تحميل رواية «من نبض الوجع عشت غرامي» PDF
بقلم فاطيما يوسف
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
حلَّ الليلُ على البيت، وغرقت البلدة في صمتٍ ثقيل، كأن كل شيء توقف عن الحركة ليترك السكون يسود. في الطابق السفلي عند نهاية الممر الطويل، وُجِدت تلك الغرفة ذات الباب الرمادي، مغلقة كعادتها في مثل هذا الوقت. لا أحد يقترب منها، ولا أحد يسأل. "فريدة" بخطواتٍ هادئة لا تُحدث صوتًا، هبطت السُّلم وهي تحتضن بين يديها كتابًا كانت تقرأه قبل قليل لكنها لم تستطع التركيز. هناك شيء ما منذ أيام يتحرك في عقلها ولا تستطع الإمساك به. حدس خافت، شعور بأن ثمة ما يتسلل من بينها وبين "فارس". حين اقتربت من الغرفة توقفت....
رواية من نبض الوجع عشت غرامي الفصل الحادي والثلاثون 31 - بقلم فاطيما يوسف
قبل حادثة الطفلين في ذاك الفندق الموجود به عمران وسكون، فقد استراحا كليهما من تعب الطريق.
نظرت سكون إليه وهو يقف عاري الصدر وتبتلع انفاسها بانتشاء وهي تراه بحالته تلك.
أما هو نظر لها ببرود مميت اصطنعه لحاله كي لا يضعف أمام هيئتها وأنوثتها المهلكة لرجولته، ثم ردد آمراً إياها:
_ اعملي لي فنجان قهوة سادة هاخد دش وأخرج ألقاه جاهز.
ردت بطاعة:
_ حاضر.
تركها ودلف إلى الحمام، فجسده يشعر بالإرهاق الشديد.
ثم قامت هي ووقفت أمام المرآة تمشط شعرها بشرود. فبقي قليلاً وعمران سيكشف أمرها. ففكرت أن لا تذهب إلى الطبيبة معه وتخجله أمامها. فهي طبيبة نسا والطبيبة حتماً ستعرف وستسرد ما بها أمامه.
ظلت تفكر بما تبدأ وكيف تحكي لها عن آلامها التي مرت به؟ كيف سيتحمل أن ينتظرها سنوات وهو بضع سنوات قليلة على مشارف الأربعين؟ كيف سيكون رد فعل والديه على مرضها؟
تلك الأسئلة التي دارت بعقل سكون كثيراً وكثيراً. لقد أرهقت بشدة من كثرة الصراعات الصاخبة التي تتصارع داخلها.
خرج عمران من الحمام وأتجه إلى الأريكة وأمسك ملابس بيتية كان قد أخرجها من الخزانة قبل قليل قائلاً لها:
_ ناوليني القهوة علشان مصدع جامد.
ابتلعت لعابها من هيئته المدمرة لأنوثتها. نظر إليها وجدها تبتلع لعابها فابتسم بانتشاء لهيئتها. فناولتـ.ـه القهوة وبدأ احتسائها بتلذذ. ثم سألها:
_ مالك بتبص لي أكده ليه؟ ضعفتي وندمتي ياسكون؟
استجمعت قواها وتحدثت بنبرة متوترة بعض الشيء وهي تنظر في اتجاه جانبي بعيداً عن عينيه:
_ مالي يعني، انت اللي بيتهيألك.
وجدت حالها ستضعف أمامه الآن فتحركت ووضعت على جسدها رداءً ثقيلاً وكادت أن تتحرك إلى الشرفة إلا أنه أسرع إليها قبل أن تدلف وجذبها من يدها بشدة جعلها ترتطم بصدره في حركة أذابت اثنتيهم وأهلكت حصونهما وهو يردد أخيراً:
_ لسه مصممة تداري عني وجعك ياسكوني؟
كان يتحدث وهو ينظر لشفتيها وهو يأخذ أنفاسه باشتياق وبدأ صدره ينتفض ويعلو ويهبط من شدة احتياجه لها ولأن تسكن أحضانه. وما كانت حالها أفضل من حاله. كانت تنظر لعينيه بفم مفتوح مرتعش وقلب يرتجف يريد الارتماء داخل أحضانه ونسيان كل شيء جعلهم افترقا الفترة الماضية.
بقيا مدة على وضعهما هكذا كلاهما يحترق شوقاً للآخر ولكن كبرياؤه يمنعه من اتخاذ الخطوة الأولى وينتظرها من الآخر. فهي قد دارت عنه ما سمعه بالصدفة من حديثها ظهراً مع صديقتها وهي تظنه نائماً.
ثم ابتلعت لعابها وتحدثت بصوت منخفض وهي تندهش من سؤاله الموجه إليها ويداه مازالت تطوق خصرها بتملك وهو منتوياً أن لا تخرج من أحضانه قبل أن يتصافى كلا منهم:
_ انت تقصد إيه ياعمران؟ ممكن تتكلم علطول من غير ما تلعب بأعصابي؟
رفع خصلة شاردة هبطت على جبينها ودارت عيناها عنه مجيباً إياها:
_ سمعتك وانتِ بتتكلمي مع فريدة صاحبتك ياسكون، فمن فضلك تتكلمي دلوك حالا وكفاية أكده بقى اللي احنا فيه وحالنا اللي مبقاش زي الناس الطبيعيين.
تلقائياً هبطت الدموع من عينيها وهي تحاول مدارتهم عنه ولكن رأى دموعها فجذب وجهها إليه وجفف عبراتها ثم أمسكها من يدها. وما إن احتضنت يداها كف يداه حتى ضغطت عليهم بقوة وكأنها تتوسله بضغطتها تلك أن لا يتركها وأنها لا تسوى شيئاً بدونه.
كان ينظر إليها باشتياق لم يسبق من قبل. فابتعادها عنه وعن أحضانه استمر أكثر من أسبوعين وتلك المدة تعد سنيناً في نظر عمران.
ثم تحدث إليها بصوت أجش خشن وبنبرة راجية:
_ طب بلاش دموع، ومهما كان اللي وجعك ياسكون مش هتخلي عنك مهما يكون أي حاجة في نظرك كبيرة وخايفة منها مش هتكون أكبر ولا أهم من وجودك ونفسك معايا.
واسترسل حديثه وهو يرفع يداها ناحية شفتيه يقبلها بوله والصبر نفذ من صبره في ابتعاد سكونه عنه:
_ مهما يكون اللي حصل وبالنسبة لك هيضيع الحب الكبير اللي بيناتنا، فهو بالنسبة لي تفاهات قصاد إني عرفت إنك مقتلتيش ولدي ولا إنك مش عايزة تخلفي مني.
كانت دقات قلبها تتصارع داخلها، فهي في أحضان عمرانها التي حرمت منها تشعر كأنها كالملك الذي يجلس على كرسي العرش ويملك الدنيا بأكملها. ثم وجدته يترجاها بعينيه أن تتحدث عما بها وتحكي له كل شيء حدث لها.
وجد أنها لا تستطيع الوقوف على قدميها فجذبها من يدها وأجلسها على التخت ثم حاول تهدئتها، فمن الواضح أن أعصابها متوترة بشدة:
_ طب احكي لي بهدوء، وأياً كان اللي هتحكيه فهيوبقى له حل طالما إنك وأنتِ جنب بعض ياحبيبي.
ابتلعت أنفاسها بصعوبة ثم تحدثت عما يجيش في صدرها ويؤرق حياتها:
_ قبل فرح مكة عرفت إني حامل، كنت فرحانة قوووي إن ربنا جبرني وهجيب لك طفل يفرح قلبك ويبقى زينة البيت لماما الحاجة وبابا سلطان، لكن في نفس اليوم حصلت مشكلة مكة اختي، فاتلخمت وياها. ولأني كنت عايزة أفرحك بالخبر دي واني عاملة أجواء في خيالي تخليني أشوف الفرحة والسعادة في عيونك، عملت سونار وحسيت بحاجة غريبة، فعملت إشاعة وفات يومين ولقيت بينزل عليا دم. عرفت إن الجنين مشوه وإني لازم أنزله، فاضطريت إني أجهضه. وبعد أكده اكتشفت من خلال الأشعة إني عندي مرض بيخلي الجنين ميستمرش في رحمي أكتر من شهرين وهينزل. انهارت ساعتها.
كان يستمع إليها بقلب ينفطر حزناً لأجلها، فحبيبته عانت كثيراً في تلك المدة القصيرة وتحملت وحدها كل ذاك الألم دون أن يعرف. وزاده عليها قسوته عليها.
ثم خلل أصابعه بين خصلات شعرها وهو يشعرها بأنه بجانبها ولن يتخلى عنها. ثم استرسلت حكواها:
_ وقتها قلت مش هتسرع وبعت التحاليل بتاعتي للأستاذة بتاعتي وردت علي بعدها إن التحاليل سليمة، وشخصت لي المرض زي ما أنا عرفت بالظبط. وطبعاً مقلتلهاش إن الحالة دي بتبقى إني علشان أعرف كل حاجة منها بدون ما تخاف علي وتخبي عني حاجة. وتشخيصها زي ما قلت بالظبط، وإن حالتي هتاخد علاج سنين ومحتاجة صبر ويا عالم هخف ولا له.
وتابعت وجعها وعيناها انهمرت منها الدموع بغزارة مما جعل قلب عمران ينهار لوجعها هو الآخر. وصار يجفف عبراتها بأصابع تتمنى محو الدموع وانتزاعها من عينيها إلى الأبد كي لا تحزن أبداً:
_ وطبعاً الرحم نشط جداً واحتمال حدوث الحمل مرة ثانية في أقرب وقت وبرضه هينزل. فكان لازم آخد حبوب منع الحمل علشان مش كل شوية أسقط والرحم بتاعي يتفيرس. ووقتها هدخل في حوارات تانية ومتاهات مش هقدر أسدها.
ثم رفعت عيناها الممتلئة بالدموع وبررت موقفها أمامه في قرارها الابتعاد عنه:
_ وقتها الدنيا اسودت قدام عيني وحسيت إني بدأت أخسرك. وإنك كيف هتتحمل تستناني سنين ملهاش عدد علشان أجيب لك طفل يحمل اسمك. وكمان شايفة لهفة ماما الحاجة على إنها تحمل عوضك بين إيدها. وزاد عليهم اللي خلاني آخد الخطوة بأني أشوه صورتي قدامك إنك كل شوية تقول لي نفسي أبقى أب، نفسي أخلف منك ياسكون طفل يحمل اسمي واسمك. كنت بنهار ياعمران ومعرفتش أعمل إيه!
ثم هدأت من روعها وأخذت نفساً عميقاً كي تستطيع الإكمال له وتفرغ ما في صدرها وجعلها طيلة الأيام الماضية تشعر أنها على حافة الانهيار:
_ فاستغليت الفيديو بتاع وجد وعملته حجة أعاندك بيها وعرفتك إني أجهضت نفسي. وسيبت لك كمان شريط الحبوب في مكان مش متداري علشان تكرهني وتطلقني بضمير مرتاح. لكن أنت خالفت الظنون ياعمران. طلعت عاشق سكون عشق حقيقي مش مجرد كلام. وزي ما أنا ما صدقتش الفيديو بتاع الملعونة وجد، إنت كمان مصدقتش إني أعمل أكده وشفت في عيونك اللي كذبتني كتير.
ضاقت عيناه في ذهول وسرعان ما كان يشيح عيناه عنها يكرر سؤاله لها مرة أخرى بنبرة خشنة:
_ وانتِ كنتِ متخيلة إن عمران يتخلى عنك ياسكون علشان تعبك؟
وأكمل وهو يجذبها إلى أحضانه حتى ارتطمت بعظام صدره القوية الصلبة وأكد لها:
_ إني آه نفسي أكون أب بس إن مكانش من ضلعي وضلعك، إن مكانش منك أنتِ ياسكون معايزاهوش من غيرك.
بنبرة ضائعة خائفة مشتتة أعلمته:
_ بس احتمال كبير مياجيش ياعمران، أو ياجي بعد صبر ومشوار علاج ومرار مهينتهيش.
تنهد عمران بتنهيدة طويلة وتمتم بقوة بعدما أخرجها من أحضانه:
_ حبيبي فداكي عمران وقلب عمران وعمره كله. الدنيا كلها كوم وانتِ لوحدك كوم تاني ياسكوني. لازم تكملي معاي مشوار الحياة اللي من غير وجودك فيها ملهاش لازمة. ارمي حزنك وهمك ودمعك في قلبي وهو قوي وشجاع مش هيتخلى عنك وكله يهون ولا أن دموعك دي تنزل على خدك ثانية واحدة.
تعلقت عيناها به بنظرة ضائعة أرجفت ذلك القابع بين أضلعه. ثم سألته عن موقف والديه:
_ طب وماما الحاجة وبابا هيرضوا يتحملوني وميشفوش عوض ابنهم اللي مستنينينه بقى لهم سنين وسنين؟
أشاح عيناه عنها ثم زفر أنفاسه بقوة وتحدث بنبرة ملامة لها:
_ كد أكده مش شايف عمران راجل يقدر يدافع عن وجودك في حياته ياسكون؟
وأكمل راجياً إياها:
_ ممكن متفكريش في أي حاجة ولا تشغلي بالك بأي حد حوالينا وحطي في بالك إن كل تأخيرة وفيها خيرة، وإن اللي احنا شايفينه صعب ومستحيل بيبقى مفيش أحسن منه.
سألته بتيهة:
_ يعني انت مش زعلان مني دلوك إني خبيت عليك؟
تنفس بضيق عندما ذكرته وأجابها:
_ هكدب عليكِ لو قلت إني مش زعلان، لكن إني زعلان منك قوووي قوووي.
وأكمل وهو يبين سبب ضيقه منها:
_ زعلان علشان اتحملتي الألم لوحدك وداريتي عني حاجة متتدراش واصل، مصير مهم في حياتنا وكنتِ عايزة تمشيه لحالك. مفكرتيش إن ممكن في مرة من اللي طلبتِ فيهم الطلاق أنطقها مثلاً وتنتهي حياتنا فعلاً! مفكرتيش حالتك وحالتي كانوا هيبقوا عاملين كيف واحنا بنتـ.ـدمر من وجع البعاد! مكانش ينفع تخبي عني يا سكون أبداً، وزي ما عشنا الحلو مع بعض نتشارك برضو في الوجع علشان تبقى قسمة الحق.
ارتاحت سكون الآن بعد عدة أيام قضتها في كابوس فتك بقلبها بل وكل كيانها، كابوس فراق العمران عشق السنين. ثم تحدثت بنبرة متأسفة عن ما بدر منها وجعله يحزن منها:
_ حقك علي ياعمران، واوعدك إني مهخبيش عنك حاجة واصل من النهاردة.
واسترسلت حديثها وهي تبتلع أنفاسها بصعوبة:
_ بس والله العظيم كل اللي كان في بالي وقتها إني خايفة عليك من الانتظار وخايفة عليك من الوجع ومن اللي حوالينا. مكنتش عايزة أشيلك حاجة فوق طاقتك ولا أضيع عمرك.
احتضن وجنتيها بين كفاي يداه ثم بدأ شبح ابتسامة خفيفة على ثغره ولكنها سرعان ما اختفت في بحر لهفته لها وهو يردد بمشاغبة اعتاد عليها عمران مع سكونه:
_ سكوني.. بيقولوا اللي اتجوزت ومخلفتش على طول بتفضل عروسة وتروق على عريسها لحد ما تخلف.
وأكمل بغمزة من عينيه:
_ يبقى إني هفضل عريس والعريس محتاج يتدلع ولا إيه.
خجلت من طريقته وتلميحاته وابتسامتها زينت وجهها وبدا له أنها كشمس سطعت في يوم متبلد بالغيوم أنارت قلبه العاشق ورزقته الدفء في عز البرودة. ثم جذبها من رقبتها وأسند جبهته بجبهتها مردداً بصوت مشتاق:
_ وحشتيني قووي ياسكون، وحشني ضمتك ليا اللي بتحسسني إني أسعد راجل في الدنيا.
بللت حلقها الذي جف من كثرة عطشه إليه ثم همست برقة أذابت عمرانها:
_ وانت كمان وحشتني قووي، انت متتصورش إني اتعذبت في بعدك عني كد إيه. كنت بقول لنفسي هو قدامي لسه وبشوفه ومش قادرة أقرب منه ولا أحضنه، أمال لما تفارق هتتحمل كيف ياسكون.
وضع يده على شفاها مانعاً إياها أن تكمل وتنطق كلمة الفراق تلك. فما منها إلا أنها قبلت باطن يداه باحتياج لقرب عمران وهي تغمض عينيها بتأثر من رائحة يداه التي تغلغلت أنفها وجعلتها متأثرة باقترابه منها. ذاك حالها من مجرد أن وضع يداه على شفاها، فما بالها حين تلمس شفاه شفتاها حقاً؟ ستتوه في عالم عمرانها الذي يشعرها بأنها أنثى كاملة وبيدها كنوز العالم بأكمله.
أما هو شدد على احتضان وجنتها بين يديه وهو ينهيها عن ذكر كلمة الفراق تلك:
_ مفيش فراق ياسكون ومتقوليهاش تاني. لا إنتِ هتبقى مع غيري ولا إني هحس باللي بحسه معاكي مع ألف ست تانية.
وأكمل وهو يشعر بالخزي مما فعلته بهم:
_ بس دي آخر مرة هغفر لك تصرف زي اللي عملتيه دي ياسكون. ممنوع تخبي عني أي حاجة واصل من النهاردة، ودايماً تكوني حاطة في اعتبارك إن كل مشكلة هتواجهنا ليها ألف حل إلا الفراق ياحبيبي.
وتابع وهو يقبلها بجانب شفاها برغبة:
_ عمران مهيفارق إلا بالموت ياقلب عمران.
ما إن ذكر كلمة الموت حتى شعرت بالخوف من تلك الكلمة. فشددت من احتضانه لتقول برغبة:
_ بعد الشر عنك، ربنا يخليك ليا وميحرمنيش منك أبداً. إني من غيرك معرفش أعيش أبداً.
ما إن قالتها حتى أصبح لم يتحمل هو ذاك الابتعاد أكثر من ذلك وجسده يطالبه بأخذها إلى عالمهم الخاص الذي حُرموا منه طيلة الأيام الماضية والتي تعد بالنسبة لهم عمراً بأكمله. ثم احتضنت شفتاه شفتاها وجسده أصبح مشتعلاً وكلاهما يبث للآخر عشقه بطريقته التي تسحبهم لأجمل عالم في الوجود. إنه عالم يشعرهم بأنهم طيور محلقة في سماء العشق والرغبة وعادت سكون لوطنها الآمن وحصن قلبها الحصين.
ثم أهداها خاطرته التي كللها بغرامه قولاً وفعلاً:
عيناكي كبحور العسل الصافي الذي لم يتذوق طعمه عاشق إلا وخفق قلبه بشدة وهام بهما عشقاً. في عيناكى سحر يقتحم داخلي ويأثرني كمثل عاشق لقهوته ومسحور بدفئها في ليلة شتاء شديدة البرودة، ولكنه حينما يحتضن قهوته يسبح في عالم عيناكي. فالعين قد أثرت والقلب قد غلقت أبوابه والروح أصبحت بين يداكي، فافعلي بها ماشئتي برضاكي.
وفي نفس الوقت في جزر المالديف حيث يسكن عاشقان آخران وهما يبدآن طريقهما وكل منهم أصبح متمسكاً بالآخر رغم معاندة الظروف.
كانوا يجلسون أمام البحيرة ذات المياه الزرقاء الصافية ومكة بجوارها ذاك الباجور وعليه الإناء وتصنع مشروب الشاي المفضل لها. وهم يتناولون أطراف الحديث مع بعضهم بصفاء ذهني ورقي، فهما الآن في هدنة من مشاق الحياة.
بدأت بوضع السكر القليل في الأكواب الزجاجية المحتوية على أوراق النعناع الأخضر والشاي ثم غلت المياه وقامت بسكب محتواه داخل الأكواب وصوت ارتطام المياه بالشاي جعلها تبتسم فذاك مشروبها المفضل.
ناولته الكوب بابتسامة زينت ثغرها وهي تسأله:
_ مالك بتبص لي قووي أكده ليه؟
أجابها بمشاغبة وهو مازالت عيناه متصنمة عليها:
_ مش عايزاني أبص لك ولا إيه؟
ضمت شفتاها بعبث ثم أردفت وهي ترتشف مشروبها المفضل:
_ له بس بحسك دايماً خايف أهرب منك، وشايفني طفلة صغيرة وأنت باباها اللي خايف عليها من الهوا الطاير وخايف عليها من الفقدان.
وضع الكوب من يده ثم جذب يداها واحتضنها بين يديه وضغط عليها بشدة وكأن تلك اليد هي سجن العشق لكلاهما ثم تحدث بنبرة عشق صادقة:
_ من وأنا صغير دايماً كنت الحاجة اللي بتعلق بيها عمري ما فرط فيها بسهولة ولحد ما كبرت وفي ذكريات طفولة محتفظ بيها لحد دلوقتي مفارقتهاش. لما بحب بحب بعمق ولما بتعلق بشيء بتعلق قوي لدرجة إن لو بديل يستحيل أرضى بيه. بصي شكل ما أنا بعمل عشرة مع الحاجة دي وبعتبرها جزء مني.
وأكمل وهو مازال يطيل النظر بعينيها ويداه تضغط على يدها:
_ شوفي بقى لما يكون اللي متعلق بيه بقى حتة من روحي وجزء مني التنازل بيبقى في الوقت ده حاجة مستحيلة كأني بتنازل عن روحي بالظبط.
ما كان بها إلا أنها شدت هي الأخرى على احتضان يداه وعيناهما متعلقة ببعضهما. ثم رمشت بأهدابها بحنو وهي تؤكد له:
_ وإني خلاص مهتخلى عنك ولا روحي هتفارق روحك.
ثم أكملت بحنو:
_ إني أخدتك تحدي العمر يا آدم وعندي ثقة إن جواك نضيف وجميل ومش هترضى غير بأنك تريحنا علشان نعيش راضيين مع بعض وكل واحد فينا مكمل تاني وساحبه لطريق الحق.
تنهد بتعب مما ترمي إليه ثم سألها:
_ طب لو كان على الفيديو كليب والبنات هطلب من المونتاج اللي معايا ممنوع ولا بنات ولا عري خالص في الأغاني بتاعتي وتبقي من وحي الطبيعة في التصوير.
ابتسمت بتشجيع لقراره ثم عرضت عليه:
_ طب والموسيقى ماهي مزامير الشيطان اللي الرسول صلى الله عليه وسلم نهى عنها. صدقني لو استغليت موهبتك اللي ربنا ادهالك صح هتنجح برضه وهيفضل اسمك آدم المنسي.
كاد أن يجيبها ولكنها رفضت تكملة الحديث في ذاك الموضوع. فهي قررت التعامل معه بذكاء دون ضغط. ستستخدم أسلوب المحارب الماكر كي تفوز في معركة جذب ذاك الآدم إلى الطريق الهادئ البعيد عن الصخب والضوضاء طريقه المكلل بأشواك الحرام.
لتقول بنبرة مشاغبة وهي تنظر إلى كوب الشاي:
_ إيه رأيك في كوباية الشاي بالنعناع القمررر دي؟
جذبها من رأسها وقبلها بوقار وهو يمدح في أبسط الأشياء التي من صنع يدها:
_ طبعاً جميلة ولذيذة زي صاحبتها بالظبط اللي مفيش أجمل منها في الدنيا بحالها.
نظرت داخل عيناه وتاهت بهما، فهو يمتلك رقي وحنان لم تراهم في حكوى النساء عن أزواجهن من قبل. وهو الآخر تاه في جمال عينها التي عاش ليالٍ طويلة ساهراً يحلم بهم فقط.
وأثناء تيهته في عيناها وجدها تجذبه من يده وتحسه على القيام وهي تقترح عليها:
_ بقول لك إيه رأيك ندخل المطبخ دلوك ونعمل بيتزا مع بعض، كان نفسي قوووي اللي اتجوزه يشاركني اللحظة دي.
رفع حاجبه مردداً باستنكار مغلف بالدعابة:
_ إيه بيتزا مين بقى؟ أنت عايز آدم المنسي المطرب المشهور اللي داب نص بنات مصر يقف يعجن ويخبز ويقطع طماطم وبصل!
وأكمل وهو يرفع قامته لأعلى بشموخ مصطنع:
_ oh no ده أنتِ كده بتطمعي فيا بالجامد ياموكة وعايزاني أتنازل عن برستيج ممنوع اللمس والاقتراب.
رفعت حاجبها هي الأخرى باستنكار وهي تردد:
_ برستيج مين دي! مسمعتش عنيه في طبق اليوم يانجم.
وأكملت وهي تسحبه من يداه تجاه المطبخ:
_ يالا يالا بلاش كسل واعمل حسابك إني مهحبش شغل مديرة المنزل والحوارات دي، كل حاجة في بيتنا الصغير هنعملها سوا وهنتشارك فيها مع بعضنا ياحبيبي.
اندهش ثانياً وهو يهتف بنبرة متعجبة:
_ إيه إيه، بقى عايزاني كمان أمسك المكنسة وبالمرة أغسل الأطباق كمان ياحظي.
أومأت له وهي تربت على وجنته:
_ وماله ياحبيبي، كله نشاط للجسم وتغيير روتين حياتك الممل وشعور بالاكتفاء الذاتي كمان.
واسترسلت حديثه وهي تؤكد أن مساعدتها في أعمال المنزل واجبة عليه معها:
_ وبعدين أنت هتيجي أعظم من سيد الخلق أجمعين (عليه أفضل الصلوات وأتم التسليم) كان بيساعد زوجاته في أعمال المنزل وينظف نعله وكان رحيم ودود بيهم. دايماً حتى في خطبته الوداع الأخيرة قال رفقاً بالقوارير واستوصوا بالنساء خيراً.
التوى ثغره بحسرة ثم هتف بنفس مشاغبتها:
_ أهو دي جزاء واحد يتجوز واحدة من بتوع قال الله والفتوى والتدين واخدين حقهم معاكي وزيادة.
وأكمل وهو يجذبها لصدره عنوة حتى ارتطمت بعظامه القوية وهو يغمز لها بشقاوة:
_ طب ماهو الرسول عليه الصلاة والسلام برضه قال الست لازم تطيع جوزها ومترفضش طلباته ولا ترفض احتياجاته.
وأكمل وهو يتكئ بلسانه على كلمته الأخيرة:
_ ها احتياجاته وانتِ طبعاً فهماني ياموكتي؟
فهمت ما يرمي إليه ثم أخفضت بصرها للأسفل ورددت وهي تصطنع عدم الفهم:
_ أنت تقصد إيه بكلامك ده، هو إنّي مقصرة معاك في احتياجاتك؟
مازال متشبثاً بأحضانها ثم لف خصلات شعرها من أسفله على يده وأجبرها بالنظر لعينيه مجيباً إياها بنفس المشاغبة:
_ يوووه يعني من يومين قلت لك نفسي أشوفك بالفستان الأحمر ده ووشك جاب ألوان وقعدتي تقولي لي معلش يادومي مش هقدر ألبسه، أصل أنا بتكسف، اديني فرصة ناخد على بعض وبعدين هعمل لك كل اللي أنت عايزه.
ثم ألصقها في أحضانه بشدة قائلاً بنفس غمزته المعتاد عليها معها:
_ مع أنهم بيقولوا المنتقبات دول أشقيا قوي وبيحبوا الدلع وبيحبوا يدلعوا الراجل اللي معاهم ومش بيرفضوا أي طلب لأزواجهم.
تعلقت عيناها به بنظرة هائمة خجلة أرجفت ذلك القابع بين أضلعه من كلماته التي أثرت بها وجعلت جسدها وكأنه مشتعل بنيران اقترابه وهمساته. ثم تمتمت بخفوت:
_ إيه الكلام ده أول مرة أسمع عنه، المنتقبة زيها زي أي ست أنت سمعك غلط وبيتهيألك.
ضغط بأسنانـ.ـه على شفاه وهو يحرك رأسه برفض لنفيها:
_ لا طبعاً زي ما بقول لك كده بس أنتِ اللي ناكرة وعارفة كمان. أعرف عنهم إيه ياموكتي؟
رمشت بأهدابها بخجل وهي تومئ برأسها للأمام في دعوة منها أن يكمل فهي خجلة في اقترابه وغير قادرة على النطق. فعقب هو بنفس دعابته:
_ أعرف عنهم إنهم بيعرفوا يرقصوا رقص جامد مهلك وهما بيتمايلوا يوقعوا قلب أجدعها راجل. هما مش كده برضه ولا أنتِ من عالم آخر؟
أجابته وهي تحاول الفكاك من يده:
_ له إني مليش في حوار الرقص ده خالص، معرفش بيعملوه إزاي ومجربتش قبل كده من الأساس.
تركها وقام بإشغال الموسيقى واقترب منها وخلع ذاك الرداء الذي يخبئ ذراعيها وساقيها من الأسفل تحت اعتراضها وقام بتطويق خصرها بذاك الحجاب وهو يأمرها:
_ طب يالا ياقمر جربي التجربة الأولى وخليني أنول شرف اختبارك وإن شاء الله مع كل تجربة هديكي درجة لحد ما توصلي للتوب ووقتها هيبقى لينا جلسة فرفشة كل أسبوع ياقمر أنتِ.
اتسعت مقلتاها بذهول ثم أردفت بتمنع:
_ وه أنت عايزني أرقص وكمان شغلت لي الموسيقى! دي لا يمكن يحصل أبداً.
اصطنع الحزن وبدا على علامات وجهه الضيق ثم قال:
_ طب أكده هتدخلي تحت بند عصيان الست لجوزها وربنا مش هيسامحك علشان هشتكيكي ليه.
استجمعت قواها وتحركت بداخلها روح الأنثى المتمردة. ثم نفضت يده من عليها وابتعدت عنه وهي تتجه ناحية المذياع كي تغلق الموسيقى ولكنه لحقها واحتضنها من الخلف هامساً في أذنها مما جعل جسدها أصيب بالقشعريرة من همسه ولمسه المحترف لها:
_ طب تعالى بقى علشان عندك ساعة أشغال شقة وبعدين نشوف حوار البيتزا ده.
أغمضت عيناها بنشوة من اقترابه لها ولم تعطيه وجهها وظل هو يقبل رقبتها برغبة. فما زالت تشعر بالخجل منه وسحبها إلى عالمه التي أصبحت تتقنه جيداً فقد علمها قوانين القرب كما ينبغي أن تكون وهو يهمس لها بكلمات أذابت حصونها بين يداه وذاك حال العاشقين في اقترابهم ولهم من الحب ما لا يجب لغيرهم.
في بلاد الحرمين الشريفين حيث مهبط الوحي ومنطلق رسالة الإسلام السمحاء إنها لمكة المكرمة ولها مكانة خاصة في قلوب المسلمين. فهي مهبط الوحي على خاتم الأنبياء محمد صلى الله عليه وسلم، وفيها نزل القرآن الكريم، ومنها انطلقت رسالة الإسلام السمحاء إلى مختلف أصقاع الأرض، مهوى أفئدة المسلمين وقبلتهم. وأحب الرحلات التي يقضوها في حياتهم إلى تلك البلدة بل وأفضل وأعمق ما تتمناه النفس البشرية هو زيارة الكعبة المشرفة ولمس الحجر الأسود والوقوف أمام قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم.
حيث يوجد فيها قلبان أحدهما احترق من الآخر غدراً وألماً. يجلس سلطان بجانبها وهو يتمنى منها الرضا وأن تعود معه لعهدها السابق ولكن رأسها يابس ولن تستسلم لمحايلات ذاك السلطان.
فاقترب منها وهو ينظر إليها برجاء ككل يوم لعل محايلته تجدي نفعاً لها:
_ مش كفاياكي بقى بعد وهجر يازينب إحنا مش صغار على لعب العيال دي بزيادة عاد يابت الناس.
ربعت يداها وتحدثت بضيق:
_ وكيف أسامح يا سلطان بعد اللي عملته فيا وحرقت قلبي واتجوزت علي وجبت واحدة سكنت داري وبقت راسها براسي وتنزل تعدي علي وتدوس برجليها ولا هاممها إني كنت في يوم من الأيام بعطف عليها وبدخلها بيتي وبعاملها كيف أولادي وعمري ما فرقت بينهم وبينها. بس هو دي الجزاء اللي أنا أستاهله علشان دخلت بيتي وعطفت عليها وفي الآخر طلعت من اللي بياكلوا في الوعاية وبعديها يرموها ويشوطوها بالجزم على راس أصحابها.
ضم حاجبيه وعبس وجهه وسأل مستفسراً بدهشة ظهرت على معالم وجهه:
_ يعني إيه الحل دلوك علشان نفضوه سيرة الموضوع دي؟ عايزني أطلقها يعني؟
حركت رأسها للأمام مؤكدة تعجبه:
_ موضوع الطلاق دي مفيهوش نقاش يل سلطان، يا إما أكده لما نرجع بإذن الله من رحلتنا دي نتفارق بالمعروف وتسيبك من لعب العيال اللي كنت بتعمل وياي. أنت دلوك راجل حجيت بيت الله ما تضيعش ثواب حجتك وربنا قال تفارقوهن بالمعروف.
كادت أن تكمل حديثها إلا أنه هدر بها أرعبها وهو ينظر لها بغضب:
_ طلاق يازينب مهطلقش وانتِ عارفة أكده إن موضوع الفرقة بيناتنا مش هيوحصل.
بدون التحدث في أي كلام آخر قالت لإنهاء النقاش في ذاك الموضوع:
_ يبقى هعمل زي الحكومة أكده، يبقى الحال كما هو عليه وأنا في حالي.
جز على أسنانه بغيظ وهو يمسكها من يدها:
_ اعقلي يازينب وسيبك من اللي في دماغك لا إني أول اللي اتجوزوا مرة ثانية ولا إني آخرهم.
ثم محاولة تهدئتها وألقى على مسامعها كلمات الغزل التي تبرد قلبها:
_ دي أنتِ اللي فيهم يابت وانتِ اللي في القلب ومفيش غيرك يملى عينين سلطان ولا يكيف مزاجه غيرك. أنت الحتة الشمال وأم العيال.
ارتفعت دقاتها الرنانة ودقت في أرجاء الغرفة وأردفت:
_ وه أنت جاي تاكل بعقل زينب حلاوة ياسلطان وتقول لما أضحك على عقلها بكلمتين!
وأكملت بتصميم جعله لان أخيراً، فهو اشتاقها ويبدو أن الممنوع مرغوب وكما أنها لها في قلبه مالا يكن لغيرها مهما كان، وخاصة بعد أن غيرت شكلها تماماً وأصبحت أكثر أنوثة وجمالاً وجاذبية. فهو لم يكن يتوقع أنها ستفعل هكذا يوماً من الأيام:
_ والله لو قعدت جاري أكده عشرين سنة كمان ماهنولكش اللي انت عايزه مني. خليك بقى مع الملونة بألوان صناعي اللي انت اتجوزتها وخليك لايد وراي أكده.
ضرب كفاً بكف من سخريتها ثم طلب منها المشورة:
_ طب هعملها كيف دي ماهو ربنا هيحاسبني برضه يازينب؟
لانت ملامحها وشعرت براحة اجتاحت روحها لحديث ذاك السلطان الذي وصل لأعماقها وتوغل في روحها وهي تعطيه رأيها ومشورتها:
_ هيحاسبك ليه زي ما ربنا شرع الجواز برضه شرع الطلاق واديها كل حقوقها وخليها تغور من البيت.
وأكملت وهي تتدلل عليه كي ترى مدى اشتياقه لها:
_ ووقتها هتشوف زينب حاجة تانية والماية هترجع لمجراها وهتشوف هنا عمرك ماشفته في حياتك ياسلطان.
سال لعابه من دلالها المفرط وغير المعتاد ويبدو أنها تمرست ذاك الدلال بحرفية. ثم حاول جذب يدها ولكنها جذبتها منه ولم ترضى باقترابه وتضعف أمامه فعبث وجهه بحزن:
_ طب بتشيلي يدك ليه يابت الناس عاد لساتك عاصية على سلطان ليه يازينب؟
حركت رأسها بدلال كي تثيره:
_ الله الوكيل ياسلطان ماهتلمس شعرة مني إلا لما يتم المراد وتزيح الغمة اللي إنت بليتنا بيها ووقتها هتلاقي سعدك وهناك بين إيديك ومش همنع أبداً.
تحدث باقتضاب من تصميمها:
_ طب لما نرجع من السفر هعمل لك اللي انتِ عايزاه بس تفكي التكشيرة دي ياشيخة.
تنهدت وتحدثت باستجداء:
_ له حل تاني ياسلطان يريحنا كلياتنا ومهياخدش وقت.
سألها باستكشاف:
_ حل إيه ده يازينب؟
أجابته سريعاً:
_ تتصل بالمحامي بتاعك اللي انت عملت له توكيل من شهرين عشان موال الأرض بتاعك يطلقها ويرمي عليها اليمين في التليفون قدامي ويا دار ما دخلك شر. وقتها الدنيا هتبقى تمام وياي.
نفخ بضيق من تصميمها ثم على الفور حمل هاتفه واتصل بالمحامي وبعد أن أتاه الرد شرح له ما يحتاجه فردد المحامي مندهشاً:
_ أنت متعرفش إن مرتك اتقبض عليها في قضية قتل الدجالة خضرا اللي في آخر البلد دي. الخبر سمعناه كلاتها يا حاج وأنا مفكرك عارف.
انصدم سلطان مما قاله المحامي وسمعته أذنيه وهتف بدهشة:
_ وه وه حصل كيف دي والعيال مبلغونيش بيه الحوار المغلق ده؟
وظل يتحدث مع المحامي ويعرف منه ما حدث بالتفصيل ثم أغلق الهاتف وبدأ يدور في الغرفة بصدمة مما سمعه الآن. ثم اتصل بعمران وسرد عليه ما أبلغه به المحامي وهو يهدر به بحدة غاضبة:
_ هو إني بقيت طرطور وعايش زي الأطرش في الزفة. إزاي يا واد أنت ما تبلغنيش بحاجة حصلت زي دي؟
ابتلع عمران ريقه بصعوبة من اتصال أبيه ثم برر موقفه:
_ يا أبوي اللي حصل مش هين وهي امسكت متلبسة ومرضيتش أعكر عليكم رحلتكم أنت وأمي علشان خاطر اللي عملته الملعونة دي.
طلب منه سلطان أن يحكي له تفاصيل قتلها لتلك الدجالة. فعرف كل شيء وأغلق معه الهاتف وصار يدور في الغرفة باستنكار مما حدث منها. وزينب كان تقف مستمعة إلى كل شيء وداخلها مسرور بشدة وتكاد تطير من فرحتها. واقتربت منها وحاوطته من كتفه وهي تردد بسعادة:
_ ما تزعلش نفسك يا أخوي كلبة وغارت في ستين داهية. كلم المحامي يطلقها ويبعت لها ورقة طلاقها على المحكمة ونخلص منها المجرمة قاتلة القتلة دي.
وبالفعل استمع إلى كلامها وهاتف المحامي مرة أخرى وطلب منه أن يمشي في إجراءات الطلاق من تلك الوجد ثم أغلق معه الهاتف وجلس يؤنب حاله على زواجه منها وأنه استمع نصيحة صديقه يوماً من الأيام والتي كانت ستهدر بحياته وستفقده أغلى الأشخاص على قلبه. وانتهى عهد الوجد وسلطان وعادت زينب إلى سلطان بكل رضاها فهي تعشقه ولن تخسر بيتها طالما بقيت المتربعة على عرش السلطان.
رواية من نبض الوجع عشت غرامي الفصل الثاني والثلاثون 32 - بقلم فاطيما يوسف
في موقف يبعث في النفس الخوف من الفقدان وما أوجع تلك الكلمة “الفقدان” كم كان وقع الفقدان على مها مريرا كالعلقم بل ويزيد ، كانت نائمة على التخت غائبة عن الوعي فقد دخلت في نوبة عصبية وكأن جسـ.ـدها وعقلها أبيا على أن يتحملوا فقدان الطفلان ولكن لمتى الهروب مها ؟
فالمـ.ـوت هو الحقيقة الحق في حياتنا ولا يمكن الفرار منها ،
كانوا يجلسون بجانبها ودموع عيناهم لم تفارقهم في موقف يحـ.ـبس الأنفاس كان يجلس على يمينها سكون التي عادت من سفرها عندما هاتفتها ماجده وكما عادت سكون عادت مكة هي الاخرى وكلهن في موقف حزين تقشعر له الابدان فقد كان الطفلان روحهم وعقلهم وكانوا متعلقين بهم بشدة ،
كانت ماجده تشهق بشدة فقد مر على وفاتهم اكثر من اسبوع وحاله مها كما هي تتدهور فعندما تستيقظ يظل عويلها يملا المكان ولن تصمت عنه حتى تنهك روحها من شده صراخها فتضطر سكون الى حقنها بالمهدئات ومكه تجلس بجانبها تقرا القران بتمعن وهي تربت على راسها وجسـ.ـدها ،
فسالت ماجده سكون من بين دمـ.ـوعها التي لم تنقـ.ـطع عن الطفلين هي الاخرى :
_ هي هتفضل حالتها اكده يا بتي مش دريانة بالدنيا !
دي بقى لها اسبوع على الحالة داي تقوم تصرخ وما تسكتش وتقومي تديها الحقن داي فتغيب عن الوعي خالص وما داريناش باللي حواليها ؟
كانت سكون تمسك يداها وتحتضنها بين يدها ووجهها من يبدو عليه الاحمرار الشديد من كثرة البكاء ثم أجابت والدتها وهي تنظر اليها بحسرة:
_ للاسف يا امي هي مش متقبلة مـ.ـوت زين وزيدان لحد دلوك وما ينفعش ان احنا نسيبها الا لما تهدى خالص لان ممكن تعمل حاجة في نفسها وعقلها يصور لها حاجات تأذي بيها نفسها لأنها شايفه ان اللي جرى لهم بسبب انها ما كانتش معاهم وانها اهملت فيهم ومش مقتنعة خالص مهما نقول ان دي قدر ونصيب وعمرهم اكده على وش الدنيا انتهى .
ضـ.ـربت ماجدة على فخذها بحزن على ابنتها التي فقدت نصف وزنها في ذاك الاسبوع فهي امتنعت عن الطعام والشراب وتعيش على المحاليل فقط ثم سألتها عن وضع مجدي هو الآخر :
_ طب يا بتي أخبار جوزها اللي في العناية المركزة دي من بقاله خمس ايام ما اتحملش هو كمان مـ.ـوت ولاده مرة واحدة وحالته اتغيرت 180 درجة معقولة يكون مقادرش يتحمل زبيها هي كمان ؟
التوى ثغرها بحسرة ثم رددت :
_ دي مجدي طلعت حالته ما يعلم بها الا ربنا يا امي طلع عندي لوكيميا في الدم من الدرجة الرابعة وكمان حالته النفسية الصعبة اثرت على المرض اكتر وكان رافض العلاج وأهو دلوك بنحاول وياه وهو بين أيادي الله ،
اني دخلت سألت عليه في القسم بتاعه امبارح وعرفت كل الحاجات داي .
شهقت ماجدة بفزع مما استمعت اليه ثم هتفت بعدم تصديق :
_ وه وه ! يا عيني عليكِ يا ام الزين هتتحمَلي كل دي مرة واحدة ازاي يا بتي؟
والمصايب كلاتها نازلة ترف على راسك مرة واحدة !
جوزك وولادك كلهم راحوا وانتِ لا حول ليكِ ولا قوة ، قلبي عندك يا بتي قلبي عندك .
هنا أغلقت مكة مصحفها ونظرت الى والدتها تنهاها عن ذاك العويل وهي تهدئها :
_ بلاش الحديت دي يا امي اللهم لا اعتراض على حكم الله ،
ربنا اراد لهم اكده فهي لازم تصبر ولازم تقوم وتفوق من دوامة الحزن اللي سحباها لورا وتستعين على وجعها والألم بالله سبحانه وتعالى وهو خير معين ،
فاحنا مش لازم نقعد نعدد قدامها لازم نحسسها ان اللي حوصل بيحصل لكل الناس اي نعم المـ.ـوت صعب والفراق صعب وخاصة لما يكون في الوِلد لكن أمر الله وانما الصبر عند الصدمة الأولى دي حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم .
ومرت تلك الأيام الصعبة والجميع في حالة حزن شديد على الطفلين ،
أما عامر فقد عاد من سفره ويجلس بجانب اخيه في المشفى ولم يفارقه وحالته لم تفرق عن حالة مها ولكنه يمتثل الجمود أمام الجميع وإلى الآن لم يستطيع التحدث مع مها كي يسألها كيف حدث ذلك للطفلين وحالته يرثى لها هو الآخر ولكن عندما يجلس مع نفسه يبكي كثيرا وكثيرا وكأنه رباهم على يديه وشقى في تربيتهم ولم يستطيع أن يفرح بكونه أبيهم وزال ينهر نفسه عن ذاك الخطأ وتلك العلاقة التي أودت بطفلين لم يكن ذنبهم الا أن والديهم فعلوا تلك الخطيئة دون اي حسبان لما سيحدث ولكنه عقاب الله لن ولم يمهله حتى يأخذ كل بني آدم جزاؤه من الخطيئة ،
كان يجلس بداخل غرفته وأنهى فريضة العصر في وقتها وجلس على مصلاه وهو يمسك هاتفه وأتى بصورة الطفلين وفيديو كان مصوره لهم وهو يلعب معهم يوما من الأيام ثم احتضن الهاتف وعيناه ذرفت بالدموع وهو يردد بصوت عالِ لأول مرة منذ أن فارق الطفلين الحياة :
_ اه يا حبايب قلبي ما لحقتش افرح بيكم ما لحقتش اشوفكم بتكبروا ما لحقتش احضنكم ،
ربنا علقني بيكم قوي وخلاني افكر فيكم كتير لا دي انتم ما غبتوش عن بالي واصل ولا ثانية من يوم ما عرفت انكم ولادي ،
عقاب ربنا بيكم ليا كان كَبير قوي ومقادرش اني اتكلم ولا حد يحس باللي في قلبي اه يارب نـ.ـار بتخرج من قلبي ومن كل حتة في جسمي اه يا ولادي آااااااااه .
وظل ينظر الى الفيديو الذي بيده بحسرة وبقلب يدق وجعا بشدة وهو لم يستطيع نسيان ذاك الحادث الذي مر عليه شهرا بأكمله ،
وأثناء جلوسه وهو يلوم حاله ويبكي اتاه الاتصال من المشفى أن يأتي على الفور فحالة أخيه قد تدهورت فارتدى ملابسه وحمل مفاتيحه على الفور وبادر بالإسراع الى المشفى كي يرى ماذا به مجدي وما ان وصل حتى وجد الطبيب يخرج من الغرفة وعلى وجهه علامات الأسى وهو يردد :
_ البقاء لله أخوك بين أيادي الله دلوك .
اتسعت عيناه بعدم تصديق فقد مات أخيه وأبنائه ولم يفرق بينهما الا شهرا واحدا وبقي هو وتلك المها وحدهم يتألمون على الراحلون الذين غدروا بهم في ساعة زين لهم فيها الشيطان أنها متعة ورغبة لن يستطيعوا الحصول عليها بعد ذلك ،
بعد مرور عدة ساعات انهى إجراءات الدفن لأخيه وعلم الجميع حولهم وعلمت مها هي الاخرى فقد بدات تفيق من حاله الصراخ والعويل التي انتابتها مدة طويلة ولكن خبر وفاه مجدي لم يؤثر فيها وكأن ابنائها أخذوا جميع دموعها وحزنها ولم يفرق لها احدا حتى نفسها لم تعد تفرق معها اذا كانت بصحة جيدة أم مريضة ؟
أم تهتم بحالها وبهيئتها فقد أصبحت منعدمة الإحساس بأي وجع او فرح او حزن فكل المشاعر اصبحت مختلطة لديها وكأنها فقدت الشغف في الحياة وتنتظر رب العباد أن ينهي حياتها كي تستريح ففقدان أبنائها بالنسبة لها كل الحياة فهم ثمرة عمرها وحصاد شقائها فهي أحبتهم حبا جما وراعتهم بجد وجدية وكانت لم تغفل عنهم ابدا وحينما انشغلت مع أبيهم حدث ما حدث وأصبحت تلوم حالها على تركهم لها ،
بعد مرور عدة أشهر على موت مجدي وأخيراً استطاع عامر أن يجد فرصة للحديث معها فهي وحدها الآن وتركتها والدتها وأخواتها منذ أكثر من أسبوع فقد كانوا يتناوبون على الجلوس معها كي لايتركوها وحدها ولكنها أفاقت أخيراً وعادت الى الواقع ،
كانت تجلس في غرفتها وممددة على تختها تحتضن صورة أبنائها اللائي لم يغيبوا عن عقلها لحظة واحدة ،
استمعت إلى رنين جرس الباب فطنت أنها والدتها فهي لم تلبث أن تغيب عنها إلا أن تأتيها دوماً للاطمئنان عليها وأقصى مدة تقضيها في الابتعاد عنها يومان ،
فخرجت كي تفتح لها بملابس المنزل التي كانت ترتديها والتى كانت عبارة عن عبائة قطنية بنصف أكمام ترتديها في فصل الصيف ففصل الشتاء قد انتهى وأقبل ذاك الفصل بموجته الحارة ولم تضع حجابا على رأسها ،
أما هو ضـ.ـرب زر الجرس أكثر من مرة وأثناء سيرانها استمع لها تردد بصوت هادئ حزين :
_ حاضر ياأمي جاية أفتح أهو .
