ولم يحدث حمل ولا مرة من المرات التي اجتمعت فيها هي ومجدي وداخلها حزين فهي تتمنى أن يكون لديها ابنة تصبحان صديقان وأحباء فهي تعشق البنات.
حركت الطبيبة رأسها بموافقة ثم قالت:
_ تمام يا جميلة هاخد عينة دم منه وهعمل التحاليل وهقول لك. ومتقلقيش هتبقي أم البنات مش بنوتة واحدة.
ابتسمت لها مها وشكرتها بامتنان. وفي آخر اليوم نفذت تلك الطبيبة وعدها وأخذت عينة الدم من مجدي بكل هدوء.
رواية من نبض الوجع عشت غرامي الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم فاطيما يوسف
مرت الأيام في المشفى، كانت مها تجلس بجانب مجدي، فهي تتعامل معه الآن بأصلها ونوعًا ما تراعي حالته، وخاصة بعد انهياره لما علم بحالته وأنه لا يستطيع المشي بعد ذلك.
وجدها تجلس شاردة الذهن فتحدث بندم:
"عارف إني ظلمتك كتير قوي يا مها، وسنين وأنا مش شايف العمر اللي جري بيا وأنا بلف زي الطور في الساقية. وممكن كمان اللي أنا فيه ده دعوة أم في ساعة استجابة على إني حلبت ابنها واستغليت وظيفتي ودفعته اللي وراه واللي قدامه من ورا تزويري، أو دعوة راجل قفلت له محله بسبب إني مساعدتهوش عشان غلبان مقدرش يدفع ضرايب."
ثم نظر لحالته بأسى وأكمل:
"وكله كوم، واللي عملتيه فيكي كوم تاني. عشتي معايا سنين في مرار واتحملتي، وحتى في شكواكي كنتِ بتأصلي. ولما كان يفيض بيكي الكيل وتبكي، كنت بشوف بكاكي فجر ومياصة، وأنا كنت كيف الأعمى."
كانت تسمعه بإنصات شديد، وجـ.ـروحها التي حاولت كبتها فُتحت من جديد. لقد ذكرها بالماضي الألـ.ـيم وعـ.ـذاب السنين. ثم تنهدت بتـ.ـعب بدا على معالمها وقالت:
"كفاياك نبش في اللي فات ويوجع القلوب يا مجدي. النبش بيسبب الألم أكتر وبيشيل النفوس، وما منهوش فايدة. ولو كانت كلمة الله يرحمه بترجع اللي مات، كانت كلمة معلش بتصلح وتداوي اللي فات."
واسترسلت حديثها وهي تغير مجرى الحديث وتخبره:
"الدكتورة سكون اتجوزت من شهر، ومكة فرحها كمان يومين."
حرك رأسه بأسى ثم أردف بقلة حيلة:
"ماني كنت بصحتي لما الدكتورة بتتخطب ولما كانوا بيكتبوا كتابها، وأنا كسلت أروح وفضلت الشغل على صلة الرحم. عمري ما رفعت راسك ولا كبرت بيكي قدام أهلك، وأنتي كنتِ تتحايلين علي وتقولي لي دول يتامى وتعالى نقف جيراننا، وأنا كنت أكبر دماغي. حقك عليا يا مها."
وأكمل حديثه وهو يسألها:
"هو أنا قدامي قد إيه وأخرج من هنا وأعاود بيتي؟"
أجابته بما تعرفه:
"الدكتور قال قدامك مش أقل من أسبوع، لأن فيه أشعة وتحاليل وحاجات أكده مش فاهمة فيها، وبعدين تخرج. وأنا مش هعرف أجيلك اليومين الجايين دول عشان فرح مكة، وبعدها هاجي أشوف خروجك، وكله بأمر الله."
سألها عن أولاده:
"أمال العيال عاملين إزاي وصحتهم عاملة إيه؟ ابقي هاتيهم أشوفهم، اتوحشتهم قوي."
نظرت إلى المكان حولها وحركت رأسها برفض:
"هما كويسين الحمد لله. بس معلش يا مجدي، مينفعش أجيب ولادي هنا في المستشفى، كلها أمراض وأخاف يلقطوا من أي حد وهما مناعتهم ضعيفة. كلها أسبوع وتعاود دارك وتشوفهم على كيفك."
واسترسلت وهي توصيه بوجـ.ـع:
"بس أمانة عليك يا مجدي، لما تشوفهم متزعقلهمش وتكش في وشهم زي عوايدك. حن عليهم، حسسهم إنك أبوهم مش عدوهم، وهما يا حبة عيني يتمنوا منك المعاملة الزينة. ومتقلقش، هما عيال زينة قوي وأنا مربياهم كويس."
التمعت عينا مجدي بالدموع، لأول مرة على هذان الطفلان اللذان لم يريا منه إلا كل جفاء وافتـ.ـراء. لم يشعرهم يومًا بأبوته، لم يحتضنهم يومًا ويجبر خاطرهم. وها هو الآن عاجز عن كل شيء واجب على الأب فعله مع أبنائه، ولكن ليت الزمان يعود يومًا.
رأت لمعة عينيه، وللأسف لم تشعر بالشفقة تجاهه، فمشاعرها منذ زمن أصيبت بالتناحة، ولم يعد يفرق لها أي شيء في الكون، حتى نفسها غير أبنائها فقط هي من تتفاعل مشاعرها معهم. ظل كلاهما سارحًا في ملكوت الوجـ.ـع الخاص به، كل منهما يفكر كيف تمضي الأيام القادمة، وكيف ستكون حياتهم مع كل الشروخ التي تسكن أرواحهم.
******”””””*****'””””****
في منزل سلطان، تجلس زينب في حديقة منزلها، وأمامها السبرتاية الخاصة بالقهوة، تصنعها لنفسها، فهي قررت أن تسمع نصائح صغيرتها المحنكة. كانت تجلس وهي تضع قدمًا على الأخرى، وبجانبها المذياع وتغني فيه أم كلثوم، فهي تعشق أغانيها. اعتدلت بجلستها وبدأت بصنع القهوة في ذاك الجو والمكان المشمس، فهي تحبذ الجلوس في الشمس كي تحاوط جسدها وتصيبه بالدفء وتأخذ منها العافية لـ.ـجسدها.
عاد سلطان من الخارج ورآها من بعيد تجلس بذلك الرواق والبال المرتاح. تقدم ناحيتها وهو يقسم على أن يـ.ـفسد خلوتها ويعكر مزاجها، فهي قد حرقت دـ.ـمه ذاك الأسبوع بمعاملتها معه. رأته قادمًا، فنظرت تجاه الناحية الأخرى وهي تمسك كوب القهوة وترتشفه بتلذذ وتدندن مع كوكب الشرق، مما جعلته يستشيط بسبب استكبارها عليه.
جلس أمامها وتحمحم متسائلًا بنبرة استنكارية:
"احممم، من ميتة يا زينب وأنتي كده مبتعمليش لوجودي اهتمام ولا هيبة؟"
أجابته وهي تنظر أمامها ولم تواجه عيناها وتضعها بعينه:
"من يوم ما خنت العهد واتجوزت على عيلة من دور بناتي. من يوم ما كسـ.ـرت قلبي يا سلطان، واعمل حسابك عند زينب اللي انـ.ـكسر مابيتصلحش."
واسترسلت وهي ترتشف من قهوتها بتلذذ وتنظر للاشيء:
"طلع إن اللي بيدي أكتر ما بياخد، ويهتم باللي الاهتمام في نظر اللي وياه بقى شيء مفروض وبيعتبروه هبل وعبط ويستاهل كل اللي يجراله يا سلطان. وأنا طلعت أعبط ست في الدنيا."
وأكملت وهي تنظر في عينيه بقوة أرهبت داخله منها:
"وحاذر بقى من العبيط لما يتنصح، بالضبط بيبقى زي الجعان لما يشبع."
أنهت كلماتها ورجعت تدندن مع كوكب الشرق قاصدة استفزازه، وبالفعل فقد أغضـ.ـب بشدة من طريقتها الجديدة كلياً عليه، ثم قام من مكانه بحدة وأمسك المذياع ورماه أرضًا وتهشم إلى قطع صغيرة. ولكنها لم تعير فعلته أدنى اهتمام كي لا تشعره أنها أثرت بها. ثم وضعت الكوب من يدها وانتصبت واقفة أمامه وتحدثت بنفس القوة وهي تنظر إلى الكأس المهشم:
"تعرف يا سلطان إنك عملت فيا زي ما عملت في الراديو دلوقتي. هتعرف تصلح بقى اللي انـ.ـكسر ده وترجعه كيف ما كان سليم ويشتغل ويدندن."
رأت الحيرة في عينيه ونظرة الندم على ما بدر منه لها، فشفي غليلها قليلًا وأكملت له وهي تتقدم خطوة للأمام:
"أهو أنا بقى زييه بالظبط، مش هرجع زينب الهبلة دي تاني. وخليك فاكر إنك اللي بديت، والبادي أظلم. ويكون في معلومك الحرباية اللي أنت اتجوزتها دي، لو قربت ناحية عيل من عيالي ولا جابت سيرتهم هما واللي يخصوهم في أي مكان، الله الوكيل لاهدبـ.ـحها وأعبيها لك في أكياس زبالة وأحـ.ـرقها ومهخلي في جثتها حتة سليمة."
وتركته ومشيت من أمامه، فعلى صوته بغيظ من طريقتها:
"الله الوكيل لو ما ظبطي طريقتك دي معايا، لأقطع لك لسانك ده خالص يا زينب، اللي بتردي بيه على جوزك أبو عيالك."
نظرت إليه من بعيد وبغيظ شديد حاولت كتمه ولكنها لم تفلح، وهدرت به دون أن تراعي لعشرتها معه أدنى اعتبار، ودهستها تحت قدمها، فهي امرأة مجـ.ـروحة ومطعـ.ـونة بـ.ـخنـ.ـجر الخيانة:
"أعلى ما في خيلك اركبه يا سلطان، ولو معجبكش طلقني وخلصني منك."
اتسعت مقلتيه لكلامها وطريقتها التي لم يتوقعها، ولسانها الذي لم يكن سليطًا يومًا، ولكنه اليوم فظ غليظ. اجتمعت شياطين الإنس والجن أمام عينيه، ولحق بها بسرعة. رأته هي من بعيد قادمًا عليها والـ.ـشر يتطاير من عينيه، فتعجلت بخطواتها ودلفت غرفتها وأغلقت ورائها بإحكام.
أما هو، لم يستطع اللحاق بها، فهم بفتح الباب كي يفعل بها ما يحلو له ويبرد نـ.ـار قلبه، إلا أنه وجد الباب موصدًا بالأقفال، فرزع على الباب بقبضته القوية هادرًا به:
"افتحي دلوقتي وأنا أوريك مقامك كويس يا مرة انتي. افتحي عشان أدبك وأعرفك إن الله حق، وإن الست اللي تغلط في جوزها تستاهل المعاملة الشينة."
لم ترد عليه ولو ببنت شفة، وخلعت ملابسها وارتدت جلباب النوم القطني المريح، ونامت على تختها وذهبت في سبات عميق وكأن شيئًا لم يكن. فهي تلك المرأة، إن أعطت حبًا وحنانًا واحتواءً بغزارة ولم تحصد إلا الغدر، فستزرع من جديد حقدًا وقسوة ومشاعر باردة تجعل من أخطأ في حقها يتمنى المـ.ـوت ولا أنه فعل بها هكذا وأغضـ.ـبها. كم أنتي قوية، تلك المرأة التي تستطيعين الحفاظ على كرامتك وأخذ حقك من عين السباع.
****”****”””””********
في منزل ماجدة، وبالتحديد في الساعة الثامنة صباحًا، دلفت ماجدة إلى ابنتها مكة وجدتها نائمة، فأيقظتها بحنو على غير العادة:
"قومي يا حبيبتي، النهاردة فرحك، ولسه ما نمتيش لحد دلوقتي."
تململت في نومها ورفضت أن تفيق:
"يا ماما سبيني أنام شوية، ملحقتش. أنا نايمة الساعة ٥ بعد الفجر."
ملست على شعرها بحنو وهتفت بقلب موجوع:
"يا بتي، إنتي من ساعة كتب كتابك وأنتي حابسة نفسك في أوضتك، وحتى تليفونك قافلاه ورمياه. وجوزك كل يوم يكلمني يطمئن عليكي، وأنتي في دنيا تانية. واسترسلت وهي تذكرها: إنتي كل الأيام اللي فاتت مقضياها صلاة قيام طول الليل لحد الفجر، وبتقري قرآن بعد الفجر، وتنامي لحد الضهر ومش مهتمة بحالك خالص. ربنا أمرنا بالعبادة بس من غير ما نهمل في صحتنا ولا ندوس على نفسنا. خير الأمور الوسط يا بتي."
أخذت نفسًا عميقًا يدل على أرقها، ثم فتحت عينيها بصعوبة قائلة:
"يعني يا أمي أعمل إيه يعني؟ بستغفر ربي على الذنب اللي عملته واللي بلاء وقعت في الجوازة دي. إنتي مش شايفة يا أمي إني اتفضحت فضيحة ملهاش أول من آخر، والناس معدلهاش سيرة غير مكة المنقبة، بعد ما كنت ولا حد يعرفني من الأساس وأصل. العبادة والقرب من ربنا بيطمن قلبي قوي يا ماما."
ربتت ماجدة على ظهرها وسألتها بقصد وهي تنظر داخل عينيها:
"إنتي يا بتي وشك منور كيف البدر في سماه، وما شاء الله عليكي. اللي يشوفك يسمي ويكبر. إنتي بتحبي جوزك يا بتي؟"
بلعت ريقها بتوتر من استفسار والدتها، ثم تحدثت بخجل:
"ولازمته إيه السؤال ده؟ هو أمر واقع واتحطيت فيه وخلاص. بحبه أو له، مش هيأثر."
ابتسمت لها بحنو:
"لا يا بتي، فيه فرق كبير قوي. إنتي لو عاشقة جوزك، ولا هيفرق لك أي ظروف ولا مناظر فاضية. أما لو مش عاشقاه، ولو إني مظنش."
وأكملت عندما رأت نظرة الاندهاش المغلف بالاستنكار:
"متستغربيش، محدش هيفهمك في الدنيا دي كد أمك يا حبيبتي. أنا بس اللي هحبك من قلبي، وعمري ما هغشك أبدًا، ولا عمري اسمح لحد يأذيكي يا ضي عيني."
ارتمت مكة في أحضانها وبكت بغزارة، وكأن عينيها كانت محتجزة الدموع، وما إن ضغطت ماجدة زر حنان الأمومة، حتى شهقت مكة وتحدثت بحيرة من بين شهقاتها:
"أيوه يا أمي، بحبه ومش بس كده، إني عاشقاه، بس قلبي بس اللي متفق على كده. أما كل حاجة جوايا بتلومني على عشقه لحد ما تعبت، ومش عارفة مشاعري اللي مختلفة مع بعضها دي هتعمل إيه لما أبقى معاه في بيت واحد ومقفول علينا باب واحد. مجرد التخيل بس بيخليني أحس بالرعب من اللي أنا رايحة له."
شددت ماجدة على احتضانها كي تشعرها بالأمان، فماجدة تعشق بناتها وتهتم بهم، وليست من نوع الأمهات اللواتي يقلبن وجوههن على بناتهن. فهي تعيش معهم وتعاملهم كما الصديقة لهم:
"شوفي يا بتي، لو مكنش ده نصيبك اللي ربنا مقدره لك، ما كانش حطه في طريقك. والمكتوب مفيش منه مهرب يا بتي. بس لازم تكوني واثقة في ربك إن كل أقدارها خير. وبعدين، ما ضاقت إلا أما فرجت. قومي بقى فوقي واشوري وتعالي افطري من يد أمك واتجمعي مع خواتك على طبلية واحدة واتونسي بيهم، عشان جوزك هيبعت لك عربية تاخدك للفندق اللي هيتعمل فيه الفرح على الضهرية كده."
خرجت من أحضان والدتها وتساءلت باستنكار:
"وه فندق إيه ده! أنا مهنكشفش على ناس غريبة، ولا هتصور التصاوير بتاعت البنات دي، ولا هلبس الروب اللي بيلبسوه ده، ولا هتحرك من مكاني. أنا هلبس من هنا وأختي مها هي اللي تحط لي أي حاجة على الماشي وخلاص. هو أنا هبتديها غضب لربنا ولا إيه عشان أرضي فضول البني آدمين اللي كانوا سبب في غضبانيتي."
اندهشت ماجدة وتفوّهت بملامح متعجبة:
"وه يا مكة، إنتي عروسة يا بتي. إنتي هتعملي إيه زيادة عن الخلق يعني؟"
حركت رأسها برفض قاطع وهتفت بتصميم:
"الله الوكيل، ما هعمل العمايل دي. أنا واحدة تعرف دينها كويس، وكل اللي البنات بتعمله اليومين دول أوفر قلة دين على الآخر. اللي تطلع بنص شعرها باين وهي ماسكة المراية وبتغني، واللي لابسة روب ومبينة صدرها ونص دراعها وفرحانة بنفسها، واللي بترقص هي وصاحبتها وبيغرقوا الفيس استوريهات بقلة الحيا دي، قال إيه فرحانين. وأكملت حديثها وهي على رفضها بتصميم قاطع عندما رأت نظرات والدتها المترجية لها بأن تمرر اليوم مرور الكرام: "له يا ماجدة، ما هعملش كده أصل. وبعدين عرفتيه إني عايزة قاعة منفصلة، الرجالة لوحدها والستات لوحدها، وأنا ما يعزنيش موسيقى في القاعة زي ما قلت لك ولا له؟"
لوت شفتيها بامتعاض وهتفت بقلة حيلة:
"أها عرفته، والجدع واد محترم وشاري، وقال لي اللي هي عايزاه يا أمي، أنا هعمله لها من عنيا."
وأثناء حديثهم، رن هاتف ماجدة برقم فتحدثت وهي تجيبه:
"أها، بيرن عشان يشوف وصلت لإيه معاكي. أيوه يا حبيبي، إحنا كويسين الحمد لله. أها جمبي أهي وصاحية. عايز تكلمها."
كل ذلك وهي تحرك رأسها لوالدتها برفض وهي لا تريد أن تتحدث معه، ولكن والدتها وضعتها أمام الأمر الواقع، فأخذت منها الهاتف ثم قامت ماجدة وتركتها وحدها كي تحادثه. فسألها بحنو ما إن استمع إلى صوته الذي استوحشه كثيرًا:
"من ساعة ما كتبنا الكتاب وأنتي بعيدة أووي ورافضة تكلمنا، بس أنا مش زعلان منك يا زوجتي العزيزة، عادي ولا يهمك. ما إن نعتك بزوجته حتى تغيرت معالم وجهها، فقد ظلت رافضة لتلك الفكرة والآن أرجعها إلى عالم الواقع. وأكمل هو: "أنا في الطريق أهو، جاهزة عشان نروح الفندق؟"
تحمحمت كي تستدعي الهدوء، ثم أجابته برفض:
"أنا مش عايزة فنادق، ولا عايزة أنكشف على حد. معلش، أنا مليش في الحوارات دي. هلبس الفستان وهكتفي بلمسات بسيطة أختي هتعملها لي."
لم يشعر بالضيق من تمسكها، فكيف يلومها على أنها تخاف الله. ثم طمأنها:
"متقلقيش، أنا مراعي ظروفك ومش جايب لك أي حد. خلاص، لا يا حبيبتي، أنا جايب لك فريق متخصص لطبيعة تدينك. أنا مش هعمل حاجة ممكن تقلل أبدًا من خوفك من ربنا."
تنهدت بضيق، ثم سألته:
"هو إيه لازمته طيب يا آدم إني على أي حال منتقبة ومش هيظهر مني حاجة، فإيه لازمتها الفرهدة دي؟"
هدأ من حالته المتعبة في عدم فرحتها بليلتهم وأنها ليست كباقي الفتيات في ذاك اليوم، وراعى عدم استيعابها للأمور ككل، ثم أجابها:
"يا حبيبتي، أنا عايز أعمل لك فرح زيك زي البنات. عايزك تلبسي فستان وتعملي سيشن وتفرحي بيومك اللي هيفضل ذكرى حلوة في حياتك. باختصار، مش عايز أظلمك يا مكة. فأنتهي كده وقومي افطري كده واشربي قهوتك ومتفكريش في أي حاجة غير إن النهارده يوم فرحنا وبس يا قلبي."
أخذت نفسًا عميقًا يدل على انزعاجها من الأمر ككل، ثم سألته:
"هو إنت ليه مصمم إن جوازنا ده طبيعي، وإن مفيش بلوة كبيرة حصلت خليتنا نتجوز بالسرعة دي من غير أي رسم لحياتنا هتبقى عاملة إزاي؟ أو إننا وضعنا هيبقى إزاي؟"
خلل أصابعه بين خصلات شعره بضيق من تخوفها، ثم أردف باستجداد:
"طب ممكن تسيبي كل الأسئلة والحيرة دي على جنب خالص، ودماغك تبطل تودي وتجيب، ونعدي اليوم المهم جدًا، وتتناسي اللي حصل وتتعاملي بطبيعتك كعروسة، والنهاردة يوم فرحها على حبيبها اللي بتحبه وهو بيعشقها. وبعدين، لما يتقفل علينا باب واحد نتكلم ونتفق على كل حاجة."
واسترسل وهو يطمئنها أكثر:
"ومتقلقيش يا حبيبتي، أنا مش هغصبك على أي حاجة. وتأكدي إننا مش هنعيش حياة طبيعية زي أي زوجين غير لما تبقي راضية وبكامل إرادتك. أنا مش حيوان ولا شهواني إني أغصبك على حاجة انتي مش عايزاها."
وأكمل بنبرة حنونة كي يؤثرها أكثر ويجعلها تدخل عالم آدم بقلب مطمئن:
"متقلقيش يا حبيبتي، كفاية عليا نفسك في المكان. كفاية عليا أحس بوجودك جنبي. والله العظيم أي حاجة بعد كده تهون مقابل نظرة واحدة بس من عينيكي."
أغمضت عينيها وداخلها ينطق مشاعر متضاربة الآن. يا الله، كم من الرقي يحيطك ذاك آدم! كم من التضحية التي ضحيتها لأجل إرضائي! ولكن داخلي ينهاني، داخلي خائف، ضائع، مشتت، مرتعـ.ـب، والأدهى أنه مشتاق، مرحب. تُرى ماذا فعلت بي أيها العاشق! لقد أسرتني ودللتني وعليتني، لقد ملكتني وما عدت قادرة على المقاومة.
ثم همست بنبرة خائفة ومرتعبة من القادم المجهول:
"أرجوك يا آدم، متوصلنيش للانهيار. أنا عشت عمر بحاله وأنا مستسلمة نفسي على حلم زوج في خيالي وبنيت عمدانه على أساس غير اللي اتحطيت فيه دلوقتي. أرجوك اوعدني وقت ما أحس إني مش قادرة ومقاومتي بقت صفر، اديني حريتي."
كم صعب ذاك الكلام الذي نطقته، كم كان مؤلمًا له، مدمـ.ـرًا لرجل عاشق. ثم تحدث بنبرة عاتبة:
"ليه دايما مصممة على الفراق؟ يا مكة تفائلي بالخير تجديه. ومش هقولك غير حاجة واحدة بس، إني هكون أمين عليكي لأبعد مما تتخيلي."
وتابع كلماته وهو ينهي فكرة الفراق من بالها:
"بس حتة الحرية والفراق دي، موعدكيش. مش أنا اللي هتنازل عنك بالسهولة دي. ماهو أنا مصبرتش السنين دي كلها ومرضتش بأي ست وخلاص عشان كنت عايز ست البنات اللي تملك قلبي وتعشش جواه، ويوم ما ألاقيها أسيبها بالسهولة دي! لاااا، مش هيحصل بإذن الله."
ثم طلب منها بتعجل وهو ينظر في ساعته:
"يالا بقى في الإنجاز، هكون عندك على الساعة ١١ تكوني جهزتي."
ثم ودعها السلامة وأغلق الهاتف وهو يبتسم. فذاك آدم محارب شجاع في العشق ولا يخاف من الفراق، فهو متمسك بها بقوة لن تضاهيها أي قوة في الكون. أما في الخارج، خرجت ووجدت أخواتها يضحكون ويمرحون بسعادة، فقررت أن تندمج معهم وتنسى أي شيء يعكر صفو مزاجها. جلسوا يتناولون وجبة الإفطار في جو أسري محبب إلى قلبهم، الأم وبناتها دون أن يعطوا للزمان فرصة للضيق.
مر الوقت سريعًا، ثم قامت مكة وارتدت ملابسها وأعدت ما ستحتاجه في الحقيبة الخاصة بها. ثم خرجت وجلست بجانب والدتها وعيناها تنظر إلى أرجاء المنزل باشتياق وهي تودع أيامها الجميلة التي قضتها مع أخواتها ووالدتها. ثم جذبتها مها إلى أحضانها وتحدثت:
"حبيبتي اللي هتوحشني قوي. إنتي متعرفيش يا مكة إني بحبك قد إيه ومتتصوريش إنك فارقة معايا قوي. إنتي كنتِ طاقة النور اللي بيفوقني وقت ضعفي، كنتِ الملاك اللي دايما بيثبت لي إن الدنيا بخير."
واسترسلت حديثها وهي تشهق بشدة وتبكي بوجـ.ـع داخل أحضانها على ما تمر به، وكأن أحضان تلك مكة هي أحضان الإيمان الذي غاب عنها فترة ما وجعلها غـ.ـرزت حالها في وحل الخطيئة:
"كنت بدخل أوضتك بحس بالراحة والسكينة وكأني داخلة الجنة من كتر ما كنتي مالياها قرآن بصوتك الجميل وصلاة طول الليل وأذكار مبتفارقكيش، عشان كده بقول لك روحي لجوزك بنفس مطمنة، هو هيطلع ولد حلال قوي. ما هو إنتي لازم ربنا يرزقك الخير كله يا بت أبوي، ما انتي عشتي عمرك كله مبتعصيش وعمرك ما مشيتي ورا هوى النفس، وعشان كده قلبي من جوه مطمئن عليكي."
أنهت كلامها وشهقت ببكاء وهي مازالت متمسكة بأحضانها كالغريق وهي مركب النجاة. قامت سكون من مكانها فقد أدمعت على دموعهم، فهي رقيقة بشدة، وجذبت كلتاهن إلى أحضانها، ثم تحدثت من بين شهقاتها:
"وأنا زيك بالضبط يا مها. قلبي موجـ.ـوع عليها قوي. رغم إنها هي اللي صغيرة، بس عمري ما أنسى إنها هي اللي كانت بتشد الموبايل من إيدي وتقول لي يالا نصلي حبة ركعات قيام ليل يشفعوا لنا يوم القيامة وندعي فيهم إن محدش يأذينا أبدًا وربك يستجيب طالما ملحين. ولا يوم الإجازة اللي الناس بتسهرها مع أصحابها، هي كانت تقول لي يالا يا خيتي سيبك من سهرات الغيبة والنميمة دي ويالا عندنا سهرة أحلى بكتير، سهرتنا صلاة وذكر وقرآن هينفعنا في دنيتنا وآخرتنا، وتسحبني وكنت بتجهز برنامج جميل."
واسترسلت وهي تمسح دموعها، ثم خرجت من أحضانهم وربتت على ظهرها:
"زرعتك معايا يا صغيرة نفعتني ومكملة بيها لحد دلوقتي، وعلمت عمران كماني. لينا كل يوم ساعة عبادة لربنا كيف ما تكون، وبتلاها بحس إن ربنا مطمن قلبي، ولما أحس إن قلبي مقبوض أجري وأعمل الطقوس اللي عودتني عليها، وبعدها أحس ولا كأن حاجة حصلت. وأكملت وهي تنتحب مرة أخرى: "واهي هتمشي دلوقتي حورية الجنة وهتتخـ.ـطف من وسطنا وهننحرم منها."
وظل الثلاث بنات يبكين في أحضان بعضهن من حـ.ـرقة الفراق. (ربنا يسامحكم عيطتوني 😭😭😭)
خرجت إليهم والدتهم من غرفتها ورأت حالتهم تلك فانصـ.ـعقت وهرولت إليهم وهي تنطق بملامح متعجبة:
"يا حزني عليكم، بتعيطوا البت يوم فرحها منكم ليها، يا بوز الأخص انتو."
واسترسلت وهي تفرق شمل الكآبة وتبعدها عنهم، وأخذتها بين أحضانها:
"متعيطيش يا بتي، سيبك من المعاتيه دول وافرحي يا نضري. النهارده يوم هنا وسرور."
مسحوا جميعًا دموعهم وهدأوا من حالة الحزن التي اعترتهم جميعًا، ثم تحدثت مكة بدعابتها المعتادة:
"وه يا ماجدة، شايفة ك حنينة عليا النهاردة على غير عادتك. دي أنا في الدخلة والخرجة كتير بتقطميني وتقولي لي كلمتك المشهورة، يا اللي مش نافعة وهترجعي لي بالقرصتين سخنين. دلوقتي بقيت الحتة الشمال واليمين وكله."
ثم لاحظت عينيها المحمرتان ويبدو أنها الأخرى كانت تبكي، فتابعت بذهول وهي تمسكها من ذقنها:
"وه وه يا ماجدة، كأنك كنتِ ميتة من العياط إنتي كماني!"
ثم نظرت إليهن جميعًا وأكملت:
"كأني طلعت حد مهم بالنسبة لكم يا أخواتي وما كنتش داريانة. بس متقلقوش، هقرفكم كالعادة، هتروحوا مني فين."
وأكملت وهي تدلي نصائحها لمها:
"إنتي يا أم الزين وأخو السكر، واظبي على القيام والصلاة والقرآن كيف ما عودتك دي أمانتي ليكي."
ثم وجهت أنظارها إلى سكون وتابعت:
"وإنتي شرحها وزودي في الورد شوية، وسيبك من دلالك الزايد شوية مع عمران، ركزي في اللي هينفعك."
ابتسمت جمعيهن على دعابتها واحتضنت ماجدة بناتها ودعت لهم براحة البال والسلام. الآن وصل آدم وأتى موعد خروج مكة من منزلها، وجميعهم يقفون بدقات قلوب بمزيج من المشاعر المتضاربة من الحزن والفرح في آن واحد. قلوبهم حزينة لفراق صغيرتهم، وفرحين لزواجها. بدأوا بالتسليم عليها واحتضانها بحب، ودمـ.ـوع عيونهم على فراقها تحكي ألف حكاية وحكاية. ولكن هذه سنة الحياة، أناس تفارق وأناس أخرى تعاشر وتسير مركب الحياة، ولم يبق شيئًا على حاله. ولكن خروج البنت من منزل أبيها يرج القلب ألمًا، ولكن الاعتياد على ذلك الشيء يصبح سهلاً يومًا عن يوم.
وبعد أن أنهوا سلامهم، نظرت ماجدة إلى آدم قائلة:
"تعالى يا حبيبي، أعمل لك فطار، متتعجلش، الدنيا مش هتطير."
بوجه بشوش وابتسامة أنارت وجهه، أجابها وهو يربت على ظهرها بحنو:
"تسلميلي يا ماما، منحرمش منك أبدًا. بس والله فطرت هند أختي مأكلاني أكل وأنا جاي، يكفيني أسبوع."
ربتت هي الأخرى على ظهره وتحدثت وهي مبتسمة لذاك الراقي في رده وطريقته:
"والله يا ابني، إني مشفتش زيك من زمان قوي. فيك حنية تكفي الدنيا بحالها. اعمل حسابك تجيب مكة وتيجي تقضوا وياي يومين في الأسبوع، إني حبيتك وارتحت لك قوي."
جذبها ذاك آدم من رأسها وقبلها بحنو دليلًا على محبته النابعة من قلبه لها، مرددًا بتأكيد:
"حبيبتي يا ماما، والله ما كتبت كتابي على مكة وأنا بقيت بعتبرك في مقام ماما الله يرحمها. ومن عيوني حاضر، مقدرش أرفض لك طلب يا جميل."
كانت تنظر له متعجبة من طريقته المثالية. أحقًا يوجد رجال حولنا بتلك المثالية كذاك آدم؟ الحق يقال، إن عمران يعاملها بطريقة حسنة وبشدة، ولكن آدم طريقته في التعبير عن أي شيء تؤثر القلوب من اختلافها، فهو يتعامل بطريقة آدمية راقية بحتة. هنا هتفت سكون مرددة بدعابة:
"متستغربيش يا ماما، آدم مش زينا هنا. دي متربي تبع التربية الإيجابية. مش شكل تربيتنا إحنا. تناولي ابنك بسلاح الأم المعتبر ويرد يقول لك وهو بيبرق لك عينيه ويخشن صوته: حراااام عليكي يا ما."
ضحكوا جميعًا على كلام سكون التي أكملت بفخر وهي تنظر إلى مها:
"كيف أم الزين كده مابتربي ولادها، وإنتي شفتي بعينك. معرفش عمليتها إزاي دي، بس هي هيرو ونرفع لها القبعة."
ابتسموا على طريقتها، ثم ودعتهم مكة وخرجت من المكان وهي تنظر بعيني دامعتين إلى كل ركن في المنزل، وكأنها تودع روحها المتعلقة به. جذبها آدم من يدها برفق وفتح لها باب السيارة الأمامي، مما جعلها تشكره بعينيها لذوقه، ثم خطى بساقه للناحية الأخرى واستقل مكانه وبدأ بتدوير السيارة وغادروا المكان.
وأثناء سيرهم، سألها عن حالها كي يطمئن عليها:
"عاملة إيه طول الأسبوع؟ مش عارف أوصل لك."
فركت يدها بتوتر، ثم أجابته:
"زينة الحمد لله."
لاحظ توترها، فركن السيارة في جنب، ثم أنزل الستار الموجود بها، مما جعلها تندهش والتفتت إليه متسائلة بتوتر:
"وه وقفت ليه ونزلت الستاير دي ليه! معلش ارفعها، بحس بالاختـ.ـناق."
اقترب منها قليلًا وجذب وجهها إليه من فوق نقابها، وبعينيه تنطق وحشة لها:
"متخافيش يا حبيبي، العربية جيدة التهوية."
وأكمل برغبة:
"وحشتييييييييني، وحشتييييييييني، وحشتييييييييني أوووي يا مكة."
حقا، لقد تخدرت أعصابها كليًا من قربه وهمسه ونظراته التي تتآكلها، ثم أخفضت عينيها خجلًا ودقات قلبها تتصارع داخلها، ولم تعرف بما تجيبه، وكل ما بها أنها حبـ.ـست أنفاسها في قربه. أما هو، فك رباط نقابها من الخلف بتروٍّ كي لا يزعجها، وعيناه متسمرة النظر في عينيها، ولكنه جعل داخلها يشعر بالخفقان من تمهله معها، فحقا هو بارع في التعامل مع الأنثى. ثم تحدث بنبرة لاهثة وهو يمرر لسانه على شفتيه:
"عارفة، منستكيش ولا لحظة. ملامحك حفظتها من أول مرة ودخلت قلبي وعقلي."
وأكمل همسه بنبرة صوت أجش وهو مازال يقترب منها رويدًا رويدًا كي يسحبها لعالمه دون أن يشعر باعتراض أو نفور منها، فهو يريدها راضية مطمئنة:
"بس تعرفي، المرة دي ملامحك زادها نور يسحر. إنتي إزاي حلوة كده بطبيعتك ومن غير أي مجملات!"
كانت خجلة للغاية، وجميع خلايا جسـ.ـدها تمردت عليها في قربه. جميع خلايا جسـ.ـدها زاد الإحساس فيها أضعافًا مضاعفة. جميعهم تناوبوا عليها وأجبروها أن تقع صـ.ـريعة غرام ذاك آدم. ثم تفوهت بخجل جعل وجنتاها محمرتان بدرجة رهيبة وكأن النيـ.ـران تؤجج منهما:
"خلقة ربنا اللي خلقنا كلنا جميلات من غير ما نحتاج أي تصنع."
حرك رأسه نافيًا كلامها وتحدث وهو يمرر أصابعه على وجنتها برفق ورقة أذابتها:
"لاا، متهيألك يا حبيبتي. اليومين دول متعرفيش البيضة من السمرا من القمحية. متشوفيش لون العين الحقيقي، كلهم تركيب واصطناع."
أما هو، فأكمل وهو يجذب وجهها برقة إلى وجهه بحركات عاشق متمرس لعاشقة مبتدئة لاتفقه شيئًا في قوانين القرب، وثبت رقبتها بإحدى يديه وبالأخرى أشار ناحية وجنتها، ثم باغتها بقبلة منها جعلت حصونها المنيعة تـ.ـهددها بالانهيار:
"يعني الخد ده طبيعي من غير أي لون."
وقبلة أخرى لعينيها برغبة:
"ولون العين ده بردو طبيعي من غير عدسات."
ثم هبط إلى شفتيها أخيرًا واختطفهما بين شفتيه في قبلة عاصـ.ـفة كان هو قائدها، أما هي كانت تائهة متخبطة ومستجيبة، لكن لا تعرف كيف تجاري هجومه الضاري عليها. لاحظ هو اختـ.ـناق أنفاسها بالفعل، ففصل قبلته، ولكنه مازال مقتربًا منها وأسند جبهته بجبهتها قائلًا:
"والشفايف المغرية أووي وطعمهم الطبيعي من غير بوتكس ولا فيلر دول حقيقيين."
وأكمل بعينين تود أن تفترسها ككل بنظراتها، مما أخجلها:
"تجنني يا مكة، وحاليًا مش عايز غير إني أفضل كده معاكي ومابعدش عنك."
التمعت عيناها بالدموع، فانزعج هو هاتفًا بدهشة:
"ليه الدمـ.ـوع دي يا مكة؟ بس أنا ضايقتك في إيه؟"
انقلبت الدمـ.ـوع الصامتة إلى شهقات بطيئة، ثم أجابته من بينها:
"إنت وعدتني إنك مش هتجبرني على حاجة، ومن البداية بتقول إنك مش هترحمني يا آدم؟"
أخذ نفسًا عميقًا ثم زفره بتعب:
"وهو أنا أجـ.ـبرتك دلوقتي يا مكة؟"
رفعت عينيها المغشاة بالدموع:
"إنت دلوقتي استغللت ضعفي ومشاعري، وبتحاول تخليني أرضى بالأمر الواقع وأتعود على قربك اللي مش هقدر أستغنى عنه بعد كده، واحنا لسه متفقناش."
ابتعد عنها قليلًا ثم تحدث بنبرة عاتبة:
"كلامك معناه إني بسـ.ـرق منك إحساس الرجل بمراته، وإنك دلوقتي كنتِ بتضيعي وقت وخلاص. مع إن دقات قلبك فضحتك أووي يا مكة."
حركت رأسها بموافقة وقالت:
"ملكش دعوة بدقات قلبي ولا بتصرفاتي، أنا خلاص وقعت ومفيش مهرب ولا مفر منك إلا ليك، وبقولها لك تاني يا آدم، اديني فرصة أستوعبك وأستوعب المرحلة الجاية دي. بلاش نجيب الفيلم من نهايته، خلينا نتابعه من البداية بتمهل."
ابتعد عنها قليلًا وهو يتنهد بتعب من القادم مع عنادها، وهو إلى الآن لا يعرف ما يجول في عقلها ولا حياتهم القادمة كيف ستسير، ثم أدار محرك السيارة، وقبل أن يمشي بها، رفع الستار وفتح الشباك الجانبي لها كي يجعلها تهدأ، وتحرك بالسيارة إلى الفندق. تواصل مع الحراس الشخصيين له كي يدلف إلى الفندق هو وزوجته بهدوء نظرًا لشهرته الواسعة.
قبل أن ينزل من السيارة، سألها:
"ها يا حبيبي، جاهزة ننزل؟"
حركت رأسها بموافقة، ثم هبط أولًا وخطى إليها وفتح الباب ومد يديه كي تسكن يداها، فهو يعاملها كالملكات المدللات. أعطته يديها، وقبل أن تهبط، نظر حوله ووجد بعض المارة الرجال، فأمرها:
"ظبطي نقابك الأول عشان مش متظبط وفي خصلات من شعرك باينة."
اندهشت من تفحصه لها وأنه يأخذ باله من تفاصيلها، فهو من عبث بنقابها منذ قليل وهي كانت تائهة وأعصابها مخدرة ولم تشعر إلى الآن بنقابها غير المعتدل. ولكن ما جعلها تندهش أكثر هو اهتمامه بتلك النقطة، فلم يأتِ ببالها أن ذاك آدم يغار عليها وعلى أن ينظر أحدهم إلى زينتها المخفية. لاحظ اندهاشها فسألها بتعجب:
"مالك يا بنتي بتبص لي باندهاش كده ليه؟"
كانت تنظر إليه نظرات تائهة، ثم حولت أنظارها إلى المرآة وأجابته بعدما انتهت من ضبط نقابها:
"لا مفيش حاجة، يالا أنا خلصت."
مد يديه إليها وهو يبتسم لها، ثم دلفا إلى الفندق بسرعة قبل أن يلفتوا الأنظار إليهما، ووقتها لن يستطيعا التحرك من الكاميرات. أنهى الحارس الخاص به جميع الإجراءات، ثم صعد بها إلى الجناح المخصص لها في الفندق.
دلفا إلى الجناح وأخذا أنفاسهما يستدعيان الاسترخاء، ثم سحبها برفق وأجلسها على الأريكة الموجودة في الجناح. لاحظ نظرات عينيها غير المطمئنة، ثم ربت على ظهرها بحنو:
"مالك يا حبيبي، إنتي كويسة؟"
"زينة الحمد لله، هو المفروض إيه اللي يحصل دلوقتي؟"
أجابها وهو ينظر إلى هيئتها:
"اللي هيحصل دلوقتي إنك هتخلعي نقابك وحجابك وتلبسي البجامة اللي هناك دي وتنامي لك ساعتين. إحنا لسه الساعة ١٢ وهما هيوصلوا على ١.٣٠، مافيهاش حاجة يستنوكي نص ساعة."
نظرت له بعمق شديد. كيف له أن يكون بكل ذاك الحنان لها والاهتمام بها؟ لاحظ نظراتها المثبتة عليه، ثم قبلها من يدها وانتصب واقفًا قائلًا:
"يالا أنا هدخل الأوضة الجانبية دي بعيدة عنك خالص، هتوضى وأصلي الضهر ومتقلقيش، خليكي على راحتك، مش هتحسي بوجودي خالص."
ابتسمت له بامتنان، ثم تحرك إلى الغرفة الجانبية وفيها حمامها الخاص. أما هي، فبدأت بخلع نقابها وحجابها والدريس التي كانت ترتديه، ثم ارتدت البجامة والتي كانت من القطن المبطن كي تشعرها بالدفء، فاليوم كان يصحبه بعض البرودة. ثم ذهبت إلى الحمام وتوضأت وأدت فرضها بخشوع.
وبعد أن انتهت، ذهبت إلى السرير وسحبت الغطاء الوبري الثقيل، ولم تشعر بحالها وخلدت في نوم عميق. بعد مرور ساعتين، وجد آدم أن الحارس يبلغه أن الفريق أتى وهم مستعدون لتجهيز زوجته، وأن الوقت قد أزف ولابد من البدء الآن، فلديها جلسة التصوير الخاصة بالعروسين. فتح الباب وخرج من الغرفة ونادى بهدوء كي لا يزعجها، لكنه لم يجد ردًا، واستنتج أنها مازالت نائمة. فخطى إليها بخطوات هادئة تشبهه تمامًا، ثم ذهب إلى التخت ودقات قلبه العنيفة تتصارع داخله عندما رآها نائمة كالحوريات. جلس بجانبها بهدوء، ولم يشعر بحاله وهو يتلمس شعرها الطويل المفرود بهوجاء على وجهها وصدرها وعلى الوسادة، مما أعطاها منظرًا رائعًا جعله يهيم بها عشقًا. صار يأخذ أنفاسه بصعوبة من هيئتها التي جعلت جسـ.ـده يثور عليه ويطالبه الآن بسحبها إلى أحضـ.ـانه ويسحبها إلى عالمه ويرتوي من رحيقها وشهدها المسكر. ولكنه وعدها. ظل ينظر إليها بضع دقائق، ولكنه تذكر الفريق الذي ينتظرها بالأسفل، ثم ابتعد عنها وانتصب واقفًا وبدأ يفيقها بهدوء.
تململت في نومها، ثم استقر صوته في أذنها، وفجأة قامت بسرعة، وجدته واقفًا أمامها بابتسامته الساحرة. فجذبت الغطاء على جسـ.ـدها ثم إلى رأسها وغطت نفسها بالكامل، ثم تحدثت بتوتر:
"اممم.. أنا خلاص فقت، اخرج وأنا هلبس هدومي ونقابي وقول لهم يطلعوا."
قهقه بخفة على طريقتها الطفولية، ثم حاول نزع الغطاء برفق، ولكنها كانت متشبثة به، ولكنه استطاع نزعه ورؤية وجهها، فداعب خصلاتها وتحدث وهو يشاغبها:
"إنتي مش ملاحظة إني جوزك؟ ولا حاجة!"
وأكمل وهو ينظر في ساعته:
"يالا قومي بقى، الناس وصلت تحت ومستنين الأميرة عشان يروقوا عليها."
ثم أكمل بمشاغبة وهو يغمز لها بشقاوة:
"ولو إن الأميرة مش محتاجة أي حاجات ولا محتجات، هي تتاكل كلها على بعضها كده من جمالها."
فتحت فاهها بدهشة من وقاحته، ثم رفعت الغطاء على رأسها مرة أخرى وكأنها تداري خجلها. ولكنه رفعه مرة أخرى بمشاغبة وهبط لمستواها بنصف جسـ.ـده:
"هو القمر بيتكسف يا ناس. بذمتك مش بتحبي آدم ومنفسكيش دلوقتي ياخدك في حضنه ويدوقك طعم عشقه ليكي."
ابتلعت ريقها بتوتر وأدارت وجهها للناحية الأخرى وتمتمت بخجل:
"اممم.. من فضلك بقى بلاش طريقتك دي عشان بتوترني."
راعى خجلها الواضح، ولكنه وجد حاله يجذبها ويجبر عينيها أن تستقر في عينيه:
"لااا، بقول لك إيه، إحنا لسه بنقول يا هادي. ده إحنا أيامنا مع بعض طويلة وفيها مناكفات وحوارات وتمرد وشد وجذب، وفي الآخر بردو مش هتلاقي غير ده تستقري جواه وهو اللي هيريحك."
أشار إلى أحضانه وهو يتحدث معها، ثم داعب خصلاتها بأنامله وهو يكمل مشاغبته معها:
"متقلقيش، أنا نفسي أطول مما تتخيلي. قومي بقى عشان هيطلعوا، وبعد ما يخلصوا هنروح للسيشن، هو هنا في نفس الفندق."
هنا انتفضت من مكانها وهي غير مدركة لهيئتها المبعثرة الخاطفة للأنفاس، ورددت بذهول:
"سيشن! سيشن ورجل هيقف يقول لي اعملي كذا واعملي كذا وحوارات من دي؟ لا ممكن يحصل أبدًا."
لم يسمع ما قالته، وكل ارتكازه على تلك الصغيرة التي سـ.ـرقت قلبه الآن بجمالها الذي هـ.ـدد حصون التماسك لديه الآن، ثم على حين غرة جذبها من يدها ولم يراعي وعوده لها، فهو حبـ.ـست أنفاسه من هيئتها، فشعرها انسدل على كامل ظهرها وبعض من خصلاته على جبهتها وعينيها المنتفختين من أثر النوم، وكذلك شفاها، فلم يقدر على الصبر وأن يختـ.ـطف شفتيها في قبلة عاصـ.ـفة ويداه تلوي خصلات شعرها بين يديه. أما هي، رائحته وقربه عبأ صدرها ولم تقدر على مقاومته، فهي ضعيفة، لا تستطيع المقاومة. هي الآن واقفة في وسط طريق العشق، لا هي قادرة على أن تبعده عن أحضانها، ولا هي قادرة على أن تجاريه نظرًا لتلك المشاعر الجديدة كليًا عليها.
أما هو، أنهى قبلته واحتضن وجنتيها بين يديه مطمئنًا إياها:
"متقلقيش يا حبيبي، السيشن في مكان مفيش فيه نملة هتهوب ناحيته. وكمان بنت هي اللي هتنّفذه مش ولد. هو أنا معقول أخلي راجل يلمح طيفك ولا يشوف ملامحك غيري."
واسترسل بعينين عاشق:
"ده إنتي دخلتي عرين الأسد اللي ياكل بـ.ـسنانه كل اللي يفكر يقرب ناحيتك."
وبنبرة متيمة ناداها:
"مكة.. حبيبي."
أجابته بعينيها، فأكمل:
"بحبك يا رووووحي وأغلى من روحي. أنا هنزل بقى والبنات هتطلع لك."
ثم قبلها من جبهتها بوقار لها وهو يردد بتأكيد:
"أنا واثق إنك هتطلعي عروسة قمررر. enjoy baby."
ثم غادر الجناح وتركها وقلبها وجسـ.ـدها مفككين من عاصـ.ـفة قربه الذي شنها عليها منذ قليل، ولم تلبث حتى استمعت إلى أصوات الفريق الذي بعثه آدم لها. ارتدت خمارها ونقابها وفتحت لهم الباب، وإذا بها تنصدم مما رأته. لقد رأت أربع فتيات منتقبات مثلها، وهم يرددون عليها بهدوء راقٍ:
"السلام عليكم ورحمة الله، عروستنا الجميلة، تسمحي لنا ندخل."
ابتسمت لهم وأفسحت لهم المجال وأدخلتهم بترحاب، وبدأوا يتعرفون عليها وعرفت كل منهن الأخرى، وفي غضون دقائق أصبحت تشعر وكأنها صديقتهم. ثم خلعوا جميعًا النقاب، وكلهن عندما رأوها، سمن عليها وعلى جمالها. ثم سألوها عن أشياء تفعلها العروسة من الحمام المغربي والأشياء الخاصة الأخرى، فأجابتهم بأن أختها الكبرى قد فعلت لها كل تلك الأشياء. فبدأوا بشعرها ثم وجهها، وكل منهم تعمل عملها بامتياز، فهن فريق مشهور جدًا لتزيين المنتقبات وشهرتهم عالمية ويسافرن إلى الغرب، وصفحتهم تتخطى ملايين المتابعين. وحينما طلبتهم هند، فهي ذات شهرة واسعة أيضًا، أتوا إليها.
بعد مرور ساعة تقريبًا، أنهوا المكياج الخاص بوجهها، وحقا كانت رائعة، هادئة، وجمالها أصبح فاتنًا أكثر من ذي قبل. ثم تحدثت إحداهن:
"طب يالا يا بنات، العصر أذن نصليه."
وأكملت وهي تنظر إلى مكة:
"متوضية تصلي معانا ولا تدخلي تتوضي؟"
حركت رأسها بأسى:
"لا، مش متوضية. وبعد الميكب أظن مينفعش."
ابتسمت لها الخبيرة ثم طمأنتها:
"مين قال كده يا عروسة؟ ادخلي اتوضي طبعًا، الماتريال اللي بنشتغل بيها ضد المياه ويستحيل وشك يجري له حاجة. يلا اتوضي وتعالي نصلي وبعدين نكمل."
انفرجت أساريرها وما عادت تصدق ما قالته، فلأول مرة تعرف عن ذاك المكياج ضد المياه. ثم سألتهم على نوعه ومن أين يأتي، فأجابوها بأن تطلبه منهم لأنهم أضمن من أي أشخاص. ثم دلفت إلى الحمام وتوضأت وخرجت إليهم، وصففن بجانب بعضهن وأمتهن أكبرهن سنًا وأقرأهن علمًا. وبعد عشر دقائق انتهين من الصلاة وجلسن للتسبيح، ثم رجعن يكملن ما بدأوه.
بعد مرور ساعة أخرى، تحدثت الخبيرة وهي تمسكها من يديها وتلفها حول نفسها:
"بسم الله، تبارك الله، أجمل عروسة قابلتها في حياتي. ربنا يتمم لك على خير ويفرح قلبك يا موكة."