فتلقائيا حينما سمع كلامها تنحى جانباً وعيناه نظرت أرضاً فهو قد استشف راحتها في بيتها وهيئتها فهو يحفظها عن ظهر قلب ،
فتحت الباب ثم وجدته يقف جانبا ومطأطأ رأسه أرضاً فتنهدت واخذت نفساً عميقاً تستحضر به الوجع الذي آتاها للتو ثم تذكرت هيئتها فدلفت الى الداخل وارتدت اسدالها ثم لفت حجابه بإحكام على رأسها وأذنت له بالدخول ، كاد أن يغلق الباب وراءه إلا أنها منعته :
_لو سمحت سيب الباب مفتوح وياريت تتكلم وتقول اللي انت عايزَه طوالي لأن مينفعش تقعد اهنه كَتير ،
وأكملت وهي تنظر للجانب الاخر :
_ اني دلوك ست وحيدة ومينفعش اي راجل غريب يدخل بيتي علشان مش ناقصة شبهات .
لم يلقي لكلامها بالا ثم اغلق الباب وراءه
بمجرد أن رأته أغلق الباب اندفعت إليه لتشن حـ.ـروب أفعاله فوق رأسه بتمرد أنثي ولكن نظراته الحادة أرغمتها أن تبتلع ماعلق في حلقها من كلمات وتتراجع للخلف ،
فتتقدم خطواته بقدر تراجعها ويغرس خنجر سؤاله في صدرها :
_ ولادي مـ.ـاتوا ازاي يا مها ؟
انتفضت أعينها بحدة وهي تطالع ذاك العامر ونظراته الشرسة لها ثم رددت بغـ.ـضب وهي تجز على أسنانها:
_ دول مش ولادك ياعامر دول ولاد مجدي وهيفضلوا ولاد مجدي .
اقترب منها بغضب جم ثم قبض علي معصمها بقوة وعنفها بصوته المملؤ بالجبروت استدعاه خصيصاً بسبب هرائها :
_ بتقولي ايه انتِ ! انتِ عارفة زين إنهم ولادي ومن صلبي ،
ثم أكمل وقد لاحظ تمدد ملامحها بضحكة هادئة ثم همس في مسامعها بصوت هدر :
_ بتضحكي على ايه انتِ ، ليكي نفسي تضحكي بعد اللي عملتيه ومـ. ـوتي ولادي وأهملتي فيهم بعد ما قعدت اتحايل عليكِ تجيبيهم وتاجي نعيش مع بعض ونربيهم سوا ،
حرمتيني منهم وفي الاخر ربنا اخدهم عنده ودلوك تقولي إنهم مش ولادي وقاصدة تستفزيني !
أخرجت تنهيدة حارة وأنزلت بصرها وأردفت قائلة بنبرة محملة بأثقال من الهموم :
_ مش هديك الفرصة انك تشوه صورة ولادي ياعامر مهما كان ، ولادي اسمهم زين / زيدان / مجدي المرشدي وهيفضل اسمهم اكده ،
ثم ربعت ساعديها ووالته ظهرها وأكملت :
_ احنا اللي بينا خلاص انتهى واللي كان بيربطني بيك اخوك ومـ.ـات فلو سمحت مش عايزة اشوف وشك تاني ومليكش صالح بيا نهائي .
لم يعجبه حديثها وازداد الغضب وتشعب في راسه وتكاثر بلا حدود فأدارها بحدة وهو يمسكها من كتفها بعنف ويهزها وقد خرجت أعصابه عن السيطرة :
_ شكلك عايزه تشوفي وش عامر التاني الوش القاسي الصعب اما اللي كان بيطبطب وتصعبي عليه لما تنزلي دموعك مبقاش ينفع وياكِ .
جذبت يدها بحدة من يديه ثم هدرت به :
_ خلاص الدموع خلصت على الغاليين ونشفت ولا اي حا في الدنيا هتأثر فيا بعد اكده انا دلوك بقيت مش باقية على الدنيا فابعد عني أحسن لك يا عامر يا اما قسما برب العزه هقـ.ـتلك واخلص منك وادخل فيك السجـ.ـن اللي كنت بسايسك علشانهم مـ.ـاتوا ،
ابعد عني بقى كفاية اللي جرالي بسببك ، ربنا جزاني في أهم وأنقى وأحب حاجة في الدنيا وأقربهم لقلبي ،
واسترسلت حديثها وهي تشهق دموعا:
_ لاااا دول روحي والنفس اللي كنت بتنفسه ،
كنت مستعدة أطاطي راسي ليك وأتذل علشان خاطر ميتأذوش بس بالكلمة ولا النظرة ،
بس دلوك راحوا ومبقاش فارق لي حاجة في الدنيا وحتى مجدي راح وراهم وفضيت عليا الدار والحيطان الواسعة داي بقت في عيني أضيق من خرم الإبرة .
هزته نبرة صوتها الضعيفة ونظراتها التـي تحمل شـجـنًا وشـوقًا للغائبين ،
هذه النظرة التـي تُطالعه بِها شعر بها يوم أن علم برحيل أغلى الأحباب إلى قلبه ،
ثم لانت ملامحه وهدأ من غضـ.ـبه واقترب منها مرددا بحنو اعتاد عليه معها فليس طبعه الجمود :
_ طب بتبكي ليه عاد اللي حوصل حوصل وربنا رايد اكده رايد يريحهم من هم الدنيا وبلاويها ، لا أني كنت هفضل متحمل بعادهم ولا انتِ كنتِ هتتحمليني بضغطي عليكي ،
بس فراقهم صعب ووجع مابعده وجع .
جلست على الأريكة وهتفت من بين شهقاتها بروح منهكة وبقلب ينزف دموع الحرمان من فلذة كبديها في رمشة عين :
_ كانوا يفضلوا واني كنت هتحمَل منك ومن مجدي ومن الزمن كل حاجة صعيبة ،
كانوا روحي وروح روحي وعمري ماتخيلت إنهم يروحوا مني بالسهولة داي ،
تعبت فيهم وشقيت عليهم ومكانتش البسمة تشوف وشي إلا ليهم وبيهم ومعاهم ، كانوا نبض الفرح والحياة الحلوة والحتة البيضة الصافية النقية في قلبي ،
ثم ظلت تبكي بشدة وكأن الدموع هي طريقها وكأنها حصاد خطئها نتيجة زرعها المسموم بمبيدات الخطيئة وأكملت:
_ ربنا اداني بيهم درس إن الخطيئة والعلاقة الحرام لازم ياجي من وراها هم تَقيل مهما طال الزمان .
انفطر وجـ.ـعا لأجلها فهو مازال عاشقها مازال قلبه لايعرف نبض غرامه لأجلها ، فهي المبتدأ في علاقته بجنس حواء وهي الصفة الرقيقة ذو الرائحة الملكية وهي الخبر المتيقن بعشقه لها وهي المضاف لحياته شعور اللذة والمتعة وهي كل الإعراب والبناء لهدد قلبه ،
ثم جلس تحت قدميها وهو يعرض عليها احتياجه لها من جديد :
_ طيب دلوك انتِ خلصتِ عدتك من مجدي الله يرحمه يلا نتجوَز ونبدأ من جَديد انتِ دلوك وحيدة واللي كنا عايزينها زمان دلوقتي بقى تحقيقه سهل .
انتفضت وقامت من مكانها كما لا لدغها عقرب ثم هدرت به برفض قاطع:
_ نتجوز مين ده في احلامك !
انت لو اخر راجل في الدنيا اني عمري ما هتجوزك يا عامر انت السبب في كل اللي انا فيه انت السبب في كل اللي انا وصلت له وفي لحظة ضعفي اللي بدفع تمنها روحي اللي راحوا مني اني خلاص اعتزلت صنف الرجالة خالص ما عايزاهوش واصل تاني في حياتي .
حزن داخله من كلامها وأحس بالخزي لرفضها القاطع بتلك الطريقة المهينة له ثم سألها وهو يدعي الاندهاش والاستنكار في آن واحد :
_ليه يعني اخر راجل يا مها ؟!
مكانتش غلطة عميلتها هتخليكي تقسى علينا اكده احنا الاتنين اني دلوك جاي لك لحد عندك وبطلب منك يدك ونبدا من جَديد ونجيب زين وزيدان تانيين ونربيهم احنا الاتنين سوا ونداوي جرح وحزن بعض واحنا الاتنين أدرى الناس بوجعنا .
ماإن نطق اسماء أبنائها أمامها حتى دارت في المكان بغضب عارم وهي تلقي بقدميها الكراسي الموضوعة والمنضدة بعاصفة غضب لم تسبق لها من قبل وهي تنهره :
_ زين وزيدان عمرهم ما يتعوضوا ابدا وارجوك كفاية بقى بعد عني مهتحملش اكتر من اكده متضغطش عليا كفاية اللي اني فيه مش ناقصة همك انت كمان شوف طريقك يا ابن الناس بَعيد عني
واسترسلت حديثها وهي توضح وجهه نظرها وهي على نفس غضبها :
_ وبعدين جواز ايه اللي انت جاي تتكلم فيه واني جوزي مـ.ـيت بقاله شهور انت عايز الناس تقول عليا ايه ؟
داي جوزها وولادها مـ.ـاتوا ومقصرش فيها وراحت تتجوز ولا كانها بتحس ولا كانها بني ادمه !
بعد عني يا عامر كفاية اللي جرى لي بسببك كفاية قوي لحد اكده .
مازال يقف أمامها ويستسمحها أن تهدأ مرددا بعشق وكأنها مرض اتوصم لقلبه :
_ يا مها انا بحبك صدقيني مش قادر اشوف ست غيرك حاولت مره واتنين وتلاته وكتير مش قادر،
حاولت اني اعرف غيرك واتكلم مع غيرك واحب غيرك مجرد ما بشوفهم بحس اني مخنوق وصورتك تيجي قدامي ما بقتش عايز غيرك ، قلبي اتعود عليكِ ، وعيوني اتعودت على رؤيتك انتِ بالذات ، حتى لمستي لأي ست مش هتبقى زي ما كنت بتعامل معاكي ،
اعمل ايه في قلبي ؟
حرام عليكِ يا مها بقى كفايه عذاب فينا وترضي بقسمة ربنا واكيد له حكمه في كل اللي حصل علشان يجمعني بيكي .
رفعت جفونها المغشية بالدموع ببطء ثم قالت بنبرة حزينة :
_ اللي حصل ياعامر مش سبب علشان ربنا يجمعني بيك له !
اللي حصل لي درس لكل ست تفكر تغضب ربنا وتعمل اللي أني عملته ، درس العمر بس كان ابتلاؤه شديد قوووي هفضل أعاني منيه سنين وسنين ، احنا الاتنين مننفعش لبعض أبداً ، كمل طريقك بَعيد عني أني ولا هنفعك ولا عدت أنفع غيرك أني بقيت نَفس ماشي على الأرض من غير روح ، بقيت عاملة زي الدمية اللي بتقوم تاكل اللي يكفيها علشان تقدر تتنفس وخلاص ، بس الحاجة الوحيدة اللي اتعلمتها جامد من درس العمر هي القرب من ربنا ،
وأكملت بتصميم على رأيها فهي لم ولن تتزوج عامر حتى لو قضت عمرها كله وحيدة :
_ مش هتجوزك ياعامر مهما عميلت ومهما صبرت حتى لو ملامح الشيب علمت على كل ملامحك .
دمعت عيناه وهي تخبره بحزنها الشديد
انتصب في وقفته ونظر حوله بنظرة ثاقبة ثم عاد ينظر إليها بنظرة تحمل عطفًا على حالها ،
فهل يتركها تسرد له ألمها وابتعادها عنه دون وقوفها ؟
تنهد بتنهيدة طويلة وتمتم بعدما اقترب من المنضدة الملقاه أرضًا بسبب غضبها وأعادها مكانها :
_ انتِ ليه مصممة توجعيني وتبعديني كل مرة يعني صممتِ قبل اكده على رأيك وحوصل اللي محدش يتوقعه ودلوك مصممة على الفراق والبعاد وبدون سبب يامها ،
وتابع حديثه بوجع مماثل لها ليقول بألم وجراح روح مثلها:
_ إذا كنتِ بتلومي حالك على اللي حوصل بينا قيراط أني كمان بلومه عشرين قيراط ، وإذا كنتِ انتِ بتعرفيش تنامي من الكوابيس اللي بتاجي لك علطول ، بحس إن صورة مجدي أخوي وهو بيبص لي كانه عايز يخـ.ـنقني ،
واسترسل وهو ينظر إليها برجاء كي يجعلها تلين ويؤثر عليها :
_ وزي مانتِ بتقولي إنك مهتنفعيش أي راجل تاني أني كمان معرِفش أعيش ولا أتقبل أي ست تانية في حياتي غيرك يامها ، اكده حكمتي علي بالوحدة طول العمر واكده ظلم ليا بعد كل اللي حوصل بيناتنا .
تعلقت عيناها به بنظرة ضائعة أرجفت ذلك القابع بين أضلعه.
أشاح عيناه عنها ثم زفر أنفاسه بقوة حتى وصل إليها هول زفيره فأردفت بتمنع كي يرحل فهي لن تكمل طريق الأشواك معه كفاها تلك السنوات الماضية عاشتها في مرار وعدم استقرار ، سنين عجاف لم تذق فيهم طعم الراحة من عـ.ـذاب الضمير والبكاء على ما فعلته معه وفي خوفها على فلذات أكبادها مما سيحدث لهم ،
ثم استجمعت قواها وتحدثت بنبرة واثقة جعلته فقد الأمل :
_ متحاولش ياعامر اني وانت سكتنا افترقت عن بعض ومتشيلنيش ذنبك وزي ماني مشيلتكش شيلتي التقيلة وبعدت بحالي وبداوي وجعي لحالي انت كمان ياعامر اعمل زيي وابدأ من جديد أني لا عدت أفرح ولا أحزن ولا أحس بالحلو ولا الوحش مش هنفعك ، دور على بت الحلال اللي تكمل معاها بعيد عني ، انت قلبك طيب ولسه مليان بالخير وألف مين تتمناك ،
اللي بيني وبينك واللي ربنا لسه محاوطنا بالستر اللي إنت متعرفش قيمته لسه منكشفش لا انت هتتحمل نظرات الناس ولومهم ونهرهم ليك لو اللي بينا انكشف وأني هخسر أمي وأخواتي وبعدها المـ.ـوت أهون لي من إني أكمل حياتي اكده ،
وأكملت وهي تضع عيناها في عينيه :
_ الستر دي الحاجة الوحيدة اللي بينت لي إن ربنا قبل توبتي ويستحيل أفرط في باب التوبة اللي اتفتح لي وأروح للفضيحة برجلي ،
أرجوك ياعامر سيبني بقي أكمل اللي باقي من حياتي وأني مرتاحة ، سيبني أحزن على اللي راحوا لحالي لأنهم مش هينين دول مشيوا وأخدوا روحي وضحكتي وكل حاجة حلوة معاهم .
الآن تأكد أنها لن تستكين له ولمحاولاته معها ولن ترضى باقترابه منها فتحدث بنبرة مخذول :
_ يعني خلاص قصة مها وعامر انتهت ومبقاش فيه نصيب يجمعهم ؟
أغمضت عيناها وداخلها متعب وأجابته بتأكيد:
_ هي المفروض مكانتش تبتدي ولا توبقى موجودة من الاساس ، قصة مها وعامر قصة غلط ، سرقوا لحظات من العمر لكن ندمتهم عمرهم كلاته.
حمل مفاتيحه وانتوى المغادرة فهو تيقن من تيبس رأسها وقد قرر السفر للغربة فيبدوا أنه سيظل غريباً طيلة حياته ، سيظل ليس له وطن أو أهل أو أصحاب أو أحباب فهو كان يتيماً والآن أصبح وحيداً فقد رحل أخيه ،
ثم هتف بنبرة متأثرة لابتعاده عنها :
_ أني هسافر وهرجع مطرح ماكنت وكأن البلد داي كارهة وجودي فيها ، كل لما أقول هرجع وهستقر بلقاني أعاود مكروه مغـ.ـصوب ، بس عايز أعرفك قبل ما أمشي إنك حبي الأول والأخير وانك هتوحشيني يامها .
إستجمعت قواها التي تبعثرت من نبرة الشجن التي يتحدث بها وأثرت في روحها وتحدثت بنبرة حذرة له وصوت عال وهي تنهاه عن كلامه ذاك :
_ لو سمحت ياعامر ممنوع تماماً تتكلم معاي بالطريقة داي تاني أني خلاص الكلام المعسول المزين دي كرهته مبقاش يأثر فيا ، روح يابن الحلال مطرح ما ترتاح وابني لنفسك عش جديد ومن الأحسن تهد عشي اللي في قلبك .
تيقن الآن أنها لن ولم تتراجع فهو الآن يقف أمام امرأة جديدة لم يعرفها قبل ذلك ،
تحرك بخطوات بطيئة من أمامها وهو ينظر إلى أرجاء المكان الذي اختلس فيهم لحظات سعادة معها ولم تكن من حقه يوما ما ،
أما هي جلست وصورة أبنائها وملابسهم في أحضانها وهي متشبسة بهم وكأنهم اكسير الحياة لديها وانتهى عهد العامر لديها إلى الأبدِ أبداً ،
وهي تردد مع حالها بقسوة على نفسها:
_مَا عُدتُ أُحبُّ أَحدًا وَلاَ أَكرهُ أَحدًا، وَلاَ أَحزنُ بِسببِ أَيِّ أَحدٍ وَلاَ يَفرقُ مَعِي أَيُّ شَيءٍ، أَلفُ رَحمةٍ عَلَى مَشاعرِي وَقلبِي الذِي مَـ.ـاتَ
فأنا قلبي ممتلىء بالدموع بدون أن يبكي
بل شارد ، صامت ، يريد أن ينعزل
وعينيه مرهقة كأنه عاش عمره كله مستيقظ
فاللهم ردّ لقلبي عافيته يارب . ******'””””******”””**
مرت الأيام والشهور تلو الشهور على حادثة الطفلين والكل متأثر بهم ،
حتى مر أكثر من ثمانية أشهر وحالهم في الوجع لن يمر مرور الكرام ،
في منزل سلطان يجلس ماهر الريان فقد زهق الصبر من صبره وما عاد يطيق الاحتمال في صبره أكثر من ذلك ،
فهو الآن يجلس معها في منزلهم في زيارته الأسبوعية لها وهو غاضب من تأجيلها لإتمام زواجهم فمن المفترض أن يكونا متزوجون منذ أكثر من ستة أشهر ولكن مـ.ـوت أولاد مها أخر زواجهم ، ثم لاحظت هي غضبه وعدم ارتياحه فسألته باندهاش :
_ مالك يا ماهر حساك متضايق اكده ومش على طبيعتك في حاجة حوصلت ؟
كان يجلس على الكرسي وهو يهز قدمه بضيق :
_ هو إنتِ كل دي مدرياش باني خلاص زهقت ومعدتش قادر أتحمل الوضع دي ؟
ربعت يداها وتحدثت بضيق:
_ هو انت بتتحول مرة واحدة اكده من غير أي مقدمات وبتزهق وبتغضب عمال على بطال ؟
تنهد بضيق وتحدث بغـ.ـضب جعلها اغتاطت منه :
_ أهو كون انك متعرِفيش اللي مضايقني دي في حد ذاته يغيظ ياهانم ،
ممكن أعرِف إحنا حالنا هيفضل اكده لحد ميتة يارحمة ؟
إنتفض داخلها من هيئته الغاضبة ومن حديثه الذي لايصح ابدا في وجهة نظرها وعللت موقفها :
_ يعني هو ينفع يكون ولاد أخت سكون يموتوا وجوزها وراهم بشهر وأفرح واتجوز !
وأكملت بتبرير:
_ اللي حوصل محدش يتحمله ابدا وبعدين أني مرتبطة بسكون قووي ومينفعش أعمل فرح وهيصة وهي أختها في الحالة داي ،
الست من يوم مـ.ـوت ولادها وجوزها وهي في دنيا غير الدنيا وحالتها حالة ومرت أخوي كل يوم والتاني عنديها ،
واسترسلت حديثها بعينين زائغتين وتوتر لما ستبلغه به وخاصة أنها ترى هيئته الغاضـ.ـبة بشدة :
_ أممم .. يعني نصبر لما يفوت سنة على جوازهم على الأقل ياماهر .
استمع إلى كلامها وكله رافض أن يستجيب ثم تحدث بعيون تشـ.ـتعل غضباً حتي أنها أرتعبت من هيئته :
_ سنة مين دي يا أستاذة ! ده في أحلامك إن شاء الله ان دي يحصل ، أني أجيب أبوكي وأخوكي بقى ونشوف صرفة بقي في الحوار دي .
ابتلعت لعابها وتحدثت بصوتٍ منخفض وهي رافضة طريقته تلك هي تعلم انه لديه كل الحق في غضـ.ـبه ولكنها هي الأخرى لديها العذر في الانتظار :
_ بلاش ياماهر أرجوك تدخل بابا الموضوع بالنسبة لي جبر خواطر ، إنت متعرِفش أني متعلقة بيهم كد ايه ،
وتابعت حديثها بنظرة حزينة :
_ يعني بصراحة اكده مجايليش نفس أفرح وهم في حزنهم دي ، معلش يا ماهر اصبر كمان أربع شهور يكون وجعهم خف شوي وكمان سكون تفرح لي وتفرح بيا .
نفخ بضيق من تشبسها برأيها ثم عرض عليها اقتراحا أخر كي لا يحزنها :
_ طب نكتب الكتاب وبعدين نشوف حوار الأربع شهور دول بعد اكده أهو أي حاجة تصبيرة .
مطت شفتيها بامتعاض وهتفت باستفسار :
_ طب ايه لازمته كتب الكتاب هيفيد بإيه يعني ؟
ضرب كفا بكف باستنكار من استفسارها الذي وصل إليه أنه لم يفرق معها ثم أجابها باقتضاب :
_ هو انتِ مفكراني ايه حجر قدامك مبيحسش مثلاً !
ولا انتِ مش بتحبيني ومحتاجة وجودي جمبك زي ماني محتاجك جنبي ؟
نفخت بضيق هي الأخرى من عصبيته في الحوار معها ثم سألته بغباء مرة أخرى:
_ استغفر الله العظيم يارب ، طب كتب الكتاب بردوا ماله ومال إني بحبك ومحتجاك جنبي وإن كل اللي انت بتحس بيه ناحيتي أني كمان حساه ناحيتك .
اغتاظ منها وتحمحمَ لينظف حنجرته وتسائل:
_ هو إني أكون كاتب كتابك وتوبقي مرتي زي حالنا دلوك ؟
وأكمل وهو ينظر إليها برغبة فهو قد اقترب منها طيلة الأيام والشهور الماضية وبات لايعرف معنى الاستقرار والأمان إلا في قربها ، بات يشعر بالاحتياج لها دائماً وهو ليس من الرجال الذين يستحلون عقد الخِطبة لفعل أي شئ يغضب الله ، حتى أنه لم يحل لنفسه لمس يدها مهما تحدث حديث العاشقين وشعر بالرغبة بها يكبت احتياجه لها داخله حتى بات لايستطيع الصمود أمام أنوثتها المهلكة لقلبه فهو حين يغازلها تخجل وحينما تغازله هي يشعر بأنه يريد اختطافها لأحضانه ويتشبع منها :
_ يارحمة نفسي يدي تحضن يدك وأحس إنك بتاعتي ، نفسي لما نكون قاعدين مع بعض وأحس إني عايز قربك ملقيش نفسي بسحب حالي وأمشي علشان معملش حاجة تغضب ربنا ومعاكي انتِ بالذات عايز البدايات الحلال وقتها هحس اني ملك زماني ،
واسترسل حينما رأي نظرة الاحتياج في عينيها هي الأخرى ولمعة عينيها بالخجل واحمرار وجهها وتوترها الواضح من فرك يديها :
_ وكمان عايز اسمع كلمة بحبك ياماهر اللي لحد دلوك بعد ماقربنا سنة مخطوبين مقلتيهاش .
أنهى كلامه ثم نظر لشفتيها وابتلع لٌعابه وبدأ صدره ينتفض ويعلو ويهبط من شدة إحتياجه لها،
وماكان حالها أفضل منه، كانت تنظر لعيناه بفاه مفتوحة مٌرتعشة وقلبٍ يرتجف يريد الإرتماء داخل أحضانه ونسيان كل الظروف التي تحاوطهم وتمنعهم من القرب وإتمام زواجهم ،
بقيا مدة علي وضعهما هذا كلاً منهما يحترق شوقاً للأخر ولكن تشبسها برأيها يمنعها من إتخاذ الخطوة الأولي وتنتظر أن يمر ذاك العام حتى تفرح من قلبها ، ولكنه الآن وضعها في مأزق كتب الكتاب الذي يريده ثم تحدثت بموافقة وهي تضع عيناها أرضاً وليس لديها حجة مقنعة لرفض اقتراحه :
_ تمام ممكن تكلم بابا في حوار كتب الكتاب وأني معنديش مانع .
نظر إلي السقف وقال بتلهف وأذناه لم تكن تصدق موافقتها :
_ انتِ بتتكلمي جد يارحمة أكلم عمي سلطان ؟
بللت حلقها الذي جف من كثرة عطشها إليه وهي مازالت تنظر أرضاً مرددة بتأكيد :
_ متأكدة ياقلب رحمة ،
ثم رفعت عيناها ونظرت داخل عينيه وهي تنطق باعترافها الأول مما جعله يكاد يختـ.ـطفها بين أحضانه دون مراعاة لأي شئ :
_ وبعدين أني مش بس بحبك يا ماهر له اني بعشقك ، بعشق رجولتك اللي بحس انها مبقتش موجودة ، بعشق غيرتك علي اللي بتحسسني اني ملكة متربعة على عرش قلبك وبتخاف عليها من أي عيون تبص لها ، بعشق احتياجك ليا ، واحتياجك لقربي ، بعشق كل ملامحك وتفاصيلها ، بعشق الكاريزما اللي إنت محاوط بيها حالك بتحسسني اني مش هتجوز راجل والسلام ، أني بعشقك ودي كلمة قليلة على اللي بحسه ناحيتك وزي مانت محتاج قربي أني كمان شكلك بالظبط محتجاه وأكتر منك .
كانت عيناه مثبتة داخل عينيها ، شعر بأن جسده الآن ينتفض وصدره يعلو ويهبط من شدة احتياجه لها ، فحقا كانت تلك الصغيرة والتي تصل إلى منتصف صدره بارعة في جعل جسده يحـ.ـترق شوقا لاحتضانها ، يود الآن أن يأتي بالمأذون كي يكتب عقد تملكها ثم يجذبها إلى أحضانه حتى يكاد تفترق ضلوعها من شدة احتياجه لها بين ضلوعه ، لقد أثارته باعترافها ولكن أي إثارة تلك يافتاة ! لقد فتتي رجل الجليد ومشاعره انصهرت الآن ولم يطيق الصبر والاحتمال دون أن يضعف أمام عيناكي ،
مهلا تلك الصغيرة مهلا على رجل لم يتذوق طعم العشق الذي طوقه لسانك واختـ.ـرق قلبه الآن يوماً ما ،
صغيرتي صاحبة العيون التى ألقت أسهمها الآن في قلبي ونفذ رميها وأصبح أسيرهم ولم يريد التحرير من أسرهم يوما مهما طال الزمان،
اذا كان ذاك طعم اعترافك بالعشق لي فماذا عن أحضانك ، ماذا عن أنفاسك حين أشمها ، ماذا عن لذة شفاكي حين تحتضن شفاه الماهر ، يا الله فأنا خائف على عذرية مشاعرك من هوجاء اقترابي منكِ أيتها الجميلة والتي أسميتك صغيرة على حب الماهر
#خاطرة_ماهر_الريان
#بقلمي_فاطيما_يوسف
#من_نبض_الوجع_عشت_غرامي
لاحظت نظراته الهائمة بها والتي تراها لأول مرة بذاك العمق وكأنه مغرم بها وبات لايتحمل أن يعيش فقط على تلك النظرات فقط ويحتاج عناقها بل وسحـ.ـقها داخل ضلوعه ليبث بها شوقه الجارف لها ثم نطق لسانه بوله بها :
_ مكنتش أعرِف انك لما تنطقيها هبقى مش على بعضي اكده ، حاسس ان خطوة الزمن في الوقت دي تَقيلة قووي ،
واسترسل وهو يحاول دغدغة مشاعرها كي يسحبها معه لعالم الاشتياق لقربهم :
_ انتِ أكيد حاسة باللي أني حاسس بيه دلوك ، أكيد مش قادرة تتحملي انك متترميش في حضني وتحسي اني مشتاق يارحمة لهمسك وقربك قوووي .
كانت نظراتها إليه مماثلة ، مشاعرها ثائرة ، شعر جسـ.ـدها بالتمرد عليها في اقترابه ، في همسه ، في غرامه ، في ولهه لها ،
مهلا أنت ايها الماهر ، ماذا بك يا رجل ، فأنا لم أتحمل تلك منك تلك العـ.ـاصفة التي شنتها عيناك على قلبي المسكين ، فعذرية مشاعري معك لم تقوى على تحمل تلك الكلمات التى تتفوه بها لي ،
ثم نطقت بفم مرتعش من أثر همسه لها وعيناه التى تنظر لها تلك النظرة الثائرة :
_ أممم ..طب ايه بقى مش هتحمل اني كل دي ياماهر براحة على رحمتك لسه متفقهش شئ في لغة العشق وقوانين القرب ، هاخد صفر قدام المتر الولهان .
ضحك على ضعفها أمامه وكم كانت في ضعفها مثيرة له لقد عهدها دائماً قوية ذات لسان سليط ولكن حينما يتحدث معها بلغة المحبين تنقلب نظراتها وتصبح عباراتها أكثر إثارة لغريزته ،
ثم غمز بكلتا عينيه مرددا بما أخجلها :
_ طب جهزي حالك بقى علشان هنكتب الكتاب كمان يومين بالظبط وهفاجئك .
نظرت جانبا فقد أخجلها بكلامه ونظراته ولم تعد تقوى على تحمل كلامه أكثر من ذلك ، أما هو ظل يغازلها بعبارات الحب والغرام كي يجعلها تنغرز في شباك عشقه أكثر من ذلك حتى لاتستطيع النهوض والخروج من شباك هواه بها ، فحقا كان ذاك الماهر ماهراً في جذبها لعالمه وماهرا في أن يجعلها تحلق في سماء العشق والرغبة والاحتياج له ، فحقا ذاك الماهر أذكى عاشق عرفه الزمان .
************””””””*****
في نفس اليوم ليلا وبالتحديد في غرفة سلطان وزينب كانت تجلس في غرفتها وهي تمسك هاتفها تتصفحه فمنذ أن عملت لها زينب صفحة على الفيسبوك وهي سحبتها معها وصارت كل أوقات فراغها تقضيها على ذاك الهاتف مما أزعج سلطان وشعر بعدم أهميته تجاهها كما السابق ،
فهو أحياناً يدخل الغرفة عليها ولا تعيره أدنى اهتمام ولكنها هي من تفتعل ذلك كي تجعله يجن ويلهث ورائها دائماً فهو قد أعطاها درس العمر ولن تنسى ابدا أنه تزوج عليها يوماً ما وجرح قلبها حتى وإن عادت إليه زوجته كنا كانت ولكن قررت أن تغير قوانين القرب منها له ، قررت أن تري لهفته عليها دوماً ، قررت أن تجدد روتين حياتهما بالشغف والمكر فقد أحبت لعبة القط والفأر معه تشعرها دوما بأنها الملكة المتوجة يسعى دائما لإرضائها ، فحق مكر حواء يليق بكِ زينب وقد تمرستيه ونفذتي أحكامه وقواعده على ذاك السلطان ببراعة ،
دخل سلطان الغرفة وجدها كعادتها تفرد جسـ.ـدها على التخت وتمسك ذاك الهاتف الملعون بيدها كما أسماه وأصبح يعصبه الآن بشدة ،
لم تعطي لدخوله الغرفة بالا مما أزعجه كثيراً فتحمحم كي يشعرها بوجوده ولكنها لم تستجيب فاغتاظ من انجذابها لذاك الهاتف ولم تكترث به وفاض الكيل به ثم على حين غرة خطـ.ـف الهاتف من يدها مما جعلها اعتدلت بنومها وهتفت باستنكار لفعلته التي لا تليق بالذوق في وجهة نظرها :
_ جرى ايه ياسلطان بتشد التليفون من يدي اكده ليه شكل مايكون عايز تقفشني واني بعمل جريمة أو بعمل حاجة شينة ؟
ت
حدث بنبرة ساخرة:
_ ماهو لما الست هانم أدخل عليها ألقاها متنحة في المخروب دي ومش مركزة مع جوزها ولا تقوم تشوفه راجع عايز حاجة ولا تقول له حمد لله على السلامة زي مالنسوان بتعمل مع أجوازتها ! لكن إزاي الثقافة حضرت دلوك وبقيتي تقعدي على المخروب دي وقتك كله اللي مبتقضيش ربعه معاي .
أجابته بقوة وغيظ وهي تتذكرة تلك الكلمة التي قالها وتحدثت باستنكار :
_ نسوان مين دول وايه الكلمة العفشة داي مش تنقى كلامك اللي تقوله لمرتك زين ياسلطان ولا انت متعرِفش تقول كلام عدل بالمرة .
تنهد بضيق وتحدث بغضب أخافها :
_ وه وه يازينب هو انتِ كنتِ في جرة وخرحتي لبرة ، طب اعملي حسابك مفيش تلفونات هتمسكيها تاني ، عقولك يازينب هشيل المخروب اللي اسمه الواي فاي دي خالص من البيت علشان ترتاحي وترجعي لطبيعتك وطوع جوزك تاني ،
ثم كادت أن تتحدث هدر بها أرعبها وهو ينظر لها بنفس غضبه :
_ اكتمي عاد يامرة إنتِ كانك اتجنيتي عاد وهتوبقى عاصية جوزك يازينب ، ارجعي لعقلك يازينب بدل ما اقلب عليكي قلبتي اللي مشفتيهاش من زمان وانتِ الجانية على روحك .
كان يتحدث معها بذلك الغضب الشديد من أثر غيرته عليها من ذاك الهاتف فهو في غيرته عليها لن يرى أمامه وتتبدل ملامحه لهوجاء ويتعصب بشدة وخاصة من تغيير زينب الداخلي والخارجي معه وما عاد يطيق الاحتمال أكثر من ذلك ،
إنتفض داخلها من هيئته الغاضب وكادت أن تتمدد على التخت وهي تصطنع الغضب من كلامه إلا أنه ذهب إليها وجذبها بغضب من فوقه وتحرك بها إلي الأريكة الموجودة بالغرفة
وتحدث بعيون تشتعل غضباً حتي أنها ارتعبت من هيئته :
_ شوفي بقى علشان نوبقى على نور ياست زينب شغل النمردة اللي انتِ جاية فيه دي مهيمشيش معاي وشكلنا اكده هنعلي صوتنا كَتييير وعيالك اللي أطول منك هيسمعونا كل يوم والتاني وشكلك هيوبقى عفش وانتِ مش صغيرة على لعب العيال دي فاتعدلي معاي وارجعي زينب العاقلة الكمل اللي كنت متجوزها وإلا هقلب على وش عمرك ماشفتيه
وادعي ربك ماتشوفيهوش يازينب .
شبكت يدها وابتسمت ساخرة وهي لم تعير غضبها أدنى اهتمام ثم قالت :
_ إيه ههتجوَز على تاني ياسلطان علشان تكـ.ـسرني مرة تانية ومكفكش اللي عميلته فيا وانك حطـ.ـمتني قبل اكده ياسلطان ؟
ثم أدمعت عيناها وكأنها تذكرت وجعها منه الذي لم تنساه ابدا وكأن عصيانها وتمردها عليه يشفي غليل قلبها منه ثم نفخ بضيق من رأسها اليابس وعنادها ولكنه تأثر بنبرة الوجع التي تتحدث بها ودموعها التي انهمرت على وجنتيها ثم جلس بجانبها وهو يرمي عبائته على التخت :
_ طب ليه كل دي يابت الناس بتفتحي في القديم وبتنبشي في الوجع بيدك ليه ومتعبة حالك وتعباني وياكي ، اني لا هتجوز ولا هتنيل هو أني كنت عارف اتهني معاكي بعيشة علشان اتجوز غيرك ؟
نفضت يداه بحدة من على قدمها قم هدرت به :
_ قصدك تقول ايه يا سلطان اني ست نكدية وهاجرة ومتتعاشرش ! اوزن كلامك معايا ياسلطان يا إما والله ما اقعد لك فيها وأفوتك لحالك اهنه وأروح بيت ابوي .
اغتاظ منها وتحمحمَ لينظف حنجرته وتسائل بنبرة حادة:
_ لاحول ولاقوة الا بالله العلي العظيم هو إنتِ غاوية نكد النهاردة ولا ايه يازينب ، قسما عظما لو طلع من بقك الكلام دي تاني يازينب لاهيوبقى مرار طافح على راسك ، دارك متهمليهاش واصل وانتِ حرة .
ردت بإقتضاب وهي تقوم من مكانها وجذبت جلبابها وانتوت الخروج من الغرفة مما جعله يشتـ.ـعل غضبا من حركاتها الصبيانية التي لم يعهدها عليها من قبل :
_ طب ادي الدنيا كلاتها ههملها لك طالما أني حرة بقى .
اعترض طريقها وجذب الجلباب من يدها ورماه بعيدا عنها ثم أمسكها من يدها و ألقاها على التخت واقترب منها وهو يمسك قبضتاي يدها بشدة ، كانت تتململ بين يداه كي تستطيع الفكاك منه واستجمعت قواها وتحركت بداخلها روح الأنثي المتمردة وحاولت نفض يدهِ من عليها كي تبتعد عنه ولكنها لم تستطع وكأنه يمسكها بقبضة من حديد وحالها ذاك مازاده إلا رغبة بها وإرغامها أن تخضع لأمر اقترابه فقد أثارته بعصيانها عليه ، جددت طاقة الشباب داخله وصار يريدها ويريد أن يقضي بين أحضانها أجمل اللحظات التي تشعره برجولته عليها ،
ثم اقترب من وجهها ليزيح خصلة فوق عينيها يتلمس وجنتها نزولاً إلي فكها ثم صعد إلي شفتيها يتلمس كل منهما بإبهامه،
نظرت بعيد عن عينيه تحاول كبت مشاعر الاحتياج إليه لديها لكن لم تستطيع قواها إخفاء مشاعرها التي تملكت منها كلماته وهمساته واقترابه لها بكل قوة،
ثم نظرت له بعيون تخفي ضعف يستكين بداخلها وقلب يخفق رغبة وعشقاً معاً، ترتجف من لمساته التي تجعلها تود أن ترتمي علي صدره ويدفئها بحرارته المنبعثة من توهج عشقه لها ثم رحل معها إلى عالمهم المختلف الناضج ولكن بلغة جديدة يغلبها التمرد والشراسة منها ويغلبها منه فرض سيطرة رجولته الجياشة عليها مما أشعرها بالانتشاء وأشعر كلتاهما بالتجدد والاختلاف في علاقتهما عن ذي قبل ،
بعد مرور بضعا من الوقت كانت تجلس ممدة بأحضانه على التخت وهي تتناول تلك السيجارة التي أعطاها لها لتقول بتمزج وهي تنفس ذاك الدخان من فمها وانفها ببراعة وكأنها متمرسة التدخين ومعتادة عليه :
_ بس السيجارة دي متكلفة جامد ياسلطان عدلت لي مزاجي العكر على الآخر وخلتني في عالم تاني .
نظر إليها وجدها تبتلع لعابها فابتسم بإنتشاء لهيئتها وبدأ بتناول سيجارته هو الآخر بتلذٌذ وهو يردد بمشاغبة:
_ انتِ هتعملي زي القطط تاكلي وتنكري ياأم عمران ومطلعة سبب روقة مزاجك في السيجارة ولا كانك لسه مش واخدة جرعة حنان دوبل تكيف أعكرها مزاج .
ضحكت بدلال اثاره هو الآخر ثم هتفت من بين أنفاسها الممتلئة بالدخان :
_ لا قول انت بقى انك اتدلعت دلع على يد زينب ودقت حبة حنان مدقتهمش من زمان .
اخذ منها السيجارة وهو يضعها في فمه قائلاً بانتشاء مصاحب للدعابة وهو ينفسها هو الآخر :
_ والله زمان قافشة في السجارة وبتشربيها ومنستيش يازينب الأيام الحلوة .
زمت شفتاها وأنزلت بصرها للأسفل بحزن ممزوج بدلال وتحدثت بنبرة استيائية مفتعلة :
_ هو انت بتاخدها من يدي ليه ماتـ.ـولع واحدة غيرها ياهادم اللذات انت .
ضيق نظرة عينيه ثم رمقها باستنكار :
_ بس يازينب واعقلي لا تاخدي على اكده عاد وبعدين مزاجك منقدرش على ظبط زواياه بعد اكده.
ضحكت بشدة على طريقته وكلامه لها وظلا على وضعهم هكذا وسلطان يشعر كأنه ملك زمانه ومكانه في قلب زينب ،
ثم أعجبتني تلك المقولة التي تليق بهم ،
إن لم تحافظ على من تحب فلا تبحث عنه مرة آخرى
فَـمن يشتري ربيع قلبكَ لا تعطيه خريف إهتمامكَ
تمسك باليد التي لا تغادركَ ، بالروح التي لا تفكر أن تستبدلكَ
بالقلب الذي لا يستغنى ولا يمل منكَ
مَـن يـؤمـن بـوجودك
مـن يعطـــيكَ قـيمتكَ و يـعزز مــن قـدركَ
مَـن يخــلقُ ألــــــف سـببًا للحـــــديث معكَ
من يـغزل خيـــوط الــوِدّ مـن أجلك .
**************””””***
في منزل آدم المنسي بالقاهرة فقد كانت الحياة بينه وبين مكة تسير بنمط هادئ نوعاً ما نظرا لأنه توقف عن آداء مهنته فهو لم يحدد الطريق الذي يمشي عليه إلى الآن ،
كانت تجلس هند شقيقته بجانبه وهي تسأله عن حاله مع مكة كي تطمئن عليه :
_ ها ياحبيبي انت ومكة عاملين ايه مع بعض طمني عليكم ؟
رفع منكبيه باستكانة وبنبرة تقطر عشقا لتلك المكة تحدث شارحاً:
_ إحنا الحمد لله كويسين جداً ومكة انسانة جميلة قوووي وبجد انا عايش معاها في نقاء نفسي وهدوء وحاجة كدة متتوصفش من جمالها الروحي ،
واسترسل وهو يمدح فيها أمام أخته :
_ متتصوريش اني مرتاح معاها جداً ، مختلفة عن العالم اللي حواليا خالص ، حياتنا شبه الناس العادية خالية من الضوضاء والكاميرات والحاجات المزعجة اللي انتِ عارفاها في عالمنا دي .
أشارت بكف يديها في وجهه وهي تكبر وتسمي عليه وداخلها سعيد وفرح لسعادة أخيها الوحيد والذي ربته على يدها فقد توفت والدتهم وهو طفل صغير وتولت هي جميع أموره مع أبيها :
_ الله اكبر ، ماشاء الله يادومي هتحسد نفسك ولا ايه ياحبيبي ربنا يسعدك ويفرحك دايما انت وهي وتفرحوا اكتر لما تحمل في بيبي صغنون كده يملى حياتكم سعادة وهنا ياروحي.
ربت على ظهرها بحنو وهو يؤمن على كلامها:
_ اللهم آمين يارب العالمين ، ربنا يسمع منك يارب ياحبيبة أخوكي ،
واسترسل حديثه بحالمية وهو يتصور نفسه أبا يوما من الأيام:
_ ياه ياهند ده حلم جميل قووي أني أبقى أب ومن مكة .
وضعت كف يداها علي كف يدها الموضوعة فوق فخذها ثم ربتت عليها بحنو وأردفت قائلة :
_ ياحبيبي متستعجلش هتبقى اجمل بابي وهي هتبقي اجمل مامي وربنا يبعد عنكم الشر والعيون الوحشة يارب .
واثناء اندماجهم في الحديث دخل عليهم راشد مدير اعماله وهو يردد بصوت غاضب :
_ كويس ان انتِ هنا يا هند علشان تشوفي لي حل مع اخوكي علشان اللي بيحصل ده تهريج ولعب عيال وما ينفعش ابدا .
تنهدت وتحدثت باستجواد وهي تشير إليه أن يجلس :
_ طب قول السلام الأول يا راشد،
تعالى اقعد كده ما تبقاش قفوش ودايما اعصابك مشدودة وروحك في مناخيرك كده .
جلس على الأريكة الموضوعة مقابلهما وهو يردد السلام ثم أكمل بنفس نظراته الغاضبة ولكن بحدة أقل عن ذي قبل مراعاة لوجود هند :
_ مش لما الأستاذ يرجع بقى يتابع شغله ويشوف العقود اللي ملتزم بيها والناس اللي اتحملته كتير قوي واتحملت غيابه وبصراحة الغياب بتاعه بقى اوفر قوي زيادة عن اللزوم يا هند وانا كل شوية أبرر لهم بأي حاجة وهما علشان باقيين عليه وعلى شغله مش عايزين يتصرفوا تصرف يزعلوه لكن خلاص هم جابوا آخرهم وانا كمان خلصت مبرراتي وجيت بقى علشان اشوف صرفة معاه .
تحمحم كي ينظف حنجرته وتحدث بملامح جادة لملامح وجه مكفهرة ارتسمت رغما عنه وهو يسأله :
_ يعني انت عايز ايه دلوقتي يا راشد !
أنا قلت لك أنا مش عايز اشتغل دلوقتي خالص وشوف الشروط الجزائية معاهم ايه وانا هدفعها لكن شغل لسه ما قررتش هكمل ازاي انا يعتبر في فترة نقاهة دلوقتي ومش حابب اني اشغل دماغي بالدوشة دي .
ضيقت هند عيناها ووجهت لها سؤال باستفسار :
_ طب ليه يا ادم موقف شغل لحد دلوقتي أظن انت واخد أجازة جواز من بقى لك كتير قوي وكفايه كده .
هنا تحدث راشد وهو مصمم على ان يخرج الى العمل :
_ سيبك دلوقتي من الحوار ده يا هند في حفلة شم النسيم المفروض ان هو كان متعاقد عليها من بقاله كذا شهر وخلاص فاضل اسبوعين على الحفلة وهو ما حضرش حاجة خالص ،
الأغاني جاهزة وكل حاجه جاهزة وفريق العمل مستعد والمفروض يكون هو كمان مجهز نفسه للحفلة لكن هو في عالم موازي خالص .
كان ادم مجلس امامهم في عالم اخر وهو كيف يمهد لمكه عن رجوعه الى العمل والالتزام بتلك الحفله التي تعاقد عليها منذ اشهر طويله فهو يخاف على هدوءهما الذي يعيش فيه معها الآن ،
اما هي كانت تقف في الأعلى وخرجت من غرفتها بالصدفة واستمعت الى الحديث بالكامل وبات قلبها يدق من موافقة آدم لخروجه لتلك الحفل وانتظرت رده الذي سيبني في علاقتهما اما جروحا واما انتصارا آخر في حياة آدم و مكة .
•تابع الفصل التالي "رواية من نبض الوجع عشت غرامي" اضغط على اسم الرواية
رواية من نبض الوجع عشت غرامي الفصل الثالث والثلاثون 33 - بقلم فاطيما يوسف
ماذا بكِ يا امرأة! فأنتِ لعمران بملايين النساء كُلهمِ!
لقد أسرتِ قلبه ومددتِ أسوار حـ.ـبس أنفاسه بين قبضتاي أبواب قلبِك وأغلقتِ عليه بأقفال هواكِ، فعمران يهواكِ وروحه فداكِ وبعمره لن ينساكِ ويشتاق دوماً أن يراكِ.
أما هي، كانت تقف في الأعلى وخرجت من غرفتها بالصدفة واستمعت إلى الحديث بالكامل. بات قلبها يدق من موافقة آدم لخروجه لتلك الحفلة. انتظرت رده الذي سيبني في علاقتهما إما جروحاً أو انتصاراً آخر في حياة آدم ومكة.
أما في الأسفل، تحدثت هند بنصح لآدم:
"طب أنا شايفة يا آدم إنك تعمل الحفلة علشان خاطر الشروط الجزائية اللي فيها، إيه اللي يخليك تتحملها وترفض لي أصلاً! وكفاياك إجازة لحد دلوقتي مشبعتش عسل يا عريس."
شعر آدم بالقلق، فهند أخته لا تعلم شيئاً عن اتفاقه مع مكة. لم يرد التحدث أمام راشد في خصوصيته، فهو مدير أعماله مهما كان، ولم يحبذ أن يأتي بسيرة زوجته أمامه. لكن ذاك الموضوع لابد أن ينتهي كي يستريح من وجع الرأس الذي سيجلبه لحاله إذا استمع إلى نصائح راشد، فهو لم ولن يخسر الهدوء النفسي والحياة الجميلة التي يعيشها مع زوجته.
ثم تنهد طويلاً قبل أن يخبره بقراره:
"معلش يا راشد، اعتذر عن الحفلة وعن أي شغل خالص الأيام دي لأن ناوي أغير طريقة شغلي تماماً."