شكرتها مكة واحتضنتها بمحبة، فهي شعرت بالراحة معهم وأحبتهم كثيرًا. الآن أصبحت الساعة السادسة مساءً. ذهب إليها آدم بطلته المبهرة الخاطفة للأنفاس، فقد كان وسيمًا بحلته السوداء ورابطة عنقه ورائحته التي تسبقه وبشاشة وجهه وابتسامته التي أعطته كاريزما خاصة به. ذهب إليها وقلبه يدق بوتيرة سريعة مما هو قادم إليه، فحبيبته وعروسه ستتوج إليه اليوم، فهو مشتاق ومتلهف لرؤية طلتها، ولكنه خائف على نفسه من فتنتها ومن جمالها الذي يأسر روحه. أخذ نفسًا عميقًا قبل أن يدلف إليها، ثم دخل إلى المكان الموجودة فيه. وجدها تعطيه ظهرها خجلًا من الموقف، ثم استدعى الهدوء ووقف خلفها واقترب من أذنها هامسًا لها من الخلف:
"عارف إنك هتطلعي جميلة أوي أوي، وهتبهريني، بس أرجوكي براحة على قلبي المسكين يا حبيبي."
كانت تستمع إليه ودقات قلبها تتصارع داخلها وجسـ.ـدها على وشك الانهيار من الخجل. ثم استجمع شتاته ووقف مقابلها وناولها الورد في يدها الذي قبل باطنهما برغبة. ثم اقترب منها وبدأ يرفع نقابها. وما إن رآها حتى كاد يخر صريعًا من بهاءها، ولم يجد تعبيرًا عن عشقه لها وفرحته بها غير أنه جذبها من يدها ورفعها أرضًا وصار يدور بها بفرحة عارمة. ثم أنزلها وردد بهيام وهو ينظر داخل عينيها:
"الصمت في حرم الجمال جمال، في حد يخـ.ـطف قلب حد كده، وأكتر من كده أنا هدوب يا موكتي."
ثم أنزل نقابها وشبك يداه في يديها وذهبا إلى جلسة التصوير. بعد مرور حوالي ساعة أخرى، انتهوا من جلسة التصوير وذهبوا إلى القاعة المختصرة المعازيم على أهلها وأهله فقط. وهرول الجميع إليها وجذبوها إلى أحضانهم وانهالوا بالمباركات عليها، والفرحة سكنت وجوههم جميعًا، وبدأت أجواء الفرح بدون موسيقى، وحقا كانت الأغاني المنتقاة بدون موسيقى رائعة وأثرتهم جميعًا. كانت أجواء الفرح هادئة نوعًا ما نظرًا لرقي طبقة آدم وأهله وعدم وجود الموسيقى في الفرح.
جلس آدم بجانبها أخيرًا بعدما انتهى من التسليم على أقاربه وأصدقائه، وماجدة وأخواتها تركوا مكة كي تجلس وتستريح. أمسكها من يدها بتملك قائلًا وهو ينظر إليها بهيام:
"مبسوطة بيومك وبأجواء الفرح يا حبيبي؟"
ابتسمت بهدوء وأجابته:
"كل حاجة فيه جميلة ما عدا الاختلاط، وخاصة إن فيه ستات تبعكم لبسها مكشوف شوية."
نظر إلى المكان حوله ووجد الجميع يتسامرون برقي وأجواء السعادة بادية على وجوههم، ولم يوجد في المكان سكر أو أي اختلاط فيه شغب ومؤذي للعين. ثم هدأ قلبها من إحساسه بالذنب:
"يا حبيبي، كل عيلة قاعدة مع بعضها والفرح راقٍ ومفيش أي مظهر يدل على غضـ.ـب ربنا. باختصار، المكان والجو شكل ما يكون سهرة عائلية مش فرح فيه رقص شباب مع بنات."
لمست الراحة لها في كلامه، ثم بدأت تنسجم مع الأجواء وتوزع ابتسامات لصديقاتها وأهله الذين يبتسمون لها. واستمر الفرح بأجوائه على هذا النمط المريح للعين والنظر والأعصاب.
أما على تلك المنضدة الجانبية، يجلس عمران وسكون وحدهما، فقد كانت رحمة تقف بجوار مكة وزينب كانت تجلس مع ماجدة يتحدثن مع بعضهن. فسألتها ماجدة كي تطمئن على حالها بعدما علمت تفاصيل مشاكلهم من رحمة:
"طب وآخرتها إيه يا أم عمران؟ لا إنتي هتقدري على كيد البت دي ولا صحتك حمل سلطان لو مد يده عليكي تاني؟"
تنهدت زينب بتعب من حالها المكلوم الذي وصلت إليه بسبب غدر زوجها لها بعد كل ذاك العمر:
"في إني لازم أتحمل وأبقى موجودة في بيتي وأتعامل بالعقل دلوقتي. أنا عندي ولد اتجوز وبتي اللي لسه والدة بتيجي البيت على حسابي ولسه معايا بنت لازم أكون جارة ومفوتهاش. آدي الله وآدي حكمته."
شعرت ماجدة بالأسى عليها، ثم تحدثت بحنو وهي تربت على ظهرها:
"أهي الدنيا كده، البني آدمين فيها حالهم ماشي بالمقلوب. لا الحلو فضل على حاله حلو والوحش بيزداد وحشة."
وأكملت وهي تشجعها على قرارها:
"عين العقل إنك مهتخسريش جوزك أبو عيالك وتفوتيه للعقربة دي."
جحظت عينا تلك زينب وهتفت باستنكار:
"جوز مين ده اللي مهفوتهوش يا أم الدكتورة! دي لامؤاخذة اللي ميشيلنيش حواي على راسه ملبسهوش مداس في رجلي."
واستطردت حديثها بتأكيد:
"أنا مجبتش سيرته خالص، أنا قعدت عشان أولادي والبت دي مهفوتهاش تتهنى بشقاي وتعبى طول السنين. وأكملت بقوة امرأة مجروحة وهي تجز على أسنانها بحـ.ـرقة: "أما هو، وحياة رب العباد وشعري اللي شاب وأنا كنت تحت رجليه وشايفه طلباته أوامر وبمحبة، ما هيلمس شعرة مني تاني ولو حتى طلقها. أنا انـ.ـكويت منه وقلبي كل يوم مـ.ـولع بسببه، وهو مشافش مني أي شين يخليه يخون."
تنهدت ماجدة بحـ.ـرقة هي الأخرى:
"لا اللي معاها الراجل مرتاحة ولا اللي وحديها مرتاحة، والعيشة بقت صعبة قوي."
أفاقت زينب من حالة الوجـ.ـع التي اعترتها، ثم ربتت هي الأخرى على يديها متسائلة بقلق:
"وه طب وإنتي مالك إنتي كمان؟ ما بناتك أهم، كل واحدة فيهم بقت متسترة وفي بيتها وخلاص، همهم انزاح عن عينك وهتعيشي كل يومين تيجي لك واحدة فيهم، ولا راجل ينغص عيشتك، تقومي براحتك وتنامي براحتك وتأكلي اللي على كيفك واللي ما يعجبكيش متعمليهوش."
وأكملت بدعابة كي تدخل السرور على قلبها لما رأته من حزنها:
"ههه والله إني بحسدك يا أم مها يا شيخة، فكي بلا نكد."
ضحكت الأخرى بخفة، ثم أردفت:
"هههه الله يعزك يا أم عمران. أييييه، دوام الحال من المحال."
أما عند عمران وسكون، تحدث وهو يجعلها تنظر إلى والدته ووالدتها قائلًا بدعابة:
"شفتي أمي وأمك من شوية، كانت ملامح وشهم كأنهم هيبكوا عاد، ودلوقتي الضحكة من الودن دي للودن دي. والله إنتوا الستات حالكم عجيب."
قهقهت سكون على طريقته الدعابية، ثم هتفت بنفس الطريقة:
"هما الستات كده في لحظة تلاقيهم بيضحكوا على حزنهم، وفي نفس اللحظة تلاقيهم بيعيطوا في فرحهم، ودماغهم بسيطة قوي، وأقصى أمانيهم يقضوا يومهم فنجان قهوة على البحر وهم بيسمعوا المنشاوي ولا الشيخ محمد رفعت، وبعد شوية تلاقيهم بيبصوا للبحر بسعادة، وبعدها يغيروا المحطة ويشغلوا الست أو فيروز، وتبقى نفسيتهم في الوقت ده في أحسن ما يمكن. بس ليت ما يتمناه المرء يدركه، والستات مطحونة في دوامة الحياة اللي مبتنتهيش، وحلمهم البسيط ده ممكن ميحققهوش أصلًا إلا لما قطر العمر يجري بيهم والصحة تروح وياه، وساعتها قعدتهم هتبقى بكا على اللي راح."
حملق بها بدهشة من كلامها، ثم سألها:
"طب وإنتي من الستات دي يا سكون؟ الله الوكيل لو نفسك تروحي تقعدي على البحر بعد فرح أختك، آخدك وأوديكي وأحقق لك كل أمانيكي."
واسترسل وهو ينظر لها نظرات مشاغبة مرددًا:
"ونبقى بقى هناك وحدينا والجو هيبقى هادي خالص بصحيح، والدنيا هص هص وأنا وإنتي يا حبيبي ونجوم الليل وبس."
إلى هنا ضحكت بشدة من كلمته وهتفت بتحذير بعد أن هدأت من ضحكاتها:
"ابوس يدك يا عمران بلاها الغنوة دي. أقول لك بلاها عبد الباسط حمودة دي خالص، مش هو بردو اللي قال: 'أبص لروحي فجأة لقيتني كبرت فجأة وتعبت من المفاجأة ونزلت دمعتي. قولي لي إيه يا مرايتي، قولي لي إيه حكايتي، تكونش دي نهايتي وآخر قصتي.' وختمها بقهر وهو بيقول: 'أنا مش عارفني، أنا تهت مني، أنا مش أنا'."
أنهت تلك الكلمات وضحك كلتاهما حتى أدمعت عيناهما، وهتف وهو يغمز بكلتا عينيه:
"طب إيه بقى الليلة هنا وسرور وعمران هيعيش من امبارح وإنتي بايتة عندنا وفايتاني لوحدي أعد نجوم الليل لوحدي؟"
تذكرت أنها ستمكث أسبوعًا بأكمله لم يستطع القرب منها نظرًا لظروفها، فحركت رأسها برفض:
"لااا يا حبيبي، ولا النهارده ولا بكرة، قدامك أسبوع بحاله مهتجيش ناحيتي."
برق عيناه من كلامها وأمسكها من يدها معنفًا إياها:
"وه وه عاد، كأنك كبرتي وخرفت يا سكون! ده في أحلامك يا عسل."
ضحكت بشدة مرة أخرى، فهو فهم رفضها دلالًا، ثم فهمته ما تقصد، وهمست في أذنه ما جعله يتصنم بعينيه واعترى الحزن ملامحه، ثم باغتها بذاك السؤال الذي جعلها تحدق فيه بعدم تصديق:
"وه واللي عملناه طول الشهر راح على الفاضي واترمى في بحر الغدر يا سكون؟ أنا كنت مواعد الحاجة زينب بعد ٩ شهور بالتمام والكمال هيشرف ولد عمران."
اتسعت عيناه بذهول من طريقته التي يتحدث بها وكأن حزنه حقيقيًا، وسألته:
"أوعاك تكون بتتحدث صحيح يا عمران؟ هزعل منك والله؟"
ضمه برفق من كتفها بحركة مفاجئة وقبلها من رأسها دون أن يعطي للموجودين حولهم أدنى اهتمام، مجيبًا إياها بنفي:
"له طبعًا يا حبيبي، هو أنا أقدر على زعلك. بس بناكفك بس يا قمر."
ابتسمت له، ثم أشارت إليه أن ينظر إلى العروسين قائلة:
"شوف حلوين إزاي؟ وفرحهم راقٍ وجميل."
مط عمران شفتيه بسخرية:
"وه، هو فين الجميل في القعدة العائلية دي! هو آدم ده مش نجم ومشهور؟ مجابش ليه عبد الباسط حمودة يروق لنا القعدة؟"
ضحكت بخفة على طريقته المشاغبة، ثم أردفت:
"والله العظيم ملكش حل يا عمران. هو مفيش غيره عبد الباسط حمودة ده. وبعدين، هو يا عين أمه يقدر يجيب حد ده؟ كانت مكة أختي قلبت له الفرح جنازة."
أعلن منظم الحفل عن رقصة العروسين التي فاجأت مكة وهتفت برفض له:
"له، مهأرقصش أنا قدام الخلق دي كلها. اعمل أي حاجة."
ضغط على يديها وطلب منها راجيًا:
"مينفعش يا مكة كده، بتحرجيني وهتحسسيني الناس إن فيه حاجة بصحيح والجوازة مش مظبوطة وإنتي المضرورة، فأرجوكي اتعاملي طبيعي جدًا. وبعدين يا ستي، للمرة المليون، أنا جوزك."
تمتمت باعتراض، ولكنها استمعت لرجائه كي تنتهي من ذاك الحفل وكي لا تلفت انتباه أحدهم إليها. وقام على الاستيدج وهو يسحبها معه بدلال يليق بها. كانت كاميرات الموجودين جميعًا موجهة عليهم، مما أربكها. همس بجانب أذنها:
"متتوتريش، كل اللي هتعمليه إنك هتحطي إيدك حوالين رقبتي وبس، وملكيش دعوة بالباقي."
كانت خائفة، فهي ليست من نوع الفتيات التي كانت تشاهد تلك الرقصات وتعرفها جيدًا، ففعلت مثلما طلب منها وهي خجلة للغاية. أما هو، احتضن خصرها بتملك وأسند جبهته بجبهتها واستنشق أنفاسها الساخنة من تحت نقابها، وبدأ يتحرك بها برقة تليق بذاك آدم، ثم عبر عن ما بداخله بكلمات جعلتها هائمة ذائبة تجرب شعورًا لم تفقهه ولم يعلمه جسـ.ـدها من قبل، شعور الاحتياج بأنها في أحـ.ـضان رجل:
"عارفة يا حبيبي، أنا واثق إن هيبقى بيني وبينك في يوم من الأيام حب كبير أكبر ما خيالك يتصوره. حاسس كمان إن ربنا اللي يقدر حبي ليكي بأنك ما تبعديش عني ولا لحظة. أرجوكِ يا مكة، اركني كل حاجة على جنب وما تفكريش في اللي حصل ولا اللي فات، وخلينا نفتح صفحة جديدة من غير أي ماضي ونشوف هنعيش إزاي مع بعض. واعتبري يا ستي في أول جوازنا فترة خطوبة إنك تعرفيني كويس وتطمنيني، وبعدها أنا واثق إن ربنا هيخليكي تقربي مني وهيخليكي تطمني في قربي، وإني عمري ما هضرك أبدًا."
كانت عيناها تنظر أرضًا من شدة خجلها، ولكن نبرته اللحوحة لها وكما أنه جذبها من وجهها أن تنظر إليه، فاستقرت عيناها في عينيه وهي تمرر لسانها على شفتيها أسفل نقابها مرددة بهمس:
"اللي عايزه ربنا هو اللي هيكون، سواء كان هكمل أو هبعد. ولو هكمل، أكيد مش هعانده قدر ربنا، بس في حاجات هنتكلم فيها كتير قوي، بس اليوم ده يعدي، وقتها هنحط النقط على الحروف، وإنت هتعرف إني عايزة إيه كويس. ولو إنت بتحبني فعلًا وعايز مكة وعايز السكن والسكينة والمودة والرحمة، هتلاقيهم كلهم عندي، بس بالمقابل أنا عايزة راحة نفسية معاك في اللي هعيشه، وعمري ما هرتاح نفسيًا طول ما إنت المغني آدم المنسي."
تنهد بتعب وأسى مما ذكرته الآن، ثم سألها سؤاله الحائر والمتعب لقلبه وقلبها:
"طب قبل أي حاجة وقبل ما نشوف ونفكر هنعمل إيه، عايز أسألك سؤال وتجاوبيني عليه بصراحة: بتحبيني يا مكة، ولا إنتي لسه حاسة إنك مجبرة؟"
لم تريد أن تنطق تلك الكلمة من فاهها إلا وهي تشعر بأنه رجلها الكامل في نظرها دون أي عثرات في طريقهما ولا أشـ.ـواك تنغص حياتهما، ثم أجابته:
"ممكن مجاوبش على السؤال ده دلوقتي، خليها تطلع من قلبي مش من لساني، ومش وقتها، ومش قادرة أتعامل بنفاق. وياريت ما تفهمش كلامي إني ما عنديش إحساس أو بتعامل معاك من فوق، يعلم ربنا إني عمري ما كنت بتعامل مع البشر من العالي أبدًا، لكن إنت مش أي حد يا آدم، إحنا بقينا خلاص لبعض وقدرنا بقى واحد، وزي ما قلت لك قبل كده، ههرب منك ليك."
اقتنع بأسبابها، ثم تحدث بنبرة مرهقة:
"هتفضلي تهربي من الحب لحد إمتى؟ هتفضلي تعاندي قلبك اللي عايز يشق ضلوعك دلوقتي ويسمعني بنفسه الكلمة اللي نفسي أسمعها؟ هسيبك براحتك لحد لما ما تقدريش تقاومي، لأن أنا واثق إن إنتِ مش هتقدري يا مكة، مش هتقدري."
أعلن المنظم عن انتهاء رقصتهما، فعلى حين غرة رفعها آدم أرضًا ودار بها في المكان بأكمله كما يفعل أي عريس بعروسه يوم زفافهم، تحت تصفيق المدعوين وصفيرهم بالفرحة لذاك الثنائي المختلف، ثم أنزلها أرضًا وقبلها من جبهتها، ولم يستطع أن يتعامل ببرود في تلك اللحظة، فهمس لها برقة أذابتها:
"بحبك يا أغلى شيء في عمري، بحبك يا كل عمري، ربنا يبارك لي فيكِ ويخليكِ ليا وما يحرمني منك أبدًا."
رواية من نبض الوجع عشت غرامي الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم فاطيما يوسف
انتهى حفل زفاف مكة وآدم على خير دون أي عقبات. ودعت والدتها وأخواتها بدموع انهمرت على وجنتيها بغزارة من ألم فراقهم. ثم انطلق العروسان إلى السيارة ذاهبين إلى جزر المالديف.
آدم يشعر بالارتياح في تلك البلدة، وكما أنها مكان بعيد تمامًا عن مصر وعن الضوضاء الموجودة فيها. بعد مرور عدة ساعات قضوها آدم ومكة في السفر، وصلا أخيراً إلى ذاك المكان المنعزل قليلاً عن الأناس نظراً لظروفها الخاصة، كي تستمتع بالجو وتكون على حريتها في الملبس والطعام وكل شيء.
ما إن دلفت ذاك الشاليه حتى وضعت يدها على قلبها تهدأ من نبضاته. فهي وهو في مكان وحدهما، منعزل عن العالم، وحتماً ستكون رحلتهم صعبة. فهما عاشقان هائمان اجتمعا ضد الظروف والزمان. ولقاؤهما كأي زوجين طبيعيين من المحال بالنسبة لمكة.
أما هو، ظل ينظر إليها ووجدها مشتتة وخائفة وعيناها زائغتين وهي تنظر إلى المكان برهبة.
فاقترب منها وحاول جذب انتباهها وبدأ بالحديث معها كي تجعلها تهدأ من توترها ذاك.
"حمد لله على السلامة، نورتي بيتك."
ابتلعت ريقها بتوتر وهتفت بنبرة منخفضة:
"الله يسلمك."
ثم نظرت إلى المكان وسألته:
"هو الشاليه ده بتاعك؟"
اقترب خطوة واحدة وأجابها بموافقة وهو يومئ رأسه للأمام:
"آه يا ستي بتاعي، ها إيه رأيك في ذوقه وفي جوه وفي المكان عموماً؟"
نظرت حولها تتفحص المكان من جميع أبعاده الجانبية ثم قالت بإشادة:
"المكان جميل وذوقه راقي ومريح للعين والنظر، بس هو ليه منحرف شوي عن الناس؟ مش شايفه ولا مخلوق حوالينا هنا غير الجاردات؟"
ثم استرسلت وهي تتساءل برعب:
"هو انت خاطفني يا آدم؟"
اقترب منها الآن خطوات ووقف مقابلها ثم أشار إلى حراسه الواقفين في المكان أن يغادروا. فنفذوا الأوامر في لمح البصر.
ثم فك رباط نقابها تحت رفضها التام ولكنه طمأنها:
"متخافيش يابنتي محدش هنا خالص والحراس مشيوا، أما بالنسبة لحوار الخطف هو في حد بيخطف مراته، مش هتفكي بقى ولا جو الاكتئاب هيفضل مسيطر عليكي."
تنهدت بإرهاق فهي تشعر بالتعب للغاية من السفر بعد الفرح مباشرة وهي مازالت بفستان زفافها. ثم نطقت بإرهاق:
"معلش إني تعبانة شوي بس دخلني ووريني أوضتي عايزة أغير الفستان ده حاسة إنه هدني وعايزة أصلي وأنام وبعدها نتكلم."
رفع حاجبه باستنكار وردد:
"أوضتك! هو إنتِ هتنامي في أوضة غير اللي أنا هنام فيها! ده مستحيل ولا يمكن يحصل مكان نومي هو مكان نومك."
استدعت الهدوء كي تستطيع الإفلات من تشبسه بالرأي في ذاك الموضوع بالتحديد، فهي ليست على استعداد الآن للخناق ولا النزاع. ثم أجابته وهي تصطنع الضيق منه وعيناها تنظر أرضًا ولم تنظر لعينيه كي تشعره بضيقها:
"هو شرعاً لا يجوز وربنا ما أمرناش باكده، بس دي لما يكون جواز طبيعي مش غصب. وبعدين انت وعدتني إنك مهتغصبنيش على حاجة واصل وإن كل شيء بالرضا."
انشق قلبه حزنًا على كلمة الغصب التي قالتها الآن وأصبح متيقنًا أنه دخل معها معركة خاسرة. فرغم حبها الذي تقين منه إلا أن نظرة التشبس والتصميم التي رآها في عينيها الآن ما هي إلا انفلاق لقلبه.
فسألها بأسى ظهر بيّنًا على معالمه:
"يعني جوازك مني دلوقتي غصب يامكة ووجودك معايا هنا والفستان اللي انتي لابساه عايزة تعرفيني وتأكدي لي إنهم وهم وإن كلها فترة ما بينا هتتقضى وكل واحد يروح لحاله؟"
تنهدت بنفس الأسى ومشاعرها الآن متخبطة ما بين حزنها عليه وحزنها على حالها. ثم أجابته برفق، فهي شعرت بانفطار روحه:
"لو سمحت يا آدم متأخدش كلامي دلوقتي وتفسره على كيفك، انت عارف كويس مشاعري بقت إيه ناحيتك بس إني عندي مبادئ في ديني وتديني لا يمكن أتنازل عنها."
ثم أشارت على هيئتها وأكملت بنبرة مرهقة:
"أرجوك أنا دلوقتي تعبانة ومحتاجة أرتاح وبجد هلكانة نوم ومش قادرة أقف على رجلي وحاسة إني هقع من طولي دلوقتي."
أماء برأسه للأمام وهو الآن علم أنه انتقل من مرحلة الجري ورائها إلى مرحلة الجري الأكثر عن ذي قبل مع الفارق. فالأول كان حاله به رأفة، أما الآن فقد رآها.
اقترب منها، اشتم رائحتها، احتضنها بين يداه، رأى ضعفها في قوتها في آن واحد وهي تتنفس أنفاسه. قبَّلها قبلة عاشق، ثم نظر إليها نظرة عميقة وعاتبتها عيناه:
"أيتها الأبية ما كل من ذاق الصبابة مغرمًا وأنا مغرمًا، عاشقًا، ولن أستكين، مهما زاد عنادك وعلى كبرياؤك. فذاك القلب وتلك الدقات لن تصمت، وبالله على قلبك سأستعين. وفي هواكي قلبي أعلنها وعشقي للأعمى ظاهرًا، وبحق خالق السماوات أنا قدرك اللعين."
أما هي، من نظرة عينيه القاتمة باللون الأحمر، رأت توعده لها وعلمت أنها ستسلم لفروض عشقه وأنه لن يتركها إلا وهي بين يديه أنثاه الكاملة وبكل رغبتها.
ثم أشار إليها بصمت دون كلام أن تدلف إلى المنزل. فهو مكون من طابق واحد فقط، منزل مصمم على الطراز الكلاسيكي ومنعزل عن العالم تحيطه الخضرة من كل مكان وأمامه بحيرة صممها آدم خصيصًا لمتعته باللون الأزرق الفاتح.
كانت أجواء المنزل تشع بالهدوء والرقي والجمال الذي يبعث في النفس الراحة من الجلوس في حديقته وأمام بحيرته فقط. كما أن المنزل مجهز من جميع الأدوات المنزلية الكلاسيكية العصرية التي تجعلنا نشعر بأجواء الزمن الجميل ولكنها تناسب العصر الآن. ورائحة المنزل تشبه رائحة الجنة ونظافته وترتيبه يبعث في النفس الهدوء.
لقد خصصه آدم وعدَّل فيه أشياءً كثيرة كي تناسب حبيبته، فهو يعلم أنها رقيقة وتحبذ تلك الأشياء من خلال منشوراتها على السوشيال ميديا.
أما هي، دلفت إلى المكان وانبهرت به وردد لسانها:
"بسم الله ماشاء الله، المكان اللهم بارك جميل قوي ومريح للأعصاب."
ثم نظرت إليه وسألته:
"ياترى ده ذوقك واختيارك ولا مهندسين ديكور يافنان؟"
رق قلبه وفرح بشدة لسعادتها البادية على وجهها. ورغم حزنه من كلمتها وأيضًا من قرار نومها بعيدًا عنه، إلا أنه مجرد أن رأى بسمتها فرح بشدة. ثم أجابها بعينيه تلتمعان بالعشق:
"ده ذوقك إنتي يامكة، حبيت أعمل لك كل حاجة بتحبيها."
اتسعت مقلتاها بذهول من إجابته ثم سألته:
"وانت عرفت كيف إني هحب الأجواء دي؟"
زين ثغره ابتسامة هادئة ولكنها جذابة أعطته مظهراً ملائكياً أثرها في تلك اللحظة:
"اللي بيحب حد بيعرف عنه كل حاجة، كنت متابع صفحتك وكنتي دايمًا بتنزلي قرآن للشيخ مشاري راشد العفاسي على بحر أو على جزيرة وشايك المفضل اللي بالنعناع. عرفت بقى إنك بتحبي الأجواء دي، وعرفت كمان إنك مبتحبيش الشتا علشان كده عملت لك ركن دافي هنا كده."
وأشار بيده إلى تلك المدفأة الموقدة بالنار. ولكن الذي أثرها وجعل قلبها يرق له ما وجدته في ذاك الركن. فقد وجدت فيه راديو على الطراز الكلاسيكي أيضًا موديل السبعينات وبجانبه باجورا وعلبة كبريت وبراد من موديلات السبعينات أيضًا. والراديو على محطة القرآن الكريم ومصحفًا على مقعده ومصلاه ومسبحة وأريكة مغطاة بالقماش الأبيض من نوع الكتان.
جلست على الأريكة واحتضنت ذاك المصحف بين أحشائها وقبلته بحب. فهو أثمن هداياها في ذاك المكان. ثم تفوهت من فمها بتلقائية دون أن تلقي بالاً لكلامها وهي تنظر له نظرتها الآسرة لقلبه المسكين أكثر من ذي قبل:
"انت جميل قوي يا..."
لاحظت ما تفوهت به فتراجعت عن كلماتها. ولكنه شعر وكأنه ملك زمانه في تلك اللحظة من مجرد كلمات بسيطة قالتها حتى ولو لم تكملها. فهو حقًا يعشقها ومن يعشق ينسى ويغفر. فهذه قوانين العشق ليس بها رأفة أو رحمة بقلوب العاشقين.
ثم جلس بجانبها على الأريكة وطلب منها بلهفة وعيناه على ذاك الباجور:
"طب بقول لك إيه ممكن تعملي لنا كوبايتين شاي بالنعناع هنا على السخان ده نفسي أشربه من إيديكي قوي؟"
ضحكت بشدة على نعته لذاك الباجور بالسخان. ثم هدأت من ضحكاتها التي جعلت قلبه يخفق بعنف من رقتها الساحرة. فحقا ضحكاتها أنغام وورود كما غناها العندليب الأسمر:
"سخان إيه بس! ده اسمه باجور بيتحط فيه جاز وبنشد الفتلة بتاعته أكده وبعدين نولعه بالكبريت."
ثم صفقت بيدها بعدما نجحت في تشغيل ذاك الباجور وبدأت في صنع الشاي حسائها المفضل لديها. وبعد عدة دقائق قامت بسكبه في الإناء الزجاجي التقليدي ثم ناولته إياه برفق. فأخذه منها ولكن على حين غرة جذب يداها وقبلها قبلة شغوفة من باطنها جعلت داخلها يهتز ووجهها كأنه صبغ باللون الأحمر من شدة خجلها.
ظل محتضنًا إحدى يداها ومشاعر جسده تطالبه أن يسحبها داخل ضلوعه. ولكنها مازالت عاصية لقلبه. لاحظ توترها فترك يدها برفق كما جذبها ثم شكرها بامتنان وهو يحتسي الشاي:
"بجد أول مرة أدوق شاي بالطعامة دي، تسلم إيدك ياحبيبتي."
ابتسمت له وهي تضع عيناها في ذاك الكوب من خجلها البين على معالمها. ثم بدأت بتناوله هي الأخرى وهي تحتضن ذاك الكوب بين يداها كي يشعرها بالدفء. ظلا صامتين، فهو كفاه اليوم احتسائه الشاي من صنع يدها وتقبيلها والجلوس بجانبها ورائحتها المسك تعبئ صدره. فهو كان يحلم فقط برؤيتها والآن جبر بالجلوس معها في منزل وحدهم.
وبعد أن انتهوا، أوصلها إلى الغرفة الخاصة بها وانتقاها بعناية. أدخل الحقائب الخاصة بها في الغرفة ثم تحدث:
"تصبحين على جنة من الرحمن ياحبيبتي."
ابتسمت له وبادلته مساه:
"وأنت من أهلها."
بادلها نفس الابتسامة ثم أرسل إليها قبلة في الهواء وهو يغمز لها بإحدى عينيه. فنظرت أرضًا من خجلها. أما هو، ذهب إلى غرفته وترك لها مساحة من الحرية وهو يثق في عدالة السماء أنه سينصف في ليلة وضحاها.
***
أما في منزل سلطان المهدي، يجلس سلطان في الإسطبل وأمامه الشيشة يسحب منها الأنفاس بتكيف. دلف إليه عمران وألقى السلام فأجابه سلطان بترحاب:
"وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، تعالى اقعد يا ولدي، عامل إيه ومراتك كيفها؟"
جلس عمران بجانبه وتحدث بنبرة عاتبة يغلبها الضيق:
"إحنا بخير الحمدلله يابوي، بس ليا عتاب عندك؟"
تحمحم سلطان بحرج منه فهو يعلم أنه أخطأ ولكن اصطنع عدم الفهم:
"خير يا عمران، ما كلياتكم موراكمش غير العتاب لسلطان دلوقتي وبالنسبة لكم سلطان بقى وحش وميتعاشرش."
التوى ثغره بحسرة من طريقة بدئه والده في الحديث ولكنه صمم على عتابه:
"انت يابوي اتغيرت ويانا كلياتنا، ليه أكده ياحاج سلطان عمرك كله معملتش فينا أكده عاد؟"
استنكر سلطان كلام ولده ثم تحدث بنبرة حادة خشنة:
"هو أني كنت عملت إيه لدي كلياتهم ياسي عمران ياللي قاعد تحاسب أبوك وواقف له على الواحدة، وأكمل وهو ينفث دخانه بغضب: ولا هو العيل منيكم لما يتجوز ويبقى له مرة يتحول على أهله."
نفى عمران كلام والده بشدة:
"له يابوي مرتي عمرها ما جابت سيرتك بالباطل أبدا، يابوي سكون متربية وبت ناس، دي انت هينتها في أهلها وفي أصلها وتاني يوم نزلت صبحت عليك وكان محصلش حاجة واصل. واسترسل حديثه وهو يحاول تليين عقل والده: يابوي انت راجل حاجج بيت الله وعارف الحرام من الحلال وانت سبت المصونة أختها اللي اتجوزت واتعمل لها فرح قنا كلياتهم بتتحدت عنيه، رميت ودنك للشيطان مع إنك عاهدت ربك وأنت في بيته إنك متظلمش أبدا تقوم تاجي على ولية وأنت كمان حداك ولايا مترضالهمش أكده."
شعر سلطان بالخزي من حاله من كلام ابنه وهو على يقين بأنه على حق مائة بالمائة. ثم تحدث بنبرة أكثر لينا:
"يعني كنت عايزني أعمل إيه وأنا شايف أختها واحد شايلها وواخدها في عربيته غصب عني عقلي فط مني ومعرفش وقتها أقول إيه."
تنهد عمران بثقل ثم نصح والده:
"يابوي انت راجل قارئ قرآن ربنا اللي قال 'وإن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين'. يابوي مابال رجل قال كلمة لا يلقي لها بال دخل بها الجنة وبال رجل قال كلمة لا يلقي لها بال دخل بها النار. يعني ممكن كلمة نقولها من غير قصد وندخل بها الجنة وكلمة نقولها من غير قصد تدخلنا النار."
مط سلطان شفتيه بامتعاض:
"يعني عايز أبوك يحق لعيلة من دور بناته على آخر الزمن ياعمران؟"
حرك عمران رأسه برفض ثم قال:
"له يابوي معاذ الله، بس عايز منك تطيب خاطرها بكلمتين ده برضه يتيمة وهي معتبراك في مقام أبوها."
ألقى خرطوم الشيشة من يديه ثم تحمحم بموافقة:
"اممم... حاضر يا عمران قوم بينا نطيبوا خاطرها، هي علت في نظري علشان مردتش علي واتعاملت بعديها طبيعي وعلشان احترمتني فهي بت أصول وولاد الأصول يتشالوا على الراس."
فرح عمران كثيرًا ثم تحدث بامتنان:
"ربنا يبارك في عمرك يابوي، بس بعد أكده لما حد يبلغك حاجة متاخدش رد فعل إلا لما تتأكد زين ده النفس أمارة بالسوء يا حاج."
تحركا من مكانهم وذهبا إلى المنزل في غصون دقائق. دخل إلى المكان وجدهم كلهم مجتمعين فألقى السلام عليهم فردوا جميعًا عدا زينب. ما إن رأت قدومه حتى قامت من مكانها مرددة:
"هدخل أريح في أوضتي شوية معايزاش حاجة يا سكون يابتي؟"
ابتسمت لها سكون وقالت:
"ليه أكده ياماما الحاجة خليكي قاعدة وياي شوي ملحقتش أقعد وياكي، وكمان تكملي لي حكاية الحاجة نفيسة متسبنيش أكده حيرانة."
اصطنعت زينب التعب:
"معلش يا بتي يوم تاني مقدرش دلوقتي متزعليش يا مرت الغالي."
هنا تحدثت رحمة بامتعاض مصطنع:
"متى يا حاجة زينب هتنعتيني بالغالية زيهم كلهم أكده؟"
"هو إنتِ زيهم لاسمح الله يابتي؟"
"وه أمال إيه أفرق عنيهم إيه أني؟"
"تفرقي كتير يابت بطني، إنتِ قوية ومفترية ومحدش يقدر عليكي، وأكملت وهي تنظر تجاه سلطان: معلوم وارثة ناس في قوتهم الجبارة."
فتحت رحمة فاها بدهشة:
"وه وه يا حاجة هو أنا في نظرك هولاكوا قوي أكده! والله حرام عليكي يا زوبة."
"سي يابت حرمت عليكِ عيشتك يا أم لسانين إنتِ، دي الراجل اللي هياخدك إن مكانش يبقى عابد ناسك والمفروض يبقى نظره ضعيف كمان علشان ميعرفش يشوف غيرك يا إما هتعذبيه يا عين أمه وهتوريه النجوم في عز الضهر."
مطت رحمة شفتيها وأردفت بمكر:
"وماله يا حاجة لازم أبقى مالية مركزي أكده إني مش أي حد بردك إني أمي الحاجة زينب على سن ورمح."
وصلها مغزى ما تقوله تلك الماكرة ثم قالت آخر كلماتها وهي تدلف إلى غرفتها:
"إني هروح وأجي فيك إيه يابت بطني."
كان سلطان ينظر إليها باشتياق فقد شعر بأنه افتقد جزءًا كبيرًا من يومه، الجزء المريح والركن الهادئ الساكن له. كان ينظر إليها وهي تتحدث بلهجة جديدة كليًا عنها. ففي قانون التعدد الاشتياق يزداد أضعافًا. ما كان يتوقع منها القسوة، الابتعاد، الهجر، فحقا خلت بقلبه.
استأذن منهم أن يدخل إلى البراندة كي يتصل بأحدهم. وعلى حين غرة دخل من أمامهم جانباً وهو ينظر إليهم. لم يجد أحدهم تتبعه عيناه ولكن تلك رحمة اتبعتهم بعينيها. كم تمتلك مكراً ودهاء. لم يرى سلطان نظرتها فكانت خفية.
دلف إلى غرفة زينب وجدها تقف أمام مرآتها بقميصها القطني المعتادة على ارتدائه في غرفتها وتصفف شعرها الحريري الطويل الذي تهتم به دائمًا. فمن يراها لا يظن أن لديها ولدًا ثلاثينيًا. ولو وقفت بجانب رحمة وحبيبة يظنوها أختهم وليست والدتهم.
كان ينظر إليها باشتهاء فهي تهجره منذ أكثر من شهر وهو اشتاقها بشدة. فهي طيلة الثلاثين عامًا وأكثر لم تنم بعيدًا عنه. أما هي، لم تفزع من رؤيته ثم جلست على الكرسي أمام الكمود وجذبت شعرها بأكمله على كتفها مما أعطاها مظهراً تجعله راغبًا به. مما جعلها تفهم معنى نظراته بل تفهمها جيدًا. وللحق سعد داخلها فتحدثت وهي تستدعي البرود:
"إيه اللي جابك هنا مخافش من ست الحسن والجمال تلمحك تقوم تهجرك هي كماني وتبقى جوز الهاجرين؟"
نظر إليها نفس نظرات الاشتهاء وبدأ يقترب منها كي يجعلها تلين فهو سيلعب الآن على الوتر الحساس للأنثى وهو رغبتها به. وبالتأكيد اشتاقت له هي الأخرى:
"هي متهمنيش كدك إنتي يا أم عمران، إنتي اللي في القلب واللي مفيش ست غيرك تملى قلب سلطان."
قامت من مكانها وحركت رأسها بشدة فتحرك شعرها الطويل حتى لمس وجهه. فأمسك خصلاته بين يديه بسرعة وبدأ يشتم رائحة عبيره بنهم التي استوحشها كثيرًا. لاحظت حركته فاغتاظت فهي لم ولن تصفو له وستكبت إحساس الشعور بالاحتياج لرجلها حتى تنتقم. فهي لن تجاريه في سحبه لها تجاهه. وإن حدثت مرة ستحدث ألف مرة.
فشعر داخلها حينئذ بالنيران وأنها ستصبح جاريته وتحت أمره وقتما يريد. فجذبت شعرها من يديه ولكنها لم تفلح. فكان متمسكًا به بشدة مما جعلها تأوهت. فأثرت تأوهاتها به. فجذبها فجأة بين يديه وهو يثبت خصرها قائلاً وهو ينظر إلى عينيها الخضراء فرحمة شبيهة والدتها كثيراً:
"بذمتك متوحشتيش سلطان يا زينب؟"
كادت أن تضعف وتستكين وتسلم راية الاستسلام. ولكنها بعدته عن أحضانها هاتفة بتصميم:
"الله الوكيل لو قلبي وجسمي اتفقوا عليا على إنهم يشتاقولك لفصهم بين يدي دول ولا إنك تمس شعرة مني يا سلطان؟"
استفزته بشدة ووجعه رفضها له. فجذبها عنوة حتى ارتطمت بعظام صدره جعلها تتألم:
"إنتي أكده بتعصي ربنا يا زينب واللي إنتي فيه ميرضيش ربنا واصل والملايكة هتلعنك على تمنعك لجوزك."
رفعت إحدى حاجبيها وبإحدى يداها داعبت خصلات شعرها ورددت بنظرات حادة قوية اختلقتها أنثى مجروحة:
"ماهو برضه ربنا ادى للست حق الطلاق لو هي مطيقاش معاشرة راجلها. وتابعت بنفس النظرات وهي تجز على أسنانها: وأني مش طايقاك ياسلطان وكارهة نفسك."
نظر إليها نظرات مرعبة. فحقا سحلته وكرامته دهستها تحت قدمها دون أن يرف لها جفن. وداخله يغلي ومن شدة غليانه برزت عروق رقبته واحمرت عيناه. وفجأة دفعها على التخت وخلع جلبابه ورماه أرضاً واقترب منها كي يأخذ حقه الشرعي منها إجبارًا عنها بعدما هدرت كرامته وجعلته لا قيمة له ولا هيبة.
وكاد أن يقترب من وجهها إلا أنها وضعت يداها على صدره مانعة إياه بقوة أن يقترب منها هادرة به بعينين تمتلك إصرارًا على هجرها له وبقوة لم يعهدها على تلك زينب من ذي قبل فقد عهدها وديعة، حنونة، مشتاقة، راغبة به:
"لو قربت مني غصب عني هصوت وهلم عليك عيالك اللي قاعدين برة وشوف بقى لما يدخلوا يلاقوا الحاج سلطان الكبارة عايز مرته اللي رافضاه شوف بقى كرامتك قدامهم كلياتهم وقدام مرت ولدك هتبقى عاملة إزاي. وتابعت حديثها بشراهة أكثر ولكن خففت يداها وأنزلتها من على صدره حتى تشعره بنفورها منه: الهيبة الواهية هتسقط، وأني مش هستسلم ليك ياسلطان مهما حصل لو انطبقت السما على الأرض، ولآخر مرة بقول لك طلقني."
لكزها بقوة في كتفها وقام من فوقها وانتصب واقفاً ثم هدر بها بصوت أجش خشن ولكن يبدو عليه الانكسار:
"طب خليكي على عندِك دي يازينب، وخليكي زي البيت الواقف أكده وطلاق مش هطلق وهعرفك كيف تعصي جوزك. وأكمل وهو يلتقط جلبابه بتوعد: ومسيرك هتقعي تحت يدي ووقتها مش هرحمك واللي ميجيش طيبة يجي غصيبة، ووقتها مهتلاقيش حد ينجدك من يدي يا بت نفيسة الدلالة."
مطت شفتيها للأمام بدلال وفردت ظهرها على التخت ووضعت يدها تحت رأسها. ثم رفعت حاجبيها وأردفت بكيد:
"مالها نفيسة الدلالة جابت لك ست كمل بعيون خضرا وجمال ودلال مهتشوفهوش في ست غيرها بدليل إنك واقف تتربل قدامي أكده وهتموت علي وأني ممطولكش مرادك يا سلطان. ثم داعبت خصلات شعرها وأكملت كيدها: ولو كنت لاقيت اللي عند بت نفيسة الدلالة مكنتش رجعت طالب الرضا والسماح وهي كارفة ومريداش."
جز على أسنانه بغضب من طريقتها المتغيرة كليًا. ثم نفض جلبابه بغضب وخرج من الغرفة وذهب إلى البراندة كي يهدأ من أعصابه التي تلفت على يدها. ثم خرج إليهم وجدهم يتحدثون بمرح فدخل معهم في الحديث كي ينسى ما فعلته به زينب.
وبعد مرور عدة دقائق نظر لسكون متسائلاً:
"كيفك يا دكتورة وشغلك أخباره إيه؟"
ابتسمت له سكون وسعد داخلها لأجل سؤاله عنها ونبرة الحنو الواضحة في صوته:
"زينة وشغلي زين الحمدلله، منحرمش من سؤالك عني يابابا الحاج."
تحمحم وسألها عن والدتها:
"يستاهل الحمد يابتي، وأختك عروستنا الحلوة أخبارها إيه؟"
هنا اتسعت ابتسامتها ونظرت إلى عمران نظرات فخر. فهو قد أتى بأبيه إليها كي يراضيها دون أن يحدث بينهم بغيضة أو ضيق لكلاهما. فهي منذ أن تزوجت عمران وعدت حالها أن لا تسبب بينه وبين أبيه وأمه أو إحدى أخواته أي مشكلة وستتعامل مع كل المواقف برقي وستترك أمرها وحتى لو آذاها أحدهم ستتركه لرب العباد.
ثم أجابته بابتسامة تزين ثغرها:
"زينة الحمدلله ياحاج، جوزها أخدها بعد الفرح طول وسافروا برة هيقضوا شهر العسل. واسترسلت بحزن: والله هتوحشها قوي وبعدها هيحزن في قلبي، هي كانت الأصغر وكانت قريبة منا كلياتنا."
هنا تحدثت رحمة وهي تأخذها بين أحضانها بحنو:
"يا حبيبتي ربنا يسعدها يارب، دوام الحال من المحال وهي دلوقتي اتجوزت واعتبرني مكانها ياستي ولا منفعتشي ومتقلقيش إني قاعدة على قلبك ومهفوتكيش واصل لحد ما تزهقي مني وتقولي فوتيني بقى وهمليني."
ابتسمت بامتنان لتلك الرحمة التي تظهر للجميع أنها شرسة ولكنها في الأصل قلبها مملوء بالحنان والاحتواء. صديقة بدرجة امتياز، لديها جيش من القوة والذكاء يجعل من أمامها يهابها من نظرات عينيها الشرسة.
ثم شددت سكون من احتضانها وأردفت:
"عمري ما أزهق منيكي يا قمرة إنتِ، ربنا يكرمك ياحبيبتي ويرزقك الزوج الصالح يارب. واسترسلت حديثها برقتها المعتادة وهي تنظر إلى سلطان: والله العظيم يعلم ربنا يا بابا الحاج إني من يوم ما دخلت البيت ده وأنا اعتبرتك كيف أبويا بالظبط ورحمة وحبيبة خواتي وماما الحاجة زينب زي أمي ربنا يخليكوا ليا ويبارك فيك وفي صحتك ويخلي لك عمران وحبيبة ويفرح برحمة."
هنا شعر سلطان بمدى الخزي من حاله. فهي أصغر منه سنًا ولكن جعلته في موقف مصغر بسبب ما فعله معها. ولكن هي الدنيا تثبت لنا أن العقول ليست بالسن. ثم تحدث ممتنًا لها:
"عقبال ما نشوف عوضك يا بتي إنتِ وعمران ساعتها هعمل ليلة تتحاكى بها قنا كلياتها."
هنا ربت عمران على ظهر والده قائلاً:
"أمال إيه هو هيبقى أي حد دي هيبقى حفيد الحاج سلطان والحاجة زينب ربنا يبارك في عمركم يا أبويا ويبعد عنيكم الأذى والشر."
كانت تلك وجد تقف في الأعلى تستمع إليهم وداخلها ينهار حقدًا بسبب جلستهم الطيبة وشعرت بأن الخطر قادم عليها لا محالة وبأنهم قادرون على سحب سجادة سلطان من تحت قبضتها. ثم دخلت غرفتها وارتدت ملابسها وانتوت الخروج. أنهت ارتداء ملابسها ثم وضعت في حقيبتها مبلغًا من المال وحملت أشياءها وهبطت إلى الأسفل.
وجدتهم يضحكون جميعًا فاستأذنت من سلطان:
"بعد إذنك يا حاج إني عندي معاد مع الدكتور هروح دلوقتي عشان ما أتأخرش لأني حاسة إن ضلعي بيوجعني شوي."
نظر سلطان في ساعته ثم سألها:
"وليه ما قلتيش من أول النهار إني عندي دلوقتي مشوار شغل مش هيخلص قبل ساعتين اجليه الميعاد ده النهارده."
في نفس الوقت أرسلت رحمة رسالة إلى عمران قائلة له:
"خلي الراجل بتاعك يجهز عشان يمشي وراها دلوقتي حالا وما يفوتهاش وتأكد عليه ما تهربش منه وتشد عليه كويس قوي وأنا هطلع أعمل اللي اتفقنا عليه هو ده الوقت المناسب بالظبط."
استلم رسالتها وعلى الفور أرسل إليها:
"تمام اخرج أكلمه دلوقتي حالا."
وبالفعل استأذنهم عمران أن يخرج لمكالمة عمل. أما وجد ظلت تتحايل على سلطان وهي تصطنع الوجع:
"غصب عني يا حاج مقدرش أصبر لبكرة ضلعي بيوجعني جامد وانت شفت بنفسك الدكتور قالي لازم تيجي تتابعي أول بأول وأني من وقتها مرحتش واخاف أصبر على الوجع ده يجرى لي حاجة."
أشار إليها قائلاً بتحذير:
"قدامك من دلوقتي ساعتين بالظبط تكوني هنا وما تتأخريش وتقولي أصل صاحبتي مسكت في وافسر إيه ومدرك إيه ساعتين بالظبط يا وجد تكوني هنا."
أنهى كلماته وتركهم وغادر المكان وذهب إلى عمله. أما هي هزت رأسها بفرحة لا تدل على حزنها والتي شهدتها رحمة وهي تتابع رد فعلها. ففكرت أن تعطلها قليلاً حتى يجهز ذلك الرجل مرددة بحنكة:
"مالك مبسوطة أكده وكانك مش رايحة عند دكتور ولا كان ضلعك بيوجعك ولا حاجة وضحكتك مغرقة وشك على الآخر ومن شوية كنتِ بتتوجعي وهتعيطي من الوجع."
استطاعت رحمة أن تستفز تلك الوجد بكلماتها. ثم رددت:
"إني دلوقتي مليش كلام وياكي وملكيش صالح بيا خالص ولا إنتِ بتقولي شكل للبيع وخلاص."
جزت رحمة على أسنانها بغيظ من تلك الباردة ولكن قررت الآن معاملتها بنفس البرود:
"والله إني أقول اللي على كيفي واللي على مزاجي مش واحدة زيك تقول أعمل إيه ومعملش إيه. ثم شمرت عن ساعديها ونظرت لها نظرات شر تفهمها تلك الوجد جيدا وأكملت: ولا تحبي تشوفي وتجربي اللي عودتك عليه من ساعة ما دخلتِ البيت ده يا خرابة البيوت إنتِ."
زاغت نظرات تلك الوجد وارتعبت من طريقة رحمة. فهي تعلم شراستها جيدًا وجربت شرها كثيرًا وهي الآن لا تعرف أن تدافع عن نفسها. فقررت المغادرة من أمامهم وهي تتوعد لها سرًا:
"والله لأخلص من اللي رايحة له دلوقتي وأفوق لك يا رحمة إنتِ وأمك وإن ما خليتكم تقولوا ياريت اللي جرى ما كان مبقاش إني وجد وهطلع عليكِ القديم والجديد وأولهم هسلط عليكِ حبة نسوان يكسحوكِ التكسيح التمام اللي تقعدي فيه سنين تتعالجي."
أرسلت رحمة رسالة إلى عمران بأنها خرجت للتو. فطمأنها أن الرجل يقف بعيدًا عن مرمى المنزل في انتظاره. وكما أنه انتقى رجلاً يعرفها جيدًا ولكن يثق فيه بشدة.
كانت سكون تتابع الموقف بصمت تام. فهي من النوع الذي لا يحبذ المشاكل أبدًا وتفضل التجنب في تلك الأجواء الشاحنة. فأمسكت هاتفها وانشغلت به.
أرسلت رحمة رسالة أخرى إلى عمران:
"أكدت عليه يصورها فيديو لو دخلت أي مكان ويصور أي مكان رايحاه له ويظبط الفيديو كويس يا عمران ولو اختفت جوة مكان يحاول يطقس عينيه ويعرف كل حاجة."