انصدمت هند من قراره كما انصدم راشد هو الآخر، ورددوا في صوت واحد باندهاش لخبر لم يتوقعوه أبداً:
"يعني إيه كلامك ده؟ أنت هتبطل تغني؟"
وأكملت هند وهي على نفس دهشتها مما استمعت إليه:
"ممكن أفهم إيه اللي حصل بالظبط؟ وإزاي تضر مستقبلك وشغلك بالطريقة دي؟ وعلشان إيه أخدت القرار ده وبنيته على أساس إيه؟"
رفع جفونه ببطء ثم قال بنبرة هادئة:
"هنتكلم مع بعض في الموضوع ده بعدين يا هند، بس حابب أبلغ راشد يوقف أي تعاقدات ويعتبرني معتزل لوقت غير معلوم."
هنا انتفض راشد من جلسته وهو يهدر به:
"ده إيه اللي تعتزل لوقت غير معلوم؟ وإيه الكلام اللي أنت بتقوله ده أصلاً! أنت شكلك اتجننت يا آدم ومفكر نفسك اللي بتعمله ده عادي، ومتعرفش إن هو خطر جداً في طريقك الفني ومستقبلك وحياتك كلها ككل! لو سمحت اهدى بقى وفهمني قرارك ده بناءً على إيه؟"
استوعب سؤاله وأردف بنبرة جادة متجنباً غضبه منه:
"اهدأ يا راشد لو سمحت علشان أنت عارف إني مش بحب الصوت العالي ولا بحب العصبية الزايدة عن اللازم. وبعدين أنا مش صغير علشان هقول لك كلمتين وبعدين هرجع فيهم. وعارف يا سيدي وفاهم إن ده شغلي وإن ده طريقي، بس أنا حابب إني أغيره، مش مرتاح أمـ.ـوت نفسي يعني ولا إيه؟"
أجابه متهكماً بكلمات خرجت من بين أسنانه بحدة:
"لا هي مش دي الحكاية يا آدم باشا. الحكاية إن شكل الجوازة الجديدة أثرت على دماغك وخليتك تخسر مستقبلك بالسهولة دي، وأنا أكتر واحد عارف أنت تعبت قد إيه علشان خاطر تبني اسمك وتبقى النجم آدم المنسي."
واسترسل حديثه وهو حزين على قراره الخاطئ مائة بالمائة في وجهة نظره:
"كنت معاك وانت بتسهر الليالي وبتشتغل على حالك علشان تبقى نمبر وان والكل ينطق اسمك بفخر في كل مكان."
قاطعه حديثه بحدة وهدر به بنظرة غاضبة وهو يتجنب جميع ما قاله ويمسك في كلمة الزواج:
"لو سمحت ما تجيبش سيرة جوازي على لسانك، مراتي مش محط مناقشات ما بيني وما بينك. أنا ما اتجوزتش عشان ألعب وأقضي فترة حلوة ويومين أريح فيهم مزاجي وخلاص، أنا اتجوزت عشان أبني حياتي. وطالما أنا شايف إن المشوار اللي كنت ماشي فيه مش هيريحني في حياتي وهيـ.ـتعبني وهيخسرني حاجات كتير ما تتعوضش، وإن الشغل اللي أنت بتتكلم عنه ده يتعوض بالأحسن، وإني أختار حاجة ترضي ربنا بالنسبة لي الدنيا وما فيها يا راشد."
رأت هند أن وجهه احتدم غضباً والنقاش أصبح جدالاً وطريقته لا تمت للرقي بصلة، فأشارت بكلتا يديها في وجههم ناهية ذاك النقاش بتلك الطريقة:
"بس لو سمحتم كفاية كلام في الموضوع ده. وأنت يا راشد ما تعملش حاجة خالص من اللي قال لك عليها إلا لما أكلمك أنا بنفسي وأقول لك هنمشي إزاي أو هنكمل إزاي. وكفاية لو سمحتوا كلام في الموضوع ده خالص حالياً."
"تمام أنا ماشي وسايب لكم المكان خالص علشان الباشا يستريح مني ومن زني..."
كلمات وجه مقتضبة بملامح وجه مكفهرة ثم نهض غاضباً وتحرك من أمامهم وترك لهم المكان وهو غاضب بشدة بسبب قرار آدم الأهوج من وجهة نظره، فهو ليس مدير أعماله فقط بل يعتبره مثل ابنه ويخاف على مستقبله ويشعر الآن بأنه يدمره بيديه دون أن يدري.
فور أن غادر راشد، نظرت إليه هند وهي تسأله بكل هدوء دون أي غضب أو عصبية، فهي معتادة على النقاش الهادئ الراقي مع أخيها مهما كان حجم المشكلة:
"لو سمحت يا آدم ممكن أفهم وجهة نظرك في قرارك المفاجئ ده والصادم بالمرة؟"
تحمحم كي ينظف حنجرته وتحدث بملامح جادة لملامح وجه مكفهرة ارتسمت رغماً عنه. وكل ذلك وتلك مكة تقف في الأعلى ترى مصيرها مع آدم يصل إلى أين دون أن تتدخل في قراره ودون أن تشعره أنها تسمع كل شيء، فهي لن تريد أن تؤثر عليه وتريد أن يكون قراره نابع من أعماق قلبه وأن يكون مقتنعاً به عن جدارة دون أي تدخل منها، فهي قد أنهت مهمتها معه في الإقناع ولم يعد لها دور بعد الآن، إما أن يكمل أو أن يرفض طريق الشيطان ذاك الممتلئ بالمغريات.
"مش هكذب عليكي يا هند، ما اتعودتش أخبي حاجة عنك. أي نعم الحاجة دي خاصة بيني وبين مكة، لكن انتِ مش حد غريب. أنا وهي اتفقنا إني مش هكمل بالطريقة اللي أنا ماشي بيها لأني اقتنعت إنه طريق ما يرضيش ربنا وحاسس إني لو كملت فيه هخسر كتير، وكمان هي مش حابة إنها تكمل معايا وأنا مكمل في الشغلانة دي. وبصراحة أنا بعت الدنيا كلها عشان أشتريها هي وأشتري راحتنا وسعادتنا، ومهما كان التمن غالي هي أغلى من أي حاجة في الدنيا."
كانت تلك مكة تسمع كلامه وقلبها ينبض بشدة من فرط سعادته بكلام آدم، بل شعرت بأنها تملك سعادة الكون بأكمله الآن.
ضيقت هند عينيها ووجهت لها سؤالاً باستفسار كي تضع نصب عينيه جميع الاحتمالات الخاصة بقراره والتي ستحدث فيما بعد، ولم يهمها إذا كان سيكمل أم لا، فهو أخيها ويهمها راحته، والمال ما هو إلا وسيلة كي يعيشوا في متطلبات الحياة والمقدرة عليها، وهو الآن معه من الأموال ما يكفيه عمراً ويكفي أبناءه من بعده بفضل الله.
"أياً كان القرار اللي انت أخدته، مستعد تتحمل نتيجته بعدين؟ يعني لو حبيت ترجع بعد الاعتزال هيبقى موقفك قدام جمهورك صعب جداً وهتخسر حاجات كتير بنيتها مع جمهورك؟"
أخذت نفساً عميقاً ثم زفره بهدوء وتابع حديثه بنبرة واثق متأكد وبعينين هائمة:
"جمهور إيه اللي انت بتتكلمي عنه يا حبيبتي، محدش في الدنيا هيقف جنبي ولا هيدعمني قد مراتي وقد حبي الأول والأخير. محدش في الدنيا هيحس بكمية الراحة والسلام النفسي اللي أنا عايش فيه معاها بسبب تدينها وقربها من ربنا، وإنها ساحباني معاها لأجمل طريق كان غايب عني. عرفتني حديث مهم قوي بقيت ماشي عليه إن لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. خلتني بقيت بتسابق معاها في العبادة علشان آخرتي، وعرفتني إن الدنيا فانية وإن الإنسان ممكن يموت في لحظة، فما بالك بقى لو حصل وجت لحظة المـ.ـوت دي وأنا حاضن واحدة في فيديو كليب ولا واقف على مسرح وقدامي بنات عرايا واقفين يغنوا ويرقصوا وسكرانين. أنا كنت غايب عن الطريق وهي فوقتني من التوهة اللي كنت عايش فيها يا هند."
انخلع قلبها على ذكر سيرة المـ.ـوت ثم جذبته في أحضانها بحنان يكفي العالم أجمع وهي تردد بقلب مقبوض لما ذكره:
"بعد الشر عنك يا حبيبي، ربنا يديم حسك في الدنيا ويخليك ليا يا دومة. ده انت حبيبي وأخويا وسندي بعد ربنا سبحانه وتعالى. خلاص اللي انت شايفه راحة ليك ولبيتك ولحياتك أهم من أي شيء في الدنيا وأهم من أي حسابات جايبة لنا وجع قلب وأعصاب."
ضمها أكثر تلك الحنونة وقربها لصدره وتحدث بنبرة صادقة:
"ولا منك يا حبيبة أخوكِ يا اللي دايماً واقفة في ضهري وعمرك ما كنتِ ضدي أبداً ودايماً بتدعميني في كل قراراتي وما بتحسسنيش بتأنيب ذنب. ما تتصوريش أنا دلوقتي ارتحت قد إيه أكتر لما عرفتك كل حاجة، كنت قلقان من رد فعلك والله."
أخرجته من أحضانها ثم وضعت كفي يديها الحنونتان وحاوطت بهما وجنتَي ذاك الرائع وتحدثت بحب صادق ظهر بينا داخل عينيها:
"ولا تقلق ولا حاجة، ما فيش حاجة في الدنيا مستاهلة إننا نعافر علشانها مقابل راحة البال. ربنا يخلي لك مراتك ويسعدك في حياتك أياً كان قرارك إيه يا حبيبي، وأنا هبلغ راشد دلوقتي يعمل كل اللي اتفقنا عليه وههديه عليك وبعدين هنشوف هتكمل إزاي أو هتعمل إيه."
تحدث بنبرة صوت فخورة وإطرائية:
"تمام يا قمر، هسيبك بقى وهطلع أصحي مكة علشان متعرفش إن انتِ هنا."
حركت رأسها برفض وهي تقوم من مكانها معللة أسبابها في المغادرة:
"لا سيبها بس ما تصحيهاش وما تقولهاش إن أنا جيت علشان ما تزعلش، أنا هاجي تاني بكرة. أنا قاعدة في القاهرة أسبوع بحاله علشان عندي شغل في المحطة هنا متأجل كتير قبل ما أرجع هناك."
ودع كل منهم الآخر وخرجت دون أن تكترث لما حدث ودون أن تشغل بالها باعتزاله، فهي لم يهمها غير راحة أخيها وسعادته مهما كانت التنازلات، فلن تكن أهم من العيش بهناء مع من نحب. وتلك هي العلاقات المريحة مع الأقارب أو الأصدقاء، فدوماً تلك العلاقات التي لا تشعرنا بمدى إهمالنا وأن قراراتنا خاطئة، دوماً تلك العلاقات التي لم تدخل في راحتنا النفسية قبل أي شيء وقبل أي حسابات للحياة هي دوماً المستمرة.
***
في منزل سلطان المهدي حيث يجتمع سلطان وعائلته على تلك المنضدة الخاصة بطعام الغداء في تجمع عائلي لم يحدث منذ شهور عدة في جو ملئ بالألفة والمودة.
فتحدث سلطان إلى رحمة:
"عريسك كلمني واتفقنا على إن كتب الكتاب بكرة إن شاء الله، جهزي حالك. هو قال إن هو مخلص كل الأوراق اللي تخص كتب الكتاب والجواز إن شاء الله بعديها بشهرين، كفاية تأجيل لحد أكده. الجدع حمض جنبنا من كتر الانتظار."
شعرت رحمة بالخجل من سكون ولكنها خيبت ظنونها وابتسمت تلك سكون بوجه بشوش ونطقت بمحبة ودعاء بأن يتمم لها زواجها على خير وبركة:
"أخيراً يا رحمة هفرح بيكي وأشوفك عروسة. ربنا يتمم لك على خير يا قمرة وأشوفك سعيدة ومبسوطة دايماً يا أجدع أخت في الدنيا كلها."
تنفست رحمة الصعداء وأحست بمدى سعادتها وهي ترى سكون تبارك لها بكل أريحية دون أي حزن على حالتهم، ولكن هي سكون هكذا لها من الجمال والرقي مالا يليق بغيرها. ثم شكرتها بامتنان:
"حبيبة قلبي يا مرت أخوي، منحرمش منك أبداً ولا من دعوتك الجميلة. وطبعاً فرحتي مش هتتم إلا وانتِ واقفة جاري علشان نفرح سوا. ثم أكملت بحزن: بس كان نفسي مكة تكون موجودة معايا في كتب الكتاب هي كمان علشان فرحتي تكمل، لكن ربنا يوفقها في حياتها مع جوزها وتكون تاجي في الليلة الكبيرة وخلاص."
هنا تحدثت زينب مرددة بنبرة سخرية مصاحبة للدعابة اعتادت عليها مع رحمة:
"مبروك عليكِ الجواز يا بتي، والله الجدع دي هيشيل هم تقيل، الله يعينه عليه."
زمجرت رحمة بغضب مصطنع من سخرية والدتها ثم تحدثت باستنكار:
"وه يا زينب، مهينش عليكِ تباركي لي على كتب الكتاب زي أي أم وبنتها، لازم تنكدي علي وتسمعيني كلام من بتاعك دي!"
كانت زينب تمسك في يديها تلك الحمامة وتتناولها بنهم، فهي تعشق ذاك الحمام بشدة وهي تردد بلا مبالاة:
"مش لما تبقي كيف البنات علشان إني أبقى كيف الأمهات دي، انتِ ما لكيش مثيل ولا وصف يا بت بطني. قاعدة تحشي ولا على بالك، وطول النهار أقول لك تعالي خشي المطبخ وياي اتعلمي لك حاجة تنفعك على الأقل الجدع دي يلاقي لقمة نضيفة ياكلها لما يتهف في عقله ويتجوزك يا عين أمه بدل ما انتِ ولا تفقهي أي حاجة في المطبخ. وتابعت سخريتها باستفسار: إلا قولي لي هتتجوزي كيف يا رحمة وانتِ مهتعرفيش تقلي بيضة؟"
ضحك الجميع على مشاغباتهن لبعضهن ثم تحدث عمران من بين ضحكاته وهو يلوم والدته بنفس الدعابة:
"لا يا أمي ما تظلميهاش، دي عليها كوباية شاي تعدل المزاج ولا أجـ.ـدعها قهوجي. ومش صوح يا رحمة الكلام ده ولا إيه عاد؟"
فهمت ما يقصده عمران وهو يقصد التلقيح عليها بالكلام عن صنعها لذاك الشاي الذي فعلته له منذ أسبوعاً بالملح بدل السكر من شدة تسرعها، ثم رفعت رأسها بشموخ وهي تردد لهم:
"ماهر ما يهموش حاجة واصل من الأكل والكلام الفاضي دي، أهم حاجة أني بالنسبة له وكل حاجة بعد أكده تتحل بسهولة، والأكل مفيش أسهل من الحصول عليه دلوك."
مطت شفتيها بامتعاض ثم هتفت وهي تشعر بالغيظ من ردود ابنتها:
"والله يابت إنتي عليكي كيد فقع مرارتي، ابقي أكله ولك جاهز، خليه يكره اليوم اللي اتجوزك فيه من معدته اللي هتتقلب على يدك."
ضحكوا جميعاً على كلمات زينب وحركات وجهها المغتاظة بالفعل ورحمة تأكل ولا تبالي بكلام والدتها وكأنها لم تقل شيئاً. انتهى الجميع من تناول الطعام وقامت رحمة وسكون بتنظيف مكانهم وعمل القهوة والشاي، ثم جلست زينب مع عمران تسأله بقلق:
"في حاجة أكده عايزة أكلمك فيها يا ولدي بس مش عارفة أبدأ من وين."
انتاب عمران شعور بالقلق من بدء حديث والدته، ثم ربت على ظهرها بحنو وهو يشجعها أن تتحدث فيما تريد دون أي قلق:
"مالك يا حاجَّة؟ احكي كل حاجة وقولي اللي نفسك فيه وأنا كلي أذان صاغية."
نظرت حولها يميناً ويساراً وهي تتأكد من عدم وجود سكون بجانبهم، فهي لا تريدها أن تسمع ذاك الكلام الذي ستستفسر عنه من ولدها كي لا تجرح شعورها، فهي تعتبرها مثل بناتها ولا تريد أن تخلق بينهم شعوراً بالقلق في المعاملة.
"إنت دلوقتي متجوز بقالك سنة وزيادة ولحد الآن مراتك محملتش! ليه مبتطمنش على نفسك ولا عليها؟ هو في حاجة يا ولدي وانت مخبيها علي وأني ما أعرفهاش؟"
دق قلب عمران الآن بخوف من القادم، فوالدته نبشت في ذاك الموضوع الذي يحاول أن ينساه هو وسكون طيلة فترة علاجها ويخاف عليها من سماع استفسار والدته. فتلقائياً نظر هو الآخر يميناً ويساراً كي يتأكد أنها ليست بجانبهم مراعاة لخاطرها، فهو يخشى عليها حتى من نسمة الهواء الطائر أن تلفحها ببردها. ثم أجابها:
"اطمني يا أمي، إني وسكون كويسين وبخير مفيناش أي حاجة، إحنا عملنا كل التحاليل والأشعة، انتِ عارفة إن سكون دكتورة نسا والحاجات دي عارفاها كويس، وكل حاجة بانت إن هو موضوع وقت وكله بإيد ربنا، لكن إني وهي سالمين."
أحست زينب بوجود خطب ما من نظراته الزائغة وخوفه أن تسمع سكون ما يقوله، ثم سألتهم بتأكيد وهي تشعر بأنهم ليسوا بخير أبداً، فقلب الأم دلَّها على ذلك:
"إني ليه حاسة إنك بتكذب علي يا عمران؟ محدش في الدنيا دي هيخاف عليك قد يا ولدي. وبعدين هي لو بخير ما تاخد أي منشطات وهي مش هتغلب في الحاجات دي إلا إذا كان في مشكلة ودي اللي أني واثقة منها وخايف تتكلم أو تقول لي. هواني مش أمك يا ولدي ومن حقي أطمن عليك ومن حقي أشوف عوضك قبل ما أمـ.ـوت؟"
انقبض قلبه من ذكر المـ.ـوت ثم قبَّل يديها وهو يردد بضيق:
"ليه يا أمي أكده تجيبي السيرة دي! ربنا يطول في عمرك يا حبيبتي، مش عايزك تقلقي خالص، إحنا بخير وقت ما يأذن ربنا هيبعت لنا رزقه."
أومأت له وهي تربت على وجنته وهي مازالت تضغط عليه أن يحكي:
"لساتك بتكابر ياعمران، يا ولدي العمر بيجري بيك وانت مدريانش! دي أني كنت مخلفاك واني بت 16 سنة وبوك كان عدي العشرين بسنة، وانت دلوك سنك قرب على الأربعين، مش كفاية غلبتني لحد ما اتجوزت وضيعت سنين عمرك دي كلها، كمان مش عايز تفرحني بيك واشوف عوضك وأشيله على يدي."
وأثناء اندماجهم في الحديث كانت سكون دالِفة إليهم بالقهوة والشاي إليهما، فسمعت حديث زينب وارتدت إلى الخلف وكتمت شهقاتها، وما حسبته منذ أن علمت بمرضها ذاك سمعته الآن بأذنها ولم تكن تتخيل أن صداه عليها سيكون بذلك الألم. ثم هدأت من حالها، فما عليها الآن غير الصبر واحتساب أجرها عند الله وأن تتحمل جميع ما تسمعه من ملامات في عيون الآخرين وفي كلامهم. ثم تحممت كي تدلف إليهم، فهي لن تعود وتسألها رحمة لما لم تعطيهم المشروبات وتفتح على نفسها أبواب من التساؤلات لن تستطيع سدها.
استمعوا إلى صوتها من الداخل فتلقائياً سكتوا عن الحديث في ذاك الموضوع. أما هي دلفت إليهم بوجهها البشوش وابتسامتها التي رسمتها ببراعة على وجهها كي لا يلاحظ عمران شيئاً، وهي تعطي زينب الشاي وتعطي عمران القهوة المعتادة بعد تناول الغداء. رأى عمران لمعة الدمع في عينيها، فهو يعرفها ويحفظها عن ظهر قلب وداخله بات يتألم لأجل استماعها لوالدته.
ثم ارتشفت زينب من الشاي وربتت على ظهرها بحنو وهي تشكرها على صنيعها:
"تسلم يدك يا بتي، أحلى كوباية شاي بشربها من إيديكي الحلوين دول، ربنا يراضيكي ويرضيكي يارب."
ابتسمت سكون لتلك الحنونة وأمنت على دعائها بنبرة صادقة:
"آمين يارب العالمين، حبيبتي يا أمي، تسلميلي يارب."
ثم جلسوا يتناولون أطراف الحديث وسكون تحاول أن تتحدث معهم بأريحية كي لا يشك عمران في أمرها. ومضى الوقت بينهم ثم صعدت سكون إلى شقتها ويليها عمران. وما إن دلفا كلتاهما وأغلق عمران الباب خلفه حتى جذبها بعنوة حتى ارتطمت بعظام صدره الصلبة وردد بقلق وهو يخلع عنها حجابها:
"مالك يا سكون؟ شكلك متغير وفي حاجة مضايقاكي؟"
ابتلعت غصتها بمرارة مثل مرارة الصبار وتركت لسانها يتفوه بنفي:
"مفيش حاجة، إني زينة الحمد لله."
دفن يده بين رقبتها وهو يدلكها برفق قائلاً:
"هتخبي على عمران وجعك يا سكون؟ إني بعرفك من النظرة، بعرفك من النفس، حافظك وعارفك أكتر ما إنتِ ما عارفة نفسك."
لم تستطع تخبئة مشاعر الحزن بداخلها أمامه، فهو يكشفها دائماً. وتلقائياً هبطت دموع عينيها مما أحزنه بشدة وجعله يرفع يده إلى وجهها ويجفف عبراتها بأنامله بحنو بالغ:
"أكيد سمعتي سؤال الحاجة زينب وكلامها وده اللي مخليكي متضايقك وده وهتبكي. بس دي كلام عادي بتقوله كل أم لابنها وأني معرفتهاش حاجة عن اللي بيناتنا وقلت لها إننا الاتنين كويسين والموضوع وقت وهي دي الحقيقة يا سكون، مكدبتش فيها. أرجوكي بلاش بكا بقي."
ابتلعت ريقها بصعوبة بالغة مما تشعر به من حزن بالغ على حالهما وتصب سبب ذاك الحزن عليها وحدها. ثم تفوهت بما تراه صحيحاً من وجهة نظرها ولكن أغضبه:
"كنت عارفة إن دي هيحصل في يوم من الأيام وهو دي سبب للي عملته قبل سابق، ولسه لما الأيام تمر وتبقى سنين محدش هيتحمل. إني دلوقتي بطلب منك تشوف مستقبلك بعيد عني علشان مينفعش تفضل رهن حياتك معايا وأني لسه بتعالج ومستنية أمر الله."
ما أن أنهت كلماتها التي أنهكت قواها فالتقطت أنفاسها بصعوبة، حتى ضـ.ـربها بقبضة يده بخفة على كتفها وهو يرمقها بغـ.ـضب:
"إيه الكلام اللي مالهوش معنى اللي هتقوليه ده! لا إني هنفع أكون مع غيرك ولا إنتِ عمر راجل غيري هيلمح طيفك يا سكون. وإذا كان على الولاد قلت لك قبل سابق إني ما كانوش منك ما عايزهمش من غيرك واني صابر وملكيش دعوة بأمي واللي حوالينا أهم حاجة انتِ وبس. ومن اليوم ورايح ما عدتيش تنطقي الكلام ده من لسانك أبداً."
وتابع حديثه وهو يهدأ من نبرته الصارمة وبدلها بأخرى عاشقة ودودة:
"إني عاشقك يا سكون والعشق ده مكبل في قلبي بقيود غرام عيونك، مش عشق صورة ولا جسد له، ده عشق الروح لروحها اللي متستغناش عنها، عشق الليل للقمر اللي لازم وحتماً الليل يحضن قمَره كل ليلة، عشق النهار لشمسِه اللي لازم تطلع تنور الكون وتزيده دفى. سكوني.. هو ينفع الليل يجي أعتم من غير قمَره والنهار يطلع من غير شمسه اللي تنوره؟"
استطاع بقربه المهلك تخدير أعصابها وبكلامه البلسم تهدئة روحها الثائرة. كانت ولا تزال بقربه تشعر بأنها بين يدي الأمان، تشعر بأنها تمتلك راحة الكون بأكمله، لا بل تشعر باكتمالها في كل شيء وأنها لن ينقصها شيء أبداً. كانت بين يديه أنثى مدللة تعتبره أباها الذي تيمت من أبوته وهي صغيرة، تشعر بأنه ابنها الذي حرمت من بنوته وهي تنتظر فرج الله عليها، وأخيراً بأنه أعظم زوج رزقها الله به ويبدو أن دعوة كثيرين شملتها مع عناية الله.
ثم نطق فمها المرتعش من قربه المهلك لحصونها:
"والله يا عمران كان دعوة حلوة جازت لي علشان أكده ربنا رزقني بيك. انت بالنسبة لي أبويا اللي اتحرمت منه وأني لسه عيلة صغيرة، وابني اللي بعافر دلوقتي علشان يبقى منك. انت كل حاجة حلوة في حياة سكون يا عمران، لااااا انت الحلو والحلا اللي في الدنيا بحالها، معرفش أعبر لك عن حبي ليك كيف ولا إزاي؟ كلام الدنيا بحالها ما يكفيك أبداً."
خفق قلبه بين ضلوعه من همسها الذي يأخذه لعالم الحالمية الذي يعشقه معها، ثارت جوارحه عليه من نبرتها الرقيقة المتيمة به، أصبح جسده مشـ.ـتعلًا يريد سحقها بين أحضانه، فهي مازالت نبض قلبه العاشق، فمنذ أن وقعت بين يديه لأول مرة تشبث بها وكأن كنوز الدنيا وما فيها أصبحت بين يديه الآن. ظل ينظر لعيونها ويضغط على يديها بعمق بين يديه فقد دخل الآن دوامة عشق السكون والاحتياج لقربها وكأنها جرعة إدمان يريد أن يتجرعها الآن كي تهدأ ثورة جـ.ـسده المشتـ.ـعل في قربها.
ثم التقط شفاه بين شفتيها في قبلة عاشق متيم خائف من الابتعاد، خائف من هروبها. وما عليها سوى أنها انـ.ـصهرت بين يديه، فهي امرأة عاشقة بل تتنفس بعشق العمران وكأنها تمتلك خياشيم كالأسماك وعمران هو بحر النجاة لأنفاسها، فإذا ما ابتعد عنها انقطـ.ـعت أنفاسها عن الحياة وهي تهمس له من بين قبلاتها مما جعله يثور ورغبته بها أججت بكامل جـ.ـسده وكاد أن يسحقها بين يديه:
"طعم الحب والقرب معاك جميل قوي يا عمراني."
غمز لها بشقاوته المعتادة عليها معه وهي بين يديه وهو يترك شفتيها كي يجعلها تتنفس من اقترابه الهائم بها وهو يسند جبهته بجبهتها:
"وبتتدلعي كمان على عمران، دي انتِ ادعي ربك تطلعي سليمة من تحت يده ويوبقى جنت على حالها سكون."
ضحكت بإغراء أثاره من كلماته ثم سحبها من يدها إلى غرفتهم وهو يردد بنفس دعابته لها:
"كمان ضحكة مايعة، تعالي بقى يابطل استعنا على الشقى بالله."
فمن السهل أن تطرد جيشاً استعمر وطنك، ولكن من الصعب أن تطرد حبّاً استعمر قلبك. فمهما ظننت قلبك قوياً لا يهزه الغياب، فتجده مثل الورق يرتجف في الابتعاد.
لقد عرفنا مع ذاك العاشقان الحبّ وأسراره وكتبنا أجمل أشعاره، وغنينا على أوتاره، وذبنا بالغرام على ألحانه، فإذا كان الورد جذّاباً فهي من الورد أحلى، وإذا كان الورد عالياً فمكانها في القلب غالٍ. لقد أصبحَ حُبها مثل الدمـ.ـاء الحمراء يسير في جسده بكلّ هدوء، ويعانق ويلامس كل ما هو في طريقه ويجعله ينبض بالحياة.
ستشهد علينا نجوم السماء الصافية وطيور العشق التي تلتف حولنا بأنّني لن ولن أحب سواكِ يا سكون. أحبك بكلّ ما تحمله هذه الكلمة من معنى، أحبك بكلّ إحساس يتلهف لرؤيتك، أحبك بكل شوق لسماع صوتك، أحبك بكلّ ما فيها من نغمات موسيقية، أحبك بكلّ ما تخبئها هذه الكلمة من عناء، أقولها لك وحدك ولا أريد سماعها من أحد غيرك، فمهما قيلت لم أشعر بها مثلما أحسست بها معك، فأنت الحب والإحساس يا من علّمتيني كيف الإحساس يكون. إنّ نبضات قلبي لم تنبض إلا بحبك ولم أسمع دقات قلبي إلا وأنا معك، فبعد كلّ هذا يسألونني لماذا أحبك كل هذا الحب؟ ليتهم يعرفون الآن ويسمعون دقات قلبي وهي تنادي عليكِ وتشعر بها وتعرف كم أنا أحبك وأشتاق لكِ.
***
جاء اليوم المنتظر أخيراً، لا بل الدقيقة التي حلم بها وتمناها ماهر الريان منذ أشهر كثيرة، أن تصبح رحمته ملك يمينه وعلى اسمه. كان يردد كلمات عقده عليها وراء المأذون بقلب ينبض عشقاً ووحشة للمسة يدها فقط، فماذا عن أحضانها؟ فحقا ستكون لحظات رائعة أغرم بها كثيراً ذاك الماهر بالتحديد مع تلك الصغيرة التي يسميها دوماً بصغيرتي على الحب.
طلب منه المأذون أن يردد تلك الكلمات الأخيرة، فرددها ببسمة رجولية تزين وجهه وأبيها هو الآخر ردد تلك الكلمات بفرحة لابنته الصغيرة ومدللته. انتهت مراسم كتب الكتاب وتناوبوا على ماهر بالمباركات في أعظم لحظة تجسد فيها صور السعادة.
بعد مرور أكثر من ساعة، الجميع يلتفون حول رحمة ويهنئوها بسعادة. فقد كانت عروساً جميلة كالأميرات في فستانها الأبيض المحتشم ذو الأكمام الطويلة المفتوحة من رسغها وتهبط باتساع إلى الأسفل ويزينها بعض حبوب اللؤلؤ الفضي، وأيضاً تلتف حبات اللؤلؤ تلك على رقبتها بدائرة جعلتها كالملكة الفرعونية، ضيق من على خصرها ويهبط بتساوي حتى لامس مشط قدميها ويزين رأسها حجاباً باللون الأبيض وعلى رأسها تاجاً بسيطاً مزيناً بنفس حبات اللؤلؤ، فحقا كانت بطلتها تلك تشبه الحور العين من بساطة لباسها ومن احتشامه، وكما يزين وجهها ببعض لمسات التجميل البسيطة للغاية ولكنها أعطتها جمالاً أخاذاً يسحر عيون من يراها، فبالطبع تشبه باربي في مظهرها الآخاذ ذاك.
كانت تقف تتمايل على أنغام الموسيقى مع سكون بسعادة حقيقية، فقد نالت قلب الماهر قولاً وفعلاً ووثق عقد زواجهما أخيراً بعدما نالت من الويلات كثيراً معه حتى استحوذت بذكائها وعشقها على كامل قلبه وعقله بل وجميع حواسه. أما هو أخذه عمران لعندها كي يبارك لها، فهو أصبح زوجها الآن. دلف إليها ووقف على أعتاب الغرفة ينظر إلى سعادتها البادية على معالم وجهها بقلب يخفق عشقاً.
أما سكون اقتربت من رحمة وهمست في أذنها بدعابة:
"ما تتمايليش قوي يارحوم، عريسك واقف فـأنا بنصحك من دلوقتي متبينيش إنك هتعرفي ترقصي هيمسكها عليكي ومش هيرحمك بعد كده."
تمسكت رحمة بيد مرتعشة بيداي سكون ولم تلتفت له من شدة خجلها، فلم تكن تتوقع أنها ستكون بتلك الدرجة من الخجل. أما هو انفض الجميع من حولهم كي يتركوا لهم مساحة من الحرية عدا عمران وسكون وحبيبة. أما ذاك العاشق اقترب منها ومازالت تعطيه ظهرها وهي خجلة. تقدم منها وذهب ناحية وجهها ولكنها أدارت وجهها بمشاغبة للناحية الأخرى.
ولكنه ماهر بحق، فاصطنع التعب وهو يقف مكانه متأوهاً:
"آااااه إيه ده؟"
تلقائياً التفتت كي ترى لم يتأوه، فقد أرعبها عليه في تلك اللحظة لتقول له بنظرة يملؤها القلق:
"إيه مالك؟ حصل إيه؟"
وكادت أن تكمل إلا أنه جذبها لأحضانه بقوة ثم رفعها أرضاً وهو يدور بها في المكان، فكانت بين يديه بحجم صغير كالأب وابنته، وحقا كانا رائعين وجمالهم فاق الحدود. ثم أنزلها أرضاً واحتضن وجنتيها وقبلها من رأسها وتحدث بعشق ظهر بينا ويراه الجميع ولم يخفيه عليهم ولم يخجل أيضاً:
"آه منك يا رحمتي هتجننيني معاكي بشقاوتك دي يا صغنن."
ابتسمت له أيضاً بعينين عاشقة ولم تخجل من الواقفين أيضاً وهتفت بمشاغبة تداري بها خجلها وهي تعبث برابطة عنقه:
"وماله لما تتحمل شقاوة الصغنن، هو في أحلى من الشقاوة بتخلي العلاقة متجددة والدنيا تحلو قوي يا موري."
رفع حاجبيه باستنكار لما قالته وهتف بدهشة:
"موري! موري مين دي يا هانم؟"
بنفس مشاغبتها وعبثها في رابطة عنقه أردفت وهي تمط شفتيها بدلال:
"هيكون مين يعني غيرك هدلع يا موري."
ضحك الجميع على مشاغبتها حتى ضحك هو الآخر ثم ردد من بين ضحكاته:
"روحي يارحمة منك له، ضيعتي سحر اللحظة بشقاوتك دي."
ظلت مشاغبتهم لبعضهم هكذا حتى قالت سكون لعمران:
"طب مش يلا نسيب العريس لعروسته ولا إيه يا أخينا انت."
ضيق نظرة عينيه وهتف برفض:
"ونسيبهم ليه لوحدهم؟ ما إحنا قاعدين معاهم أهه بنضحك ونهزر. وبعدين ده ماخدش مني وحضنها وباسها من رأسها وأني واقف، أمال لما أسيبهم وأخرج هيعمل إيه المكار دي؟"
واسترسل حديثه وهو على تصميمه بالرفض:
"ده ياكل رحمة من غير ما يسمي عليها، مش شايف بيبص لها إزاي ومش مختشي مني وأني واقف جاره، ولولا الذوق كنت ضربته بوكس فقعت له عينيه المكشوفة دي."
ضحكت سكون بصوت عالٍ بعض الشيء مما استدعى أنظار الموجودين بدهشة ومما استدعى غضب ذاك عمران الجالس بجانبها من صوت ضحكاتها، فسحبها عمران من بينهم ودخل بها غرفة جانبية وأغلق الباب خلفه ثم هدر بها:
"إنتِ إزاي تضحكي بمياعة أكده قدام رجالة غريبة؟"
لاحظت غضبه الشديد من ضحكتها الغير مقصودة ثم تحدثت بدلال وهي تمرر يدها على وجنته بحركة أثارته:
"غصب عني يا موري، حقك علي."
نزع يدها برفق من على وجنته، فهي تثيره بحركتها العفوية تلك، ثم ردد باستنكار لذاك الاسم هو الآخر:
"موري إيه دي؟ إنتِ كمان، دي دلع للعيال التوتو وميلقش بعمران أبداً."
تقدمت خطوة منه ثم ارتمت داخل أحضانه الحانية وتحدثت وهي تتمسح به باعتذار عن ضحكتها:
"طب خلاص متزعلش يا عمراني، مهضحكش في وجود حد تاني بس متكشرش أكده."
ضمها أكثر تلك العاشقة وقربها لصدره وتحدث بنبرة صادقة:
"بحبك وبغير عليك قوي يا سكون، فبالله عليكي تخلي بالك من إنك تعملي أي تصرف يستدعي غيرتي دي، علشان هقلب على الوش التاني اللي مش حابب تشوفيه أبداً."
أما في غرفة ماهر ورحمة، ذاك العروسين الملقبين بالشراسة والتمرد من كليهما على الآخر، فور أن تركتهم حبيبة وحدهم، أغلق الباب بهدوء ثم عاد إليها وهو ينظر إليها تلك النظرات التي جعلتها انـ.ـصهرت وجـ.ـسدها بدأ يشعر بسخونته من اقترابه، جذبها بحنو من يدها ولكنها تحاول إفلات يدها من يديه ولكن لم تستطع، فهو متمسك بها بشدة.
ثم داعب أنفها بأصابعه وهتف مشاغباً إياها:
"إيه مالك سحتي على روحك أكده ليه؟ عارفة عاملة زي إيه رحمتي؟"
وأكمل وهو مازال مشاغباً إياها ويغمز لها بدعابة:
"عاملة زي النوتيلا لما يخرجوها بره التلاجة بتوبقى سايحة أكده وعايزة تتاكل من جمالها. أهو إنتي بقي عايزة دلوقتي تتاكلي زي النوتيلا أكده."
ثم اقترب من وجهها وقبلها من عينيها التي أغمضتهم تلقائياً وهو يردد:
"كنت أسمعهم بيقولوا قبلة العين رغبة ودلوقتي اتأكدت إنها أكده فعلاً."
يفعل كل هذا بها وهي مستسلمة تماماً ولكن مغمضة العينين لا تقوى على فتحهما، فقد أخجلها بعـ.ـاصفة اقترابه وبكلامه الذي جعل جسـ.ـدها يثور داخلها كالحـ.ـمم البـ.ـركانية. أما هو ردد بعد أن قبل عينيها طالباً منها برغبة:
"رحمتي.."
ابتلعت ريقها بصعوبة وحمحمت بتوتر:
"اممم.."
أمسكها من ذقنها مجبراً إياها النظر في عينيه:
"فتحي عيونك عايز أشوف نظرتك اللي تجنن وانتِ دايبة بين إيديا أكده."
لم تستطع فتحهما وحركت رأسها رافضة طلبه وهي تشعر بأن قدميها لم تستطيع حملها أمامه. ثم فعل ما لم تتصوره كي يجبرها على أن تفتح عينيها، بدأ بفك سحابة فستانها من الخلف بحركة ساحرة باغتها بها مما جعلها انخلعت من حركته تلك. وبقوة جذبت يدها من يديه وابتعدت عن أحضانه وهي تتحدث بأنفاس لاهثة:
"إنت إيه اللي عملته دي ياماهر؟ إنت اتجننت؟"
لم يعر غضبها أدنى اهتماماً ولم يعجبه حركتها في الابتعاد عنه، ثم حاول جذبها من يدها مرة أخرى ولكنها دارت حول الكراسي الموجودة بالغرفة كي لا يستطيع الإمساك بها وهو يهتف لها:
"وبعدين بقى معاكي يارحمة، متحسسنيش إنك لسه عيلة صغيرة على الحركات دي وتجريني وراكي في الأوضة. هو إني عملت إيه يعني تقريباً إني جوزك دلوقتي وعادي لما أكشف عن المستخبي علشان أديكي خبرة لما هو قادم."
اتسعت مقلتاها بذهول من طريقته الوقحة في غزلها ثم شهقت باندهاش:
"ايييييه الكلام ده، انت وقح على فكرة واياك تيجي ناحيتي ولا تعمل حركاتك الوقحة دي ياماهر."
ثم استغلت تيهته وجرت ناحية الباب كي تخرج، ولكنها جذبها بسرعة إلى أحضانه ثم تحرك كتف الفستان وظهر كتفها ذو اللون الأبيض اللامع مما جعله ينظر إليه وهو يبتلع أنفاسه بصعوبة من هيئتها المهلكة. رأت اتجاه نظرة عيناه فعلى الفور رفعت أكتاف الفستان وعدلته ثم لكزته في كتفه وهي تهدر به:
"آه يا سافل..."
كادت أن تكمل إلا أنه كتم أنفاسها بيديه وهو يهتف بتحذير:
"إياكي تكملي، إنتِ حرة يارحمة، واتلمي بقى علشان يومك ده يعدي، وبعدين إحنا بالطريقة دي هنلعب مصارعة تيران مش هنتجوز."
تمتمت بهمس بعدما جذبها مرة أخرى إلى أحضانه ثم بدأ برفع سحابة فستانها برفق ويداه تتعمد لمس بشرتها حتى يجعلها تتوه بين يديه، فذاك الماهر رجل مخضرم في العشق ويعرف كيف يتعامل مع المرأة. يعرف كيف يجعلها ذائبة بين يديه، يعرف كيف يبارز شراستها بقوانين عشقه الدسم لها، ملم بجميع جدران تمردها ويستطيع هددها بمهارة وبناء جدران لقلبه داخلها بأساس يجعلها تطالب بالمزيد من عشقه لها.
"ماهر... كفاياك عاد مش متحملة حركاتك دي."
كان مستمراً في سحابة غلق سحابتها ببطء، فهو صياد ماهر يعرف كيف يلقي شباكه ويتعامل مع شبكته باحتراف، ثم همس بصوت أجش خشن وهو مازال قابضاً إياها بين يديه بقوة:
"طب بذمتك هو ماهر لسه عمل حركات علشان متتحمليش! دي إنتِ طلعتِ توتو خالص، طلعتِ ريش على مفيش يارحمتي."
مهما قال وحاول إخراج شراستها الآن فلن يستطيع، فقد شعرت بأنها تائهة في حـ.ـرب الماهر ومعـ.ـركة عشقه التي شنها عليها. لاحظ تيهتها بين همساته ولمساته وأنها هامت بين يديه فاستغل تيهتها تلك بعدما أنهى إغلاق سحابة فستانها، فرفع حجابها قليلاً وقبلها من رقبتها بوله عاشق محروم. حاولت إبعاده ولكنه مازال متشبصاً باقترابها ويود المزيد ولن تستطيع مجابهته، فهي بجانبه مسكينة لا تستطيع صد هجـ.ـماته. أما هو مازال يريد المزيد ولن يستطيع السيطرة على حاله في اقترابه، ثم استطاعت أخيراً إبعاده عنها وهي تردد:
"مش كفاياك أكده ولا إيه عاد؟ هتوصل لفين تاني؟"
أسند جبهته بجبهتها ويداه ممسكة بها من رقبتها بإحكام وهو يهمس لها بصوت مبحوح من عاطفة اقترابها الجياشة:
"ماهو إني اتحايلت عليكِ نخليه جواز وانتِ اللي أصريتي يارحمة، يبقى تتحملي."
ابتلعت ريقها بصعوبة وبررت بتوتر:
"اممم.. ماهو إني لسه مش جاهزة ولا المكان اللي هنتجوز فيه جهز، مينفعش الجواز خبط لزق أكده، لسه ناقصني حاجات كتير مجبتهاش."
باغتها بقبلة من وجنتها وهو مازال مشاغباً إياها:
"طب إيه مش هتشيلي الطرحة دي عشان نكتشف مراحل اكتمال القمر ويبقى بدر."
تلقائياً وضعت يدها على رأسها وهي تحركها برفض:
"له اوعاك تعمله."
وأكملت كي تجعله يخاف من فكاك حجابها:
"هتنصدم من اللي هتشوفه، هتلاقي شعر أكرت مجعد من الدرجة الأولى وحاجة أكده لا تسر عدو ولا حبيب."
ضيق نظرة عينيه ثم رمقها بنبرة خبيثة:
"أو يعني شعرك اللي غنى له عبدالحليم حافظ وقال له والشعر الغجري المجنون يسافر في كل الدنيا. دي باين أكده أمي دعت لي يارحمتي وهتطلعي مبهرة في كله."
اتسعت مقلتاها من ردوده الجاهزة دوماً، ثم سألته:
"هو انت طول عمرك ردودك جاهزة عاد؟ عقلك يترجم ولسانك ينطق في نفس اللحظة."
ابتسم بهدوء وأمسك كفها وطبع بداخله قبلة لثوان ثم نظر إليها وقال بنفس مشاغبته:
"مبقاش ماهر الريان دي، إنتِ بتكلمي خط المحاكم يعني سرعة البديهة والفهم السريع."
وظل على حالهما ذاك يشاغبها وهي مرة تخجل ومرة تبتسم ومرة تتجاوب معه، فحقا ذابت بين يدي ذاك الخبير العاشق وهي لا حول لها ولا قوة بين أفعاله.
***
تتلاحق الثواني ثم الدقائق لتصرخ عقارب الساعات أن الوقت يمضي والأيام مسرعة، فهل أعددت نفسك للحظة النهاية؟ ينبغي أن يخيفك مرور الأيام رتيبة، متشابهة، فاترة، لا يحركها عمل ولا تجددها توبة ولا تحييها محاسبة. ستمر الأيام لا محالة، لكن عليك أن تستغلها جيدًا قبل أن تمر.
في منزل ماجدة تجلس هي وابنتها مها في أحضان بعضهن، فحضن أمها هو أكثر الأماكن الضيقة اتساعاً، فحضن الأم هو الأمان والحنان والطمأنينة، وهو أكثر الأماكن اتساعاً. ما إن يضع الابن رأسه في حضن أمه حتى يستشعر لذة الحياة كلّها، ويرى هموم الدنيا قد تبخرت وأصبحت هباءً، فالأم في حضنها الحياة كلّها. ولهذا فإنّ مجرد رؤية الأمهات يُدخل السرور إلى القلب والروح، وتبتهج الدنيا بأكملها لأنّ في وجوه الأمهات دواءٌ لكلّ علة. وبالتحديد مها، مها كانت أحضان والدتها أحضان النجاة، أحضان الشعور بالراحة والاسترخاء لقلبها المتعب.
كانت ماجدة تشدد من احتضانها وهي تردد لها:
"فات يجي أكتر من سنة على روح غاليين ولساتك يا بتي الحزن مخيم قلبك ومفارقكيش، طفى ملامحك الجميلة وبقيتي مش انتِ."
شددت مها من احتضان والدتها وتحدثت بقلب يفيض وجـ.ـعاً:
"كان روحي وأغلى من روحي يا أمي، اتـ.ـخطفوا من حضني وسابوني عايشة من غير روح. كل لما أمسك هدومهم وأشم ريحتهم فيها بتجنن، بيبقى هاين علي أروح القبر بتاعهم أفتحه وأكفن نفسي وأنام جارهم وأحطهم على قلبي وأمـ.ـوت معاهم. بس إني جبانة يا أمي، خوافة، مش هاين علي أعمل في روحي أكده علشان إني ضعيفة وما زالت نفسي أهم عندي من ضنايا اللي مـ.ـاتوا بسبب إهمالي فيهم."
أخرجتها ماجدة من أحضانها وهي تحتضن وجنتيها بشدة وتهزها بعـ.ـنف وهي تنهرها:
"وه إنتِ حاسبة حالك أكده ضعيفة علشان مش عايزة تموتي نفسك يا بتي! فوقي يا بتي ولادك فوق عند اللي خالقهم في الجنة ونعيمها متهنين هنا، عمرهم ما كانش هيعيشوا منه هفوة في الدنيا وناسها الغدارة."
نظرت بعيونها المغشية بالدموع إلى والدتها ورددت بقلة حيلة:
"طب كان ربنا يسيبهم لي أفرح بيهم ومعاهم شوية كمان، كان يطول في عمرهم شوية كمان ملحقتش أشبع منهم."
نهرتها والدتها ولكن دون عنـ.ـف:
"وه هتقنطي يا بتي وتعترضي على أمر الله! هو الإنسان مننا عارف عمره كد إيه؟ الإنسان مننا ما يعرفش اللي هيوحصل له كمان دقيقة واحدة، استغفري ربك ربنا اداكي أمانة وحب يسترد أمانته وربنا الحق والأحق بعباده يقدر لهم عمرهم كيف ما يريد واحنا علينا ما نقول غير اللهم لك الحمد."
هزت رأسها للأمام وهي مقتنعة بكلام والدتها ولكن لا تستطيع السيطرة عن ذاك الشعور بالتقصير وأنها السبب في إنـ.ـهاء حياتهم بسبب تركهم لها، ثم هتفت بقلب متعب وجار الزمان عليه:
"غصب عني يا ناس، غصب عني مش قادرة أنساهم ولا أشيلهم من بالي وقلبي."
وضعت كفي يديها على كف يدها الموضوعة فوق فخذها ثم ربتت عليها بحنو وأردفت قائلة:
"كل لما تفتكريهم متدمعيش يا بتي لاااا ابتسمي إنهم بين إيدين اللي أحن عليهم مني ومنك بيتهنوا. ابتسمي إنهم هياخدوا بيدك للجنة."