طمأنها عمران:
"متقلقيش يا رحمة إني باعِت الواد لهلوبة مشاوير واد جن وحويط وانتِ عارفة بيحبني كد إيه ويتمنى يخدمني بعنيه وكمان واد كتوم ومهيجيبش سيرة لحد واصل. وبالنسبة للتصوير ده اشتريت له آيفون مخصوص عشان تطلع بت الجزم دي تطلع واضحة أكده وبقالي تلت أيام بدربه عليه يستخدمه كيف وهو واد مخه نضيف وفهم بالعجل."
انفرجت أساريرها وهم على بدء الانتهاء من تلك الوجد. ثم تعجلته:
"طب يلا تعالِ دلوقتي خد مراتك واطلع وأنا هطلع أشوف شغلي أبوك مش هنا ولا هي كماني ودي أنسب وقت."
لم يكمل دقيقة ودلف إليهم وجلس بجانب سكون. أما هي استأذنتهم:
"طب إني هطلع بقى أنام شوية حاسة إني هلكانة خالص معيزاش حاجة يا سكون؟"
ابتسمت لها سكون وأجابتها:
"لا يا حبيبتي نوم العوافي."
أما عمران امسك يد سكون قائلاً:
"وإحنا كماني هنطلع شقتنا حاسس إني عايز أرتاح شوي وسكون كمان كانت مسهرة في فرح أختها وتعبانة هي كماني."
انطلقوا كل منهم إلى وجهته. وفور أن سمعت رحمة صوت قفل الباب عندهم خرجت من غرفتها وبيدها تلك الحقيبة الصغيرة وانطلقت مسرعة إلى غرفة تلك الوجد كي تنفذ خطتها وتضع لها الكاميرات بحرفية. فهي منذ يومين تشاهد فيديوهات على جوجل عن كيفية تركيبها.
دلفت إلى الغرفة وأوصدت الباب خلفها بالمفتاح. ثم أخرجت هاتفها وقامت بتصوير الملابس وطريقة ترتيبها حتى تعيدها كما كانت ولم تلحظ تلك الخبيثة أي تغيير. ثم بدأت عيناها تنتقي الملابس التي ترتديها تلك الوجد بكثرة وخاصة خمارها التي تجلس به في الشرفة. رصدتهم جميعًا وبدأت بوضع الكاميرات بحرفية. وبعد أن انتهت من الملابس قررت أن تضع كاميرا في الشرفة مكانها المفضل للجلوس دائمًا.
وبالفعل دخلت زاحفة كي لا يلمحها أحد قادمًا من الداخل. وبدأت بوضعها. فمن يراها لا يظن أنها كاميرا بتاتًا. وضعتها مقابل جلوسها بالتحديد. كانت تود أن تضع لها أخرى في غرفة النوم ولكن راعت الخصوصية لها ولأبيها ولم تفعلها. ومع أن تلك الكاميرا كانت ستنفعها بشدة إلا أنها قررت أن تكتفي بما وضعته.
أنهت مهمتها وأرجعت كل شيء مكانه بالتمام والكمال وخرجت من الغرفة وعلى وجهها علامات السعادة. وهي تكور قبضة يدها بفرحة مرددة لحالها:
"والله يا بتي يا رحوم إنتِ مكانك مش هنا مكانك على مكتب وكيل نيابة بدماغك الألماظ دي."
ثم دلفت إلى غرفتها تستريح بضع ساعات كي تذهب إلى المكتب. فهي منذ يومين لم تذهب إلى العمل. فكانت منشغلة معهم في فرح مكة وآدم. وأرسلت رسالة إلى عمران بأنها أنهت كل شيء على ما يرام.
أما في غرفة عمران وسكون، كان عمران يتابع عمله على اللابتوب وبيده بعض الحسابات الخاصة بمزرعته. أتت إليه سكون وبيدها كوبان من الشاي وجلست بجانبه ووضعت الأكواب على المنضدة. ثم سألته:
"قربت تخلص ولا لسه قدامك كتير؟"
ابتسم إليها بحنو اعتاد عليه:
"يعني الميزانية مش عايزة تظبط معاي قدامي ساعتين أكده يا حبيبي، عايزة حاجة؟"
أجابته وهي تضع يدها على قلبها:
"مش عارفة حاسة إني قلبي مقبوض أكده ونفسيتي مش تمام وحاسة بخنقة غير طبيعية."
انتبه عمران بكامل حواسه إليها. ثم جذبها إلى أحضانه مرددًا بقلق:
"مالِك يا حبيبي ليه أكده حد ضايقك هنا ولا حاجة؟"
حركت رأسها بنفي وهي في أحضانه:
"له مفيش حد ضايقني، بس معرفش أو يمكن لأن فترة البريود دي بتبقى وحشة وبتأثر على نفسية الست وبتخليها مش طايقة نفسها وكمان إني متعودة على روتين صلاة كل يوم بيخلي نفسيتي مرتاحة وقلبي مطمئن."
شدد من احتضانها ثم طمأنها:
"طب أخلص الشغل اللي في يدي وأصلي المغرب ونقعد جنب بعض نقرأ السور والآيات القرآنية اللي تفك الضيق. إني هقرأ من المصحف وإنتي من التليفون علشان ظروفك الخاصة مينفعش تمسكي فيها المصحف. وإذا كان على الصلاة بدليها بالذكر بيطمن القلوب بردك والدعاء كماني."
أماءت رأسها ونال رأيه استحسانها. ثم تحدثت بخمول وهي تذهب ناحية التخت:
"ماشي، هنام الساعتين دول ولما تخلص صحيني."
ابتسم لها قائلاً:
"نوم العوافي يا حبيبي."
أما عند وجد، قبل نصف ساعة من قبل وصلت إلى مكان تلك الدجالة. وكان ذاك الرجل الذي يراقبها متتبعًا خطواتها دون أن تشعر. وفور أن رآها تدخله إلى ذاك المنزل دهش بشدة. فهو معروف في الكفر بأن تلك السيدة مؤذية للعباد. وقام بتصويرها على الفور وهي تدلف إلى ذاك المنزل. ثم وقف يحوم حول المكان كي يرى نافذة توصلها إلى تلك الدجالة كي يقوم بتصويرها وتسهل مهمته. ولكن تلك الماكرة تؤمن منزلها بشدة.
دلفت وأعطت النقود لسليطة اللسان التي تقابلها كل مرة دون كلام. ثم طلبت منها أن تجلس إلى أن تنتهي جلسة من بالداخل. مر وقتًا طويلاً والجلسة لم تنته بعد حتى مر أكثر من نصف ساعة. فسألتها:
"هي الجلسة دي هتنتهي متى علشان أنا أكده اتأخرت؟"
مطت تلك الأخرى شفتيها باستنكار لسؤالها:
"سايق عليكِ النبي يا أختي ولو إنك متعرفيهوش ما تسألينيش أسئلة غبية جوابها معروف مش ناقصة وجع دماغ اللي فينا مكفينا. وقت أما الشيخة تخلص اللي عندها هتدخلي معيزينش صداع."
لم ترد على طريقتها الغليظة فهي معتادة منها على ذلك وفضلت السكوت كي لا تفقد أعصابها أمام تلك الباردة. بعد مرور عدة دقائق بسيطة انتهت جلسة من بالداخل. ثم دلفت وجد وألقت السلام وهي تنظر يمينًا ويسارًا برعب معتادة عليه عند دخولها عليها. ثم سألتها خضرة:
"حمد لله على السلامة اتأخرتِ كتير يا ترى جيتي بالمطلوب ولا له؟"
ردت وجد سلامها وهي تخرج النقود من حقيبتها:
"اتفضلي المبلغ أهو بالتمام والكمال خلصيني بقى من الموال دي علشان إني اتبهدلت في البيت دي بهدلة ولازم يدوقوا من النار اللي إني دوقتها."
أخذت النقود منها بلعاب يسيل رغبة على ذلك المبلغ الضخم الذي طلبته منها. وبدأت بعده بالورقة وتلك الوجد تجلس على نار. فهي لا تريد أن تتأخر وسلطان متوعدًا لها إن تأخرت. وبعد دقائق كثيرة أنهت خضرة ما تفعله. ثم طمأنتها بحفاوة:
"أخلص الناس اللي وراي وساعة أكده ولا ساعتين واشتغل وعلى الصبح هتلاقي البشاير هلت واقعدي واتفرجي كيف خضرة هتلاعبهم على الشناكل."
انفرجت أسارير وجد بفرحة عارمة. فأخيرًا سترى أبكي قهراً على ما سيحدث لتلك سكون وعلى الوقيعة بينها وبين زوجها. ثم تحدثت بنظرات فرحة:
"والله لو حصل صح لا يبقى لك عندي هدية معتبرة تليق بيكي يا شيخة وكمان هاجي لك علشان بت جوزي مطلعة عيني دي بقى عايزة تخطيط تاني خالص عايزها تعمى بعينيها وتتشل بايديها علشان ما تعرفش تأذيني تاني ولا تقدر تعملها."
كانت خضرة في عالم آخر تنظر إلى النقود ولم تنتبه لكلامها. ولكنها وعدتها بكلمات كي تغادر وتتركها مع غنيمة اليوم:
"تمام من عندي متقلقيش."
ارتاحت وتنهدت بعمق وكأن اليوم عيدها. ثم تركتها وغادرت بقلب فرح. رأى لهلوبة خروجها من بعيد. ففورا قام بتصويرها وهي خارجة من ذاك المكان. ثم تتبعها إلى أن عادت إلى المنزل حتى لا يتهمها سلطان بالتأخير. ووقتها لن تمر ليلتها بسلام.
أنهى عمران ما كان يفعله. ثم توضأ وصلى فريضة المغرب. ثم أيقظ سكون فقامت وهي تشعر بالفتور في جسدها. ثم دلفت إلى الحمام وغسلت وجهها بالمياه كي تفيق. وبعدها خرجت إلى عمران الذي كان يجلس في المكان الذي خصصوه في الغرفة للعبادة. وجلسوا يقرأون بداية من سور القلقلة وآية الكرسي. ثم انتقلت إلى سورة الملك. وهو كذلك فهم معتادون على أنها تقرأ خمس آيات وهو الآخر خمس آيات يتشاركون في القراءة في جو يشعرهم بالراحة والأمان والطمأنينة.
في نفس التوقيت كانت تلك الشيخة تبدأ مراسم طقوس العمل الذي تفعله لسكون. ولكن كلما بدأت شعرت أن يديها ثقيلة لا تستطيع التحرك. وكأن شيئًا ما يمنعها بشدة.
كانت سكون في ذلك الوقت تقرأ قوله تعالى: "وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ* وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ". فشعرت أن هذه الآية تشعرها بالأمان. فكررتها ثلاث مرات أخرى. أما تلك السيدة المكان حولها أصبح غريبًا. فلأول مرة تدخل طقوس عمل وتجد تلك الغرابة وكأن الشياطين التي أحضرتها الآن نائمة. فقررت أن تمكث قليلاً ولو بضع دقائق.
وعلى نفس جلستهم عمران وسكون سألها عمران:
"إحنا كنا واقفين فين في البقرة في الورد؟"
أجابته:
"له تعالى نبدأ فيها من الأول حاسة إني عايزة أقرأها كلياتها."
"تمام يلا نقرأ سورة البقرة لآخرها."
مضى أكثر من نصف ساعة حتى وصلت سكون إلى تلك الآية: "وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ".
كانت تقرؤها بخشوع وقلب خاضع لله سبحانه وتعالى. وكانت تلك القشة التي قضمت بتلك السيدة. شعرت بأن المكان يحترق من حولها وكأن أحدهم يخنقها ولم تعد قادرة على التنفس. فلأول مرة يحدث لها ذلك.
وعلى الفور خرجت من المكان وهي تردد بأنفاس لاهثة تلتقطها بصعوبة:
"حابس إيه اللي جرى أول مرة يجرى أكده! هي البت دي جايبة لي قطر مين اللي تنشك والله لا أكون مقندلة عيشتها هي."
رأت حالتها من تعمل معها فسندتها في وقفتها وكان جسدها يهتز:
"مالك يا شيخة حصل إيه اهدي أكده؟"
وضعت تلك الدجالة يدها على صدرها تهدئ من ضرباته الثائرة داخلها وهتفت من بين أسنانها التي تصك رعبًا وهي تخبرها ما حدث لها. ثم أكملت وهي تنظر للأمام بشر:
"البت دي اللي اسمها وجد لما تاجي المرة الجاية تسحبي لي طرحتها من على راسها من غير ما تدري والله لأخليها تولول من العذاب اللي هتشوفه على يدي، جايبالي قطر مين ده بت الجزم كنت هموت النهارده بسببها."
طمأنتها تلك السيدة بأنها ستفعلها فهي تكره تلك الوجد بلا سبب.
أما عند سكون، وصلت إلى الآية "وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ" وشعرت بانقباضة في قلبها ولكنها أكملت بخشوع. انتهوا من قراءة وردهم وبدأوا بالذكر المعتادين عليه. ولكن قرأوا أدعية رسول الله صلى الله عليه وسلم عند الضيق. فتلك الأدعية من يقرأها يشعر بالراحة والاطمئنان. وتلك سنة رسولنا التي ما إن اتبعناها حتى فزنا في الدنيا بأن لن يؤذينا أحد إلا الله.
"حبيباتي حبيت أنوه عليكم بالمشهد ده إن سكون حد قريب من ربنا الذكر ما بيفارقش لسانها. قيام الليل منضبطة فيه جدًا. القرآن الكريم لازم كل يوم ورد وبتنافس على إنه يزيد. علشان كده حست بالضيق لما كان الضرر هيجي عليها لجأت للقرآن كالمعتاد. وعلشان ربنا سبحانه وتعالى ما بيضرش حد بيتقيه وبيذكره ليلاً ونهارًا وخاشع لله سبحانه وتعالى. لن يستطيع جنود الإنس والجن أن يؤذوه بشيء ربنا ما كتبهوش. سبحان الله في نفس التوقيت اللي هيتعمل فيه العمل هو نفس التوقيت اللي كانت فيه قاعدة في ذكر لله سبحانه وتعالى ومعيته. باختصار عمر ما حد يقدر يأذينا طول ما إحنا بنحافظ على الأذكار والصلاة وقراءة القرآن وقيام الليل. قلبنا هيبقى مطمئن ودايمًا نحط بالنا وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله. أما عمران كان متقطع في الصلاة مكانش عمره بيقيم الليل. كان هاجر للمصحف إلا في رمضان زي نماذج كتير قوي حوالينا. ولسه الأحداث هتبين حاجات كتير بس حبيت أوضح النقطة دي."
بعد أن انتهت سكون وعمران من الساعتين من الذكر والخشوع سألها:
"حاسة بإيه دلوقتي لسه عندك ضيق زي ما إنتِ؟"
أجابته براحة اغتالت روحها:
"حاسة إني استريحت كتير ربنا يخليك ليا يا حبيبي زي ما بتعني على الطاعة والعبادة وما يحرمنيش منك أبدا."
ابتسم لها عمران مشيدًا بذاك الجميل لها:
"ومين يشكر مين يا سكون إنتِ خليتيني أبقى ملتزم في الصلاة ومفوتش فرض بعد ما كان اليوم بيعدي عليا من غير ما أكمل صلاته وخليتيني أقرأ القرآن وأنا كنت ممكن أقعد بالشهر والشهرين ما أمسكش المصحف وهاجره وكمان علمتيني أذكر ربنا في الرايحة والجايه إنتِ بجد ملاك ربنا بعته لي."
***
أما في المشفى عند مجدي، كان عامر يجلس مع الطبيبة يطمئن على حالة أخيه:
"يعني يا دكتورة أخويا أكده هيفضل عاجز على طول ولا هتعود له صحته تاني؟"
نظرت إليه الطبيبة بأسى:
"كل شيء بإرادة ربنا جايز ومفيش مستحيل على ربنا سبحانه وتعالى. بس حالة مجدي والعجز جاله من حمى وكمان عنده اضطرابات في المناعة الذاتية أثرت على الأعصاب فسببت له حالة العجز. تقريبًا حالات زيه سافرت بره واتعالجت علاج قاسي جدًا وفي منهم اللي بيرجع يمشي تاني وفي منهم اللي ربنا بيقدر له بقية حياته أكده."
كادت تتحدث الطبيبة إلا أنها استمعت إلى دقات الباب. فأذنت للطارق بالدخول. فإذا بها مها تدلف إليهم ووجدت عامر عند الطبيبة. فألقت السلام عليهم دون أن تنظر إليه:
"السلام عليكم كيفك يا دكتورة؟"
ما إن رآتها الطبيبة حتى انقلب وجهها حزنًا على ما ستخبره به الآن وردت سلامها:
"زينة الحمد لله كيفك إنتِ يا مها؟"
ابتسمت مها وأجابتها بهدوئها المعتاد:
"بخير الحمدلله يا دكتورة طمنيني على حالة مجدي وهل يقدر يخرج بقى من المستشفى ولا إيه؟"
تنهدت الطبيبة بأسى ثم أجابتها:
"هو حالته نوعًا ما استقرت والحمد لله ظبطنا المناعة بس لازم تاخدي بالك منه وتمشي على العلاج مظبوط في البيت وأنا هعرفك كل حاجة علشان خاطر مناعته ما تتأثرش تاني."
كان عامر يستمع إليهم ثم قال:
"الدكتورة بتقول إن مجدي ممكن يسافر برة وحالته ترجع تستقر تاني هيبقى فيه شوية تعب لكن نجرب."
اهتز فكها بسخرية:
"ويا ترى مجدي هيوافق على كلامك ده وهيصرف الفلوس دي كلها في السفر؟ ده ممكن يصرف اللي وراه واللي قدامه عشان يرجع يمشي على رجليه تاني؟"
قطب عامر جبينه باستنكار:
"وليه لا! هي الفلوس معموله ليه وبنتعب عشان نجيبها ليه؟ مش عشان لو تعبنا في يوم من الأيام نصرفها، هو في أهم من الصحة؟"
وأكمل حديثه بتأكيد وهو ينظر إلى الطبيبة:
"إن شاء الله أنا هقنعه يا دكتورة أهم حاجة حضرتك تعرفي لنا هنروح فين بالظبط وتوجهينا وعلى الله التساهيل بعد كده؟"
توترت مها قليلاً قبل أن تسألها ذاك السؤال وعامر موجود. ولكنه يعرف عنهم كل شيء وعنها بالتحديد أكثر من أخيه. فسألتها:
"ممكن أعرف أخبار التحاليل إيه يا دكتورة اللي كلمتك عنها أكيد طلعت دلوقتي كنتِ بتقولي قدامها يومين وأنا بقالي أربع أيام مجيتش هنا؟"
هنا سأل عامر:
"تحاليل إيه دي اللي أخويا عاملها؟"
أجابته بكل ثقة دون خوف منه:
"دلوقتي تعرف تحاليل إيه؟"
ثم نظرت إلى الطبيبة واستنجدتها أن تتحدث:
"ها يا دكتورة طمنيني شكلك ما يطمنش؟"
أخذت الطبيبة نفسًا عميقًا ولكنها معتادة على تلك الحالات. ثم أجابتها بهدوء:
"عايزة أقولك إن كل شيء بأمر الله، وإن كل أقدار ربنا خير وربنا مبيمنعش عننا حاجة إلا وهي ضرر لينا."
هوى قلب تلك المها بين قدميها من مقدمة تلك الطبيبة. فمجدي زوجها من الممكن أنه أصيب بالعقم من جراء ذاك المرض. أم ماذا؟ ثم طلبت من الطبيبة أن تتحدث فهي ذات قلب قوي ومعتادة على الصدمات.
فأكملت الطبيبة وهي تناولها ملف تحاليل الجينات الذي أجرتْهُ لمجدي:
"التحاليل أهه، أمم... أستاذ مجدي للأسف يامها عقيم من صغره ونوع العقم اللي عنده مبيتعالجش أبدا. وعرضت التحاليل على كذا دكتور مسالك بولية ودكاترة كبيرة وكلياتهم أكدوا لي نفس الكلام. متزعليش حبيبتي."
ما إن استمع كلاهما إلى كلمة عقيم حتى رددا في صوت واحد من أثر الصدمة وهما ينظران لبعضهم نظرات مصعوقة من أثر الكلمة التي وقعت على مسامعهم:
"عقيييييييم..."
رواية من نبض الوجع عشت غرامي الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم فاطيما يوسف
التحاليل اهه أستاذ مجدي للأسف عقيم من صغره ونوع العقم اللي عنده مابيتعالجش أبدا.
وعرضت التحاليل على كذا دكتور مسالك بولية ودكاترة كبيرة وكلهم أكدوا لي نفس الكلام، متزعليش حبيبتي.
ما إن استمع كلاهما إلى كلمة عقيم حتى رددا في صوت واحد من أثر الصدمة وهما ينظران لبعضهم نظرات منصـ.ـعقة من اثر الكلمة التى وقعت على مسامعهم:
عقيييييييم!
فسرت اندهاشهم أنه صـ.ـدمة حزنهم من ذاك الخبر، وظلت تنظر إليهم وإلى وجوههم التى تلونت بالسواد وكأن لسانهم التُقم من شدة صـ.ـدمتهم بأنه عقيم، ثم أكملت لهم بأسى على حالهم:
في ايه ياجماعة! وحدوا الله اكده مش اول واحد ولا آخر واحد، ربنا يقدر له العقم، اكيد ربنا بيقـ.ـطع من اهنه ويوصل من اهنه، والدنيا منتهَتش يعني.
كانت تحدثهم وهم على حالة الذهول ينظرون لبعضهم نظرات غريبة وكأن النـ.ـيران تخرج من عينيهم، ظلا على وضعهم هكذا حتى هبطت دمـ.ـوع تلك المها على وجنتيها، دموع صامتة، دموع تخرج من اعماق جـ.ـسدها وليست من عينيها فقط، دموع خشية من القادم.
وفجأة أغشى عليها ووقعت أرضاً فلم تستطيع التحمل أكثر من ذلك.
مجرد دقائق مرت عليهم جعلتهم في عالم أخر، مجرد لحظات فتـ.ـكت بأحشائهم ودمـ.ـرت خلايا عقولهم، دخلت عالم الهروب الذي يجعلها تنسى مُـ.ـر القادم، عالم تود أن تسكنه كي تنسى حياتها المؤلمة، حياتها الماضية التي يصحبها القهـ.ـر والقادمة يبدو أنها ستكن سنوات العجاف لها.
انتـ.ـفضت الطبيبة من مكانها، أما هو لم ينتبه لما حدث لها، هو في عالم آخر.
أيعقل أن الطفلين أبنائي! أيعقل أنهما ولدا من رحم الخطيئة! لا ياربي لا تجعل عقابك لنا بتلك الدرجة، ما ذنب هؤلاء البريئين أن يُدنَسوا في وحل الخطيئة؟
ماذا عنهم وعني إن رأيتهم أمامي وهم أبنائي؟
ماذا عن حياتهم القادمة أتكن هـ.ـلاكا لهم!
يالله كم صعب جزائك لنا الذي شـ.ـق قلوبنا!
حاولت الطبيبة إفاقتها وبعد دقيقة استجابت لها ثم فتحت عيناها وجدت تلك الطبيبة في وجهها وتذكرت كلمتها "عقيم" فصـ.ـرخت تلك المها صـ.ـرخة دوت الغرفة بأكملها بين يداي تلك الطبيبة التي انفـ.ـطر قلبها لها وتبدل صـ.ـراخها لشهقات متتالية تدمي لها القلوب.
يالله من ذاك الوجـ.ـع الذي يحاوطك تلك المها!
أوجـ.ـاع لها معاني عدة، وجـ.ـع الحرمان ثم وجـ.ـع الخطيـ.ـئة ثم وجـ.ـع الفقـ.ـدان من الآن.
كفاك زماني ألم تحن بعد وتمنحنِ الأمانِ، كم عظيم ابتلاؤك ربي شـ.ـق صدري، هزم روحي ودُفـ.ـنت راحتي.
يالله ارحم ضعفي وقلة حيلتي وخذني عندك أخذ عزيز مقتدر فأنت أحنُّ على عبدتك من قلوب البشر.
ثم هدئتها الطبيبة:
بسسس ياماما اهدى، متعمليش في حالك اكده، إنتِ ليكي الحرية لو مهتقدريش تتحمَلي ظروف عجزه، وظروف عقمه اطلقي وهو مش من حقه يزعل، إنتي من حقك توبقي أم ومحدش يقدر يلومك أبداً.
وأكملت وهي تحاول تهدئتها أكثر، ولكنها كلما تحدثت الطبيبة كلما شهقت أكثر من ذي قبل وكأنها تضع سائلاً شديد الاشتـ.ـعال على جسـ.ـدها فتشعر بأن الدمـ.ـوع التي تهبط من عينيها دمـ.ـوع من نـ.ـار.
بعد مرور أكثر من ساعة في مكتب الطبيبة من انهيار تلك المها، أفاق عامر ورجع إلى رشده أخيراً.
طلب من الطبيبة:
ممكن ياداكتورة متجبيش سيرة لأخوي كفاية اللي هو فيه، ولا لأي مخلوق خالص؟
هزت الطبيبة رأسها بتفهم ثم رددت:
طبعاً طبعاً يافندم.
وأكملت وهي تناول مها منديلا ورقيا:
خلاص بقى امسحي دموعك والله العظيم قطـ.ـعتي قلبي عليكي، وربك رب قلوب ولا يكلف نفسا إلا وسعها.
خرجا كلتاهما من عند الطبيبة، ثم ارتدت نظارتها الشمسية وقالت له باختصار:
هسبقك على الشقة بتاعتي تاجي ورايا طوالي.
حرك رأسه بموافقة، فهو أيضاً يريد التحدث معها فداخله منـ.ـهار الآن.
بعد مرور نصف ساعة وصلت مها إلى شقتها ودلفت إلى المكان تنتظره.
فور دلوفها عيناها نظرت إلى صورتها هي وابنائها تلقائيا وهي تنغمر بالدموع التي لم تنقـ.ـطع منذ ان علمت من الطبيبة تلك المعلومة الممـ.ـيتة.
وصارت تحدث حالها:
هي مره واحده فقط اذنبت فيها وتركت نفسي للشيطان الذي اغواني دمـ.ـرتني، وياليت الدمـ.ـار لحقني وحدي ففلذات أكبادي نالهم من وحل خطيـ.ـئتي.
وعند ذكر أولادها انهارت مرة أخرى وصارت تبكي فهم عزيزا عيناها، قُرَّاتِ روحها.
ثم رجعت بذاكرتها إلى ذاك اليوم المشؤوم سنوات وسنوات.
***
جلس على التخت وهي تشد تلك الملائة على جسدها وهو يجلس على نفس التخت يعطيه ظهرها وهو عاري الصدر لايستر جسده إلا ذاك السروال الصغير.
تبـ.ـكي بغزارة على مافعلاه الآن من جـ.ـريمة كبرى بل هي كبيرة من الكبائر التي تهتز لها السبع سماوات.
كان ينفث دخان سيجارته بشراهة.
فاعتدل بجلسته واقترب منها وكاد أن يخلل أصابعه بين خصلات شعرها إلا أنها أبعدت يداه بحدة:
بعِّد عني متلمسنيش خالص، أني مطيقاش لمستك ولا طايقة أبص في وشك، ولا حتى طايقة ريحة نفَسك.
تنهد بضيق من كلامها وبكاؤها ومن الموقف ككل ومما حدث ثم تحدث:
طب ممكن تهدى شوي، اللي حوصل حوصل خلاص يابت الناس والشيطان غواني وغواكي و لا كان بيدي ولا يدك.
جذبت ذاك القميص وهي على وضعها ارتدته بحدة ثم قامت من على التخت وأتت بتلك العبائة وخبئت جسدها بالكامل وكأنها تستر الخطيئة التي ارتكبتها ولم تستر جسـ.ـدها الذي دهسته الآن في وحل الحرام.
ثم وقفت على الباب وأشارت بيدها:
اتفضل اطلع برة معيزاش أشوف وشك تاني ياعامر لحد ما امـ.ـوت.
انتصب واقفا وذهب تجاهها ثم نظر إليها قائلاً وهو يبتلع أنفاسه بصعوبة ومشاعر الاحتياج لها ولمتعته التي رآها بين يداها منذ قليل ضـ.ـربت بجـ.ـسده وطالبته أن يقترب مرة ثانية والشيطان بدأ يزينها أمام عيناه حورية من حوريات الجنة وحقا أنها كالحور في جمالها وبهائها ورقتها.
طالت نظرته بها وهي تقف متسمرة أمامه وتفهم معنى نظراته فاحتقرت حالها بشدة.
ثم جذبها فجأة إلى أحضانه وتحدث بصوت باكي جعلها اهتزت فلأول مرة تجرب ضعف الرجال ولأول مرة تجرب إحساس أن يحتاجها رجل، وكأن تلك هي المرة الأولى التي تشعر بأحاسيس موجودة عند كل امرأة ولم تجربها مع زوجها يوما ما.
ثم همس بجانب أذنها بصوت خشن أثر دموعه:
حقك عليا يامها، غصب عني ضعفت واستسلمت للشيطان وخليتك خاينة واني خنت اخوي ابن أمي وأبوي.
ثم أخرجها من أحضانه ودفن يداه بين رقبتها وأسند جبهته بجبهتها قائلاً:
اللي احنا عميلناه دلوك غصب عننا يامها بس اني خلاص بعد ما جربت حضنك وحبك، بعد ماشفت منك وحسيت اللي عمري ماهحسه مع ست غيرك مش هقدر أبَعد تاني.
حركت وجهها بين يداه وهي تغمض عيناها وتود أن تبعده عن أحضانها ولكن كل خلية بجسدها هي الأخرى وشهوة القرب من رجل كانت أقوى من أي فرائض وقوانين والصح والخطأ.
كانت تتمسح بوجهها بين يداه كالقط الوديع، حركتها تلك جعلته اقترب منها مقبلاً إياها من رقبتها وهامسا بجانب أذنها:
اني عايزك دلوك في حضني، مقادرش.
خدرها تماماً وجعل أعصابها مفككة من قربه.
ثم بدأ بتقبيلها بعنف وكأنهما في معركة وإن ابتعدا الآن سيخسران.
انجذبت له وتاهت معه مرة أخرى.
ومع صوت ارتطام عبائتها أرضا فاقت تلك المها وأبعدته عنها بحدة وهي تحتضن جسدها العاري:
اطلع بررررررررررة.
ثم جذبت ملابسه وألقتها في وجهه وهي تردد بأمر لاذع لانقاش فيه:
اطلع بررررررررررة دلوك ومعايزاش ألمح طيفك تاني.
قالت تلك الكلمات وخرجت من أمامه ودلفت إلى الحمام وفتحت صنبور المياه ووقفت أسفله تبكي بغزارة وكأن دموعها تسابق المياه النازلة من الصنبور من كثرتها.
تقف اسفل المياه تجذبها على جميع جسدها تمحو بها أثر الخطيئة وظلت على وضعها هكذا اكثر من ساعة.
أما هو في الخارج ارتدى ملابسه وخرج من الغرفة ولكن تعثرت قدماه في تلك العباءة الملقاة أرضاً فوجد نفسه جذبها بين أحضانه يشتم رائحتها وكل ذلك وهو في غفلة لم يدري لها بال.
ووجد حاله يأخذ تلك العباءة معه ويخرج من الشقة.
وكانت تلك المرة الأولى والأخيرة في تلك العلاقة الحميمية المحرمة التي حدثت بينهم ولم تتكرر.
ومرت الأيام ومنعت مها نفسها تماما عنه حتى مر أسبوعين كاملين لم يراهم فيها ولكنه كان يحاول الاتصال عليها والمجيء اليها وهي كانت تصده بشدة.
وفي إحدى المرات أصر عليها ان يتحدث معها وإن حاولت الإفلات منه سيفعل ما لا يحمد عقباه.
فاضطرت ان توافق على أن تتحدث معه.
وقف أمامها ينظر إليها بوحشة شعرت بها.
فتحدثت على الفور ناهرة إياه:
اياك تبصلي البصة داي تاني علشان ما هضعفش يا عامر ومهعملش الخطيئة داي تاني واصل.
ودلوك تقول لي انت عايز ايه بالظبط عشان مش هسمح ان احنا نقعد مع بعض تاني.
اخذ نفسا عميقا ثم تحدث بندم مثلها:
اني عارف كل كلمة بتقوليها وعارف ان اللي احنا عميلناه ذنب كَبير وعلشان اكده جاي أودعك واقول لك اني خلاص هسافَر وهسيب البلد بحالها لاني ما ينفعش ابقى موجود فيها وكنت حابب اشوفك قبل ما امشي عشان اودعك يمكن تكون داي اخر مرة نشوف بعض فيها ومهرجعش تاني.
شعرت بنغزة شديدة في قلبها ولكن قوت حالها وشجعته عليه قراره:
عين العقل اللي انت عميلته وذنبي اللي ارتكبته في حق ربنا وفي حق نفسي هتوب عليه عمري كلياته وهطلب من ربنا يسامحني وانت كماني لازم تلجأ لربنا عشان يغفر لنا الذنب الكبير دي، مع السلامة يا عامر.
ثم تركها وغادر وفي نفس اليوم ترك قنا بأكملها وهاجر الى الخارج.
بعد يومين من سفر عامر دلفت مها إلى غرفتها وجدت مجدي يبتلع أحد الاقراص.
فاقتربت منه وعلى حين غرة جذبت ذاك الدواء وقرأت محتواه واذا بها تنصدم قائلة له:
ايه الحاجات اللي انت بتاخدها داي يا مجدي انت ناقص ضعف مش كفاية انك ما بتعاملنيش زي خلق الله ليه اكده.
ثم اكملت وهي تلكزه في كتفه ببطئ:
الحاجات داي بتعمل ضعف اكتر صدقني، ليه ما تروحش تتعالج عند دكتور وتوبقى طبيعي زي اي راجل ومرته، بقى لي كَتير بتحايل عليك كفايه بقى يا مجدي حرام كفاية انت وصلتني معاك لطريق ما كنتش حابه امشي فيه ارجوك ارحمني ارجوك.
انهت كلماتها ثم دخلت في نوبه بكاء شديدة ولكنه كعادته لم يتأثر ببكائها.
وبعد قليل بدات تلك الاقراص اثرها على جسده فاقترب منها واخذها معه الى عالمه ولكن عالم مجدي ليس كأي عالم، عالم فاتر، بارد، سريع، ليس به أي شعور ولا إحساس، ولم يراعي فيه أن بين يداه أنثى محتاجة.
وكرر تلك العلاقة بعد سفر أخيه ثلاث مرات.
وبعدها اكتشفت مها حملها ولم يأتي ببالها أن يكون من عامر ابدا، ولكن مرة واحدة عصت فيها الله وضعفت كان ثمارها ذاك التوأم وزوجها عقيم.
وبعد سفره حاول محادثتها كثيرا وكثيرا وحاول جذبها إليه ولكن تمنعت ورفضت خاصة أنها كانت حامل.
وبعد أن وضعت توأمها بسنة استطاع عامر بإلحاحه أن يجعلها تنجذب إليه مرة أخرى وتتحدث معه ولكن كانت تلك المحادثات لفترات بعيدة نظرا لأنها كانت تلوم حالها ولكن حدثته كثيرا.
***
فاقت مها من شرودها على صوت الباب يعلن عن وصول عامر.
فقامت وفتحت له الباب وأذنت له بالدخول.
جلس كلتاهما على الأريكة وكل منهم يضع يديه نصب عينيه.
ثم تحدث مفـ.ـجرا رأيه:
العيال هيطلعوا ولادي هعمل لهم تحاليل ولو ثبت انهم ولادي مش هسيبهم اعملي حسابك على اكده.
انتفضت من مكانها كمن لدغها عقرب.
ثم وقفت قباله هادرة به برفض قاطع:
دي في احلامك يا عامر ومن المستحيل يحصل اني ادمـ.ـر ولادي اللي تعبت في تربيتهم علشان خاطر حضرتك اللي جاي تفتكرهم دلوك انهم ولادك، أني اللي تعبت فيهم واني اللي من حقي أقرر مصيرهم انت غلطت زمان لما جرجرتني وراك للغلط فتحمل النتيجة لحالك.
انتصب واقفا هو الآخر وهزها من كتفها بعـ.ـنف ولم يعجبه كلامها:
كيف الكلام دي؟! عايزاني اعرِف انهم ولادي وافوتهم ينكتبوا على اسم حد تاني! عايزاني اشوفهم وهما حتة مني قدامي واعاملهم كاني عمهم وهما ولادي! ايه القساوة داي اللي طالعة منيكي؟
جزت على اسنانها بغضب ونظرت اليه بعينين محمرتين من شدة غضبهما وأفلتت كتفها من بين يديه هاتفة بتصميم:
الله الوكيل يا عامر لو ما رجعت مكان ما كنت لهـ.ـهد المعبد على دماغك ودماغي، وأني بحذرك العيال ولادي متقرِبش منيهم، مليكش صالح بيهم، وبعدين دول مكتوبين على اسم اخوك اللي انت خنتَه واستحليت عرضه وشرفه، انت اكده بتضيع مستقبل العيال وهتفضحنا يا عامر هتفضحنا والعيال اللي انت عايز تكتبهم باسمك هيتدمروا وهيكرهوك وهيكرهوني وهيكرهوا نفسهم.
واسترسلت نهرها له وهي تربع ساعديها وتنظر له داخل عيناه بقوة منبهة إياه:
من الافضل يا عامر انك تبَعِد عنينا وتسيبنا نعيش في ستر ربنا وكفاية انك شايفهم مرتاحين وكويسين ده احسن حل لينا كلياتنا، ولو انت خايف عليهم صوح واحساس الأبوة نقح عليك وحسيت بيه دلوك بعد عنيهم ومتفضحش باب الستر اللي حاوطنا كل السنين داي.
نفخ بضيق وحالته انقلبت إلى الأسوء بشدة.
ثم ركل تلك المنضدة بغضب عارم وصل إليه من نهرها وبعيناي التمعت دمعاً.
ورأتها مها مرة أخرى أردف بتمنع:
إزاي اعملها داي! ولادي يكونوا قدامي وأني عارف انهم ولادي ومخدهمش في حضني! ازاي ينكتبوا على اسم غير اسمي وهم ولادي؟ ازاي اسيبهم وابعِد عنيهم وانتِ عارفة اني مش جامد ولا بارد ولا احساسي صلب زي مجدي اللي سبحان الله كان بيتعامل معاهم معاملة غير معاملة الأب وكان ربنا مزرعهاش في قلبه عشان هم مش ولاده، واني مجرد ما كنت بشوفهم وبقعد معاهم وبحضنهم مكنتش ببقى عايز اسيبهم ودلوك بعد ما عرفت انهم ولادي عايزاني افوتهم ازاي يا مها ازاي؟
قررت أن تهدأ من نبرتها الغاضبة كي تستطيع التأثير عليه.
ثم تحدثت بتعقل وبنبرة أكثر هوادة:
فرضاً مشيت ورا كلامك زين وزيدان الاتنين كبروا وبقوا عارفين إن مجدي أبوهم وولادي اذكيا هتبقى صورتنا في نظرهم ايه لما يكبرو ويعرفو!
إنتي تطلقي منيه وناخدهم ونسافر ومنرجعش اهنه تاني يامها، مجدي نشوف له واحدة غلبانة ترضى بظروفه وتتحملها واني وانتِ ناخد ولادنا ونفر بيهم من اهنه ويتربوا بين اب وأم أسوياء.
قصدك يتربوا بين أب وأم خاينين وحرامية.
حرامية كيف يعني؟
أه حرامية سرقنا لحظات من الزمن مش من حقنا زمان ولا ترضي ربنا ومن ورا اكده هم جم للدنيا، تصور ساعتها هيفتكروا ايه؟
هما لسه صغيرين ومش هيفتكرو مجدي اصلا، واحنا هنبعد عن الدنيا كلياتها هيفتكروا كيف يعني وهما لسه أطفال.
اني هقول لك ياعامر إذا كنت أنت عايز تنسيهم فرب العباد شايف ومطلع على عملتنا السودا ومش هيخليهم ينسوا، رب العباد هيحطلنا اني وانت في كل خطوة ندامة بدل السلامة علشان سيبنا اخوك العاجز واحنا خاينينه وسبناه في عز ضعفه.
دلوك حنيتي ليه! مش دي اللي مرر أيامك وخلاكي عايشة ولا إحساس ولا شعور، عايشة ميتة بالحيا!
انت مالك اني مسامحة علشان خاطر ولادي ومهما عيمل فيا مجدي مش هياجي ذرة من جزاء الخيانة.
يا عامر، قول لي انت بقى هو عيمل فيك ايه علشان تغدر بيه اكده وتخونه في أهل بيته، ودلوك عايز ترميه وتخطـ.ـف مرته وولاده؟
هما ولادي اني مش ولاده هو، وبعدين هتفضلي تلوميني على غلطة عميلتها وياي من سنين غصب عني.
الغلطة داي نتج عنيها طفلين ملهمش ذنب في عمايل الكبار، بعِد ياعامر وصدقني دي الحل الوحيد علشان مستقبل العيال ميدمرش.
بنفس التصميم اللاإرادي أجابها:
مهقدرش افوت حتة مني، دول ولادي ياشيخة ولادي حرام عليكي.
رأت ذاك التصميم وان اولادها على مشارف التدمير فركعت ارضا وتوسلت اليه وقبلته من قدميه وهي تتذلل له ببكاء مرير:
ارجوك ياعامر ولادي مهقدرش أكسـ.ـرهم ولو انت خايف عليهم صوح سيبهم لي وأني أوعدك هتشوفهم حاجة تانية، وانت مسيرك هتتجوز وهتجيب غيرهم أما أني له.
انفطر قلبه لبكائها وهبط لمستواها وأدمع مثلها قائلاً من بين دموعه:
اني دلوك شفت عقاب ربنا ليا ولادي هيتربوا بعيد عن حضني وهيتسموا باسم راجل غيري.
وأكمل ببكاء هو الآخر تنشـ.ـق له القلوب:
آااااااااااه من انتقامك مني ياااااااارب، وضعت حبهم في قلبي وخلتني أتعلق بيهم ولما عرفت اني أبوهم علقتني بيهم زيادة وفي نفس الوقت مهطلهمش ابداااا، حكمتك يااااارب.
وظلا كلتاهما يبكيان على وضعهم المرير في مشهد يحـ.ـبس الأنفاس من شدة هلعهم.
وبعد مدة أخذت وقتاً طويلاً في التفكير تحدث عامر بقراره السليم كي يريحها:
خلاص يامها أني هسافر من مكان ماجيت بس لما ارن عليكي فيديو علشان اشوفهم واطمن عليهم تفتحي ومتعانديش، وخلي بالك اني أبوهم زي مانتي امهم راعي مشاعري اللي اتعلقت بيهم.
وأكمل وهو يسألها خوفا عليهم:
بس هتقدري علي رعايتهم ورعاية مجدي وظروفه لوحدك يامها ولا هتقصري فيهم؟
تنهدت بارتياح أخيراً ثم أجابته وهي تنظر إلى السماء:
اني مش لوحدي اني معاي ربنا اللي أقوى من الكل، اني دلوك بقيت إنسانة جديدة، بقيت بصلي وبدعي ربنا كَتييييييير يغفر لي ذنبي الكبير، وبقيم الليل، بقيت بستعين على ضعفي بقربي من ربنا، بقيت الوم نفسي كتييير وشلتها من وضع المظلوم وحطتها في وضع الظالم، بقيت بدعي ربنا يرزقني النفس اللوامة ويبعدني عن النفس الأمارة.
ثم تبدلت معالم وجهها الحزين ليآخر مبتسم:
بقيت بقرب من ربنا وصدقني ياعامر لذة القرب من ربنا ليها طعم تاني خالص، بقيت بحمده على الضراء قبل السراء، بقيت راضية وخلعت قناع القنوط اللي أني عشت فيه سنين واقتنعت بقضاؤه ليا.
وبعد مناقشات كثيرة بينهم انتهيا على سفر عامر واستطاعت مها إقناعه وهذا هو الرأي السليم، فستر الله مازال محاوطا إياهم ولأجل الأولاد سيتحملا الظروف القاسية التي وضعوا فيها.
***
في مكتب ماهر الريان، شعُر ماهر بالأرق فرفع سماعة الهاتف كي يطلب من رحمة أن تجعل الساعي يجلب له فنجانا من القهوة ولكن لم يأتيه ردا.
فنظر في ساعته فعلم أن ذاك الوقت هو وقت راحتهم مابين الفترتين في مكتبه.
فأرسل إليها رسالة عبر الواتساب:
إنتي فين يارحمة دلوك؟
كانت تجلس في مطعم بجانب المكتب تشرب قهوتها وتفكر في حياتها مع ذاك الماهر الذي أتعب قلبها بشدة.
مر على علاقتهم ببعضهم شهورا عدة وهو متخبط وهي تتحمل، هو تائه وهي دليله، هو موجوع وهي دوائه.
جلست تحدث حالها:
ماذا بك يا رجل أحلامي لمَ لمْ تطمئن قلبي وتعترف بغرامي، ألم يدق قلبك شوقا! ألم تذق عيناك نوما وتأتي الي متمنياً أحضاني، تع حبيبي وانسي الماضي الأليم وأعدك اني سأسحبك الي عالمي، سأسحبك الي الأمان.
فاقت من شرودها على صوت رسالته فقرأتها ثم أرسلت إليه:
في المطعم اللي جنب المكتب بشرب قهوة في حاجة؟
قرأ رسالتها ثم حمل مفاتيحه وغادر المكتب وأرسل إليها:
خليكي عندك اني جاي لك دلوك هشرب قهوة معاكي حاسس بصداع.
استسلمت رسالته فتحولت بذاك الكرسي وأعطت وجهها إلى النافذة واستندت على الكرسي برأسها تتأمل المارة في الشوارع وهي تسبح بخيالها داخل أعماق ذاك الماهر الذي أتعبها ولكن ذاك القابع بين أضلعها هو من يسوقها إليه بلا هوادة.
وصل ماهر إلى مكان تواجدها وجدها مغمضة العينين سارحة في ملكوتها.
كان التوقيت حينئذ وقت غروب الشمس، وهيئتها مع غروب الشمس أهلكت قلب ذلك الماهر.
فعندما تنسحب الشّمس إلى مخدعها وراء الغيوم، تترك أذيالها الحمراء الذهبيّة اللامعة تُزين جهة الغرب من السماء، لتشكل بذلك مشهداً سَحَر البشريّة منذ الأزل وحتى يومنا هذا، ويُحرك مشهد الغروب الكثير من القلوب، فترى الناس يتأملون غروب الشّمس، ويتذكرون الهاجر أو المُحبّ القريب، إلا أنّ وقت الغروب يُحرك أحياناً إحساس الألم والفراق، تماماً كفراق النور الذي تمنحه الشّمس لوجه الأرض كاملاً ليعمّ الظلام بعدها، لكنّه ظلام أكثر هدوءاً، وفيه القمر الجميل، والنجوم المُضيئة.
وكانت تلك الرحمة نجمة من تلك النجمات المضيئة ولكن لها بهاها وسحرها فاق جمال جميع النجوم.
لقد أسرت قلب ذاك المتبلد المكابر، لقد ضـ.ـربت بقوانين الكبرياء لديه بديناميت مشاعرها القوية وشخصيتها الشرسة وفجـ.ـرت بركان الجمود لديه فنطق الحجر أخيراً بعدما شعر بدقات قلبه العنيدة والتي من كثرتها جعلته سيتركه ويقفز بين يداها ويعترف هو بدلاً من أن ينطقها ذاك اللسان الأخرس المعاند.
فجلس على الكرسي الذي بجانبها بخطوات هادئة لم تشعر بها تلك الرحمة واستراح بجسده وسند رأسه على ذاك الكرسي وجلس مثلما هي جالسة مغمض العينين.
ثم خرجت الكلمات من لسانه أخيراً:
خلاص يارحمة جت لك لحد عِندك وقلبي مقادرش يستناني أتعافى من الماضي، جت لك علشان أقول لك اني بحبك ومش قادر خلاص سلمت لك ونجحتي تخلي قلب ماهر اللي اتفقل سنين يتفتح تاني بعشقك.
مازالت على نفس جلستها مغمضة العينان.
ظنت أنها في حلم جميييل، ظنت أن نطقه ليس حقيقي وأنها تاهت في ملكوت خيالها الواسع ملكوت ماهر الريان الذي أهلك قلب رحمة المهدي.
فذاك الرجل الأربعيني إلا سنوات قليلة أوقع قلب تلك الأميرة الصغيرة، فحقا من يرى رحمة يظنها أميرة في وجهها الأبيض وعيناها الواسعتين ذو اللون الأخضر وشفاها المرسومتين الصغيرتين، وشعرها المغطى بالحجاب ذو اللون الذهبي ويصل إلى منتصف ظهرها.
ثم تحدث لسانها ناطقاً دون تصديق:
حلم جميييل حلمت بيه كَتيير انك تاجي لحدي وتعترف بحبي، ودلوك سمعتها منك بقلبي وخايفة أفتح عيني ألاقيني بحلم ياماهر.
توجع قلبه لأجل تعبها ولكنه ليس بيداه فهو كان في محنة وابتلاء طالت لياليه وأيامه.
ثم أكمل مؤكدا لها:
لا يارحمة فتحي عيونك هتلاقيني جارك وجاي حداكي لجل ماعترف لك اني خلاص مقادرش على الصبر وانتي واخداني بشقاوتك ومكرك على الحامي ومش مدياني فرصة أتعافى من الماضي.
يعني بجد انت قاعد جاري دلوك واني لو فتحت عيوني هشوف شفايفك وهي بتنطقها ومش هطلع بحلم.
فتح عيناها روايدا روايدا ونظرت جانبها وجدته يجلس مسترخيا نفس جلستها.
فوجهت أنظارها إليه مكملة بوله وهي تستغل سحر اللحظة وأحضرت شخصية رحمة العاشقة الآن وتركت الماكرة فليس ذاك وقتها ولا مكانها وطلبت منه:
طب افتح عيونك وقولها لي وانت باصص جوة عيوني ياماهر علشان قلبي يصدق.
تنهد بأنفاس طويلة ثم فتح عيناه ونظر جانباً تجاهها وعيناه سكنت عيناها وتحدث بصوت أجش:
يعني مش حساها دلوك يارحمة ولازمن أنطُقها تاني؟
بعينيها المثبتة داخل عيناه هتفت برجاء لقلبه:
ما اني حساها من زمان ياماهر بس حقي دلوك اسمعها مرة واتنين وعشرة، حقي اشوف شفايفك وهي بتنطُق بحبك يارحمة، وهي بتعترف بعشق رحمة، متحرمنيش منيها اللحظة داي يا معـ.ـذب قلبي معاك.
ومن فينا متعـ.ـذبش ومتوجعش بس غصب عني اتأخرت عليكي فيها، كنت مستني أجي حدك واني متعافي تماما.
اتعافى بيا ومعاي ياماهر وصدقني مهتلقيش في حبك ليا غربة هتلاقيني وطنك كله بجنوده اللي هتحاوطك وقت تعبك ووقت تيهتك.
مكنتش عايز أتعبك معاي ولا أشيلك حمل همي التَقيل بس إنتي طلعتي جسم صغير لكن عقل كبير يوزن بلاد بحالها، طلعتي قدها وقدود وأثبت لي إن القوة الحقيقية هي حد وجود حد بيحبنا بجد من كل قلبه جنبنا.
ياه ياماهر أخيراً عرفت إن الفرار من الحب أكبر دمـ.ـار للقلب، تعبت قلبي معاك يابن الريان.
معلش حقك علي ياحبيبي ومن النهاردة هتشوفي ماهر تاني خالص.
الله كلمة حبيبي نزلت على قلبي غسلته ورطبته وخلته انتعش وفتح أبوابه للدنيا من جَديد.