"الجنة!" كلمة نطقتها رحمة بنبرة ذهولية وهي تستبعد أن تكون من سكانها. وعقبت والدتها على ذهولها:
"آه الجنة يا مها يا بتي. هييجوا يوم القيامة ويسحبوكي معاهم وهما بيبتسموا وهيحضنوكي وهيشفعوا لك عند ربنا. ما انتِ كمان يا بتي مكنتيش أي أم والسلام، كنتِ شمعة بتحـ.ـترق كل يوم علشان قايدة صوابعك العشرة ليهم، كنتِ أم عظيمة ربت ولدين كيف الملايكة علشان أكده ربنا اصطفاهم وأخدهم عنده، اللي زيهم لازم يبقوا عرايس الجنة من أدبهم وهما لسه صغار."
ابتسم سنها لأول مرة وهي تتخيل زين وزيدان بملابس بيضاء ووجوههم منيرة في الجنة ويتنعمون بها، ويشربون من عسلها المصفى ومن لبنها الذي لم يتغير طعمه ومن خمرها الذي هو لذة للشاربين وغير ذلك فالجنة فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. كل تلك التخيلات جعلتها أخيراً ابتسمت وجبر نبض وجعها أخيراً، فأبناؤها الآن مكرمون منعمون بين أيادي الله.
رأت والدتها ابتسامتها تلك فخفق قلبها بسعادة لابنة قلبها وعمرها أخيراً ابتسمت ورأت وجهها المستنير بالسعادة وأدمعت عيناها في تلك اللحظة وجذبتها في أحضانها ثانية وهي تشدد عليها لتقول بدعاء:
"أيوة أكده اضحكي يا بتي خلي الدنيا تنور وخلي قلبك يزرع حب للدنيا من جديد."
ثم أخرجتها من أحضانها وهي تعرض عليها:
"شوفي يا بتي عايزاكي تهتمي بحالك كيف زمان، عايزة أشوفك شمعة منورة ضيها يزغلل العين، عايزة أخرجك من حبستك دي ودوامة الاختـ.ـناق اللي لفاها حوالين رقبتك. إيه رأيك كمان تخرجي من الحبسـ.ـة دي وتشتغلي."
خرجت من أحضانها ودققت بالنظر داخل عينيها بترقب شديد لباقي كلماتها ونطقت باستفسار:
"أشتغل! أشتغل إيه يا ماما؟"
وضعت كفي يديها الحنونتان وحاوطت بهما وجنتَي تلك الرائعة وأجابتها بحب صادق ظهر بينا داخل عينيها وهي تسرد عليها ما قاله عمران:
"شوفي عمران جوز أختك بيقول إن ابن عمه محامي محترم قوي وميتخيرش عنه في الأخلاق وعنده مكتب ومحتاج سكرتيرة تقابل العملاء عنده وتكون بردو محترمة وبت ناس وقال لي إني أعرض عليكي الموضوع ده من أسبوع أكده بس إني كل لما أشوفك ألقاكي مطفية أكده وخايفة أكلمك. أهو تخرجي للدنيا اللي عمرك ما خرجتيها من وانتِ بنته وتشوفي ناس جديدة وتغيري من نفسيتك أكده زي خواتك البنات."
أخذت نفساً عميقاً ثم زفرته بهدوء وتابعت باستفسار لما عرضته عليه والدتها:
"أشتغل سكرتيرة كيف وأني عمري ما اشتغلت ولا أعرف حاجة عن الشغل ولا أعرف الروتين بتاعه."
شجعتها والدتها:
"الإنسان بيتعلم كل حاجة وبعدين انتِ معاكي معهد فني تجاري والشغلانة دي مش متعبه ولا محتاجة لف ودوران وكمان البنت اللي هناك هتدربك على الشغل قبل ما تمشي."
سألتها مها:
"طب والبنت هتمشي وتسيب الشغل ليه؟"
أجابتها:
"هتتجوز يا حبيبتي تقريباً عمران قال لي أكده في وسط الكلام."
ضيقت نظرة عينيها ثم رمقتها بنبرة مترددة:
"طب هفكر أكده يا أمي وأحسبها مع نفسي، الموضوع جديد علي وعمري ما فكرت أخرج أشتغل قبل أكده."
شجعتها والدتها بنبرة شغوفة:
"تفكرى في إيه عاد! دي فرصة متتعوضش ومهتلاقيش زيها تاني، هتشتغلي عند حد نعرفه ولد ناس محترم وهتخرجي كل يوم الصبح وتشوفي ناس جديدة ويومك كله هيبقى ما بين الشغل والبيت فمش هتلحقي إنك تفكري في اللي حصل لك، دي أفضل حل ليك يا بتي."
لمعت عينيها بشغف من كلام والدتها وتشجيعها لها ثم رددت بتردد:
"اممم.. يعني انتِ شايفة أكده يا ماما؟"
"إيييه، أمال إيه عاد!"
جملة تأكيدية نطقتها ماجدة بتشجيع وأكملت وهي تشدها من يدها:
"يالا قومي نشتري لك كام طقم أكده علشان تروحي شغلك بهدوم جديدة تليق بيكي يا صبية."
"اقعدي بس يا أمي هو إني لسه قررت عاد هروح ولا له؟"
"له هتروحي ويالا قومي معايا، ما هفوتكيش إلا واحنا جايبين كذا طقم وكذا شنطة وجزم وطرح ونضارات وحاجات زينة أكده تلبسيها وتتزيني بيها وانتِ رايحة الشغل."
مطت شفتيها باعتراض وقالت:
"يا أمي إني عندي هدوم كتيرة ونضارات ماركات وشنط وجزم ملهاش عدد، همشي حالي بيهم."
تحدثت ماجدة باعتراض صارم:
"ولو عندك إيه بالذي لازم تجيبي لك كام طقم جديد تروحي بيهم الشغل الجديد."
وظلت تشدها من يدها، وبالفعل ارتدت كليهما ملابس الخروج وخرجتا إلى المحلات وبدأن في التسوق في جو مملوء بالسعادة التي تسللت أخيراً إلى قلب مها بعد عمر بأكمله. وهاتفت ماجدة عمران وأبلغته بموافقة مها على العمل عند جاسر ابن عمه، وما كان منه إلا أنه أبلغ جاسر وأعطاه رقم الهاتف الخاص بها وفهمه بظروف مها بأكملها وحزن بشدة لأجلها وفهمه مدى رقتها وأهميتها بالنسبة له وحذره أن يحزنها أو يعتلي صوته عليها يوماً ما، ولكن وعده جاسر أن يعاملها برفق. وبعد أن أنهى المكالمة معه دون هاتفها معه، وذهب إلى الواتساب كي يحادثها ولكن اتسعت حدقتاه وهو يرى صورتها الموضوعة على حالتها ولسان حاله يردد بذهول من جمالها في الصورة:
"أوبا إيه الجمدان دي؟ هي معقولة دي اللي اتجوزت وخلفت اتنين وعيالها مـ.ـاتوا، دي كتلة أنوثة متفـ.ـجرة قدامي في الصورة."
رواية من نبض الوجع عشت غرامي الفصل الرابع والثلاثون 34 - بقلم فاطيما يوسف
ملامح الدهشة التي ترتسم على محياها آخذة تفاصيل وجهها نحو الذهول، وهي تفتح عينيها على آخرهما، فاغرة فمها في دهشة من كلمات ذاك الغاضب. من أين وكيف علم؟
ثم فاقت سريعاً وهي ترد عليه باستنكار لما قال:
ــ انت مين أصلاً عشان تحكم وتتحكم فيا! وانت مالك أصلاً بحوار المعيد. أوافق أرفض دي حاجة تخصني.
استنكر كلماتها بشدة ليقول بنبرة تحوي من الشقاوة ما يجعلها تريد أن تضحك ولكنها كتمت ضحكاتها:
ــ أنا العبد لله اللي وقف على المسمار تناه يامزة وبعون الله المعيد اللي مفكر نفسه الجان اللي مفيش منه، أنا اللي هتنيه وهطيره وهمرجحه لو فكر يقرب منك. يعني من الآخر هنفخه لو فكر يقرب من كوكب البطابيط حقي.
كان قلبها يدق داخلها بمشاعر متخبطة ما بين الخجل وما بين كتمانها لضحكاتها على كلماته وطريقته، فحقاً مختلفاً تمام الاختلاف عن أي شاب تقدم لخطبتها. ولكنها بررت تخبطها له دون أي خجل:
ــ طب أنت واحد ليك بلاوي متلتلة مع بنات قبل سابق يعني بمعنى أصح ليك ماضي، أما الدكتور اللي عايز يخطبني أكيد ما كانش له في الكلام دي لأنه باين عليه أكده.
حك أسفل ذقنه وهو ينظر لها نظرة مشمئزة حينما أتت بسيرة ذاك المعيد ليقول بنفس نبرة الدعابة ولكن مغلفة بالدفاع عن نفسه:
ــ بلاش تخبطي على باب الماضي عشان اللي بيخبط على باب الماضي بيضيع مستقبله. وبعدين إيش عرفك إن الدكتور عريس الغفلة بتاعك ما لوش ماضي وما عرفش بنات قبلك؟ ولا عشان الواحد قلبه طيب ونيته صافية وفي حاجة لله واعترف بكل حاجة واندلق زي الجردل قدامك وبقى كتاب مفتوح تقومي قايلة الكلمتين دول. اهو أنتم كده يا صنف حوا ملكوش إلا اللي يحور عليكم ويترسم على الفاضي وهو من برة هالله هالله ومن جوة يعلم الله.
رفعت شفتيها الأعلى باستنكار لثرثرته:
ــ إيه هو أنت بلي راديو؟ إيه الكلام دي كله! ممكن أعرف أنت جاي لي أصلاً دلوك.
أجابها ببرود:
آجي زي ما أنا عايز وبراحتي وعلى مزاجي يا بطة يا بطة.
نظرت له بعينيها ينبع منها الغيظ ثم ربعت ساعديها أمام صدرها وهي تحاول استفزازه:
بأمارة إيه إن شاء الله مزاجك دي.
أكد لها بثقة دون أن يهتز:
ــ بأمارة إنك تخصيني.
هزت رأسها باندهاش لكلمته فأكمل بتشبث:
ــ اه ما تهزليش راسك تخصيني وشايف إن اللي يخصني ما ينفعش أي حد يجي جنبه. إن كان عاجبك يا بنت الناس فأهلا وسهلا، أما لو مش عاجبك فتعودي بقى إنه يعجبك اجباري عشان أنا مش ناوي أمشي.
زفرت أنفاسها بحنق من طريقة التملك التي يتحدث بها:
ــ اه اعمل لي فيها شجيع السيما بقى.
غمز لها بشقاوة:
ــ لا عامل فيها بحبك.
تفاجئت من كلمته ونظرة عينيه لها بوله حين قالها لتسأله بنبرة خافتة يكسوها الخجل:
ــ إيه، قلت إيه؟
ألقى على مسامعها اعترافه مرة أخرى وهو يقترب منها بخطوات بسيطة مع حفظ مسافات الاقتراب:
ــ قلت بحبك يا بطتي يا حتة من كلوتي.
لوت شفتيها بامتعاض من طريقة اعترافه لتردد باستنكار:
ــ إيه الطريقة البلدي دي اللي هتعترف فيها بالحب؟ حتى دي كمان مفيش اختلاف فيها.
أشاح بيده في الهواء وهتف بتعابير وجه غير مبالية لما قالت وهو يتفاخر باعترافه:
ــ دي طريقتي مختلفة تماماً عن كل الطرق. أنا عارف نفسي ولعلمك بقى الطريقة دي ماشية مع البنات قوي اليومين دول، ولا أنتِ مش من البنات يا بطة.
دبت قدمها في الأرض من استفزازه لها:
ــ تك بطة لما تتبط عليك. أنا اسمي فاطمة، وبعدين إيه حوار إني مش من البنات دي. أنت عايزني أبقى زيي البنات المنحلين اللي كنت تعرفهم.
استفزها أكثر من ذي قبل:
ــ اسكتي يا خايبة يا اللي مش عارفة تعاملي صنف الرجالة ازاي. دول كانوا مزز مزز مزز ومن أول ما أغمز لهم بس في ثانية الاقيهم بقوا زي الحلاوة في العجينة معايا. أكلم لك واحدة فيهم تديكي درس في كيفية معاملة الأشرف.
لم تستطع الامساك عن قذفه بحقيبتها لطريقته ولكلامه ثم استفزته هي الأخرى:
ــ طب إيه رأيك يا بارد عشان طريقة كلامك دي إني مش موافقة عليك وهوافق على المعيد بتاعي وشوف لك بقى واحدة من المزز اللي انت كلمتهم يا بتاع البنات يا صايع ها.
عض على شفتيه السفلى ذكرت سيره ذاك الرجل ليقترب منها ويحذرها بنظرات عينيه والغضب ملأه:
ــ معيد مين يابت اللي هتوافقي عليه. الله الوكيل ده أنا أخـ.ـرطه لك وأعبيهلك في شكاير. ثم أكمل تحذيره بشدة:
ــ وعهد الله يا فاطمة إن جبتي سيرة الواد ده تاني ما هيحصل طيب. انظبطي يا بت أنا بغير وأنا في غيرتي أطرش وأعمي وأصم كمان. وخلينا نخلص من أم الحوار ده. آجي أقرأ الفاتحة امتى يابنت الناس؟
توترت بشدة من استفساره:
ــ ما هو أنا لسه ما أخدتش قرار ولا عارفة أفكر وأنت مش مديني فرصة.
ــ فرصة مين اللي أنت لسه ما أخدتيهاش يا ماما. أنا سايبك بقى لي خمس شهور وأنتِ عارفة إن أنا مصمم عليكي وماشي وأنا قايل لك إني عايز أتقدم لك. فحوار الفرصة ده خلص خلاص. ما عنديش فرص دلوقتي. انسي.
ــ يعني إيه انسي دي؟ هو أنت بتتحكم فيا بمناسبتي إن شاء الله؟
ــ بمناسبتي جوزك يا طمطمتي.
خجلت من كلمته الأخيرة لتأتي فريدة وفارس الذي ردد بدعابة:
ــ ما خلاص بقى يا طمطم ما تحني على الواد الغلبان. بقى له خمس شهور بيتحايل عليك وبيتذلل لك. كفاية بقى.
لكزه أشرف في كتفيه وهو لم يعجبه كلماته لنطق محذراً إياه:
ــ ما تقولهاش يا طمطم دي تاني. أنا بس اللي أدلعها أقول لها يا باشمهندسة فاطمة.
استنكر فارس ما قال:
ــ نعم ياروح أمك. لا مؤاخذة يا مرات خالي. ثم نظر إلى فاطمة قائلاً بمشاكسة كي يرى رد فعل أشرف الفكاهي على كلماته:
ــ بقول لك إيه يا طمطم. الواد ده تشيليه من دماغك وخليكي في المعيد طالما لسانه طويل كده. أنا وهو ما ينفعش نبقى عدايل أبداً.
تراجع أشرف سريعاً وهو يعتذر لفارس مما جعلهم ضحكوا جميعاً:
ــ جرى إيه يا عم فارس ما تبقاش قفوش كده. أنا بهزر. وبعدين يا عم ده أنت تقول لها طمطم وطماطم دي أختك الصغيرة يا جدع. أنت بتقول إيه وهتبقى مرات أخوك الصغير كمان.
انخرطوا جميعاً في الضحك من طريقته وكلامه. وبعد محاولات ومحاورات كثيرة أدلت فاطمة بموافقتها فهي لم تبتسم وتضحك وتشعر بالسعادة الشديدة تلك إلا في وجوده، وحقاً من يدخل البهجة والسرور على قلوبنا نتمسك به بشدة:
ــ خلاص موافقة وتقدر تيجي تتقدم لبابا.
لم يصدق حاله وما استمع إليه حتى وضع سبابته على جبهته وهو يتراقص حولهم وهو يتغنى بسعادة:
ــ يا ولاد بلدنا يوم الخميس هكتب كتابي وابقى عريس. وهتبقى عامة وهنبقى لمة وهيبقى لينا في البيت ونيس. يا يا ولاد بلدنا.
حقاً الضحكات لم تسعهم من رقصه وطريقته في التعبير عن فرحته. وأخيراً استطاع أشرف إقناع فاطمة به وهاتف فارس أباها واتفق على أن يأتي هو وأبيه وأمه يوم الخميس لقراءة الفاتحة وينضم إلينا فرحة جديدة تكمل ملحمتنا الجميلة أشرف وفاطمة.
ــ ولا الضالين & آمين.
تم قراءة فاتحة أشرف وفاطمة والبهجة والسعادة تملأ قلوبهم جميعاً. وقد اتفقا على أن تظل فترة الخطوبة ثلاث سنوات لحين انتهاء فاطمة من دراستها وهذا شرط تشبث به أبوها بشدة. فمهما حاول أشرف وأبيه لإتمام زواجهم على الأقل بعد سنة ووعدوه بأنهم سيقفوا بجانبها ويدعموها لحين الانتهاء من دراستها إلا أنه كان متشبثاً بشدة لرأيه. كانت الأغاني تصدح في أرجاء المكان وأشرف يتراقص على أنغامها بشقاوة وسعادة. والآن أتى موعد تتويج فرحته بأن يطوق يدي كل منهما الآخر بخاتم الخطبة.
طلب منها أشرف أن تمد يدها له كي يطوق يديها ولكنها كانت خجلة بشدة وهي تشعر أن جميع العيون منصبة عليها لتقول له بهمس خافت:
ــ ناولني الدبلة وأني هلبسها لحالي. مينفعش تلمس يدي.
اندهش أشرف بشدة وعلامات السخط والاعتراض لكلام تلك الفاطمة على وجهه تحكي ألف حكوى:
ــ مين ده يا ميس أيجيبت اللي مش هيلبس خطيبته الدبلة! أنتِ عارفة إن دي هتبقى عيبة كبيرة قووي قدام حبة العيال أصحابي اللي واقفين هناك دوول. ده إنتِ بتسلميني ليهم يتريقوا عليا سنة بحالها تسليم أهالي. ثم لاحظ تشبيهاً وهو يصمم عليها:
ــ مدي ايدك يا بطة وعدي يومك ده ومتشمتيش الحمير دول في أشروفك حبيبك.
حركت رأسها برفض قاطع وهي تجاهد في رسم الابتسامة كي لا تلحظهم تلك الأعين المنصبة عليهم:
ــ ما يتريقوا ولا يعيبوا ولا إن شاء الله يطلعوك على الفضائيات يا أشـ.ـف. مش هغضب ربنا عشان الحمير اللي هتتحدث عنيهم دول.
حاول هو الآخر رسم الابتسامة لينطق باستنكار:
ــ أشـ.ـف إيه ده! أنا اسمي أشرف يا أم لسانين. وبعدين اتعلمي تحترمي جوزك أبو عيالك يا أما هدبـ.ـحلك القطة من أولها يا بطة وأمشيكي على العجين متلخبطوش.
ــ طول ما أنت بتقول لي يا بطة هقول لك يا أشـ.ـف. وبعدين تمشي مين على العجين يا شبح. فوق يا سطا. إني الباش مهندسة فاطمة اللي بتسطر المعوج وبتظبط زوايا الدماغ المضروبة وبتبني العلاقات صح ومش هبتديها بغضب لربنا. ولو مش عاجبك إني مجنونة وهفض الموال دي وبردوا مش همد لك يدي ولا هتلمس الهوا مني طول خطوبتنا.
ردد بحزن مصطنع:
ــ يا فضيحتك يا أشرف وسط المعاتيه دول بسبب الشيخة فاطمة. مدي ايدك ياللي منك لله يا مفترية يا قوية. ثم فقد الأمل في محايلتها وهي يبدو عليها الشراسة ثم ناولها الخاتم وهو يتمتم بغيظ:
ــ خدي يا أختي لبسي الخاتم لنفسك. وهو يعني هنلمس إيد السفيرة عزيزة. والله انتي عيلة نحس وملكيش في الرومانسية ولا الحاجات الرايقة بتاعت لحظات الخطوبة دي. منك لله كسـ.ـرتي فرحتي يا بطة يا بطة.
أخذت منه الخاتم وألبسته لحالها ونظرت إلى جماله في يدها الذي ينظر لها ذاك الأشرف باشتياق لأن يمسها:
ــ سبت لك انت الحاجات الرايقة دي يا أشـ.ـف. إني واحدة ماشية بستر ربنا ورضاه. قوم بقي أبدأ أقدم تنازلات في حاجات في ديني عشان خاطرك يا أشـ.ـف يا أشـ.ـف دي بعدك إنك بس طرفك يلمس طرفي.
كان بداخله سعيداً للغاية لتمسكها بدينها وأخلاقها بتلك الدرجة. وحقاً تيقن الآن برضا ربه عليه في أن تلك الأبية العزيزة ستكون من نصيبه وسينتظرها مهما طال الزمن. ناولته هي الأخرى دبلته ثم ارتداها وهو ينظر بأعين ونصف إلى أصدقائه ولمح نظرة الشماتة في عينيهم. فلوى فمه بامتعاض فهم بالتأكيد سيحفلون عليه. ثم نفضهم عن باله وعاد إلى فاطمته وهو ينظر لها بعشق مباركاً لها:
ــ مبروك يا بطتي، مبروووك عليا إنتي، مبرووك عليا أجمل وأرق وأنضف بنوتة قابلتها في حياتي.
ألقت رأسها أرضاً بخجل وهي تردد مباركته:
ــ الله يبارك فيك يا أشرف.
ــ الله يبارك فيك يا إيه! قولي لي يا حبيبي، يا روحي. بصي بدعي يا طمطم مش هيبقي ولا لمسات ولا همسات كمان. أنا كده هطق.
ــ لما آخد عليك هتلاقي لساني نطقها لوحده من غير أي رجا منك.
ــ طب وده هيحصل امتى يا بطتي عشان أنا مشتاق وهيمان.
ــ بطل بقى الناس والعيون حوالينا في كل مكان. أنت مببتكسفش! إني هتكسف يا أشرف.
ــ هما معندهمش دم بقي. المفروض نقعد أنا وياكي لوحدنا شوية عشان أعرف أستفرد بيكي وأجننك وتجننيني.
ــ ها أو أو أو، تستفرد بمين يا سطا! والله أنت متعرفنيش ولا تعرف يعني إيه فاطمة!
غمز لها بشقاوة وهو ينفض عن باله طريقتها مستغلاً آخر كلماتها وهو ينظر إليها نظرة عابسة أزعجتها:
ــ أهو أنا بقي عايز أعرف مين فاطمة وعايز أكتشف كل حاجة عن فاطمة وتفاصيلها الجاحدة دي.
رفعت حاجبها باستنكار وهي تهدده بنبرة صريحة:
ــ وإن شاء الله وأنت هتكشف التفاصيل الجاحدة دي. هخـ.ـزق لك عينيك وهخليك متعرفش تشوف ولا تعرف. وأبقى كسبت ثواب فيك في نقطة غض البصر دي اللي شكلك متعرفش عنها حاجة واصل.
ــ وأهون عليك يا بطل تخليني أعمى ومشوفش التفاصيل ولا تطوراتها؟
ــ اظبط ياض معايا في الكلام. حب باحترام يا روح طنط وبلاش العوج دي. وياي بيجزع لي نفسي. ولما أبقى مراتك وفي بيتك ابقي قول واعمل اللي على كيفك.
ــ ما أنتِ اللي منك لله اشترطي على أبوكي نتخطب تلت سنين بحالهم. بقي أنا هقعد تلت سنين أحب من بعيد لبعيد وأبقى مؤدب وأتنازل عن الهمس واللمس والآهات والنظرات. كده ظلم يا فاطمة.
ــ فاطمة مين ياللي منك لله أنت! إني هقوم دلوك وأفض الموال دي وخد دبلتك واتكل على الله. ما عندناش بنات للجواز.
برق عينيه لينطق بتحذير قاتـ.ـل:
ــ إيه؟ هو سكتنا له دخل ب… ولا إيه يابت. ما عنديش سيبان ولا في المستقبل طلاق. إحنا الست عندنا ليها دخلة وخارجة واحدة.
ربعت يدها أمام صدرها لتهتف باستفسار مغلف بالقوة الواهية:
ــ اللي هما بقي إيه إن شاء الله يا أشـ.ـف؟
غمز لها ليقول بمشاكسة حينما رأى نظرات عينيها المناظرة لها:
ــ ليها دخلة في قلبي وخارجة من قلبي لحضني وترجع في الآخر لقلبي وبعدين لحضني وبعدين بقي. ثم فصل كلماته وهو يمتنع عن تكملتها وما زال غامزاً لها:
ــ ولا أقولك سيبي بعدين لبعدين أصل تطخيني ببندقية العمدة حداكم.
استحسنت فصل كلماته الوقحة فبالطبع سيتحدث وقاحة:
ــ جدع اثبت على أكده وخاف على نفسك يابن الناس وخليك مؤدب. عشان طول ما أنت مؤدب وايدك في جيبك طول ما إني هعاملك بلسم. مديت يدك هعلم عليك. وما يصحش بردو الست منا تعلم على راجلها.
كان الجمع قد انفض من حولهم ليتركوهم وحدهم منذ أن تبادلوا خواتمهم. وعندما استمعت أذناه إلى كلمتها الأخيرة حتى اقترب قليلاً وهو يسألها ببلهاء:
ــ إيه ده يعني أنتِ اعتبرتيني راجلك يا بطة.
أجابته ببسمة خجولة:
ــ طبعاً راجلي وخطيبي وكل حاجة حلوة.
صفق على يده بسعادة لكلمتها:
ــ أوبا الحلاوة واللسان الحلو والطبطبة حضرت يابشرية. على النعمة أنت بطل يا مس أيجيبت وهتتقطعي ياسوسو.
ضحكت على كلمته الأخيرة:
ــ يوه لسه تلت سنين ياحبيب سوسو.
ــ يخربيت جمال أم شفايفك اللي نطقت حبيب إنتي يابت جننتيني وربنا أكاد من فرط اللهفة أذوب يا بطتي.
وظلا كلاهما يشاغب الآخر والوقت بينهم يمر سريعاً. وهكذا بوصلة السعادة تمر كالهواء ولكن أثرها ولذتها يظل مطبوعاً في النفوس.
في منزل آدم ومكة فاليوم عيد ميلاد أنس ذاك الطفل الصغير الذي ملأ حياتهم سعادة وبهجة. فقد قام أبيه بعمل حفلة كبيرة عزم فيها أصدقائهم المقربين وشقيقته هند وأبناء خالاته وأبناء عمه. ارتدت مكة ملابسها وعدلت من هيئة نقابها ولكن من تسرعها لم تضبطه كما التمام فهي كانت مشغولة مع طفلها في أن يظهر بأبهى صورة فهي تهتم به بشدة. حتى سبقته تجاه الباب وهي تحمل طفلها:
ــ يالا يا أدم إحنا جاهزين أنا وأنوسة عشان الضيوف على وصول.
كان قد رأى ملامحها المنعكسة في مرآة الباب فاقترب منها أدم ليزمجر بحدة عندما دقق النظر في وجهها كي يتفحص هيئتها:
ــ خدي يا بابا ارجعي. هي الحلوة مش واخدة بالها من عيونها المرسومة بالكحل. وبعدين إيه اللون الفاتح اللي أنتِ لابساه ده ملفت للنظر جداً. إنتي ليه مورتنيش اللبس اللي أنتِ هتلبسيه قبل ما تفكري تلبسيه.
نظرت لهيئتها في المرآة وجدت أن اللبس فضفاض وخمارها يداري صدرها وحقاً عينيها جذابة فهتفت باعتراض:
ــ مالو اللون ده. مينت جرين وأني هحب اللون دي قوووي ولبسي فضفاض أهو وخماري طويل. وإذا كان على عينيا فمحدش هيبص لي ويتنح لي عشان لون عيني بس.
لم يعجبها اقتناعها باللون بتاتاً ونطق مبدياً اعتراضه بطريقة راقية مهذبة:
ــ معلش يا أم أنس. أنا اللون مش بالعة وحاسس إنه لافت النظر ليكي أووي وبصراحة أكتر الحفلة فيها ولاد عمي ودول عينيهم زايغة أووي فمش حابب إن حد يشوفك بالشكل المغري ده حتى لو كان محتشم فالألوان الفاتحة دي مش حابب إنك تخرجي بيها تاني.
تحاورت معه بنفس طريقته المهذبة:
ــ أني أه منتقبة ولبسي فضفاض لكن مش من النوع اللي بيرفض الألوان. وأنت عارف إن إني بلبس كل الألوان طالما لا تشف ولا تصف زي ما سيدنا النبي عليه الصلاة والسلام أمرنا.
تبسم بحنو وهو يحاوط كتفيها بكفاي يديه ليعلنها صريحة أمام عينيها التي جذبتها له في أول لقاء:
ــ طيب انتي مش عارفة إن أول ما اتشديت ليكي وحبيتك كان من عنيكي. كان فيهم سحر وقوة غريب سحبوني بطريقة لا توصف. ومن وقتها وأنا بقيت أتخيل شكلك من لون عنيكي. وأنا بصراحة أكتر من وقت ما ابتديت أقرب من ربنا والتزمت بقيت بغير عليكي أكتر. فمش حابب إن حد يشوف عينك ولا يحدد لونهم. هما بتوعي لوحدي ومن حقي. ثم أدارها حول نفسها حينما تمسك بكف يديها وأكمل رفضه بطريقة راقية كي لا يشعرها بالتملك أو فرض سيطرته وهيمنته عليها:
ــ أما بقي الدريس ده ملفت قووي ومبين إنك أنيقة وجميلة ولونه فاتح. يا موكتي بلاش الألوان المبهجة قووي دي خليها في بيتنا أحسن.
كان الطفل يلهو ويتحرك ببطء حولهم فهو قد بدأ يتعلم المشي أخيراً وهو يتمسك بجلباب أمه منادياً عليها بتهتهة:
ــ ماماماما، شيل نوس.
وظل يردد الكلمة حتى حمله أبيه مشاكسًا إياه:
ــ يعني واخد بالك من ماما ومش واخد بالك من بابا يا أنوس. ولا أنت بقي هتطلع بن مامي وبابي في الهامش. وأكمل وهو ما يزال ينظر إلى هيئتها الجميلة حقاً:
ــ ولا أنت بقي واخد بالك من جمالها وأناقتها وغيران عليها زي بابي وعايزها تغير اللبس عشان منتأخرش على الناس؟
مطت شفتيها للأمام بدلال مصطنع وقد رفعت نقابها على رأسها وهي تهتف بقلة حيلة:
ــ بس هو عاجبني يا دومي. ومتحاولش تخليني أضعف أو تأثر عليا بكلامك ونظراتك. ويالا بقي عشان منتأخرش على الناس.
لم يسمع كلامها وأخذ طفله وذهب به ناحية التخت وأجلسه عليه كي يضبط له رباط عنقه الخاص بالأطفال ورباط حذائه كي يكون في أبهى صورته وهو يردد بتصميم:
ــ عندي استعداد أقعد لك هنا لحد الصبح وأمشي المعازيم ونحتفل لوحدنا. ولا ابن خالي ولا ابن عمي. اهو أحسن بردو.
دبت قدمها أرضاً من تحكمه:
ــ يوووه حرام عليك. لسه هقلع وألبس وأختار من جديد.
ــ اهو إنتي اللي تضيعي الوقت يا روحي. أه اقلعي والبسي براحتك خالص أهم حاجة أبقي مرتاح.
ــ حرام عليك يا آدم بجد تفرهدني جداً.
ــ رضا جوزك من رضا ربك يا أم أنس. والفرهدة دي هتاخدي عليها ثواب عظيم. هو أنا اللي هقول لك يا موكتي ولا إيه. علمناهم التدين سبقونا على الأبواب.
وافقت طلبه على مضض لتنزع حجابها ونقابها وخلعت ذاك الفستان. فوضع الطفل على التخت وبيده لعبته ثم التقط الفستان على الفور ووضعه ضمن قائمة الفساتين المحظور عنها ارتدائها فهو تزداد غيرته كل يوم عن ما قبله. وهي تنظر لفعلته بشفاه ممطوطة وحسرة على ذاك الفستان فهي أحبته بشدة. ثم وقف خلفها محتضناً إياها من خصرها بتملك ليهمس بجانب أذنها بنبرة ذبذبتها:
ــ هنقي معاكي هتلبسي إيه يا بابا. خدي رأيي وذوقي هيعجبك قووي.
حاولت الإفلات من يده:
ــ طب ابعد بس. الولد قاعد عيب لما تقرب بالشكل دي قدامه.
ــ بس بقي الولد صغير يا بابا ومش فاهم حاجة خالص. تصدقي الوضع كده مريح وخلاني أشتاق.
ــ يختييي يابني الناس بدأت تيجي تحت. بطل بقي حوارتك اللي مهتنتهيش داي عاد.
ــ مالها حواراتي ده. إنتي بتدوبي فيها وبتبقي ملهوفة كمان ولا هتنكري يا حبيبي.
تململت بين يديه وهي تشعر بسخونة وجهها خجلاً من همساته ولمساته. وهي تنظر إلى الطفل ووجدته يلهو في لعبته المفضلة:
ــ طب وهو ينفع الدوبان والسيحان دي دلوك. ابعد يا بابا وبعدين نشوف الحوار دي بعد حفلة أنوس اللي انت عايز تبوظها.
ــ حلو قووي مش هبعد إلا لما أخد عهد ووعد. ده من ساعة أنوس ده ما جه الدنيا وأنا وإنتي مبنعرفش نتلم على بعض يا هرابة.
ــ الله ماهو أنوس بيعيط علطول وأنت بتشوف بنفسك. هو قد إيه ساحلني معاه.
ــ بس بقي يا بكاشة. ده غلبان وطيوب طالع لبباه. وكمان بقول لك سيبيه مع المربية شوية وأنتي بترفض وبتتحججي عشان تهربي مني.
اتسعت عينيها وهي تصطنع البراءة:
ــ مين دي. أنا! أنت ظالمني وواخد عني فكرة وحشة خالص يا دومي.
داعب أرنبة أنفها ليهتف بنبرة عابثة:
ــ ما بلاش دومي دي وتمدي لي شفايفك الحلوين دول بريحتك الرائعة دي في ساعة كلها مسؤوليات يا بابا. ويا أما أخد عهد ووعد دلوقتى يا أما هنفضل كده. معنديش مانع خالص.
ــ أنت استغلالي على فكرة ومعندكش إحساس بحقوق ابنك عليك وبتفكر في مزاجك أكتر منه.
ــ أنا! ده من ساعة الباشا ده ما شرف الدنيا وهو اللي واخد حقي وقلبي وعقلي وراحتي وهنايا فيكي ومعاكي. وأنا مصمم يا العهد يا بلاش. حاجة غيره متزحنحاش.
ــ طيب يا آدم هعمل إيه لو عيط كالمعتاد ولا صوت وعايزني أنت عارف هو قد إيه متعلق بيا؟
ــ نسيبه لنسمة المربية بتاعته ويبات معاها كمان.
ــ نعم! يبات بعيد عن حضني مش هيحصل أبداً طول ما أنا عايشة. أنت بتحلم يا بابا.
ــ ليه هو كان امتلك حضنك وأنا أروح أكل بطاطس محمرة ولا إيه! وطالما بحلم بقى يبقي أحقق الحلم دلوقتي.
لم تفهم معنى كلماته إلا حينما وجدته ينظر إلى الصغير وجده قد غفى مكانه فابتسم بمكر وانتصار وهو يحملها تجاه التخت مردداً بعبث:
طب حلو أنوس نام أهو ومعنديش مشكلة خالص أخلص منك حقي تالت ومتلت دلوقتي لحد ما يصحى.
ــ هااااااا، وسع يامجنون. الناس مستنيانا تحت.
ــ والله ما يحصل يا دلوقتي يا العهد. أنا حر بقي في مراتي وأنوس ده بقي هفوق له عشان أعرف أمارس ممتلكاتي.
ــ خلاص خلاص خد العهد والوعد وسع بقي عشان أشوف هلبس إيه. ده انت مكار بير ولئيم كماني واستغلالي ها.
قبّلها بجانب شفاها بنهم وهو يتمتم أمام ساحرتيها اللتان تجعله واقفاً أمام سحرها مسكيناً في غرامها المتيم:
ــ وماله الاستغلال في الحب حلو أوووي بيجيب مفعول رهيب يا أم أنوس.
ثم قام عنها وهو يسحبها تجاه غرفة الملابس وسحب ذاك الفستان باللون البنِّي القاتم:
ــ خدي يا روحي اخترت لك ده جميل وهيبقى حلو قوي عليكي.
نظرت إلى الفستان بعدم رضا وهي تنطق برفض:
ــ حرام عليك عايز تلبسني الفستان ده؟ ولا له شكل ولا منظر وبقى له سنين حداي في الدولاب أكده ظلم على فكرة.
ــ بس يا ماما ظلم إيه. البسي ده انتِ هتبقي قمر فيه وهتشوفي. وبعدين أنا ذوقي ما يختلفش عليه اثنين. ويلا انجزي بقى انت اللي بتضيعي في الوقت أهو مش أنا.
نظرت اليه مرة وإلى طفلها مرة أخرى ولهيئتهم الخاطفة للأنفاس وهي تدب قدمها باعتراض:
ــ دي ظلم على فكرة وبيّن كمان لما تبقى أنت وهو لابسين ومتشيكين وقمرات قوي أكده اللهم بارك وأني أبقى شكلي وحشة وسطكم ولبسي قديم. حرام عليك يا آدم.
وضع الفستان في موضعه مرة أخرى ثم انتقل إلى آخر كان قد اشتراه معها منذ شهر كي يبطل حجتها وهو يمد يده لها به:
ــ ولا تزعل نفسك يا حبيبي نرمي القديم وخدي الجديد ده عشان ما يبقالكيش حجة يا أم أنس.
شهقت حينما رأت ما انتقاه لها وهي تنطق بعدم تصديق:
ــ هاااااا! بقى عايزني ألبس ملحفة في عيد ميلاد ابني الأول وسودا كمان! والله لا تخرج من الأوضة دي وهلبس اللي على كيفي يا آدم. واديني قلعت اللي أنت مش عايزني البسه يعني مليكش حجة واصل.
خرج من أمامها كيف لا تتعصب أكثر من ذلك ولكن نبهها قبل أن يتحرك:
ــ طب ماشي تمام هسيبك تختاري اللي على كيفك. بس أهم حاجة بلاش الحاجات اللي أنا كنت محذرك عليها قبل كده وانتِ عارفاهم كويس. ويلا بقى عشان أنتِ معطلانا قوي.
اعترضت على كلماته الأخيرة:
ــ أني بردو اللي معطلاكم. ربنا يسامحك يا شيخ.
ابتسم لها بمكر وهو يرسل لها قبلة في الهواء. ثم دارت عينيها على ملابسها كي تنتقي منهم ما يحلو لها فابتسمت بمكر وهي قررت أن ترددي ذاك الفستان بلونه اللافندر ولكن تفاصيله هادئة للغاية. ثم ارتدته وارتدت النقاب وعدلت هيئته وخرجت له. وكاد أن يعترض إلا أنها لم تمهله فرصة على اعتراضه. ثم تأبطت ذراعه وبالأخرى كان يحمل طفلهم. وحقاً كانوا مميزين للغاية في جمالهم. هبطوا الأدراج وما إن رأتهم هند حتى انطلقت إليهم وهي تسلم عليهم بتعجل وتنظر إلى أنس بلهفة شديدة. فهي لم تراه منذ شهراً. وبدأت تقبله من وجهه وتدغدغه بسعادة:
ــ حبيب عمتو اللي وحشني خالص. اخص عليك يا أنوسه. بقى كده ما تقولش بابا نروح لعمته اللي ما جيتليش بقى لها شهر. أنا زعلانة منه.
اعتذر لها ادم بتبرير:
ــ معلش والله يا هنودة حقك عليا. انس كان تعبان. كان واخد دور برد شديد فعلشان كده ما قدرناش نيجي زي ما وعدناكي. بس يا ستي أوعدك إن إحنا هنيجي لك لحد قنا ونقعد معاكي كمان يومين عشان سكون قربت تولد تقريباً قدامها كذا يوم وتولد. فهنقعد هناك أسبوعين كده عشان مكة تبقى جنب أختها.
قبلت أعذارهم ثم بدأوا يتنقلون بين المعازيم كي يرحبون بهم. فمكة تناولت السيدات وآدم تناول الرجال. وكان من ضمن الرجال الذي ينظر لمكة بعين تريد أن تكشف ما وراء النقاب وهو يقول لأخيه. ولم يكن إلا ابن عم آدم ذو السمعة السيئة وخاصة في حوار النساء. ولم يكن يرى آدم الذي أتى خلفهم كي يرحب بهم واستمع إليه يقول:
ــ شايف البت بتلمع من برة وشياكة في لبسها. نفسي أعرف مدارية إيه ورا البتاع اللي هي لابساه ده. أكيد المزة دي فورتيكا. وإلا ما كانش ابن المحظوظة ده وقع في إيديه. أكيد حاجة مستوردة من بلاد برة دي طالما مدارية نفسها قوي كده.
أجابه الآخر بنفي وهو ينظر لها نفس نظراته الوقحة:
ــ اسكت يا أهبل. بلاد برة إيه دي من الصعيد. يعني حاجة تكيف الدماغ وتخلي الواحد منا محتاج قوة عنتر عشان يقدر يبارز بنات الصعيد وشراستهم دي. تبقي على السرير رهيبة آخر جمدان بنت الذين دي.
لم يتحمل الآخر طريقتهم وعلى حين غرة وأمام أعين الجميع باغت أحدهم بلكمة قوية ولم ينتظر وباغت الآخر بنفس اللكمة وهو يردد لهم بصوت منخفض كي لا يسمع الموجودين وتكون سيرة زوجته على لسانهم:
ــ وربنا يا كلب منك ليه. لا هخليكم تشحتوا ومش هسكت ولا هرتاح إلا لما أدخلكم الزنزانة على اللي سمعته منكم. بقى بتبصوا لمراتي لمرات أخوكم يا كلاب. ما أسمعش نفس واحد فيكم خالص وتطلعوا بره من هنا من السكات يا زبالة منك ليه.
هرولت إليه شقيقته حينما رأت المنظر وهي تبعده عنهم وتنهره على فعلته:
ــ ليه كده يا ادم؟ إيه اللي حصل عشان تمد ايدك عليهم وتفرج الناس عليكم بالمنظر ده.
كان ينهج بشدة من خناقته مع هؤلاء الثيران:
ــ لو سمحت يا هند ما تدخليش في الموضوع ده والكلاب دول لازم يخرجوا من هنا دلوقتي.
ــ يا ادم عيب دول ولاد عمنا. الناس هتقول علينا إيه؟
ــ ما ليش علاقة بالناس. أنت ما تعرفيش هم عملوا إيه.
ــ شايف يا ادم الموبايلات اللي متوجهة عليك واللي حصل اتصور من البداية وهتبقى حديث المدينة لمدة لا حصر لها. كنت امسك نفسك عن بجاحتهم يا أخي لبعدين.
لم يتحركوا إلى الآن فأتت مكة مهرولة هي الأخرى كي تطمئن عليه. وحينما رآها تقترب من هؤلاء الأوغاد هدر بها هو الآخر فلم يتحمل أن يسمعوا حتى صوتها:
ــ متتكلميش خالص وخدي أنس واطلعي على فوق فوراً.
بحلقت به بذهول حينما هدر بها وكادت أن تنطق إلا أنه أخرسها:
ــ متتكلميش واتفضلي اطلعي على فوق فوراً. مسمعتيش.
أدمعت عينيها من تحت نقابها وانقلبت لحظات سعادتهم إلى تعاسة وأخذت طفلها وصعدت إلى الأعلى. وكل ذلك صورته شاشات الهاتف والفضائح أصبحت لذاك الآدم بالكوم لا حصر لها. فعنفته هند:
ــ الله مالك يابني انت طايح في الكل كده ليه ولا هامك حاجة. هو انت في إيه بالظبط اللي انت بتعمله ده غلط.
نظرت هند إلى أبناء عمها تسألهم:
ــ هو في إيه يا ماجد انت ورامي عملتوا إيه خليتوه اتجنن كده؟
نطق أحدهم باستعلاء:
ــ شوفي أخوكي هو اللي عمل إيه وبدأ بالغلط وأهاننا في بيته وعلى مرأى ومسمع من الناس. واللي حصل مش هيعدي بالساهل. وزي ما عمل فينا كده في بيته وقدام الناس ومحترمناش كضيوف حتى احنا كمان مش هنحترم إننا ولاد عم وهناخد حقنا تالت ومتلت. وإن ما خليته يجي راكع مبقاش أنا ماجد.
هجم عليه آدم مرة أخرى:
ــ أنت بتقول إيه يا كلـ.ـب يا حـ.ـقير. أنت كمان ليك عين تتكلم وتهدد. يا بجـ.ـح. ده أنت هتدخل قبرك النهاردة يا زبـ.ـالة منك ليه.
منعته هند وهي تجزم بأن أيامهم القادمة ستكون بينهم سواد. ثم نظر إليه ماجد بجحيم وهسهس بصوت خفيض يشبه الجحيم:
ــ أنا هوريك الكـ.ـلب الحـ.ـقير هيعمل فيك إيه ومين فينا اللي هيدخل التاني قبره. ثم نظر إلى أخيه آمراً إياه:
ــ يلا يا رامي ما لناش وعيد في البيت اللي إحنا اتهانا فيه ده. شكل الفنان عيشة الفلاحين علمته قلة الذوق.
إلى الجميع ينظرون إليهم في ذهول. أحدهم يشاهد الموقف في صمت والآخر يتهمهم مع صاحبه. وكثيرون يلتقطون الموقف بهواتفهم. ولم يبتعدوا بشاشاتهم منذ أن بدأت الاشتباكات. وانقلبت الفرحة لمأساة حقيقية صار فيها أبناء العمومة كالأعداء اللدودة. وصار الموقف محتدماً للغاية. بعد أن غادر الجميع وقص آدم لشقيقته ما حدث حتى ذهلت:
ــ أنت متأكد إنك سمعت منهم كده يا آدم؟ يمكن فهمت كلامهم غلط.
أكد لها وهو ما يزال يغلي بـ.ـنـ.ـيران تشتعل داخله:
ــ يا بنتي زي ما قلت لك بالظبط. سمعتهم باللفظ بيقولوا على مراتي كده وبيغازلوها بوقاحة. يا درجة إن واحد فيهم قال كلمة “فورتيكة”. بقى أنا مراتي يتقال عليها الكلام ده ومن ولاد عمي. هم أصلاً سافلين من زمان وما بيعملوش اعتبار لأي حد وعينيهم زايغة لأبعد درجة. بس ما كنتش متخيل إنهم يبصوا لمراتي. أنا ابن عمهم. والله ما هسيبهم.
ــ عيد الميلاد باظ بتاع الولد. واللي واقفين صوروا من أول اللي حصل. ربنا يستر. أنا مش مطمنة. وكمان مراتك طلعت زعلانة فوق بسبب إنك زعقت لها بطريقة جامدة قدام الناس.
ــ معلش يا هند. اطلعي طيبي خاطرها. لأن أنا دلوقتي حالتي ما يعلم بها إلا ربنا. مش هقدر أتكلم مع أي حد. هي ملهاش ذنب في اللي حصل. بس كل حاجة ما كانتش مترتبة. أنا مش عارف الدنيا عاملة معايا كده ليه. في عز فرحتي ألاقي صدمة تخليني أتكدّر بالشكل ده. أنا واللي حواليا.
كادت هند أن تصعد إلى الأعلى إلا أنهم رأوها وهي تهبط الأدراج بحقيبتها هي وابنها. فصعق على الفور ليذهب إليها متسائلاً باستنكار:
ــ أنت إيه اللي بتعملي ده. واخده شنطتك ورايحة على فين. هو أنت مش متحملة زهقي. وما تعرفيش إيه اللي وصلني للدرجة دي في ثانية كده تطلعي تعبي شنطتك وتمشي. أنا نفسي أعرف أنتِ بتفكري إزاي.
لم يعجب هند طريقته فهدرت به:
ــ ممكن تهدى لو سمحت. إيه هو أنت طايح كده ما حدش قادر يسكتك. لو سمحت يا ادم اسكت بقى.
بكت مكة بسبب طريقته التي تفاجأت بها اليوم. ولم تعرف ما الذي حدث لكي تفسد فرحتهم باحتفالهم بميلاد ابنهم بتلك الدرجة. فاقتربت منها هند وسحبتها إلى أحضانها:
ــ معلش يا مكة. الموقف صعب جداً. وأنت ما تعرفيش اللي حصل وصلوا للدرجة دي. أنا ذات نفسي لما عرفت عذرت. والله مش عشان أخويا بديلك أعذار بس اللي حصل فعلاً ما كانش ينفع يسكت عليه.
لم تتحمل مكة طريقته فطلبت من هند بتوسل:
ــ أرجوكي يا هند خديني معاكي قنا. وأنتي ماشية لماما. مش هقدر أستحمل طريقته وعصبيته. عشان أنتِ ما تعرفيش أخوكي وقت العصبية بيبقى عامل كيف. ما بيشوفش قدامه واصل ولا بيقدر يتحكم في أعصابه. وأيا كان اللي حصل ما كانش ينفع يزعق لي قدام الناس وكأني من الخدامين بتوع حضرتهم. مهما كان الموقف كان المفروض يحترمني. ونسي إن الكاميرات كلها كانت متوجهة علينا. شكلي هيبقى إيه قدام اللي بيتفرجوا علينا وجوزي بيزعق لي بالطريقة دي وهم ما يعرفوش السبب إيه. كان لازم يتحكم في تصرفاته أكتر من كده.