طب ايه بقي آجي للحاج سلطان وأطلبك منيه خلاص مقدرش أصبر اكتر من اكده؟
حركت رأسها برفض قاطع أذهله ثم قالت بتصميم:
لا يا ماهر، لما تقولها وانت باصص جوة عيوني ساعتها هقول لك هات المأءون مش بس تعالى للحج سلطان.
تنهد بتعب من تلك المشاغبة الصغيرة ثم اعترف بها بعشق وهو يستجمع شتاته المتفرق من نظرة عيناي تلك المشاغبة:
بحبك.
كانت كلمة واحدة نطقها من فاهه ولكنها بمثابة معجم بأكمله، كانت أعذوبة وترنيمتها عزفت على أوتار قلبها، كانت كلمة ولكن بألف كلمة تحي قلوباً تمنت سماعها كثيراً، كانت كلمة صدى سمعها في أذنها جعل عيناها التمعت بدمع الفرحة.
وأخيراً قالها ماهر، قال لها أحبك رحمتي، قالها وذاك القلب لم ينفض عن دقاته بعد، قالها وتعلق القلب والعقل والجسد والكل.
ثم نظرت له بعمق ونطقت شفاها بتمرد جعله يبتسم ويفتخر بها في نفس ذاك الوقت:
اني بقي مهقولهاش دلوك ياماهر، مهقولهاش إلا لما أبقى في بيتك حلالك ووقتها ساعتها هتحس بلذتها علشان دي هيوبقى وقتها.
وأكملت بابتسامة زينت وجهها الجميل وهي تبسط يداها أمامه:
اهلا بيك في حياة رحمة المهدي، هاخد لك معاد مع بابا وهخلي عمران اخوي يبلغك بيه.
***
في المشفى حيث تجلس سكون وصديقتها فريدة.
جلستهم المعتادة وبيدهم قهوتهم التي اعتادوا عليها ذاك الطقس اليومي الذي لم ينفكوا عنه أبدا.
فسألتها فريدة:
بردك متقوليش ليه كنتي الأسبوع اللي فات ادخل عليكي المكتب ألاقيكي بتبكي ومفلوقة من العياط ياسكون، هو أني مش صاحبتك وطول عمري شايلة سرك وكاتمة أسرارك؟
ارتشفت سكون قهوتها وما إن استمعت إلى سؤالها حتى نطقت وهي تمط شفاها بضيق:
يادي السؤال اللي دوشتيني بيه يافريدة، قلت لك ميت مرة يا أم مخ تَخين إنتي زعلانة على فراق مكة أختي.
نفخت فريدة بغيظ منها وأردفت باستنكار:
مختومة على قفاي أني علشان أصدق الهبل اللي هتقوليه دي عاد.
نظرت لها سكون بزهق منها وبأمر لايقبل النقاش:
ممكن منتكلَمش في الموضوع دي يافريدة، يمكن ياستي حاجة خاصة حوصلت بيني وبين جوزي ومحباش أتكلَم فيها ولا أتحدت في خصوصياتنا حتى مع امي اللي خلفَتني.
وأكملت سكون وهي تذكرها بما اتفقا عليه فهي لم تريد أن تفشي سر البيت التي تعيش أوسطهم وحتى أنها لم تحكي لوالدتها عما حدث حتى لا تعبئ النفوس حقدا من بعضها:
هتاجي وياي عند خالتي أم أيمن ولا هتهمليني أروح لوحدي عاد؟
لكزتها فريدة بغيظ في كتفها ثم قالت بتوعد:
ماشي ياسكون هياجيكي يوم ومش هرضي فضولك اللي أني اكتر واحدة حفظاه، ثم حملت حقيبتها وأكملت آمرة إياها:
يالا هروح وياكي اني كماني اتوحشتها قووي من ساعة مارحنا نعزمها على فرحك آخر مرة واني مشفتهاش، بس تعالي ندخِل الكوبيات داي المكتب ونمشي.
ابتسمت لها سكون وفعلت ما أملته عليها وبعد دقائق قليلة خرجتا من المشفى وركبتا سيارة فريدة.
ثم أرسلت سكون رسالة إلى عمران تخبره بأنها تحركت هي وفريدة الي تلك السيدة فهي قد استئذنت منه في الذهاب إليها ليلة أمس.
وصلتا الى منزل أم أيمن التي رأتهم من بعيد وهي تجلس مع جارتها المقربة إليها أمام منزلها.
فرحت بشدة عندما رأتهم وتقدمت عليهن بابتسامة فرحة للغاية.
واحتضنت كلتاهما بسعادة ثم أدخلتهم منزلها المرتب النظيف ورحبت بهن كثيراً وقدمت لهن واجب الضيافة.
وبعد انتهاء السلام والاطمئنان على حالهن نظرت إلى سكون وتحدثت:
بالك ياداكتورة سكون كنتي على بالي من يومين اكده ساعة المغربية ومش عارفة ليه قلبي كان واكلني عليكي، قمت بعد ماصليت المغرب قعدت كتير أدعي لك يابتي ربنا يحميكي ويراضيكي ويرضي عنيكي ويبَعد عنك الأذى والمؤذيين علشان انتي بت حلال وأصيلة والعيبة متطلعش منيكي واصل، طمنيني عنك يابتي؟
تذكرت رحمة منذ يومان وفي ذاك التوقيت التي ذكرته بالذات كانت بالفعل تشعر بالضيق وحينها جلست هي وعمران جلسة الذكر التي آراحتها ويبدو أن أحدهم كان يدعو لها في ذاك التوقيت مما أراح الله صدرها عندئذ ولم تكن إلا تلك السيدة البشوشة.
ثم أخبرتها:
والله ياخالة في الوقت داي بالذات كنت مضايقة قووي وحاسة ان الدنيا كانت في عيني قد خرم الإبرة لكن يظهر إن دعاوكي الطيبة ليا استجاب لها ربنا وريح قلبي، ربنا ما يحرمني من دعواتك ولا قلبك الطيب.
هنا تحدثت فريدة وهي تصطنع الحزن:
وأني ياخالة أم أيمن مليش نصيب في دعواتك داي ولا هي سكون بس، إنتي اصلا بتحبيها اكتر مني مع اني بجيكي زييها بالظبط بس هقول ايه بقي المحبة مبتتشحتش عاد.
ابتسمت تلك المسنة لها ثم ربتت على ظهرها بحنو وطيبت خاطرها:
له يابتي كيف دي عاد! الله الوكيل بدعي لك انتي كماني هو أني عندي أغلي منيكم.
واسترسلت بنبرة حزينة جعلتهم ضاقوا لأجلها:
انتو بتسألوا علي اكتر من مرت ولدي اللي مهتعبرنيش خالص، بس يالا أهي ديون وهتترد وكل واحد منينا هينوبه جزاته إذا كان طيب ولا شين.
قامتا كلتاهن وأخذاها بين أحضانهن وهم يهدهدوها بحنان ورددت فريدة:
خلاص بقي متنكديش على روحك وسيبك من بوز الاخص داي، والله ماتعرِف قيمتك اللي ياجي ويحط عليها البعيدة، وبعدين ماحنا بنجيلك اني وسكون كل اسبوع هو إحنا ممكفينش واصل.
تشبست بأحضانهم كالطفل الصغير الذي يخشى فراق أمه وهدات من حزنها وجلسوا يتسامرون بمحبة، فكل اسبوع تأتيان لزيارتها والاطمئنان عليها كي تدخلان السرور إلى قلبها، فمبدا الصديقتان من سار بين الناس جابرا للخواطر أدركه الله في جوف المخاطر وقد حدث بالفعل فقد نالت سكون من دعوات تلك المسنة واستجاب لها رب السماء وكأن أبوابه كانت مفتوحة في ذاك الوقت وكأنها ساعة استجابة.
وبعد أن انتهت جلستهم ودعاها وعادا إلى المشفى وظلت هي تدعوا لهم من قلبها دعوات صادقة.
***
في منزل سلطان ليلاً وبالتحديد في شقة عمران كانت رحمة جالسة معهم.
وبعد حديث طويل دار بينهم أخبرت رحمة عمران بطلب ماهر وطلبت منه أن يأخذ موعد له مع أبيها.
فوعدها وقلبه سعيد لأجلها:
والله فرحت لك من قلبي يابت أبوي ربنا يكمل لك على خير يارب، هتكلم ويا الحج سلطان وهاخد لك معاد منيه هو أني عندي أغلي منيكي.
كانت سكون في ذاك الوقت تشعر بالحزن الشديد داخلها.
فنتيجة التحاليل التي أجرتها لنفسها منذ أسبوعاً ظهرت ووجدت فيها ما جعلها تنهار كليا.
ولكنها دارت حزنها ببراعة أمامهم.
ثم لاحظ شرودها كلتاهما فسألتها رحمة:
مالك ياسكون سرحانة في ايه عاد ومقلتليش مبروك يعني ومش داخلة معانا في الحوار.
تحمحمت سكون بتوتر ثم رسمت البسمة بصعوبة على وجهها وباركت لها:
ألف مبروك ياحبيبتي ربنا يجعله عريس الهنا والسعادة يارب.
وأثناء حديثهما استمعت رحمة الي رسالة أتتها عبر الهاتف.
وإذا بها والدتها تطلب منها أن تأتيها فوراً إلى غرفتها.
فأستأذنتهم وتركتهم ونزلت اليها.
دلفت رحمة إلى والدتها وسألتها بقلق:
مالك يا ماما في حاجة ولا ايه؟
جذبتها زينب من يدها ثم تحدثت بمقدمة لحديثها فهي لاتعرف من اين تبدأ حديثها كي تطلب منها ماتريد:
تعالى بس اقعدي جاري اهنه ومتوغوشيش أني زينة الحمد لله.
اندهشت رحمة من والدتها ثم جلست قائلة:
اديني قعدت اهه، ها مالك يازينب انطقي؟
توترت زينب قليلا ولكن استدعت الشجاعة وطلبت منها:
اممم.. شوفي بقي يابت يارحمة ياقمرة إنتِ اني عايزة اكده أغير من طريقة لبسي، عايزاكي تجبي لي هدوم جديدة بيتي وخروج، عايزة كمان أظبط وشي اكده وتعلميني احط السخام دي اللي اسمه ميكب، وكماني عايزة روايح حلوة اكده من الغالية اللي تفوح في البيت كلياته.
ثم نظرت إليها وأكملت وعيناها تلتمعان بلمعة المكر والدهاء:
اني عايزة أحس أني ست جديدة اللي يشوفني ميعرفنيش، ويفتكروني عيلة صغيرة اني عايزة ألعلط اكده يابت.
ضحكت رحمة ضحكات عالية متتالية على والدتها وما حكته الآن.
فلكزتها زينب على فخذها بقوة آلامتها وجعلتها توجعت:
بتضحكي علي يابت إنتِ، تصدقي بالله اني غلطانة إني جيت لك انتي يابوز الاخص، اني هروح لمرت ولدي البت الرقيقة داي وهطلب منيها ومعايزاش منك حاجة، أهي هتوبقى أحن علي منك ياأم نضارة قعر كوباية إنتِ يابتاعت المحاكم.
هدأت من ضحكاتها ثم قالت من بينهن:
حقك علي ياست الكل، اهدي بس اكده.
وأكملت وهي تغمز لها بشقاوة:
هو القمر الشوق رماه لأبو السلاطين وهيشحن نظام شوق ولا تدوق ولا ايه.
زاغت نظرات عينيها بحرج من تلك الابنة الماكرة وقالت بتوتر:
امممم… له يابت دماغك متروحش لبعيد اني خلاص زهدت الرجالة بوكي كرهني فيه وفي صنف الرجالة كلياتهم، كل الحكاية إني هملت في نفسي كَتييير وعايزة اهتم بيها شوي، ها هتساعديني ولا اشوف غيرك.
رفعت حاجبيها بمكر وأردفت بتأكيد:
هو دي سؤال ياحاجة دي اني بتك رحمة الوحيدة اللي هتخليكي تنوري في الضلمة.
وأكملت بوجه مبتسم ببلهاء:
أصلك متعرفيش اني أحب أمور الكيد قووووي وخاصة بتاعت الست للراجل.
ثم سألتها بنفس البلهاء:
إلا قولي لي يازوبة هو أني طلعة كيادة لمين بالظبط؟
لكزتها زينب مرة أخرى على كتفها وهدرت بها:
أه ياللي تنشكي يابت بطني، تقصدي ايه بكلامك دي يابت إنتِ؟
أجابتها بغمزة:
اصل من يومين اكده لما كنا قاعدين شفت الحاج وهو داخل عنديكي وبيتسحب بس على مين دي أني رحوم، وسألت حالي وقتها هو جاي حداكي وحديه ولا الهوى رماه.
وأكملت بضحكة ساخرة مجيبة حالها:
اني دلوك عرفت الإجابة، إن هوا زينب رماه ولما لقيته خارج الشر هيطق من عنيه عرفت ان الهوا لطشه جامد وادي له لسعة برد محترمة.
قامت زينب من مكانها وأمسكت نعلها وصوبته في وجه تلك المشاغبة.
ثم هدرت بها:
أنتِ يابت إنتِ دماغك داي ايه هو مفيش حد اهنه بيفلت من تحت عنيكي! جايبة الجمدان دي كله منين يابت بطني.
الله يازوبة هما مش بيقولوا بردك اقلب القدرة على فمها تطلع البت لأمها يعني مهجبهوش من برة أني.
الله يكون في عونه اللي هياخدك يابتي حكم انتِ قوية ومفترية وربنا مايحكمك على ظالم، امشي يابت من قدامي دلوك معايزاش أشوف خلقتك داي تاني ياجزمة أنتِ، غوري تك شكة في معاميعك.
أما في شقة عمران نظر إلي سكون متسائلاً بنبرة قلقة:
مالك ياسكون فيكي ايه، إنتي بقى لك اسبوع من قبل فرح أختك وحالتك صعبة ومتغيرة اكده؟
تهربت سكون من عيناه ثم اصطنعت الهدوء وأجابته وهي تقوم من أمامه:
له مفيش حاجة ياعمران متهيألك أني زينة الحمد لله.
قالت كلماتها بتهرب وتحركت من أمامه فأمسكها من يدها متسائلا إياها:
على فين رايحه اكده وفايتاني؟
أجابته وهي تنظر بعيدا عن مرمى عيناه حتى لايلمح لمعتهم بالدمع:
هدخل الحمام وهرجع لك طوالي.
ثم تركته ودخلت إلى الحمام وأغلقت الباب خلفها.
ثم أخرجت الهاتف من جيبها وأرسلت رسالة إلى صديقتها فريدة وهي منهارة:
الحقيني يافريدة نتيجة التحاليل طلعت واني مهخلفش عمري، ولا هكون أم ابدا.
أرسلت إليها فريدة رسالة تهدئها:
اهدي ياسكون دي انتي داكتورة نسا ومفيش حاجة بعيدة على ربنا وعارفة كويس إن ربنا خلق الدوا لكل مرة ومش علشان أجهضتي الجنين مرة هتفضلي اكده.
امتلئت عيناها بالدموع ثم أجابتها:
بس مش في حالتي داي يافريدة أني الرحم بتاعي بطانته طلعت ضعيفة وعندي ورم ليفي بيسبب تشوهات للجنين وبيخليه ينزل في أسابيعه الأولى، ومن الواضح اني حملت من ليلة دخلتي ويدوب كمل شهر واضطريت أنزله لما عملت السونار وعرفت إنه مشوه وكل دي وعمران ميعرِفش حاجة.
وأكملت كتابة رسائلها وعيناها انتفخت من شدة الدموع:
عمران كل يوم يقول لي نفسي أبقى أب وكل يوم أمه وأبوه يتمنوا حفيد لابنهم الوحيد وبيقولوهالي في وشي وأني طريق علاجي طويل ويمكن ياخد سنين ويمكن أتعالج ويمكن لا.
هدأتها فريدة مرسلة لها:
اهدي ياسكون ومتفكريش في أي حاجة دلوك وسيبي ربك يدبر لك الأمور هو أحسن مننا كلياتنا.
تنهدت بوجع عميق تأجج في جسدها وهي على مشارف فقدان عمرانها والأدهى انه سيكن بيدها هي لابيد غيرها، فهي لن تظلمه معها ولن تحرمه من احساس الأبوة.
أما في الخارج شعر عمران بالقلق عليها فهي تأخرت في الحمام كثيراً.
طرق الباب مرة عليها ثم ردد وهو يحاول فتحه:
سكون إنتِ بقى لك كَتييير في الحمام فيكِ حاجة ياحبيبي؟
مسحت دموعها على الفور ثم أجابته بصوت ادعت فيه نبرة الهدوء:
له ياعمران اني زينة بس حسيت بخنقة قلت هاخد شاور، متقلقش علي.
شعر بالحزن في نبرة صوتها ولكن هي حاولت كتمانه فطلب منها:
طب قافلة على حالك ليه ياقلب عمران، طب افتحي الباب خليني أطمن عليكِ.
اصطنعت الضحك بداخل الحمام وحاولت استدعاء الثبات النفسي ثم أجابته بنبرة دعابية مصطنعة كي تجعله يرحل عنها:
هههههه هبلة اني علشان أفتح لك الباب ونعمل ليلة النهاردة، انسى ياحبيبي أني عِندي شغل الصبح بدري وكمان نبطشية يعني لو فضلت واقف اكده للصبح مفتحاش.
كانت في ذاك الوقت فاتحة صنبور المياه وبالفعل قررت أن تأخذ شاورا يريح جسدها المشـ.ـتعل من نيـ.ـرانه.
أما هو ضحك على مشاغبتها بنفس الدعابة:
بقى اكده بترفصي النعمة ياسكون، وبتتدلعي على عمرانك؟ طب لعلمك بقى آني قاعد مستنيكي أهه علشان اشوف هربانك مني دي هيخلص ميتي ويانا يانتي الليلة.
وبالفعل جلس على التخت وفتح شاشة التلفاز يلهي حاله بها وانتظر خروجها من الحمام.
أما هي علمت من صوت التلفاز أنه مازال بالخارج مستيقظاً في انتظارها.
فأنهت الشاور وارتدت ذاك الرداء الخاص بحمامها ووضعت تلك الفوطة على شعرها كي تجففه ثم خرجت إليه.
ما إن رأي خروجها حتى انتفض من على التخت ووقف أمامها وسحبها من إحدى يديها برفق قائلاً وهو يغمز لها بطريقة أذابتها:
نعيما ياحبيبي، ايه الحلاوة والجمال والريحة الحلوة داي هتجنني عمران والله بشقاوتك داي ياسكوني.
اصطنعت الثبات فربما تكن آخر ليلة اليوم تقضيها في حضن عمرانها فهي فكرت كثيرا ولن تجعله ينتظر أعواماً بجانبها واحتمال الشفاء منعدم ولن تحرمه أن يكون أباً.
ثم ابتسمت له بحب عندما رأت الرغبة في عينيه:
طب بالراحة على سكونك متاخدهاش على الحامي اكده مش كدك هي ياعمران ولا كد حروبك داي.
اقترب منها أكثر وجذبها إلي أحضانه حتى ارتطمت بعظام صدره ثم همس لها بنبرة مبحوحة رجولية:
والله عمران اللي مش كد دلالك ولا جمالك اللي بيحطفه يابت قلبي، شكل مايكون ربنا وضع الحلا والجمال فيكِ انتِ بس ياحبيبي.
شعرت بأنه دخل الآن عالم السكون وعمران، عالم الروح التى تنجذب لخليلها باشتهاء ورغبة.
فدفعته برقة في صدره وهي تردد بدلال:
طب اصبر بس هسرح شعري وأغير هدومي وبعدين نتكلَم.
ثبت يداه على صدرها ثم شاغبها مرددا برغبة اغتالت أوصاله الآن في حضرتها:
لاااا ممنوش فايدة الكلام دي، تعالى عايزك في حوار تاني وبعدين اعملي مابدالك.
أنهى كلمته وجذبها إلى عالمه برفق وعشق رجل لامرأته وذابت هي بين يداه ودخلت عالم العمران ونسيت كل شئ فلربما تكن أخر ليلة ستقضيها بين أحضان عمران فلتستغلها وتنسى روحها بين يداه.
أما هو كان يشعر بأنها اليوم تائهة معه في عالمه ورغبتها به غلبت كل الأيام والليالي، وشوقها فاق الحدود فجعلته ثائراً بها مطالباً للمزيد فهو رجلاً عاشق لتلك المرأة عشقا فاق الحدود وتخطى مراحل الجنون الآن.
رواية من نبض الوجع عشت غرامي الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم فاطيما يوسف
ذهبت سكون إلى المشفى وهي ترتدي نظارتها الشمسية كي تداري عيناها اللامعتين ما إن الدموع عن الجميع.
ما إن خرجت من المنزل وصعدت سيارتها حتى أدمعت عيناها وانقلبت الدموع لبكاء شديد من ماحدث لها من ليلة وضحاها. ولكن هي الحياة لها نكبات وابتلاءات شديدة على بني البشر، ولكن قوة تحمل تلك السكون في ذاك البلاء هش، ضعيف.
فهي ستخسر فيه عمرانها، فلن تصبح أنانية وتحرمه من أن يكون أبًا وهو يحلم بذلك، خاصة أن عمره تخطى الثلاثين بأربع سنوات وسلطان وزينب متعجلين هما الآخرين لعوض عمران.
دلفت غرفة مكتبها، رأتها صديقتها فريدة فدلفت إليها على الفور ورأت حالتها، ثم اختطفتها بين أحضانها بحنان. ولم يزدها ذلك إلا أنها بكت أكثر من ذي قبل، وفريدة بكت هي الأخرى.
وبعد وقت يبكون في أحضان بعضهم، أخرجتها فريدة من أحضانها ثم احتضنت وجنتها وهتفت لها:
_ متبكيش ياسكون، متبكيش ياحبيبتي. ربك هو الحلال، ومتقدريش البلا قبل وقوعه. اصبري بس لما نروح للداكتورة ابتهال وهي هتفهمنا أكتر، يمكن فيه جديد. إحنا آه دكاترة نسا، لكن لسه في البداية وهي ليها وجهة نظر تانية وحلول كتييير.
ازدادت سكون في البكاء أكثر ثم تحدثت بتقطع:
_ بـ.ـعـ.ـت لها وقالت لي إن الحالة عايزة علاج كتييير وعايزة صبر وكله بإيد ربنا، ومقلتلهاش إن دي تحاليلي.
ثم نظرت إلى الأعلى وكأنها تستنجد برب السماء:
_ يارب ارزقني العون والهدوء يارب. مش عارفة أجيب لعمران سيرة الطلاق إزاي، ولا هيوبقى ظروفه ايه ساعتها، أني خايفة عليه قوووي، خايفة عليه من ساعة ماعرفت.
سألتها فريدة:
_ إنتي عرفتي كيف بحالتك داي ونزلتي الجنين ميتى؟
أجابتها وهي تتذكر ذاك اليوم المشئوم قبل زواج مكة بأربعة أيام:
# فلاش_باك
في ذاك اليوم استيقظت سكون من نومها وذهبت إلى عملها باكرا وهي تشعر بالدوار بطريقة رهيبة. وكما أن الدورة الشهرية تأخرت عنها، فقررت أن تجري سونار لنفسها كي تتأكد مما تشعر به. وبالفعل وجدت أنها حامل ومدة حملها ثمانية وعشرين يوماً.
ثم بدأت بفحص نفسها جيداً والسعادة لامعة في عينيها، فاليوم ستحتضن عمران وتخبره بحملها. فهي بالتقريب حملت في ليلة دخلتها على عمران. ثم لاحظت وجود موجات فوق صوتية في السونار فشعرت بالخطر، ولكن قدرت عدم وجود البلاء.
وفي نفس اليوم أجرت جميع التحاليل الخاصة بالحمل وقررت أن لاتخبر عمران حتى ينزاح الشك التي تشعر به. ولم يمر ثلاثة أيام حتى استيقظت وشعرت بسيلان شئ ما ودلفت إلى الحمام وجدت تلك الدماء المملوءة في سروالها مما جعلها تكتم شهقاتها مما رأته.
فقد مات جنينها في شهره الأول، وظلت تنزف ذاك اليوم بغزارة دون أن تعلم أحداً مابها، ثم قررت أن تجرى فحصا كاملاً لها واكتشفت بأن عندها مرض في رحمها يجعلها تفقد جنينها في شهوره الأولى.
# عودة_من_الباك
وأكملت حديثها مع فريدة:
_ في اليوم اللي نزل فيه الجنين قلت له اني هبيت عندنا علشان خاطر فرح مكة واكون جارها ومهملهاش لحالها علشان كنت بنزف كَتير في اليوم دي. نتيجه الأشعة والتحاليل ظهرت والمفروض اني اخد حبوب منع الحمل لحد ما ابدأ اعالج نفسي واشوف اذا كنت هفضل اكده ولا ربنا رايد لي اني مخلفش.
اقترحت عليها فريدة:
_ طب ما تحكي لعمران حالتك بالظبط والمفروض ان هو هيقف جنبك ومهيسيبكيش.
تنهدت بحسرة وألم نفسي انتابها فور تذكرها أمر عمران:
_ عايزاني اروح اقول له اني كنت حامل والجنين نزل. عايزاني اروح اقول له اتحمل معايا سنين لحد اما يبقى عندك 40 سنه وما خلفتش واذا كان هو هيتحملني امه وابوه هيتحملوني كيف؟
وأكملت وهي تدمع بقهر:
_ عايزاني اروح اقول له اني هاخد حبوب منع الحمل عقبال ما اعالج نفسي، اني اكده هبقى أنانية.
شجعتها فريدة على رأيها:
_ وفيها ايه يعني لما يستناكي كل شيء بامر الله. ما انتِ استنتيه سنين علشان ياجي يخطبك وكنت بترفضي اي فرصة تاجي لك.
حركت سكون رأسها برفض وعللت موقفها:
_ اني اللي استنيته مش هو. هو مكانش عارف بحبي ليه، وأول ما ربنا قدر النصيب متهاونش وفي شهور كنت مرته حلاله وفي بيته.
نفخت فريدة بضيق من عنادها ثم سألتها:
_ أمال هتعملي ايه ياسكون، طب متتكلميش خالص واعملي نفسك معرفاش حاجة وعالجي نفسك في صمت من غير مايعرِف لعل وعسى ربنا يعجل شفاكي، متسبقيش الاحداث.
سألتها بتيهة:
_ واكده هبقى مش بغشه يافريدة وبخبي عنيه حاجات من حقه يعرِفها.
واسترسلت وهي تتأكد من حالها:
_ أني عارفاني ولا هعرف أداري حزني وهمي وهيكشفني طوالي ولو عرف مستحيل يهملني وأني مهرضلوش إنه يتعذب وياي ولا هرضى له الحرمان من الأبوة المدة الطويلة اللي اني معرفاش كد ايه، ومعرفاش إذا كنت هخف ولا له واصل.
ربتت فريدة على ظهرها وطمئنتها:
_ متتعجليش البلا قبل وقوعه واتفائلي بالخير ياحبيبتي، واعرفي إن ربنا مهيضركيش أبدا. اصبري بس على حالك واسمعي كلامي.
تنهدت سكون بتعب من حالتها ثم قررت أن تسمع كلام صديقتها وتترك أمرها بيد الله يدبره كيفما يشاء.
*********************
اما في المالديف عند العروسين مر عدة أيام على زواجهما ونوعاً ما الأوضاع بينهم مستقرة. فآدم يحاول أن يحفظ طباعها ويدرس شخصيتها وهي الأخرى تحفظ طباعه وكأنهم في فترة خطوبة. يتشاركان في جميع أمور المنزل فهما رافضين أن يقتحم حياتهم أي شخص ونوعاً ما الأمور تسير بينهم على مايرام.
كان آدم جالسا يمسك هاتفه يتصفحه ويتابع التعليقات التي جائته على صورته بعرسه. ووجد تعليق إحداهن تكتب فيه بحرقة:
” ليه اتجوزت ياحبيبي، كنت فتى أحلامي، وكمان من واحدة منقبة ومعقدة. انت حبيبي أنا مش هي ومسيرنا هنتقابل قريب أووي وأنا واثقة إنك لما تعرفني هتحبني وهتسيبك منها المعقدة دي. انت تليق لك واحدة برينسس تمشي جمبك كدة مش دي خالص”
حقا استفزه ذاك التعليق. فهو من عادته لايرد على التعليقات وصفحته يتابعها الأدمن المسؤول عنها. ثم فتح صفحتها فضولا منه كي يرى من تكون تلك الجريئة التي كتبت ذاك التعليق على العام ولم تخشى هجوم المتابعين عليها وسخريتهم منها.
أتت صورتها أمامه وهي تجلس في وضع غير مريح بجسدها المثير العاري بعض الشئ، فالملابس التي كانت ترتديها تكشف أكثر مما تفضح. وأثناء تفحصه للصورة من باب الفضول وهو مندمج في معرفة تلك الجريئة كي يرسل صفحتها إلى راشد ويتولى حظرها وحذف التعليق.
ومن حظه السئ رأته مكة وهو مثبت الهاتف على صورتها. وفجأة خطفت منه الهاتف بحدة وهي غير مصدقة انه يفعل هكذا مما جعله ينصدم من فعلتها. ثم وجهت الهاتف أمام وجهه وهي تردد باستنكار:
_ ايه القرف اللي انت بتبص عليها داي، هو انت طلعت منيهم اللي بيعملوا اكده؟
حاول جذب الهاتف منها ولكنها امتنعت على أن تعطيه له. ثم أكملت استنكارها:
_ شكلي اكده هبدأ أولى صدماتي فيك واللي كنت خايفة منه هكتشفه واحدة واحدة.
علل موقفه قائلاً بتبرير:
_ يابنتي إنتي فاهمة الموضوع غلط والله العظيم. هو انا معقولة أعمل كدة أو أوصل للمرحلة اللي أجيب صورة واحدة وأتأمل فيها ليه يعني؟
بنفس ضيقها ولكن لم يعلو صوتها وبنبرة أكثر استياءً:
_ إنت هتجننَّي أمال اللي شفتَه بعيني دلوك هتسميه ايه! تعالى نبدل الأدوار اكده لو دخلت علي لقتني جايبة صورة راجل وبتأمَل فيه شوف رد فعلك وقتها هيوبقى عامل كيف؟
رفض عقله سؤالها ولم يستوعبه وأجابها:
_ ده مستحيل يحصل منك. هو أنا متجوز أي واحدة وخلاص، انا قلبي اختار اللي واثق ومتأكد إنها هتصوني وهتحافظ على اسمي وشرفي وخاصة إني أنا شخصية معروفة فكان لازم أتأنى في اختياري.
تجمعت شياطين الغضب أمام عينيها من رده على نصف سؤالها والآخر تركه. وباتت الغيرة تضرب بجسدها وتملؤه نيرانا ثم هدرت به:
_ يعني اختارت نص كلامي وجاوبت عليه والنص تاني له! أااه مانت بقى هتلاقيك بتبررها لنفسك وتقول ماني محروم ومرتي عصياني وهي نايمة دلوك أعمل اللي على كيفي ومزاجي.
اتسعت مقلتيه بذهول من عقلها وطريقة تفكيرها. ثم اقترب منها وحاول تهدئتها وهو يلمس كتفها بحنان:
_ يابنتي اهدي ومتخليش الشيطان يوسوس في دماغك ويصور لك حاجات مش موجودة من الاساس. اهدي ياحبيبتي.
وكأنه بكلامه وفعلته تلك يسكب عليها مادة شديدة الاشتعال فتحترق أكثر. ثم دفعت يداه بحدة من على كتفها مكملة نهرها:
_ هو انت شايفني مجنونة عاد قدامك وبشد في شعري ولا ايه. رد علي دلوك جايب صورة واحدة عريانة وبتتفرج عليها وتتأمَلها ليه ياآدم انت متعرِفش إن دي ذنب كَبير وإن دي من باب التحرش بردك؟
فتح فاهه على وسعه مما قالته ووصل إليه عقلها. ثم تحدث باستنكار:
_ إنتِ اللي شكلك اتجننتي رسمي. هي دي أشكال أبص لها أصلاً! وبعدين دول كانوا بيترموا تحت رجلي وعمري ماعبرتهم قوم بقى أجيب صورهم وأبص عليها! يامكة حكمي عقلك شوية ومتبقيش متسرعة.
ثارت أكثر من ذي قبل وانفعلت عليه ولكزته في كتفه فقد شعرت بالغيرة من مجرد صورة في يداه:
_ آه لف ودور علي وابلفني بكلمتين وهتقول علي هبلة وعيلة وملهاش تجارب وهضحك على عقلها بكلمتين.
وأكملت وهي تلكزه على صدره:
_ طلقني دلوك اني لا يمكن أكمَل معاك وترجعني مصر حالا وخليك اهنه مع الصورة وصاحبة الصورة ياخاين.
أمسكها من كلتا يداها وهزها بقليل من العنف وهو يحذرها:
_ طلاق مين ياماما. هو أنا كنت اتجوزتك لسه أصلاً علشان أطلقك! بطلي بقى ظنونك السيئة دي وتفكيرك الغلط ياهانم ولا انتي مستنية أي حاجة تعلقي لي المشنقة علشانها.
ثم أكمل عندما رأى عاصفتها لم تهدأ بعد مكملا وهو يقربها منه ومازال متمسكاً بيدها:
_ مكنتش أعرف انك بتحبيني أوووي كدة وإن غيرتك عامية ومبتشوفيش في غيرتك وبتهبي كده من غير ماتفهمي الأسباب.
حاولت الإفلات من يده وهي تبتعد بعينيها بعيداً عن عيناه كي لايكشف ضعفها وهي تردد بتوتر:
_ غيرة ايه داي! وسع اكده متقربليش وملكش صالح بيا وانت خنتنتي في أول أسبوع جواز.
جذبها أكثر من خصرها وهمس برفق وهو يدللها كي يجعلها تهدأ:
_ طب يرضي ضميرك ياشيخة أكون متجوز القمر اللي قدامي ده وأبص لغيرها. طب حد يصدق اني أعمل كدة أصلا، دي متجيش فيكي ذرة، ده إنتي جنبها صاروخ نووي يدمـ.ـر أجدعها جيش هقوم بقى أبص لدي.
لقد لعب على اوتار الأنثى بجرائة وغاص في أعماق مشاعرها وأصبح يسبح في عالم تفتيت خوفها منه بمهارة. فأكملت وهي تحاول الإفلات منه:
_ أه وعرفت منين إنها متجيش فيا ذرة علشان تعرِف انك كنت بتتأمل فيها وأديك اعترفت بلسانك ياغشاش.
راعى غيرتها بل وجعلت داخله يسعد بشدة. ثم برر موقفه وهما مازال جاذبها إلى أحضانه وما زالت عيناها تنظر أرضاً خجلاً:
_ دي كانت كاتبة تعليق وحش معجبنيش فدخلت أخد صفحتها اسكرين علشان أبعتها لراشد يتعامل معاها مش زي اللي في دماغك خالص ياحبيبي وانتِ حضرتي وأنا لسه هاخد اللقطة. شفتي بقى انك ظلمتيني.
استطاع أن يجعلها تهدأ من مجرد قربه منها ومن مجرد همسات ولمسات سحرها بها. لاتتعجلِ تلك المكة فأنتِ في أحضان رجل عاشق وأنتِ في عامك الأول من أبجديات العشق. تمهلِ فهو لن يستسلم وسيسحبك إلى عالمه دون أن تدري فتلك قوانين الغرام. ولكن فقط من مجرد نظرات داخلها ذاب وخارجها ارتاب وهو الآن أصبح على يدها صابراً نِعْمَ العبد أوَّاب.
حاولت الإفلات من يده ولكنه لم يجعلها تهرب وتشبس بها ولن يمرر الموقف مرور الكرام. ثم همست وهي تمرر لسانها على شفتيها وهي تشعر باقترابه منها وهي إلى الآن لم تستعد:
_ طب سيبني أدخل أجهز الفطار علشان جعانة.
بإحدى يداه رمى حجابها أرضاً وفك رباط شعرها وجعله ينسدل على ظهرها بحركة ساحرة وبنبرة متيمة طلب منها:
_ طب متلبسيش الحجاب تاني عايز أشوفك بشعرك ولا ده مش من حقي؟ وكمان سيبك بقي من الاسدالات اللي بتلبسيها دي أنا عريس ومن حقي أتدلع ولا ايه؟
تمتمت بخفوت وهي أوشكت على أن يغيب عقلها معه:
_ طب مش لما نتفق الأول وبعدين حكاية المطالب والحقوق داي نتكلَم فيها.
مازال مصمما على رأيه قائلاً:
_ وماله نتفق براحتنا احنا ورانا ايه، إحنا قاعدين هنا شهر بحاله علشان نبقى لوحدنا ونتكلم براحتنا ونتفق على كل حاجة وعلشان تريحيني بردوا.
_ أريحك كيف يعني؟
_ هي العروسة المتجوزة جديد بتريح جوزها إزاي؟
_ انت قليل الأدب على فكرة وراعى الألفاظ اللي بتقولها قدامي.
_ ايه يابنتي دماغك راحت شمال ليه، تريحيني يعني متتعبيش أعصابي وتفتكري فيا حاجات مش موجودة. شفتي بقى تاني مرة تظني وحش فيا النهاردة.
_ انت مكار كبير على فكرة وأنا مش قدك.
_ والله عارف انك مش قدي وصعبانة عليا كمان، جهدك ضعيف ومش هتقدري تتحملي.
اتسعت مقلتيها بذهول من كلامه ووبخته:
_ ايييييه الكلام دي، بلاش طريقة المتحرشين في الكلام داي.
_ وماله أقول اللي يعجبني هو إنتي مش مراتي وحلال أقول وأعمل وأبص على اللي يعجبني ولا ايه؟
_ طب سيب يدي اللي انت قافش فيها داي مههربش اني.
_ موكتي.
_ يووووه، نعم.
_ عيونك يجننوا من قريب كأنهم مدينة الواحد يسافر فيها بلاد وبلاد ويتوه في جمالهم.
ثم خلل أصابع يداه بين خصلات شعرها وأكمل:
_ وشعرك جماله عليكي زادك أضعاف. له حق ربنا يشرع الحجاب علشان الجواهر اللي زيك تتدارى من العيون الوحشة. الجواهر اللي زيك متنفعش تبقى متاحة للجميع، لازم تتقدر بالغالي أوووي.
كانت تائهة في كلامه، أول مرة اسمع ذاك الكلام، أول مرة تجرب تلك الأحاسيس الجميلة. والحق يقال ما أجمل تلك المشاعر إذا وُظِّفت في وقتها ولمن يستحقها.
عزيزتي حواء أنصحك بأن تغلقي على قلبك لفارس أحلامك في حلال الله كي تشعري بسحر اللحظات البدائية. لها رونق لن يُنسى طيلة العمر، لها تأثير في نفس صاحبها سيظل العقل والقلب يتذكرها ولن ينساها أبداً.
لاحظ احمرار وجهها وخجلها الزائد فجذبها من رأسها وقبلها قبلة توقير لها. فحقا هو سعيد بذاك التأني في علاقتهم، فصبره عليها باختياره فهو من السهل أن يسحبها لعالمه وهي مهما كانت تمتلك لسانا فقط تنهره به إلا أنها امرأة عاشقة وعلى أتم استعداد أن يجعلها تستسلم بين يداه ولكنه يريد اللقاء الأول بينهم أن يكون لقاء أسطوري، لقاء يطالب به جسدها قبله، لقاء زوجة تود زوجها بجانبها بل وتتشبس به حينئذ سيصبح لمدينتها جيش احتلال يسكن قلبها وعقلها وكل كيانها. فهو يريد أن يري الشوق في عينيها اليوم والأمس وغدا كي يدون ذكريات الأشواق منها داخل كيانه ككل.
*****************
مر عدة أيام أخر واليوم وبالتحديد في الساعة التاسعة مساءً تجلس رحمة في توتر بالغ. فماهر في مقابلة والدها وأخيها في الخارج وتجلس هي وسكون بداخل الغرفة وهي متوترة للغاية وتدور حول نفسها.
أمسكتها سكون من يدها وأجلستها قائلة:
_ يابنتي اهدي اكده خيلتيني معاكي. ايه عمالة تلفي وتدوري كيف النحلة حواليا. اقعدي هما خلاص هيقروا الفاتحة أهه.
دبت في الأرض بقدمها ثم سألتها بإلحاح:
_ بجد! طب عرفتي منين ياسكون، اتكلمي بسرعة؟
مطت سكون شفتيها بامتعاض من تلك المجنونة ثم أجابتها:
_ لااا ده إنتي ماهر واكل بعقلك حلاوة بالجامد. دي لو مكانش عميلها كان زمانك شبطتي فيه وقلتي عريس يابووي. عمران بعت لي رسالة ياستي.
وضعت رحمة يدها على صدرها تهدأ من ضربات قلبها ثم تحدثت بهيام:
_ يوووه يامرت أخوي بحبه يختيي بحبه. تقيل اكده وراسي وأني أحب النوع دي قوووي. جنن أمي بن الذين على ماعترف لي بحبه.
التمعت عيناي سكون فهي عاشقة مثلها وانتظرت حبيبها أعواماً. ثم تذكرت حالتها ونبضات قلبها ضربت داخلها بقهر. ثم خرجت الكلمات من بين أسنانها بضيق:
_ طب انتي كلهم كام شهر اللي استنيتي فيهم. طب أني استنيته سنين ويا ياجيني يا اما له. لو مكاني كنتي عميلتي ايه؟
اتسعت عيناي تلك الرحمة وأردفت بتمنع:
_ يختتتييي بعد الشر علي، له ياسكون معنديش صبر ولا طولة بال زييكي يختي. أني اللي أحبه لازم ياخد باله من حبي، لازم يهواني قوووي وياجي حدي ويعترف طوالي.
وأكملت وهي تتمتم بضيق:
_ بس بردو طلع تقيل وراسي اكده ومبيتكلمش كتير ودماغه مقفلة. بس على مين دي أني رحمة اللي هتنطق الحجر وإن ماجننته وخليته يتلفلف حوالين نفسه مبقاش أني.
ولم تنهى حديثها إلا واستمعت إلي دقات الباب ودلف عمران إليها واقترب منها بابتسامة ثم سحبها لأحضانه وقبلها من رأسها وهو يبارك لها:
_ مبروك يارحوم، ألف مليون مبروك ياحبيبتي. قرينا فتحتك وإن شاء الله كتب كتابك بعد اسبوعين والجواز بعد ستة من دلوك.
قامت سكون هي الأخرى واحتضنتها مرددة بفرحة:
_ مبروك ياحبيبتي، ربنا يجعله عريس الهنا والسعد عليكي يارب.
أما عمران غمز لسكون قائلاً:
_ وانت ياحبيبي عقبال فرح بنوتك المستقبلية اللي هتاجي الدنيا بإذن الله.
اصطبغ وجه سكون باللون الاحمر من شدة رعبها عندما ذكرها بالحمل. وتمتمت بخفوت فهمه عمران أنه خجل:
_ بإذن الله.
ثم دلفت إليهم حبيبة بوجه مبتسم وهي تفرد ذراعيها بسعادة كي تبارك لها:
_ حبيبة قلب أختها مبروك ياصغنن، مبروك ياحبيبتي.
شددت رحمة على احتضانها ثم لكزتها على ظهرها معاتبة إياها بعد أن ردت على مباركتها:
_ بقى اكده ياحبيبة تسبيني في يوم زي دي، مخصماكي ياوحشة.
اعتذرت لها حبيبة عن عدم تواجدها:
_ معلش ياحبيبتي حقك علي والله العيال مجنني التنيين ومخليني معرفاش اهتم بنفسي حتى ولا بعرف أسرح شعري، وسهر طول الليل ولبخة وعمران خوي قال لي متخرجيش بالعيال كتير ولا تاجي البيت اهنه كتييير علشان متخديش عين بعيالك وأني الحق يتقال معنديش جهد أروح وأجي بيهم.
رفعت رحمة شفتيها الأعلى ورددت باستنكار:
_ حسد وعين!
ثم تذكرت أمر وجد وأن عمران بالتأكيد خاف عليها وعلى الطفلين من تلك المؤذية فاخترع لها أسباب، ثم أكدت على رأيه الآن:
_ أه ياحبيبتي عنديه حق عمران يقول لك اكده. الناس عينيها وحشة فلقت الحجر.
ثم دلفت إليهم زينب وباركت لها هي الأخرى ثم أكملت:
_ ايه يابت العريس دي وقعتي عليه فين. بسم الله، الحارث ربنا الواد طول بعرض وحاجة كدة فخامة، مطلعتيش سهلة يابت بطني حتى في نقاوتك.
وضعت رحمة يدها على رأسها وهي تصطنع الدوار ثم قالت بنبرة تمثيلية:
_ أاااه الحقوني ياناس، دوخت من أولها، أمي بتحسدني عيني عينك، ياعيني عليكي يارحمة، أااه.
لكزتها زينب على كتفها ناهرة إياها:
_ هحسد مين ياللي تنشكي إنتِ، والله الجدع دي الله يكون في عونه وباين اكده أمه داعية عليه.
ثم جذبتها من يدها وسألتها بقلق:
_ بس يابتي بيقول إنه كان متجوز قبل اكده، وانتِ رضيتي عاد بأنك تتجوزي واحد كان متجوَز قبليكي؟
أجابها عمران بدلاً عنها لأنه يعرف جميع ظروف ماهر فرحمة قصت عليه كل شئ:
_ ماهو ياحاجة ملحقش داي اتجوز سنة واحدة بس ومرته ماتـ.ـت وهي بتولد وكمان بـ.ـتـ.ـه مـ.ـاتـ.ـت هي كمان، ربنا يرحمهم.
كان عمران يحكي لها بنبرة حزينة أثرت في زينب:
_ وه، وه، ياحبيبي دي الجدع اتحمَل اللي ميتحملهوش حد واصل.
ثم أكملت باستفسار أخر:
_ طب يابتي دي عنديه ٣٦ سنة وانتِ لسه صغيرة وفرق السن كَبير بيناتكم، موعياش ليه الحوار دي؟
أومأت رحمة برأسها بموافقة تؤكد لها معرفتها:
_ أها واخدة بالي ياحاجة ١٤ سنة مش كَتييير ولا حاجة، وبعدين هو مش مبين عليه السن ولا حاجة وشكلنا مناسبين لبعض.
اتسع ثغرها بابتسامة فخر لذاك الماهر:
_ هو الحق يتقال واد نقاوة خسارة فيكي ياجامدة الجامدين إنتِ.
اصطنعت رحمة الضيق ثم سألتها بنبرة صوت حزينة مصطنعة:
_ إلا قولي لي يازينب هو أني مش بتك ولا لاقياني على باب ملجأ وكسبتي فيا ثواب وربتيني ولا حاجة؟ أصلك مكـ.ـسرة مقاديفي علطول.
ابتسموا جميعا على نبرتها ثم مد عمران يداه لها بحب وهو يتعجلها:
_ طب يالا ياخيتي علشان الجدع ميحمضش من الانتظار برة واكده حرام عليكي.
اصطبغ وجهها باللون الأحمر من خجلها ثم تمتمت:
_ ايه دي هو أني هخرج بالساقع والحوارات اللي بتحصل داي! لاااا معملش أني اكده، هو مش قرى الفاتحة خليه يروح بقى وبعدين نشوف حوار التعرف دي لبعدين.
رفعت زينب شفتيها باستنكار ثم هدرت بها:
_ ياشتات الشتات منك يابت بطني من أولها هتمشي الجدع قفاه يقمر عيش.
ثم نظرت إلى عمران وسكون مكملة:
_ مش قلت لكم البت داي جامدة والراجل دي خسارة فيها.
ثم خلعت نعلها ووجهته في وجهها وأكملت بتهديد:
_ وعهد الله إن ماخرجتي دلوك لاهخليه يشوفك وانتِ بتضـ.ـربي بالشبشب وتوبقى اتفضحتي وشاف جنانك عيانا بيانا.
ثم صرخت بها:
_ يالا يابت متجرسيناش قدام الراجل تحت وأبوكي يمسكها لي ذلة ويقول زينب معرفتش تربي.
اختبئت رحمة وراء ظهر عمران فوالدتها ممكن أن تفعلها ثم أدلت اعتراضها:
_ الله معايزاش أني أنزل هي عافية! قولي بقى إنك عاملة حساب لحبيب القلب وعايزة تاخديني كوبري علشان ميكسبش بونت عليكي.
ضحكوا جميعاً على هرائها ثم هتف عمران لها:
_ خلاص بقى يارحمة متزهقيش الحاجة وتطلعي زاربينها وخليكي عاقلة اكده وانزلي لخطيبك، ومتقلقيش ولا هتدخلي بصنية ولا يحزنون هو قال عايز قهوة سادة وملهش في الساقع ولا السكريات هتدخلي في يدي وخلاص.
حركت حاجبيها لوالدتها ورددت بدعابة أهلكتهم جميعاً وحقا تليق بتلك الرحمة:
_ أيون هو ملهش في السكريات كفاية عليه أني علشان نفسيته متجزعش.
اغتاظت زينب من طريقتها الكائدة ثم هتفت:
_ بالك يازفتة إنتِ المفروض لسانك دي ينـ.ـقطع، لسانك بيشر كيد وغم وهم الحمدلله إن حماتك ميـ.ـتة وحماكِ متجوز وعايش لحاله في مصر والظاهر اكده مفيش عمار بينه وبين أبوه، لو كانت الله يرحمها عايشة كانت اتجلطت من كيدك، يالا بقى همي عاد بدل ما أجلطك اني.
رأت نظراتها المتوعدة فخرجت مع عمران وهي تدب أرضاً من الغيظ. قبل أن يدلفوا الغرف تشبست بيد حبيبة:
_ مكسوفة ياخيتي أدخل، هي العادات والطقوس داي مهتبطلش عاد، فيها ايه يعني لو جه مرة تانية أكون هديت من التوتر دي.
شجعتها حبيبة قائلة بهدوء يليق بشخصيتها:
_ طب ليه يارحوم؟ داي اللحظة اللي بتحبها كل بنت. سمي الله وادخلي ويا عمران وشوي وهتاخدي على الجو.
أتى عمران وأخذها من يدها ودلف بها إليهم وهو يلقى السلام برجولة تليق بذاك العمران. ورحمة هي الأخرى ألقت السلام بخجل وجلست بجانب عمران وكادت أن تلتصق به في جلستها بجانبه من شدة خجلها وتوترها. فأكثرهم دعابة أشدهم خجلاً وتلك الرحمة في خجلها وكأنها ستنهار.
أما ذاك الماهر كان يغـ.ـلي داخله فور أن رأى عمران يمسك يداها بذاك التملك وغير ذلك تجلس بجانبه وتلتصق به بشدة. فحقا ذاك الماهر يغير غيرة مختلفة، ومن الواضح أنه سيغار عليها من أبيها وأمها وحتى من ثيابها. فمرحباً بكِ تلك الرحمة في عالم ماهر الريان، عالم سيجعلك هائمة في سماء العشق المختلف، العشق المتملك. فمرحباً بكِ في قلعته المنغلقة التى سيغلق أبوابها عليكِ برمش عيناه فهو قائد شجاع متيم ولكن كتوم.
بعد جلسة دامت بينهم جماعة نصف ساعة تركوهم وحدهم. فور خروجهم أمسك هاتفه وجلس يتصفحه بإهمال مما زادها اندهاشاً. ظنت أنه سينتهز الفرصة ويقترب منها ويغدقها بوابل من الكلام المعسول. ولكن مهلا تلك الرحمة فهو جلس أكثر من نصف ساعة يغـ.ـلي داخله من التصاقك بأخيكي. يالك من رجل عنـ.ـيف في غيرتك أيها الماهر.
استفزها بحركته تلك وعدم اهتمامه بها وشعر داخلها هي الأخرى بالغـ.ـليان وهي تجلس تشطاط من بروده ولم تعرف مالسبب فهو كان يتحدث مع أبيها وأخيها الآن بطلاقة. ثم شعرت بالمهانة وقامت من مكانها قاصدة الخروج وتركه وحده كي تشعره الآخر بما جعلها تشعر به.