لم يتحمل طريقتها في الكلام فهو الآن كما يقال اتقي شر الحليم إذا غضب. وبسبب ثرثرة هؤلاء الأوغاد وهو لم يستطيع نسيان كلامهم:
ــ هو أنت يا بنتي ما عندكيش حبة عقل. لما تشوفي جوزك متعصب من حاجة. أنتِ ما تعرفيش إيه اللي حصل ولا إيه اللي اتقال. عشان تحكمي إن إني زعقت أو ما زعقتش. يا ماما تغور الناس على الفيديوهات على كل حاجة. واللي يحصل يحصل.
هنا هتفت هند وهي تضع يدها في يد مكه:
ــ طب معلش يا ادم. أنا عارفاك وقت عصبيتك زي ما هي ما بتقول. أنا هاخدها معايا وهرجع لك تاني. أو ممكن أنت تيجي لنا بكرة الصبح عشان أنا عارفة إن أنتم لو قعدتوا مع بعض الليلة هيحصل مشكلة. هي مش هتتحمل طريقتك ولا أنت هتبطل عصبيتك دي. وبرده كان لازم تتحكم في أعصابك أكتر من كده.
برقت عيناه بصدمة من كلام أختي هي الأخرى لينطق بنفاد صبر:
ــ هو أنت في إيه انت كمان. أنا مش قايل لك هما قالوا إيه الكلـ.ـاب دول. أنت مش مستوعبين. واحد يسمع الكلام ده على مراته مش عايزين يخرج عن شعوره بأي منطق وأي عقل بتفكروا منه. مع السلامة أنتم الاتنين.
هند تعلم غضب أخيها وتحفظه عن ظهر قلب. ولذا من الأسلم أن تأخذ مكه ويبتعد عنه فهو وقت الغضب يحبذ أن يكون وحده ويهدأ حاله بحاله. وبعدها ستحل الأمور المعقدة. أما هو شعر في خروجهم من المنزل بحزن شديد. ولكن اختفت معالم الحزن وتبدلت إلى معالم الانتقام من هؤلاء الأوغاد الذين أتوا بسيرة زوجته بتلك الطريقة الوقحة المهينة. وسافرت مكه إلى قنا وقلبها مخيم بالحزن الشديد مما حدث. وكذلك هند ستواجه عاصفة قوية من الإعلام والسوشيال ميديا وجميع المواقع غير انتقام أبناء عمومتها من أخيها. ويبدو أن القادم عاصف.
اتى اليوم المنتظر أخيراً. يوم ولادة سكون حيث أصبحت ذات جسد سمين للغاية وشكلها تغير تماماً بسبب سمنتها الزائدة عن اللازم. ويرجع ذلك إلى أبنائها الثلاثة المقتحمين أحشائها بأوزان لا بأس بها. قد أخبرها بها الطبيب. كانت هي وعمران تلملم أشياءها التي ستحتاجها في ولادتها وهي تترجاه:
ــ خلاص هتوديني بقى على بيت ماما بعد الولادة على طول عشان أقعد في وسط ماما واخواتي البنات. وكمان مكة هنا أهي جت بالصدفة الحمد لله.
رفض عمران بشدة:
ــ لا يا بابا ما تحاوليش. إني قلت لك بعد الولادة هتيجي على أهنه على طول. وشوفي عاد هجيب لك واحدة واتنين وتلاتة يخدموكي وغير طبعاً أمي. لكن إنك تروحي عند والدتك ده مستحيل. أنا عايزك انت واولادي في بيتي.
مطت شفتيها للأمام بحزن وهي تترجاه:
ــ يا عمران ما تنشفش دماغك. خليني أروح لماما. أنا بجد عايزة أكون في وسطها هناك هي واخواتي. وكمان ماما مش هترضى تيجي أبداً تقعد معايا أهنه كتير. ولا اخواتي هياخدوا راحتهم وياي. وكمان مش هيباتوا معايا. أما في بيت ماما كلنا هنتجمع مع بعض وهبقى حاسة إن التعب هي هون وسطهم.
نظر إليها بحزن هو الآخر ليقلب الموقف لصالحه بدهاء:
ــ أكده ياسكوني هتزعليني منكِ. هو إني مش هقدر أهون عليكي التعب! أكنك هتحسي بالتعب وإنك وحيدة في وجود عمران. ما كنتش متخيل منك إنك تقولي أكده. إني بجد حزين منك ومن كلامك. حسستيني إن ماليش قيمة عندكِ.
ابتلعت ريقها بصعوبة بالغة وهي تشعر بفداحة خطأها لتصحح مفهومه سريعاً:
ــ والله أبداً يا عمران. أنت فهمت غلط خالص. أنت عارف أنت بالنسبة لي إيه. أنت روحي والنفس اللي إني بتنفسه. ما تفهمنيش غلط ارجوك. كل الحكاية إني هكون حاسة بالارتياح وقت تعبي وسط ماما واخواتي. ده كل اللي إني أقصد.
تحدث عمران بدهاء كي ينزع فكرة ابتعادها عنه طيلة تلك الأيام هي وأبنائه الذي يتوقى لحملهم بين يديه:
ــ خلاص يا سكون. الكلمة اللي اتقالت في الأول طلعت من قلبك. ما تحاوليش تصلحي حاجة أنتِ قلتيها من قلبك. وعموماً براحتك. بس لازم تعرفي إني هبقى زعلان ومش مرتاح. ولا هبقى حاسس بطعم السعادة وأنتِ هناك. إني عايز أفرح بأولادي وياكي في بيتنا وفي أوضتنا. عايز كل تفصيلة معاهم في بدايتهم تكون أهنه في عشنا الجميل اللي زي مشاهد على تعبنا واشتياقنا للحظة دي. يشهد برده على فرحتنا بوجودهم. ما هي لحظات الحزن مش هتتسجل أهنه ولحظات السعادة ملهاش نصيب عشان نفتكرها وتفضل لحظات الحزن هي اللي في دماغنا. براحتك اعملي اللي على كيفك.
تراجعت عن قرارها سريعاً عندما رأت حزنه واستشفته بجداره. فهي لن تتحمل عدم ارتياحه مهما كان. فهو تحمل لأجلها ما لا يتحمله أي رجل. ولذلك ستتنازل عن قرارها وهي تسحبه لأحضانها بحنو:
ــ لا يا حبيبي. وأني ما يرضينيش زعلك ولا يرضيني عدم راحتك. خلاص بعد ما أقوم بالسلامة إن شاء الله ناجي على هناك. وأنت بالنسبة لي الدنيا وراحتها وأمانها وسكنها ودفاها. أنت بالنسبة لي كل حاجة حلوة. وتكفيني عن العالم كله. وتكفيني عن أي احتياج لأي شخص. أنت وبس.
شدد على احتضانها بسعادة وهو يشعر بالانتصار لعشقه المتمكن في قلب السكون لينطق هو الآخر بصوت أجش خشن متأثراً بكلامها:
ــ ياه يا سكوني قد إيه أنا محظوظ بيكي. قد إيه ربنا بيحبني إنك في حياتي. أنا بجد نصيبك الحلو في كل حاجة في الدنيا. أخدتها فيكي. أنت كل إحساس بالقهر عيشته زمان ربنا جبرني ونسيته على إيدك. أنت ربنا يبارك لي فيك ويقومك بالسلامة ونشوف ولادنا ونلمسهم ونحضنهم ونشم ريحتهم ونتمسك بيهم قوي ونربيهم بكل الحب. عشان اللي جمع ما بيني وما بينك رباط قوي مش موجود بين أي اثنين. رباط عشق العمران للسكون.
ظل ساكنين في أحضان بعضهم البعض باشتياق ولهفة لم تقل مهما مر الزمان ومهما مرت الأزمات عليهم. والآن أكملت سكون حقيبتها وأخيراً انطلقت هي وعمران إلى مصيرهم السعيد بكل قلب مطمئن إلى الطبيب الذي ينتظرهم. وكانت تصحب معها والدتها وأختها مها وزينب والدة عمران وسلطان أيضاً وجميعهم الفرحة تملا قلوبهم. وأخيراً سيحملون أبناء عمران وسكون على أيديهم والبهجة والسعادة ستملا قلوبهم. فكانت علامات السعادة على زينب تكاد تقفز من عينيها. وأخيراً وبعد عدة ساعات وصلوا المشفى ودلفت سكون إلى غرفة الولادة وعمران وجميعهم في الخارج يقفون بقلب يرجف خوفاً طبيعياً في تلك اللحظات.
رواية من نبض الوجع عشت غرامي الفصل الخامس والثلاثون 35 - بقلم فاطيما يوسف
دلفت سكون إلى غرفة الولادة وعمران وجميعهم في الخارج يقفون بقلب يرجف خوفًا. طبيعي في تلك اللحظات الصعبة كان عمران يجوب الطرقة ذهابًا وإيابًا بقلق. زينب هي الأخرى على نفس قلقه.
وقفت شقيقته حبيبة الكبرى بجانبه وهي تدعمه. فقد سافرت معهم كي تقف بجانب سكون بدلًا عن رحمة نظرًا لمتابعة علاجها.
"ماتقلقش يا أخوي إن شاء الله هتقوم بالسلامة. بس عشان هي بسم الله ما شاء الله تلاتة توم فهتاخد وقت. خليك ماسك أعصابك شوية. أمك كمان قاعدة على أعصابها مش قادرة تمسك نفسها."
حرك رأسه للأمام بتوتر.
"حاضر بس غصب عني. الله المستعان ربنا يجبرها ويقومها بالسلامة يا رب."
بعد مرور نصف ساعة، خرج الطبيب وهو يحمل في يده اليمنى أحد الأطفال واليد الأخرى الطفل الآخر. وبجانبه ممرضة تحمل ابنته. هرول الجميع إليهم. زينب وسلطان وعمران وحبيبة.
وقف عمران أمام الطبيب ينظر إلى أبنائه بعينين متلهفتين وتصنّم عليهم وهو لا يصدق أنه الآن يرى قطعة منه متجسدة أمامه بعد ذلك العناء. كان يتنقل النظر بينهم وقلبه يدق بداخله بعنف شديد. فلم يكن يتوقع أن إحساسه بالأبوة من أول وهلة سيكون بتلك الدرجة من المشاعر القوية، وأن تلك المشاعر لها من المعاني ألف معنى ومعنى.
قرأ الطبيب مشاعره بسعادة غامرة لأن فرحه جعله سببًا في سعادة تلك العائلة. ثم ردد أخيرًا بمشاغبته.
"مبروك يا صعيدي أخيرًا هناك هيتقل. وإن شاء الله هتصل بيك قريب اتصال مخصوص عشان أطمن على حالتك النفسية والعصبية."
كان عمران في عالم آخر، ولكن انتبه إلى كلمات الطبيب فشكر الله على عطاياه، ثم شكره هو الآخر.
"اللهم لك الحمد حتى يبلغ الحمد منتهاه. ألف حمد وألف شكر ليك يا رب. طمني على سكون ما خرجتش ليه؟"
طمأنه الطبيب.
"ماتقلقش الدكتورة بخير، العملية تمت بنجاح. بس الدكاترة بيقفلوا الجرح وكمان ربع ساعة هتخرج بإذن الله."
تبسم بارتياح ليكمل امتنانه.
"تمام يا دكتور تسلم يدك وتسلم دماغك وربنا يكملك بعلمك ويرزقك الفهم ويحسن ما بين إيديك يا رب."
ثم أكمل بنبرة قوية وهو لم يعلم ما القادم إليه مع هؤلاء الأطفال؟ وما حجم المعاناة التي سيعانيها؟
"ماتقلقش، كل ما ترن عليا بإذن الله هقول لك إني بخير وتمام والدنيا دايرة زي ما هي بالظبط."
ضحك الطبيب وهو يستمع إلى كلمات ذاك الواقف أمامه وبالتأكيد ما هو إلا حلم يحلم به.
"أنت بتحلم حلم واسع قوي. هسيبك بقى تفرح بأولادك ومش هصدمك بالواقع يا صعيدي. بس لازم أأمنك أمانة إنك تعترف إنك لو اتوحلت وحلة الآباء ونسيت غرام عمران والسكون وإنك ما بقتش عارف تعيش حياتك."
رفع عمران حاجبه الأيسر وداخله يردد أن ذاك الطبيب يكبر الموضوع ويصعبه عليه.
"خلاص يا دكتور اديتك الأمانة وإن شاء الله مش هيحصل."
أكد له الطبيب بعينين متسعتين بتحدي.
"هيحصل. وإن شاء الله لو حصل الدكتورة تجيلي عشان نتابع لحمل جديد. وده بقى عشان أنا هكسب التحدي المرة دي. وهوحلك لك أكتر يا صعيدي."
ضحك عمران تلك المرة ليقبل التحدي ويا ليته ما قبل.
"تمام يا دكتور وأنا قبلت التحدي. واهو كله خير وبركة."
ثم أخذ أبنائه من الطبيب واحدًا تلو الآخر. فحمل الولدين وهو يضمهم إلى أحضانه كي يشعر بدفئهم ويشم رائحتهم. وكأنه انعزل عن العالم بتلك الأحضان المختلفة عن أي أحضان أخرى. إنها أحضان زينة الحياة الدنيا. فما أجملها! وما أحلاها! وما أدفأها!
كانوا بالقرب من قلبه الذي يدق فرحًا بعناقهم. كانوا مثل الشمس الساطعة التي تنير الكون بعد عتمة وملأوا قلبه دفئًا وعافيةً كما ترزق الشمس الدفئ في عز البرد. نظر إليهم بعين الأب والأخ والصديق وهو يبني في عقله مستقبلاً بارقًا. وعدهم في نظرته لهم باشياء كثيرة بانه سيكون لهم الأمان في عز الحرمان والعطاء في عز الاحتياج والحنان في عز التشتت.
لم تستطع والدته الصبر أكثر من ذلك وهي تمد يدها بلهفة لهم. بعدما حملت الطفلة وقبلتها وأعطتها لابنتها حبيبة.
"هات بقى يا ولدي أسلم على أحفادي وأخدهم بين أحضاني وأشم ريحتهم وأخبرهم إني اتوحشتهم قوي. ماتبقاش قافش فيهم من أولها أكده. إحنا هنتخانق كتير."
كان متمسكًا بهم بشدة وهو لم يريد أن يفارقهم. فنظر إلى ابنته وهي في أحضان شقيقته فتلهفت لاحتضانها هي الأخرى. فأعطاهم بتمهل خوفًا عليهم لوالدته كي يعطيه ابنته نصيبًا من دفء أحضانه.
حملتهم زينب برفق وهي تجلس بهم أرضًا كي تستطيع عناقهم. وسعادة الكون بأكمله لم تكفيها. فهي الآن تحمل أبناء العمران بين أحضانها. أبناء ولدها الوحيد الذي حلمت بهم كثيرًا وكثيرًا ولم تكن تتخيل أن عطايا الله ستكون بتلك الدرجة من العوض. وفي تلك اللحظة ندمت ندماً شديداً على تفكيرها وتسرعها عن المكتوب وهي تغني لهم وكأنهم يفهمونها ويسمعونها.
"سوسة سوسة سوسة *** سوسة كف عروسة
سوسة واللي يصقف *** يستاهل مني بوسة
يستاهل مني بوسة
دقدق دقدق بكفوفك *** بكفوفك دشدش خوفك
دقدق دقدق بكفوفك *** بكفوفك دشدش خوفك
نفسي تكبرلي وأشوفك *** ماسك بيها الشموسة
بكفوفك دقدق دقدق *** عصفورة قلبي تزقزق
اسلملي كف محندق *** وضوافرينه فسفوسة
وضوافرينه فسفوسة
سوسة سوسة سوسة *** سوسة كف عروسة
سوسة واللي يصقف *** يستاهل مني بوسة
يستاهل مني بوسة"
أما سلطان كان يجوب الطرقات بين الممرضات وهو يعطيهم من خيرات الله والنقود ما لا يعد ولا يحصى. سعادة بقدوم أحفاده وهم لم يصدقوا كل تلك الأموال التي نزل عليهم سلطان بها وسعادة الكون تملأهم أيضًا. فقد جبرهم الله في يومهم هذا جبرًا لم يروه من قبل.
ضم عمران ابنته إلى صدره وهو يشعر تجاهها شعورًا آخر غير أشقائها. فشعوره بها مختلف تمامًا ولم يعرف ما السبب لذاك الشعور المختلف؟ فمنذ أن ضمها إلى أحضانه وهو يشعر بالخوف عليها ويشعر أيضًا بأنها تحتاجه أكثر من أشقائها. وحدث حاله وهو ما زال يضمها برعاية.
"يا الله ما هذا الشعور يا ربي تجاهك ابنتي الجميلة! فأنتِ لي مثل القمر تزينين سمائي وأنا سأنير لكِ عتمتك. كيف يتحمل قلبي مشاعري الملتهبة في عشقك ابنتي؟ كيف أتحمل وقع كلمة "اشتقت إليك واشتقت إلى احتضانك وتقبيلك يا ابنتي! ألا تعلمِ يا ابنتي أن لي قلبًا ينبض بحبك؟ لم أكن أدرك أن السنوات القادمة ستكون سُقيا عن سنوات عجاف بنوتك ولا دفء روحك ولا أكسجين أنفاسك! ولكن أعدك أن لن تنسيني أيامي أن أهبك قدر الحب والاهتمام الذي أهديتني إياه فور حملك بين يدي."
كان الموقف ككل فيه من البهجة والسعادة ما يكفي وما يبعث في النفوس تمني الخير والفرح للغير. فأخيرًا جُبر العمران وسكونه. أقبل إليه والده وهو ينظر لاحتضانه لابنته مرددًا بمباركة.
"مبروك عليك الولد يا ولدي وربنا يرزقك ويرزقنا برهم يا رب. الولد غالي وتربيتهم مش هينة. الله يعينك عليهم أنت وأمهم."
ضم عمران ابنته إلى صدره وهو يرد على أبيه.
"الله يبارك فيك يا بوي. يتربوا في عزكم أنت وأمي وطول ما أنتوا جاري مش هحس إني تعبان."
ربت سلطان على ظهره ليهتف بارتياح لطمأنته على ولده أخيرًا.
"معلوم معلوم يا ولدي. أعز من الولد ولد الولد. هتسميهم إيه إن شاء الله؟"
تنهد عمران ببسمة ليجيب أبيه بحماس.
"إن شاء الله وبعد إذنك طبعًا يا بوي هسميهم سليم وسكن وسيف على حرف واحد وبردو حرف أمهم."
حك سلطان أسفل ذقنه وهو يحفظ الأسماء في خلده.
"عال. عال. أساميهم زينة ربنا يخليهم لك."
خرجت سكون من غرفة العمليات وذهبت إلى غرفة عادية بعد أن استعادت وعيها بالكامل. فجلس عمران بجانبها متمسكًا بيدها بعد أن قبلها بعشق. ثم اقترب من جبينها مقبلاً إياه وهو يبارك لها بعينين ينبع منها الفرحة.
"مبروك يا أم سليم، ولا أناديكي بأم سكن ولا أناديكي بأم سيف."
نطقت بوهن.
"اللهم بارك ربنا يحميهم يا رب. قل لي عمران ولادي حلوين وصحتهم كويسة اتأكدت من الدكتور؟"
طمأنها بدعابة كي يرى ابتسامتها في عز وهنها.
"ماتقلقيش يا حبيبي التلاتة بسم الله ما شاء الله كويسين وصحتهم كويسة. هو بعد اللي الحاجة زينب عملته وياكي العيال إزاي مش هيطلعوا حلوين؟ دي كانت واخدة بالها منك ومن صحتك عشان أحفادها يطلعوا على كيفها. حكم أمي هتحب العيال الشديدة اللي جسمها مليان وهتتباهى بيهم كماني."
هتفت سكون وهي تحذر عمران.
"لما تاجي تتكلم عن العيال لازم دايما على لسانك بسم الله، تبارك الله، اللهم بارك."
رفع حاجبه باستنكار.
"هو إني هحسد ولادي عاد! إحنا هنبتديها خوف ملهوش لازمة من أولها ولا إيه؟ ولا أمي شربتك الحوار قبل ما تولدي وفطمتك هتقولي إيه وتعيدي إيه؟ بس إني بوهم ياسكوني وعيني ما هتحسدهمش ولا كلامي هيضرهم."
رفضت اعتراضه بشدة.
"آه عيني وعينك ممكن ينظروا للعيال من غير قصد واني ولادي تعبانة فيهم ومهتحملش أي ضرر يصيبهم."
ما زال عمران على استنكاره ولكن أراحها حينما رأى عصبيتها الشديدة الذي يراها لأول مرة. فهو عهدها دوماً هادئة ولم تتعصب بتلك الدرجة. لينطق بموافقة.
"حاضر يا سكون بس ما تتعصبيش وتضغطي على حالك أكده وانتِ لسه خارجة من ولادة. مش هنبتديها من أولها ضغط أعصاب. هونيها على نفسك هتهون يابت الناس."
ثم عاد لاستفساره مرة أخرى وهو يمرر يديه على وجنتها.
"ما قلتليش هناديكي بـِأنهي فيهم بالظبط."
لاحظ تذمرها ليكمل ببسمة مشاغبة.
"اللهم بارك يا ستي على ما لساني ياخد على قوانين أم العيال. والله وبقيتي أم العيال يا سكوني."
ابتسمت هي الأخرى.
"والله وبقيت أنت كمان أبو العيال يا عمراني. اللهم بارك."
وظلوا على حالتهم هو يهون عليها وهي تشاركه الحوار كي تنسى رحلة وهن على وهن. وأخيرًا أتت اللحظة التي ستحمل فيها أبنائها وهي تتلهف شوقًا كما العمران لاحتضانهم. تناوبت على حملهم واحدًا تلو الآخر وهي تتشبع منهم بقدر الإمكان. ولكن حينما تضع أحدهم وتحمل الآخر عيناها تتعلق به وتشعر بأن روحها فارقتها حينما ابتعد عنها. يا الله من إحساس الأمومة. إنه رائع جدًا! فلم تكن تتخيل هي الأخرى أن يكون بتلك الدرجة من الجمال والاحتياج لكونهم صغارها ومسؤولون منها. ستسمع منهم كلمة أمي. سينادونها بأحب الأسماء إلى حواء. ستشعر معهم بإكمال نقصها. ستكون لهم كل شيء. ستحارب لأجلهم المستحيل كي تمضي بهم من مرحلة المهد صبيا إلى الشباب. فقد رزقها الله من الأبناء اثنين عوضًا عن الأخ والأب. ورزقها بإبنة ستكون لها أختاً ثالثة وصديقة وقطعة من روحها. وونيسة أيامها وجليسة لياليها ومنبع أسرارها. وصدراً حانياً في عز آلامها. كل تلك المشاعر اغتالت روحها بل وتوغلت في عقلها وسرحت بهم عمرًا طويلاً وهي تتمنى أن تبقى جوارهم. فلأول مرة تخاف من الموت ولأول مرة تتشبث بالحياة بعدما تعلقت روحها بهؤلاء الأرواح الثلاث. ورابعهم كنزها الأكبر عمرانها الذي كان يتابع رؤيتها لأبنائه بشغف وينظر إلى عائلته الصغيرة التي من الله عليه بها ويدعو الله أن يبارك لهم فيها.
بعد مرور أربعة أشهر على ولادة سكون، حيث كانت تحاول أن تجعل أطفالها يغفوا ولو ساعتين كي ترتاح قليلًا. وبالرغم من أن زينب لم تتخلى عنها هي وخادمتها إلا أن سكون تحبذ أن تفعل جميع الأشياء الخاصة بأبنائها من نظافة ورضاعة بنفسها دون مساعدة أي منهم. فقط هم يحملوا معها أبناءها وكانوا يسهرون معها إلى أن انتظموا في نومهم ليلاً بعد أن نظمت موعد رضاعتهم بعناء شديد. وكل تلك المدة كانت بعيدة عن عمرانها الذي أوشك على الجنون من ابتعاد سكونه. فمنذ أن تزوجها من سنوات لم يبتعد عن أحضانها كل تلك المدة مما جعله دائمًا تصيبه نوبات العصبية. وسكون تتحمله وهي تعلم ما الشيء الذي يؤرقه ولكن ما بيدها حيلة فهم أبناؤها ولابد أن تراعيهم. واليوم هو سينهي تلك المهزلة فالصبر قد نفذ من صبره.
دلف إلى غرفتهم التي اقتحمها أطفاله الثلاث وهو ينتوي أن ينقلهم إلى الغرفة الأخرى. فقد وصل فيها كاميرات صوت وصورة ووضع شاشة كبيرة في غرفة نومهم كي تراهم وتطمئن عليهم. ولكنها لم تستطع الابتعاد عنهم مهما حاول معها. والآن سينفذ ما يريده إجباريًا عنها.
خلع ملابسه وارتدى ملابس النوم وخطى إلى التخت. فقد كانا الطفلين سليم وسيف في تختهم الصغير وسكن تنام على تخت سكون المنتصف لتختي الطفلين.
اندهشت سكون من ولوجه إلى التخت وانتوى النوم فسألته بتعجب.
"أنت هتنام فين يا عمران؟ أنا خلاص نيمت الأولاد وعايزة أنام شوية. روح نام في الأوضة التانية."
وكأنها ضغطت على زر الانفجار لما يعيشه معها في تلك الفترة مرددًا باستنكار لكلامها.
"أوضة مين اللي عايزاني أنام فيها لحالي يا دكتورة؟ إنتي اتجننتي ولا الولادة أثرت على نافوخك لا سمح الله! دي أوضتي لو مش واخدة بالك! أو لو المدام نسيت إنها لها راجل ومتجوزة وله حقوق وعليها واجبات وأني مش هصبر أكتر من أكده."
لم تعِ بكلماته الأخيرة أي اهتمام فهي مصيبها من التعب ما يكفي ويفيض وأصرت على قرارها بشدة لتقول بتبرير.
"معلش يا عمران الأوضة دي يدوب على قدنا إني وسليم وسيف وسكن. يدوب ضميت السريرين على بعض والمكان واخدنا بالظبط."
اقترب منها وهو يهسهس بعدم تصديق وبعينين يكسوها الذهول.
"آه إمبراطورية حرف السين اتحدوا عليا وأنتم الأربعة عايزين تطيروني من عشي هنايا!"
حركت رأسها للأمام مع ابتسامة بلهاء.
"يا عمران دي هم كلهم سنتين عقبال ما الأولاد يكبروا وبعدين كل الأوضاع هتتصلح وكل حاجة هترجع لأصلها تاني وهيكونوا اتعودوا على كل واحد ينام في أوضته. وبصراحة قلبي ما يجينيش أسيبهم يناموا لحالهم وأني هنا نايمة جارك."
أهتاج بشدة وهو يدور في الغرفة يمينًا ويسارًا لما قالته تلك السكون حتى أنها ارتعبت من هيئته وعينيه التي اشتعلت بالجحيم وهو يقترب منها ممسكًا كتفيها متسائلاً بفحيح جعل قلبها هوى بين قدميها.
"ليه بقى إني سكت كتير وبزيادة عاد تطنيشك ليا بقالك أربع شهور مش في دماغك وقلت يا واد عدي مسؤولية العيال عليها كبيرة لحد ما تتعود وهتمشي لكن دلوك بتقولي سنتين! ده انتي اتجننتي عادي يا سكون!"
واسترسل حديثه بقرار لا يقبل النقاش آمرًا إياها بعينين محمرتين من الغضب.
"دلوقتي العيال هيروحوا الأوضة بتاعتهم ومفيش نقاش في الموضوع ده من الأساس."
استنكرت ما قرره والأخرى تردد برفض قاطع مما جعل الموقف سينقلب إلى نزاع بين العمران وسكونه.
"لا طبعًا قرارك ده مش هيحصل. إزاي عايزني أسيبهم يناموا لوحدهم وهم في السن دي حرام عليك يا عمران مش هيصعبوا عليك وأنت بتقرر القرار ده. طب إني مش هيصعب عليك وأني رايحة جاية من الأوضة دي للأوضة دي!"
إغتاظ منها وتحمحم لينظف حنجرته وتساءل.
"طب وإني مش صعبان عليكي في عيشتنا اللي اتشقلبت دي رأسًا على عقب ومش عارف أتلم عليكي بقالي أربع شهور بحالهم وأنتِ مسحولة معاهم ومهما حاولت أجيب لك اللي يساعدك ترفضي وقلت لك البنت اللي شغالة عندنا تبات معاهم بالليل وهتبقى مخصصة ليهم هما وبرده رفضتي. مش عارف أعمل معاكي إيه تاني عشان أريحك ونرتاح إحنا الاتنين ونعيش عيشة طبيعية زي البني آدمين؟! لكن تقولي لي سنتين انتي بتستعبطي أكده على فكرة يا هانم."
إستجمعت قواها التي هربت من عصبيته وتحوله لتقول بتحذير من طريقته.
"لو سمحت يا عمران ما تعليش صوتك. أولًا عشان الأولاد نايمين ومنزعجهمش حرام ما لهمش ذنب. ثانيًا طريقة الحوار ما بينا ما ينفعش تبقى بالعصبية دي. أنت عمرك ما كنت أكده وياي."
تحدث غاضبًا.
"وأنتم عمركم ما كنتم بالإهمال ده معايا. هو لا تدي بدون حساب يا تمنعي بدون حساب! إحنا عايزين حل للمشكلة غير حوار السنتين دي خالص انسيه. ولو ما شفتيش حل يا سكون إني هسيب لكم البيت وهطفش."
ربعت يداها وتحدثت بضيق.
"وتسيبني إني وولادك لوحدنا بسبب إنك مش قادر تتحمل تعبي. دول تلاتة يا عمران اللهم بارك. حرام عليك أنت مش حاسس باللي إني فيه والدوامة اللي أنا بدور فيها. ولادي إني اللي عايزة أربيهم بنفسي وإني اللي عايزة آخد بالي منهم على الأقل لما يتموا السنة. آجي على نفسي مرة وأنت تيجي على نفسك مرة والدنيا هتمشي."
رد عليها بنبرة حادة.
"طب وليه نيجي على نفسنا بذمتك وندفن نفسنا جوة دوامة المسؤولية بدون مانراعي حق نفسنا. طب ما نوازن بين الكفوف كلها يا ست أنت عشان نقدر نكمل ونعيش. لكن نهتم بكفة ونسيب التانية تخبط راسها في الحيطة هو ده الحل بالنسبة لك!"
لم تستطع سكون أن تتحمل عصبيته وطريقته في الحديث فدخلت في نوبة بكاء شديدة وهي لم تستطع الابتعاد عن أبنائها والنوم بعيدًا عنهم وتراه لم يريد أن يتحمل معها بإرادته. وما إن استمع إلى بكائها حتى ضرب كفًا بكف. فبعد كل مناقشة لهم منذ شهرين وهي على تلك الحالة تنهيها ببكاء وهو يأخذها بين أحضانه ويسمع كلامها ويتركها تفعل ما تشاء كي لا يصيبها الحزن فيكفيها تعبها مع أبنائها. ولكن الآن هو الآخر يريد حلاً ولن يعجزه البكاء.
"آه هو دي بقى اللي أنتِ بقيتي شاطرة فيه. كل مناقشة ما بينا تنهيها بالعياط واني أقوم وأخدك في حضني وأقول لك اعملي اللي انتي عايزاه والمشكلة هي المشكلة."
واسترسل استنكاره وهو يأخذها من يدها ويقف بها أمام المرآة كي يريها حالتها وما أصبحت عليه من وهن لجسدها.
"بصي لنفسك أكده في المراية وشوفي بقيتي عاملة إزاي. خسيتي وجسمك نزل النص ومش بتهتمي بنفسك ولا بصحتك ودي لأنك رافضة أي حد يساعدك. ومش بتنامي كويس. هو انتِ لما تنامي كويس وولادك نايمين في أوضتهم ومعاهم واحدة واخدة بالها منها ولو بصيتي قدامك في الشاشة اللي معانا في الأوضة هتطمني عليهم يبقى انتِ أكده أجرمتي ومهملة في حق ولادك! انتِ فاهمة غلط يا سكون."
هدأت من بكائها ثم ابتلعت لعابها وتحدثت بصوت منخفض.
"طب هجرب الليلة دي بس ولو حسيت إني مش هقدر ما تغصبش عليا. وبعدين لازم تحط في اعتبارك نقطة إن إني اتحرمت من الخلفة سنين وما صدقت إن إني بقى عندي أولاد لسه ما شبعتش من وجودهم معايا بيوحشوني دايما بمجرد حتى ما بدخل الحمام. أني متعودة منك على العطاء والصبر على كل حاجة خليك مكمل معايا للنهاية."
حاول تهدئة أعصابه الثائرة ثم جذبها إلى أحضانه وهو يربت على ظهرها بحنو مرددًا بجانب أذنها.
"كل حاجة ممكن أديها لك وكل حاجة ممكن أصبر عليها معاكي إلا إنك تبعدي عن حضني المدة دي كلها. صدقيني مش قادر أتحمل أكتر من أكده والمفروض أنتِ كمان تكوني زيي. ولا حبك لولادك طغى على حب عمران وبقيتيش تشتاقي لي ولا بقيتي محتاجة حضني."
هزتها نبرة صوته المشتاقة فهي الأخرى قد اشتاقته بشدة ولكن احتياج أبنائها لها يكبت الاشتياق داخلها. ولكن هو زوجها وعليها واجبات وله حقوق. ولكن كلما غاص عقلها في ابتعاد أبنائها ومنامهم بعيدًا عنها تبتلع أنفاسها بصعوبة. ولكن ستجرب اليوم ولن تعاند معه فهو لديه كل الحق فيما يقول. فستحاول لأجله. فنظرت إليهم بعينين حزينتين لتقول بشجن.
"خلاص يلا ننقلهم مقدرش على زعلك وكمان أنت عندك حق في كل كلمة أنت قلتها ولازم أتحكم في أعصابي أكتر من أكده."
فورا أن قررت بدأ في نقل الأطفال إلى غرفتهم وداخله سعيدًا بشدة. فأخيرًا سينالها وينعم بأحضانها الدافئة التي استوحشها كثيرًا. ثم أرسل إلى خادمة أمه أن تصعد إلى الأطفال فقط خصص لها تختًا بعيدًا عن الكاميرات كي تنام بحرية وقت نوم الأطفال. وكل ذلك سكون تنظر إليهم بحزن في ابتعادهم عنها وكأنهم سيسافرون. وبعد أن انتهى عمران من استقرار أطفاله في غرفتهم سحبها من يدها وعادا إلى حجرتهم وهو سعيد بذلك الانتصار. فاستطاع التغلب على سكونه وتشبثها بنوم الأطفال مكانه. وهو ما زال يطمئنها.
"ماتحسسينيش إنهم مسافرين يا حبيبي. دول خطوتين بين الأوضة دي والأوضة دي وكمان هما نايمين. بصي عليهم أهو كأنهم جارك. اهدي بقى وبلاش تأفورى."
أغلق باب الغرفة بالمفتاح ثم سحبها من خصرها حتى ارتطمت بعظام صدره وهو يشاغبها.
"بصي بقى إني راجل راجع على شوقة فعايز أنبسط وأعوض الليالي اللي فاتتني. عايز دماغ تفكر في انبساطي إني وبس بعيد عن العيال وعياطهم ورضاعتهم. يعني إني عايز سكوني. عايز أعيد الأمجاد اللي اتدهورت خالص وأنتِ دمرتيها. عايز نغمات عبد الباسط حمودة وبدلة نعيمة عاكف."
غرّت فاهها باندهاش لكل تلك الطلبات.
"وه ده كلاته حاجات عايزها في ليلة واحدة! طب هعملها كيف دي؟ وبعدين هو إني حمل عبد الباسط حمودة ونغماته ده دلوقتي حرام عليك."
أصر على قراراته في نعيم قربها.
"مفيش مفر ولا هروب من أي طلب إني عايزه. ما تحاوليش. ولعلمك كل هروب هتهربيه مني هيوبقى بعديه نار ودمار. فانجزي بقى قبل العيال ما يعملوا الدنيئة معايا عشان إني اتأكدت إني مش هتهنى عليكِ بعد أكده لحد ما يكبروا ويروحوا المدرسة كمان."
ضحكت على مأساته ثم تدلت بأنظارها إلى قميصه الذي ارتداه لنقل أبنائهم وهي منغمسة في فتحه.
"والله أنت مكبر المواضيع قوي يا عمراني. ما كنتش أعرف إن قوة تحملك تحت الصفر أكده."
توسعت بسمته ورفرف قلبه بانتصار وهو يقول بوله كي يطير فوق السحاب ويعانق النصر لقرب سكونه أخيرًا.
"تحمل مين دي أني جالي جفاف عاطفي وتقولي لي تحمل! بس خلاص يا سكوني هنعوض بقى ما فات وركزي بقى فيما هو آت يا حبيبي. ويالا بقي عايزك تبسطيني."
أومأت له وهي تربت على وجنته.
ارتفعت ضحكاتها الرنانة بدلال ودقت في أرجاء الغرفة.
"من عنيا يا روحي أنت تؤمر. هبسطك وهدلعك وهروق عليك ويالا شغل أنغام حمودة."
بدأ شبح ابتسامة خفيفة على ثغره ولكنها سرعان ما اختفت في بحر لهفته.
"دي هوى ياباشا أنت يا واحشني بالجامد."
وبالفعل قد أشعل الموسيقى لغنوته المفضلة وبدأت سكون تتمايل على أنغامها بخفة. وكان ذاك العمران سعيدًا بل متلهفًا للغاية وكأنها تتراقص على أنغام قلبه وغاصا كلاهما في عالمهم الخاص في عاصفة اقترابهم بعد كل تلك المدة.
بعد عدة ساعات قضاها في جلستهم المفضلة لقلبهم مع بعضهم غفى عمران أخيرًا. وفور أن تأكدت سكون من نومه ذهبت إلى أبنائها بتلهف كي تطمئن عليهم وتحتضنهم. ثم وجدت حالها تغفى بجانب صغيرتها والطفلين في تختهم الصغير. وما إن استيقظ عمران لم يجدها بجانبه فنظر إلى الشاشة وجدها نائمة في أحضان ابنتها. فمسح على شعرها بضيق وهو يشعر بالخيبة وأن أبناءه انتصروا عليه وسرقوا أحضان سكونه منه.
"الأسى كل الأسى لك عمران 😂"
بعد مرور ثلاثة أعوام على تلك الأحداث في منزل ماهر الريان هرولت إليه صغيرته ذات الثلاث أعوام وهي تبكي بشدة. فسحبها إلى أحضانه وهو يهدهدها.
"مالك يا حبيبي مين اللي مزعلك بتعيطي ليه؟ اهدي يا ماما."
مطت الصغيرة شفتيها للأمام وهي ما زالت تشهق في أحضان والدها وتشتكي له.
"مامي مزعلة روزي. مامي اش بتحبني."
حاول تهدئتها وهو يغمرها بأمان أحضانه.
"وهو في حد في الدنيا دي كلها يقدر يزعل روزي حبيبة بابي! وبعدين مامي أكيد مش قصدها تزعلك يا روزي. احكي لي حصل إيه لدموعك دي كلها!"
حركت الطفلة رأسها برفض وما زالت الدموع عالقة في عينيها.
"مامي قالت روزي اش ياكل دومي ولا شيتوس واش ترضى اني آكل منهم وروزي حبهم."
هدأها ماهر باحتواء.
"ماهو يا روزي ماما عندها حق. الاندومي والشيتوس غلط عليكي جدا. ممكن تشربي لبن وممكن تاكلي فشار مامي تعمله لك جميل وممكن تاكلي لسان عصفور أحسن من الاندومي."
رددت الطفلة بدموع.
"مامي قالت هم غلط وهي تاكل دومي وشيتوس وحدها واش ترضى تديلي وتقول روزي لسه صغنون."
اتسعت عينا ماهر من اعتراف الصغيرة وهو يسألها بذهول.
"هو انتِ شفتي مامي وهي بتاكل اندومي وشيتوس؟"
حركت الطفلة رأسها للأمام.
"ماما تقفل الأوضة وهي تاكل شيتوس ودومي وأنا شفتها مرة ومرة ومرة."
تنهد ماهر بأنفاس متلاحقة لما قالته الصغيرة وهو يغضب بشدة من أفعال تلك الرحمة التي حتما ستصيبه بالجنون. ولكن حاول تهدئة أعصابه أمام طفلته وهو ينهاها عن مراقبة والدتها.
"شوفي يا فيروز ما ينفعش يا بابا إننا نبص على مامي ونشوفها في السر أكده غلط كبير وربنا اللي في السما فوق هيزعل من فيروز و مامي أكيد بتبقى بتصلي وهي بتقفل على نفسها الباب أو تغير هدومها وعيب لما نشوف الكبير وهو بيغير هدومه. ممكن ما تعمليش كده تاني أوعدي بابي."
نظرت الطفلة لأسفل وهي تشعر بخطئها.
"حاضر بابي روزي مش هعمل كده تاني. بس أنت خلي مامي اش تاكل دومي وقول لها دومي يوجع بطنك ويخليك تروح للدكتور تاخد حقنة كبيرة أوجعها."
أدار ماهر وجهه للناحية الأخرى وهو يريد أن يضحك على كلمات تلك الصغيرة الماكرة والتي تشبه والدتها. فهي لم تقتنع بحججه. ولكن سيصعد إلى تلك الرحمة كي يريها من الويلات ما لا يعد ولا يحصى بسبب أفعالها التي ستصيبه بالجنون والقهر. وخصوصًا أن ابنته ترث منهما الذكاء والفطنة وسرعة البديهة رغم صغر سنها. ترك طفلته مع هانم وصعد لتلك الرحمة كي يلقنها درسًا لن تنساه.
دلف إلى الغرفة وجدها ترتدي نظارتها المهنية وتجلس على تختها وتلك الأوراق الكثيرة مبعثرة أمامها على التخت. واستمع إليها وهي تتحدث مع الأوراق وذاك القلم في فمها.
"ما هو الدليل ده مش كافي لتبرئتها لازم أفكر في دليل تاني. الجلسة بكرة يا أم مخ تخين، واني واثقة إنها مسرقتش."
ثم خرجت القلم من فمها وهي تحك به شعرها مما جعل ذاك الماهر ينظر إليها بتعجب من حركاتها تلك الغريبة بل والمريبة في وجهة نظره. ليهتف بحنق من تجاهلها له أو أنها لم تأخذ بالها من وجوده أساسًا. مما جعلها تفزعت من صوته المفاجئ بجانب أذنها.
"أنتي اتجننتي يا رحمة بتكلمي حالك!"
انتبهت لصوته الذي أفزعها لتقول.
"حرام عليك مش تخبط على الباب قبل ما تدخل ولا تقوم أحم؟"
نزع القلم من يدها التي ما زالت واضعة إياه في رأسها.
"والله هستأذن وإني داخل أوضتي على مرتي اللي دماغها مهفوفة. وبعدين إيه الحركات اللي مش لطيفة خالص اللي أنت هتعمليها دي!"
بعينين بريئتين سألته.
"حركات إيه اللي عملتها مش لطيفة يامتر؟"
أجابها باستنكار.
"بتحطي القلم في بوقك وترجعي تحطيه في شعرك ولا السرير المتبهدل بالأوراق دي كلها إيه الفوضى دي يا ماما؟"
لوت شفتيها بامتعاض لاستنكاره.
"هو إني فاضية للتركيز في الحوارات التافهة دي يامتر! إني عندي قضية مهمة شغليني اترفع فيها بكرة والمفروض آخر جلسة ولازم أثبت براءة الست اللي متهمينها في سرقة الخاتم بتاع الناس اللي شغالة عندهم وانت تقول لي قلم وورق وفوضى."
سألها باهتمام.
"وصلتي لإيه ومتأكدة إنها بريئة؟ ما يمكن هي اللي سرقته؟"
حركت رأسها للأمام بتأكيد.
"لا مش هي اللي سرقته. الست أنا سألت عنها جيرانها وكل اللي حواليها قالوا إن هي كويسة جدًا وست محترمة وبتربي يتيمة وعمرها ما تمد إيديها على حاجة حرام. وبعدين دي جاية لي من طرف واحدة صاحبتي كانت في الجامعة معايا ويعتبر جيران في الحتة وإني بثق فيها جدًا."
فكر سريعًا ثم سألها.
"طب مين اللي متهمها بالظبط؟ الست اللي شغالة عندها ولا حد تاني؟"
"وده هيفرق يعني؟ الست اللي شغالة عندها كانت مسافرة ورجعت لقيت طقم ألماس مختفي فحاولوا يدوروا عليه وما لقوهوش والطقم ده غالي جدًا ألماس حر تمنه ملايين. فاتهموها إن هي اللي سرقته وكمان الست قالت لي إن هي ما كانتش مصدقة جوزها عنها لأنها شغالة معاها من زمان وعمر دي ما حصل بس هو أقنعها."
ابتسم ماهر لتلك القضية ليردد بفطنة.
"طب قضية تافهة زي دي مدوخاكي أكده إذا كان إني عرفت مين اللي سرق الخاتم من كلمتين اللي أنتِ قلتييهم."
انتبهت بشدة لكلماته لتسأله بفضول.
"عرفت كيف ومين اللي سرقه؟"
رفع حاجبه ببسمة ماكرة لينطق بمماطلة.
"ما هو أنت لو بطلتي تاكلي الاندومي والشيتوس اللي انتِ حارمة بنتك منهم وتقولي لها خطر على صحتك وتقعدي تاكلي وتشربي الحاجة اللي منعاها منها يا قوية يا مفترية كان زمانك دلوقت قدرتِ تركزي مين اللي سرق الخاتم."
"آه هي البرنسيسة فيروز هانم قابلتك تحت وفضلت تعيط وترسم عليك دور البنت المظلومة اللي أمها مفترية. وطبعًا قعدت تطبطب عليها وتقول لها مامي وحشة."
وأكملت بتشبث لما تريده دون أي نقاش.
"شوف بقى أنت وبنتك كله إلا الشيتوس والاندومي دول بالنسبة لي حاجة مهمة في يومي وحتة المفعوصة دي اللي لسه ما طلعتش من البيضة مش هتأكلني على كيفها. لكن إني آكلها على كيفي وهي ما ينفعش تاكل اندومي ولا شيتوس هي لسه صغيرة لما تكبر تبقى تاكل."
"إيه يا ماما الجمدان بتاعك ده! حرام عليكي تفرضي قوتك وسيطرتك على البنت. طالما مش عايزها تاكل حاجة المفروض ما تاكليهاش أنتِ كمان وتخلي عندك دم. مش هتقعد تبص لك. وخلي بالك فيروز ذكية جدًا حتى لو مش بتاكلي قدامها بتبقى عارفة إن انتي في الأوضة قافلة على نفسك بتاكلي التفاهات بتاعتك دي. ما ينفعش يا رحمة وبعدين أنا بنتي مش كل يوم هاجي ألاقيها بتعيط وبتشتكي لي منك. انتي أمها يا ماما يعني المفروض تكوني حنينة عليها أكتر من أكده."
"يوه من فيروز وسنينها. إني حاسة إن إني ضرتها مش مامتها. معرفش البت دي حطاني في دماغها ليه! أكيد أنت اللي مسلطها عليا عشان تراقبني. شوف بقى أنت وبنتك أنا مش فاضية لكم أنا ورايا قضية مهمة ومصيرية ست غلبانة هتروح في الحديد لازم أركز بقى. انزل طبطب عليها أنت. والله لاوريها الجزمة عشان تبقى تشتكيني ليك كل يوم والتاني."
"سبحان الله كأنها مش بنتك ولا مخلفاها من بطنك. في إيه يا ماما ده انتِ جبروت!"
نفضت عن بالها ما يقول لتعود إلى الأوراق مرة أخرى وهي تطلب منه.
"سيبك من الكلام ده ونادي على هانم تعمل لي كوباية قهوة عشان دماغي هتنفجر. بقى لي ساعتين ماسكة الأوراق دي ومش عارفة هعمل إيه. بس هوصل برده المحاكمة كمان يومين."
"طب مش محتاجة مساعدة إني تقريبًا عندي الخيط اللي هيوصلك لبراءة الست دي."
رفضت مساعدته بشدة.
"ليه ده قضيتي وأنا اللي لازم أكتشف البراءة بنفسي. مش عايزة مساعدة منك عشان ما ترجعش تعايرني بعد كده."
بعد مرور يومين وبالتحديد في المحكمة، حان الآن موعد المحاكمة لتلك الخادمة المتهمة في سرقة الخاتم لسيدتها. حيث حضر ماهر الجلسة مع رحمة. فلأول مرة تترافع اليوم أمام القاضي بمجهودها البحت دون أي مساعدة منه مما جعله يتأهب خوفًا لخسرانها القضية وهو يسألها بقلق.
"يا رحمة ما فيش وقت خلاص. قدرتي توصلي فعلًا لدليل براءتها ولا محتاجة مني نتفاهم قبل ما القاضي يدخل القاعة؟ قدامك 10 دقائق هقدر أساعدك فيهم؟"
رفعت رأسها بشموخ وهي تطمئنه بثقة.
"هل عندك شك إن رحمة سلطان المهدي مش هتهز المحكمة النهارده؟ أي نعم الست والراجل اللي اتهموها من عيلة كبيرة وليهم مناصب كبيرة في البلد بس إني هلاعبهم على الشناكل النهارده ومحضرة لهم مفاجأة من العيار التقيل."
ابتسم سِنُّه وهو فخور بها وواثق الخطى من ذكائها.
"والله وبقيت خط محاكم مولود جديد يا صغنن. طب إني اطمنت وهقعد أتفرج واني مستمتع وأنتِ هترجي المحكمة."
بعد مرور عدة دقائق وأخيرًا بدأت المحاكمة بعد أن أنهى المحامي الخاص لهم اتهام تلك البريئة التي تدمع بشدة في القفص لظلمها. حتى حان دور رحمة التي وقفت أمام القاضي بوقار.
"رحمة سلطان المهدي حاضرة عن المتهمة حسنية السيد فتحي."
أشار لها القاضي أن تبدأ مرافعتها.
"اتفضلي يا أستاذة."
بدأت رحمة مرافعته.
"سيدي القاضي حضرات المستشارين. أنتم أطباء النفس كما أنتم قضاة العدل. والطبيب البصير لا يتردد. لا أريد بالرحمة أن تتجاوزوا للمتهم عن شيء مما يستحقه عدلًا. لأني لا أقول أن الرحمة فوق العدل بل أقول أن الرحمة هي أقصى وأسمى مرتبة من مراتب العدل. فإنما أطلب العدل في أرقى معانيه وأسمى مراتبه. فالقضاء رسالة وأمانة به يرعى العدل في الأرض وبه يقام ميزان الحق عليها. سيدي الرئيس حضرات السادة القضاة. لا عدل بغير حق ولا حق بغير حقيقة ولا حقيقة بغير تحقيق. فلا ضياء للحقيقة ولا رأي للحق ولا اكتمال للعدل إلا بالتحقيق السليم القويم. إن موكلتي بريئة من تهمة السرقة كبراءة الذئب من دم ابن يعقوب ولم تسرق ذاك الطقم. فلتسمح لي هيئة المحكمة بالاطلاع على تلك الأوراق كي نكتشف الحقائق رويدًا رويدًا."
اطلع القاضي على الأوراق ثم سألها.
"إيه علاقة الأوراق دي بالقضية يا أستاذة."
"سيدي القاضي إن هذه الأوراق دليل براءة موكلتي من تهمتها. فتلك الأوراق عبارة عن صورة من قسيمة زواج المدعو "حسان عبد الغني عميرة" من ابنة عمه "نيرة محمد عميرة" زوجة ثانية على زوجته صاحبة الدعوة الموجهة لموكلتي."
سألها القاضي مرة أخرى.
"مش فاهم برده إيه علاقة جوازه الثاني بالقضية. ممكن توضحي أكتر يا أستاذة."
في نفس القاعة انصدمت زوجة حسان من زواجه بأخرى. وهوى قلبها بين قدميها من هول تلك المفاجأة. لا بل صفعة عمرها من ذلك الرجل الذي تزوجته وفضلته على كثير. قد خانها وتزوج بابنة عمه. والآن تيقنت أنه هو السارق لها. أما هو انصدم من معرفة تلك المحامية بزواجه. فهو قد تزوجها سراً ولم يعرف أحدًا بزواجهم غير المأذون والاثنين الشهود.
كانت زوجته تنظر إليه والنيران تتأجج في صدرها. وهو لم يستطع تكذيب تلك المحامية فالأوراق التي بيد القاضي سليمة. أما رحمة أكملت للقاضي.
"باختصار سيدي القاضي إن زوج المدعية اتجوز من بنت عمه في السر. فحب يعمل معاها واجب فقدم لها الطقم ده هدية في سفر زوجته الأخير. وطبعًا ما لقاش حد يلبسه التهمة دي غير الست اللي بتخدمها وهي بريئة وشغالة معاها من سنين ومعروف عنها السمعة الطيبة وإنها عايزة تربي بناتها اليتامى وعمر ما حد جاب سيرتها بالسوء أبدًا."
"طب إيه دليلك إن هو أهدى مراته التانية بالطقم ده؟"
أخرجت من حقيبتها مجموعة من الصور وقدمتهم للقاضي. ثم أخرجت هاتفها وبحثت عن ذاك الفيديو المنتشر على صفحة زوجته الثانية. اطلع القاضي على الصور والفيديو الذي كانت تتباهى به ابنة عمه بذاك الطقم على صفحتها. وأكملت رحمة دفاعها.
"الصور اللي قدام حضرتك لزوجة حسان الثانية وهي لابسة الطقم نفس المواصفات اللي موجودة في المحضر بنفس الشكل ونفس الصورة والفيديو اللي قدام حضرتك برده اللي هي منزلّاه على قصصها على فيسبوك والانستجرام وهي بتستعرضه قدام الناس نفس مواصفات الطقم اللي في المحضر. تسمح لي يا حضرة القاضي إن المدعية تشوف الصور والفيديو وتعرف إذا كان ده الطقم بتاعها ولا لا؟"
بالفعل قامت زوجة حسان المخدوعة واطلعت على الصور والفيديو بعينين مصدومة وتيقنت أن هذا الطقم الخاص بها قد سرقه منها وأعطاه لغريمتها. فلقد غشها وخدعها وتزوج عليها دون علمها. فاقت من صدمتها على سؤال القاضي.
"ده الطقم بتاعك يا مدام اللي جوزك مهاديه لمراته التانية."
حركت رأسها للأمام وهي تردد بانتقام.
"أيوه يا حضرة القاضي ده الطقم بتاعي أنا عارفاه كويس جدًا. ده حتى الفستان اللي هي لابساه بتاعي."
نادى القاضي على زوج المدعية وسأله عن زواجه من ابنة عمه ولم يستطيع الإنكار. فرحمة قد أتت بالقسيمة من السجل المدني ومختومة والتشكيك في تزويرها حتما مرفوض.
بعد اطلاع القاضي على الأوراق المقدمة من رحمة والتأكد من صحتها وسؤال زوج المدعي عن الطقم ولم يستطيع الإنكار كي لا يجلب لابنه عمه وزوجته الثانية المشاكل اعترف بأنه قد أخذه وقدمه لها هدية زواجهم. وأخيرًا نطق القاضي.
"حكمت المحكمة حضوريًا ببراءة السيدة "حسنية السيد فتحي" ومراجعة التحقيقات مع زوج المدعية "حسان عبد الغني عميرة" واتهامه بسرقة زوجته. رفعت الجلسة."
أشاد الجميع بمهارة رحمة لاستطاعتها الدفاع عن تلك السيدة المسكينة وإتيانها بالبراءة أمام الجميع.
بعد مرور بضعا من الوقت كان ماهر ورحمة في سيارتهم أخيرًا بعد الانتهاء من الجلسة وما بعدها. أغلق ماهر السيارة بإحكام ثم نظر إلى رحمة مرددًا بفخر.
"ألف مبروك القضية يا حبيبي. أول قضية تترافعي فيها من غير ما أساعدك. بس بصراحة أبهرتيني. قولي لي بقى قدرتي توصلي للحاجات دي إزاي."
"الله يبارك فيك يا حبيبي. ابدأ ما فيش غير حسان هو اللي موجود في البيت مع حسنية وهي بريئة. فقلت أدور في السجل المدني أشوفه متجوز ولا لا صدفة يعني وفعلاً لقيته متجوز على مراته. وطالما متجوز عليها يبقى هو اللي خد الطقم وسرقه. طبعًا بحثت عنها بالاسم على فيسبوك والصورة أنا عارفاها من القسيمة ولقيتها منزلّة بستوريات بتتباهى بقى بالطقم الألماظ اللي حبيبها جابه لها وبس يا سيدي لبست البيه التلبيسة التمام في المحكمة."
"ما طلعتيش سهلة يا صغنن وشكلك هتبقي ديبة كبيرة في المحاكم. هنيئًا لكي."
"يا باشا أنت معلم واحنا منك نتعلم. دي حاجة كده بسيطة على قدنا قضية صغيرة. لسه ما وصلتش إني أترافع في جهابذة من القضايا التقيلة. همتك معايا بقى وابعت لي حبة حلوين كده على مكتبي."
سألها بعبث.
"طب والمقابل إيه؟ ما ببعتش أنا حاجة من غير مقابل."
مطت شفتيها للأمام بدلال وهي تتمسك بقميص بدلته وتقترب منه.
"اللي أنت تؤمر بيه هنفذه يا بيبي. أنت عارف إني هحبك قد إيه ومقدرش أرفض لك طلب خالص يا روحي."
"يا مكارة بقيتي بتعرفي تلعبي على أوتار قلب ماهر يا رحمتي."
"طبعًا لازم أتعامل بذكاء معاك يا موري عشان أنت مش سهل خالص ودماغك رهيبة."
"قولي لي يا رحمتي إيه أكتر حاجة مطمنالك وأنتِ معايا؟"
ابتسمت وهي تنام على صدره وتعبث بيدها في صدره المفتوح أعلاه وهي تجيبه بما أشعره بأنه ملك الكون غرامًا.
"فيك أمان جـ.ـميل شبه ابتسامتك اللي بتديني أمل. فيك حنان وحبة شهامة جامدين وكفيلين يخلوا الفاقد للحياة إنه يحبها ويكمل. فيك رجولة جذابة بتزود وسامتك كل يوم عن اليوم اللي قبله. معاك بحس إني بنتك واني عشقتك، واني مراتك."
ثم رفعت عينيها وأكملت جمال كلماتها.
"باختصار يا ماهر أنت اللي سقيت الوردة الدبلانة عطشها وكنت ليها الشمس اللي ادتني القوة عشان تزهو من جديد وعبقها الجميل يفوح في كل مكان."
كان قلبه يدق بعنف شديد لكلماتها الرقيقة الراقية ليحتضن وجهها بين كفي يديه.
"تعرفي إني قلبي هيدق جامد من كلامك يا رحمتي. وأنك بالنسبة لي أهم وأغلى حاجة في حياتي. أنتِ وفيروز."
مطت شفتيها باستنكار ما إن أتى بسيرة طفلتهم.
"يعني في أهم لحظة لازم تجيب سيرة الملكة بتاعتك فيروز. أنا بقيت حاسة إن البنت دي خدت مني حبيبي."
"أنتِ غيرانة يا صغنن من بنتك! ليه يا رحمتي ملكيش حق."
"آه هغير منها حساها أخدت تلت أربع قلبك وإني الربع اللي باقي."
"ليه حرام عليكي أنتِ النص وهي النص التاني."
"ليه يا ماهر إني محدش يشاركني قلبك ويستحوذ على كله غيري."
"طب إيه رأيك بقى إحنا نروح دلوقتي نوزع فيروز مع هانم عايزين نقضي ليلة سعيدة نحتفل بنجاح قضيتك وكمان في قضية مهمة لازم ندرسها مع بعض. كفاية عليها تأجيل لحد أكده."
سألته بتعجب.
"قضية إيه دي يا متر؟"
قبّلها من وجنتها بهيام.
"عايزين نجيب البيبي التاني بقى. كفاية تأجيل بس نزود الشغل ونرفع المهام عشان نجيب اتنين مرة واحدة."
"هاااااا حرام عليك دي فيروز مجننيني أنا ليه يمكن أفكر أخلف دلوقتي إلا لما تروح المدرسة."
تعصب بشدة.
"بصي عندك قدرة فائقة إنك تبدلي اللحظات السعيدة لعصبية شديدة وترفعي لي الضغط في دقيقة. مدرسة إيه دي اللي هنستنى فيروز تروحها عشان نجيب لها أخ أو أخت. مفيش الكلام ده انسي."
"لا بقى أنت اللي تنسى. أنا واحدة ورايا مشوار كبير في شغلي والخلفة هتعطلني. وبعدين إحنا مخلفين وفيروز مالية علينا الدنيا."
"طب قرار بقى آخرك معايا سنة وتكوني مخلفة لي عيل أو زي ما يبعت ربنا يا بت سلطان."
"متقوليش يا بت سلطان دي تاني. أنا اسمي المحامية رحمة سلطان المهدي. مش هخلف إني دلوقتي خالص."
"ليه بت سلطان وكلامي هيمشي عليكِ واللي عايزاه هو اللي هيحصل وهنشوف يا رحمة."
"هنشوف يا ماهر. يلا بقى روحني وشكراً على زعيقك عليا في يوم زي ده."
"والله أنتِ اللي مستفزة وتعصبي أي حد في ثانية. عصبتيني ورفعتي لي الضغط. يلا هنمشي ولما نروح البيت ليا صرفة معاكي بقى في الموضوع ده بالذات. وأما أشوف حوار السنين اللي أنتِ عايزة تأجليها دي ومش هيحصل يا رحمة."
(ونسبهم بقى يتخانقوا 😅😅)
في منزل فارس وفريدة. أزيك الوقت المتأخر من الليل تبحث عنه ولم تجده بجانبها فاندهشت. فكل يومين أو ثلاثة يتسلل من جانبها ولم تعرف أين يذهب ويتركها هي وطفلها. وحين تسأله عن قيامه من جانبها يخترع أي أسباب.
هبطت الدرج بتمهل تبحث عنه في أرجاء المكان بأقدام كهلام كي لا يشعر بها ككل مرة. وأخيرًا اكتشفت مكانه. وجدته في تلك الغرفة المنزوية بعيدًا عن الغرف. تقدمت بخطواتها نحو الغرفة وهي تلقي بأذنها علها تسمع شيئًا. وإذا بها تنصدم مما استمعت إليه حيث كان يردد بنبرة شجن.
"وحشتيني قوي يا بيرو. بقى لي يومين ما كلمتكيش. مش عارف أفلت من فريدة. طمنيني عنك أخبارك إيه؟"
رواية من نبض الوجع عشت غرامي الفصل السادس والثلاثون 36 - بقلم فاطيما يوسف
في مكتب ماهر البنان حيث يجلس في مكتبه يستشيط غضباً من تمرد تلك العنيدة، فهو لم يتعافَ بعد من مرضه وجسده مازال واهناً.
منذ البارحة وهو يهاتفها ولم تجبه، وفي كل مرة تغلق الهاتف بوجهه فتزيده غضباً من عنادها وتيبس رأسها.
والأدهى من ذلك أنها قد بلوكته من جميع الاتجاهات، مما جعله يدور حول نفسه بغضب عارم من فعلتها الشنعاء، وهو يتوعد لها بالويلات ما لم يخطر على بالها.
ظل على حالته تلك منتظراً مجيئها إلى المكتب، فهو فكر كثيراً، لا يريد الذهاب إلى منزلها كي لا يعلو صوتهما والأمر يتفاقم إلى تدخل أي من أهلها بينهما، ووقتها ستحمل النفوس من أي كلمة لم تعجب الطرفين.
وظل ينتظرها في المكتب، وقد وصل الغضب ذروته، حتى مر أكثر من ساعتين على ميعاد مجيئها المكتب ولم تأتِ بعد، ولقد نفد الصبر من صبره.
فقرر أن يذهب إليها في منزلهم، وليكن ما يكن وتتحمل عقباه وحدها.
حمل مفاتيحه وهاتفه وكاد أن يخرج من مكتبه، ولكنه وجدها تدلف إليه بوجه متهجم وملامح تدل على أن العواصف ستحدث بينهم لا محالة.
نظر إليها نظرة مطولة تحوي كثيراً من المعاني التي فهمتها بتنقلاتها بجدارة، ومن يملك دهاء رحمة المهدي غيرها؟
ولكنه يعرف أن الأمر برمته صعب عليها، فحاول تهدئة أعصابه الثائرة داخله، فقد كان يغلي كالبركان، ثم أشار إليها أن تدلف إلى المكتب بصمت تام.
ومن ثم عاتبها بهدوء ما قبل العاصفة:
"عايز أسأل سؤال وأتمنى إجابته متكونش زي اللي في بالي."
وأكمل متسائلاً إياها وهو ينظر داخل عينيها بنبرة هادئة كهدنة محارب قبل أن يشد أجزاء سلاحه:
"انت عملت لي بلوك من على الواتساب والفيس أو تقريبا من كل الأماكن؟"
بنبرة أشبه للجمود قد هيأت لها نفسها بصعوبة بالغة، فهي أخذت موقفاً مع نفسها وأعدتها للصمود أمامه، ولن تضعف أو تستكين لأمر قلبها اللعين الذي يشتاقه حد الجنون.
ولكن كرامة الأنثى داخلها وكبرياؤها غلب عاطفة اشتياقها.
تجاهلت سؤاله وكأنه لم يقال أو يسأل شيئاً، ثم مدت يدها بالورقة التي بحوزتها قائلة بشموخ ورأس مرفوع لأعلى:
"اتفضل يامتر ورقة استقالتي واعتبرني مش موجودة وسط فريقك من النهاردة."
انفعل ذاك الجامد المتصلب بطريقة لم توصف بعد، ثم أخذ منها الورقة بأصابع متهجمة، ومن ثم رماها من نافذة المكتب، ثم جذبها من يدها بعنف واتجه ناحية الغرفة التي أعدتها هي بنفسها لاستراحته، وأغلق الباب خلفه تحت تزمتها الشديد.
فحقا لقد أثارت حنقه، ولأول مرة يتعامل أحدهم معه بذلك التجاهل، ثم أقسم أمامها وهو يجز على أسنانه بغضب شديد:
"أقسم بالله لو كان مخلوق غيرك اتجرأ وعمل وياي اكده لكان زمانه ورا الشمس دلوك."
أفلتت يداها من يده عنوة، واصطنعت عدم الخوف أمامه، مع أن داخلها يرجف رعباً وهلعاً من منظره الغاضب، ولكنها تمالكت حالها بثبات تدربت عليه جيداً قبل أن تجيء إليه الآن، وهي على ثقة تامة بأن مقابلتهم تلك لن تمر مرور الكرام.
وهي تهتف بنفس نبرته الغاضبة من جذبه لها بتلك الدرجة المهينة وسحبه لها إلى تلك الغرفة عنوة عنها:
"انت إزاي تتجرأ وتجرني وراك بالطريقة دي وكأني عبدة وأنت سيدها؟!"
وأكملت بنفس قسمه وهي تجابهه غضبه عيناً بعين وسناً بسن، وهي تشير بأصبعها تجاه الباب الذي أوصده بإحكام:
"وقسماً بالله ويُـمين على يمينك يا ماهر لو ما فتحت الباب وسيبتني أخرج لهتشوف من كيد الحريم ما لا يخطر لك على بال."
هنا امتنعت عقارب الساعة عن الدوران إجلالاً لما نتج من تحدي العناد أمام جيوش غضبه الذي أوصلته له تلك المسكينة التي سترى من الويلات على يد ذاك الماهر، وهو يهتف بفحيح:
"كأنك عقلك فوت ولسانك فلت منكِ، ومهتعرفيش إن المرة متحلفش على جوزها يابت الناس!"
"واللي خلق الخلق لو ما ظبطيش لسانك واتعدلتي وأنتِ بتتحدتي ويا جوزك لاهكون مكسر لك دماغك داي، ومش بس أكده هتشوفي اللي عمرك ما شفتيه في حياتك يابنت سلطان."
دب القلق في صدرها مع تنهيدة حارة خرجت من ثغرها، ولكنها تمالكت حالها سريعاً كي لا يستشف ذاك الداهي خوفها البائن، ثم هدرت به:
"وه! هو خدوهم بالصوت قبل ما يغلبوكم ولا إيه يامتر؟!"
واسترسلت بقوة واهية كي تجعله يشعر بجل خطأه فيما ارتكبه معها:
"أني حرة أعمل اللي على كيفي ومحدش له حكم علي غير أبويا."
ضرب الحائط بقبضته الفولاذية، وقد رفع ضغطه الآن بفضل عنادها، ولتتحمل عواقب زهقه منها وغلظة ما يتفوه به لسانه:
"حرة مين ياهانم، فوقي لنفسك، أني جوزك لو انتِ نسيتي؟"
رفعت جفونها ببطء، ثم نطقت بنبرة حادة وتفوهت بما جعله ينفث ناراً وصلها لهيبها، ولكن تلك الحمقاء أكملت:
"كاتب كتابي بس ومليش عليك حقوق ولا أوامر، وإذا كانت حتة الورقة دي هتخليك تعاملني كأني عبدة، يبقى نفضها سيرة ويادار مادخلك شر. وروح دلل وهنن الست شمس بتاعتك."
بمجرد أن تفوهت هرائها ذاك، اندفع إليها ليشن حروب أفعالها فوق رأسها بكبرياء رجل عاشق لامرأة متمردة، وكادت أن تكمل هزلها، ولكن نظراته الحادة أرغمتها أن تبتلع ما علق في حلقها من كلمات وتتراجع للخلف.
فتتقدم خطواته بقدر تراجعها، ويغرس خنجر سؤاله في صدرها بهسيس، وعيناه محمرتان من شدة غضبها:
"عايزة تتطلقي يارحمة؟!"
ثم قبض على معصمها بقوة وعنف بصوته المملوء بالجبروت:
"طب الكلمة دي لو لسانك نطقها تاني لهتشوفي النجوم في عز الضهر على يدي. وهتشوفي الجحيم على الأرض علشان توبي تمسكي لسانك قدامي قبل ما ترطي هبل على الفاضي."
دارت حوله في المكان بجسد ينتفض رفضاً لطريقته، وبنفس نبرته المملوءة بالجبروت هاتفته:
"والله أني مبتتهددش ومتخلقش اللي يوطي راس رحمة المهدي، ومش هي اللي ترضى بالخنوع والذل، وإن كان على قلبي اللي هيعشقك هشق ضلوعي وأفرمه بيدي وأعيش بجسم من غير قلب، ولا إن حد أيا كان مين يفرض سيطرته وهيلمانه عليا."
حاول تهدئة حاله من ثورة غضبه، فمهما كان لابد أن يراعي غيرتها، والآن لابد أن يفهمها الوضع بأكمله كي يجعلها تهدأ.
ثم ضم شفتاه وكأنه بتلك الحركة يحاول كبح جماح ثورانه، وأمسكها من يدها عنوة، ولكنها لم تستطع الإفلات من قبضة يده، وجذبها ناحية التخت وأجلسها غصباً عنها ليقول بنبرة تبدو أكثر هدوءاً:
"ممكن بقى تبطلي هري وعصبية وكلام أهبل لا يهودي ولا يجيب."
"ممكن بردو دلوك تعرفيني سبب ضيقتك وثورتك وكلامك اللي عمالة تبخيه في وشي زي السم ده."
"ياه، كأنك معرفش وبتتهمني بالجنون وإني هقول أي كلام وخلاص..." جملة تهكمية نطقتها رحمة بنبرة ساخرة نظراً لتساؤله الأحمق من وجهة نظرها، ثم عقبت بما ينهي ذاك الحوار:
"تمام، هعمل بأصلي المرة دي. غراب البين اللي جت لك دي تقطع قدامها كل الطرق وتغور في داهية تاخدها بعيد عننا، وبعدها بقى نتفاهم ونشوف إزاي جت لك وسمحت لنفسك تقعد وياها وحديكم في البيت بدون رضاي، والله أعلم لو مكنتش موجودة وقتها يمكن ماكنتش عرفت بمجيها عندك."
"هخاف منك إني إياك يابرنسيسة زمانك..." نطقها ماهر بسخرية مماثلة، ثم تابع بنبرة حادة وحاسمة:
"للمرة المليون بقولك اظبطي لسانك معايا يارحمة، واعرفي إنك بتتكلمي ويا جوزك."
واسترسل حديثه وهو يحاول أن يهدأ من نبرته الغاضبة إلى أخرى لينة، وهو يمسح بيده على خصلات شعره الأسود:
"باختصار، هي في أزمة شديدة، وقبل ما تتهميها بالكذب، أني اتأكدت من كل كلمة قالتها، ولجأت لي كمحامي أولاً وكبيننا عشرة قديمة ثانياً، فخليكي عاقلة يارحمة."
ثم اقترب منها وهو يحتضن وجنتيها بكفي يديه، ويحاول التأثير بقربه منها على مشاعرها واستغلال محبتها لها وعشقها له:
"واعرفي إن لو قدامي ألف ست في الدنيا ومقفول على معاهم باب واحد وكلهم رايدني، وقتها هكسر البيبان وهاجي حدك بين إيديكي علشان ما أشوفش فيهم كلهم ضفرك ياحبيبتي."
لقد صدمها الآن بقراره ذاك، فقد كان يشعر بأنها فقدت السيطرة على حالها في اقترابه واشتياقه، ولكن ذاك الماهر لم يفهمها جيداً ويدرس شخصيتها العنيدة التي لا تقبل أبداً أن تدلف أحداهن إلى حياته، ومن بالتحديد أنها أخت زوجته المتوفاة، يا لك من رجل متجبر أيها الماهر!
أحست بالمهانة الآن لأول مرة من تصميمه في الوقوف بجانبها، ثم انسدلت دموع عينيها وشعر بسخونتهما عندما هبطت على يديه، معلنة على أنه جرح كبرياءها وأنه الآن على مشارف خسارتها.
فهو في موقف يُحسد عليه الآن، إما أن يُلقي بتلك اليتيمة في غيابات الجب ويخسر رجولته أمام نفسه.
شعر بأنه يحترق الآن وأنه داخل دوامة ضيقة، بل في نظره أضيق من خرم الإبرة بذاته.
ثم جفف دموعها بأصابع يديه القويتين بحنان رجل عاشق، ورفع عينيها المغشية بالدموع وجعلها تقابل عينيه وهمس لها بنبرة راجية:
"صدقيني يارحمة دموعك بيقطعوا في قلبي كأنهم سيوف، بس والله العظيم غصب عني مقدرش أكون مش راجل، مقدرش أشوفني بني آدم يقدر يساعد بني آدم شريد قدامه واحتمال في وقت حياته تتعرض للخطر وفي يدي مساعدته ومساعدهوش."
"خلي عقلك كبير واعتبريها ملهاش وجود."
فقدت الأمل بشتى الطرق في إقناعه، والآن لأول مرة هزمت رحمة المهدي، بل والأدهى في معركتها هي.
جعلكِ نفسي من شعور الخذلان الذي حاوطكِ من حبيبكِ الأول.
جعلني أدمع، أتوه، أتمنى الموت ولا أن أراك ترمش فقط لامرأة غيري.
قل لي حبيبي الأول، أضايقتك غيرتي المحقة بها!
أأرهقك عشقي وروحي المتعلقة بروحك كي تجعلني أتندم؟
لا، ماهري، فصغيرتك على الحب كما لقبتها كهلت الآن وأصبحت ترى الفراق متقدم.
ثم همست بجانب أذنيه بنفس كلمتها، وهي الآن يرواضها عقلها أنها امرأة مهزومة خائبة:
_ طلقني ياماهر.
تشبث بأحضانها كالطفل الصغير في أحضان أمه وخائف من أن تتركه وحده، وهو يهمس بنبرة صوت أجش من فرط مشاعره التي تبعثرت في اقترابها:
_ لو السما انطبقت على الأرض ماعملهاش يا بابا، انسى إنك تبقى لحد غير ماهر.
تنهدت بأنفاس ساخنة طويلة، شعر بدفئها في تجويف عنقه، ثم على حين غرة واجه عينيها مقبلاً إياهم برغبة، وكأنه بتلك الحركة يثبت ملكيتها له، فانسدلت الدموع وبللت شفتاه هو الآخر، فلم يشعر بالاشمئزاز وابتلع دموعها وكأنها أنهار من العسل المصفى، مما جعلها تتأثر بحركته تلك ويرتعش جسدها رغبة به.
وهي تتحسر داخلها من خيانة قلبها لها وانسياقه وراء غرامه المتيم بذاك الحبيب، ولكن وعى لحالها وهي تبعده عنها برفق، نظر لأعصابها المفككة من اقترابه، ثم حملت حقيبتها وخرجت من الغرفة بل من المكتب بأكمله، وهي تنوي الفراق لامحالة، فهو قد فضل تلك الشمس ووجودها عليها، وهي لم ولن تستكين.
***
في المشفى، حيث خرج ذاك الطبيب من غرفة مكتبه الخاص وهو يرتدي البالطو الأبيض، رافعاً رأسه لأعلى، ويزين وجهه نظارته الطبية التي أعطته وسامة زادت على وسامته، فقد كانت الساعة السادسة صباحاً، فذاك موعد مروره على المرضى، ناهيك عن رائحته التي عبأت المكان بأكمله.
كان يتمشى في الرواق المؤدي إلى غرف الفحص التي يمكث بها المرضى، ومن يراه يظنه أحد عارضي الأزياء من طوله الفاره ومشيته المتزنة، فرأته الممرضتان الواقفتان بذاك الممر بعينين متصنمتين على واثق الخطى ذاك، ثم غمزت إحداهن في أذن الأخرى وعيناهما تتآكله دون حياء:
_ يا شتات الشتات يابت، شايفة اللي أنا شيفاه دي ولا نجوم السيما؟ يخربيت جمال أمه.
أومأت الأخرى لها وهي تسير على نهجها الأهوج:
_ يا خراشي يابت، أول مرة أشوف راجل بنضارة وبالطو أبيض قمر كده. دي أكيد وارد بلاد بره ولا إيه حدفة الصعيد دي؟
أكملت الأخرى وهي تحرك شفتيها الغليظة بطريقة لا تليق بممرضة:
_ يوووه، ولا ريحته حلوة قوي تهبل! دي المفروض يتحط في باترينة مش يمشي على الأرض كده يابوي.
رأتهم تلك الممرضة وسمعت حديثهم المثير للاشمئزاز وهدرت بهن:
_ بذمتك منك ليها، مش مختشين من حديثكم دي اللي لا يرضي رب ولا عبد!
الله الوكيل لو ما تلميتي منك ليها لهكون مبلغة الريسة باللي بتقولوه، وأخلي عيشتكم مقدنلة، اتحشمي يابت منك ليها.
ثم عبرت من جانبهم وهي ترمقهم بنظرة استيائية وهي تهتف بحنق:
_ كاتكم الهم، بنات آخر زمن تجيب العار لأهلها.
فور أن تحركت من أمامهم، كتموا أفواههم، فقد تلونت وجنتاهم بحمرة الخوف، فتلك السيدة لا تخشى في الحق لومة لائم، ولو أبلغت رئيستهم سوف ينالون من بطشها ما لا يقدرون عليه.
أما ذاك الفارس، قد استمع إلى بعض هرائهم وشعر بالاشمئزاز من أن هؤلاء من ضمن النسوة.
دلف إلى غرفة الفحص، وكانت فريدة موجودة بنفس التوقيت في نفس العنبر، فتهجم وجهها على الفور ما إن رأته أمامها، ثم أنهت فحص المريض الذي بيدها ودلفت إلى الشرفة الموجودة في الغرفة، ويبدو عليها الاشمئزاز الشديد منه وهي تنظر إليه عن قصد نظرة استيائية جعلته يندهش من نظرتها وتهجمها عليه بتلك الدرجة، وما زاده اندهاشا هو مغادرتها العنبر في وجوده.
نفض عن باله ما فعلته، ثم بدأ بالكشف على المرضى بحرفية تامة، فكان يبتسم للصغار ويربت على ظهر الكبار بحنو لم يسبق لطبيب من قبل.
كانت تتابعه من خلف الزجاج بملامح متعجبة وعينين مسهمتين على ما يفعله ذاك المعتوه من وجهة نظرها.
جميع من في العنبر أحبوه بشدة وأصبحت الدعوات ترافقه منهم جميعاً، مما جعلها تجلس في الشرفة تحدث حالها، ويكاد يضربها الجنون من شخصية ذاك الطبيب الغير مفهومة بل والمعقدة من وجهة نظرها.
أما هو، فور أن أنهى جميع الفحوصات، دلف إلى الشرفة بملامح هادئة ووجه يبدو عليه الطيبة، ثم ألقى السلام بوقار:
_ السلام عليكم ورحمة الله.
لم تجبه على سلامه، فاندهش، ثم تحدث ملاماً لها بذوق جعلها تصنمت مكانها:
_ رد السلام فرض يادكتورة. ممكن أعرف ليه أول ما دخلت بصيت لي بصة مش لطيفة وسبتي الكشوفات اللي في إيدك؟ هو أنا صدر مني شيء زعلك تقريباً؟ أنا أول مرة أشوفك وكمان دخلت دلوقتي برمي تحية الإسلام ما رديتيش عليا، هو أنا شكلي في حاجة معصباكي؟
فتحت فاهها على وسعه من كلام ذاك المجنون، ثم هتفت باستنكار:
_ والله! أنت شكلك اتجننت وأنا معرفاش.
انت هتستعبطني إياك ولا بتقول في بالك دي صعيدية وهبلة هاكل بعقلها حلاوة؟
ضم حاجبيه باندهاش من طريقتها، ثم سألها مرة أخرى كي يفهم منها لم كل ذاك العداء، وهو لأول مرة يراها:
_ هو حضرتك بتتكلمي بجد؟ أنا مش فاهم حاجة، أنا أول يوم ليا هنا في المستشفى ومعرفش انت تقصدي إيه بالظبط. فلو أمكن حضرتك يادكتورة تفهميني بطريقة راقية، أنا صدر مني إيه بالظبط؟
مازالت على ذهولها من ذاك الشخص، أيعقل أنه مصاب بالزهايمر وهو في ريعان شبابه أم ماذا به.
تلك التخيلات التي جالت ببالها جعلتها شعرت بالفزع من ذاك الكائن، ثم على الفور قررت ترك الشرفة له، ولكنه لحقها قبل أن تخرج وأمسكها من ذراعها برفق، فاستدارت بجسدها كي تصفعه لأجل ملامستها مرة أخرى، فتقابلت عيناها بعينيه وتسمرا كلاهما، ثم هتف هو الآخر وهو يشعر بجسده يهتز داخله متأثراً بعينيها السوداويتان، مما جعله وقع أسيراً بها في التو، فعينيها بهما لمعة وقوة لم يرهما في امرأة قط. لقد استفزته بطريقتها وبتجاهلها له وطريقتها العنيفة، ثم سألها مرة أخرى وهو يتعمق النظر في مقلتيها مما جعل جسدها يشعر برجفة:
_ هو انت سايباني وماشية من غير ما تعرفيني أنا عملت لك إيه وليه الفزع اللي شايفه في عيونك ده مني؟ وليه الطريقة العنيفة في التعامل دي؟ أنا من حقي أسأل يادكتورة ومن حقي تجاوبيني، أظن إحنا بقينا زمايل.
إلى هنا ولم تستطع التحكم بحالها، وعلى الفور نزعت يدها من يد ذاك المتحرش وواجهته بما فعله معها والآن ينكره عن قصد، فردت بنبرة تهكمية:
_ طب لو نفترض إنك نسيت شكلي من ليلة وضحاها، نسيت بردو لسانك اللي بهدلني ويدك اللي اتمدت علي؟
اتسعت عيناه بذهول من كلامها وحتما كاد أن يصيبه الجنون. أيعقل أنه مد يده على تلك الملاك!
أيعقل أنه عنفها بلسانه!
متى حدث؟ وكيف فعلها؟
ثم شعر فجأة بأن الكون يدور حوله وعيناه زائغتين ودوار شديد امتلك رأسه. ثم دلك جبينه من شدة الدوار، وكأن ما قالته الآن يتجسد أمام عيناه في مشهد عرضه عليه عقله الباطن. وذاك تفسيره، ومن الأدهى أن عقله أكمل المشهد ورأها أمامه بشعرها الأحمر الناري وهي ملقاة أرضاً.
أما هي، دقات قلبها بدأت تقرع داخلها من ذاك الإنسان وأفعاله التي تشيب الرؤوس في عز شبابها. وهي ترى علامات وجهه المتغيرة وتدليكه لجبهته، وبرغم حالته تلك، لم يرأف قلبها لأجل ضياعه الآن أمامها. إلا أنها أكملت بتهكم:
"اه دي الظاهر أكده إنك من إياهم اللي بيعملوا العملة ويلفوا ويدوروا علشان جُرم اللي عملوه. أصل مش معقولة تكون نسيت اللي حصل من امبارح للنهاردة."
وأكملت وهي تنظر داخل عيناه قاصدة جرحه لما فعله بها، دون أن تبالي بحالة التيهة والتشتت التي رأتهم في عينيه:
"إلا إذا كنت مختل عقلياً بقى، بس ساعتها محتاج إنك تتنقل مستشفى الأمراض النفسية والعصبية تتعالج فيها يادكتور."
أفرغت ما في قبعتها من غِل هي محقة به مع ذاك المتعجرف الذي فعل بها مالا يغتفر. ثم تحركت من أمامه، ولكن أمسكها مرة أخرى من ذراعها قائلاً لها معتذراً عما بدر منه بكل صدق ظهر بينا من عينيه، وبنبرة تقطر براءة أذهلتها هي الأخرى:
"أنا بجد بعتذر لك جداً يادكتورة لو صدر مني أي حاجة ضايقتك، وأنا مستعد لأي ترضية علشان إهانتك دي اللي أنا شخصياً مقبلهاش."
اتسعت مقلتيها بذهول من اعتذاره، وكاد عقلها أن يصاب بالجنون اليوم من مفاجآت ذاك الفارس. ولكنها على الفور استغلت الفرصة وتحدثت بقامة وشموخ أنثى صعيدية بنبرة ساخرة وهي تختطف ذراعها من يده:
"هما يفضحوهم في حارة ويصالحوهم في خندق!"
وأكملت وهي تنظر داخل عيناه بقوة وهي تربع ساعديها أمام صدرها:
"انت أهنتني قدام زميل، يبقى لازم تعتذر لي قدامه ده أولاً. ثانياً، تعتذر لزميلنا بردوا لأنك أهنته هو كمان في مكتبه بعلو صوتك وتهديدك ليه اللي لايليق بدكتور أصلاً بتصرفك اللي حصل منك. وبعديها هشوف هقبل اعتذارك ولا له."
حرك رأسه للأمام بموافقة، ثم تحدث وهو يشير بيده تجاه الباب بنبرة تقطر خجلاً وندماً مما فعله، جعلته يقف الآن أمامها بوجه شاحب من شدة خجله مما فعله معهم، وعقله يكاد ينفجر من عدم تصديقه ما أجرمه:
"تمام، طالما غلطت يبقى لازم وواجب اعتذر، لأن الاعتذار من شيم الكرام. وأنا مقبلش إني أطلع إنسان متغطرس وقليل الذوق."
لقد زارها الاندهاش اليوم مالم تراها في عمرها بالأكمل. لقد رأت في عينيه الندم حقاً، وبات داخلها يتساءل عن شخصه وتركيبته كيف تكون.
لاحظ شرودها وصمتها وزادت عليهم نظرتها له، ثم سألها بنبرة تصاحبها الدعابة:
"هو أنا شكلي عجبك قوي كده يا آنسة وواقفة متنحالي؟"
أنهى دعابته وهو يبتسم لها ابتسامة رائعة، راقية، جذبتها إليه، جعلت داخلها ينتفض من طريقته المرتقية للذوق العالي. ومن يرى حوارهم ذاك يتهمها هي بالكبر والغرور ويصفونه بالتواضع والأخلاق.
ثم تحمحمت وهي تتحرك من أمامه:
"اممم، اتفضل معايا على مكتب الدكتور هاني."
تحرك كي يسبقها بخطواته، فهو لا يصح أن يمشي ورائها كي لا يخجلها فراق لها فعلته تلك.
ثم أشارت إليه بأن تلك غرفة زميلهم، تحت ذهولها، وكأنه لم يدلفها أمس. وكل ذلك جعلها تبني أفكاراً في عقلها حتى وصلت إلى نقطة معينة، ولكنها ظلت مستمرة معه كي تجمع نقاط أفكارها في بؤرة واحدة وتبدأ حينها كشف بداية الخيط كي تفسر حالته تلك.
دق على الباب بكل احترام، فأذن لهم الطبيب بالدخول، ثم دلف هو وفريدة وراء بعضهم، مما جعله اندهش هو الآخر من ذاك المشهد الذي لم يصدقه عقله. ثم أذن لهم بالجلوس على المقاعد، فبدأ فارس بالاعتذار بنبرة نادمة:
"أنا جاي اعتذر للدكتورة."
لم يعرف اسمها، فسألها عنه، فأعلمته إياه، ثم أكمل اعتذاره بصدر رحب:
"عن أي سوء فهم حصل مني بدون قصد قدام حضرتك يا دكتور، علشان قالت لي إنك كنت موجود وقتها. ومرة تانية يا دكتورة فريدة أنا آسف جداً على اللي حصل مني وعلى التصرف الهمجي اللي أكيد كان من غير قصد مني."
ثم نظر إلى الطبيب وأكمل اعتذاره:
"أنا بعتذر لك انت كمان يا دكتور على أي تصرف سيء حصل مني، وأوعدك إن شاء الله مش هتتكرر وهنبقى زملاء."
نظر كلتاهما إلى بعضهم نظرة تحوي الكثير من المعاني، وبالطبع قد انتقلا من رحلة الذهول إلى مرحلة دقت فيها قلوبهم رعباً منها، ومن الأفضل قبول اعتذاره ومحاولة تجنبه والابتعاد عنه. ثم تحدث الدكتور هاني أولاً بنظرة بشوشة مرسومة جيداً:
"وأنا قبلت اعتذارك يادكتور، وأهلاً بيك في بلدنا نورتنا."
ابتسم ذاك الفارس نفس الابتسامة التي أسرت تلك فريدة منذ قليل، مما جعله يتراجع عن قراره في الخوف منه. فابتسامته تجعل وجهه بريئاً كما الملائكة، وتجعل من أمامه يتأثر به، بل ويحبذ جلسته والنقاش معه كثيراً.
أما فريدة، قامت من مكانها وهي تعدل ذاك البالطو الأبيض الذي بدت به كملاك يحلق في سماء الدنيا، وهي تبتسم ابتسامتها المشرقة له. فقد ردت لها كرامتها عن جدارة، وبالرغم من أنها بادلته صفعته بصفعة مماثلة، إلا أنها شعرت بالانتصار الآن. فالاعتذار لها، ومعرفته بخطأه، ومجيئه معها للدكتور هاني جعلها قبلت الهدنة:
"وانت مش أكرم من الصعايدة يادكتور، ولا كأن حاجة حصلت، ونورت المستشفى عندنا."
ثم استأذنت منهم برقي:
"عن اذنكم عندي حالات لازم أشوفها."
بدت ابتسامتها المشرقة كشمس سطعت بعد العتمة، أضاءت الكون بأكمله في عيناي ذاك الفارس الذي نظر إلى وجهها الذي أصبح محبباً لقلبه بتلك الغمازات التي توسطت وجنتيها، جعلت القابع بين أضلعه يخفق ولها بذاك الجمال الطبيعي وذاك الشموخ والكبرياء لكرامتها. فقد رأى في عينيها الشجاعة التي لم تهب السلطة والنفوذ الذي ذكرته له أنه هدددهم بها.
فكانت مع كل خطوة تخطوها في الابتعاد عن الغرفة، كأنها تسحب أنفاسه معها، فتعلقت عيناه بها، ومع كل خطوة يشعر بعضلات قلبه تنقبض وتنبسط في آن واحد.
وبعد خروجها من المكان، بدأ يشعر بالاختناق، وكأن أحدهم يسحب رئتيه من صدره.
في موقف غريب، عجيب، مهيب، من تلك النظرات غير مفهومة المعنى.
ثم قام هو الآخر وهو يمد يده للدكتور هاني مردداً ببشاشة:
"يسعدني ويشرفني إننا نكون أصحاب يادكتور."
وأكمل بمداعبة وقد أشرق وجهه هو الآخر ابتسامة عذبة تأثر بها هاني:
"صدق المثل اللي كنت بسمعه من ماما زمان، ما محبة إلا بعد عداوة."
بادله هاني مصافحته بابتسامة تنم عن قلبه الأبيض النقي:
"الشرف لينا ياباشا. نورت مكتبي."
شكره بامتنان لحسن استقباله ومعاملته التي تدل على شهامته في قبول الاعتذار بصدر رحب، ثم غادر الغرفة وخرج على الفور ذاهباً إلى نفس ذاك العنبر، لعله يلقاها ثانية هناك.
وبالفعل ذهب إلى العنبر، وجدها تباشر الكشف على المرضى بعملية جادة. فبدأ هو الآخر عمله حتى وصل إلى الحالة التي بجانب حالتها، فوجد المريضة تسألها:
"يادكتورة أنا عاملة العملية من امبارح الصبح، ممكن أعرف انتوا حاجزيني ليه لحد دلوقتي؟"
وأكملت المريضة تساؤلها وبدا القلق على معالمها جلياً وهي تنظر إلى ذاك المحلول المعلق:
"هي العملية بتاعتي منجحتش؟"
أجابتها فريدة بابتسامة بشوش كي تجعلها تطمئن:
"لااا، ازاي بقى، دي نجحت مية في المية، بس علشان رئيس القسم عندنا هنا مبيخرجش أي حالة إلا لما يطمن عليها إنها عدت مرحلة الخطر."
أما هو، أمسك ورقة الفحص الخاصة بها وقرأها بعناية، وفريدة لم تأخذ بالها منه، ثم تحدث مستأذناً:
"بعد اذنك يادكتورة، حابب أوضح لها أكتر."
حركت فريدة رأسها بكل أريحية، فهي من النوع صافي القلب، وطالما اعتذر منها كأن شيئاً لم يكن.
أما هو، نظر إلى المريضة شارحاً بالتفصيل:
"شوفي يا آنسة، الدكتور في عملية الزايدة والمرارة بالذات لازم يتأكد بعد العملية وتقفيل المنظار إن كل حاجة في مكانها الصحيح، خاصة إن ممكن الأجهزة اللي بيشتغل بيها ما تبقاش معقمة كويس بتعمل مشاكل، خاصة مع صغار السن. فممكن من المشاكل دي يحصل حوارات لا غنى عنها بالنسبة للست. فلازم يعدي على عمليتك 24 ساعة تكوني متواجدة هنا معانا نتأكد إن كل حاجة سليمة مية في المية، وده طبعاً لمصلحتك، فمتتعجليش."
ابتسمت له تلك الفتاة بحالمية رأتها فريدة، ولكنها أشفقت على الفتيات ذو العقل المراهق مثلها. أما هو، رأى نظرتها للفتاة، وللعجب أنها لم تعير نظراتها أدنى اهتمام، فشعر بالغيظ قليلاً.
ثم أكملا كلاهما عمله، وكل منهم يدعي الانشغال ويحاول جهداً أن لا ينظر للآخر.
*********************
في منزل سلطان، كان يجلس في بهو المنزل في الحديقة الخاصة به هو وزينب، ويبدو على وجهه الوجوم من تصفيق زينب التي تهلل بفرحة وهي تعد أوراق الكوتشينة الرابحة معها أكثر منه:
"مش خبرتك قبل سابق يا سلطان إنك هتقدر تكسبني المرة دي؟"
ثم أكملت بنفس الشموخ المصطنع:
"علشان تعرف بس إن زينب مش شوية، وتلعب بورق الكوتشينة لعب أكده."
زمزم سلطان بغيظ منها، فهو في موقف الخاسر، والرجل الخاسر من زوجته في وجهة نظره يغلي من داخله. ثم هتف وهو ينفث دخان الشيشة التي أمامه وهو يحاول كبت غيظه منها:
"متعشيش الدور قوي أكده يا زينب، إني اللي هلعب وياكي تسالي أكده ومش عامل للعب أهمية، مش في دماغي عاد."
ضحكت ضحكة عالية تعني في جوهرها الشماتة من كلامه، ثم مطت شفتيها للأمام بطريقة جعلته اغتاظ منها، وهتفت وهي تجمع الأوراق وبدأت بتفنيطها:
"والله أي واحد مغلوب، وخصوصي لما تكون اللي غالباه مرته، لازم يقول زيك أكده. بس متتكسفش يا خوي، ويالا نلعبوا دور تاني."
أشاح بيديه في الهواء مردداً بلا مبالاة بعد غيظها له:
"له، مليش نفس للعب دلوقتي."
"وه! هتنسحب علشان اتغلبت يا أبو السلاطين؟"
جملة استفزازية نطقتها زينب بكيد، ثم عقبت عليها كي تثير غيظه أكثر:
_ لعلمك، بقي المسحوب مغلوب، واني أكده اللي هكون غالباك النهاردة.
نفث دخان التبغ الذي يتجرعه وهو يردد بهدوء كي لا تهنئ بشماتتها:
_ عادي، هو إنت غلبتيني بالسيف ولا إيه؟ دي لعب عيال، وأني اتنازلت ولعبتك علشان متقوليش إنت مهمل وياي والحوارات الهبلة دي بتاعت حريم اليومين دول.
رفعت حاجبها وقد اغتاظت بشدة من كلامه، وكادت أن ترد إلا أن كلاهما استمعا إلى صوت يدلف عليهم كالزعابيب، جعلهم هلعوا منها، ولم تكن إلا رحمة التي قذفت حقيبتها بهوجاء:
_ أني عايزة أطلق، مرايداش إني الجوازة دي.
انتفض سلطان كمن لدغه عقرب من خرافات ابنته التي تفوهت بها، وقذفتها كالقنبلة في وجوههم، مما جعله غضب غضبا لم تراه تلك الرحمة من قبل، وهو يركل تلك الشيشة بقدمه مما جعل النيران عبرت بجانبها، فأصيبت بالهلع من رد فعل والدها التي لم تكن تتوقعه بتلك الدرجة.
وفي لمح البصر، وقف أمامها ممسكًا بكتفها، هادرًا بها وهو يهزها بعنف:
_ حرق اللي جابك يابت المركوب، إنت طلاق إيه ده اللي هتتطلقيه يابت زينب؟ دي إنت جايك أيام هتشوفي فيها الويل على يدي يابت زينب.