لاحظ حركتها تلك فتحدث ناطقاً:
_ رايحة فين يا أستاذة، تعالى ارجعي مكانك تاني ماأذنتلكيش تخرجي.
اندهشت من طريقته ثم اعتدلت بجـ.ـسدها ووجهت أنظارها إليه وربعت ساعديها أمام صدرها وتحدثت بغيظ فهو يعلم أنها تكره كلمة أستاذة:
_ اسمي رحمة على فكرة يامتر، هي داي مقابلة واحد جاي يخطب واول مرة يقعد مع خطيبته! سيبتك بقي تتصفح الموبايل براحتك بخلي لك الجو علشان تكون هادي ورايق طالما وجودي ملهش أهمية.
أشار إليها بيداه أن تعود إلى مكانها ثم هتف:
_ سيبك من شغل العيال اللصغيرة دي وعاودي مكانك.
تشبست في مكانها ورددت برفض:
_ له مزاجي اكده إن كان عاجبك.
اشتـ.ـعلت عيناه بالغـ.ـضب من عنادها ثم أمرها:
_ مبحبش الطريقة داي انظبطي معاي في الكلام أحسن لك يارحمة.
حقا استدعى غضـ.ـبها بمهارة ثم استدارت بجسدها وانتوت الخروج كي ترد له بروده معها الصاع صاعين. فقام على الفور ولحقها ثم أمسكها من رسغها موجهها أنظارها إليه وهو يعنفها:
_ أه من الواضح جداً إن دماغك ناشفة وهتتعبيني معاكي.
جذبت يداه من يداه بحدة ثم قالت:
_ وواضح جداً انك مبتفهمش في معاملة الست كويس.
أدارها ووقف أماما الباب مانعاً إياها الخروج فكان أمامها بطوله الفارع وهي منتصفه في وقفتهم وهم يناظرون بعضهم:
_ تمام اللي حصل وانتِ داخلة دي ميتكررش تاني.
نظرت له بذهول وسألته:
_ آه هو ايه اللي حوصل خلاك قالب وشك اكده إن شاء الله؟
استفزته بكلامها ثم هدر بها:
_ يارحمة اظبطي لسانك وانتِ بتتكلمي معاي يا اما هتشوف وش ماهر الريان التاني وهيوبقى يوم مش فايت النهاردة عليكي.
رأت احمرار عينيه ونظراته القاتمة فهدأت من نبرتها و استغلت مكر الأنثى داخلها وانتوت اللعب على حنان قلبه وعشقه لها. وفورا استدعت البكاء مما جعله يهتز ثم رددت من بين شهقاتها:
_ هو أنى كنت عميلت ايه علشان تنكد علي في يوم زي دي يعني، حرام عليك والله.
اهتز لبكائها ثم كاد أن يجذبها لأحضانه الآن ويعتذر له ولكن تذكر أنه لا يحل له الآن فعل ذلك. ثم هدأ من نبرة صوته الغاضبة وفهمها:
_ في إنك داخلة حاطة يدك في يد أخوكِ وقاعده جاره لازقة فيه هو دي يصح؟
حقا ذهلت وصمتت في بكائها فلم يخطر ببالها أن غضبه الجم ذاك لمجرد أن أخيها دخل محتضنا يداها، وأنها كانت ملتصقة به من خجلها. ثم تمتمت بخفوت:
_ وه ياماهر دي أخويا ابن أمي وأبويا مش واحد من الشارع.
تذكر حديثهما قبل ذالك ثم ذكرها هي الأخرى:
_ مش قلت لك يابت الناس مهتتحمليش غيرة بن الريان وهتتعبي رديتي على وقتها ورفضتي كلامي. دلوك بتبكي من أولها.
وأكمل وهو يعرض عليها مرة أخرى:
_ لو تحبي نلغى المشاعر خالص علشان أنا حبي مختلف وغيرتي وحشة ومبشوفش قدامي ونتعامل مع بعض علاقة محترمة بردوا بس كل واحد فيها حر طالما مفيهاش غصبانية لربنا عادي معنديش مانع.
شعرت بالغضب من عرضه ثم لكزته في كتفه مرددة برفض:
_ ما بس بقى هو احنا هنرجع للكلام الفاضي دي تاني.
ثم أكملت وهي تنظر أرضا بخجل زادها جمالا:
_ معنديش اعتراض على غيرتك، وحاضر معملش اكده تاني وهخلي بالي أكتر.
حقا لقد أثارته بخجلها فكانت هي الأخرى مختلفة، مبهرة، جذابة. ثم رفع وجهها إليه بخفة وأنزل يداه سريعاً وغازلها:
_ طب تعرفِي ان شكلك جميلة وانتي خجلانة.
لم ترد على غزله بها ثم أدارت جسدها للناحية الأخرى ووضعت يدها على قلبها تهدأ من ضرباته العنيـ.ـفة في اقترابه وهمساته. فهمس هو بجانب أذنها من الخلف:
_ جميلة جمال مش عادي.
أنهى كلماته ثم رجع مكانه بسرعة قبل أن يتهور ويجذبها إلى أحضانه ولكن لم يفعلها أبدا مادامت لم تكن زوجته. ثم أكمل قائلاً لها:
_ ممكن نقعد بقى ونبطل شغل القط والفار دي ونتكلم براحتنا.
مشت بخطواتها بنفس خجلها ثم جلست أمامه مع مراعاة المسافات وقلبها مازال ثائراً داخلها. وصار هو ينظر لتفاصيلها يحفرها داخله فهو عاشقاً بمهارة ولكن عاشق متأني وهي تعشق تأنيه ذلك فهي امرأة قوية ولابد لها من جواد كي يعرف مراوضتها على حق.
ثم ابتدأ هو الحديث يسألها عن يومها واندمجت معه في الحديث وانتهت جلستهم آمنة ومرت بسلام من ذاك المتمرد وتلك الشرسة وتركها وغادر. وفور دلوفه منزله جلس على الأريكة الموجودة في الحديقة ثم أرسل إليها تلك الكلمات التى جعلت ذاك القابع بين أضلعها يود أن يذهب إليه الآن ويرتمي بين أحضانه:
أصابك عشق أم رميت بأسهم
فما هذه إلا سجية مغرم
ألا فاسقيني كاسات وغني لي
بذكر سليمة والكمان ونغمي
أيا داعيا بذكر العامرية أنني
أغار عليها من فم المتكلم
أغار عليها من ثيابها
إذا لبستها فوق جسم منعم
أغار عليها من أبيها وأمها
إذا حدثاها بالكلام المغمغم
وأحسد كاسات تقبلن ثغرها
إذا وضعتها موضع اللثم في الفم
********************
في منزل مجدي فقد عاد من المشفى منذ ثلاثة أيام وأصبح الآن حبيس الغرفة ومها تعتني به ولكل شؤونه دون كلل أو ملل. فهي قد سلمت أمرها لله واستعانت على حالها بالصبر والصلاة.
فتحدث مجدي قائلاً لها:
_ ماتجيبي زين وزيدان يقعدوا وياي شوي اتوحشتهم من امبارح ومسمعش ليهم حس خالص.
كانت واقفة في الغرفة تنظم الملابس وتضعها في مكانها ثم أجابته:
_ حاضر هخلص تطبيق الهدوم وهروح أجيبهم أني سايباهم بيحلوا واجباتهم برة على مااخلص هيكونوا خلصوا.
سألها بخزي من نفسه:
_ هم في سنة كام دلوك؟
تنهدت بحسرة ثم أخبرته سنهم:
_ رايحين تانية ابتدائي.
حرك رأسه للأمام بخزي من حاله فهو لم يعرف أبنائه في أي عام دراسي. ولكنها لم تعلق على ذاك فهي باتت تستقبل أي شئ بهدوء فما أصابها وولداها لم يصدقه بشر.
ثم أنهت ماتفعله وخرجت إليهم وجلست أوسطهم وهي تحتضنهم بحنان يولد في لحظته خصيصاً لهم:
_ حبايب ماما دلوك بابا عايز يقعد وياكم شوي اتوحشتوه قووي وبيسأل عنيكم، عا
يزا
كم متتعبهوش علشان هو خارج من المستشفى صحته تعباه، تمام ياصغننين؟
ابتسما لها الطفلان مرددين بتصفيق فهما لم يصدقا أنهم سيجلسان مع أبيهم وسيتحدثون معه عما يريدون. ثم أخذتهم من يديهم ودلفت بهم إلى أبيهم الذي ابتسم فور رؤيتهم وهو يفرد لهم ذراعه قائلاً بحنو لم يعهد عليه من ذي قبل:
_ حبايب بابا عاملين كيف وأخبار مذاكرتكم ايه؟
ابتسم الطفلان بفرحة لجلوسهم مع أبيهم لأول مرة ثم أجابه زيدان:
_ إحنا زين قووي في العلام يابوي، خالتو مكة حفظتنا جزء عم كلياته وماما دلوك بقت تحفظنا جزء الملك إحنا في سورة القيامة.
سعد مجدي بالفخر لتربية مها من ذاك الطفلان الهادئان. ثم ربت على ظهر زيدان مشجعاً إياه:
_ عال عال يازين أذكى العقول عقل يحفظ القرآن.
حزن زيدان داخله فأبيه ناداه باسم أخيه. ثم تمتم الطفل بحزن:
_ أني زيدان يابوي مش زين، مع إن الفرق بيناتنا واضح أنا طويل شوي عن زين وهو عنديه حسنة في جبهته.
قامت مها على الفور واحتضنت ولدها الحزين فهي لم تتحمل حزن أحدهم أبداً وعللت له:
_ له ياحبيبي بابا ميقصدش يتلخبط بيناتكم هو بس الدوا مخلي عنيه مزغللة ومشايفش كويس، متزعلش يازيدان ياحبيبي.
ثم نظرت إلى مجدى تطلب منه أن يؤكد كلامها:
_ صوح يامجدي ولا مش صوح.
أحس مجدي بالخجل من نفسه فهو لم يعرف الفرق بين التوأمين. ثم أكد حديثها:
_ طبعاً ياحبيبي معلش يازيدان ياولدي العتب على النظر.
ابتسم الطفل ببراءة ثم هتف زين هو الآخر:
_ هو انت يابابا ممكن توديني التمرين المرة الجاية زي مازن صاحبي.
هنا شعر بالحزن الشديد فولداه محرومان من عطفه والآن أصبحا محرومان من وقوفه بجانبهم وتحقيق أمنياتهم. ثم ردت مها بدلاً عنه:
_ مش أني قلت لكم إن بابا تعبان ومش عايزين نتعبه أكتر، يالا قوموا علشان تاخدوا شاور وتناموا.
تشبث بهم مجدي مانعاً إياها:
_ له سيبيهم وياي مش مضايقني ولا تاعبيني خالص.
أعلن هاتف مها عن وصول مكالمة وجدتها الطبيبة فأجابتها بترحاب ثم تحدثت الطبيبة:
_ بقول لك ايه ياحبيبتي لو قاعدة جمب جوزى هملي الأوضة واخرجي عايزة أقولك على حاجة مهمة جداً.
شعرت مها برعب اقتـ.ـحم جسـ.ـدها. ثم خرجت من الغرفة ودلفت غرفة أبنائها وسألتها بقلق:
_ في حاجة ياداكتورة قلقتيني عاد؟
تنهدت الطبيبة بأسى ثم أخبرتها بما عرفته:
_ في حاجة اكده كانت ظهرت في تحاليل مجدي الشاملة اللي عميلناها ومكنتش حابة أخبرك بيها إلا لما أتوكد الاول.
الى هنا لم تتحمل مها الانتظار ثم سألتها بقلق:
_ له إنتِ اكده قلقتيني خالص ياداكتورة اتكلمي هيوحصل ايه أكتر من اللي عرفناه؟
أخبرتها الطبيبة بما اكتشفته:
_ مجدي طلع عنديه لوكيميا في الدم في مرحلته الرابعة.
شهقت مها بفزع من ماقالته الطبيبة الآن. أيعقل أن يكون رب السما استجاب لدعواها عليه طيلة السنوات الماضية! لقد كانت حينما يقسوا عليه تدعوا الله وقلبها محـ.ـروق “ربنا يحـ.ـرق دـ.ـمك”. ولكن انتبهوا أيها السادة فقد حذرنا الله من الدعاء على أنفسنا ولا على أولادنا فقد قال تعالى “ويدعوا الإنسان بالشر دعاؤه بالخير وكان الإنسان عجولا”. فلا تدعين على ابنك أو ابنتك مهما كانت غلبتهم لكي فلعلها ساعة استجابة وحينها تندمون ولم يصبح للندم أي فائدة.
ثم استجمعت شتاتها وسألت الطبيبة:
_ طب نعمل ايه دلوك ياداكتورة وايه الخطوات اللازمة علشان ربنا ياخد بيده؟
أجابتها الطبيبة وهي ترشدها بالخطوات التي ستفعلها:
_ هبعتك لدكتور محي علام شاطر جداً وهو هيعرفك كل حاجة بس متبلغيش جوزك بالخبر لأنه هيأثر عليه جداً لما تروحي للدكتور سيبيه هو اللي يتعامل هبعت لك رقمه وعنوانه على الواتساب وتروحي له علطول لأن المرض في الدرجة الرابعة ولازم يبدأ رحلة علاجه.
شكرتها مها ثم انتهت مكالمتها مع الطبيعة وأسندت رأسها على التخت ودمـ.ـوع عيناها تهبط على وجنتيها بغزارة وهي تحدث حالها:
_ ماذا بعد! ألم تمضي تلك الأيام المريرة! ألم تنتهي صفعات الزمان لي؟ لقد تعبت وتألمت وجُرحت وفاضت روحي والألـ.ـم مازال مكملاً معي! كفاكِ أيتها الصدمات، كفاك أيها العمر وأنت تمضي بي رحلة عمري وضياعي، لقد أُرهقت وأصبح كل شيء فوق مستوى احتمالي.
ثم مسحت دموعها وقررت أن لاتبلغ عامر بما عرفته ودلفت إلى الحمام وغسلت وجهها ثم ذهبت لهم كي ترعاهم فمسؤليتهم جميعاً تقع على عاتقها الآن.
رآها مجدي وشعر أنها ليست بخير فسألها:
_ مالك يامها الداكتورة قالت لك حاجة زعلتك؟
تنفست ببطئ ثم أجابته بنفي:
_ له يامجدي هي بس كانت بتقول لي على اسم داكتور جديد هنروح له هو اللي هيتابع حالتك بس مفيش حاجة تاني.
ثم وجهت أنظارها إلى أبنائها آمرة إياهم:
_ يالا ياولاد علشان معاد نومكم جه كفاياكم سهر لحد اكده.
قاموا معها بطاعة اعتاد عليها ذاك الطفلان وودعهم أبيهم بقبلة لهم ثم خرجوا مع والدتهم.
***”””*****”””******
انقضى عدة أيام والأجواء هادئة على الجميع ونوعاً ما الاستقرار يغلبهم. واليوم الجمعة كان جاسر يستعد لأن يذهب مقهى الأدباء التى تجلس بها منة فهو قد شعر بأنها أصبحت جزءا من حياته ولكنها هي المتحفظة بشدة في المعاملة بينهم. لم يشعر منها بأي إحساس تشعره تجاهه فدوما يسألها عن أشياء وإجابتها عكس ما يتمنى ولكنه استشف أنها منغلقة على حالها نظراً لحالتها الخاصة. ولكنه قرر اليوم أن يحكيها عن شعوره تجاهها كي يرتاح فهو أحب برائتها وثقافتها وعقلها المتفتح. أحس بأنه يريدها في حياته، دق قلبه معها، حتى العبادات والعادات التى تفعلها في ذا اليوم أصبح يفعلها مثلها كما عرف منها.
أنهى ارتداء ملابسه ووضع البريفيوم الخاص به ثم صعد سيارته وذهب إلي المقهى. دلف الى ذاك المكان المحبذ لها ووجدها كالعادة تجلس وحدها. وصل إليها وألقى السلام ثم سألها:
_ أمال روايتك فين النهاردة اللي بتقرأيها وقهوتك، وكمان شايفك لابسة طقم ومتشيكة في عبايتك الكلاسيك!
ثم ردد مندهشا:
_ كلك النهاردة متغير يامنون ياترى ايه سر التغيير؟
ابتسمت منه وسألته هي الأخرى:
_ طب بمناسبة إننا هنا أصحاب مش صاحب مكتب والمديرة بتاعته ايه رأيك بقي في اللوك الجديد دي حلو علي ولا ايه؟
أجابها بمشاغبة اعتاد عليها:
_ دي كلام بردك وسؤال تسأليه قمر طبعا ياصاحبي.
ثم أكمل وهو يسألها عن أخيها:
_ أمال فين مدحت عديت عليه في ركن الفن ملقتهوش هو راح يجيب الغدا بدري اكده؟
حركت رأسها برفض وقالت:
_ له هو مجاش معاي النهاردة.
اندهش من ردها ثم قال:
_ الله أمال إنتِ جيتي لوحدك ولا ايه؟
ضحكت بخفة ثم أردفت:
_ الله إنت أسئلتك كترت قووووي النهاردة يامتر، مش عايز تشرب قهوتك ولا ايه؟ ولا أقول لك اصبر عشر دقايق اشربها مع معاذ علشان أعرفكم على بعض.
سألها بدهشة عن معاذ فلأول مرة تنطق هذا الاسم:
_ معاذ مين! إنتِ ليكي أخ تاني ولا ايه؟
حركت رأسها بنفي ثم قالت:
_ له متجرجرنيش في الكلام لما ياجي هو يعرِفك بنفسه، اصبر بس.
منذ أن وصل إلى المقهى وهو يشعر بالغرابة من كل شئ في تلك المنة. ثم أمسك هاتفه يتصفحه بملل فهو يشعر بوجود خطب ما. ولم يمكث عشر دقائق حتى وصل معاذ بوجهه البشوش ملقيا سلامه:
_ السلام عليكم ورحمة الله، أكيد حضرتك المتر جاسر المهدي صوح؟
ابتسم جاسر بذوق لذاك البشوش ثم أجابه:
_ أينعم هو أني بذاته، مين انت بقى نحب نتعرف؟
أجابه وهو يجلس بجوار منة الله وينظر إليها بابتسامة:
_ اني يا سيدي معاذ بن عم منة وخطيبها، لسه قاريين الفاتحة بتاعتنا امبارح طازة.
حقا لقد شعر جاسر بأنه ضرب في مقـ.ـتل الآن ووجهه صار متعرقا بشدة وهم في عز البرد. ثم ابتسم رغماً عنه مباركاً لهم:
_ الف مبروك ياهندسة، ألف مبروك يامنة ربنا يكمل لكم على خير يارب.
ثم استئذنهم بأنه يريد أن يدلف إلى الحمام ولكنه تركهم وخرج من المكان بأكمله وهو يشعر بالخذلان من قلبه للمرة الثانية وكأن الفرح والسعادة ليسوا مكتوبين لذاك الجاسر ونصيبه من الهوى الخذلان.
رواية من نبض الوجع عشت غرامي الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم فاطيما يوسف
عاد جاسر إلى منزله محطماً وجلس على سريره بإهمال وهو يشعر بالإرهاق الشديد. قلبه اعتاد على الوجع، وتلك المرة أخف من ذي قبل. لم يلبث أن تعلق بها بشدة، ولكنه يشعر بالخذلان الشديد من قلبه. فقد كان قلبه ضريراً، مشى طريقاً لم يحسب خطواته.
ولكن مهلاً أيها الوجع، لقد فقدت احتمالي على الصبر. أصبحت أتمنى فقدان ذاكرتي كي أنسى اسمي، شكلي، وضعي، بل أنساني كلي. وكالعادة لجأ جاسر إلى ربه، فهو الواحد الأحد الأعلم بقلوب عباده، وهو فقط من يداوي الجروح ويضمد كسر القلوب. فهو يستعين بربه على خذلان قلبه، والله خير معين.
وقف بين يدي ربه يناجيه كثيراً وكثيراً حتى نام من شدة الإرهاق والتعب. وانقضى ذاك اليوم بوجعه، وأتى نهار جديد سطعت شمسه الذهبية وأعلنت عن نور الكون. وإن دل هذا على شيء، فإنما يدل على أن بعد العتمة نور يضيء الكون بأكمله.
انقضى نصف النهار وأشغل حاله في بعض القضايا التي بيديه، ثم ارتدى ملابسه وذهب إلى مكتبه وهو لا يعلم ماذا يفعل به قلبه عندما يراها. وصل إلى المكتب بأقدام مترددة، ولكنه لم يعتد الهروب.
رآها منكبة على الأوراق التي أمامها بوجهها البريء الملائكي. ألقى السلام ببشاشة كعادته:
"السلام عليكم ورحمة الله، إيه أخبار الحسابات على حسك يا منون؟"
ابتسمت فور سماع صوته ثم رفعت وجهها إليه مرددة سلامه:
"وعليكم السلام ورحمة الله، تمام يا متر بظبط لك الدنيا أهو، وكمان ظبط لك ملف المرتبات وعملته بنظام حلو."
كل شيء يدل فيها على برائتها ورقيها. ثم وجد حاله يسألها:
"ليه مجبتيش سيرة قبل كده بخطوبتك؟ هو إحنا مش أصحاب قبل ما تبقي شغالة معايا؟"
أومأت برأسها بموافقة ثم أجابته:
"طبعاً أصحاب، ويعلم ربنا إني بعتبرك كيف أخوي مدحت بالظبط، لأنك راقي وبتتعامل وياي كأني عادية مش مختلفة."
وأكملت وهي تقدم اعتذارها له:
"أني غلطانة معلش، بس والله معاذ كان مسافر ولسه راجع من أربع أيام، وجه كلم بابا طوالي وكله حصل ورا بعضه."
تنهد بحسرة انتابت قلبه على تلك المنة التي حلم يوماً أن تكون زوجة له. ثم سألها كي يطمئن عليها:
"بس كنتِ اتأنِ في اختيارك وخدي وقتك في التفكير، لأن جواز القرايب بيجيب مشاكل."
وأكمل وهو يبرر كلامه:
"أني مش بقلقك ولا بخوفك، بس بقول لك نصيحتي من خلال واقع المحاكم اللي عايشين فيه دي."
حركت رأسها بنفي ثم فهمته ظروف زواجها من معاذ:
"له أصل معاذ مش بس يبقى ابن عمي، له ده بن خالتي كمان. وأصلاً خالتي هي اللي ربتني ومن زمان وهي روحها متعلقة بيا، وأني كمان بحبها كيف ماما بالظبط. فمن واحنا صغيرين تقول معاذ لمنة ومنة لمعاذ، وهو بصراحة بيحبني قوي وكمان مراعي ظروفي."
وأكملت وهي تحكي بضعاً من تفاصيل علاقتها بمعاذ المحببة إلى قلبها:
"تصور قبل ما يسافر كان ييجي يوديني كليتي بنفسه ويهتم بكل تفاصيلي. كان بيوكلني بإيديه وبيخاف علي من الهوا الطاير. بس لما يسافر قلت إنه أكيد هيشوف ناس جديدة ونظرته ممكن تتغير. ومع إنه كان بيكلمني علطول وبيطمن علي، إلا إني مكنتش متأكدة من مشاعره ناحيتي. ولحد ما رجع أول حاجة عملها طلبني للجواز من بابا وماما. وقتها مش عايزة أقولك حسيت قد إيه غالية عندي، وإن مهما شاف ولف ودار مش هيلاقي حد يحبه قدي. ده كل الحكاية."
كان ينصت لها باهتمام شديد. وبعد حكاها تلك لم يستطع قلبه الجميل إلا تمني السعادة لها. ثم حمل حقيبته من على مكتبها هاتفا بتشجيع:
"إذا كان كده فربنا يوفقك ويبارك لك فيه يارب. بس ياترى بقى هتكملي شغل في المكتب هنا ولا بعد ما تتجوزي هتفارقي وتسيبنا؟"
أجابته بتأكيد:
"له مهسيبش المكتب هنا، أني اعتبرت نفسي صاحبة مكان وحبيت الشغل معاك ومع كل أصحابي. واتفقت مع معاذ إني هكمل هنا واني حابة المكان لأنه هادي ولأني حفظته وهو ممانعش خالص. بصراحة هو حد جميل قوي بيفهم علي ومش بيحتكر قراراتي. ده هو كمان اللي موصلني الشغل هنا وهو هو اللي هييجي ياخدني."
الآن تيقن جاسر أنه أمام عشق الطفولة من ابنة عم لابن عمها. فتحت جدار الوجع بقلبه ودقت فيه بشدة. تذكر حب طفولته هو الآخر. كل ما قالته منة عن معاذ كان يفعله هو الآخر مع رحمة. ومن المحير له أن منة شعرت بمحبة بنت عمها بظروفها تلك. وبات داخله يسأل: لمَ لم تكتشف رحمة محبته وعشقه لها كمنة الله؟
ولكن وقف مع حاله وأعاد التفكير قائلاً لحاله:
"ولكن مهلاً أيها الجاسر، فرحمة لم يمهد لها كمنة. فلا تبتئس بقلبك واترك قلبك ونصيبك بيد الله، فهو مقلب القلوب وسيهرم بعطاياه."
فاق من شروده على صوت منة تسأله:
"إيه يا متر؟ رحت فين؟"
تنفس بعمق داخله ثم تحدث:
"موجود أهه، تمام والمكتب طبعاً ميقدرش يستغنى عن موظفة نشيطة وشاطرة زيك. أسيبك بقى وهدخل أراجع القضية اللي معايا عندي جلسة النهاردة."
تركها ودلف إلى مكتبه وجلس على الكرسي وهو ينظر إلى أركان مكتبه. ومن الآن فصاعداً لن يفكر في أي ارتباط، ووقته كله سيوهبه لمهنته حتى يصبح علماً في القانون يُحتذى به.
******””””****”””***
في المالديف تجلس مكة أمام تلك البحيرة وسط المساحة الخضراء الواسعة. فكم يعطيها ذاك المكان قسطاً كبيراً من الراحة والسلام النفسي. كانت ممسكة بهاتفها تتصفحه، ثم قررت تصوير المكان بفيديو قصير. ثم قامت بنشره على الانستجرام والفيسبوك مدونة فوقه: "بيت الأحلام محاط بجمال الطبيعة وروعة الاخضرار بعيداً عن ضجيج العالم."
رأى آدم ذاك المنشور عندما وصله إشعار بما نشرته، ثم قام فوراً بالتعليق عليه. فهو يشعرها دائماً بالاهتمام بها مرسلاً تعليقه: "ويسكن ذاك البيت أميرة متوجة على عرش العالم بأكمله، سكنت قلب أميرها."
وصلها تعليقه فور نشرها لذاك البوست ثم تفاعلت معه. ألقت الهاتف من يدها وقررت الاستمتاع بجمال الطبيعة. وما إن جلست مع حالها بدأ عقلها يفكر: من أين ستبدأ مع آدم؟ وهل ستستمر من زواجها به؟ وكيف ستكون حياتها معه؟ فهي لن ترضى أن تأكل وتشرب من ماله، وهو في نظرها مال حرام. لن تشعر بالارتياح في معيشتها معه، وهو مازال يغني بتلك الطريقة التي يرفضها عقلها بتاتاً.
كانت تستند على الأريكة وقررت أن تفرد جسدها عليها، علها ترتاح من الوساوس التي اقتحمت جميع مخيلتها في فترة النقاء التي قررت أن تجلسها مع حالها. نظرت حولها لم تجده موجوداً في المكان، ومن الواضح أنه مسترخٍ في غرفته. فقامت بخلع حجابها وفردت شعرها خلف ظهرها، وكما أنها قررت خلع ذاك الجلباب الذي ترتديه دائماً.
كانت ترتدي أسفله قميصاً من اللون الأسود بنصف أكمام شفافة وصدر مفتوح بعض الشيء ويصل لما بعد ركبتيها، مما أظهر جمالها البارع مع جسدها الأبيض في جو مشمس يشعرها بالدفء. وكما أن فصل الشتاء قارب على الانتهاء، فلم تشعر بالبرد. وأغمضت عينيها كي تستمتع بهدوء اللحظة بعيداً عن ضوضاء العالم. فاللحظات الهادئة التي تريح النفس تمر سريعاً.
أما هو، قرر النزول إليها ومشاركتها جلستها. فقد أنهى مكالمته مع راشد عن العمل. نزل وعيناه مشطت المكان باحثة عنها، فالمكان واسع. فوجدها في ركن جانبي أمام البحيرة الواسعة. ساقته قدماه إليها، ثم رآها بهيئتها الآخاذة تلك، فوقع قلبه صريعاً بين يديه من شدة خفقانه انبهاراً بكتلة الأنوثة المتفجرة المسترخية أمامه الآن.
وقف أمامه وقام بتوجيه هاتفه عليها والتقط لها صورة بوضعها تلك، فقد أبهرته تلك الصغيرة بهيئتها. استمعت تلك مكة إلى صوت فلاش الكاميرا فانتفضت من مكانها مرتعبة خوفاً من أن يكون غريباً اقتحم عزلتها. ولكنها وجدت زوجها. رأى هلعها فذهب إليها وجذبها إلى أحضانه مردداً بحنو وهو يقبلها من رأسها:
"اهدئي يا حبيبي، متقلقيش ومتخافيش، محدش غريب يقدر يجي هنا."
حاولت أن تبعده عنها ولكنه كان متمسكاً بها. فلأول مرة يحتضنها وهي بهيئتها المهلكة لأنفاسه بتلك الدرجة. فكل جلستها معه بحجابها وجلبابها، أما تلك اللحظة رأى أنثاه الحقيقية متجسدة أمام عينيه وبين أحضانه، ولن يتركها قبل أن يشبع رغبته بها حتى ولو كان ظاهرياً.
احتضنها من خصرها بقوة بإحدى يديه، وبالأخرى رفع وجهها إليه كي يجبرها تنظر داخل عينيه، ثم همس لها:
"مالك مرعوبة كده ليه؟ إحنا هنا لوحدنا وتقدري تلبسي اللي على كيفك."
ثم غمز لها بإحدى عينيه وهو ينظر إلى جسدها بوقاحة زوج عاشق:
"يعني ممكن تلبسي بوركيني وتنزلي البحر، وممكن تلبسي هوت شورت وانتي قاعدة في المكان الساحر ده، ولا إيه."
تاهت في عينيه وهمسه ولمسه الرقيق وصوته الرجولي المصطحب بالحنو، ثم قالت وهي تنظر أرضاً:
"إنت كنت بتصورني ليه؟ من فضلك امسح الصورة علشان حد ميمسكش الموبايل بتاعك ويفتح الصور ويشوفني بالشكل ده."
رفع وجهها إليه مرة أخرى ثم طمأنها:
"أولاً مفيش حد بيمسك موبايلي خالص غيري. ثانياً كل البرامج عندي مقفولة بباسورد محدش يعرف يفتحه غيري."
وأكمل وهو يلصقها بأحضانه أكثر:
"هو معقول أخلي حد يشوف روبانزل بتاعتي! قولي لي بقى قاعدة لوحدك ليه؟"
لم تستطع التحكم في حالها وهي في قربه المهلك، ثم تمتمت بخفوت راجية إياه أن يتركها:
"طب ممكن تسيبني ونقعد نتكلم براحتنا؟"
حرك رأسه رافضاً بقطع:
"لا يمكن أبداً أسيبك بعد ما لقيتك. اتكلمي واحنا زي ما إحنا كده."
وأكمل مشاغباً إياها:
"قولي بقى إنك ضعفتي وحنيتي ومش قادرة تتنفسي في قربي."
حاولت الإفلات من يده ولكنها لم تفلح، ثم سألته:
"طب انت عايز إيه دلوقتي يا آدم؟"
"عايز أفضل كده حتى لو هفضل باصص جوه عيونك من غير كلام."
"حرام عليك، انت بتتعبني وبتتعب أعصابي كده."
"فيها إيه يعني، مانتِ تعبانة أعصابي وقلبي وعيوني، وكل حاجة فيا بتقول آه منك يابنت قلبي."
"ليه يعني هو أنا عملت إيه؟"
"تؤ تؤ، قولي معملتيش إيه. سهر وسهرتيني، دوخة ودوختيني وراكي، تعب أيام وليالي ومرمطتي اللي خلفوني. مش عايزاني بقى أتعبك شوية."
"برضه مردتش علي، إنت عايز إيه دلوقتي؟"
"عايزك."
أغمضت عيناها من طريقته وتلميحاته، وبات جسدها يدق بعنف داخلها وأعصابها تفككت من نبرته ونظراته لها. أما هو حينما أغمضت عيناها لم يستطع التحكم في حاله واقترب منها يقبلها برغبة. فهو رجل وهي امرأته بين يديه، فهو عاشق وبين يديه أنثى راغباً بها بشدة.
وهي مشاعرها عذرية لم تفقه في قوانين القرب شيئاً. فجعلته يتمنى المزيد. صار في دوامة قربه منها وهي لم تستطع الإفلات منه، تريد الابتعاد وجسدها خانها. تريد أن تدفعه وتجري من أمامه وتختبئ بين جدران غرفتها كي تهدأ مشاعرها الثائرة، ولكنها غير قادرة على الحراك. أخذتها الأماني والحلم معه إلى بعيد. فهي لم يرضيها عذابهما. فهما قد وصلا قمة الحب حباً، وبالرغم من ذلك حكم البعاد مسيطر على حالها.
لم يفصل قبلته عنها حينما لم يجد اعتراضها، ولكن فصل قبلته عندما رأى دموع عينيها الساخنة هابطة على وجهها. فأغمض عينيه هو الآخر ودفن يديه خلف رقبتها وأسند جبهته بجبهتها مردداً بعتاب:
"ليه كده ياحبيبتي؟ ليه العذاب ده؟ انتِ بتحبيني وكل حتة فيكي عايزاني ومش قادرة تبعدي، يبقى ليه كده."
كانت الأخرى مغمضة العينين وكأن عيناهما هي سر ضعفهما، فهربا كلتاهما من نظرات تضعفهما. ثم تحدثت أخيراً عما يجول في صدرها من أرق:
"لأني مش مرتاحة، حاسة إن الأكل اللي باكله من فلوس حرام، والكان اللي قاعدين فيه من مال حرام، والعيشة دي كلها من الحرام."
حقاً أدمته تلك الحقيقة التي نطقتها الآن. ولكن ماذا يفعل؟ هو عمله ولقد رزقه الله بتلك الموهبة ومن ورائها اكتنز ذاك المال، فهو لم يسرق أو يقتل أو يتاجر في الأشياء الممنوعة. ثم أخذ نفساً عميقاً وزفره بعمق، حتى هي شعرت بأنفاسه الساخنة تلفح وجهها. فاستشفت إزعاجه، ثم تحدث بنبرة موجعة:
"طب أعمل إيه دلوقتي؟ ده شغلي ومعرفش أعمل غيره. يامكة افهميني، دي موهبة ربنا رزقني بيها، ليه أدفنها وأضيع نفسي في حاجات هتوه فيها؟"
قررت أن تفتح عينيها الآن وتسحبه معها لعالمها الجميل، عالم طاعة الله ورضاه، عالم لم تكفيه كنوز العالم. ثم بدأت لأول مرة غنواها له بصوت ساحر جعله انصدم له ولم يصدق حدسه مما استمع إليه الآن. وهي تجذبه من يديه وتجلسه على الأريكة وبدأت بالتمايل أمامه كفتيات الفيديو كليب، بل ويزيد.
كانت حركتها التي تفعلها مع طريقة غنواها الساحرة جعلته ثائراً وجسده يأمره الآن أن يرفعها أرضاً ويهرول بها إلى غرفتهم ويقضي معها أوقات من السعادة التي تجعله يهدأ عندما يفرغ طاقة غرامه المشحونة بها. فقد كانت تغني له بطريقة مثيرة:
أنا أنا بعشقك أنا
أنا كلي لك أناده أنا
بعشقك أنا
أنا كلي لك أنا
أنا، أنا، أنا، أنا، أنا، أنا
يا من ملك روحي بهواه، روحي بهواه
الأمر لك طول الحياة، طول الحياة
يا من ملك روحي بهواه، روحي بهواه
الأمر لك طول الحياة، طول الحياة
الماضي لك وبكرة لك وبعده لك
كده الماضي لك وبكرة لك وبعده لك
أنا في سهادي وفي منامي بندهك وبسألك
بتحبني ولا الهوى عمره ما زارك
بتحبني ولا إنكتب على القلب نارك، نارك
بتحبني ولا الهوى عمره ما زارك
بتحبني ولا إنكتب على القلب نارك، نارك
قول يا حبيبي، حبيبي قول
قول يا ملاك
أنا، أنا، أنا بعشقك
أنا، أنا، أنا بعشقك
أنا بعشق الكلمة اللي بتقولها وبعشق ضحكتك
أنا، أنا، أنا بعشقك
أنا بعشق الليل اللي في عيونك وبعشق رقتك
أنا، أنا، أنا بعشقك
أنا بعشق الأرض اللي عديت يوم عليها خطوتك
أنا، أنا، أنا بعشقك
ثم أنهت غنواها وجلست أمامه قائلة بشيء صدمه منها:
"إيه رأيك؟ مش أني عندي موهبة برضه ومدفونة؟ إيه رأيك لو عملت فيديو كليب بذمتك مش هينجح؟ إنت فنان وعارف العرب والمقامات، هل أنا غلطت في طريقة إلقائي؟"
كان مازال منبهراً مصدوماً مما استمع للتو. لقد كانت رائعة، جذابة، مثيرة.
"كفاكي يا امرأة، ماذا تقصدين الآن بما فعلتيه الآن؟" ثم سألها بصدمة:
"مكة، إنتِ بتعرفي تغني؟!"
سألته هي الأخرى:
"جاوب الأول، هل غنيت صح؟ هل غلطت في طريقة إلقائي؟ هل صوتي ينافس الفنانات الموجودين على الساحة دلوقتي؟"
أجابها وهو مازال غير مصدق ما استمعته أذناه الآن:
"ده إنتِ مش بتعرفي بس، ده إنتِ عظمة على عظمة يابنتي، ده إنتِ خطيرة جداً."
ثم ضرب كفاً بكف وهو مازال على صدمته:
"إنتِ بتعرفي تغني من امتى؟"
تعمقت مع بالحديث بأريحية، فهي انتوت توبته ولن تكل ولن تمل، ولم تفعل ذلك بالغصب والكلام الجارح. فهي متدينة وتعرف ربها، فـ "لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي".
"إني طلعت على الدنيا لقيتني بغني زيي زي الأطفال، ومع الوقت لقيتهم بينبهروا بصوتي وبيقولوا لي إن صوتي حلو. لكن لما كبرت شوية وعرفت الصح من الغلط والحرام من الحلال، بطلت أغني خالص وبقيت بستغل صوتي في قراءة القرآن لحد ماكله نسي إني بعرف أغني وإن صوتي حلو."
ثم أكملت وهي تفرغ قنبلتها أمامه، وهي متأكدة أنه سيثور عليها، فهو عاشق ويغار، ومن يغار لا يتحمل ما ستقوله. ولكنها تحاول معه بالعقل:
"طب تمام، إيه رأيك بقى أخلع النقاب وأخرج بالحتة السواريه وأروق على شكلي كده وأعلن عن مولد فنانة جديدة تهز أركان الوطن العربي بصوتها اللامع. وأعمل لي كام فيديو كليب كده مع حبة شباب طول بعرض مرميين على القهاوي وألعب بالملايين لعب. أمال إيه عاد، ماني عندي موهبة حرام أدفنها بالحيا."
انتفضت عيناه بحدة، ثم قطب جبينه وهز رأسه بعدم فهم وتساءل متعجباً:
"نعم ياماما، سمعيني كده، إنتِ قلتي إيه تاني!"
مطت شفتيها بدلال اصطنعته جيداً كي تبرع في تنفيذ ما انتوت عليه:
"اللي إنت سمعته. فيها إيه يعني دي أنا موهبة ومينفعش تفضل مكمورة كده في الضلام، وكمان حرام الملايين دي تضيع علي."
انتصب واقفاً بغضب، ثم قام من مكانه وجذبها من كتفها وهدر بها بحدة، وكأنه صدق أنها ستفعل ذلك، فتلك المكة كل يوم يكتشف بشخصيتها أشياء جديدة:
"موهبة مين يا أستاذة! طب جربي تخلعي حجابك كده ولا نقابك ولا اعملي اللي إنتِ بتقوليه ده."
انتصبت واقفة هي الأخرى وبنفس نظرات التحدي، أردفت بتصميم كي تقنعه:
"بس كده حرام تحلل لنفسك حاجة وتحرمها علي. إحنا بني آدمين مخلوقين زي بعض بالظبط، وده تفرقة عنصرية."
"لا ياماما، أنا راجل وإنتِ ست."
"مفرقتش يا فنان، إني صوتي حلو وانت كمان، ومنفرقش عن بعض، يبقى ليه تحجر علي."
بمجرد أن استمع إلى هرائها ذاك، اندفع فيها ليشّن حروب أفعالها فوق رأسها بعنفوان. كادت أن تكمل كلامها، ولكن نظراته الحادة أرغمتها أن تبتلع ما علق في حلقها من كلمات وتتراجع للخلف. فتتقدم خطواته بقدر تراجعها ويغرس خنجر سؤاله في صدرها:
"إنتِ عايزة إيه بالظبط؟ عايزة بدماغك دي توصلي لإيه معايا؟ أنا تعبت منك، تعبت من جريي وراكي، تعبت من المحايلة والدلع، وخلاص الصبر خلص من صبري. وإن مشلتيش الحوار من دماغك يبقى هعاملك معاملة ما أتمناها تشوفها مني."
تشعب الغضب برأسها، ثم رددت بعناد وهي تحمل جلبابها كي ترتديه وهدرت به:
"تمام، لحد ما تفكر في كلامي، ولا هاكل من الأكل اللي هتجيبه، ولا هشاركك أي ترفيه ولا أي قعدة، ولا هقبل منك أي مصاريف تخصني. وأكلي هجيبه لنفسي من الكريدت بتاعتي، ولو هاكل عيش وجبنة."
أمسك الجلباب من يدها ورماه بحدة في البحيرة، ثم جذبها من يدها ودلف بها إلى الداخل، فقد استفزته بكلامها وفجرت بركان الغضب داخله. وكما قال الحكمة "اتقِ شر الحليم إذا غضب"، وقد كان وصل غضبه عنان السماء. ثم دلف بها إلى غرفته ورماها على التخت. حاولت القيام والخروج من الغرفة، فهي لأول مرة تجرب غضبه، ولكنه أمسكها من يدها بقبضته القوية، فهو ذو لياقة بدنية عالية مدرب عليها بمهارة. لم تستطع الإفلات من يده وأغلق الباب بالمفتاح ووضعه في جيب بنطاله، ثم رماها على التخت هادراً بها بأنفاس لاهثة:
"طب طالما بتتكلمي عن الحرام والحلال، يبقى أنا هاخد حقي فيكي حالا وبحلال ربنا برضه."
لاحظت أنه الآن خرج عن سيطرة وعيه وبدأ يقترب منها، فوضعت يدها على صدره مانعة إياه بصوت ضعيف باكٍ كي تجعله يتأثر ويبتعد، ولكن هيهات. لم يبتعد، فهي قد جرحته بشدة وأشعرته بأنه قليل ورمت بكرامته في أرذل القمامة. فاقترب منها مردداً قبل أن ينهال على شفتيها:
"خلاص، وقت البكا راح."
ثم اقترب منها وبدأ ممارسة حقه الشرعي فيها، ولم يأبه لتوسلاتها في غصبها على تلك العلاقة التي لم تستعد لها نفسياً. ولكن كان حنوناً معها ولم يستخدم معها العنف في علاقتهم. كان في قربها مغيباً عن أي ظروف محيطة بهم، ومما ساعده على ذلك أنها استسلمت وأغمضت عيناها كي لا تضعها في عينيه. وحينئذ لم تستطع بعدها النظر فيها مرة أخرى.
ولكن لم يفق آدم وأكمل ما بدأه معها بحنان رجل عاشق لم يعد يقوى على عنادها وبعادها أكثر من ذلك. أما هي الآن امرأة أرغمت على الاقتراب. هو عاملها بحنان ولم يقس عليها، ولكن دون إرادتها ورغماً عنها. وحقاً كانت بين يديه حورية من الحور العين، قربها ممتع لأبعد الحدود. يريد المزيد والمزيد معها. كل خلية به تأمرها أن يتعمق أكثر وأكثر داخل أسرار جمالها، وهو رجل يعرف كيف يعامل أنثاه بين يديه. غاص ذاك آدم في أعماق هواها وهو يتنفس أنفاسها باشتهاء دون تردد أو ملل أو شعور بالإرهاق والتعب. ظل هكذا حتى سمع أصوات صراخها بين يديه تدل على براءة عذريتها. والآن أصبحت مكة زوجته قولاً وفعلاً.
رق قلبها لصراخها، فلم يتركها حينئذ عندما رأى دمع عينيها يهبط بغزارة على وجنتها. ولم يستطع الابتعاد عنها وجذبها إلى أحضانه يحنو عليها. ثم تحول بكائها الصامت إلى شهقات شديدة أشعرته الآن بندمه على تهوره في لحظة اقترابه الأول منها. لم يرتب يوماً أن تكون لحظة تعانقهم الأولى تأتي بذاك الشكل! كان معداً لها في خياله أنها ستكون لحظات متيمة عاشقة من كلتيهما ولم تكن غصباً.
ردد داخله وهو مازال متشبثاً بأحضانها يخشى البعاد:
"آسف حبيبتي، لقد اقتحمت عالمك رغماً عنكِ، ولكن تأكدي أنني عاشق لكِ. عيناي وقلبي وكلي يرجوكي الصفح والغفران لمتيم أرهقه هواكِ."
ظل على عناقه لها وظلت هي على بكائها حتى انقطع بكاؤها ولم يسمعه، فاندهش لصمتها وشعر بالقلق. أخرجها من أحضانه فارتمت من يديه وغابت عن الوعي، وكأن عقلها وجسدها هو الآخر رفض الاقتراب والتعمق في عينيه، مما جعله شعر بالهلع عليها. ثم حاول إفاقتها وهو يربت على وجنتيها بحنو:
"لااا يامكة، آسف ياحبيبتي، حقك عليا، والله العظيم ماهقرب منك تاني، فوقي يامكة."
لم تجد محاولاته نفعاً، ثم قام من مكانه وجلب البرفيوم الخاص به ووضعه في كف يده، ثم بدأ بتمرير يديه على أنفها. فحركت رأسها ثم بدأت تفيق رويداً رويداً. وما إن أصبحت بكامل عقلها حتى نظرت لهيئتها العارية، فعادت إلى بكائها مرة أخرى وهي تلطخه بقبضتي يداها الصغيرتين على صدره ولسانها يهذي بعتاب من بين شهقاتها:
"ليه تعمل فيا كده؟ حرام عليك! ليه تخلي أجمل لحظة في حياة كل بنت مع جوزها اللي حبيته تبقى غصبانية."
وأكملت بكائها وهي تضع وجهها بين يديها:
"مش مسامحاك يا آدم، مش مسامحاك."
نفخ هو الآخر بضيق من تهوره وما وصلا إليه كلتاهما. ولكن تدخل الشيطان بينهما وجعله فعل ما فعل بها. ولكنه لم يتركها وحدها الآن، سيداوي وجعها منه به. جذبها إلى أحضانه عنوة حتى ارتطمت بعظام صدره القوية وجسدها بدأ يهتز بسبب رفضه الاقتراب منها. ولكنّه ظل متشبثاً بها مانعاً إياها من الخروج من أحضانه حتى تشبثت به هي الأخرى ودفنت رأسها في رقبته وهي مازالت تبكي.
لحظات من الضعف من الانهيار من القوة من التمسك في آن واحد شعرت بهم تلك مكة. وظلوا هكذا في أحضان بعضهم، هي تبكي وهو يعتذر، وكله تصميم على أن لا يتركها تحترق وحدها حتى هدأت عندما أفرغت شحنة غضبها منه بالبكاء. ثم احتضن وجنتيها بين يديه وردد بأسف للمرة التي لم يعرف عددها:
"حقك على قلبي ياقلبي، والله العظيم ماهتتكرر تاني غير برضاكي، وعمري ماهغصبك على حاجة تاني."
ثم قام من مكانه وجذب قميصها الملقى أرضاً وألبسها إياه كي يستر جسدها العاري. ثم تحدثت أخيراً بصوت خرج من حلقها إجباراً:
"ممكن تسيبني لحالي دلوقتي لو سمحت."
ثم قامت بتسوية شعرها المبعثر من أثر هجومه عليها وعقدته برابطة الشعر الخاصة بها. وكررت كلامها مرة أخرى وهي تداري عيناها عن عينيه وتنظر جانباً:
"لو سمحت عايزة أبقى لوحدي."
حرك رأسه برفض قاطع:
"يامكة مش هقدر أسيبك لوحدك، غصب عني، ارجوكي خليني جنبك، خليني أفضل جنبك عشان قلبي يفضل مطمئن عليكي."
رأت التصميم في عينيه، فشعرت أن جسدها يرتعش برداً. ورآها في حالتها فدثرها جيداً بالغطاء. ولم تلبث بضع دقائق حتى ذهبت في سبات عميق، فقد أرهق جسدها من عاصفة اقترابه. وتلك المرة الأولى في اقترابه منها، وكما أن البكاء جعلها تشعر بالدوار. وجدها نامت فاستراح بجسده جانبها، ثم جذبها إلى أحضانه وهو ينظر لها بخوف خشية فقدانها. ثم ذهب في نومه هو الآخر وهو مازال متشبثاً بأحضانها.
فما أجمل الفرار من الحبيب إلى الحبيب.
******************
في منزل سلطان تجلس زينب ومعها خبيرة التجميل التي أحضرتها رحمة لها منذ أكثر من ست ساعات. فقد قامت بصبغ شعرها إلى اللون الأحمر الكستنائي، فذاك اللون يليق على لون بشرتها. ثم جعلت الخبيرة تجري لها جلسة بروتين حتى تصبح كَنجمات الشاشة. وحقاً، فذاك اللوك أصغرها أعواماً وأعواماً. ثم قامت بتنظيف بشرتها بجميع مراحلها حتى نضر وجهها والتمع وظهر لون عينيها مع بريق وجهها، مما أعطاها مظهراً جذاباً للغاية.
وبعد أن انتهت الخبيرة تحدثت بانبهار:
"ما شاء الله ياحاجة، كأنك صغرتي عشرين سنة. ده إنتِ اللي يشوفك ميصدقش إنك مامت رحمة خالص."
كانت زينب تنظر لحالها في المرآة وهي غير مصدقة أن ذاك شكلها. ثم تحدثت بانبهار وهي تشكر تلك الخبيرة بامتنان:
"تسلم يدك ياشرين، دي أنا معرفتنيش. هو كده أكده الستات مهملة في نفسها لدرجة إن نص يوم يظبطوا فيه حالهم يلمعوا أكده! دي إنتِ رجعتيني عشرين سنة لورا ياللي يدك تتلف في حرير."
ابتسمت لها الخبيرة، ثم أعطتها زينب مبلغاً من المال يزيد عن طلبها لما فعلته معها الآن. ثم قالت رحمة لها:
"يالعيني عليك يابوي، ده إنت جايك أيام مهببة من كيد زينب واللي هتشوفه على ايديها. وأنا أقول انتِ يابنت طالعة قوية وحربوقة لمين؟ اتاريييي."
على حين غرة ألقت زينب نعلها في وجه تلك الرحمة وهي تهدر بها:
"قـ.ـطع لسانك من لغلوغه يا أم لسانين ياقليلة الرباية. بقى أنا حربوقة يابنت الجزمة إنتِ."
ماتت الخبيرة ضحكاً على تلك الزينب وابنتها وهي تحاول الفكاك بينهم. فزينب تلاحقها بالغرفة ومصممة على ضربها، حتى استطاعت الفصل بينهم. ورحمة تردد لها بكيد:
"بقى كده يا زينب، آخرة المعروف الضرب بالكفوف؟ ولا انتِ عشان بقيتي شبه الممثلات دلوقتي هتكبري على بتك ياقمرة انتِ ياوحشة."