لكزته زينب في كتفه هادرة به:
_ جرى إيه يا سلطان، هي دلوك يابت زينب، يابت زينب؟
وأكملت وهي تجز على أسنانها بغضب من نعته لرحمة بها، وكأنها لا تنعت إلا في البلايا، وهي تؤكد له بنبرة ساخرة:
_ كانك مواعيش إنها اسميها رحمة سلطان ياخوي!
اتسعت مقلتاي ذاك السلطان من عقل زينب الفارغ كما سمعت أذناه الآن، ثم وجه أنظاره إليها هاتفا بتهكم وهو يضرب كفا بكف:
_ زينب، عدي يومك، دي إنت كماني مواعيش بت الجزم دي هتخربط كيف في حديتها.
رأت زينب أن علامات الشر تتطاير من عينيه، فرمشت بأهدابها، ثم تراجعت للخلف قليلا عندما رأت بروز عضلاته غضبا من خرافات رحمة، ثم حركت رأسها للأمام موافقة على ما قاله، ثم خطت بأقدامها تجاه ابنتها وهدرت بها:
_ إنت يازفتة هتطلعي بلاوي من بوقك! وبتستعبطي وهتخليني أديكي باللي في رجلي دلوك ومهخليش فيكي حتة سليمة؟
واسترسلت حديثها وهي تسألها بنبرة يصحبها التهكم:
_ والكونتيسة الهانم عايزة تتطلق ليه؟ دي إنت لسه بقالك شهر مكتوب كتابك وعايزة تتطلقي يا أم دماغ ضارب إنت، وكماني فرحك باقي له أيام! عايزة سيرتك توبقى لبانة على لسان اللي يسوى واللي ميسواش لجل عقلك المفوت دي؟
أما سلطان، فحذرها بنبرة حادة وحاسمة:
_ الله الوكيل يابت، إنتي لو الكلمة دي نطقتيها تاني لهدفنك حية مكانك. سيبك عاد من دلع البنتة الماسخ دي، أصلك شردتي ودماغك لسعت وهبت منيكي، ولو عايزاني أفوقك وأعقلك كرريها تاني اكده وأني هقطع لسانك دي.
كانت تقف ترتعش أمام أبيها من شدة غضبه الذي لم تراه منذ كثير، ولأول مرة يتعامل معها بذاك العنف، ثم تمتمت بنبرة أكثر هدوءا أمام أبيها:
_ يا بابا، أني من حقي وقت ما أحس إني مش مرتاحة أبعد، ودي حق عطاهولي الشرع والقانون، مبطلبش أني حاجة شينة لاسمح الله.
_ لساتك هتخربطي في الحديت يابت؟ جملة استفهامية مغلفة بالاستنكار نطقها سلطان، ثم عقبت عليها زينب:
_ يوبقى حقك لما الجدع يكون فيه حاجة تعيبه لاسمح الله، لكن دي اسم الله عليه راجل وشهم وابن ناس والعيبة مهتطلعش منيه واصل يابت بطني.
ثم تابعت حديثها بنبرة تأكيدية حاسمة:
_ أني واثقة إنك إنت اللي هتشيبي شعر الجدع دي من قوتك وجموديتك وراسك الناشفة دي.
هدر سلطان بها هو الآخر:
_ الراس الناشفة والجمودية دي هكسرها لها وأربيها من أول وجديد.
واسترسل حديثه بنبرة جادة وهو يسألها:
_ عميلك إيه بقي علشان تنقمي عليه اكده، احكي لي حكاويكي اللي شبه سحنتك، حكم أني عارف حكاوي بنتة اليومين دول؟
ثم نظر إلى زينب قاصدا إياها هي الأخرى بتلقيحه:
_ ماهو التلفونات والنت والمخروب السوشال دي هياجي من وراه إيه غير إنه فتح عينيكم من العرى والفضايح اللي هتشوفوها.
رفعت زينب حاجبها بغيظ ولكنها فضلت الصمت الآن، فهو في عز غضبه لن يرى أمامه. أما رحمة، فاهتز داخلها خوفا من تساؤل أبيها ولم تعلم بما تجيبه، فصمتت قليلا، فزمزم أبوها بغيظ من صمتها، ثم تمتمت بنبرة خافتة وهي تومئ رأسها للأسفل وتفوّهت بكلمة واحدة فقط:
_ طلع خاين.
_ خاين كيف قفشتيه مع واحدة اياك يابت سلطان؟ نطقتها زينب بنبرة استفهامية كائدة وهي تنظر إلى سلطان كأنها تردها له، فلفح جلبابه بغضب من زوج الاثنتين الواقفتين أمامه وجعلاه ضاق ذرعا.
فأجابتها رحمة وهي تحرك رأسها بنفي:
_ له ماهر ميعملش اكده واصل.
اندهش كلتاهما، ثم سألها سلطان وقد امتلأ الكيل زهقا منها:
_ أمال إيه يابت، ماتنطقي وتخلصينا.
فركت يديها بتوتر ولم تعرف بما تجيبهم، فلو قصت عليهم السبب الذي تريد الطلاق من أجله حتما سيقذفها أبوها بتلك العصاة التي بيده، ولكنهم لم يستطيعوا الشعور بالنيـران التي تنهش داخلها غيرة على رجلها من تلك الأنثى الدخيلة عليهم، وحتما سيرونه شهما بفعلته تلك، فتحدثت بكلمات واهية كي تقنعهم بها فقط:
_ يبوي، معدتش مرتاحة وحاسة إني اتسرعت في قرار الجواز مني، ومن حقي أي وقت إني ما أقدرش أكمل ما أكملش، مكبرين الموضوع ليه عاد.
نفخ سلطان بضيق من هرائها، ثم اقترب منها وهو يشير بسبابته تحذيرا لها بنبرة لا تقبل النقاش أبدًا:
_ طب شوفي بقى لو ما سبتكيش من الدلع والحوارات الفارغة بتاعة البنات اليومين دول، لاني اللي هروح للجدع بنفسي وهقول له البت دي جامدة وقوية وعايزك توبقى حمش وياها. يا إما هتقولي سبب يصدقه عقل. يعني مد يده عليك؟ شتمك؟ قفشتيه مع واحدة في وضع لا سمح الله؟ لكن غير اكده وهتقولي لي ما مرتاحاش وحديتك الماسخ دي، الله الوكيل لو سمعت الكلام ده منيكي تاني لهدفنك بيدي حية يا بت زينب، وأخر كلام ما عندناش بنتة تطلق وهي مكتوب كتابها والخلق يجيبه سيرتها عمال على بطال، ولاخر مرة بحذرك يا رحمة، تسيبك من الجمودية اللي فيكي دي وتحمدي ربنا إنه رزقك براجل حلال وولد ناس.
حركت زينب رأسها بموافقة وهي تمط شفتها للأمام، وأكملت على حديثه وهي تلكزها في كتفها:
_ دي كفاية إنه هياخدك، عارفة يعني إيه هياخدك؟ يعني هياخد بلوة، الله يعينه الجدع والله.
تركها كلتاهما بعد أن عنفوها بشدة على ما تفوهت به، فدقت أقدامها في الأرض غضبا من فشلها في محاولة وقوف والديها بجانبها وتخليصها من ذاك الخائن من وجهة نظرها، ولم يتبقى لديها سوى عمران كي يقف جانبها ويقوم بتطليقها، فهي رأسها يابس ولن تتراجع، فقد خذلها وفضل عليها تلك الشمس، وفضل أن يقف بجانبها مقابل أن تتشتت علاقتهم، وهذا ما لا يقبله عقلها ولا قلبها، ولم ولن تستسلم مهما طال الوقت.
ثم صعدت إلى غرفتها وخلعت ملابسها، وأمسكت هاتفها وقررت أن تدون على صفحتها تلك الكلمات التي بالتأكيد ستجعله يجن، فتلك الرحمة لن يستطيع أحد الوصول إلى عقلها مهما كان ماهرا، فهي تعلم أنه حين يرى تلك الكلمات حتما سيود فتكها حتى يتخلص من تيبس رأسها الذي أوجع قلبه، فدونت على صفحتها:
"الشخص الذي كنت أخشى عليه ألم شوكة
سمعت صليل سيفه يتدفق إلى قلبي"
ثم ألقت الهاتف ودلفت إلى الحمام كي تنعم بحمام دافئ يجعل داخلها الثائر يهدأ قليلا.
تجلس على مكتبها وكل تركيزها على الأوراق التي بيدها وتحاول إعادة ترتيبها بنظام اعتادت عليه، فهي دوما تحبذ النظام وتعشقه. أما هو، فدلف بطلته المرحة وقدميه تسابق الريح بخطواتها كي يراها وينعم قلبه برؤية ملامحها، وتتشبع عيناه بكتلة الجمال والنور الذي يشع من وجهها، فقد عشق ملامحها، رقتها، هدوئها، حتى حزنها البائن على معالم وجهها عشقه هو الآخر، وأصبح يتمنى لو كان جزءا من ماضيها فيكن لها نصل الشفاء من الألم، يكن لها صدرا حنونا ترمي هموم الدنيا بداخله ولا يزهق أبدا.
شملها بنظرة هائمة من أعلى رأسها إلى أخمص قدميها، بردائها الأحمر ونظارتها ذو السلاسل المتصلة بأذنها أعطتها بهاءا من الأناقة لا يليق إلا بها. أما هي، فلم تشعر بوجوده نظرا لانهمكاها في العمل بتركيز شديد، فهي قد وجدت في العمل ملاذا حقيقيا لم تجده في أي شيء حولها.
أما هو، فنطق لسانه وهو ينظر لها بوله:
_ لقد وجدته أخيرا.
رفعت أنظارها إليه وهي تردد باندهاش:
_ هو إيه ده يافندم اللي وجدته؟ في حاجة ضايعة منك؟
أجابها بعبث وهو ينظر إلى السقف وملامح وجهه تدل على مشاغبتها:
_ المصباح الذي أنار حياتي.
رفعت حاجبها هاتفة بنبرة استنكارية وهي فهمت معنى نظراته:
_ والله يافندم!
وأكملت بنفس مشاغبته:
_ طب حاسب لا يزغلل عنيك من كتر نوره.
اقترب منها وأسند بكلتا يديه أمامها قائلا بثقة:
_ متقلقيش علي عيوني دول، يدوبوا الحجر ويخلوه يلين، وخليكي شاهدة علي كلامي بس.
توترت من اقترابه وحصاره لها، فمنذ أن وطئت قدماها ذاك المكتب من أول لحظة وهي ترى نظراته الغريبة لها، وكأنه يعرفها منذ أعوام وأن تلك المقابلة ليست الثانية بينهما.
بين الحين والآخر تلمحه بطرف عينها منتبها بتركيزه معها، مما أشعرها بالغرابة تجاهه من عدم فهم تلك النظرات.
استمعت إلى كلماته الأخيرة، ثم رددت بنفس طريقته العابثة بسبب عدم فهم مغزى كلماته:
_ هو في إيه يامتر عاد!
حاسة إن عينيك مش شايفاه غير مصباح واحد مع إن الدنيا مليانة مصابيح بالكوم. وكلهم بالألوان دلوقتي، متعرفش تختار إيه ولا إيه.
انتصب بوقفته وأجابها وعيناه تدور بالمكان ولسانه يتحدث بثقة اخترقت حصونها:
_ لأ، أصل عيني مبتحبش أي ألوان كده وخلاص. فيه مصابيح بتنور لوحدها كده، ويا سلام بقى لو النور قطع تلاقي ضوء الشمس خلاهم نوروا تاني.
نظرت إلى الأوراق التي أمامها وبدأت بسرد المواعيد المحددة له في ذاك اليوم كي تهرب من الحوار بتلك الطريقة معه، فهي ليس لديها أي استعداد لمجاراته:
_ حضرتك عندك معاد مع مدير شركة المواد الغذائية الساعة اتنين. وبعدها معاد البشمهندس جمال. تحب أزود مواعيد النهاردة ولا أستكفي بكده؟
رأى تهربها من الحوار معه فاحترم ذلك، فهو يحبذ التعامل بهدوء دون تسرع، فهو قد مر بتجربتين مريرتين له، ولكن خسارة تلك المها بالنسبة له لم يتحملها، فهو قد حلم بلقاها من مجرد صورة فقط رآها. وما إن رآها وسمع صوتها وطريقتها الرقيقة وتجسدت أمامه صوتًا وصورة حقيقة، وقع قلبه في سحر عينيها. ثم تحمحم قائلاً وهو ينظر إلى ساعته:
_ أمممم... لأ كفاية كده عشان عندي معاد بره النهاردة وعندي كمان مرافعة مهمة بكرة إن شاء الله وعايز أراجع القضية كويس جدًا.
وأكمل بجدية وهو يحمل حقيبته ويدلف إلى مكتبه:
_ ابعتي لي القهوة بتاعتي، وياريت تكون سادة من غير سكر خالص لأني عايز أبطله خالص وبالتحديد مع القهوة.
حركت رأسها بموافقة ثم تحرك من أمامها ودلف إلى مكتبه. أما هي، طلبت له القهوة كما يريدها، ثم رجعت إلى عملها مرة أخرى تتابعه بجدية ونشاط ونسيت كل الحوار الذي حدث بينهم الآن. فقد فهمت ماذا تفعل بكل سهولة ولم تشعر بصعوبة العمل معهم، كما أن "منة الله" تتعامل معها وكأنهم يعرفون بعضهم منذ سنوات وليس بضعة أيام، فشعرت مها بأنها أخذت على الجو بسرعة من مجرد يومين فقط.
أما هو، فور أن تركها، دلف إلى المكتب وهو يلتقط أنفاسه من شعوره بالاكتفاء بإحساس القرب اللذيذ منها، وهو يتحدث معها مجرد كلمات فقط جعلته تمام فور دخوله المكتب:
_ إيه يا شيخة، واخدة الجمال اللي في الدنيا كله لحالك كده كتير علي والله.
ثم هدأ من مشاعره الثائرة داخله وبدأ الإندماج في جو العمل كي يتناسى وجودها قليلاً. وبعد مرور عشرة دقائق، دلفت إليه بالقهوة التي طلبها وهي تقدمها له بكل هدوء مصاحب للاحترام:
_ اتفضل يا فندم قهوتك. في أي طلب تطلبه تاني أجيبه؟
أخذه منها ثم قربه من أنفه وبدأ يستنشقه أمامها ثم ردد عابسًا مما أخجلها:
_ تعرفي مختلفة خالص عن كل مرة، وكأنها معمولة مخصوص عشان تكيف الدماغ. معرفش اشمعنى المرة دي بالذات.
اندهشت من طريقة حديثه ثم سألته وهي لم تفهم مغزى كلامه:
_ مش عارفه، حاسة إن طريقة كلامك أكترها ألغاز. ممكن أفهم معنى كلامك يا متر؟
ابتسم لعدم فهمها ثم ارتشف من قهوته بتلذذ وأجابها وهو يشير بأصابعه على فنجان القهوة الذي وضعه أمامه:
_ ما انت ركزي كويس معايا ومع كلامي وانت هتفهمي مقصدي، إني بتكلم عن القهوة.
رفعت حاجبها لذاك الماكر والتي بدأت للتو فهمه، ثم حركت رأسها للأمام وهتفت بطاعة كي لا تدخل في حوارات لا تستطيع مجابهته بها الآن:
_ تمام يا فندم، هاخد بالي بعد كده. عن إذنك.
ابتسم لها بملامح هادئة ثم أذن لها وبدأ بارتشاف قهوته بتلذذ لشعوره أن تلك اليدين الناعمتين لمستها فقط.
ولكن ماذا بك أيها الجاسر؟
أهدأ يا رجل وأعط لقلبك فرصة التأني ولا تتعجل، فتلك المها وما وراءها لن يسرك أبدًا.
***
في هدوء الليل والسكون الذي نأوى إليه كل ليلة، يتجمع ما بنا من أحزان وآلام موجعة، وصرخات دموع وذكريات مؤلمة. نتمنى أن نتناسى تلك الأحزان ونبحر سويًا إلى عالم الحب والطمأنينة، فقد سئمت قلوبنا عذاب اليأس والاستسلام. فالليل هو قلب وروح، ودمعة.
فالليل مرآة تقلب فيها ناظريك لعلك تجد نفسك على صفحتها كما خلقك الله، إنسانًا ضعيفًا محتاجًا إليه.
يجلس ذاك الفارس في شرفته وهو يستند على كرسيه الهزاز وبيده ذاك الحساء من النبيذ الذي يتجرعه كل ليلة، وباليد الأخرى هاتفه يشاهد ذاك المقطع وهو يتغنى بصفيره وكأنه يعزف على أطلاله باستمتاع لم يسبق له من قبل. ومن يسمعه ويراه بهيئته المستمتعة تلك يظن أنه عاشق أو رجل هادئ.
ثم أرسل مقطع الفيديو إلى تلك البائسة التي أوقعها القدر في طريقه مدونًا أسفله:
_ شوفي نفسك وانتِ بين إيديا، مثيرة، جذابة، جمالك فتاك يابنت اللذين.
بقولك إيه، ماتيجي عندي دلوقتي وأنا أطيرك من السعادة وأوصلك لنجوم السما والقمر وأحسسك أجمل إحساس عمرك ما هتحسيه غير معايا. مجرد ما شفايفي تلمس شفايفك بس هخليكي تدوبي. بصراحة أموت أنا وأعيد السنة معاكي يا جامدة بالقوي. بصراحة كان طعمك شهي، أمممم.
أنهى تدوين رسالته وأرسلها لها. وفور وصولها، استلمتها على الفور وقرأت المحتوى قبل أن يتحمل الفيديو، فاحمرت وجنتاها خجلًا من كلام ذاك الوقح الذي أرسل لها ولم تعرفه. فذاك الرقم المسجل برقم خاص لم تعرفه. وفور أن تحمل الفيديو، فتحته على الفور وشهقت شهقة عالية وهي تضع يدها على فمها تكتمها من هول ما رأت، وقد ضرب الهلع بجسدها ضربًا وكأن أحدهم رماها من أعلى قمم الجبال إلى أسفل قمم الأراضيين.
رواية من نبض الوجع عشت غرامي الفصل السابع والثلاثون 37 - بقلم فاطيما يوسف
أنهى تدوين رسالته وأرسلها لها. وفور وصولها، استلمتها على الفور وقرأت المحتوى قبل أن يتحمل الفيديو. فاحمرت وجنتاها خجلاً من كلام ذاك الوقح الذي أرسل لها ولم تعرفه. فذاك الرقم المسجل برقم خاص لم تعرفه. وفور أن تحمل الفيديو، فتحته على الفور وشهقت شهقة عالية وهي تضع يدها على فمها تكتمها من هول ما رأت. وقد ضرب الهلع بجسدها ضرباً وكأن أحدهم رماها من أعلى قمم الجبال إلى أسفل قمم الأراضيين.
ظلت تشاهد الفيديو مراراً وتكراراً وهي ترى أنها بين يدي وغد فاجر اقتحم برائتها ودنس عذرية مشاعرها الأولى وهي في حالة غافية لا تعلم ماذا يفعل بها.
كانت تشاهد الفيديو بإحساس يتنقل بصفعاته الدامية لعائلتها وبلدها ومن قبلهم نفسها. رأته بلسان قومها، وبعقارب أقاربها، وبقلب أبويها الفقراء أصحاب الطبقة أقل من الوسطى. وبعين المجتمع بأكمله الذي حتماً سيرى أنها عاهرة ولن يصدق أحدهم أنها كانت خارج وعيها. ومن يراها في الفيديو وهي تتململ بين يديه مغمضة العينين بشعرها الأهوج المبعثر على ظهرها وكتفيها، سيحكمون أنها كانت ثائرة. سيحكمون عليها بموت شرفها.
كادت أن تصرخ لترتاح عقلها وجسدها من التحطيم القادم لها، ولكنها كتمت شهقاتها إجباراً عنها حتى لا يسمعها أبوها وإخوتها. وحتماً سيصابون حينها بالفزع من ما سيرونه. فابنتهم الطبيبة التي رفعت رأسهم وسط بلدتهم بتفوقها ودخولها الطب وأصبح لقب الدكتورة بنت البواب فخراً لأبيها الذي عانى الويلات كي تصل ابنته إلى تلك المرحلة من العلم وأن يصبح لها شأن. والآن يكمل رسالته الأبية الشريفة بعرقه مع باقي أخواتها. وما إن وصل عقلها إلى ما سيجنيه أشقاؤها من وراء تلك الفضيحة وانتهاء مستقبلهم المشرف، حتى انهمرت وجنتاها بأنهار من الدمع المكتوم. فحتماً كانت تشعر الآن بأن قلبها سيكاد يقف داخلها.
فقط لحظات، مجرد لحظات عندما رأت عينيها ذاك الفيديو، حتى كاد أن يتوقف قلبه عن نبضه. بل تمنت الآن أن يتوقف عن دقاته كي تستريح مما ستراه ومما هي قادمة عليه.
حاولت تهدئة حالها كي لا تستيقظ أختها النائمة. ثم حملت هاتفها وخرجت من الغرفة ومن ثم المنزل بهدوء كي لا يسمعها النائمون. ثم صعدت إلى سطح المنزل بخطوات هادئة. وما إن وصلت إلى الأعلى حتى هاتفت ذاك الأرعن.
أما هو، فما زال جالساً يحتسي شرابه المسكر ويتغنى بصفيره وهو ما زال يشاهد ذاك الفيديو. ثم رأى نقش اسمها على الهاتف فأجابها سريعاً وهو يردد بانتشاء:
ــ يادي النور، الدكتورة فريدة بذاتها بتتصل.
جزت على أسنانها بغضبٍ جم من ذاك الشيطان الذي يتحدث معها. ثم هدرت به ولكن دون أن يعلو صوتها كي لا يسمعها من بالأسفل:
ــ انت جنسك إيه يابني آدم انت! ياوقح! يازبالة! ياللي مشفتش بربع جنيه تربية.
كانت تسخطه بلسانها وتكاد تلعنه لما فعله بها. أما هو، فتعامل معها بكل برود جعلها تستشيط أكثر من ذي قبل:
ــ والله انت وش فقر! بقي في واحدة بنت بواب وعايشة في آخر بلاد المسلمين تجي لها فرصة تبقي مع فارس عماد الالفي وترفض؟ لاء، وايه كمان تشتم وتلعن؟ أما صدق بنات وش فقر.
اتسعت مقلتاها بذهول من رد ذاك المصاب بالجنون حتماً. ثم هتفت بنبرة يغلفها الاندهاش:
ــ انت شكلك مجنون! لاء، دي الجنون أبعد ما يكون عن دماغك وتفكيرك يامتحرش! والله العظيم إن الفيديو ده ماتمسحش لاهوديك في ستين داهية وهخلي سيرتكم النضيفة اللي بتلمع على كل لسان ودلوقتي الفضايح مفيش أسهل منها. وهقدم بلاغ للنائب العام بذاته إنك انتهكت حرمتي واعتديت عليا وأني مغمى عليا. ومش بس كده، هخلي الدكتور هاني يشهد معايا لأنه هو اللي فوقني من الإغماء وممرضين القسم شافوك وانت شايلني.
نفث دخان سيجاره في الهواء بمزاج عالٍ. وقد شعر بأن غضبها وكلماتها تغسلانه من داخله فشعر بمنتهى اللذة. وبنبرة برود أشبه للجليد نطق ذاك الفارس:
ــ وماله يابيبي، أموت أنا في جو الفضايح ده. وأخواتك البنات وأخوكي اللي في سنة أولى كلية شرطة وأبوكي البواب يتمرمطوا معاك.
أما أنا، فميش قلق عليا خالص، أصلك متعرفيش أنا مين وورايا مين.
شعرت الآن بأنها على حافة الانهيار لا محالة. وعيناها تنظر تارة للسماء تناجي ربها بقلب منفطر كي ينقذها. ثم تنظر من سور السطح وعقلها يحسها أن تسقط حالها من الأعلى وتنهي حياتها ويستريح الجميع مما هو قادم. فما حل بها سيصيبهم جميعاً بالهلاك. ثم استغفرت ربها من تفكيرها في الانتحار وحاولت تهدئة حالها والرضوخ أمام الريح العاتية كي تصل مع ذاك المريض النفسي الذي أوقعها القدر في طريقه إلى بر الأمان دون أن يتأذى أحد من ورائها. ثم سألته بنبرة هادئة وهي تضع يدها على صدرها وكأنها بتلك الحركة تهدهد على قلبها:
ــ طب انت عايز إيه مني عاد دلوقتي يادكتور؟
شعر الآن بأنه فاز في أولى الجولات مع تلك الجميلة التي أوقعها القدر تحت براثنه. وليست فقط جميلة الشكل بل الملمس، ولديها من القوة والاعتزاز بالنفس ما لم يجده قبل ذلك في غيرها. فبالطبع أنها ليست الأولى ممن وقعوا تحت يديه، ولكنها مختلفة، مثيرة، تجعله يشعر باللذة في الحديث معها. ثم حرك رأسه مبتسماً كالطفل الصغير وهتف بنبرة تشبه الملائكة مما أدهشها:
ــ تعرفي إنك مش زي أي بنت عادية أنا عايزها معايا في السرير وخلاص. ولا أنا عايز أقضي علاقة راجل وست كل لما مزاجي يعوز؟
واسترسل حديثه وهو يجيب على حاله بنفس النبرة التي أدهشتها وجعلت الرعب يدب داخلها كل برهة أكثر من ذي قبلها:
ــ عايزك تتكلمي معايا كتير واحنا لوحدنا في الأوقات اللي على كيفي ووقت ما أحب. عايزك تفضي دماغك من كل حاجة حواليكي ومتفكريش في أي حد في الدنيا غير فارس. فارس وبس. عايزك تحبيني بكل لمحة من وشك. بس الحب مش متبادل، انت اللي تحبيني وانت اللي تتعلقي بيا. أنا لا أوعدك، أنا معنديش قلب يحب، دهسته من زمان من وأنا ابن إعدادي راح مع اللي راحوا.
إلى هنا والقوة الواهية التي تتحلى بها انقشعت وزالت، ولم يعد أمامها غير الضعف. فهي قد غرست أقدامها في وحل مريض نفسي. وقبل أن تجيبه، سألت حالها وهي تحادث نفسها في دقيقة من الصمت، وللعجب أنه تركها تلك الدقيقة ولم يتفوه وكأنه معتاد:
ــ ماذا إن رفضت كلام ذاك المعتوه؟ حتماً ستضيع عائلتي. أبي، وأخوتي؟
ماذا إن قمت بالتبليغ عن ذاك المعتوه؟ هل سيتركني أباه بمنصبه ونفوذه؟
أم ماذا إن وافقت؟ أدنس شرفي؟ أضيع في غيابات الجب؟ أخسر كرامتي؟ أدهس كبريائي؟
ثم ردد عقلها إليها كي يجعلها لا تصاب بالجنون:
ــ لم تفترضي السوء، وقد رمي نبي الله يوسف في غيابات الجب وأصبح عزيز مصر بعناية الله.
وأكمل قلبها يحدثها مع عقلها:
ــ مابقاش ليا حد غير ربنا دلوقتي.
بس الكلمة دي بيقولها الناس اللي قلوبها اتكسرت أو اتحطوا في ضيقة، وتحس إنها كلمة بتتقال وقت الضعف. مع إن لما سيدنا موسى مكانش له حد إلا ربنا، ساعتها البحر انشق، والصحراء انفجر منها عيون المية اللي لحد النهاردة موجودة.
والسيدة هاجر لما مكنش ليها حد هي وابنها غير ربنا.
ربنا في قلب الصحراء خرج لها بير زمزم.
سيدنا يونس لما ما كانش له غير ربنا، الحوت ما قدرش يهضمه وطلعه بره من غير ما ينقص منه ضافر أو شعرة.
السيدة مريم لما ما كانش ليها حد إلا ربنا، ساعتها ربنا جعل رضيعها يتكلم ويخرس لسان الناس عنها.
اللي مالوش غير ربنا في موقف قوة مش ضعف. في الفريق الكسبان مش الخسران. في الزاوية المسيطرة مش المهزومة المكسورة. انتي جامدة جدا ومش كلام. انتي معاكي اللي بيقول للشيء كن فيكون.
افتكري ديما الكلمة دي: "ماذا وجد من فقد الله؟ وماذا فقد من وجد الله؟".
اللي ما بقاش مع ربنا هيلاقي إيه من بعده يساوي ويعتبر مكسب؟ واللي ما بقاش له غير ربنا هو أغنى الناس وكسبان مكسب الدنيا والآخرة.
اللي فيها لله ما بتغرقش. واللي ملوش غير ربنا، له كتير قوي وهو مش دريان. معجزات هتحصل له، وبركات هتحل عليه، وستر ولطف هيصاحبوه، وقوة وهمة هتضاف لقلبه من حيث لا يدري ولا يحتسب.
فاجمدي أكده يافريدة وماتضعفش. اتحامي في ربنا وقولي الله المستعان. ومفيش حد بيقولها ويطلب المعونة والسند من الله بصدق، غير لما بيعينه ويقويه على كل شيء، ويلين في إيده الصعب.
أحست بتلك الكلمات التي أمدها قلبها بها أنها ليست خائفة منه، وأنها الذي ستصلح حال ذاك الشيطان وتبدله إلى ناسك يخشى الله، وأن حرب وجودها أنثى في الحياة دون أن تدنس في وحل الخطيئة ليست هينة، لطالما ابتلاها الله، فل تستعين بالله، ومن كان في معية الله لن يضام أبدا.
ثم سألته بنبرة مستكينة، فهي الآن تيقنت أنه يعاني من انفصام في الشخصية، فما الذي رأته صباحا؟ واعتذر لها ولزميلهم، ليس الذي يحادثها الآن.
"طب وأني إيه اللي يضمن لي إن سمعتي وشرفي ما يتوهلوش لو نفذت لك اللي انت عايزه؟"
هنا شعر بالانتصار، ثم طمأنها بصدق، فهو لم يحتج معها اللف والدوران كي يكتسبها، فهو إن أرادها سيأتي بها في لمحة البصر وسيأخذ منها ما يريده دون أن يدري به بشر قط، ولو النمل في جحورها.
"مش هقرب منك، أصلا مش عايزك لكده. ولو أنا عايزك لكده من البداية مكنتش استأذنتك يافيري. أنا واضح قوي مع ضحايايا."
"ضحاياك... هتفت بها بذهول وعقبت باستفسار: يعني أعتبر نفسي من دلوقت ضحية؟ هتسمع الصعيد كله لو كده أموت لك حالي وروح شوف غيري بقى."
بكل برود نطق بما أرعبها:
"وماله يابيبي، أختك فرح الكتكوتة اللي في أولى جامعة جميلة زيك وتنفع برضه."
شهقت شهقة عالية ثم صرخت بسبابها في وجهه:
"آه ياسافل يامنحط! انت عايز إيه بالظبط مني؟"
أطلق صفيره في أذنها بطريقة زادتها هلعا منه وأجابها:
"أنا واضح جدا. واللي عايزه منك قلته، ومبحبش أعيد كلامي مرتين. وبعدين يابيبي، شغلي دماغك معايا، هترتاحي وهتكسبي. هتعاندي هزود طلباتي لحاجات متعجبكيش، وبرضه هتنفذيها."
أدمعت عيناها وهي تستمع لما يقوله، ثم همست له بنبرة خافتة:
"طب اشمعنى أنا اللي هتعمل وياها كده، وانت عارف إني ما تنفعكش، وكمان مش زي اللي عرفتهم قبل كده، يعني مش هتستفاد مني بحاجة واصل؟"
"مين قال كده؟ ده انتي بيهم كلهم نوع جديد مختلف، شرس، متمرد، نفسي أعيشه..."
تلك الكلمات التي أطلقها من فمه جعلتها تهتز قلقا. ثم طلبت منه:
"طب عايزة وعد منك إنه مجرد كلام وبس زي ما قلت؟"
لأول مرة يريح إحداهن ويطمئنه:
"حاضر، متقلقيش."
ألقى كلمته وأغلق الهاتف في وجهها. فالبداية والنهاية دوما بيده، وخيوط اللعبة دوما صاحب شباكها. ورجع يحتسي ذاك النبيذ مرة أخرى وهو يضم ذاك الانتصار مع تلك الفريدة ضمن انتصاراته التي لم ولن تنتهي.
أما هي، نظرت إلى السماء وظلت تردد كثيرا وكثيرا، حتى شعر فمها بالتعب:
"ربي إني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين، لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين."
***
في منزل آدم المنسي، حيث كانت مكة تجلس في شرفة منزلها وهي تضع ذاك الأيباد أمامها وتجري مكالمة الفيديو كول مع شقيقتها مها، التي داعبتها:
"وه الجواز باين عليكي قوي يابت أبوي. قال إيه مهتجوزهوش، ما عايزهوش."
وأكملت بنفس دعابتها:
"قال على رأي المثل، نفسي فيه وأقول أخيه، هههه. ودلوقتي حامل منه كمان. الواد آدم ده ينضرب له تعظيم سلام والله من تحولك للدرجة دي. قال وبقيتي تحطي ميكب وتسأليني عن أنواع الإسكين كير. دي انتي بقي عليكي رسمة عين إني مها ذات نفسها اللي عايشة في الميكب من زمان معمـلتهاش حلوة أكده ياقمرة انتي."
تلونت وجنتا مكة باحمرار من تلميحات مها، ثم هتفت بدعابة مصاحبة للخجل:
"أبو شكلك هتكسفيني عاد يا أم الزين. بطلي بقى طريقك كلامك ده."
ضحكت مها برقة، ثم أكملت مشاغبتها:
"وه هتتكسفي ياموكتي!"
لاحظت خجلها يزداد، فأكملت وهي تغير مجرى الحديث:
"خلاص يابت أبوي، متتلونيش من الخجل. قولي لي بقى هتيجي ميتة؟ اتوحشتك قوي واتوحشت ريحتك وضمتك وصوتك وانتي هتقري القرآن وإمامتك ليا واحنا هنصلي قيام الليل سوا."
وبنبرة أشبه للحزن، نظرا لحالة الوحدة التي تعيشها، وما زال الحزن مسيطر عليها لفقدانها أولادها، ولم تنس بعد:
"بقيت بتوحشك انت والدكتورة سكون قوي، وحاسة إني من غيركم ضايعة خالص."
شعرت مكة بالحزن لأجلها، ثم طمأنتها:
"هاجي قريب ياحبيبتي، لأنكم وحشتوني قوي انتو كمان وفوق ما تتخيلي. بيتنا وبلدنا وأوضتي ومصليتي ومصحفي وكل حاجة عندكوا هشتاق لريحتها على الآخر."
ثم وضعت يدها على بطنها وأخبرتها بما سيفرحها، فهي أخذت وعدا من والدتها أن لا تبلغ أيًا من أختيها، فهي تريد أن تفرحهم بنفسها:
"هروح للدكتورة علشان تطمني على البيبي وأشوفها تسمح لي بالسفر ولا إيه."
تهللت معالم مها فرحا وسعادة، وودت أن تكسر شاشة الهاتف كي تحتضنها وتعبر لها عن مدى سعادتها بذاك الخبر، لتبارك لها بسعادة:
"يا ماشاء الله، يا ماشاء الله ياحبيبتي. مبروك ياروحي، ربي يكمل لك على خير يارب وتفرحي بيه أو بيها قدام عيونك وبين إيديكي."
واسترسلت حديثها وهي توعيها على حالها:
"بس خلي بالك من حالك زين، اطلعي السلالم بحساب وانزلي بحساب. هفرح ماجدة بقى."
حكت مكة يدها برأسها وتمتمت:
"له؟ ماهي ماجدة عارفة."
"وه وه منيكم بقي، إني آخر من يعلم بقى."
جملة استفهامية نطقتها مها بحزن مصطنع، وتابعت مكة مراضاتها:
"له والله، إني لسه مبلغاها النهاردة الصبح، وقلت لها متقولكوش حاجة علشان أبلغك بنفسي وأعملها لك مفاجأة."
تهللت أساريرها فرحا، وظلتا تتحدثان كثيرا بشغف أختين لم تريا بعضهن منذ كثير. ثم استمعت مكة إلى صوت أقدام آدم يهبط الأدراج حتى وصل إليها، مقبلا رأسها بحنو، ثم دخل معها في المكالمة وهو يلقي سلامه على مها، التي رددت بمشاغبة:
"والله يابني نفسي أعمل لايف وياك واحنا قاعدين مع بعض أكده وأتفشخر على الناس إن أنا أبقى قريبة النجم آدم المنسي وألم متابعين قد الدنيا وأبقى البلوجر أم الزين."
ثم حركت حاجبيها بعبث وأكملت بنفس روح المرح التي أحبتت الدخول بها مع أخواتها:
"تصـدق مجاش في بالي فكرة البلوجر ده خالص. والله لو عملتها لأطلع بلوجر قمر قوي. إيه رأيك يانجم، ماتكسب فيا ثواب، إحنا أخوات برضه."
تبسم آدم ضاحكا على دعابتها، ولم تخلُ البسمة من على وجهه طيلة كلامها، ومكة هي الأخرى منخرطة في الضحكات من كلام وحركات أختها، ثم ردد بمشاغبة مماثلة مثلها:
"آه ده انتي داخلة على طمع بقى يامها هانم وعايزة تتشهري على حسابي؟"
"وماله يانجم، الناس لبعضها. وبعدين حطني على أول الطريق ومليكش صالح بيا بعد كده، وأني بعون الله هبهركم."
الكلمات التي نطقتها مها بتفاخر مصطنع جعلت كلتاهما تنهمران في الضحك.
رددت مكة بتحذير:
"يختي بلوجر مين والناس نايمين، دول بقوا زي الهم على القلب. اللي عايزة تتشهر تطلع ترقص على أغاني مهببة تخلي جيل طالع لسه يقولها وراهم. واللي تطلق تروح تتعرى وتقول حرية، وتقعد تنزل فيديوهات عن جمالها وإنها بقت رشيقة بعد الطلاق، وجمالها عدى الحدود، وتنصح كل ست متضهدة زيها: اتطلقي حبيبتي وعيشي حياتك. ولا الترند الأخير؟ البنت اللي ضربت حماتها واعتدت عليها بسبب إنها متحكمة في قوتها وقوت بنتها وجوزها اللي نزل الفيديو وشهر بأمه ومراته على العلن، وخلى سيرتهم على كل لسان. وكأن الفضايح في الزمن ده هي اللي هتجيب فلوس وتغنيهم. ما يعرفوش إن ما بني على باطل فهو باطل."
حركت مها رأسها بأسى، وانقلبت روح الدعابة والمرح إلى حزينة، وهي تصدق على كلام أختها قائلة بحزن:
"غلابة، ما يعرفوش إن الفلوس رزق، وإن الصحة رزق، وإن الولاد رزق، وإن نعمة راحة البال رزق، وإن كنوز الدنيا متسواش مقابل لو مقفول عليا إني وبيتي وعيالي باب الستر، لو هناكلها بعيش ودقة. ما يعرفوش إن حيطان البيوت مليانة بلاوي، وإن محدش في الدنيا مرتاح، وإن كلنا الهموم محوطانا من كل مكان. ما يعرفوش غير اللي لابسة وخارجة ومتشيكة تبقى مفيش زيها، ولا بتعرف تحزن ولا الحزن يفرق معاها أصلًا."
أنهت كلماتها وهي تتذكر ولديها، وقد لمعت عيناها بغشاوة الدموع. فتحدثت مكة بتأثر:
"بس بقي هتخليني أعيط، وأنت عارفاني عيوطة أصلًا، وبتأثر بسرعة."
هنا أشار إليهم آدم ناهيًا إياهم:
"بسسس انتوا وهي، هتقلبوها نكد ليه؟ إحنا ملناش دعوة بالعالم دي، خلونا مع نفسنا، وكل واحد مسؤول عن عمله. ولو يعرفوا إن تمن الشهرة والمال اللي جنوه من وراها قد إيه، أتفه ما يكون من الإنسان يبقى طبيعي ويعيش طبيعي. والله ما يكفي راحة البال والستر والصحة كنوز الدنيا بحالها."
وظلا يتحدثان ويهون كل منهم على الآخر، ثم أغلقا الهاتف لأن موعدهم مع الطبيبة قد أتى.
بعد مرور نصف ساعة، هبطت مكة بطلتها المحتشمة الراقية اللائقة بها، مما جعل ذاك آدم يطلق صفيرًا عاليًا يبدي به عن مدى إعجابه بطلتها المحببة لقلبه.
ابتسمت هي لطريقته تلك، ثم أشارت إليه للمغادرة. فخطى أمامها، ثم مد يداه وعدل من نقابها وأنزل البيشة على عينيها، وهو يهتف بنبرة تملؤها الغيرة:
"خلي بالك بعد كده يا مكة، قبل وشك ما يبان عيونك قبلهم. مش حابب حد يلمحهم ولا يتأملهم غيري."
اهتز داخلها فخرًا بذاك الزوج الذي دوما يثبت لها أنها ملكته وملكه، وأنها الأنثى المحظوظة دوما بأنه رجلها. ثم ابتسمت له من تحت نقابها ومدت يدها له بسعادة، فجذبها بين يديه وخرجا كي يستقلا السيارة.
بعد مرور نصف ساعة، كانت مكة مستلقية على التخت أمام الطبيبة تفحصها ببراعة. فقد انتقى آدم تلك الطبيبة نظرًا لمهارتها وسمعتها المعروفة بأنها تفهم وتجيد مهنتها بجدارة.
ثم ابتسمت الطبيبة لهم وهي تشير بيدها على الجنين:
"وزي ما أنتم شايفين، دي راس الجنين، ودي رجليه، ودول عينيه. والظاهر كده إنهم هيطلعوا بالألوان."
قالت الطبيبة كلمتها الأخيرة بمرح أدخل السرور على قلبهم، ثم أسمعتهم دقات قلبه. وفي تلك اللحظة، أمسك آدم يد زوجته وضغط عليها بحنو ورغبة لأجمل إحساس يشعر به أي أب وأم. إحساس لا يوصف من جمال رؤياه. وهى الأخرى كانت متمسكة بيده وتشدد عليها من فرط سعادتها وهي تسمع نبضات جنينها لأول مرة. كانت تشعر بسعادة لا يضاهيها سعادة العالم أجمع.
طمأنتهم الطبيبة أن الحمل على ما يرام وأنها بصحة جيدة بعد أن فحصت جميع أعضائها الداخلية.
ثم سألتها مكة:
"هو إني ممكن أسافر عادي أي مكان، يعني وضعي أنا والجنين يسمح لي أروح أزور أهلي وأطمئن عليهم، ولا له؟"
ابتسمت لها الطبيبة متسائلة هي الأخرى بذهول:
"إيه ده؟ هو انتي صعيدية؟"
حركت مكة رأسها للأمام بابتسامة، فقالت الطبيبة بسعادة:
"ده على كده الصعيد بيجيب بنات جميلة، تبارك الله قوي كده."
وأكملت وهي تشرح لها حالتها وتطمئنها:
"شوفي يا مدام مكة، الرحم بتاعك من النوع القلبي، يعني بقي؟ يعني بيحفظ الجنين جواه بشكل رائع، يعني قلب نفسه وبقى هو الدرع الآمن للجنين. رحمك برضه من النوع اللي مش محتاج مثبتات ولا فيه خوف من أي حاجة. يعني توكلي على الله وسافري الصعيد، ومتنسيش تجيبي لنا الزيارة الجاية فطير مشلتت من حداكم، هشتاق ليه قوي."
ضحكت مكة على طريقتها وهي تتحدث بلهجتهم المحببة لقلبها، ثم وعدتها:
"من عيوني يا دكتورة، الزيارة الجاية هيكون عندك أحلى فطير مشلتت من يد ماجدة والدتي."
وضعت الطبيبة درع الفحص في مكانها، ثم ناولتها المنديل الورقي كي تجفف الجل الموجود أسفل بطنها. ساعدها زوجها الذي كان يستمع لحديثهم بسعادة لاتوصف، ثم تحركوا ناحية الطبيبة وأدلت عليهم تعاليمها ومن أهمها:
"مش هوصيكي الفيتامينات تتاخد في معادها. وشرب اللبن مهم جدًا."
"تمام يادكتورة، متقلقيش، أنا اللي هباشر الحاجات دي بنفسي معاها…" كلمات مطمئنة نطقها آدم للطبيبة بمحبة. ثم ودعاها بقلب سعيد لاطمئنانهم على جنينهم وهما يشعرون براحة نفسية لتلك الزيارة المحببة لقلبهم.
كانت رحمة تجول حول نفسها بغضب ما إن علمت بتواجد تلك الشمس في منزل زوجها، وتأكل أظافرها غيظًا وداخلها يكاد ينهار.
وهي تحدث حالها بهوجاء، فتلك حالتها منذ أن وطئت قدماي تلك الشمس حياتهم:
"يعني فاضل على فرحي عشر أيام، واللي ماتتسمي دي تخرب عليا! هي قاعدة في بيته وهما الاتنين أكيد بيسهروا يونسوا بعض، وأنا هنا باكل في نفسي! الله الوكيل يا ماهر لأخليك تجن وتتجنن من اللي هعمله فيك انت والسلحفاة دي."
فقامت بعمل مكالمة كي تتأكد من وجود ماهر في المكتب من إحدى صديقاتها بذكاء. وما إن علمت بوجوده هناك حتى حملت حقيبتها بطريقة هوجاء وصعدت سيارتها وتحركت حيث منزله، بداخلها ينهرها عن أنها لم تنتقم من وجود تلك الشمس مع زوجها في ذاك المنزل. فساق سيارتها بسرعة يقودها الجنون والغضب دون أن تعي حسابًا لأي منهم معرفة قدومها إلى منزله، فهي قد لعب الجنون على أوتار غيرتها وأشعلها.
أما في حديقة المنزل التابع لماهر البنان، حيث كانت تجلس تلك الشمس في حديقة المنزل وهي تشعر بالحزن. فمنذ أن وطئت قدمها ذاك المنزل ومنذ أن أعطاها الكريدت لم تراه من وقتها، فقط يطمئن عليها هاتفيًا وقام بتوصية هانم عليها، فهي ضيف والضيف لابد أن يعامل معاملة حسنة.
كانت تجلس على الأرجوحة الموجودة في الحديقة وهي تفكر في شأنها وماذا جرى لها. فقد أصبحت من الذين يقال عنهم عزيز قوم ذل. وفي يدها هاتفها تحرك شاشته بتيهة دون أن تنتبه بما يعرضه أمامها.
وصلت رحمة إلى الفيلا ثم هبطت من سيارتها قاصدة الدلوف إلى الفيلا مباشرة، ولكن لفت انتباهها صوت الهاتف القادم من يمين الحديقة. فنظرت بجانبها وجدت تلك الشمس جالسة بتلك الأريحية على الأرجوحة التي اعتبرتها ملكية خاصة لها منذ أن أعلمها ماهر بوجودها. بدون أي تردد وصلت إليها في سرعة البرق. وصلت إليها ودون أن تلقي أي سلام جذبت الهاتف من يدها وألقته في حمام السباحة كي تثير غضبها الجم. وبالفعل شهقت شمس من فعلتها الجنونية تلك، والآن صدقت ماهر بأنها ليست سهلة. ثم هدرت بها:
"انتِ إزاي تعملي كدة يا بني آدمة انتِ!"
بكل برود جلست رحمة على الأرجوحة وهي تشاهد غضبها الجم والذي
نطقتها شمس وهي تقطع حديثها بكيد لها، ثم عقبت رحمة:
ــ ميهمنيش الاسم هحفظه ليه طالما حاجة مش هشوفها كتير. المهم أكملك تعريف لنفسي، رحمة المهدي. مبتسيبش حقها واصل. محدش يقدر ياخد حاجة منها لا بالتخطيط ولا الكيد ولا بكهن الحريم. أي حاجة تخص رحمة المهدي بتبقى قدام الكل خط من نار. اللي هيخطيه قبل ما يكمل هيكون اتحرق.
باختصار ياشمس، امشي من هنا عشان متجيبيش الأذى لحالك. واعرفي إن الخصم اللي جاية تتحديه وتقفي قصاده بيودي نفسه في منطقة الهلاك. فأحسن لك صوني كرامتك ومتقوليش في بالك ولا دماغك توزك إنك هتاخدي مكان رحمة المهدي. لاااااا ياماما، التحدي قصادي هيخسرك حاجات أكبر من كرامتك.
وأكملت حديثها وهي تشير بأصبعها من أعلى لأسفل تلك الشمس باشمئزاز:
ــ أه، أصل كرامتك كده كده دهستها لك قبل كده وعرفت إنك معدومة الدم ومتحسيش كيف الخلايق.
استطاعت رحمة بكلماتها تفتيت برود تلك الشمس التي تحلت له إجبارًا عنها. ثم على صوتها وقد شعرت بالمهانة وأنها حقًا ذُلَّت على يداي تلك الرحمة، بالرغم من أنها لم تتعرض لها منذ أن أتت إلى هنا:
ــ انتِ إيه كمية الحقد والغرور اللي بتتكلمي بيهم ده؟ انتِ ربنا ما يحكمك على ظالم ياشيخة.
أطلقت ضحكة عالية ثم قالت من بين ضحكاتها:
ــ هو مش ظالم يبقى يتحمل عقاب ظلمه.