فحقاً، كان خناقهم مضحكاً للغاية. ثم قالت زينب لها بتهديد:
"وأديكي بالجزمة كماني لو ماكسرتيش لسانك ده يابنت سلطان."
"دلوقتي بقيت بت سلطان يا زينب، ما صحيح خير إن تعمل ضرب وتهزيق وشتيمة تلقى ماشي. ابقي قابليني لو خليتك تلعلطي كده تاني ومعرفتِيش تغيظي أبو السلاطين ياناكرة الجميل."
مازالت شرين تضحك عليهم وهي تقف مانعة زينب من الانقضاض عليها، ثم حذرتها شرين:
"والله يارحمة إن مانكتمتي لأهسيبها عليكي، واني بصراحة هموت وأسيبها عليكي."
شعرت رحمة بأن زينب فقدت أعصابها من كيدها لها، ثم اعتذرت لها وهي تضحك على حالهم:
"الله يازوبة، متكونيش أفوشة كده، بهزر معاكي يا وحش الكون انتِ."
سعدت زينب من ذاك الوصف، ثم سألتها:
"بجد يابنت رحمة، بقيت زي وحش الكون أكده؟"
"أمال إيه عاد، دي إنتِ تفلقيها بجمالك اللي يدوب أج دعها شنبات، وخصوصي شنبات أبو السلاطين."
ظلوا يبتسمون مع بعضهم بعضاً من الوقت. ثم قالت رحمة لوالدتها:
"خلاص يازوبة، ادخلي انتِ خدي لك شاور زين كده والبسي من الهدوم الجديدة اللي جبتها لك، واخرجي اقعدي بره كده وسيبي شعرك وحطي رجل على رجل وكيدي الأعادي."
بعد مرور ساعة، كانت زينب تجلس في بهو منزلها بذاك الجلباب الأبيض المزخرف بالنقوش السوداء وبه خطوط طويلة أظهرت تناسق جسدها الممتلئ قليلاً. ويزين أكمامه دانتيل باللون الأسود وتصل إلى نصف ذراعها، وكذلك صدره مزين بذاك الدانتيل ومفتوح بعض الشيء يبرز عضلات صدرها الأبيض اللامع. وتفرد شعرها على ظهرها من الخلف، ورائحتها الجميلة الساحرة عبأت المكان بأكمله.
كان سلطان في ذاك الوقت يهبط الأدراج وهو يدندن، فقد كان يقضي وقته مع تلك الوجد. ثم نظر إلى الأسفل ووجد امرأة غريبة تجلس بتلك الأريحية والانكشاف في بيته. نزل سريعاً كي يرى من تلك الجريئة التي تجلس بذاك الشكل.
أما هي، سمعته وهو يدندن أعلى الأدراج فاغتاظت بشدة وتوعدت أن تسقيه الويلات. وصل إليها حتى وصل أمامها، ثم تحدث مندهشاً:
"زينب! إيه اللي انتِ عملتيه في حالك دي؟"
وضعت قدماً فوق أخرى وأجابته وهي تتصفح ذاك الهاتف بين يديها ولم تنظر إليه:
"عملت إيه يعني؟"
أجابها باستنكار:
"قولي معملتيش إيه! حطالي أحمر وأخضر وقاعدة لابسة قميص النوم ده ومش مختشية، لا ولدك يدخل عليكي دلوقتي. قومي يا ولية اتحشمي ولمي شعرك دي وامسحي وشك."
انتصبت واقفة أمامه واقتربت منه وهي تردد برفض قاطع:
"والله عمران ابني لو شافني عريانة حتى مليكش صالح انت. واعمل حسابك إن دي شكلي ودي لبسي في بيتي بعد كده، مش عاجبك طلقني ياسلطان وهمل البيت ليا ولولادي وخد الحرباية اللي إنت اتجوزتها علي وسيبوني براحتي في بيتي ألبس كيف ما يعجبني وأعمل اللي على كيفي."
"كسـ.ـر دماغك على دماغ اللي يتشدد لك يابنت نفيسة الدلالة." ثم جذبها من رسغها وأدخلها غرفتها عنوة عنها، وهي لم تستطع الإفلات من يده فكان متمسكاً بها بإحكام.
رأتهم من الأعلى تلك الوجد فغلت الدماء في عروقها حينما وجدت أنه أغلق الباب خلفهم. فدَلفت إلى غرفتها وهي تتمشى فيها بحقد يأكلها وهي تحدث نفسها:
"ده إنتِ حتى يازينب ياشايبة منتيش سهلة، ولا الولية بتاعة الأعمال دي كمان، ولا عملت حاجة من وقت مارحت لها."
ثم ضربت بقبضة يدها في الحائط وهي تكمل بغيظ:
"هو في إيه بالظبط؟ أنا معدتش مستريحة."
ثم ارتدت الخمار التي تجلس به في شرفتها وأخذت هاتفها وخرجت إلى الشرفة واتصلت بتلك الدجالة التي ما إن رأت رقمها حتى هدرت بها:
"إيه ياحضرة الشيخة هانم؟ مشفتلكيش كرامات ظهرت ولا حاجة، وبقالي أكتر من أسبوعين مستنية، هو إيه أصله ده؟"
كانت تلك الخضرة قد نسيت أمرها والآن ذكرتها بما حدث لها بسبب جلبها لذاك القطر الملعون من وجهة نظرها وكما أسمته. ثم هدرت بها هي الأخرى:
"صوتك ميعلاش على الشيخة خضرة يابنت إنتِ. وبعدين عايزة حاجة تاجي لي حدّي، إنه ونتحادّث كلام التليفون ده مبحبوش. واعملي حسابك، عملات للبت دي معملش وأعلى ما في خيلك اركبيه ويالا من غير سلام."
أغلقت الهاتف في وجهها، ثم جلست تلك الوجد تشاط غضباً، فقد ابتلعت نقودها في بطنها ولم تفعل لها شيئاً. وصارت تجلس بأقدام تدب أرضاً وهي ترى نفسها ملقاة خارج المنزل دون أن تثأر لقلبها من ذاك العمران ولكرامتها من تلك الرحمة.
ثم اتصلت بصديقتها أولاً، وبعد أن أجابتها طلبت منها:
"شوفي بقي، أنا عايزة أربع نسوان شداد، نسوان مش أي كلام."
سألتها صديقتها:
"ودول عايزاهم لإيه دول؟"
"عايزة آخد حق ضلعي اللي اتكسر وحق الضرب اللي انضربته والعين بالعين."
"طب ودول عايزاهم امتى يا أم دماغ يابسة انتِ؟"
"بكرة بالظبط، هقول لك تخليهم مستنينها على أول الزراعية على الساعة ٨ بالليل تكون اللي ماتتسمى اللي اسمها رحمة راجعة من شغلها. هبعت لك كذا صورة ليها تخليهم يحفظوا شكلها كويس، عايزاهم يكسروا لها ضلوع يديها الاتنين ورجليها كمان ويخزقوا لها عينيها ويخلوها تمشي عورة، وزي ما عملت فيا هي وأمها المرة الشايبة العايبة يتعمل فيهم ويزيد."
أنهت كلامها وهي تنظر بحقد لذاك المنزل التي ما عادت تطيق الجلوس به، ولكن لها ثأراً ستأخذه منهم جميعاً. ثم جلست تفكر ماذا هي فاعلة بعد الآن.
أما في غرفة سلطان وزينب، كان يهدر بها:
"أني صبرت عليكِ كتير، والظاهر أكده إن دماغك ناشفة وانتِ اللي جبتيه لنفسك يازينب."
ارتعبت من طريقته، ثم قامت من مكانها وقصدت الباب كي تخرج وتهرب من أمامه. فعمران وسكون في عملهما ورحمة خرجت ولم تجد أياً منهم تستنجد به مهما صرخت. لاحظ نظراتها على الباب فسبقها وأغلق الباب. حاولت أن تأخذه منه، ولكنها لم تفلح. فرمى عصاه وعباءته أرضاً واقترب منها وهو يلف ذراعها خلفها مكملاً بغضب:
"مش قلت لك يازينب قبل كده، اللي مياجيش طيبة ييجي غصيبة، واهه محدش هينجدك من يدي واصل يابنت نفيسة."
تحدثت وهي تحاول الفكاك من يده فلم تستطع، فلجأت إلى أسنانها وغرزتها في يديه، فتوجع من فجأتها وأفلتت يديه فابتعدت عنه. لحقها ولكنه لم يستطع جذبها، ثم قالت:
"متبقاش عيل صغير ياسلطان وهملني لحالي، مرايدكش يا أخي، هي عافية ولا إيه؟"
"مش بمزاجك يازينب، وحقي الشرعي هاخده منك غصب عنك."
قررت اللجوء للحيلة الآن، فهو لن يتركها. فبكل هدوء تمددت على التخت وقالت له بنبرة جدية مصطنعة:
"آه ياني، فرهدتني على الفاضي. وريني هتاخدوا إزاي وأنا مش طاهرة ياسلطان."
شعر بالخزي للمرة الثانية، ثم سألها:
"مش طاهرة كيف يعني؟"
أجابته بثقة وتأكيد جعلته لم يشك بها:
"هو أنا مش كيف الحريم ولا إيه ياسلطان؟ مبياجيش علي أيام جوزي، مينفعش يقرب مني. لو عايز تتأكد، أخليك تتأكد."
هي تعلم أن نفسه تتموع من ذكر تلك العادة أمامه. ثم تحمحم وهو يأخذ عباءته مردداً لها بتحذير والشر يتطاير من عينيه:
"طب يمين بعظيم يازينب، لو خرجتي من الأوضة بالمسخرة دي تاني، لأهيتكسر لك رجلك عشان متعرفيش تخرجي منها تاني."
رأت غيرته النابعة من عينيه، ففرح قلبها بشدة وقررت السكوت الآن. إلى أن ارتدى جلبابه، ثم خرج من الغرفة. فوقفت على أعتابها، وعندما رأته اقترب من الباب نادت عليه بعلو صوتها مرددة بكيد جعله يركض إليها، لكنها أغلقت الباب بسرعة:
"نئبك طلع على شونة ياسلطان، إني لسه مصلي العصر دلوقتي عشان تعرف إنه بخطري وبرضه مهخليكش تلمس شعرة مني، وخليك بنـ.ـارك كده يابتاع وجد وزفت الطين."
ظل يسبها بأبشع الألفاظ، فأشغلت الهاتف على صوت الموسيقى العالية كي لا تسمع سبه لها، وهي تنطق لنفسها داخلاً:
"ولسه ياسلطان، إن ماخليتك تقول حقي برقبتي مبقاش إني زينب بنت نفيسة الدلالة."
أما في الأعلى عند وجد، قررت أن ترسل تلك الفيديوهات التي دمجتها مع بعضها والتي صورتها لعمران وهو نائم، وهي كانت تتدلل في أحضانه بأوضاع غير مريحة. من يرى عمران يظن أنه مغمض العينين ويتنعم في قربها من تقلبه بين يديها. أرسلت الفيديو لسكون ودونت أسفله:
"قلت لك كتير وحذرتك قبل ما تدخلي البيت ده، قلت إنه عشقان مرت أبوه وهي كمان عشقاه وانت مصدقتنيش. إني بقول لك انفدي بجلدك دلوقتي منه وخلي بالك، لو ورّيتي حد الفيديو دي هو وأبوه هيتعاركوا واحتمال يموتوه."
وصل ذاك الفيديو لسكون ورأته مراراً وتكراراً، وحقاً انصعقت مما رأته وهبطت دموع عينيها كالشلالات وأصبح حالها يرثى له.
في اليوم التالي وبالتحديد في غرفة عمران وسكون، على صوتهما بعض الشيء ومن الواضح أنهما واقفان من عدة ساعات على حالتهما تلك والنقاش احتدم بينهم، مما اكتشفه عمران من تلك السكون وجعله ينصدم. تشنجت عضلاته وهو ينظر إليها بغضب ساحق مغلف بالاندهاش، ثم أمسكها من كتفيها مردداً بغضب وهو يهزها بعنف:
"من متى وإنتي اتحولتي كده؟ من متى وإنتي حالك اتعوج ومحدش بقي يعرف يكلمك وبقيتي كيف الأسد لما يعيش دور ملك الغابة؟"
ثم استرسل حديثه بنبرة زادتها الدهشة وهو يدور بها في الغرفة وعيناه مثبتة داخل عينيها:
"ولا إنتِ كنتِ كده أصلاً ومكنتش شايفك على أصلك اللي بان وبالجامد أووي!"
نفضت يديها بغضب مماثل، ثم هدرت به بحدة:
"سيبك بقى من جمودك اللي زهقت منه ده وتعاملِك الناشف وياي. واعمل حسابك أني خلاص مش هتحمل أعيش في البيت ده تاني بعد اللي شفته بعيني. المستور انكشف وياعيني على المغدور به لما يعرف اللي بتعمله."
وأكملت وجعها وعلامات وجهها تحكي آلاف الحكاوى المريرة وهي تضم حاجبيها بحزن:
"مع إن ربنا بعت لي تحذيره مرة واتنين، بس عاندت وكبرت دماغي ومشيت ورا قلبي وقلت لاااا، يستحيل يطلع منه كده! متمشيش يابنت ورا هواجس شيطانك وعيشي حياتك وافرحي بحبك ده السند اللي ربنا عوضك بيه."
صفق بيديه وفكه يهتز بسخرية من حالة ظلم النفس التي تظنها. وردد باستنكار:
"ياريت متعشيش الدور وتمثلي دور المظلومة وإنك الملاك وإنك المجني عليها في الرواية."
ثم اقترب منها وحضن وجهها بين كفّي يديه وأكمل بتهديد وعيناه قاتمتين من شدة غضبه:
"بس ورب الكون لاهندمك على كل لحظة وجع عيشتها لي، على كل لحظة حب اديتهالك ملقتش قصادها غير غدر، على كل لحظة ائتمنتك فيها على قلبي وخنتِ الأمانة. وافتكري إنك اللي بديتي والبادي أظلم."
وضعت كفّي يديها على كفّي يديه وبنفس طريقته ونظراته نطقت:
"كل كلمة ووعد وتهديد وتحذير وجهته لي دلوقتي لك زيه وأكتر وزيد عليهم كيد النسا اللي تدعي ربنا ينجيك منه."
صار كلاهما يدوران في نفس المكان ونظراتهما تحوي آلافاً من تحدي العناد وجيوش الغضب. وكل منهما يظن أن الآخر قد غدر به ونسي عشقه. وكل منهم يردد داخله نفس المقولة: "على الباغي تدور الدوائر."
رواية من نبض الوجع عشت غرامي الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم فاطيما يوسف
وضعت كفاي يداها على كفاي يداه. وبنفس طريقته ونظراته نطقت:
_ كل كلمة ووعد وتهديد وتحذير وجهته لي دلوك لك زييه وأكتر وزيد عليهم كيد النسا اللي تدعي ربنا ينجيك منيه.
صار كليهما يدوران في نفس المكان، ونظراتهما تحوي آلافاً من تحدي العناد وجيوش الغضب. وكل منهما يظن أن الآخر قد غدر به ونسي عشقه. وكل منهم يردد داخله نفس المقولة: "على الباغي تدور الدوائر".
وبنبرة تحذيرية هزها بعـ.ـنف مهددا إياها:
_ اعملي حسابك خروج من البيت دي ممنوع لحد ماتتربي ياسكون تتعاملي إزاي مع جوزك.
تحدثت برفض قاطع:
_ مش من حقك تمنعني من الخروج ومن شغلي. أني هسيب لك البيت خالص ياعمران ومش هعيش فيه ثانية واحدة بعد اللي شفته بعنيا.
احمرت عيناه بغضـ.ـب شديد من عصيانها له، ثم ألقاها على التخت هادرا بها:
_ طب جربي تعتبي عتبة الأوضة داي ياسكون وتخالفي كلامي، ورب الكون لاهتشوفي وش عمرك ماشفتيه علي عمران قبل اكده.
وأكمل وهو يقفل أزرار حلته بنفس غضبه:
_ وبكرة تتأكدي إن الفيديو الاهبل دي مش حقيقي وان كل اللي في دماغك عني وهم. وساعتها عقابك على تنزيلك لولدي اللي في بطنك والحبوب اللي بتاخديها داي علشان متخلفيش مني عقاب مهتحمليهوش ياسكون، عقاب عمران قاسي قوووي.
وتركها وغادر الغرفة والمنزل بأكمله. فارتمت بجسدها على التخت ودفنت رأسها في الوسادة وهي تبكي بغزارة، وتتذكر ماحدث منذ الأمس إلى الآن جعل حياتها انقلبت رأساً على عقب.
#فلاش_باك
كانت سكون تشاهد الفيديو مراراً وتكراراً، ودمع عيناها يهبط بغزارة على وجنتها. ثم رمت الهاتف أمامها على المكتب ومازال الفيديو مستمراً في التشغيل. سمعت شهقاتها فريدة صديقتها في الخارج وهي آتية إليها، فدلفت على الفور وهلعت من حالتها المذرية. ثم اقتربت منها وهي تسألها بخوف:
_ مالك ياسكون في ايه ياحبيب..
وكادت أن تكمل سؤالها إلا أن عيناها رأت ذاك الفيديو. فوضعت يدها على فمها تكتم شهقتها، ثم أغلقت الهاتف فوراً. ثم جذبتها إلى أحضانها وهي تحاول تهدئتها:
_ بسسس متعيطيش مش كفاية اللي انتِ فيه ياحبيبتي.
ظلت تبكي في أحضان صديقتها وهي تردد من بين شهقاتها:
_ شفتِ الفيديو واللي فيه عامل ازاي! مش عارفة ليه عمل اكده، خان أبوه، ومعرفنيش ماضيه ولا أي حاجة عنه.
ثم أكملت بنحيب:
_ ليه كسـ.ـر قلبي بالطريقة داي؟ أااه ياقلبي اللي اتوجع، واتقهر، أااه ياحب السنين، أااه ياعمرااااان ليه.
_ ياسكون متظلميهوش، الله أعلم هو عيمل اكده كيف؟ وكمان ملكيش حكم على ماضية.
_ إزاي مليش حكم على ماضيه، داي مرت أبوه وعايشة معانا في نفس البيت. أتاري كنت اشوف نظراتها ليه وكنت بكدب نفسي. إزاي هقدر اتحمل دي كله، ازاااي يافريدة.
لم تفصل بكاؤها وظلت تبكي على حبيب قد غدر وعلى مرض لن تشفى منه. وأصبحت حياتها قاحلة الآن في وجهة نظرها. ثم رددت وهي تمسك جبهتها من صداع الراس الشديد التي تشعر به الآن:
_ هي خلاص اتقفلت بيناتنا، لا اني عدت انفعه وهو هدم جسر الثقة ما بينا.
سألتها فريدة بخوف:
_ معناته ايه كلامك دي ياسكون؟
تنهدت بحسرة وألم نفسي انتابها، ثم تحدثت:
_ معناته ان خلاص حدوتة الشاطر حسن خلصت على اكده.
ثم حملت حقيبتها وغادرت مكتبها والمشفى بأكملها. وعقلها يدور بتفكير فيما هو قادم وكيف ستسير أمورها مع عمران. وصلت إلى المنزل وحمدت ربها أنها لن تجد أيا منهم. وصعدت على الفور إلى شقتها وهو لم يجئ بعد. جلست تفكر كثيراً وكثيراً حتى اهتدت لما ستفعله بقلب انشطر حزناً وألما.
سمعت صوت سيارته قد جاء. فدخلت حمام غرفة نومها. ثم أمسكت هاتفها واتصلت بفريدة صديقتها. وما إن أتاها الرد حتى طلبت منها:
_ شوفي بقى إنتي تسمعي مكالمتي وتتماشي معاي فيها.
_ يعني ايه ياسكون مفهماش حاجة واصل؟
استمعت إلى صوت قَفل الباب وصوت أقدامه دلف إلى غرفة النوم. فاعتلى صوتها:
_ انتِ اتجننتي يافريدة عايزاني اقول له كيف اني كنت حامل ونزلت الجنين علشان معايزاش عيال دلوك. ولما يسألني عن السبب أقول له ايه، اكده هيشك اني لسه بثق فيه.
كانت فريدة تستمع لها بغرابة. ثم تابعت سكون وهي تعلي صوتها مرة أخرى:
_ أمال لما يكتشف اني باخد حبوب منع الحمل كمان هيعمل ايه في.
كان عمران يبحث عنها. ثم سمع صوتها تتحدث في الحمام فاندهش. فليست عادة سكون أن تتحدث في الحمام. فكاد أن يدق الباب كي يطمئن عليها. إلا أنه استمع إلى كلمتها "نزلت الجنين". فاتسعت عيناه بذهول ووقف يستمع إلى مكالمتها بإنصات شديد. إلى أن ذكرت حبوب منع الحمل. فذهب إلى الأدراج كي يبحث عن تلك الحبوب التي تتناولها. وذهل بشدة عندما وجدها. لو لم يستمع بأذنيه إلى حكواها لم يصدق أبداً مهما حُكي له من ألفِ حاكي. لو لم يستمع بأذنيه ما قالته الآن ما كان مصدقا.
الآن وصلت سكون لما أرادته. ثم أخذت نفساً عميقاً قبل أن تخرج له كي تواجه أشد وأصعب مواجهة في حياتها. مواجهة الفراق. مواجهة الألم. سلام الله على البرئ قلبي من الألم من الاشتياق لك عمراني. ثم دقت على قلبها تنهره: كفي قلبي مازلت تنعته عمرانك! تعلم القسوة كي تواجه فراق العمران. فكل الطرق سُدَّت أمامك الآن ولم يعد غير الذكرى بيننا.
استجمعت شتاتها المفرق وأخذت نفساً عميقاً، ثم خرجت إليه وداخلها منهار. خرجت وجدته يضع وجهه بين يداه وهو مصدوم فيها مثلها. يالها من لُعبة الأيام فقد قصدت وجعه كي تبتعد بسهولة دون أن يونب ضميره.
الآن ارتدت قناع الجمود، قناع النسوة اللواتي يتمرسن الكيد كي تخرج من مواجهة عمران بكلمة واحدة تنهي ميثاق الحب والعهد على البقاء.
رفع رأسه أخيراً وهو مصدوم منها. فتلك صغيرته التي عشقها فوق العشق عشقا ذبـ.ـحته بنصل بارد. إلى الآن يدور في خلده عن أسباب يقنع حاله أن ما استمع إليه أوهام. ولكن ما أبشع تلك الحقائق من لم نتوقع منهم الغدر.
فرفع ذاك الدواء أمامها وسألها:
_ ايه دي ياسكون بيعمل ايه في دولابك؟
رأت عيناه اللامعة بدمع الصدمة فيها. وكادت أن ترتمي تحت قدماه وتحكي له كل شيء عنها. ولكنها تذكرت ذاك الفيديو. فقست قلبها كالحجارة أو أشد قسوة. وأجابته:
_ داي حبوب منع الحمل معايزاش أخلف منك ياعمران.
انتفض واقفا مكانه بحدة ووقف أمامها. وبعينين مظلمتين هتف بهدوء ماقبل العاصفة:
_ وايه تاني ياملاك، كملي تقطـ.ـيعك في عمران علشان لما يقسى ويدوس يبقي عنديه حق.
ضمت شفتاها بغضب مماثل له. ثم أحضرت هاتفها وفتحته أمامه وعرضت الفيديو أمام عيناه وهي تهتف بنبرة مماثلة:
_ مش لما تفهمني ايه دي انت كمان؟
اتسعت مقلتي عمران وهو يشاهد ذاك الفيديو القذر. فلأول مرة يراه. ثم جذب منها الهاتف وأعاد تشغيل الفيديو مرة بعد مرة. وإذا به ينصدم حتى اكتشف أنه كان نائما وخارجا عن الوعي. وتلك الوجد استغلت خلوته. ومن الواضح أنها كانت تضع له شيئاً في المشروب غيبه هكذا. فكم تذكر عدة مرات شعوره بالدوار وأنه نام مكانه في الاسطبل دون أن يشعر. ولكنه حينما يستيقظ كان يجد ريحتها المقززة لقلبه تملأ جسده. حتى كشفها تلك المرة وصفعها صفعات عديدة ولم يعد يأكل أو يشرب أي شيء من يدها.
أما هي اندهشت بشدة من صمته وهو يشاهد الفيديو مرة بعد أخرى وعيناه مصدومة. فتحدثت:
_ ايه لسانك سكت دلوك ياعمران ومعدتش قادر تتكلَم دلوك وانت شايف نفسك هيمان في أحضان مرت بوك وبتخونه.
لم يتحمل كلمتها تلك وطريقتها ووصفه له بذاك الوصف الشنيع. وفجأة ومن شدة غضبه صفعها على وجهها صفعة قوية وهو يهدر بها بعيناي قاتمتين:
_ اخرصِ اوعاكِ تقولي الكلام دي تاني ياسكون، انتِ مفهماش حاجة واصل، اللي في الفيديو ده غلط وبكرة تعرِفي كل حاجة.
استقبلت صفعته لها بعيناي دامعة بصمت وقلب انـ.ـشق إلى نصفين داخل جسدها. وماعادت قادرة على تجميعه مرة أخرى فقد ذاب الحجر. ثم سألته بنبرة مستميتة وهي تترجاه أن ينفي مافي الفيديو بتاتا وأنها خُدعة من تلك الماكرة:
_ طب قول لي الفيديو متفبرك وإن مش إنت إللي بتتمرمغ في حضنها بالطريقة المثيرة داي، أهاتك وانت مغمض عينيك ومستمتع جوه أحضانها قتـ.ـلتني ياعمران.
ثم أكملت وهي تضع يدها على قلبها وكأنه خائفة عليه أن يقع صريعاً بين يداها:
_ اااه ياقلبي اللي اتوجع منك بالجامد وبيتمني المـ.ـوت ولا إنه ينصدم الصدمة داي. مش مسامحاك ياعمران وقلبي اللي إنت جرحته وخنته مش مسامحك. قلبي اللي كان مستعد يدوس على نفسه ويتقبل أي فعل شين من أهلك علشان خاطر يفضل جمبك هادي ومطمن مش مسامحك.
وأكملت وهي تضع يديها نصب عينيها تبكي بغزارة:
_ ليه خنت العهد والوعد! ليه كسـ.ــرت قلب كان مستعد يضحي بعمره كله علشانك؟
لم يتحمل بكائها ولا فهمها الخطأ للأمور. ولكنه تذكر أنها أجهضت جنينه ويزيد عليهم تناولها لتلك الحبوب التي تمنعها من أن تحمل في أحشائها جنينا منه. لم يهمه أن يصلح مفهوم ذاك الفيديو أمامها لأنه لن يحكي لها عن أسرار عنائه بسبب تلك الوجد سنوات. فهو لن ينقص من رجولته أمامها مهما حدث. ولكنها ستتأكد حينما تخرج تلك الوجد من ذاك المنزل أنها أخطأت به وبحقه.
أما عنها كيف له أن يسامحها فيما فعلته به. لقد جعلته يشعر بأنه ليس رجلاً في عينيها. دمـ.ـرت كبرياء رجولته. هزمت جنود العشق لها في قلبه. ثم نطق بوجع:
_ طب أني وكل حاجة هتعرفيها وعن قريب وهتعرِفي إن الست داي شيطان مدمـ.ـر بتعمل أي حاجة علشان توصل للي هي عايزاه. منكرش إنها عرضت نفسها على كَتيير بس أني كنت برفض لاني مبطيقهاش. بس داي كانت مرت عمي ودلوك مرت ابوي. ولو خدت أي رد فعل غير محسوب هنتـ.ـقاتل اني وأبوي وأني مهعملش اكده. كنتِ اصبري واتأكدى الاول قبل ماتقـ.ـتلِ ابني اللي بترجاه من الدنيا. ومكفكيش كمان بتاخدي حبوب منع الحمل ياسكون علشان متخلفيش من عمران.
ثم أمسك ذاك الدواء وقام بتفتيته بين يداه. ثم اقترب منها وهو غاضب وعيناه لم ترى شيئا سوى أنها خدعته وكسـ.ـرته وأنقصت رجولته. وهو يتحدث بما ينتوي فعله:
_ طب أني همارس معاكي حقي الشرعي دلوك من غير ماتاخدي الحبوب وهكررها غصب عنك مرة واتنين وتلاتة لحد ما تحملي تاني. ومش هتخرجي برة عتبة الأوضة داي غير لما تولدي واشيل ابني اللي بترجاه من الدنيا ياسكون. وبعدها فارقي كيف مانتِ رايدة انتِ مصنتيش عمران.
كادت أن تعترض ولكنه لم يمهلها فرصة الاعتراض واقترب منها وهو يمارس حقه فيها ولم يأبه لرفضها. وانقلبت موازين العشق الآن لدي عمران وسكون إلى حرب ضـ.ـارية فتكت بقلوبهم البريئة في العشق.
#عودة_من_الباك
هبط عمران للاسفل ووجد الزغاريد تملأ المكان. فقد كانت والدته وأختاه تجلسان بجانبها وهم يهللون فرحا. فحاول ظبط نفسه كي لا ينكشف أمره ورسم البسمة على وجهه:
_ صباح الخير عليكم، ايه اللي مفرِحكم قووي اكده؟
ردت والدته وعلامات السعادة تنطق على وجهها:
_ تأشيرات الحج بتاعتي اني وابوك جت اخيرا والمشكلة اللي كانت تبعه في الباسبور بتاعه اتحلت وهنمشي كمان يومين ياولدي. عقبالك إنت ومرتك ووقتها تكون جابت عيل صغير تسيبهولي اهنه حتة منيكم تونسني.
وأكملت وهي تنظر للأعلى:
_ الله أمال فين سكون كل دي مسمعاش الزغاريد وتنزل تفرح ويانا.
تحمحم عمران وابتسم كي لا يظهر عليه أي حزن. فلو علمت زينب مابهما لن تصمت حتى تعرف ماذا حدث:
_ اممم.. هي منزلتش النهاردة ولا راحت الشغل بتقول إنها همدانة وعايزة تريح النهاردة وسايبها نايمة فوق.
هنا انفرجت أسارير زينب ثم تفوهت بسعادة:
_ يانهار الهنا ياولدي لاتكون مرتك حامل والهمدان دي من الحبل.
حزن داخله بشدة ما إن ذكرته زينب بالحمل. وبات غاضبا حينما تذكر جنينه الذي أجهضته سكون بدون رحمة أو رأفة به وباشتياقه لأن يكون له قطعة منه بعد كل ذاك العناء والعمر يمر به. وبات داخله يردد:
_ كم كنتِ قاسية معي سكوني وخانتني عيناي في برائتك المزيف.
ثم عاد من شروده واحتضن والدته قائلاً بنفي:
_ له ياحاجة مش حامل. وبعدين داي داكتورة نسا يا امي يعني ميخفاش عليها الحاجات داي.
أما في الأعلى تحدثت سكون مع فريدة وهي تستنجد بها:
_ يابنتي بقولك أخد الحبوب وكسـ.ـرها وحابسني في الشقة ومش راضي يخرجني. فأنتِ اعملي نفسك جاية تطمَني علي وهاتلي حبوب غيرها.
رفضت فريدة ماقالته:
_ وه عايزاني أعمل اكده كيف ياسكون ولو جوزك عرف وقتها يُطخني عيارين يجيب أجلي.
دبت سكون في الأرض غيظاً منها:
_ وهيعرِف منين يافريدة متجننيش امي. اني مش هخليه يشوفها واصل. وبعدين أنتِ عارفة إني لازم اخدها علشان لو حملت هسقط واكده الرحم بتاعي هيتفيرس. وبدل ماهعالج حاجة هدخل في حوارات تانية أني في غنى عنيها.
ثم اكملت برجاء وهي تدمع من حالتها الصعبة:
_ ارجوكي يافريدة انتِ الوحيدة اللي عارفة أني بيا ايه متتخليش عني. وعمران دلوك عامل زي الطير المـ.ـدبوح من ساعة ماعرف إني نزلت اللي في بطني ومهيموش اي حاجة غير إنه يعاقبني على اللي عميلته.
نفخت فريدة بضيق ثم هتفت باستنكار:
_ طب وبالنسبة للي عيمله هو برر موقفه بإيه إن شاء الله؟
اجابتها وهي ترجع خصلاتها للخلف:
_ بيقول إن الفيديو دي مش صحيح وإن البت داي شيطان وانه مبيحبهاش وعمره ما قبلها وان كل حاجة هتبان. ووقتها هعرِف اني ظلمته.
_ وه وانتِ صدقتيه ياسكون؟
أكدت لها وهي تثق في عمران عندما جلست مع حالها وفكرت في الموضوع من كل جوانبه:
_ ومهصدقهوش ليه، اني قلبي عمري ماكدب علي وقلبي صدقه وبالثلت كماني. عمران ميخونش سكون أبدا ولا عمره يعمل العملة المهببة اللي في الفيديو دي.
_ الله أمال اللي إحنا شفناه دي ايه يابت الناس؟
_ معرفاش يافريدة في حاجة غامضة في الموضوع دي. بس اللي أني واثقة منيه إن عمران عمره مايخوني ولا يخون بوه أبدا. عمران ولد حلال.
_ طب لما هو اكده خربتي على حالك ليه وخسرتيه وخسرتي حياتك الهادية ياحبيبتي.
شهقت سكون وهي تتذكر مابها وتحدثت من بين شهقاتها:
_ انهارت يافريدة اول ماشفت الفيديو ووقتها معرفتش كنت عاملة كيف المضـ.ـروبة على دماغي ومتخبطة في كل حاجة. وحسيت أنه خان العهد والوعد وخصوصي إن اللي حصل في الفيديو حاجة مقززة قووي قلبي متحملهاش. فعميلت اللي عميلته وقلت له إن الفيديو دي معاي من كذا يوم. لكن لما قعدت شوي مع حالي وهديت هبابة جبت الفيديو تاني وقعدت اتفرج عليه كذا مرة حسيت انه مغمض عينيه وشكل مايكون نايم. وبعدين الست داي دايما بتبص له نظرات غريبة لمحتها كذا مرة بس بعمل نفسي مش مركزة علشان لو اتكلمت فيها قـ.ـطع رقاب داي.
واسترسلت حديثها وهي تفهمها:
_ عمران نفسه يوبقى أب واني محرمهوش من اكده. واللي حوصل هيخليه يكرهني ويطلقني واكيد هيتجوز ويعيش حياته مع واحدة غيري تفرح قلبه وتجيب له العيل اللي بيترجاه من الدنيا.
_ يابت الناس متخربيش على نفسك وعرفيه كل حاجة عن حالتك وهو واجب عليه يقف جارك ويساعدك وميتخلاش عنك. ماهو عنديه اسرار وغموض هو كمان ومرضيش يتكلم فاستغلي الفرصة وعرفيه ياسكون.
اخذت نفسا عميقا ثم زفرته بإنهاك وقالت:
_ الكلام دلوك فات أوانه يافريدة لازم تاجي النهاردة وتجيبي لي الحبوب الاول وبعدها هشوف هعمل ايه.
_ حاضر ياسكون في حالة ولادة اهنه هخلصها وهعدي عليكي.
أما في الأسفل ارسل عمران رسالة لرحمة أن تأتي ورائه على الاسطبل. فذهبت إليه. رأته يحتضن وجهه بين كفاي يداه. فارتاعبت من هيئته واحمرار عينيه عندما رفع وجهه إليها. فسألته بخوف عليه:
_ مالك ياعمران حوصل إيه مخلي حالتك مايعلم بيها إلا ربنا اكده؟
تنهد بحسرة وألم نفسي مما حدث معه هو وسكون. ثم حكى لها ماحدث من البداية للنهاية مع سكون. فضربت على صدرها ونطقت بذهول:
_ كيف دي سكون كانت حامل وأجهضت الجنين.
_ بتقول إن الفيديو دي جالها من يومين وفي نفس اليوم عرفت انها حامل وقررت انها متخلفش مني واخدت حبوب منع الحمل. هي شايفة إني خنتها مع مرت ابوي. سكون بقت شايفة عمران غدار وخاين وعامل علاقة مع مرات أبوه يارحمة.
وأكمل وهو يود أن يختـ.ـنق تلك الرحمة بين يداه:
_ الله الوكيل محيشنيش عن البت داي غير ابوي بس ورب الكون لاهندمها على الفيديو دي وهخليها تكره اليوم اللي جت فيه الدنيا.
طلبت منه رحمة أن تشاهد الفيديو. فرفض قائلاً:
_ له يارحمة كيف هتشوفي الملعونة داي وعمايلها معاي! داي بت فاجر ومتعرفش اخلاق ولا اتربت واصل.
_ طب كيف ياعمران صورتك الفيديو دي؟
_ ماهي الهانم كانت امك مقعداها وسطينا وبتدخل في وكلنا وشربنا واكيد حطت لي حاجة غيبتني عن الوعي وعيملت اللي عميلته. ولما ملقتش فايدة معاي من السحر والأعمال استغلت الوقيعة بيني وبين سكون علشان تنتقم لقلبها المريض.
_ طب ليه ياعمران لما عرضت نفسها عليك مرة واتنين مضربتهاش بالجزم وعملت لها فضيحة وخلُصت منيها بدال الأذية اللي أذيتهالك داي كلياتها ياولد ابوي.
_ كنت متربط يارحمة وحاسس إن لساني أخرص ومكنتش اعرف حالتي ولا بيا ايه وقتها. كانت ماسكة مفاتيح رجولتي بيدها من سحرها الاسود. وكانت دايما تلمح لي بحاجات زي اكده. ولما ربنا شفاني من سحرها الاسود كنت جاي أهـ.ـد المعبد فوق دماغها لقيت بوكي قال إنه هيكتب كتابه عليها. وإن دي قرار محدش يفتح بوقه ولا يمانع فيه. ومهما قلت له على عمايلها وقتها مكانش هيصدق وهيفكر اني بقف في طريق جوازه منيها أو إني بجيب سيرة الولايا بالباطل. كانك مواعياش لدماغ الحاج سلطان ولما يوبقى حاطط حاجة في دماغه بينفذها من غير كلام.
جزت رحمة على أسنانها بغضب من تلك الوجد. ثم هتفت:
_ ودلوك بت الجزم داي استغلت الفيديو دي وبعتته لسكون وجننت البونية وخليتها عيملت اللي محدش يصدقه واصل. خليتها تنزل ابنك وتكرهك ياولد ابوي.
سألها عمران:
_ بقول لك تعرِفي تجيبي لي بت الجزم داي الاسطبل اهنه من غير ما حد ياخد باله عايز اشوف هي عايزة مني ايه. عايز افعصها بيدي دول واخد تار وجع السنين منيها.
نصيحته رحمة قائلة:
_ متتعجلش ياولد ابوي كلها يومين وبوك وامك يسافروا للحج واعمل فيها مابدالك وخد تارك منيها بس من غير ماتضر نفسك قانوناً.
نفخ بضيق ثم أردف:
_ مهتحملش اصبر يومين على بت الجزم داي عايز دلوك أطبق في زمارة رقبتها اخلص عليها خالص.
_ مينفعش ياخووي اهدي على حالك.
سألها عن الكاميرات وعن ماذا وصلت إليه الآن:
_ طب مفيش اخبار عن الزفت المراقبة اللي عميلتيها داي؟
_ والله اني لحد امبارح مراحتش للدجالة داي وكل قعدتها في البلكونة مبتعملش حاجة. لسه هشوف اكده عيملت حاجة تاني ولا كلمت حد امبارح بالليل. بس لما أروح المكتب دلوك علشان متأخرش وماهر في الشغل ميعرِفش أمه من أبوه.
ودعته وهي تربت على كتفه بحنان ناصحة إياه:
_ متزعلش من اللي سكون عيملته ياخوي هي أخطأت في وقت غضب شديد واللي شافته في الفيديو على حكاويك مفيش ست تتحمله واصل. ولولا إنها عاقلة وراسية كانت قادت البيت حـ.ـريقة وفضحت الدنيا وكانت ورت الفيديو لامك وابوك ومسكتتش. لكن كل اللي قدرت عليه تجهض نفسها وتطلب الطلاق وتبعد عنيك لما حست بالخذلان وكسـ.ـرة قلبها البرئ داي سكون واني عارفاها كويس عقلها وزها تبعد وتسيب لك الجمل بما حمل وميكونش ليها ذكرى منيك يتوجع طول العمر من بعادكم.
_ غصب عني مقادرش مزعلش منيها يارحمة هي عارفاني كويس مكانتش تصدق.
_ ياخوي داي شافت بعنيها محدش قال لها وكماني انت مخبي عنيها كل الحاجات داي ومتعرفش اي حاجة واصل عن تعبك ولا عن اللي عمليته فيك الحرباية داي. كنت المفروض صارحتها عن كل حاجة في حياتك ورميت أسرارك ووجعك ليها علشان لما يحصل اللي حوصل مكانتش عيملت اكده.
ضـ.ـرب بقبضة يده على المنضدة وهتف لها بتصميم قلب موجوع:
_ كنتِ عايزاني أروح أقول لها اني مكنتش راجل يارحمة. عمري ماهعرفها وعمري مابين ضعفي قدامها.
_ يوبقى تسيب اللي حوصل مابينكم في يد ربنا وتسامح وتغفر علشان ماضيك هو السبب في اللي حصل وهو اللي سبب الشرخ مابينكم. وياما بيحصل في البيوت بين الراجل ومرته ياخوي وانت طول عمرك طيب وقلبك كبير.
وأكملت وهي تحمل حقيبتها:
_ اني هروح الشغل بقي معايزش حاجة مني قبل مامشي.
_ له تسلمي ياخيتي خلي بالك من نفسك.
ودعته وذهبت إلى عملها مشيا على الأقدام فالمكتب لا يبعد عن منزلها بعشر دقائق. بعد مرور عدة دقائق وصلت إلى مكتبها و بدأت في عملها بكل جد ونشاط. وبعد قليل وصل ماهر إلى المكتب وجدها منكبة على عملها ولكن لفت انتباهه شيئا ما في ملابسها. فطلب منها دون أن يلقي السلام عليها:
_ حصليني على المكتب دلوك.
أمرها بذلك ودلف إلى المكتب على الفور. فارتعب داخلها من هيئته وطريقته. فقد دخل المكتب دون أن يلقي السلام عليها وطريقته لاتبشر بالخير. فنطق لسانها تلقائيا:
_ استر ياللي بتستر ماله دي داخل بزعابيب امشير اكده ليه.
لملمت الملف الذي بيدها وأمنت مكتبها كما هي معتادة. ثم دلفت إليه وقلبها يدق رعبا من طريقته. ثم سألته:
_ خير ياماهر ياترى قالب وشك اكده ليه وداخل من غير سلام ولا كلام كاني بايتة معاك من امبارح.
أشار إليها أن تجلس أمامه مرددا بغموض:
_ اقعدي.
اتسعت مقلتيها بذهول من طريقته. ثم جلست وانتظرته يتحدث. وتعاملت معه بنفس طريقته ولم تسأله مرة أخرى ماذا به. ثم ناولها الهاتف متسائلاً إياها:
_ ممكن اعرف ايه دي ياهانم؟
رأت ما بالهاتف. ثم توترت حينما استشفت بذكائها سر غضبه:
_ اممم. .. داي تعليق عادي على جروب الشغل اهنه.
_ انتِ شايفة إن دي تعليق عادي يا هانم!
_ الله هو في ايه يا ماهر مابنات كتير داخلين معلقين له وبيباركوله على الماجستير اشمعنا أني يعني، جرى ايه إني باركت له من باب الذوق.
ضرب على المكتب بقبضة يداه والغيرة تشعبت برأسه ناهرا إياها:
_ يا أم قلب حنين ومبيفوتكيش واجب صوح.
واستطرد حديثه بنبرة ساخرة:
_ وماله لما تروحي كمان الحفلة اللي عميلها الدكتور علشان تكملي الواجب.
انزعجت من طريقته الساخرة وهتفت وصوتها على بعض الشئ:
_ هو في ايه ياماهر مكنش حتة تعليق عميلته لزميلي من باب الذوق زيي زي بقيت زمايلي اياك هتعلق لي عليه المشـ.ـنقة.
انتفض من مكانه وهدر بها:
_ متعليش صوتك وانتِ بتتكلمي معاي، هو ينفع الست تعلي صوتها بالطريقة داي يا أستاذة!
وأكمل وهو على نفس غضبه وهو يتحرك ويقف أمامها:
_ ثم ايه حكاية زميلي داي إن شاء الله! هو إنتِ متعرفيش اني مقبلش حتة زميل عمل وحوار المباركات دي والاختلاط وحتى السلام عليكم متقوليهاش لصنف راجل على وش الدنيا غير لابوكي واخوكي بس غير اكده ممنوع تمشي في طريقك مترميش سلامات ولا هباب.
ارتعبت من نبرته ونظراته لها. لم تكن تتوقع أنه يغار بتلك الدرجة. لقد أدهشها بطلبه. ثم أدمعت عيناها من طريقته وانقلابه. ورددت من بين شهقاتها:
_ طب ليه بتزعق لي دلوك ماتفهمني براحة ياماهر واني هراعي غيرتك علي وهتفهم كل حاجة هتقولها لي مش كل حاجة زعيق اكده وتحمر لي عينيك وترعبني منك.
ثم أكملت ببكاء جعله ندم على غيرته العمياء ولم يستطيع أن يمسك لسانه ويتحدث معها بهدوء. ولكنه ذاك الماهر في غيرته لن يرى. ثم جلس أمامها وهدأ من أعصابه قائلاً لها:
_ خلاص يارحمة متبكيش حقك علي بس والله غصب عني لما شفت التعليق اللي انتِ كاتباه له اتجننت من غيرتي عليكِ.
رفعت عينيها المغشية بالدموع وهتفت من بين شهقاتها:
_ ياماهر اني مش عايزة اخسرك ولا حابة اكون لراجل غيرك لاني مش هعرف اكون مع راجل غيرك أعمل إيه في قلبي اللي كانه اتوشم بوجودك جواه. ارجوك ياماهر خلي بالك مني خليك أمين علي وعلى مشاعري.
تنهد بضيق من حاله وفي عدم تحكمه في نفسه حينما يقترب أي جنس رجل منها:
_ حاضر ياحبيبي، خلاص بقى متزعليش وامسحي دموعك الغاليين دول. قلبي بيترج من جواه وبلومني قووي لما احس اني السبب في دموعك دول.
جففت دموعها بالمنشفة الورقية. ثم أردفت:
_ بس انت غيرتك صعبة قووي ياماهر ومتحبكهاش قووي اكده.
حرك رأسه برفض قاطع:
_ مش هعرف ومعاكي انتِ بالذات يارحمة. عشقي ليكي بحسه مختلف. بحس اني عايز اخبيكي عن كل العيون. عايزك تفضلي قدام عيني طول الوقت علشان مخليش اي حد يقرب منك. جنتتيني معاكِ يارحمة ورجعتيني كاني شاب مراهق وعيل صغير مش راجل داخل على الاربعين.
اخيرا ابتسمت من حنوه عليها في الكلام. فذاك الماهر مهما اشتد غضبه ولكن قلبه أبيض كاللبن الصافى يهدأ بسهولة. فهي حفظته عن ظهر قلب وأصبحت تتفهمه بشدة. ثم تحدثت بعشق وهي تضع يدها على وجنتها وتستند بجزعها على المكتب:
_ عارف ياماهر بحس معاك بإيه؟ بحس معاك اني عيلة صغيرة عايزة تتشعبط فيك ومتسبكش خالص. بحس إني عايزة اهرب منك ليك. بحس إن ورا صلابتك داي حنية تكفي العالم كله وورا غيرتك علي رجولة مبقتش موجودة. كان عندي حق احبك واتعلق بيك. كان عندي حق اتمسك بوجود راجل في حياتي زيك يا ماهر.
بنفس نظراتها العاشقة همس لها هو الآخر:
_ طب مش خايفة على نفسك من حب ماهر المتهور. مش خايفة لما توبقى معاه في بيت واحد وتوبقى حلاله من اشتياقه وحبه ليكي هتقدري تتحملي قربه القوي منك يارحمتي.
رفعت حاجبها بمكر وأردفت بعيناي تنظر له بمشاغبة:
_ له دي أني رحمة المهدي يعني الجمدان والاختلاف عن أي ست. يعني لما اختارتك عارفة ومتوكدة إنك هتقدر على شراستي وشقاوتي. عارفة إني مش عايزة راجل طيب وينفذ لي كل اللي أني عايزاه بسهولة. عارفة إن دماغي ناشفة ومتعبة. من الآخر فرسة جامحة قوية ومش عايزة اي خيال يراوضني.
وأكملت وهي تغمز له بشقاوتها المعتادة التى اوقعته فيها:
_ علشان اكده متقلقش علي واني معاك وفي بيتك بس سد انت قصاد رحمة ومتجيبش اخرك.
ابتسم برجولة لمكر تلك الصغيرة ثم هتف:
_ وه وه دي انتِ مش سهلة بقى يارحوم. بس متوكدة انك هتقدري ومش هتنخي وتقولي ارحمني يا ماهر واني مش قدك.
ضحكت بأنوثة مهلكة طيرت مع قلب ذاك الماهر وأردفت بتأكيد:
_ الأيام بيننا يامتر وهنشوف مين اللي نفسه أطول. بس لما اكسب جولة من جولاتي معاك تعترف وأني بردو حقانية لما تكسب جولة معايا من جولات المشاغبة اللي هتشوفها على يد رحمة هعترف وهديك حقك حكم أني حقانية مـ.ـووت.
_ شوفي أهي شقاوتك داي اللي هتهلكك وياي وهتخليكي تبطليها لوحدك علشان متقعيش انتِ تحت يد الأسد.
ثم قام من مكانه وأخرج عُلبة قطيفة ذات اللون البرونزي من حقيبته. ثم عاد وجلس أمامها وفتحها وهي مندهشة. ثم أخرج منها ذاك الخاتم اللامع الرقيق الذي يليق بصاحبته وقدمها لها بغرام:
_ أحلى هدية عيد ميلاد لرحمتى علشان متقوليش على اني بخيل ومبهتمش بالتفاصيل واني فاقد الشم.
انبهرت من رقة ذاك الخاتم. ثم نظرت له بعشق وبعيناي التمعت بغرامه:
_ امممم … الجمال والرقة داي كلها لرحمة!
وأكملت وهي تشكره بامتنان:
_ حبيت قووووي ياماهر، بس كلفت نفسك قووي وباين عليه غالي.
طلب منها أن تمد يداها كي يلبسها إياه مرددا:
_ مفيش حاجة تغلى عليكِ ياروح قلبي الدنيا كلها تحت رجليكِ ياحبيبي وكل حاجة تهون قصاد ابتسامتك وفرحتك واشوف عيونك الحلوين دول مبسوطين.
_ ياه ياماهر ومش عايزني اتمسك بقربك ولمتني كتير على تصميمي عليك. كنت هبقى هبلة قووي لو مكنتش قاومت معاك وانسحبت كنت هخسر كتييير قوووي.
_ طب مدي يدك علشان البسك الخاتم.
مدت يدها المرتعشة من خجلها. ثم مد يداه هو الآخر وبدون أن يلمس إصبعها وضع الخاتم على طرفه وعيناه متسمرة عليها ويود أن يختـ.ـطفها الآن بين أضلعه من سحرها وجمالها. ثبتت هي الخاتم في يدها وكم كان جميلاً وازداد جمالاً حينما زين إصبعها. أراد أن يمسك يداها ويقبلها قبلة عاشق متلهف لحبيبة أتعبت قلبه. ولكن تمهل قلبي فلقد فات الكثير وما بقي غير القليل وستسكن رحمتك حياتك وستنيرها.
أما هي احتضنت يداها بسعادة لاتوصف. فتلك الهدية الأولى لها من حبيبها ومعشوق روحها. فستحفظها بين ثنايا قلبها ولن تفرط فيها أبدا مهما كان.
بعد مرور أكثر من خمس ساعات انغمست فيهم رحمة في عملها ولم تراجع الكاميرات الخاصة بتلك الملعونة. أنهى ماهر هو الآخر عمله. ثم خرج إليها قائلاً:
_ يالا علشان اوصِلك في طريقي واني مروح.
ابتسمت له ثم قالت:
_ له مفيش داعي اني هتمشي لحد البيت. وبعدين طريق الزراعية أوله صعب ومطبات وكمان ضيق وانت مواخدش على انك تمشي فيه فبلاش أتعبك وياي.
صمم على أن يوصلها:
_ خلاص هنزلك على اول الطريق وانتِ كملي يالا قومي.
اطاعته وحملت أشيائها وخرجت معه وركبت السيارة بجانبه. أما في ذاك المكان المظلم الخالي من الناس تقف ثلاث سيدات ذو جسد مملوء على اول الطريق الزراعي ينتظرون موعد رجوع رحمة حسب الزمان والمكان التي اتفقت معهم وجد وعيناهم تترقب الطريق كالكشافات.
وصلت السيارة اول الطريق. فاستعدت رحمة للنزول. فودعها ماهر:
_ هتوحشيني قوووي.
_ وانت كمان هتوحشني قووي خلي بالك من نفسك.
_ وانتِ كمان خلي بالك من نفسك ومتبصيش يمين ولا شمال في طريقك طوالي، ولا أنزل امشي معاكي الحتة داي.
_ قد اكده بتحبني وخايف علي؟
_ طبعاً إن مكنتش هخاف عليكِ انتِ هخاف على مين مليش غيرك.
_ متقلقش علي اني اسد في الحديد وعضمي ناشف ولو حد فكر يقل معاي يوبقى أمه داعية عليه في ليلة قدر.
_ ياواد ياجامد واني أحب الجامدين قووي التعامل معاهم في تحدي.
هبطت من السيارة ثم نصحته:
_ يالا همشي بقي علشان متأخرش وزينب تعمل معاي الجلاشة وداي بالذات مهقدرش اسد قصادها. بس خلي بالك امشي الحتة داي براحتك علشان مليانة مطبات والدنيا ليل.
ابتسم لها ثم حول السيارة ببطئ كي يعود إلي منزله. وعيناه تراقبها من المرآة حتى ابتدت سيارته في الاختفاء. أما هي تحركت بضع خطوات. وعلى فجأة اعترض طريقها تلك السيدات الثلاث ووقفن أمامها وهم يرددون:
_ اهلا يا حلوة.
بفطنتها استشفت غدرهم من اكمامهم التي يشمروها. ففورا تحدثت بذكاء:
_ يانهار أبيض اجروا بسرعة في تعبان وراكم.
استطاعت تشتيت انتباههم بالفعل. وعلى حين غرة ضـ.ـربتها في قدمها ودفعتها بمهارة سريعة في الترعة. أما الأخرتان تقدمت احداهن منها. وقبل أن تقترب منها أخرجت زجاجة البريفيوم الخاص بها وسكبته في عينيها بغزارة. وصارت تتحرك بهوجاء في المكان. وقبل أن تفيق جذبت حجارة ثقيلة من الأرض وقذفتها في قدمها. كل ذلك مع عويل السيدتين من ستغرق في الترعة والأخرى من ألم عينيها وقدمها.
سمع ماهر ذاك العويل وهو يحاول الخروج بسيارته من ذاك المكان الضيق. فانتابه القلق على رحمتة. فترك السيارة مكانها وهرول إليها. أما عند رحمة كانت تصارع تلك السيدة الثالثة. فقد تشتت مما حدث لزميلاتها على يد تلك الرحمة. والتي كانت تحـ.ـاربهم في تلك المعركة بمهارة عالية. وظلت هي والسيدة في عراكهما. ورحمة تصد هجـ.ـماتها ببراعة. ولكن تلك السيدة ذو جسد قووي عن الأخرتان. ولكنها مازالت تهاجـ.ـمها. حتى شعرت أن قواها ستخور منها. والأخرى قاربت أن تقوم ووجعها هدأ. فقررت أن تجري وهي خفيفة الجسد. ولكن تلك السيدة متشبسة بها بشدة. فعلى الفور خلعت دبوس رأسها وغـ.ـرزته في وجهها عدة مرات. فتركتها السيدة وهبطت أرضا وهي تتألم. فقد غـ.ـرزتها رحمة بجانب عينيها فشعرت بأنها عُميت. ثم ضربتها بيديها وأقدامها كثيراً وهي تردد لها:
_ مين اللي باعتكم لقضاكم ياولية منك ليها دي أني هعمل منكم بطاطس محمرة النهاردة ومش هخلي فيكم حتة سليمة.
ثم أتى ماهر يهرول من بعيد وهو ينادي عليها. فقد رآها من بعيد وقلبه هلع. أيعقل أنه سيفقدها هي الأخرى كما فقد أغلى أحبابه. وما إن وصل إليها حتى جذبها إلى أحضانه بدون تفكير. فذاك حضن الخوف من الضياع. الخوف من الفراق. وتلك الرحمة لن يتحمل فراقها. ثم أخرجها من أحضانه واحتضن وجنتيها متسائلاً إياها بهلع:
_ انت كويسة.
هزت راسها بابتسامة:
_ دي أني تمام قوووي.
ثم نظرت إلى تلك السيدات وهي تلفت انتباهه:
_ شوف عميلت في العتاولة دول ايه هههه علشان تعرف إني جامد قوووي.
ابتسم على مشاغبتها في عز تلك الخناقة. ثم أخرج سلاحه المرخص وهـ.ـددهم بالاقتراب من بعضهم وحذرهم من التحرك. وطلب الشرطة. وبعد بضع دقائق وصلت الشرطة المكان. وكانت الواقعة في الترعة. استطاعت الخروج منها وتم القبض عليهم. وذهب ماهر معهم. وأمرها أن ترجع بيتها بعدما فهم منها الظابط المسؤول. ووعدته أنها ستأتي إليهم صباحاً كي تتهمهم في محضر رسمي. وعادت رحمة الي المنزل وهي تشك أن تلك الوجد لها علاقة. فقرت أن لاتجلبها لعمران كي ينتقم منها. ثم أرجعت الكاميرات. وبالفعل وجدت اتفاقها مع هؤلاء النسوة عبر الهاتف. وبالتأكيد الظابط سيجعلهم يعترفون بكل شئ. خاصة أن ماهر قد وصى عليهم بشدة. ولن يتركوهم قبل أن يعترفوا. وبالتأكيد سيجدوا مكالمات تلك الوجد بينهم من خلال رقمها. والوقوع بها أصبح سهلاً.
بعد مرور يومان من الهدوء الذي يعم المنزل. فعمران يبعد عن سكون كي لا ينتبه أحدا لهم ولخناقهم. ووالدته ذاهبة إلى العمرة. فهو لن يعكر صفو مزاجها. وفريدة أتت لسكون في اليوم التالي بالحبوب. وخبأتها سكون جيدا كي لايراها عمران. والآن أتى موعد سفر سلطان وزينب إلي بيت الله الحرام في أعظم واطهر رحلة. وتلك الوجد علمت بأن السيدات لن يفلحوا مع تلك الرحمة الشرسة. وداخلها هلع رعبا. لذلك قررت أن تذهب لتلك الدجالة بعد مغادرتهم المنزل للسفر مباشرة. وسكون مازالت في المنزل وتتعامل مع عمران وكأن الفيديو لم يؤثر بها. وكل ذلك وهي تزداد حقدا.
ودعتهم سكون بمحبة نابعة من قلبها. ثم خرجا بسيارتهم منطلقين إلي المطار. ورحمة معهم. وبعد ساعة تقريباً وصلا إلى المطار. وسلم عليهم عمران بحرارة وهو يودعهم السلامة. وعندما انتهيا من التسليم على عمران جاء دور رحمة. سلمت على أبيها بحب وودعته. ثم احتضنت زينب وأدمعت في أحضانها. وهي الأخرى أدمعت. ورددت باشتياق:
_ هتوحشيني قوووي يازوبة مش عارفة هعيش من غيرك إزاي لحد ماترجعي من الحج.
ربتت زينب هي الأخرى على ظهرها بحنو:
_ متعيطيش ياللي تنشكي وتعيطيني معاكي دي أني رايحة للنَّبي الغالي. وأني لما صدقت ربنا دعاني فرحت ألبيه.
أنهت ماقالته وكلتاهما بكيتا بصوت عالِ بعض الشئ. ثم طلبت رحمة من والدتها:
_ ادعي لي ربنا يوفقني في حياتي يازوبة ويبعد عني الشر.
وأكملت بدعابة كي تدخل السرور على زينب:
_ واني اتجوَز ماهر بقي علشان خللت جمبك وشكلي بقى عفش قووي. والبنات اللي من دوري اتجوزو وخلفوا بدل العيل تنين وتلاتة واني لساتي قاعدة في أرابيزك يازينب.
لكزتها زينب بخفة على ظهرها. ثم جففت دموعها وهي تضحك من مشاغبة تلك الرحمة وأردفت:
_ والله هتوحشني مناكفتك يامصـ.ـيبة انتِ. كنتِ بتهوني علي يومي يامزغودة على قلبك.
غمزت لها رحمة بشقاوة. ثم هتفت بدعابة:
_ بس بقى دي انتِ رايحة احسن رحلة في العمر مع أبو السلاطين وهترجعوا سمنة على عسسل.
وأكملت وهي تغمزها من جنبها:
_ أقول لك يازوبة انتِ تروحي المالديف مع البت مكة وآدم بعد النيولوك دي وتعملي شهر عسل من اول وجديد وتعيشي حياتك يابطل جيلك.
اتسعت عيناي زينب بخجل من مشاغبة تلك الرحمة. ولكزتها علي كتفها ناهية إياها:
_ اتحشَمي يابت انتِ.
وأكملت وهي تتحمحم:
_ اممم … اني لولا إننا كنا مقدمين على الحج قبل جوازته من مخفية الاسم والصورة داي اني كنت عمري ما هروح وياه في اي مكان.
واسترسلت حديثها بشوق:
_ بس اني رايحة عند ابو فاطمة القلب والروح (عليه الصلاة والسلام) وطالما دعاني هلبيه وهروح لحد باب بيته وادعي بقلبي لحبايبي. داي زيارة العمر يابتي.
هنا تحدث سلطان:
_ يالا يازينب الطيارة خلاص فاضل وقت بسيط. بزياداكي يارحمة عاد هنتعطل بسببك.
ودعاهم بقلب ينفطر ألما وفرحا في آن واحد لغيابهما عنهما وسعادة لزيارة بيت الله الحرام.
بعد نصف ساعة في سيارة عمران فتحت رحمة ذاك التطبيق الموصل بالكاميرات في ملابس تلك وجد وانصدمت مما رأته. فجذبت أنظار عمران قائلة:
_ الحق ياعمران اقف على جمب اكده.
اندهش عمران من طريقتها الملحة. ثم سألها:
_ مالك ياخيتي في ايه عاد؟
أجابته وهي توجه شاشة الهاتف أمامه:
_ شوف اكده اللي ماتتسمى داخلة بيت الدجالة اللي شفناه في الصور رايحة تعمل ايه داي في وقت متأخر زي دي. تو مابوك خرج من البيت خلعت بنت الجزم في انصاص الليالي.
كان عمران ينظر إليها بقلب يدق بعنف ويود أن يذهب إليهما الآن ويختـ.ـنقهما بيده كي ينقذ العالم من شرهن. ثم فكر بسرعة بديهة قائلا وهو ينظر إلى هيئتها المرتعبة وهي تنظر يميناً ويساراً:
_ البت داي مرواحها في الوقت دي وراه مصيـ.ـبة هتحصل واني لازم البسها لها دلوك واخليها تبات في السجن النهاردة هي والدجاله بتاعتها داي.
سألته رحمة باندهاش:
_ كيف يعني دي! بتفكر في ايه.
لم يكن لديه وقت يشرح لها ماذا يفعل. ثم قام بالاتصال على صديقه الذي يعمل في قسم الشرطه. ولان الوقت متاخرا اتاه الرد بعد مده. وما ان استمع الى رده شرح بعد السلام والتحية:
_بقول لك ايه في حاجة عايز ابلغ عنيها لو ما لحقتهاش دلوك هيحصل كارثة. في واحدة دجالة بتعمل اعمال للناس ودلوك في ست لسه داخلة عنديها حالا اني شايفها. وبعدين المفروض الناس اللي زي داي ما تسيبوهاش تأذي خلق الله. واني حاسس ان في مصـ.ـيبة هتحصل هناك دلوك لو ما لحقتهاش يا حضرة الظابط. اني كنت ماشي بعربيتي وشايفها داخله البيت تتلفت يمين وشمال وشكلها اكده وراها حاجة كبيرة. اني قلت أبلغك احنا اصحاب تعمل مُصلحة من وراها الشغلانة داي ويترفع اسمك بين اصحابك.
_ تشكر يا صاحبي احنا اصلا مراقبينها الست داي من بقى لنا كذا فترة. اني هخرج دلوك بعربية الدورية ومعايا الامنا بتوعي اشوف اكده الاحوال هناك ايه ومنحرمش من اهتمامك ياصاحبي.
انهي الكلام مع صديقه. ثم سأل رحمة التي فهمت كل شي:
_قولي لي يا رحمة هي عقوبة الدجل والشعوذه ايه في القانون لو اتمسكو متلبسين دلوك؟
اجابته سريعا:
_دي اقلها تلت سنين سجن. بس براوة عليك يا عمران استغليت الوقت الصح اللي اتكلمت فيه مع الظابط بس يا رب ما تفلت وتخرج من عنديها قبل الظابط ما يروح بدوريته يوبقى كانك يا ابو زيد ما غزيت.
ثم انتبهو الى الهاتف عندما سمعوا صوت وجد وهي تتحدث بنبرة عالية مع تلك الدجالة قائلة لها:
_ يعني مش عارفه جايه لك ليه دلوك يا نصابة يا حرامية اطلعي بال 40 الف جنيه اللي خدتيهم مني وما عملتيش بيهم حاجة ده انا هخلف فضيحتك مسمعة في الكفر كلياته.
انقلبت معالم وجه تلك الدجالة وهي تهدر بها بحدة:
_ تك فلسة في جنابك يامرة ياسو انتِ. غوري يابت من اهنه ملكيش ربع جنيه حداي كفاية اللي كان هيجرالي بسببك.
_ نعم نعم ياعمر دي اني هاخد فلوسي منك وياقـاتـ.ـل يامقتـ.ـول النهاردة.
ثم ظلت كلتاهن تلقي سبابا لاذعا للاخرى. واشتد الخناق بينهما اكثر من نصف ساعه. وانتهيا على ان امسكت وجد تلك الحديده الموضوعه على المنضده وبطحت كل الدجاله في راسها اكثر من مره مما جعلت الدماء تسيل منها وهي تردد بهوجاء:
_ مش هسيبك ياولية إلا لما تديني فلوسي ياحرامية يانصابة.
وظلت تبطحها على رأسها حتى فارقت روح تلك الشريرة الحياة. والأخرى تهذي بكلمات من الغل المعتادة عليه. وكأن نـ.ـار الانتقام من عمران وأخته وأمه تجمعت أمام عينيها الآن. ثم دخلت الشرطة المكان وهي تبطحها للمرة الأخيرة حتى قسمت رأسها إلى أشلاء لم يعرف عددها. فقامو بالقبض على تلك الوجد سريعاً. وكل ذلك وعمران ورحمة يشاهدون ذاك المنظر بقلب مشمئز من هاتان المرآتان ومنظر الدمـ.ـاء جعلهم في موقف يحسدون عليه.
رواية من نبض الوجع عشت غرامي الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم فاطيما يوسف
مر عشرة أيام على تلك الأحداث بأكمل وحال ابطالنا مع نبض الوجع قاسي عليهم ،
في منزل مجدي تدهورت حالته الصحية بشدة فهو قد علم مابه والمرض الذي أصابه ورفض العلاج بشدة ومها حاولت معه كثيرا وهو مصمم على رأيه ،
تجلس معه في غرفتهم وهي مازالت تتحايل عليه :
_ لازم تتابع العلاج يامجدي مينفعش اكده ،
إنت أصلا سكت الفترة داي كلها كيف !
والأعراض اللي كانت بتجي لك إزاي كنت بتطنشها ! ليه أهملت في نفسك وفي صحتك دي كله يامجدي .
كان يشعر بالإرهاق الشديد فقد زاد تعبه تلك الأيام وخاصة ان اعراض الحمى أثرت على ذاك المرض اللعين وجعلته وصل به للمرحلة الرابعة ثم تحدث بصوت متعب بشدة وكأن نواكب الحياة قررت أن ترصده وحده لا احد غيره :
_ اني ولا هروح ولا هاجي اني خلاص بودع وايامي معدودة في الدنيا وعايز اموت على فرشتي ولا انتِ ناقصة مرمطة وبهدلة وياي كفاية تعبك معاي دلوك أني والعيال وحياتك كلها بقت علاج وأدوية وتشليني وتحطيني ،
وأكمل من بين نهجانه بلوم لحاله عما فعله بها طيلة السنوات الماضية:
_ تعبتك وياي يا ام الزين وخليت حياتك كلها مرار ويوم مافوق الاقي الهموم والأمراض رصداني من كل مكان ، شكل ربنا مقدر لك الشقاء في الدنيا علشان رزقك بواحد زيي .
أمسكت يداه بحنو فهو مريض وقبلته بحنان وعيناه تلتمع بالدمع فقد تأثرت بحالته ،
ففي ضعغه ومرضه نسيت كل شئ ، نسيت مافعله بها ، كم كان قلبها جمييل ثم حسته للمرة التي لم يعرف عددها:
_ مليكش صالح بيا يامجدي والله العظيم لو عضم في قفة ماهتخلى عنيك وانت مريض ،
ولازم تتعالج يامجدي إن مكانش علشان خاطرك يوبقى علشان خاطر زين وزيدان ، لازم تفوق وتكمل علاجك الطبيعي وتروح معايا تتابع الجلسات وتعمل زرع النخاع الشوكي الدكتور قال لي ينفع في حالتك يامجدي .
أدمعت عيناي مجدي وبكى لأول مرة كالأطفال وهو متشبس بيدها بوهن وكأن مرضه أضعفه بشدة ثم تحدث من بين شهقاته :
_ مكنتش عايز أمـ.ـوت دلوك ، كنت بكوش على الفلوس على قد ما اقدر من غير حسبان لرب العباد ، عميلت كل حاجة وحشة ، سلفت المحتاج بالربا ، رشوة وارتشيت ، ناس دخلتها السجن علشان مقدروش يسدو الدين بالربا ، وحاجات كتير خيالك مايتوقعهاش ،
وفجأة ربنا ابتلاني بكل الأمراض اللي في الدنيا ودلوك بقيت على مشارف الموت ، وربنا استجاب دعوة مظلوم محتاج فيا ، سبحانه يمهل ولا يهمل ،
وأكمل من بين شهقاته التي جعلتها تمسد عليه بحنان فهو مهما حكى عن قذارته التي فعلها مجرد أن رأت دموعه حزنت لأجله :
_ حتى ولادي مرحمتهمش وكنت دايما ادعي عليهم ربنا ياخدهم ويريحني منيهم علشان مخلينك منكدة علي لما كنتِ دايما بتطالبيني اكون جارهم .
دق قلبها وجعا الآن على أولادها وتذكرت أنه لم يكن أبيهم ولذلك لم يشعر بأبوته لهم فسبحان مسبب الأسباب ، ثم حاولت تهدئته وهي تمسح دمعه وتربت على ظهره:
_ خلاص يامجدي اللي فات مـ.ـات وأني مسامحاك من كل قلبي ومش زعلانة منيك خالص ، أما بالنسبة للناس استغفر ربنا كَتييير وتوب يامجدي وصلي وهو غفور رحيم ، بس إنت دلوك لازم تتعالج لازم .
أغمض عيناه وهو رافضا العلاج ومنهيا النقاش في ذاك الموضوع:
_ له ولا هروح ولا هاجي ومتتكلميش في الموضوع دي تاني ، سيبي ربنا يخلص ذنوب الناس مني وينـ.ـتقم ماهو المنتـ.ـقم الجبار .
اخذت معه وقتاً طويلاً تحاول إقناعه ولكن رأسه يابسا كالحديد لايستجيب أبدا ، وجدت أنه نام من أثر الدواء فدثرته بالغطاء ثم خرجت من الغرفة ،
أمسكت هاتفها ووجدت أكثر من خمس مكالمات من عامر فلوت شفتيها بامتعاض من كثرة اتصالاته ، فدخلت غرفة جانبية وقامت بالاتصال عليه و أتاها الرد منه ملاماً لها :
_ إيه يامها داي كلاته علشان تردي علي ، بقالي ساعة برن عليكِ !
حللت أصابعها بين خصلات شعرها ثم استدعت الهدوء و أجابته:
_ هو أني فاضية لحوارات التليفون داي ياعامر اني اللي فيا مكفيني ،
واسترسلت وهي تذكره :
_ وبعدين انت مش لسه مكلم الاولاد من يومين بالظبط في ايه بقى مش كل شوية اتصال اني مش ناقصة حـ.ـرب اعصاب عايزة افوق لولادي ومراعيتهم .
ذكرها هو الآخر مرددا بنبرة تصميم:
_ ماهم ولادي بردو ولا شكلك عايزة تنسي ومصممة اني مفكرش فيهم ولا اكلمهم ومش عايزاني اجي ناحيتهم .
نفخت بضيق من حالة الروع والتشتت النفسي التي تحياها تلك الأيام مابين مرض زوجها ورعاية أبنائها فهي أصبحت تبعد عنهم كثيراً هذه الأيام ولم ترعاهم كيفما كانت والأخير ذاك العامر الذي لم يتركها وشأنها ومستمر بالضغط عليها ثم انفـ.ـجرت باكية هي الأخرى وقواها لم تعد قادرة على تحمل كل تلك الأعباء وتحدثت من بين شهقاتها:
_ حرام عليك ياعامر ، حرام عليكم كلكم ،اللي بيحصل فيا دي كَتييير والله العظيم فوق مستوي طاقتي .
انفـ.ـجر بها هو الآخر ولم يراعي حالتها فهو أب حرم من أبنائه فهو كان يحبهم حبا جما وهو عمهم والآن عرف أنه أبيهم فقد أجرى لهم تحليل “DNA” فقد أخذ أحد شعيرات أحدهم خلسة دون أن تعرف مها والنتيجة ظهرت أنهم أبنائه فازداد حبهم له وعاطفة الأبوة اشتـ.ـعلت داخله بجدارة وأصبح يشتاقهم أكثر من ذي قبل وأوقاتا كثيرة يندم حاله أنه ابتعد وتركهم ، أوقاتا يؤنب نفسه أنه لم يدافع عن حقه في وجوده بجانبهم ،
ولكن اصمت أيها العامر وأَخرِس عاطفتك بداخلك وتحمل عاقبة كبيرة من الكبائر نتج عنها طفلان لم يكن ذنبهم في الحياة غير أن والداهم أنجبوهم من رحم الكبيرة ،
ولكن ذاك العـ.ـذاب الدنيوي فما بالك بالعـ.ـذاب الأخروي ، ثم هتف بحزن شديد:
_ يامها أني بنهار اهنه وأني عارف اني سايب حتة مني ومش قادر اني اشوفهم كل يوم واطمن عليهم ، مش قادر مشفش بسمتهم ونظرة عنيهم واتابع خصوصياتهم ،
ثم استرسل نبض وجعه وهو يحاول يذكرها:
_ مش فاكرة زمان لما كنا بنتكلم مع بعض وأقول لك إن لما يوبقى عندي ولاد ههتم بيهم قووي وهصاحبهم وعمري ماههمل فيهم ، هلبسهم زي ما بلبس بالظبط ، اي مكان رايحه هاخدهم وياي ، هيبقوا هما ولادي وأصحابي واخواتي هيبقوا هما كل دِنيتي ، وزين وزيدان كمان اني اللي مختار أسمائهم والإختيار كان نابع من قلبي ، ليه مش قادرة تشوفي كم المعاناة اللي أني عايشها .
التوى ثغرها بحسرة على حالها وحال ابنائها وحال زوجها وحال ذاك العامر هو الآخر ، لم تعرف هم من فيهم تتحمل ؟
كل تلك الضغوطات تتحملها فوق أعصابها المتماسكة بهش الآن ، وبكت هي الأخرى بدموع تخرج من قلبها وكل جسدها المنهك وليست عيناها مما جعله هو الآخر لن يستطيع تحمل دموعها وحاول تهدئتها :
_ خلاص يامها اهدي والله غصب عني بشيلك الهم ، والله العظيم لو بإيدي اعمل حاجة ولا إنك تنهاري اكده هعملها ،
خلاص لو مش عايزاني اكلمهم كل شوية ومزعجكوش مش هعملها بس متعيطيش يامها كفاياكي وجـ.ـع ودموع .
أغلقت الهاتف معه وارتمت على التخت تبكي بحـ.ـرقة على حالها ككل والمستقبل أمام عيناها لايبشر بالخير ثم رددت بدعاء وهي تضع يدها على صدرها المتألم بنبض وجـ.ـع يفوق الأوجـ.ـاع بمراحل :
_ يارب ريحني من اللي أني فيه ، يارب اني تعبت ومقدراش اتحمل اكتر من اكده يااااارب .
وكأن ابواب السماء كانت مفتوحة في ذاك الوقت وحدث مالم تكن تتوقعه مها يوماً ما .
********************
في المالديف عند ذاك العاشقان المجروحان والموجوعان وكلاهما حالته يرثى لها ،
فمنذ تلك المرة وذاك اللقاء المغتصب من آدم لتلك المكة وهي تغلق على حالها بشدة ولم تسمح له بالحديث معها ، تعيش على فتات من الطعام البسيط حتى ضعف جسدها ،
أما هو يتألم داخله في صراع بين قلبه وعشقه وبين عمله وموهبته المحببة لقلبه ،
لم يعرف كيف يحل تلك المعضلة كي يراضيها ؟
ويزيد عليهم جفائها وابتعادها عنه ونظرة عينيها الحزينة ،
يجلس أمامها يحدثها ولم تتفوه ببنت شفة أمامه ، يطلب منها أن تأكل وتراعي حالها ولم تجيبه فهو قد جرح مشاعرها وأنقض وعده معها ،
اكثر من عشرة أيام وهي على حالتها تلك والآن لم يستطع صبرا أكثر من ذلك فهو قد اشتاق لصوتها ، اشتاق لحديثها ، اشتاق لضحكاتها ، اشتاق لقربها وان يتنعم بأنفاسها ،
ثم دلف إليها الآن وهو عازم على أن يخرجها من صمتها ولن يتركها ويترك الجفاء يدمـ.ـر علاقتهم قبل أن تبتدئ ،
دلف الى الغرفة لم يجدها كانت في ذاك الوقت تأخذ شاورا ، علم وجودها في الحمام فجلس على الكرسي ووجه أنظاره ناحية النافذة المطلة على الحديقة فذاك الكرسي وذاك المكان كان جلستها المفضلة طيلة العشرة أيام وبجانبها مصلاها ومصحفها وسبحتها ، أمسك المصحف بين يداه فهو لم يعتاد على قراءة ورد معين ، ثم فتح المصحف ثم وجد أمامه سورة يوسف وبتلقائية بدأ في القراءة بصوت هادئ جمييل ملائكي ثم تعمق في القراءة وبدأ صوته يعلوا ويتوه في جمال تلك السورة ،
ومن خشوعه في القراءة بدأ يتدبر تلك القصة بتفهم فذلك النبي عليه السلام تعرض للأذى منذ أن كان طفلاً لايفقه شئ من أخواته اللذان فعلا به فعلتهم الشنعاء كي يتخلصو منه ولكن ارادة الله أن يُربى في منزل عزيز مصر ويُحرم من أبيه وإخوته ثم تتناوبه نكبات الحياة وتطمع به النسوة ويُسجن ، لقد ذاق المرارات من الحياة غُدر به وهو طفل ولم يعترض ، حُرم من العائلة وربي في بيت غريب ولم يعترض ، سجن ظلما وهو نبي ولم يعترض على حكم الله ،
كان من اجمل خلق الله حُسنا وأحسنهم أخلاقا وبالرغم من كل ذلك سامح أخواته مما فعلوه به ، وأصبح عزيز مصر ويملك خزائن الأرض بأكملها ورجعت إليه عائلته بعد سنوات العجاف والصبر ،
كان آدم يقرأ تلك السورة بتمعن شديد وغاص في أعماق جمالها ، تلك آيات الله تلاها بخشوع أثلج صدره ، فصلته عن العالم بأكمله ، اراحت صدره ، أشعرته بالأمل والطمأنينة ، اشعرته بأن بعد الليل بزوغ فجر يحمل بين طياته اقدارا جميلة لا يعلمها إلا الله ،
أما هي خرجت من الحمام بذاك المعطف الخاص بالحمام وصُدمت عندما رأته ولكنه كان متعمقا في قراءة القرآن فجذبها صوته ، خطـ.ـفها إليه دون أن تدري ،صوت عذب يريح القلب والأعصاب في القراءة ، خشوعه وتلاوته المتعمقة جعلتها اقتربت منه وجلست بجانبه دون أن تشعر وجلست أسفل قدماه تُطرب أذناها بأعذب الكلمات ،
أنهى قراءة السورة وشعر براحة غريبة اغتالت جسده ، لأول مرة يتدبر قراءة القران بذلك الخشوع ، كم كان عذباً وفيه راحة تكفي العالم أجمع ،
اغلق المصحف ثم نظر بجانبه وجدها جالسة بهيئتها الخاطفة لأنفاسه تلك ، أما هي رددت لأول مرة منذ خصام لها منه منذ أكثر من عشرة أيام وهي تخاصمه :
_ صوتك جمييل قوووي وأنت بتقرأ ، صوتك خطـ.ـف قلبي .
نزل من على الكرسي وهبط لمستواها قائلاً بوحشة وهو يتعمق النظر في عيناها:
_ وانتِ كمان صوتك وحشني قووي متحرمنيش منه تاني .
أخفضت نظرها خجلاً من نظراته الهائمة بها وتركيزه الذي خصصه كله لأجل عيناها وهي تتمتم بخفوت :
_ وانت كمان متحرمنيش من صوتك الجميل وأنت بتقرأ القرآن تاني .
ابتسم لخجلها ثم رفع وجهها إليه مجبراً إياها النظر في عينيه مرددا بشجن عاشق حرم من معشوقه:
_ وحشتيني قووي قوووي قوووي ، هنت عليكِ يامكة تبعدي عني المدة دي كلها ؟
بنفس نبرة الشجن لامته بعينيها وكلامها :
_ واني هنت عليك تجـ.ـرحني بالطريقة داي وتغصبني وتفاجئني بحاجة مكنتش متوقعاها دلوك وتخليني اكره اللحظة دي .
اعتذر لها بأسف حقيقي نابع من قلبه فهو لم يكن يوماً شهواني كي يفعل ما فعله بها وأنه أغصبها على قربه مرددا بندم :
_ لا والله عمرك ماتهوني عليا أبدا ياحبيبتي ، حقك على قلبي اني مشيت ورا الشيطان في لحظة تهور مني ومحسبتش نتيجتها .
بعيناي تبتسم له أردفت وهي تقبل اعتذاره بصدر رحب :
_ واني قبلت اعتذارك وحابة نفتح صفحة جديدة مع بعض ، ونبدا من جديد نقطة ومن اول الصفر واللي بيربطنا ببعض في البداية الحب الكبير ، ايه رأيك.
احتضن يداها بين يداه وشعر بحررارتهما التي تولدت فورا من قربه منها هاتفا بموافقة:
_ تصدقي دي أحلي حاجة قلتيها ، أنا مستعد جداً نبدأ من الاول وجديد بس اهم حاجة متبعديش عني .
لأول مرة تشدد على احتضان يداه بين يديها مما جعل قلبه يخفق داخله من غرامه بها في تلك اللحظة فقد شعر الآن بمدى احتياجها لوجوده بجانبها ، ثم أكدت على كلامه وقالت الكلمات التى أراحت صدره :
_ مش هبعد خلاص يا آدم بس محتاجة منك حبة تنازل شوية ممكن .
أغمض عيناه وهو يتنفس أنفاساً من هولها وصل زفيرها إليها ثم فتح عيناه وطلب منها راجيا :
_ طب ممكن منتكلمش في الموضوع ده دلوقتي واوعدك إني هفكر فيه وهشوف همشي إزاي بس دلوقتي عايز فترة نقاهة اعيشها معاكي بدون زعل بدون اختلاف بدون خناق .
لم تعانده تلك المرة كما أنها فكرت كثيرا أن تستغل حبه لها لصالحه ، قررت أن تسحبه لدنيا الصلاح والتقوى بالهدوء والسكينة وليس الإكراه ، فكرت في الأيام التي جلستها كثيراً وحدها حتى اهتدت لأن تسحبه لذاك العالم بحبها وليس بنفورها ، فهو لم يأتي بالعناد مهما كان ثم بادرت لأول مرة منذ أن عرفها بالاقتراب وهي تحتضن وجنته بين يديها مما جعل داخله ثائر غير مصدق ، عزفت على أوتار قربها منه ، دغدغت مشاعر الصبر في الاقتراب منها لديه من مجرد احتضانها لوجهه فقط وهي تهمس له :
_ موافقة يا آدم مفيش زعل ومفيش خناق ومفيش بعد كمان .
اتسعت مقلتيه بذهول من كلمتها الأخيرة ثم أمسك يدها وساعدها على القيام والوقوف أمامه وهو يتسائل بنبرة متعجبة :
_ انتِ قلتِ ايه دلوقتي ؟!
وأكمل وهو يجيب على حاله أمامها:
_ قلتِ مفيش بعد صح ؟
هزت رأسها بابتسامة خجلة فهي تحدثت مع سكون اختها وقصت عليها كل شئ والأخرى نهرتها بشدة من عدم اعطائها لزوجها حقوقه وكيف أنها متدينة تعرف الله وتتمنع عليه بتلك الدرجة ؟
وفهمتها أن قرب الزوج من زوجته حقا شرعيا له حتي لو اختلفا على نقاط في مسار طريقهما ولكن حقه الشرعي ليس لها الحق في منعه إياه منه ، ونبهتها ان ذنب النظرة منه لامرأة غيرها سوف تصب على رأسها هي لأنها حرمته وهو يريدها ،
رأى رغبتها به في عينيها لأول مرة ، لم يصدق حاله الآن مكة راغبة به ، يالها من لحظة لاتنسي ، لحظة يريد أن يوثقها الآن بختم العاشقين ويحتفظ ببهاها بين ثنايا قلبه ،
ثم سألها وهو ينزع تلك المنشفة من على رأسها حتى انسدلت خصلاته على ظهرها بهوجاء أعطتها شكلاً جعله راغباً بها وهو يدفن يداه بين رقبتها ويتحسسها برغبة آذابتها :
_ يعني مستعدة نعيش مع بعض زي اي اتنين متجوزين طبيعي دلوقتي ؟
أغمضت عينيها من شدة خجلها وهي تهز رأسها للأمام دون أي كلام فهي متوترة في قربه الآن ، تشعر بأن قدميها لم تستطيع الوقوف أمامه ومشاعرها تتخبط داخلها وجسدها مفكك من اقترابه وهمساته ولمساته ،
وعلي حين غرة جذبها إلى أحضانه حتى ارتطمت بعظام صدره القوية ثم حملها ارضا وبدأ يدور بها في الغرفة بأكملها وهو لم يصدق الآن ماوصلا إليه معها ،
فهو الآن يملك سعادة العالم أجمع ، ثم أنزلها أرضاً وهدأ من أنفاسه الثائرة داخله ثم همس بعيناي راجية:
_ بحبك ونفسي أسمعها وشفايفك بتنطقها.
قررت أن تعترف بها الآن فهي بالفعل عشقته مثله وتريده مثله فقالتها وهي لم تقوى على النظر في عينيه من خجلها :
_ بــ حــ بــ كــ .
ظل ينظر إليها ولم يستطيع التحدث فقد ثار القلب وهدا في آن واحد وتضاربت المشاعر داخله ،
ظل القابع بين أضلعه الآن ثائر ويطالب بالمزيد منها ، لم يتخيل أن لنطقها سحراً جذاباً سيلقى به في أعماق هواها أكثر من ذي قبل ،
ثم سألها بأنفاس متلهفة لأن ينالها الآن بكامل رضاها :
_ يعني مش خايفة دلوقتي ومش هتلوميني تاني وتزعلي .
حركت رأسها برفض وتمتمت بخفوت:
_ له مخيفاش انت جوزي وحقك علي الطاعة واني ممنعكش من حقوقك .
حزن لردها ثم نطق بملامة :
_ مكنتش عايز الرد كدة يامكة ،
ثم داعب وجهها بأنامله وبحركته تلك جعلها تشعر بالإثارة والتلهف لقربه وهي تهمس:
_ أمال إيه بقى .
أجابها وهو مازال يداعب وجهها بأنامله كي يجعلها متلهفة لقربه طالبة بالمزيد :
_ عايزك تردي تقولي آه محتاجة حضنك وقربك ياحبيبي .
لكزته بخفة في صدره قائلة :
_ انت طماع قووي على فكرة.
داعب أنفها بوجهه وهو يهمس لها بمشاغبة:
_ وماله هو أنا بطمع في حد غريب ، أنا بطمع في حلالي وحبي وقلبي ،
وأكمل وهو يغازلها :
_ بس بجد شكلك زي القمر وانتِ واخدة شاور وتجنني .
أكملت بمداعبة مماثلة:
_ هو إنت ناقص جنان يادومي .
ضحك بشدة على مداعبتها ثم نطق بتكبير :
_ الله اكبر بدأت تندع أهي وأخيراً يابن المنسي جربت حبة دلع من اللي عنك اتمنع.
ضحكت هي الأخرى قائلة:
_ الله ده انت واقع ودايب وكل حتة فيك قربت تولـ.ـع .
حرك رأسه للأمام ثم غمز لها بشقاوة:
_ آه والله ده القلب والروح وكله كله خلاص جاب آخره منك يابنت قلبي.
قررت أن تشاغبه فابتعدت عنه قائلة :
_ طب أخرج بقي علشان عايزة اغير هدومي.
جذبها لأحضانه مرت أخرى وهو يهتف برفض قاطع:
_ أخرج مين ياحلوة هو بعد بحبك دي فيها خروج من الأوضة دي إلا واحنا راجعين مصر .
شهقت باندهاش وتحدثت بنبرة ذهولية مصطنعة :
_ نعم ، مصر ايه ! هتقعدني في الاوضة اسبوعين بحالهم.
غمز لها بعيناه وهو يشدد من احتضانها :
_ حقي يابنت الجندي ولا مش حقى .
ابتسمت له ابتسامتها الساحرة مرددة بموافقة:
_حقك طبعاً .
الآن استراح قلبه وسيبدأ معها رحلة عاشق محروم منذ أن أحبها لم ينعم بلحظة صافية معها ، الآن سيقترب منها وفي هواها سيتنعم وبرضاها سينالها وحتما ستذوب بين أضلعه من قربه الشديد الذي أهلـ.ـك قلبه ،
ثم تحدث بشفاه تتلذذ لاقترابها :
_ مش عارف هتبقى عاملة ازاي وانتِ راضية حاسس إنك هتبهريني .
ضحكت بمشاغبة ثم هتفت :
_ متأملش قووي اني لا أفقه شئ في حديث المحبين .
رفع حاجبه ماكراً ثم ردد بنفس المشاغبة :
_ له متقلقيش ما أنا هخليك معلم واحنا منك نتعلم .
خجلت بشدة من تلميحاته ثم همست :
_ انت قليل الأدب على فكرة.
_ لااا هو احنا لسه عملنا حاجة لسه بنقول ياهادي .
_طب امشي بقي علشان انت كسفتني خالص بطريقتك دي .
غمز لها قائلاً بمداعبة تليق بذاك العاشق :
_ وماله الخجل مطلوب بردو بيعلى ليفل الجولة شوية .
شهقت بشدة من طريقته التي أخجلتهت ثم دفنت رأسها في عنقه فاستغل الفرصة في قربها مرددا بجانب أذنها وهو يلوي خصلات شعرها بين يديه :
_ ياهلا بالزين .
وابتدات معركة عشق الآدم لحبيبته التي سكنت ضلوعه برضاها لأول مرة ، سافر معها إلى رحلة العاشقين التي حلم بها كثيراً وكثيراً وأخيراً نالها ذاك الآدم مع حبيبته التي قررت أن تستخدم معه أسلوب الرفق لا العند وهي واثقة كل الثقة أنه سيجبرها وينسحب من ذاك الطريق الذي يؤرق حياتها معه وقررت أن لاتعاند القدر في زواجه منها ،
رحلا إلي عالمهم الذي قاده آدم بحنو جعلها ذائبة بين يداه ( ونسيبهم بقي ياجماعة مالكم بيهم 🙈🙈)
******************
الحياة لن تعطيك إلا إذا طلبت وألححت، فأسعى وابحث عن الحب والحياة حتى تحقق كل ما تمنيت ، كن محباً للحياة ومتفائلاً حتى تنعم بالسعادة ولا تضيع قدراً كبيراً من الزمن بحثاً عن التعاسة ، لا تتحدث كثيراً وافعل كثيراً فهذه هي سمات العظماء من يطمحون وينفذون، اقتنص الفرص التي تأتيك واستغلها بأفضل الطرق ولا تنتظر كثيراً حتى لا تضيع منك فقد لا تأتي مرة أخرى ،
تلك الكلمات التي دونتها رحمة على صفحتها الشخصية عبر الفيسبوك فهي تعشق التحدي ،
وكالعادة ذاك العاشق لن يضيع أي شئ تدونه تلك الصغيرة المشاغبة فقام بالتعليق لها :
_ كي نستمر في هذه الحياة، يجب أن نقضي مزيداً من الوقت في الاستمتاع بما هو جميل ومُحبب لنا، على حساب الأشياء الأخرى التي لا نحبها وكل منا يعرف جيدا ماذا يحب وكيف يستمتع ومع من .
قرأت تعليقه بابتسامة لذاك المشاغب المختلف المتأني في مشاعره وكبرياؤه ذلك وتمرده يجعلها تذوب فيه أكثر من ذي قبل ،
وأثناء شرودها في ذاك الماهر جائها اتصاله فأجابته على الفور بمشاغبة :
_ عم الفليسوف اللي ماشاء الله عليه عميق قووي في ردوده .
بقامة عالية وشموخ اعتاد عليه ذاك الماهر:
_ طبعا انتِ مش مع أي حد انتِ مع ماهر البنان.
ضحكت بشدة على رده ثم تحدثت بنفس الفخر والشموخ:
_ أه عارفة ماهو اني بردو مش أي حد يامتر وحاسب لاتقع في البير اللي ملهش قرار بتاع رحمتك .
ابتسم برزانة ثم قام بتبديل المكالمة لفيديو كي يراها فقبلت مكالمته وهي تضع الحجاب بإهمال على رأسها ، رآها أمامه بملابس المنزل وهي تجلس في الحديقة بذاك الترينج الملتصق بجسدها ، تفحصها جيدا ثم قال:
_ أه قاعدة واخدة راحتك على الآخر ولابسة لبس مينفعش تخرجي من اوضتك ورامية طرحتك كمان ،
وأكمل بهدوء فهو لن يتعصب كي لايحزنها وسيكتم غيرته ويفهمها مايريده :
_ على حد علمي إن جاسر بن عمك ممكن ياجي في اي وقت ويدخل البيت عادي وطبعاً حضرتك بتقعدي قدامه اكده باللبس الضيق ،
فانا بكل هدوء يارحمة بقولك حالا تطلعي أوضتك تكلميني منها وممنوع تماماً تنزلي الجنينة إلا بعبايتك وحجابك ملفوف بإحكام على راسك .
زمت شفتاها وأنزلت بصرها للأسفل بحزن ممزوج بدلال وتحدثت بنبرة استيائية مفتعلة :
_ الله ياماهر بقى انت بتركز في كل حاجة قووي متعقدهاش قووي اكده.
ضيق نظرة عينيه ثم رمقها بنبرة هادئة بكل تصميم :
_ مش هنكمل كلامنا غير لما تعملي اللي طلبته منك دلوك يارحمة ، وخلي بالك إني بتكلم بكل هدوء ومن غير انفعال زي ماطلبتي مني ،
وخلي بالك إني من النوع اللي بيغير على اللي منه قووي وغيرتي صعبة ووحشة وممكن تكون خنيـ.ـقة في وجهة نظرك بس داي طريقتي .
دبت في الأرض بقدمها كالأطفال ثم صعدت إلى الأعلى ودلفت إلى غرفتها وجلست على تلك الأريكة وهي تردد بغيظ:
_ اكده استريحت لما فرهدتني وقومتني من مكاني علشان حاجات عادية .
رفع منكبيه باستكانة وبنبرة تقطر عشقا تحدث شارحاً:
_ داي اصول ياحبيبتي انك لازم تراعي انك بقيتي ست مسؤلة من راجل واخد باله من كل تفاصيلك ، واخد باله يومك ماشي إزاي ، متابع أي حاجة تخصك بكل اهتمام ،
وأكمل بعيناي متسائلة بمحبة :
_ هل الحاجات اللي قلتها داي وطلبتها منك مضايقاكي يارحمتي ؟
أجابته بنبرة صوت فخورة وإطرائية :
_ طب هو في واحدة تضايق انها هتتجوز راجل بجد ياماهر !
في واحدة هتضايق من راجل عايز يخبيها عن عيون الدنيا بحالها وعايزها ليه لوحده !
في واحدة تطول يبقي أمانها عايز يغطيها برموش عينيه ومبيطقش إن حد يشوفها أو يلمحها أو حتى يمس طرفها .
صمت لثوان ثم حدق في عينيها وأردف :
_ إجابتك على غيرتي جميلة قوي يارحمتي ،طلعتي مكارة كبيرة قووي .
ضحكت بخفة أذابت معها ذاك القلب الصلب وهتفت بنبرة فاخرة تليق باعتزازها لنفسها :
_ وه وهو المكر وحش يامتر داي مطلوب في كل وقت وأني عارفاني كويس في المكر معلمة .
ضحك برجولة تليق به ثم قال:
_ آه انتِ هتقولي لي مانا نسيت أبلغك إن الستات مقدمين فيكِ بلاغ انك كسـ.ـحتيهم وضـ.ـربتيهم وعرضتي حياتهم للخطر ،
وأكمل وهو يسألها:
_ إلا قولي لي يارحمتي انتِ معاكي الحزام الأسود علشان قدرتي على العتاولة دول لوحدك ؟ داي الواحدة فيهم لو نفخت فيكِ تطيرك ؟
ضحكت بشدة تلك المرة ثم هدأت من ضحكاتها مجيبة إياه بإيضاح :
_ ماهو يامتر القوة مش في العضلات بس لاااا داي قوة العقل وسرعة البديهة في التفكير هي اللي بتحكم في الوقت دي ،
يعني راوضتهم الاول وفرقت شملهم ورعبتهم وبعدين اصتادتهم واحدة واحدة بأقل مجهود ، يعني درست الموقف في لمح البصر وملقتش غير الطريقة اللي اتعاملت معاهم بيها داي وربنا طبعاً اللي وفقني واداني القوة وقتها .
ضحك هو الآخر على حكواها ثم أشاد :
_ لاا طلعتي تمام ميتخافش عليكِ قال واني اللي كنت راجع وبقول استر ياللي بتستر رحمة راحت اتاري رحمة ملهاش حل ولا مثيل .
_ والله العظيم أول مالمحتهم من بعيد واقفين بعرض الطريق وبيشمروا اكمامهم وشفت أجسامهم الضخمة قلت النهاردة اني رحت في خبر كان وبعدين هروح فين لو جريت هيلحقوني ووقتها هيحسوا بخوفي وبكدة هروح في خبر كان فقلت يالا أهو اختبار لكشف القدرات بردو والحمد لله نجحت.
_ طب هتعملي ايه ياباش محامية في البلاغ المتقدم ضدك منهم ؟
لوت شفتيها بامتعاض وقالت :
_ الله هو ضربني وبكى سبقني واشتكى !
وأكملت بقلب مطمئن :
_ هما ميعرفوش اني معايا خط المحاكم ولا ايه ، دول هربت منهم خالص .
سألها عن زوجة أبيها:
_ مرات ابوكي راحت في خبر كان دي ممسوكة متلبسة ورايحة لها بيتها برجليها في وقت غريب ، داي لو كانت قاصدة تورط نفسها مكانتش عملت اكده.
التوى ثغرها بضيق عندما ذكر سيرة تلك الوجد:
_ طب بتجيب السيرة العِكرة داي ليه دلوك ياماهر ماتغور في ستين داهية.
_طب الحاج سلطان عرف ولا لسه ؟
_ سألني وسأل عمران عليها انها مبتردش على تليفوناته ولحد دلوك بنقول له إن تليفونها انكسـ.ـر ومجبتش واحد جديد ونطمنه انها زينة .
_ بس المفروض يعرف داي مرته بردو .
_ لما يرجع يوبقى يعرف ومش هيعرف يعمل لها حاجة ولا يقدم ولا يأخر وياها داي راحت لعشماوي بضمير مستريح بت المؤذيين داي .
_ دي انتِ مش قابلاها خالص وواضح انك فرحانة فيها .
دون أن تنفي ماقاله بل واكدت عليه :
_ ياخراشي دي أني فرحانة فيها فرح ، داي كانت أذى للكل في البيت دي ومتتصورش هي دلوك أذت اخوي ومرته كد ايه بسبب غلها وحياتهم مهـ.ـددة بالانفصال بسببها .
ضم حاجبيه باندهاش:
_ ياه هي للدرجة دي كانت عاملة دور مرت الأب ؟
أجابته بتأكيد :
_ يوووه فوق ماتتخيل يالا ربنا يجـ.ـحمها مطرح ماهي .
وأثناء حديثها انسدل حجابها من على رأسها وبانت خصلاتها فردد هو بوله بجمالها :
_ رحمتي شعرك جميييل قووي.
انتبهت لحجابها الواقع على كتفها فرفعته فوراً وثبتته على رأسها بخجل من عينيه التي اقتحمتها ثم تحمحمت بهمس :
_ هو انت مابتصدق .
ابتسم لخجلها ثم أكد عليها:
_ طبعاً أصل غشيم اللي ميستغلش الفرص الحلوة في إبداء رأيه بالحلوين اللي معاه .
رفعت حاجبها بمكر ثم قالت :
_ الله هو حلال ليك وحرام لغيرك ولا إيه يامتر ؟
نظر إليها بتفحص وبنبرة واثق أكد لها :
_ ايوه اصلك كلك على بعضك بتاعتي يارحمتي .
جعلها هامت به وبنظراته المتفحصة له ثم رددت بتمنع :
_ بس لسه مبقتش بتاعتك علشان تحلل لنفسك حاجات متنفعش .
أجابها بمكر :
_ طب هو أني اللي كشفت عن سبايك الدهب اللي ظهرت دلوك ولا انتِ السبب .
رفعت حاجبها لمكره ثم هتفت باستنكار:
_ وه وه ! دي انت بتتلكك بقي يا سي ماهر ولما بتصدق .
حرك رأسه للأمام مؤكدا كلامها :
_ وماله لما اتلكك علشان اشوف الجمال اللي بيخـ.ـطف ده والشقاوة اللي تدوب .
أخجلها بشدة من نبرته ونظراته ثم تحدثت بهمس راجي :
_ لاا اهدي علي اني مش حمل مكرك دي وارجع لماهر الغيور الصلب .
ابتسم برجولة اذابتها :
_ الله كنتِ من يومين عاملة نفسك هيرو ووحش ومحدش هيقدر عليكِ من كلمتين جبتي لورا في ثانية واعصابك وقعت ،
واسترسل وهو مازال يشاغبها :
_ اكده لما تدخلي المباراة هتخسري من أول هجمة يارحمتي واني مش عايز اكده عايز مبارزة قوية تهلك وتخليني اجري طول المباراة ومدخلش الجون بسهولة .
أنهى كلامه وهو يباغتها بغمزة شقية وجعلت القابع بين أضلعها يدق بعـ.ـنف من طريقته الجديدة كلياً معها ثم قالت وهي تداري وجهها بعيدا عن الهاتف :
_ ماهر بطل بقي طريقتك دي أني بتكسف بجد .
_ طب بتداري وشك ليه ياحب خليني اشوف ملامحك اللي بتتكسف القمرر دي .
مازالت مبتعدة بوجهها عنه ثم أغلقت الهاتف فورا مما صدمه منها فهي خجلت بشدة وهو لم يتوقع ذلك منها وبات يجزم انها ستكن رائعة حينما تكن بين يداه فحقا لقاؤها سيكن مزيجاً من العشق الجامح لكلتاهما والمشاعر الرقيقة البدائية منها ، فحقا يليق بكِ الفخر والاعتزاز بالنفس والكبرياء رحمتي،
ثم أرسل لها رسالة :
_ دي انتِ طلعتِ لاعبة فاشلة خالص يارحمتي.
ابتسمت بحالمية لمشاغبته واحتضنت الهاتف بين يديها وداخلها يردد :
لم لم اترك ضعفي بين يداك حبييي واتوه معك في دنياك الرائعة ؟
اريد أن أكـ.ـسر حواجز الصد وأقتحـ.ـم قلعتك العاشقة وأشيد داخلها مبنى عشقي ولن اجعل احدا يقترب من اسواره العالية ،
فبك القلب يحيا ومعك العين تتمنى وإليك الروح تفيض شوقاً واتمني أن أعيش معك روعة حياتي القادمة .
#خاطرة_رحمة_المهدي
#بقلمي_فاطيما_يوسف
#من_نبض_الوجه_عشت_غرامي
**********************
في منزل سلطان وبالتحديد في شقة عمران تدور سكون حول نفسها باختنـ.ـاق فما زالت حبيسة تلك الشقة وعمران أخذ لها اجازه من المشفى ومصمم على عدم خروجها ويخرج من الصباح الباكر ويعود بعد منتصف الليل دون أن يراها أو تراه ،
لقد رباها عمران ببعده عنها وجموده عليها ، لم تكن تتوقع أن غضـ.ـبه صعباً بتلك الطريقة وأنه شديداً لأبعد الحدود في وقت خصامهم ،
وفي إحدى الليالي قررت أن تنتظره حتى لو أتى فجرا فهي لن تتنازل علي أن تتحدث معه اليوم وتصل معه إلى أمر نهائي فعقابه مريرا ،
ظلت تنتظره حتى الساعة الثانية بعد منتصف الليل إلى أن جاء اخيرا ومع دقة الباب تصارعت دقات قلبها داخلها ، فقد شعرت بأنه تشتاقه كثيراً وبالرغم من أنها تطل عليه كل يوم وتتشبع برؤيته خلسة وهو نائم إلا أنها لم تعد قادرة على التحمل والابتعاد ، فالاشتياق له وصل إلى مرحلة لم تتحملها ، والابتعاد مرير ،
ما إن دخل تلك الغرفة حتى وجدها في انتظاره لم يكن يتوقع أنها تنتظره إلي الآن ،
ولكن إحساسه هو الآخر ضاعف احساسها بمراحل ووحشتها له زادت أضعاف الأضعاف ، فقد اشتاقها فوق الاشتياق اشتياقا ،
تحدث بجمود اصطنعه يأعجوبة دون أن ينظر لها وهو يعطيها ظهره :
_ عايزة ايه وايه اللي جايبك اهنه ؟
تنفست بصعوبة بالغة فقد عبئت رائحته صدرها وصارت تتنفسها اكثر وأكثر حتى يقل اشتياقها له ولكن مازادها إلا احتياج لحضن عمرانها ،
ثم اقتربت منه ولمست أكتافه من الخلف فجعلت جسده يشعر كأن الكهرباء مسته من كثرة وحشته للمسة سكونه ،
كفاك قلب العمران ! كفاك إذلالا لي ، كفاك ذاك الشعور الممـ.ـيت داخلك ، كل ليلة تزورك في احلامك وتشعر بوجودها بين أحضانك ،
كفاك عـ.ـذاب لصاحبك فهي خانت العهد والوعد وقتـ.ـلتك دون رأفة أو رحمة ،
كل ذلك من مجرد لمسة أصابعها لكتفك !
ثم استمعت أذناها لهمسها من الخلف فأغمض عيناه فصوتها هو الآخر فتت مشاعر الجمود داخله ، يريدها بشدة ، كل خلية في جسده تطالبه بالاقتراب منها :
_ هتفضل حابسني لحد ميتة ياعمران وأني مبتكلمش واكده هتضر في شغلي وهنفصل ومستقبلي كلاته هيضيع ؟
أجابها وهو موجوع منها وهو على نفس وضعه دون أن يواجه عيناها:
_ مانتِ كمان مرحمتيش ولدى وضعيتيه ومستنتيش لما تتوكدي من الحقيقة واهه كل شي انكشف وبان والملعونة اللي كانت بتوقع بيني وبينك وعايزة تخرب علينا نجحت في اكده وشيلتني منك شيلة تقيلة قووي ياسكون ودلوك الاعدام مستنيها واكيد اتوكدتي إن إللي تقـ.ـتل تقدر تفتري بردو وإن الفيديو اللي بعتته كله ظلم وافترا .
أغمضت عيناها هي الأخرى من وجع حبيبها على يدها وغير قادرة على التبرير ،
ثم تحدثت بصوت خفيض كي تجعله يستريح :
_ اني عمري ماشكيت فيك لحظة ياعمران .
الى هنا أعطاها وجهه ونظر إليها نظرات قاتمة وغضبه وصل عنان السماء ثم هزها من كتفيها قائلاً:
_ أمال عميلتي في ولدي اكده ليه ياسكون لما انتِ واثقة في عمران قووي اكده ؟
لم ينطق لسانها ولكن نطقت دموعها وشهقت بشدة ولم تستطيع تبريئ نفسها من تلك التهمة الشنيعة تهمة قـ.ـتل النفس ،
قتـ.ـلته دموعها ، شقته إلي نصفين نصف يريد أن يحتضنها ويحنو عليها ولا أن يراها تبكي ونصف يريد أن يسحقها بين يداه دون رأفة أو رحمة ، ماذا بك ايها القدر تصفعني دون رحمة ، ماذا بها حكمتك ربي من عذـ.ـابي الذي أتعبني وارهقني ،
ثم نظر في عينيها وترجاها :
_ لو مخبية حاجة عني عرفيها لي ياسكون ومتدمريش اللي بينا واني هفكر بالعقل وهلتمس لك كل الأعذار.
لم يجد منها رد غير البكاء ثم ردد بنظرات جامدة بأمر لايقبل النقاش :
_ قدامك ربع ساعة بالظبط تلبسي وتجيبي شنطتك وتنزل لي تحت ،
وأكمل بنبرة تحذيرية :
_ هما ربع ساعة بالظبط وتنزلي اكتر من اكده هتشوفي وش عمرك في حياتك ماشفتيه قبل اكده وادعي ربك ماتشوفيهوش
•تابع الفصل التالي "رواية من نبض الوجع عشت غرامي" اضغط على اسم الرواية
رواية من نبض الوجع عشت غرامي الفصل الثلاثون 30 - بقلم فاطيما يوسف
لم يجد منها رد غير البكاء.
ثم ردد بنظرات جامدة بأمر لا يقبل النقاش:
_ قدامك ربع ساعة بالظبط تلبسي وتجيبي شنطتك وتنزل لي تحت.
وأكمل بنبرة تحذيرية:
_ هما ربع ساعة بالظبط وتنزلي، أكتر من كده هتشوف وش عمرك ما شفته. ادعي ربك ماتشوفيهوش.
تحدثت بصوت مختنق قبل أن يغادر الغرفة:
_ خلاص هتطلقني ياعمران؟
ما إن سمع تلك الكلمة بتلك النبرة، أغمض عينيه ثم استدار إليها ورجع بخطواته. وقف أمامها ثم احتضن وجنتيها بين يديه بقوة آلمتها وهو يردد بصوت أجش خشن وبنبرة صارمة:
_ مش قبل ما أرجع حق ابني اللي ضيعتيه وتجيبي لي غيره ياسكون.
شعرت بالألم من احتضانه القوي لوجنتها. ثم حركت وجهها بين يديه وهي تغمض عينيها مرددة بألم هامس:
_ آااه بتوجعني ياعمران، حرام عليك.
خفف يديه وما زال محتضناً وجنتيها قائلاً:
_ ما انتِ كمان وجعتيني ياسكون، ولسة مكملة.
ما زالت تغمض عينيها وهي خائفة من أن تفتحها وتسكنها داخل عينيه وتلقي بهمومها داخل صدره وتستريح هي وتتعبه هو. ثم أكمل بنفس الجمود وهو على نفس وضعه بنبرة حائرة:
_ ماهو مش قادر أتخيل كيف العيون دي خدعتني فيها بالطريقة دي! كيف الأحاسيس اللي أنا حسيتها في قربك تطلع وهم! طب لما انتِ ما بتحبيش عمران ومش عايزة تخلفي منه وعايزة تطلقي، ليه الدموع دي كلها؟ طب ليه مش قادرة تفتحي عينيكِ وتواجهي عيون عمران ياسكون؟
وأكمل وهو يبدل نبرته من صارمة إلى نبرة أهدأ:
_ اللي بيعشق عمره ما بيعرف يغدر، ولا بيعرف ينسى بالسهولة دي.
ما زالت على بكائها وصمتها. داخله يؤكد له أن بها شيئاً ما لا يعرفه، فهذه سكون التي تتنفس عشق العمران ولا يمكن أن تفعل به هكذا. ما زال قلبه يعطي لها ألف عذر بدلاً عن السبعين. ثم أكد عليها:
_ البسي حاجة تقيلة عشان الجو برد بره والطريق طويل.
ثم تركها وغادر الغرفة وهبط إلى الأسفل وهو حزين على حالهما وعلى ما وصلا إليه. وبالرغم من اعترافها لإجهاضها لجنينه، إلا أنه ما زال متمسكاً بها وبوجودها في حياته. فبخروجها وابتعادها عنه لن يستطيع أن يحيا العمران. جلس على الأريكة وهو ينفث دخان سيجارته واحدة تلو الأخرى دون اكتراث لما يعبئه في صدره من ملوثات، وكأنها الإكسير التي تخفف غضبه. كان يجلس يفكر بها هي وحدها التي تقتحم صحوه وغفوته. هي وحدها من يريد من نساء العالم لا غيرها.
أما هي، ارتدت ملابسها ولا تعرف أين هي ذاهبة الآن معه؟ وأيضاً لم تعرف ما مصيرها مع عمران معشوقها الأبدي. أنهت ارتداء ملابسها الثقيلة ووضعت الحجاب وثبتته على رأسها وحملت حقيبة يدها وهبطت إليه. وجدته مستنداً على الأريكة ويبدو أنه غفى من شدة إرهاقه. وقفت أمامه ثم جلست أرضاً أمام وجهه مباشرة واقتربت منه وصارت تشتم رائحته المحببة إلى قلبها تعبئها داخل صدرها. أنفاسه التي لوثها بذاك الدخان أشهى العطور لديها الآن. وبالمثل شعر بأنفاسها هي الأخرى التي تلفح وجهه، فظل مغمض العينين كي يعبئ رائحتها هي الأخرى في صدره فقد استوحشها كثيراً. لو كان الأمر بيده لجذبها الآن إلى أحضانه وتشبث بها ورمى وحشة الأيام الماضية لها داخل جسدها الهزيل. ولكن ليت كل ما يتمناه المرء يدركه. ليت كل الأيام الثقال تنتهي الآن ويأخذها بين ذراعيه يسقيها من شهد عشقه لها أشهى ما تتلذذ.
لم يستطع إغلاق عينيه أكثر من ذلك في قربها. فلو ظل هكذا سيضعف ويضرب بالمعقول واللامعقول عرض الحائط. ثم فتح عينيه فجأة وجدها مغمضة العينين تتنفس أنفاسه دون إرادة منها. شعرت بحركته فقامت على الفور. ولكنه سحبها بسرعة حتى وقعت وارتطمت بصدره الصلب وسألها بنبرة رجولية خشنة وهو متأثراً بقربها:
_ طب ليه كل ده يابت الناس! اللي يشوف أفعالك يستعجب. بتعملي فينا كده ليه؟
لم تقدر على النطق وهي بقربه بتلك الدرجة. ثم ابتلعت أنفاسها بصعوبة بالغة وبنبرة هامسة سألته:
_ إحنا رايحين فين دلوقتي؟
أجابها وهو يثبت عينيه داخل عينيها:
_ نازلين مصر رايحين للشيخ صابر المداح.
اندهشت وهي في مكانها فوق صدره ويداه تحتضن خصرها من الخلف. ثم رددت بنبرة استفهامية متعجبة:
_ الشيخ صابر المداح مين وبيعمل إيه ده؟
اعتدل بجلسته حتى صارت تجلس على قدميه ووجهها بالقرب من وجهه قائلاً بغموض:
_ لما نروح هناك هتعرفي كل حاجة.
ابتلعت أنفاسها بصعوبة بالغة من قربه المهلك وكأنه يقصد فعل تلك الحركات عن قصد كي يضعفها بقربه. ثم هتفت بقلق:
_ طب ما ينفعش نأجلها للصبح؟ انت منمتش واحنا ماشيين على الطريق. في التأني السلامة.
بنظرة ملامة قصدها عمران سألها:
_ ليه خايفة على روحك وأنتِ معايا؟ ولا خايفة أموتك زي ما عملتي في حتة مني جواكي؟
انتفضت من مكانها وهي لم تعد تتحمل ملامته واتهاماته لها هادرة به لأول مرة:
_ كفاياك عاد تقطيع في وكل شوية تحسسني إني عملت جريمة.
انتفض هو الآخر من مكانه وهزها بعنف:
_ هو إنتِ كمان ليكِ عين تعلي صوتك بعد اللي عملتيه فيا؟
جزت أسنانها بغضب ثم أردفت دون خشية وهي تريد أن تفهم سره المخفي عنها هو الآخر:
_ أنتم السابقون ياعمران، مش لما أعرف كنت في أحضان وجد كيف بالطريقة الحميمية دي حتى لو كنت مش في وعيك زي ما قلت؟ إزاي اتجرأت عليك بالشكل ده ياعمران؟
ثار هو الآخر من عصيانها أمامه فهو لم ولن يحكي لها عن ما حدث له على يد تلك العقرب. ثم هدر بها:
_ شوفي بقى متحاولش تقلبي الترابيزة، دي شئ ودي شئ تاني خالص. ما تيجي نروح لماجدة كده ونحكي اللي حصل مني ومنك ونشوف رد فعلها إيه لما تعرف إن بنتها حملت وموتت اللي في بطنها.
اتسعت عيناها برعب مما قاله فهي ليست على استعداد لمواجهة أحدا عما بها ولا عن تقطيعهم لها. ثم ترجته بأعصاب منهكة مما تمر به الآن:
_ إنت نويت تفضح اللي بينا ياعمران حتى لو كان لأمي! أرجوك ياعمران كفاية اللي أنا فيه، أكتر من كده ما هتلاقيش سكون.
وأكملت وهي تنزل ببصرها للأسفل بنبرة ممزوجة بالدموع:
_ ممكن تصحى تلاقيني رحت مع اللي راحوا ووقتها هيأبقى ربنا ريحني.
انتفض بهلع عليها من مجرد ذكرها سيرة الموت. ثم جذبها لأحضانه وهو يهمس بجانب أذنها:
_ بتقولي إيه أنتِ؟ حرام عليكِ بقي كفاية اللي أنا فيه، متزودهاش عاد.
شددت من احتضانه. فالآن هي في حضن الأمان، حضن اللقاء والوداع معاً كما هي تشعر. ثم أخرجها من أحضانه ولـوهـلـة غَـاص فـي عـيـنـيـهـا وفـي مـلامـحـهـا الـجـمـيـلـة التي وحشته بشدة. ولـوهـلـة أخـذه فـؤاده لـشـعـور لا يـنـاسـب خصامهم هذا. ولكن ما يأمله الآن أن تكون تلك الوجد أصابتها بشيء من سحرها الأسود جعلتها فعلت بجنينها هكذا. فهي امرأة ملعونة فعلت به ما لا يخطر على بال بشر، لذلك يضع لها ذاك العذر بداخله. بل هو ذاهب ذاك المشوار خصيصاً كي يجد سبباً يجعله ينعم بأحضانها التي اشتــاقــها كثيراً. ثم وجد حاله يجذب شفتاها بين شفتيه في لحظة ضعف.. وله.. اشتياق.. لحظة يحلم بها ويتمناها منذ أن تفرق شملهم. كانت قبلة اجتياح مدمرة لكلاهما عصفت بالقوانين التي أخذاها كليهما على حاله، عاشقان محرومان من متعة اقترابهما ببعضهما.
ثم وجد حاله لم يستطع السيطرة على نفسه وهم في بهو المنزل. ابتعد عنها وتركها تلتقط أنفاسها بصعوبة من قبلته العاصفة. ثم تذكر ما فعلته وابتعد عنها متحمِّحماً بكبرياء:
_ حرام عليكِ، ليه عملتِ فينا كده؟
ما إن تفوه بها ارتجفت يدها لتقع الحقيبة منها. فبالرغم من إصرارها على الفراق، لكنها لم تكن تعلم أنها ستقع عليها هكذا وكأن انسكب فوقها دلواً من الثلج أو وقعت من فوق جبل مرتفع إلى الهاوية. ركضت من أمامه قبل أن تضعف وتبكي ويرى ندمها ويسمع لعنات قلبها لها.
أما هو، لملم شتاته المبعثر من قربها. ثم خرج إلى السيارة ينتظرها كي يذهبا إلى ذاك المشوار الذي يعتقد أنه سيريحها من ناحيتها.
أما هي، جففت عبراتها ثم خرجت ووجدته ينتظرها. فدلفت إلى السيارة ليبدأ في القيادة. نظرت من النافذة على تلك الحديقة، تحفظها داخلها علها تكون المرة الأخيرة ولم تأتِ ذاك المنزل مرة أخرى. ثم اعتدلت لتنظر أمامها وأجهشت بالبكاء وقلبها يعتصر ألماً. تريد صفع نفسها آلاف المرات على قرارها الأحمق، لكن هل هذه نهاية المطاف؟ وماذا ستفعل بهما الأيام القادمة؟
أما هو، ازداد داخله وجعاً على بكائها وحالتها التي لا تبشر بالخير أبداً. ومن شدة بكائها شعرت بثقل عينيها وكأنها قررت أن تذهب بها في سبات عميق حتى ترتاح قليلاً وتشحن طاقة تكفي أيام الوجع القادمة. وهو يقود السيارة بجانبها وعيناه تنظر لها بين الحين والآخر. فالطريق سيأخذ أكثر من ست ساعات وهو لم يفصل فيهم مهما شعر بإنهاك.
وأخيراً، بعد مرور ساعات لم يعرف عددها، وصل الآن تلك المنطقة التي يمكث بها الشيخ صابر والتي يحفظها عن ظهر قلب. هاتفه عمران وأعلمه بوصوله، فهو قد أخذ منه موعداً قبل ذلك. فأذن له الشيخ بالصعود إليه. احتضن كفيه يدها المرتجفتين. ثم قالت له برجاء قبل أن يصعدا:
_ بلاش ياعمران، أنا مش حاسة براحة ومش متعودة على الحاجات دي. ارجوك بلاش.
هدأها قائلاً:
_ متقلقيش ياسكون، الشيخ صابر مش زي ما أنتِ فاكرة. دي راجل صالح ومالوش في أمور الدجل والشعوذة وجلساته كلها ذكر وقرآن. وإن نفعت مش هتضر. وبعدين أنا وياكي أهه ومش هسيبك لحظة لحالك.
أخذت نفساً عميقاً ثم استعاذت داخلها وصعدت لقدرها معه التي تعلم نتيجته جيداً. فهي تعلم أنها لن يصيبها سحر وأن ما بها ليس إلا قدراً من عند الله. وصل عند الشيخ وبعد جلسة دامت أكثر من نصف ساعة يتلو فيها الشيخ عليهما من آيات وأذكار وروحانيات. نظر إليهما مردداً ببشاشة:
_ انتوا الاتنين ماشاء الله، الحارس الله. لم يصبكم أي سحر أو أذى. وبإذن الله محدش يقدر يمسكم أبداً. وطول ما أنت بتعمل اللي قلت لك عليه متقلقش.
تيقن عمران من كلام الشيخ أن زوجته لم يصبها شيء. والأمل الذي سيشفع به قلبه لها لم يعد موجوداً وصار الفراق بينهم عاجلاً أم آجلاً على مشارف الأبواب. انقضت جلستهم مع الشيخ وغادروا المكان ثم استقلا السيارة وصعدا كلتاهما. وملامحهما يبدوا عليها الوجوم الشديد. أما هي صامتة الآن وتعد حالها لعاصفة عمران بها. وأثناء شرودها استمعت إلى صوته الصارم:
_ هنروح دلوقتي فندق هنستريح فيه عشان على بالليل هنروح لدكتورة كبيرة. سألت عنيها هنا عشان أشوف وأطمئن إنك مبتاخديش الحبوب دي وهخليها تعمل لك فحص كامل شامل قدامي عشان ما يبقاش ليكِ حجة بعد كده. الداكتورة دي صاحبة مركز كبير وبيجي لها ناس من جميع أنحاء العالم. أنا بحثت عنها كويس قوي والحجز بتاعنا النهاردة.
وقع قلبها بين قدميها. فاليوم سيعرف عمران احتمال عقمها وسيعرف أنه سيتأخر حملها أو لم يحدث وسينقلب حزنه إلى مرار. أرادت راحته منه لأنها تعلم جيداً أن عمران لن يتركها مهما كان.
في مكتب ماهر الريان، تجلس تلك الرحمة على مكتبها في الخارج تشتاط غضباً. تجلس على الكرسي تتقلب فيه بهوجاء وكأنها تتقلب على جمر من النار. فقد مكثت تلك الشمس مع ماهر في الداخل أكثر من ساعة مما جعل غضبها وصل أبعد الحدود. ومن الأدهى أنه منع أحداً من الدخول عليهم. قامت من مكانها منتفضة بحدة فهي لم تستطع التحمل أكثر من ذلك. دلفت إليهم المكتب دون استئذان وضربت بقوانين ماهر الريان أرضاً. فالصبر يئس من صبرها وهي تتركه ساعة بأكملها وحدهم. وياليتها ما دخلت إليهم فقد رأت تلك الشمس تجلس على مكتبه وتتحدث بدلال جعلها تتسع عيناها بذهول. ويبدو أن تلك الشمس ستسطر في وثائق الوفيات اليوم مما قالته وأذناي تلك الرحمة سمعته:
_ بس ما كنتش أعرف إنك بقيت جامد قوي كده وحاجة واو. يا متر، الرجالة لما تقرب توصل لسن الأربعين بيبقوا مجانين كده.
لم يستطع الرد عليها فقد وقفت رحمة أمامها بغضب وصل معها أقصاه. ومن الواضح أنها استمعت إلى ما قالته شمس. وبات بداخلها الآن متأكداً من شراسة تلك الرحمة وأنها يستحيل أن تمرر الموقف مرور الكرام. ولكن ظل يجلس بثبات. ثم رمقتها رحمة بخضراويتها المشتعلتين بكل برود قبل أن تنفجر:
_ وما كنتيش تعرفي برضه إن قعدتك هنا على مكتب راجل وأنتِ بالشكل ده متهبليش ولا حاجة. وإن حبة الحركات والكلام اللي بتعمليهم دلوقتي رخيص يا آنسة.
انتفضت شمس من مكانها ووقفت بطولها الفاره. فقد كانت طويلة ورحمة تصل إلى منتصفها وترتدي ذاك الرداء الأسود الخاطف للأنفاس وهو عبارة عن فستان طويل بدون أكمام ومفتوح الصدر ومزين ببعض النقوش المزخرفة بالدانتيل من الأعلى وضيق من منتصف خصرها ويهبط باتساع حتى غطى جميع قدمها ومزين بحزام باللون الفضي المزخرف بنفس الدانتيل من على الصدر وجسدها مرسوم بحرفية كعارضات الأزياء. ووجهها الأبيض المزخرف أيضاً بلمسات التجميل البسيطة للغاية ولكنها ليست محتاجة لها فجمالها الطبيعي لا يحتاج اللعب فيه. شملتها رحمة بعيني الغيرة مما جعلها تفرز ملامحها بشدة. والآن تود سحقها بين يديها ولكن تحاول أن تظل على الثبات الانفعالي والهدوء. ولكن بداخلها يريد الهجوم عليها الآن وتلقينها درساً لن تنساه. فهي تقف أمام ماهرها وتغازله. وبدا لها أنها على ذلك الحالة من الدلع والإثارة له منذ أن وطأت قدمها ذاك المكتب.
أما تلك الشمس، هدرت بها بكبرياء فقد سحقها تلك الرحمة وأهانتها إهانة لن تغتفر:
_ أنتِ إزاي يابتاعة انتِ تتكلمي معايا بالأسلوب ده؟ شكلك اتجننتي عشان ما تعرفيش أنا مين؟
ثم استدارت إلى ماهر وهي ما زالت على عاصفتها وهي تسأله بذهول:
_ إنت إزاي ياماهر تشغل معاك سكرتيرة تقتحم مكتبك بالهمجية دي وكمان تتكلم مع ضيوفك بالطريقة غير المهذبة دي وتسمح لها تهينهم؟
ربعت تلك الرحمة ساعديها وبقامة مرفوعة تحركت حتى وصلت إليه. ولم تكتفي بذلك بل جلست مكان تلك الشمس على المكتب ونظرت إليه بعيني ما زالت تخفي شراستها إلى الآن قائلة له وهي تشاور بيدها على الأخرى باشمئزاز:
_ رد يامتر على سؤال عمود النور اللي واقفة دي وهي بتشتم رحمة سلطان المهدي.
تحمحم ماهر كي يستدعي الهدوء ويخرج صوته أكثر طبيعياً وهو الآن متيقن أن تلك الشمس وقعت تحت قبضة الأسد:
_ لو سمحتم انتوا الاتنين تهدوا ومفيش داعي لأن كل واحدة تهين التانية أكتر من كده.
ثم قرر أن يعرفهن على بعضهن، موجهاً كلامه لشمس أولاً:
_ دي تبقى رحمة المهدي خطيبتي ياشمس والمسؤولة عن كل حاجة تخص مكتبي.
ثم نظر إلى رحمة الغاضبة بشدة يعرفها عليها. ولكن قبل أن ينطق بأي شيء نزلت من على المكتب مرددة بكبرياء ورفض قاطع جعل تلك الشمس تشتاط أكثر من أنها علمت أن رحمة خطيبته فقد أفسدت مخططها في أن تجعل ماهر يراها ويذوب بجمالها هياماً:
_ لا معايزة اتعرف على الأشكال دي. الكلام ده كان يحصل من البداية يامتر من أول ما الكونتيسا دخلت المكتب ودخلت لقيتها بتقول الكلام الأهبل ده وهي مبتخجلش.
ثم أكملت وهي تقف أمامه وما زالت على اعتراضها:
_ مش أدخل ألاقيها قاعدة على المكتب وبتتغزل في جناب المتر ومعندهاش ذرة من الحياء والأدب اللي شكل أهلها معرفوش يربوها عليه.
واسترسلت بنفس غضبها:
_ دي أنا اللي خطيبتك مقلتلكش الكلام ده يامتر.
حدجتها تلك الشمس بريبة لتنهرها بحدة:
_ إيه ده يابتاعة انتِ الطريقة السوقية اللي بتتكلمي بيها دي! المفروض أنتِ مخطوبة لماهر الريان تكوني أرقى من كده في التعامل مع ضيوفه وتسيبك من شغل حلقة وصل دي.
إلى هنا لم تتحمل رحمة سماجتها. ثم شمرت عن ساعديها وكادت أن تفترسها الآن وتخرجها من ذاك المكان على نقالة إلى المشفى مما ستفعله بها. إلا أن ماهر تدارك الموقف وعلم ما ستفعله رحمة وأنها الآن ستنقض عليها كالأسد والأخرى لن تسد مقابلها والأمر سينقلب الآن. فنهر تلك الشمس:
_ لو سمحتِ ياشمس تتكلمي معها بأدب ومتغلطيش فيها أي كان.
لم تصدق شمس ما قاله ماهر الآن. لقد أهانها وسمح لرحمة هي الأخرى بإهانتها. والتمعت عينيها بالدموع لتقول بملامة له جعلته يتأثر بلمعة عينيها الدامعتين:
_ بقي كده ياماهر! أتهان في مكتبك بالطريقة دي وكمان أنت كمان تزود معاها.
واستطردت عتابها وهي تحمل حقيبتها وتنتوي المغادرة:
_ شكراً جداً على حسن ضيافتك واستقبالك ليا بالطريقة المهينة دي. أوعدك مش هتتكرر تاني.
ابتسمت لها رحمة ابتسامة نصر وهتفت:
_ مع السلامة ياغالية وخطوة رخيصة. يا ريت ما تتكررش تاني وتعتبريها يا أما هيبقى عندك بربع جنيه كرامة.
أما ماهر، كاد أن يلحق بها إلا أن رحمة منعته بشدة قائلة:
_ رايح وراها تعمل إيه؟ إن شاء الله ما تسيبها تغور في داهية قليلة الحياء دي.
واسترسلت وهي تضرب بقبضة يدها على المكتب:
_ عشان نعرف بقى نتحاسب يامتر على اللي حصل وسمعته بوداني من أم أربعة وأربعين دي.
أما شمس، نظرت له نظرة خذلان لإهانتها وطردها من مكتبه بتلك الدرجة. وغادرت المكتب وهي تبكي بغزارة. ويبدو أن أملها في ذاك الماهر تبخر وأن تلك الرحمة قد عشقها وأنها ليست لها مكانة في حياته.
أما ماهر، بعد أن غادرت نظر إليها بغضب عارم. فهو لم يهينها أبداً أمام أحد. ولكن الآن أصبحا وحدهما. فتحرك بخطوات ثابتة تجاه الباب وأغلقه كي لا يسمع صوتهما أحداً بالخارج. ثم تحدث إليها بحدة:
_ انتِ إزاي تعملي كده مع ضيف وياي في المكتب يارحمة؟
بنفس حدته وغضبه، ضربت بقوانينه دون أن تبالي أو تكترث لغضبه منها رعباً. ثم أجابته:
_ طب وهي دي ضيف عادي يامتر!
وأكملت بغيرة عمياء مثله بل وزادت وهي تتحدث بنبرة سخرية وتقلد تلك الشمس:
_ أنا دخلت لقيت الهانم قاعدة على مكتبك وبتقول لك الرجالة لما بيوصلوا لسن الأربعين بيهبلوا! وانت قاعد فرحان بقى ونافش ريشك يامتر وفي الآخر تقول لي ينفع ولا مينفعش!
وأكملت حدتها وهي على نفس غضبها:
_ دي أنت تحمد ربنا إن ما جبتهاش من شعرها الكنيش اللي شبهها دي وما خليتش فيها حتة سليمة.
نفخ بضيق وهو يضرب بقبضتي يديه في الأخرى معللاً:
_ يابنتي افهمي عاد وسيبك بقى من الهوجة اللي أنتِ فيها دي واصل.
واسترسل حديثه وهو يعرفها عن كنية شمس:
_ شمس دي تبقى أخت فرح وأنا اللي مربيها على يدي. كنت صديق لمحمد أخوهم أصلاً وكنت بروح عندهم كتير وأنا في الكلية ووقتها كانت في الابتدائية وكانت لما تعرف إني هناك تيجي تقعد وياي كتير. كانت واخدة عليّ وتحبني كيف أخوها. ومرت السنين واتجوزت أختها وتعلقها بيا زاد. وحتى لما المشاكل بيني وبين فرح زادت كانت هي كبرت وعرفت الصح من الغلط وبقت تنصحها كتير لحد ما حصل اللي انتِ تعرفيه. وقفت جنبي كتير. ولحد من أربع سنين فاتت ما شفتهاش لأنها سافرت بره تكمل علامها. ووصلت مصر من أسبوع وجت تسلم عليّ. هي دي كل الحكاية.
لم تتأثر بكلامه ولم تعطِ لها الحق في أن تجلس أمامه بتلك الطريقة ولا أن تقول له ذاك الكلام. وحتى نظرة عيني تلك الشمس لم تكن سهلة من وجهة نظرها. ثم تفوهت بغيرة لم تهدأ بعد حتى بعد أن سرد لها ما قاله الآن:
_ وهو ده يديها الحق تبص لك البصة اللي أنا شفتها دي! يديها الحق تقعد تدلع قدامك بمنظرها العريان المكشوف ده وتقول لك الكلام اللي سمعته! مهما تكون ياماهر مش من حقك تقعد مع أي ست وتديها مساحة الحرية اللي الباردة دي كانت بتتكلم بيها وياك.
وتابعت بنظرة شرسة أقرب لساخرة:
_ دي لو ما كنتش دخلت في الوقت ده كنت هدخل ألاقيها في حضنك إن شاء الله عشان تعبر لك عن مدى وحشتها واشتياقها ليك.
خلل أصابعه بين شعره وهو يجز على أسنانه بغيظ من حماقة تلك الرحمة. ثم حذرها:
_ بلاش طريقتك دي يارحمة واوزني الكلام قبل ما تقوليه عشان أنتِ بدأتي تهبلي دلوقتي في الكلام.
لم تعطِ غضبه أدنى اهتمام لتقول بحماقة جعلته ثائراً عليها:
_ طب ما تيجي نبدل الأدوار كده وتدخل تلاقي بنت عمي اللي مربيني هو كمان قاعد قدامي كده وبيتغزل في جمالي وأنوثتي وقتها إيه هيكون رد فعلك ياماهر؟
أقترب منها وردد بتهديد لها كي يجعلها لا تهذي بكلماتها تلك:
_ أنتِ بتخرفي بتقولي إيه أنتِ! ممكن الهانم تهدى وتبطلي أي كلام هبل يتعب الأعصاب، مش ناقصة هي.
أجابته بقوة وغيظ وهي تتذكر يجلس أمام تلم الشمس بذاك القرب:
_ مش قبل ما تطلع موبايلك حالا وتتصل بالبت دي وتقطع علاقتك بيها ياماهر وبعد كده أهدى عادي.
كانت تطلب منه ذاك الطلب بجدية وأصبح الأمر بالنسبة لها حياة أو موت. ثم حاول التحدث معها بنبرة لينة كي يقنعها أنه لا يصح فعل ذلك:
_ يعني يرضيكِ أكسر بخاطرها وهي عيلة ويعتبر إني اللي مربيها ومشفتش منها غير كل خير.
ثم أكمل وهو ينظر لها برجاء:
_ هي خلاص مشيت وبعد اللي أنتِ عملتيه فيها مش هتيجي تاني هنا يارحمة.
_ ياحنين يابو قلب طيب.. جملة ساخرة نطقتها رحمة باقتضاب وأكملت برأس يابس:
_ طب إنك تعمل للبت دي حظر من عندك دلوقتي حالا وما تيجي هنا تاني يا إما أنا من طريق وأنت من طريق تاني ياماهر وأنا مصممة على اللي في دماغي، يا أنا يا البت الملزقة دي.
تنهد بضيق وتحدث بغضب أخافها:
_ الزمي حدودك في الكلام معايا يارحمة ومتنسيش نفسك. شغل العند والتهديد دي مينفعش معايا أنا خالص.
وأكمل بنبرة مرعبة أخافتها قليلاً:
_ واعملي حسابك إني أنا من طريق وأنتِ من نفس الطريق وخلاص نفضها سيرة الموضوع اللي ملوش لازمة دي. أنتِ شبه طردتيها ومش هتيجي هنا تاني.
شبكت يديها وأبتسمت ساخرة:
_ أمممم… وإن شاء الله الست المطرودة وأخت المرحومة هتروح تلاقيها قاعدة لك قدام باب الفيلا بتعيط ومستنية بابي اللي رباها أبو قلب حنين يمسح دموعها صح؟
ثم نظرت له بابتسامة ساخرة وأكملت:
_ الحاجات دي عارفاها شفتها في الأفلام الأبيض وأسود كتير قبل كده.
ضرب على المكتب بقبضة يده وبنبرة أرعبتها على صوته:
_ أنتِ عايزة إيه دلوقتي عشان اليوم ده يعدي على خير وميحصلش طيب النهاردة.
ربعت ساعديها أمام صدرها وبنبرة حاسمة لا تقبل النقاش في قرارها:
_ تعمل لها حظر دلوقتي وقبل ما تعمله تبعت لها رسالة تعرفها إنك راجل خاطب دلوقتي وما ينفعش إنها تيجي لك تاني خالص. وهي لو عندها دم وإحساس لما يتعمل لها الحظر مش هنشوف طلتها البهية دي تاني.
_ يارحمة دي اسمها قلة ذوق… جملة اعتراضية نطقها ماهر وعقب عليها:
_ ياستي لو جت هنا تاني ادخلي قبلها وخلاص. شمس عندها اعتزاز بنفسها وكرامتها عندها كبيرة قوي أنا متأكد.
جزت على أسنانها بغضب جم وهدرت به فهي الأخرى تغار بشدة وتلك الفتاة وضعها بالنسبة له حساس فهي أخت زوجته الأولى وكما أنها فتاة جميلة وبالرغم من أن جمالها لا يقارن بجمال رحمة بضعة شيء إلا أنها رأتها جميلة الجميلات:
_ أنت مصمم تستفزني بقى وتغيظني.
وأكملت وهي تحذره:
_ لو سمحت متتطقش اسمها على لسانك تاني ياماهر. ولو سمحت إني بدأت أتخنق من الحوار ده. يا تبعت لها الرسالة حالا وتعمل كيف ما أنا رايدة يا إما أنا من طريق وأنت من طريق تاني ياماهر.
رد بنبرة حادة غاضبة وهو غير راضٍ عن ما سيفعله ولكن هو لو كان مكانها ورأى ذاك المنظر لكان الجالس معها الآن في المشفى يُعالَج مما سيفعله به ذاك الماهر:
_ تمام هعمل لك اللي أنتِ عايزاه يا كش الجنان اللي عندك دي يهدى شوية يا أستاذة.
ردت باقتضاب وهي تكره نعته لها بذاك اللقب:
_ متقوليش يا أستاذة دي تاني لو سمحت أنت عارف إن الكلمة دي بتعصبني.
نفخ بضيق من حالتها وخناقهم اليوم بسبب ما حدث واتيان تلك الشمس فجأة. ثم حاول مراعاة غيرتها كما تفعل هي وامتصاص غضبها وقام بإرسال رسالة إلى شمس كما قالت. فهو لابد أن يفتح صفحة جديدة ويدثر الماضي الذي سيجلب له مشاكل. كما أن شمس أصبحت فتاة جميلة بجسد أنثوي وليست الطفلة التي كانت تجلس على قدميه ويلاعبها يوماً من الأيام. ولابد أن الأوضاع تصحح كل في مكانه فلا يصح إلا الصحيح. وبعد أن أرسل تلك الرسالة وضعها في قائمة الحظر وكل ذلك أمام عينيها. فتنهدت بارتياح ثم تركت له المكتب. ولكنه لحقها قبل أن تخرج مردداً لها:
_ على فين ياحلوة؟
نظرت ليده التي أمسكتها من رسغها وهتفت باندهاش من نظرته لها غير المفهومة:
_ هروح فين يعني! خارجة رايحة مكتبي.
اقترب منها بطوله وهيئته الرجولية وهو ينظر داخل عينيها نظرة غير مفهومة جعلتها تبتلع لعابها من هيئته المدمرة لأنوثتها. نظر إليها وجدها تبتلع لعابها فابتسم بانتشاء لهيئتها وتحدث متسائلاً بنبرة رجولية وصوت متأثر من قربها:
_ طلعتِ بتغيري غيرة عمياء يازوجتي المستقبلية. بس تعرفي شكلك حلو قوي وأنتِ ثائرة عجبتيني قوي النهاردة يارحمتي.
استجمعت قواها وتحركت بداخلها روح الأنثى المتمردة. نفضت يده عنها وابتعدت وهي تردد بتأكيد:
_ آه طبعاً بغير وجداً كمان وهبقى ست معنديش إحساس لو ما غيرتش ياماهر. وأرجوك متختبرش غيرتي تاني عشان ممكن أعمل حاجات خارجة عن إرادتي وقتها.
حرك رأسه للأمام وهو يغمز لها بعينين عاشقتين بحركة أذابتها وأوقعتها صريعة غرام ذاك الرجل القوي ذو الهيئة الرجولية المفرطة. وهو يتحدث بنفس نبرته الخشنة وبصوت مبحوح:
_ خلاص ياحبيبي علم وينفذ بس اعملي حسابك الحاج سلطان خلاص كلها أسبوع وراجع هنتجوز على طول مش لسه هنستنى كتب كتاب وحوارات ملهاش لازمة.
وأكمل وهو ما زال مقترباً منها مما جعل مشاعرها ثارت داخلها من اقترابه لها ومحاصرته لأنفاسها ورائحته التي اخترقت رئتيها:
_ إني عايزك جنبي، عايزك في حضن قلبي.
ابتلعت أنفاسها بصعوبة بالغة من كلماته المهلكة لحصونها وصارت لا تقوى على الحراك وكأن قدمها غرزت في أرض مملوءة بالطين ولم تستطيع التحرك من أمامه. والقابع بين أضلاعها على حافة هاوية الانهيار من كلماته التي ألقاها على مسامعها جعلتها ذابت واقتربت على الاختفاء داخل أحضانه كي تداري خجلها منه. ثم بللت شفتيها بتأثر وهتفت بنبرة شبه هامسة وهي تنهيه أن يتحدث معها بتلك الطريقة وعينيها نظرت أرضاً من شدة خجلها:
_ ارجوك ياماهر افتح الباب وسيبني أخرج وبلاش طريقتك دي في الكلام واحنا وحدينا.
باغتها بغمزة ووجهه مزين بابتسامة مهلكة لها ناطقاً بمداعبة رجولية:
_ إيه خايفة على نفسك دلوقتي ياهيرو ولا خايفة تسلمي من أول غمزة ونظرة؟
ما زالت على خجلها تنظر أرضاً من طريقته في الحديث معها. ثم همست باسمه بنبرة رقيقة:
_ ماهر.
ردد بغرام:
_ عيونه وقلبه.
بنفس رقتها نطقت برجاء:
_ سيبني أخرج بقى.
رفع وجهها أمام عينيه ثم تحدث:
_ عارفة أحلى حاجة فيكِ إيه اكتشفتها النهاردة؟
غمغمت بصوتها دون أن تتحدث. فأكمل هو:
_ طلعتِ بتدوبي من أول نظرة، طلعتِ خام يارحمتي ومحتاجة تدريب قاسي عشان تقدري بس تواجهي.
شعرت بتفكك أعصابها الآن وأنها ليست قادرة على مجابهته في معركة عشقه لها. فهي إن نظرت في عينيه سترتمي في أحضانه ولن يصح ذلك. وفضلت السكوت أمامه. ثم أكمل وهو ما زال على مشاغبته:
_ أنتِ عندك دين على فكرة ما سديتيهوش.
_ دين! دين إيه ده؟.. جملة استفهامية نطقتها وهي ترفع عينيها في عينيه أخيراً. وعقب هو والابتسامة الهادئة تزين ثغره:
_ عندك واحد كلمة بحبك ياماهر لحد دلوقتي منطقتيهاش يارحمتي. وعندك كمان رسوم تخبية عنيكي عني دلوقتي. عندك كمان رسوم عطف وحنان لفاقد الحنان زيك. عندك كمان حبة زكاة مشاعر وأنا أولي بيهم.
وأكمل بنفس مداعبته:
_ مش الأقربون أولى بالمعروف برضه وأنا دلوقتي فاضل تكّة وأشدك لحضني لو مخرجتيش حالا.
أنهى كلامه وفتح الباب. وما إن استمعت إلى صوت الباب حتى فرت هاربة من أمامه وجلست على مكتبها تلتقط أنفاسها التي حبست في اقترابه منها وهي تستند برأسها على الكرسي ومغمضة العينين. فكم كان ذاك الماهر بارعاً في خطف حواسها بالكامل. لقد أرهقها بكل شيء في شخصه، أهلكها برجولته الرزينة وملامحه الوسيمة ورقيه في الحديث معها. فداخلها هي الأخرى أصبح متلهفاً لاقترابه. داخلها سعيداً بذاك الاختيار التي لم ولن تندم عليه أبداً مهما طال الزمان.
في منزل مجدي، كان الطبيب المختص بالعلاج الطبيعي جاء ليجري له جلسته الآن. وتلك الجلسة تمكث أكثر من ساعتين فهو له طقوس خاصة مرهقة. في الخارج كانت مها تجلس مع أبنائها تحذرهم:
_ دلوقتي أنا هدخل مع الدكتور وهو بيعمل الجلسة لبابا. خلو بالكم من حالكم ومتتشاقوش. اقعدوا اتفرجوا على الكرتون. وأنا كل شوية هخرج أطل عليكم تمام يا حبايبي؟
حرك الطفلان رأسهما بطاعة ووجههما مزين بالابتسامة. ثم دغدغت كلاهما بحنو اعتادت عليه معهما. ثم احتضنتهم بشدة فهم أثمن أشياءها في الحياة بل وأثمن من روحها. ثم تركتهم ودلفت إلى الطبيب فهي تساعده في بعض الأشياء وتقف بجانب مجدي تحسه على الصبر حين يتوجع.
أما في الخارج، بعد مرور نصف ساعة، مل الطفلان من التلفاز. ثم اقترح زين ببراءة لأخيه:
_ إيه رأيك ندخل نملى البانيو ماية سخنة وشاور ونعوم فيه لحد ما ماما تخلص؟
ابتسم الآخر بسعادة لذاك الاقتراح ولكنه قال بتردد:
_ بس ماما مش بتحبنا نملى البانيو غير لما تكون معانا. وممكن تتضايق وتعاقبنا لو عملنا حاجة من وراها.
شجعه زين وهو ينهي على خوفه:
_ طب هنقعد حبة صغيرين لحد ما نسمع صوت باب الشقة والداكتور مروح. وبعدين نقوم علطول ننشف جسمنا. وبعدين ماما لما تلاقينا كويسين مش هتعاقبنا. ماما طيبة وبتحبنا قوي ومش هتضربنا.
وبالفعل استجاب الطفلان لبعضهما ودلفا إلى الحمام وأغلقا الباب ورائهما. ثم قاما بوضع السدادة وفتحا صنبور المياه على الساخن وقاما بوضع سائل الاستحمام الخاص بهم بغزارة. وبعد قليل امتلأ البانيو ولكن ما زال الصنبور مفتوحاً. وهبطوا بسعادة داخل المياه وكل منهم يشاغب الآخر بسعادة في أحب الأوقات إلى الأطفال، أوقات الجلوس في المياه. ولكن مع مرور الوقت امتلأ الحمام بالبخار والنوافذ مغلقة والسخان الغاز في نفس المكان والمياه الساخنة المتكثفة بالبخار عبأت الحمام. وبدا الطفلان أنفاسهما تنسحب باختناق دون أن يدروا. وانغمرا الطفلان رويداً رويداً في المياه لا يستطيعان التحرك حتى فارقت أنفاسهما الحياة.
مضى أكثر من ساعة على وضعهما ذاك في البانيو. فخرجت والدتهم تطمئن عليهم وقد قاربت الجلسة على الانتهاء. فلم تجدهم مكان ما تركتهم. فنادت عليهم وهي تبحث في الغرف ولم تجدهم أيضاً. دلفت إلى المطبخ ولم تعثر عليهم. فذهبت إلى الحمام أخيراً. وكل ذلك في غصون نصف دقيقة. فتحت الباب وشهقت من منظرهم وهم يغفون تحت المياه. ولكنها ظنت أنهم يشاغبونها. ثم هرولت بخطوتها وأخرجت كل منهما بيديها، زين في اليمنى وزيدان في اليسرى وهي تردد لهم بقلب يخفق رعباً مما استنتجته ولكنها لم تصدق حدسها:
_ زين.. زيدان فتحوا عيونكم بقى وبلاش الهزار التقيل والبايخ ده.
لم يستجب الطفلان لندائها وأصبحت تناديهم بأسمائهم. وقد نزعت السدادة كي تتصرف المياه. ثم أخرجتهم من المغطس وسترت أجسامهم برداء الحمام الخاص لكليهما. وكل ذلك وهي ما زالت تنادي بأسمائهم. وانقلب نداؤها الهادئ إلى صراخه شديد. سمعه مجدي والطبيب فهرول الطبيب إليها وذهب لمكانها وانصدم من المنظر الذي تقشعر له الأبدان. فراق أغلى الأحباب. فتُعد الحياة بمثابة حلم قد يكون جميلاً أو حزيناً. ولكن في النهاية يوقظنا الموت من هذا الحلم سواء طال أو قصر. لا بد لكل ابن آدم أن يستعد للموت. فهو موعد آت لا محالة فلا يمكن لأحد الفرار منه. فنحن عاجزين عن إدراك معنى الحياة، فكيف لنا أن ندرك الأمور المتعلقة بالموت؟ تعلق بالحياة الدنيا كما شئت، ولكن اعلم جيداً أن الموت هو النهاية الحتمية لكل حي. فكل ملوك الكون قد رحلوا، فهذه هي سنة الله في خلقه فأمر الله لا يرد. علينا أن لا نبكي على الراحلين من أحبائنا وأصدقائنا، فمن رحمة الله تعالى بنا أننا لم نفقدهم وهم على قيد الحياة. فلم يستطع أن يفرقنا عن بعضنا البعض سوى الموت. الشعار الذي يعمل به كل البشر هو الوجع مهما زاد أهون من الموت والفراق. كم من عزيز قوم كانت ترفع لأجله الرايات في النهاية أذله الموت. الموت كالمرض الخبيث الذي عجزت فنون الطب عن علاجه. ولكن اعلم أن علاجه الوحيد هو صفاء قلب المرء وتقواه وما يلقى به ربه من أعمال صالحة. وتلك المها لم تفقد غير أعز الناس لديها في صدمة منها تقشعر لها الأبدان. اقترب الطبيب منهما وبدأ بفحصهما جيداً. وبعد دقائق تأكد من فراقهم الحياة فكتب لهم تقرير الدفن وهو على ثقة أن والدتهم لم تهمل بهم فهي كانت منشغلة معه في علاج أبيهم.
انهارت مها وهي ما زالت تحتضن الطفلين ومتشبسة بهم. وصارت تبكي بحرقة كما لم تكن بكت من قبل. صارت تقطع في شعرها وتفعل أفعالاً بهوجاء من شدة صدمتها وهي تهذي باسمائهم وترتمي في أحضانهم أرضاً:
_ زين يا زيدان اصحوا يا حبايبي حرام عليكم متعملوش في ماما كده. أنا خلصت الجلسة مع بابا وجت لكم. يااااااارب متعاقبنيش بيهم يااارب. متاخذهمش بذنبي يارب. اقبض روحي مكانهم يارب.
وظلت على حالتها تلك. بعد مرور ساعتين من انهيار مها ولقد أتت إليها والدتها واخوالها وانقلب منزلها الهادئ إلى أعداد من الناس والأقارب. ولكنها الآن غابت عن الوعي بصدمة عصبية بعد أن صممت الوقوف على غسل أبنائها. ووالدهم مجدي ظل يبكي مثلها بكاءً يكسر القلوب ويجعل العاصي يتوب ويتأكد أن ما بين رمشة العين وانتباهاتها تفارق أناساً عن حياتنا. فلا داعي للحقد أو البغض أو يحمل منا من الآخر. ففي النهاية الدنيا دار فناء والآخرة دار البقاء. ودفن زين وزيدان في حزن دفين خيم على أهل الكفر. فالحادثة موتهم رهبة يخشى الناس منها. وانقضت تلك الليلة على مها بأسوأ ليلة في حياتها. لن تشعر بأي حزن بعد كل ذاك الحزن.