كانت هانم تستمع إلى حوارهم الذي اشتد على الفور. هاتفت ماهر وما إن أتاه الرد حتى أبلغته بنبرة مرتعبة جعلته شعر بالقلق. وحمل مفاتيحه وهبط على الفور:
ــ الحقنا يا ماهر بيه، ست رحمة جت هنا وهي شايطة على الآخر هي وست شمس. والحوار شكله ما يطمنش خالص. تعالى طوالي.
طمأنها ماهر بأنه في أقل من عشر دقائق سوف يصل إليها. وبالفعل لم يمر عشر دقائق حتى وصل المنزل.
ترجل من سيارته سريعا. وجدهم يواجهون بعضهن كالتنين، وجوههم تنفث نارا. شعر بلهيبها ولكنهم لم يشعروا بقدومه نظرا لصوتهم العالي في النقاش.
ثم هتف بصوت جاد من وراء ظهورهم:
ــ ممكن أعرف في إيه يا أستاذة منك ليها؟
لم تعطيه رحمة وجهها وكأنها لم تعِ وجوده أدنى اهتمام، فهو من وضعها في تلك المهزلة مع تلك الدخيلة عليهم، مما جعله يشتاط من عناد تلك المتمردة.
أما شمس خطت أمامه وفي لمح البصر انسدلت دموعها وتحدثت وهي تشير بيدها ناحية حمام السباحة:
ــ والله العظيم يا أبيه أنا كنت قاعدة في حالي. بصيت لقيتها جت شتمتني وبهدلتني وطردتني. ومش بس كده، أخدت مني الموبايل ورميته لي في حمام السباحة. واتعاملت معايا بطريقة غير لائقة خالص. وأهي قدامك هي، اسألها.
لم تنظر إليه رحمة ولا تعي لكلامها أدنى اهتمام. ثم أدارت جسدها ووقفت مقابل تلك الشمس وهي تنظر لها بتحدي أمامه. وأكملت كي لا تشعرها بالخوف منه ولو بهفوة:
ــ والبعيدة طلعت ما عندهاش دم عاد وفرقتنا. إلا لسه واقفة زي ما هي تحكي له اللي حصل عشان توقع ما بينا.
ثم نظرت إلى ماهر وربعت ساعديها وتحدثت بنبرة باردة:
ــ قول لها روحي يابيبي اشتري لك واحد من الفيزا المفتوحة اللي أنا عاطيهالك. وروح طبطب عليها وخد بخاطرها من قليلة الذوق اللي شتمت الكيوتة وطردتها.
اغتاظ ماهر من طريقتها. ثم أمسكها من كتفها هادرًا بها بسبب تصرفها العنيف:
ــ انتِ بتعملي كده ليه يا رحمة؟ فوقي بقى. أنا لحد دلوقتي ما أخدتش تصرف أهوج قدام أفعالك اللي هتجن.
نفضت يده بحدة من على كتفها وهدرت به هي الأخرى ونار الغيرة تأكل صدرها:
ــ ولما تجيب البت دي هنا وتكون معاك في بيت واحد وتديها فيزا مفتوحة تسميه إيه يا حضرة المتر المحترم؟
تجمعت شياطين الإنس والجن من كلماتها اللاذعة وتشعب الغضب في رأسه وتكاثر بلا رادع. ثم هدر بها:
ــ محترم غصب عنك يا رحمة. وقسمًا بالله إن ما هديتي وظبطي لسانك واحترمتي جوزك لا هتشوفي وش عمرك ما شفتيه.
أثار حنقها فقالت بتحدي العناد:
ــ والله لو مش عاجبك طلقني يا ماهر.
إلى هنا تدخلت شمس واقفة بينهم. ثم رددت لها نفس الكلمات التي كانت تقولها لأختها وهي تتذكرها ماضيًا وهي تشاهد عراكها مع ماهر:
ــ بلاش يا رحمة تخلي العناد يخسرك جوزك. ماهر مش هتلاقي زيه تاني.
اندلعت ثورة عارمة من الحقد لتلك الدخيلة عليهم. ثم التفت لها وهزتها من كتفها بعنف:
ــ انتِ مالك أصلاً؟ متتدخليش بينا ولا ليكي علاقة باللي بيحصل بينا ياحرباية. كله بسببك.
اهتزت داخل شمس حزنًا بسبب كلماتها. ثم هتفت:
ــ انتِ أكيد بني آدمة مريضة مش طبيعية.
جحظت عينيها من سباب شمس لها. ثم اقتربت بخطواتها والأخرى تبتعد في موقف مهيب من تلك الثائرة الذي لم يقدر أحد عليها. وكلما ابتعدت هي كلما زادت بخطواتها وهو يقف بذهول لم يعرف كيف يتصرف الآن ولم يجد حلا غير أن يجذبها من يدها ويخرج بها من المكان بأكمله. ولكن قبل أن يصل إليها كانت تلك الرحمة تدفع شمس من صدرها وهي تردد:
ــ انتِ هتقولي إيه يازفتة انتِ!
تعثرت قدماي شمس. وفي لحظة وجدت حالها ترتمي داخل حمام السباحة من دفع رحمة لها. مما أصاب ثلاثتهم بالذهول. فلم تكن تتخيل أن يحتدم الموقف بينهم لتلك الدرجة. ثم هدر بها ماهر:
ــ انتِ عملتي إيه يامجنونة انتِ؟ أهدي بقى أنا تعبت منك ومن أفعالك.
كان يهدر بها وهو يخلع الجاكيت الخاص به. ثم رمى حاله داخل حمام السباحة وأخرج شمس التي كانت تحاول أن تفادي عمق المياه التي سحبتها فهي لم تجيد السباحة. وقام بإخراجها تحت استشاطة تلك الرحمة وهي تراه يحتضن امرأة غيرها بتلك الحميمية. ثم وضعها على الشزلونج الموضوع وهدر بها وهو يناولها البورنس في يدها:
ــ اتفضلي ياهانم نشفي لها جسمها ولبسيها البشكير ده.
تثاقلت بيدها الممدودة. فعلى صوته:
ــ انجزي ياهانم مش شايفاها بتترعش قدامك من عملتك المهببة وعصبيتك اللي ملهاش مبرر.
انتفضت رحمة من عصبيته وشعرت الآن بخطئها. وأن غيرتها العمياء أوصلتها لتلك الدرجة من التصرفات غير مقبولة.
ثم نادى بعلو صوته على هانم التي هرولت على الفور وأتت إليه. فطلب منها:
ــ اعملي حاجة سخنة لشمس وهاتي لها أسبيرنة.
تحركت من أمامه كي تنفذ ما قاله والموقف أصبح مشحنة بشدة. وشمس قد أصابتها الكحة بشدة. نظرت للمياه التي ابتلعتها غصبًا.
ثم هبط ماهر لمستواها متسائلًا إياها بنبرة حنون جعلت رحمة يجن جنونها:
ــ انتِ كويسة ياشموش ولا أبعت أجيب لك دكتور حالا؟
هزت رأسها وتحدثت بوهن:
ــ أنا بخير يا أبيه متقلقش عليا.
ثم نظر إلى رحمة آمرًا إياها:
ــ اتفضلي اعتذري لها حالا عن تصرفك الغير لائق بالضيف واللي حصل ده. ميتكررش تاني.
صمتت كثيرًا وحزن داخلها من رده. ولكنه أعاد عليها طلبه مرة أخرى:
ــ اتفضلي اعتذري لها يارحمة يا إما مش هيحصل طيب وانتِ حرة بقى.
ابتلعت ريقها بصعوبة بالغة. ثم اقتربت منها وهي تشعر الآن بأنها أجرمت بحق:
ــ إني متأسفة ياشمس.
ثم حملت حقيبتها وأولتهم ظهرها. وقد انسدلت الدموع الحبيسة من مقلتيها. دموعًا تعني الكثير. ماذا يريد منها ذاك الماهر؟
كيف يريدها أن تتعقل الأمور وتوزنها وهو يسكن امرأة غيرها منزلها ولو مؤقتًا؟
كانت تخرج من المكان وهي تشعر بالخزي من حالها ومنه ومن الموقف أجمع.
أما هو سأل شمس مرة أخرى:
ــ انتِ زينة ولا حاسة بحاجة تعباكي؟
أجابته بابتسامة:
ــ أنا بخير. معلش روح لرحمة عشان أنا اللي استفزتها في البداية لما هي حدفت لي الموبايل. وأنا لو حسيت بحاجة هانم موجودة.
كأنها أعطته قارب النجاة. فهو رأى عينيها تلمع بغشاوة الدموع مما جعل داخله يتأثر لحزنها. ثم ابتسم لها وراق له تفهمها للموقف. وهرول إلى الخارج. ومن ثم لحق بها وجذبها من يدها قبل أن تدلف إلى السيارة. ثم شاهد دموعها الغزيرة التي قطعت داخله إلى أشلاء.
ثم وجد حاله يحتضن وجنتيها وهو يمسح دموعها بسبابته بحنو بالغ. فهو رجل عاشق لتلك المتمردة. ثم جذبها إلى أحضانه وقبلها من جبهتها قبلة عاشقة كي يرضيها رغم حزنه من أفعالها ورغم أنها المخطئة.
فتمسكت هي بأحضانه وبكت بشدة. مما جعله اهتز بحزن بالغ متأثرًا بحالتها تلك. ثم هدأها وهو يهمس بجانب أذنها:
ــ والله العظيم هحبك انتِ ومش شايف في الدنيا غيرك انتِ ياحبيبتي. ولا في حد يملى عيني غيرك يارحمة. أرجوكي اهدى بقى وتعالي هوصلك وهبقى أبعتلك عربيتك ونتكلم في التليفون بالليل.
استجابت لما قاله فهي قد فقدت كل طاقتها فيما حدث الآن. فأدخلها السيارة بحنو. ثم صعد هو الآخر وأقفل الزجاج المانع لرؤيتهم. ثم بدأ بالقيادة. وبعد ذلك جذبها من رأسها وأسندها على كتفه بحنو بالغ كي يشعرها بأنها أحضانها هي وهي المالكة لها وحدها لا أحد غيرها.
وبعد عدة دقائق وصلا إلى بيتهم. وقبل أن تنزل احتضن كفاي يدها بتملك وفهمها:
ــ على فكرة أنا بايت في المكتب بقالي يومين في الأوضة اللي انتِ موضبهالي بنفسك.
وأكمل بدعابة وهو يغمز لها بشقاوته كي يدخل على قلبها المرح:
ــ مش عايز أقول لك دلوقتي حالتها كيف بقت عاملة زي السيرك ومستنياكي تيجي تروقي عليها وعلى صاحبها اللي قرب يجي له جفاف من الوحدة والهجر.
ابتسمت لدعابته أخيرًا. فهتف بعدم تصديق:
ــ أخيرا يا رحمتي أفهم من كده ضحكت يعني قلبها مال.
تحدثت أخيرًا قبل أن تهبط من سيارته وهي تضغط بقدمها على قدمه وكأنها تنتقم منه:
ــ متحلمش يامتر أنا أرضائي صعب قوووي. الله يعينك على ما بلاك.
تأوه قليلًا من فعلتها المفاجأة لها. ثم عنفها بدعابة:
ــ يالا يارخمة يا أم دم تقيل ياعيوطة.
نظرت له بغضب مصطنع من كلماته لتقول:
ــ أهو انت يا أبو دم تقيل يابارد.
ــ هقطع لسانك دي بإذن الله يا شبر ونص انتِ... قالها بتوعد قبل أن يغادر وهو يشعر بإنهاك منها ومن الأمر كله.
*******************
في منزل سلطان حيث كان الجميع مجتمعين على طاولة الطعام. فذاك اليوم الذي يجتمعون فيه لتناول العشاء مع بعضهم كل خميس من الأسبوع. كانت سكون ورحمة تخرجان الأطباق على السفرة. وكانت زينب وسلطان وعمران يجلسون في الخارج يتناقشون في موضوع رحمة.
أما في المطبخ كانت رحمة تحادث سكون وتنادي عليها. ولكنها لم تنتبه لها نظرا لشعورها بالتعب الذي انتابها طيلة العشرة أيام المنصرمة وزاد عليها هذه الأيام.
فوجهت رحمة أنظارها إليها باندهاش وهي تسألها:
ــ مالك ياسكون انتِ زينة ولا حاسة بحاجة تعباكي؟ بقالي يومين كل أما أطلع لك ألقاكي وشك مصفر وحالتك غريبة وبتنهجي كتير؟
حولت سكون وجهها للناحية الأخرى كي لا تلحظ رحمة شيئًا. ثم طمأنتها بكذب:
ــ له متقلقيش أنا زينة الحمد لله.
ثم حملت الطبق بيدها وأكملت بنبرة متعجلة كي تهرب من حصار رحمة:
ــ يالا هاتي صينية الفراخ واخرجي عشان بابا الحاج ميزهقش.
أحست رحمة بوجود خطب ما في تلك السكون ولابد أن تعرف ما بها. فهي قد شعرت بالقلق تجاهها.
أما في الخارج على طاولة الطعام جلست سكون بجانب عمران. الذي ما إن أتت بجانبه حتى ربت على يدها بحنو وردد بجانب أذنها:
ــ البطاطس ريحتها تجنن. تسلم يدك يا سكوني.
ابتسمت له سكون بوهن. فهي الآن قد وصل تعبها ذروته. ولكن تحاول إخفائه ببراعة كما الأيام الفائتة. ولكن اليوم زاد عن حده. ثم هتفت بامتنان مصاحب للاستفسار:
ــ هتفضل لحد ميتة تشكر في وكلي وكل حاجة بعملها وشايفاها حاجة عظيمة متعملتش قبل سابق؟
ربت على فخذها أسفل الطاولة مما جعل جسدها يهتز قليلًا من حنوه البالغ لها. ثم نطق بهمس كي لا يسمعه أحد من عائلته:
ــ الناس كلها هتشوف اللي يدلع مرته واللي يشكر أقل حاجة هتعملها لجوزها ضعف. وإنه مش راجل إلا أنا ياسكوني لازم عيني تشوف كل حاجة حلوة منك. تشوف كل القليل اللي هتعمليه كتير. لأن دي كانت معاملة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم مع زوجاته. واحنا لازم نقتدي بيه.
سرت رجفة في جسدها من حنان ورجولة ذاك العمران. والذي لقبته يومًا فارسا من الفرسان. وها هي الآن لم تندم على اختيار قلبها لذاك الرجل الأعظم في نظرها. ثم هتفت وهي تنظر داخل عيناه:
ــ الحمدلله قوووي. الحمدلله إنك انت موجود جنبي. الحمدلله إن انت نصيبي الحلو. الحمدلله إن دعواتي وأنا بقيم الليل وأطلب من ربنا إنك انت بالذات تبقى شريك العمر. الحمد لله ربنا استجابها.
كان يود أن يقوم من مكانه ويقبل رأسها ويحتضنها بين أضلعه كي يعبر لها عن مدى امتنانه هو الآخر لوجوده جانبها. ولكن يعرف أنها تخجل بشدة فلم يريد أن يزيدها خجلًا.
فما كان منه إلا أنه ابتسم لها وهو يربت على ظهرها بحنو. ثم انتبها كلتاهما إلى كلمات زينب لرحمة:
ــ اتصالحتي ويا جوزك ولا لسه يامقصوفة انتِ؟
ضحك عمران على طريقة والدته مع رحمة مما جعلها تشعر بالحنق. ثم تمتمت بغيظ:
ــ هو أنا مش هعرف آكل اللقمة كمان؟ لازم تجيبي السيرة النكد دي يا ماما!
لوت زينب شفتيها بامتعاض وتحدثت بسخرية:
ــ ليه وهي البعيدة هيفرق وياها الحاجات دي!
والله العظيم ما حد هيجلطني في البيت دي غيرك يابت بطني.
كانت سكون في عالم آخر والوجع بدأ يشتد أسفل بطنها ولم تستطيع التحمل أكثر من ذاك فاستقامت براحة أذهلت الجالسين.
فسألها عمران بقلق:
ــ مالك يا سكون مكملتيش وكلك ليه؟
وزينب هي الأخرى سألتها مندهشة:
ــ إيه يا بتي قمتي فاجأة أكده ليه؟ انت ملحقتيش تدوقي عمايل يدك حتى. اقعدي كملي وكلك حكم انت اليومين دول خاسة ومش عجباني.
إلى هنا وقد تملك الدوار من رأسها ولكن لم تعي له أدنى اهتمام.
وضعت يدها أسفل بطنها وكأنها بذلك تمنع الدماء التي تدفقت ساخنة بين أقدامها، ولكن قد فات الوقت.
وقبل أن يغشى عليها هتفت بوهن جعل الجميع ينتفض من مكانه:
ــ الحقني يا عمران.
أمسكها عمران من خصرها قبل أن تقع، ثم مد يده أسفل ظهرها كي يحملها ويضعها على أقرب أريكة.
ولكن حينما وضع يده انصدم بذهول مما شعرت به يداه.
وتلقائيا نظرت عيناه للأسفل، وجد تلك الدماء تنسدل بغزارة بين أقدامها.
اتسعت عيناه بهلع مما رآه، مما جعل الجميع يتحركون من أماكنهم وينظرون تجاه عيناه وهم يتساءلون جميعًا في فم واحد عن ماذا حدث لها.
ثم خرجت شهقة عالية من رحمة وزينب وهم يرون دماءها السائلة أسفل قدمها.
فتحدثت زينب برعب:
ــ يا حبيبتي يا بتي جرى لك إيه؟
ورحمة هي الأخرى:
ــ مالها يا عمران حصل لها إيه؟
كان عمران في عالم آخر وهو يعي ماذا فعلت بحالها تلك السكون، مما جعل قلبه يئن وجعًا عليها.
ثم تحدث سلطان وهو يحمل مفاتيح سيارته على عجالة:
ــ هو إحنا لساتنا هنسأل والبنت هتنزف! يالا يا ولدي لف مراتك في العباية دي وشيلها وهاتها وراي، هسبقك أشغل العربية.
أما هو كان يشعر بالضياع، يشعر بالانهيار، بالوجع الذي ليس له مماثل.
فسكونه فعلت بحالها كما يؤدي حياتها إلى الخطر كي تسعده.
ضحّت بصحتها وعافيتها من أجل أن تريح الجميع من أسئلتهم التي لم تنتهي بعد، كي تجعلهم يهدئون تجاهها وهي ونفسها وآلامها من وجهة نظرها، فلتذهب بهم إلى الجحيم.
ثم أفاق من حالة الوجع الذي شتت عقله وحملها سريعا، ثم هرول بخطواته إلى السيارة كي يذهبوا إلى المشفى.
وتبعته رحمة بمفاتيح سيارتها وزينب هي الأخرى، وهرولوا جميعًا إلى المشفى التي تعمل بها، حيث هاتف عمران فريدة.
وما إن علمت حتى سبقته إلى المشفى، فهي مكثت يومان لم تذهب فيهما نظرًا لحالتها السيئة وما جرى لها.
بعد ربع ساعة وصلوا جميعًا وهبطوا من السيارات، وحمل عمران سكون.
وكانت فريدة بانتظارها على باب القسم بذاك التخت ومعها عدد لا بأس من الأطباء للاطمئنان على حالة صديقتهم، وتلك الطبيبة التي تتابع حالتها كانت بمحض الصدفة موجودة في المشفى.
دلفوا بها جميعًا إلى غرفة الفحص، وبدأت الطبيبة وفريدة الإجراءات اللازمة لمعرفة السبب الذي أودى بها إلى ذاك النزيف.
وللعجب أنهن انصدمن مما اكتشفوه ووصلوا إليه بعد ما يقرب من ثلث ساعة.
تحدثت الطبيبة مع فريدة آمرة إياها:
ــ اخرجي بلّغيهم حالا بحالة الهانم واللي عملته في نفسها بالطريقة الغبية دي ويمضوا على إقرار العملية اللي لو اتأخرنا مش هنعرف نسيطر على النزيف واحتمال كبير يجرى لها حاجة منعـ.ـرفش نسيطر عليها بعدين.
ابتلعت فريدة ريقها بصعوبة، فسكون لم يعرف أحدًا بحالتها غير عمران، والآن سينكشف سرهم أمام الجميع ولن تستطيع الإفلات منهم نظرًا لتواجدهم في الخارج ولهفتهم على معرفة مابها والاطمئنان عليها.
لاحظت الطبيبة تسمرها ذاك، فهدرت بها:
ــ بذمتك ده وقت سرحان دلوك يا دكتورة وحالة صاحبتك خطيرة.
وأشارت بيدها تجاه الباب كي تجعلها تتعجل، فالوقت ليس بصالح سكون.
ثم خرجت بأقدام واهية، فماذا تحكي لهم وكيف تخبرهم.
وما إن وصلت إليهم حتى حدث ماتوقعته، ففي رمشة عين كانوا جميعًا أمامها.
ابتلعت ريقها بصعوبة، ثم تمتمت لعمران وهي تمد يدها له بتلك الورقة كي يمضيها:
ــ سكون لازم تدخل العمليات حالا، اتفضل امضي على الإقرار علشان مفيش وقت نستنى.
احمرت عيناي ذاك العمران من ذكر كلمة العمليات وحالتها الخطر، ثم سألها بنبرة قلقة للغاية:
ــ ليه هي مرتي مالها يا دكتورة؟
زاغت بصرها حولهم جميعًا، ولكن لم يعد وقت الآن لتخبئة أي شيء عن حالتها.
ثم أخبرته بصوت خافت وكأنها لا تريد أن يسمعها أحد:
ــ سكون كانت حامل في الشهر الرابع والمشكلة الكبيرة إنها كانت بتاخد أدوية تثبيت بمثابة قنابل تخلي الرحم ينفجر، والرحم طبعًا بتاعها حالته خاصة جدًا ومحتاج علاج وصبر، وهي استعجلت.
إلى هنا وانتفض عمران مرددًا بذهول:
ــ حامل في الشهر الرابع ومقالتش! تعرض حياتها للخطر بالطريقة دي كيف؟
أما زينب هتفت باستنكار له:
ــ يعني مراتك عندها مشكلة وشكلها كبيرة كمان ومهتعرفونيش، وسألتها وسألتك بدل المرة مليون مرة!
رواية من نبض الوجع عشت غرامي الفصل الثامن والثلاثون 38 - بقلم فاطيما يوسف
انتفض عمران مرددًا بذهول:
ــ حامل في الشهر الرابع ومقلتيش! تعرض حياتها للخطر بالطريقة دي ليه!
أما زينب فهتفت باستنكار له:
ــ يعني مراتك عندها مشكلة وشكلها كبيرة كمان ومقولتليش وسألتك وسألتك مليون مرة!
مسح عمران على شعره وهو ينفخ بضيق بالغ ثم رد لوالدته:
ــ مش وقته الكلام ده عاد يا أمي، مراتي جوه في العمليات دلوقتي بين الحياة والموت، وبدل ما قلبك يرجف عشانها تقعدي تتحسري وتقولي قالوا وقلنا!
هز سلطان رأسه بموافقة وهو يربت على ظهر ابنه:
ــ عين العقل يا ولدي، امضي على الورقة الأول عشان مراتك.
ثم نظر إلى زينب وعنفها على طريقتها:
ــ هو ده وقته يا ولية انتِ؟ اهدي كده لما نطمن عليها وبعدين نفهم بهدوء إيه.
صمتت زينب إجباريًا، ولكن داخلها يتآكل من تخبئة عمران عليها، والقلق عليهم كان ينهش بها، فهو ولدها الوحيد وقارب على الأربعين إلا بضع سنوات قليلة.
مضى عمران على الإقرار ويداه ترجف خوفًا على سكون، ثم ناولها الورقة بعد أن انتهى، وهو يسألها بلسان خائف على زوجته:
ــ هي العملية دي فيها خطر على سكون يا دكتورة؟
حركت رأسها برفض وحاولت طمأنته على عجالة:
ــ لا، متقلقش، سكون هتطلع منها بخير إن شاء الله، بس دعواتكم، عن إذنكم.
تركتهم ودلفت إلى الغرفة وبدأت بإجراءات تهيئتها لدخول العمليات أولًا.
والجميع في حالة تأهب شديد، فسكون قبل أن تكون حالة في المشفى، فهي زميلتهم.
أما في الخارج، كان عمران يجوب الطرقة ذهابًا وإيابًا، وهو يحدث حاله بصمت، والهلع على سكون ضرب بأوردته مجرى الدم في العروق.
ــ لما حبيبتي فعلت في حالك كده؟
كيف لكِ أن تؤدي بشأنك إلى الجحيم وتجعلي القلق ينهش داخلي عليكِ سكون؟
لم أتذكر أنني جرحتك يومًا بكلماتي كي تفعلي ذاك الجرم بنفسك وتجعليني الآن أتعذب عليكِ هلعًا وقلبي يشعر بالدمار!
لم أريد سواكِ في الكون كله، فأنتِ لي أما وأبًا وزوجة وأختًا وخليلة، أنتِ كلي سكوني!
الجميع يقفون خائفون عليها، فأتت رحمة إليهم بعد أن أنهت إجراءات الأوراق المطلوبة في المشفى، ثم ربتت على ظهر أخيها بعدما علمت من والدها ما قالته فريدة:
ــ هتبقى زينة يا عمران، متقلقش يا خوي، إن شاء الله، مش عايزك تاخد على أعصابك الموضوع وتهدي حالك عشان لما مراتك تخرج من العمليات مش عايزة هجوم ولا منك ولا من ماما ولا من أي حد فينا، مش عايزها تشوف غير الابتسامة على وشنا، وبعد ما ربنا يشفيها خالص وتتعافى من اللي هي فيه، تتعاتب أنت وهي براحتكم.
غامت عيناه بالحزن على زوجته، ثم سأل شقيقته بنبرة حزينة وداخله مرتعب:
ــ هي ممكن يحصل لها حاجة لا سمح الله! أصلك ما شفتيش الدكتورة فريدة قالت إن هي كانت بتاخد أدوية تثبيت وعملت انعكاس معاها، وكانت ممكن تفجر الرحم بتاعها، وتقريبًا حالتها صعبة، أنا بجد خايف عليها قوي، خايف يجرى لها حاجة وحشة، ووقتها مش هتحمل والله العظيم مش هتحمل.
ابتسمت بوجهه كي تحاول بث الهدوء النفسي بداخله، ثم هتفت بكلماتها الودودة:
ــ لا، تفائل بالخير تجده يا خوي، وربك بإذن الله هيشفيها وهيجبرها وهيفرح قلوبنا كلياتنا بعوضك يا حبيبي، بس أنت ميوبقاش على لسانك دلوقتي، يااااارب هو الوحيد اللي بيده فك الكرب.
أخذ نفسًا عميقًا ثم نطقه من أعماق قلبه برجاء من رب السماء:
ــ يااااارب، يااااارب، استودعتك إياها وأنت خير مودع.
مر ساعة كاملة وسكون داخل غرفة العمليات، وقد نفذ الصبر من صبر عمران الذي يقف الآن أمام الغرفة، وأخيرًا خرجت سكون على ذاك التخت المتنقل، وكأن عقرب الساعات توقف عند تلك الدقيقة، ولم تندهشوا، فذاك رجل عاشق لامرأة ولد قلبه الموجوع على يدها.
فور أن رأته عيناها، أمسك يدها واحتضنها بين كفّي يديه باحتواء، وهو يتسابق بقدميه مع التخت المتحرك إلى أن أوصلها غرفة الإفاقة، وما إن توقفوا بالتخت، حتى رفع كف يدها ولثم باطن يديها بقبلة عميقة أدفأت يدها المثلجة من سخونة أنفاسه.
بعد مرور دقيقتين، بدأت تتوجع وتهذي من أثر البنج، وهي تردد بألم وهي تشير أسفل بطنها وتتأنى بوجع:
ــ آااااااه، أنا فين؟ هأحصله إيه؟
مسح عمران على شعرها مجيبًا إياها بصوت متحشرج أثر حزنه على وجعها الذي يقطع نياط قلبه:
ــ أنتِ بخير يا حبيبتي، متقلقيش، حمد الله على سلامتك يا سكون.
حركت رأسها بهدوء إلى مصدر الصوت وتمتمت وهي تنظر برؤية مشوشة إلى عمران وعقلها الذي لا يزال لم يستوعب بعد ما بها:
ــ آاااه، بطني بتوجعني قوي، حاسة بسكاكين فيهم.
وأكملت وهي تشير بأصبعها إلى أماكن متفرقة في بطنها:
ــ آاااه، وجع هنا وهنا وهنا وهنا، خليهم يدوني مسكن.
اللمعت عيناه بغشاوة الدموع وهو يقف عاجزًا أمام وجعها ولم يستطع التخفيف عنها وهي تتأوه كثيرًا، وما إن وقع بصره على فريدة، حتى هرول إليها آمرًا إياها:
ــ تعالي بسرعة، اديها مسكن عشان بتتألم قوي.
حركت فريدة رأسها برفض وفهمته:
ــ طبيعي الوجع اللي هي فيه، ومينفعش مسكن دلوقتي خالص، لازم تفوق الأول وأقومها تتمشى، وبعدين هديها مسكن، الصبر بس يا عمران.
واسترسلت حديثها وهي تنظر إلى صديقتها ورفيقة العمر والأيام بحزن نمى عن دمعة سكنت وجنتيها:
ــ دي يا حبيبتي عملت في نفسها كده وعرضت حياتها للخطر عشان تسعدك وعشان تجيب لكم ولي العهد اللي يفرح قلوبكم، وبالتحديد الحاجة زينب، كانت بتشوف اللهفة في عيونها وكلامها، فمقدرتش تتحمل.
انصعقت ملامح عمران وتهجم وجهه، ثم سألها:
ــ يعني انتِ كنتِ عارفة اللي بتعمله في نفسها، وممنعتيهاش أو مقلتليش؟
حركت رأسها برفض قاطع:
ــ لا، والله العظيم ما كنت أعرف، إني اتصدمت زييكم بالظبط.
سمع كلتيهما تأوه سكون، فنظرا إليها بشفقة، فتحدثت فريدة:
ــ روح اقف جنب مراتك وخلي بالك، نفسيتها اليومين دول هتبقى متدمرة جدًا، فمش ناقصة كلام ولا لوم من أي حد، فممكن تعمل في نفسها أي حاجة، دي أم فقدت جنينها بعد ما عرضت حياتها للخطر.
زفر أنفاسه بقوة وهو ما زال مثبتًا أنظاره عليها، وهو يطمئنها:
ــ متقلقيش يا دكتورة، مش هفارقها لحظة واحدة.
خطت فريدة إليها، ثم هبطت لمستوى وجهها وقبلتها من رأسها، ثم مسحت على شعرها المغطى لتقول بحنو:
ــ حمد الله على سلامتك يا حبيبتي، ربنا يرزقك الخير كله عاجله غير آجله، ويتمم شفاكي يارب.
كانت سكون ما زالت تتوجع بألم، ولكنها انتبهت لكلام فريدة، فنظرت إليها نظرة حزينة مطولة تحوي آلامًا وحرمانًا، ولكنها إرادة الله، ففهمتها فريدة على الفور، وما كان منها إلا أنها تبسمت بثقة من رب السماء وتفوّهت بتأكيد:
ــ متقلقيش يا حبيبتي، اللي خلقنا عمره ما هينسانا، بيبتلينا عشان يختبر قوة صبرنا، بيختار من عباده أولى العزم عشان لما نصبر ونتحمل ونقول الحمد لله، بيعطينا من عنده اللي من كتر عطيته وقتها مش هنصدق نفسنا.
واسترسلت حديثها وهي تنظر إلى عمران الواقف بقلق ينهش معالمه عليها، وهي تشير إليه بيدها:
ــ كفاية إني عندك زوج حنين هيحبك يا سكون وهيعشقك ويتمنى لك الرضا، دي كلها يا حبيبتي بالدنيا واللي فيها.
وأخيرًا، وجهت سكون أنظارها إلى عمران وهي تشعر بالخزي مما فعلته بنفسها، وإلى هنا تبدلت آهات الألم إلى دموع صامتة، وكبتت ألمها الجسدي الآن واستسلمت لألمها النفسي، مما جعله يشعر بها في نفس اللحظة. ومن يشعر بعاشق متألم غير معشوقه؟
من يتألم بداخله ويتفهم دموع عاشق غير خليل روحه؟
رأت فريدة اقترابه، فتركتهم وابتعدت وبدأت في تجهيز المحلول لها كي تترك لهم مساحة لمواساة بعضهم البعض. جذب الكرسي الموضوع بجانب التخت وأقربه منها، ثم جلس عليه وأمسكها من يدها اليسرى واحتضنهما.
شعرت بدفء يده، فتمسكت بكفيه بأصابع يديها المرتعشة، فنطق هو أخيرًا بدعابة كي يجعلها تبتسم:
ــ يعني ينفع كده يا سكوني اللي عملتيه فينا؟
كنت مجهز لك الليلة سهرة خاصة من بتوع عبد الباسط حمودة، ضيعتيها على عمرانك.
ابتسمت له بوهن، ثم تبدلت ابتسامتها إلى حزن عميق وهي تعتذر له:
ــ حقك عليا يا عمران، كان نفسي أفرحك وأفرح ماما زينب وبابا، كان نفسي أجيب لهم الحفيد اللي من صلبك واللي متشوقين لرؤيته ويحملوه بين يدهم.
يالله منكِ سكوني، لا تتوجعي، لا تبكي حبيبتي، فدموعك الغالية تلك تحطم داخلي.
ثم مسح على رأسها بحنو ويده ما زالت تحتوي يدها:
ــ أنتِ عندي بالدنيا واللي فيها يا حبيبتي، كفاية عليّ إني أتصبح كل يوم على بسمتك وأنام بالليل وأنتِ في حضني وأشكيلك همي.
وأكمل بكلمات جعلتها تلوم حالها على ما فعلته في نفسها ظنًا منها أنها من الممكن أن تخدمها الصدف ويعيش جنينها، ولغت العقل والمنطق الذي وهبهم لنا الله بحكمته كي نزن بهم الأمور:
ــ أنتِ بصيتي لحاجة واحدة بس ناقصاكي وناقصاني، ونسيتي حاجات كتيرة قوي من نعم ربنا اللي محوطانا. نسيتي نعمة السكن والمودة والرحمة اللي هنعيش بيهم بفضل ربنا ومش موجودين في أغلب البيوت. نسيتي إني هحبك أنتِ لشخصك أنتِ مش عشان نجيب عيال تربطنا ببعض. نسيتي إني مهتمناش في الدنيا غير بسمتك وسعادتك اللي أنتِ هتعيشيهم لي كل يوم بقلبك الأبيض الكبير.
واسترسل حديثه بنبرة مترجية وهو يتعمق بالنظر داخل عينيها:
ــ أرجوكي يا حبيبتي مش عايزك تتهوري تاني وتمشي رحلة علاجك بالراحة، وللمرة المليون إني مش متعجل، والراجل ممكن يخلف وهو عنده سبعين سنة مش ٣٦ يا سكون.
ظل يهون عليها رحلة آلامها وهي تستمع بأذنيها عاتبة لها على ما فعلته بحالها.
أما في الخارج، فقد سألت زينب الطبيبة عن حالة سكون وعلمت منها حالتها بالتفصيل، مما جعلها هلعت وهي تردد لسلطان:
ــ يعني ولدك ومرته تبقى عندهم دي كلها وما يعرفوناش!
كل يوم والتاني أسأله بقلب أم مفطور على ضناها ونفسها تتطمّن عليه وتشيل عوضه بين يدها.
ويقول لي: "داي مسألة وقت ياحاجة، واني وهي زين مفيناش حاجة".
ويكدب علي ويقرطسني!
هنا تحدثت رحمة وهي تنهي والدتها عن الكلام بتلك الطريقة:
ــ عمران معملش حاجة غلط يا حاجة. هو عيمل الصح، مينفعش يخرج سر مرته لأي مخلوق ولا حتى لامها اللي خلفتها، إلا إذا هي قالت لها لحالها. اخوى راجل بيحافظ على هدوء بيته بالطريقة اللي هيشوفها صح ومش من حقنا ندخل خالص.
وتابعت نهيها بنصح:
ــ له كمان والواجب علينا نقف جاره هو ومرته بالبسمة والكلام الزين علشان هي عرضت حياتها للخطر وكانت احتمال كبير تشيل الرحم علشان خاطر تسعد اخوي وتفرح قلوبكم.
ضربت زينب كفا بكف وتكاد تجلب رحمة من رأسها على نهيها اللاذع لها من وجهة نظرها:
ــ اكتمي يابوز الأخص انت. كل الكلام دي مايفرقش معاي، كل اللي يفرق لي أشوف عوض ولدي على يدي. دي ولدي الوحيد ياناس وداخل على الأربعين كمان، ليه مش مقدرين نـ.ـار قلبي اللي قايدة جواي واني كل يوم بحلم أشيل ولده على يدي وأفرح بيه.
أجابها سلطان بتعقل:
ــ مالك يازينب مكبّرة الموضوع ليه؟ مالدكتورة خبرتك إنها مسألة وقت وإن حملها مش مستحيل ولا صعب، بس محتاج صبر هبابة. وبعدين أني ولدي راجل يخلّف لو عنديه تمانين مش أربعين. لا دي وقته ولا دي مكانه خالص، واكتمي يازينب وحذاري البونية المرمية جوة داي تحس بحاجة. الله الوكيل أقـ.ـطع خبرك النهاردة، لا هي ولا ولدي ناقصين، كفاية اللي فيهم.
ثارت زينب من تحذيرات سلطان لها ثم على صوتها وهي تعترض على كلامه:
ــ وه كيف أعملها ازاي دي ياسلطان؟ أعرف إن ولدي مهيخلفش وإن مرته يا عالم ربنا يكرمها ولا له، واتحمل وأسكت؟
حاولت رحمة تهدئتها ناهية إياها:
ــ يا امي وطي صوتك، إحنا اهنه في المستشفى وسط زمايلها. اهدي بقي الله يرضى عنيكي. وبعدين حطيني مكان سكون لو اني اللي حالتي زيها، بردو هيوبقي دي رد فعلك؟
حطيني مكانها يا حاجة وادخلي دلوك بنفس راضية بقضاء الله وخديها في حضنك وواسيها وحسسيها إن سلامتها بالدنيا واللي فيها. واعرفي يا امي إن كل تأخيرة وفيها خيرة من عند الله.
نفخت زينب بضيق وهي تحاول أن تهدئ من نوبة الخوف التي انتابتها جراء ما حدث.
هي مقتنعة تمام الاقتناع بكلامهم، ولكن ما يحزنها أنها سألتهم كثيراً وكثيراً، وكانوا لا يشفون صدرها بالإجابة، وفوجئت بما حدث. لما لا يراعون نوبة خوفها على ولدها الوحيد؟
لما لا يتركوها تنفث عما في صدرها الآن من ألم أم ينكوى على حرمان ابنها من نعمة الأبوة؟
لما يتحدثون معها بتلك الطريقة وكأنها ليس لها الحق في الحزن على ما جرى الآن؟
تلك الكلمات التي ظل داخلها يرددها وتـ.ـنهش بها، ثم حاولت أن تنظم أنفاسها الثائـ.ـرة بسبب نوبة عصبيتها، وبعد قليل هدأت، ثم دلفوا جميعاً، بعد أن علموا بإفاقتها تماماً، فقد مر ساعة كاملة على خروجها من العمليات.
انطلقت رحمة مسرعة بأقدامها إليها كي تطمئن عليها وهي تردد بدعابة كي تدخل السرور على قلبها:
ــ اها شكل القمررر أهي ووشها زاده النور، مرت أخوي على البنج والمستشفى.
ثم هبطت لمستواها وهي تتحسس رأسها بحنو:
ــ إلا قولي لي يامرت أخوي، هو المستشفى عنديكم البنج اللي فيها دي بيوبقي في علاج تنظيف بشرة؟ أصلك اللهم صل على النبي في عيني وشك أبيض ومنور وكأنك خارجة من الكوافير دلوك.
ابتسمت سكون وكادت أن تضحك، ولكن منعها جرحها الذي أوجعها من حركتها الغير محسوبة نظراً لتفاعل جسدها مع دعابة رحمة. ثم كبر عمران في وجهها:
ــ الله أكبر في عنيكي يابت انتِ. هتحسدي مرتي قدامي وقدامها اكده عاد ومهتختشيش.
ثم نظر إلى سكون وهو يسمي في وجهها بدعابة مماثلة لرحمة:
ــ اسم الله عليكِ، ياغالية من عين رحمة وكمان من عين رحمة.
ضحكوا جميعاً، وأولهم زينب التي تقدمت عليها واحتضنتها وهي نائمة:
ــ الف سلامة عليكِ يابتي، ربنا يقومك بعافية وترجعي بيتك ومـ.ـطرحك بالسلامة.
كانت سكون خائفة من رد فعل زينب بالتحديد، والآن شعرت بأن خوفها في محله من سلامها الممتلئ ببعض البرود، ولكن ليس لها ذنب، فكل ما بها ما هي إلا إرادة الله. ثم نطقت بخفوت:
ــ الله يسلمك يا ماما. وتسلمي من كل شر.
أما سلطان تقدم بخطواته وبوجه بشوش أردف:
ــ حمد لله على سلامتك يابتي. وعكة وتزول وربنا يديكي الخير من عنديه.
علمت سكون الآن أن حـ.ـربها الآن ليست مع أيا منهم غير زينب، وأنها الآن سوف تعاني من ملامها هي وحدها، وعرفت ذلك من سلامها البارد غير سلام سلطان ورحمة الممتلئين بحرارة الاطمئنان عليها.
مر الوقت وأتت مها أختها وماجدة والدتها، فقد أبلغتهم رحمة. وما إن وصلوا حتى هرولت إليها ماجدة وقد أدمعت عينيها من منظر ابنتها:
ــ الف سلامة عليكي ياحبيبتي. ايه اللي جرى لك ياغالية؟
ابتسمت لها سكون وطمئنتها:
ــ متقلقيش ياماما، اني زينة قدامك أهو. الحمدلله عدت على خير.
أما مها وقفت جانبها وقد أفسح لها عمران المجال، وقد شعرت بالشفقة على حالتها:
ــ معلـ.ـش ياحبيبتي ربنا يعطيكي من عنده الخير كلاته. متزعليش ياسكون ربنا مبيعملش حاجة وحشة ابدا.
وظلوا بجانبها يواسوها ويدخلوا الطمئنينة على قلبها إلى أن مر نصف اليوم وجاء موعد خروجها، فاستأذنت ماجدة من عمران:
ــ معلش ياعمران بتي هاخدها على عندي علشان اعرف اراعيها و آخد بالي منيها.
وتابعت استئذانها وهي توجه باقي كلماتها الي سلطان وزينب:
ــ بعد اذنكم طبعا. ياحاج سلطان انت والحاجة زينب.
رأت رحمة وجوم عمران فاستغلت انشغال ماجدة مع والديها ونصحت عمران:
ــ سيبها ياخوي تروح مع امها هتوبقى هناك وسط أمها وأخواتها مرتاحة أكتر، وكمان علشان رد فعل أمك ليك لما نعاود بيتنا مش مطمني بعدها الأسبوع دي خالص.
شعر عمران بالاحتـ.ـراق داخله، أليس من حقه الخصوصية هو وزوجته؟
أليس من حقه أن يحتضن زوجته ويخفف عنها في شقتهم الخاصة!
ثم فكر سريعا. في نصح رحمة ووجد أنه الأفضل لها، ولكن أجاب ماجدة:
ــ مطرح ما سكون ترتاح تختار، مهغصبهاش على حاجة واصل.
هنا شعرت سكون بمدى حزنه من طلب والدتها، ولكنها خافت أن تسمع من زينب كلمات توجعها فتؤثر عليها هي وعمران، فابتلعت ريقها وهي تستأذن بخجل من عمران:
ــ معلش ياعمران وديني عند ماما أسبوع بس.
ابتسم عمران لها وداخله حزين، ولكنه راعى خوفها، ثم ردد بموافقة:
ــ روحي ياحبيبي مكان ما ترتاحي، وأني مش هسيبك وهكون وياكي.
ووافق أيضا. سلطان بدون أدنى اعتراض، وبدأوا في تجهيزها لمغادرة المشفى، فقد دخلتها متألمة وخرجت منها مكـ.ـسورة الخاطر، وما تشعر به الآن لن يشعر به أحد سوي من ذاق مرارة الفقدان من الأمومة.
في نفس المشفى كان ذاك الفارس يبحث بعينيه عن الدكتورة فريدة، فهو قد أحس بالحنين إليها، فمنذ الموقف الذي حدث بينهم لمس فيها الاختلاف عن أيا منهن، وبالتحديد أنها لن تتمسح به كباقي الفتايات. ظل يبحث عنها أكثر من نصف ساعة، فهو يشعر وبشدة أنه يريد التحدث معها. وبالصدفة علم ما حدث لصديقتها سكون، فهو قد سأل عنها كثيراً وعرف أن سكون صديقتها المقربة، فبالتالي بدأ بفحص حالة سكون واستكشف ما حدث لها، ووجد حجة كي يتحدث مع فريدة، ولكنه لم يجدها. إلي أن وقعت عيناه أخيراً. عليها، فقد صال وجال في المشفى بأكملها كي يراها، إلى ان وجدها تجلس في استرخاء تام في حديقة جانبية للمشفى، ويبدوا على ملامحها التعب الشديد والإرهاق. ساقته قدماه إليها بقلب يخفق تطلعاً للحديث مع تلك الفريدة، ثم وقف أمامها واستند على جذع الشجرة، ثم ربع ساعديه أمام صدره، وغروب الشمس آنذاك انعكس على ملامحه الشقراء. وجدها تغمض عينيها وهي تستند على ذاك الكرسي برأسها للخلف، وقدميها مرفوعتين قليلا. على ذاك السور الأرضي، ثم تحدث بصوت رجولي هادئ:
ــ دورت عليكِ كتير يا دكتورة لحد ما لقيتك.
أصابتها رعشة خفيفة اجتازت جسدها فور ان
ترجم عقلها لمن يكون هذا الصوت، فشعرت بالغثيان وأن معدتها تكاد تنقلب الآن، فقد أصبح صوته أبغض صوت تسمعه. ثم فتحت عينيها رويدا. رويدا. ووجدته يقف أمامها، فعبئت صدرها بزفير وفير كي تستعد لمجابهة ذاك المصابي. ثم سألته بنفس نبرته الهادئة، وحتما. ووجب عليها أن تتعامل بكل هدوء مع ذاك الفارس حتى لا تفقد طاقتها معه من اول وهلة، فهو يحتاج الكثير من الطاقة والكثير من فراغ الذهن:
ــ ليه يا دكتور؟ أني خلصت الشفت بتاعي، بس بستريح شوية قبل ما أمشي.
ابتسم ابتسامته العذبة وبوجه بشوش أردف:
ــ مش علشان شغل خالص يادكتورة. وبعدين أنا هنا زي زيك بالظبط، ما ليش اوامر عليكِ، علشان اكلفك بشغل.
ــ امال في ايه جابك لحد عندي وخلاك تدوّر عليا؟ جملة استفهامية نطقتها فريدة بنفس هدوئها، فأجابها وهو يجذب الكرسي الموضوع جانبها وجلس مقابلها:
ــ عرفت بحالة الدكتورة سكون، وبجد أنا زعلان عليها قووي، فجيت أتكلم معاكي وأقول لك اني عندي حل ليها ولحالتها، وكمان في اسرع وقت باذن الله.
استطاع جذب انتباهها حينما رأى اللهفة في عينيها بعد أن عرض عليها حلا لمشكلة صديقتها، مما شرح صدره كثيرا. أما هي سألته بلهفة:
ــ بجد!
طب إزاي يا فارس؟
دق قلبه بوتيرة سريعة عقب استماعه لاسمه يخرج من بين شفاها كترنيمة ساحرة بدون لقب "دكتور". فتلقائيًا تحدث قائلًا بنبرة صوت متحشرجة أثر تعلقه بنطقها له:
"اسم فارس طالع منك جميل قوي من غير دكتور."
ثم سألها بلهفة:
"هو إحنا ممكن نبقى أصحاب يا دكتورة؟"
هنا استشفت أنه يتعامل معها كزميل راقي. طريقته المتأدبة في الأخذ والرد، نظرة عينيه، رقيه في التعامل معها الآن. فعلمت أنه لم يدخل قوقعة الانفصام في ذاك الوقت. فحثها عقلها أن توافق على صداقته وأن تستغل وقت هدوئه النفسي ووقت تعامله كإنسان منضبط. فقررت أن تتحدث معه كثيرًا وتسأله عن حياته، لكن بطريقة ذكية لا يستطيع كشفها. فمريض الانفصام أذكى مما يكون، فلا بد أن تأخذ الحيطة والحذر منه.
ثم سألته عن سكون أولًا:
"طب ممكن تفهمني، أنت تعرف تساعد سكون كيف الأول، وبعدين نشوف موضوع الصداقة دي؟"
ابتسم سناه مما أظهر أسنانه البيضاء اللامعة ببريق. بدا لها اهتمامه بحالها لأبعد الحدود. ثم طمأنها:
"حالة الدكتورة سكون سهلة جدًا. زميل بابا الدكتور سلامة المحمدي شاطر جدًا في جراحة المناظير والحقن المجهري، وعنده مركز كبير قوي في مصر."
"دكتورة سكون تروح له وهو مفيش حالة بتاخد في إيده أكتر من تلت شهور بإذن الله. لأنه كل أجهزته حديثة من بره. وأكيد هي عندها حاجة هي اللي بتسبب لها موت الجنين وإنها تسقط بعد الشهر الأول من الحمل. فيه ممكن يكون ميكروب، أو عندها بطانة رحم مهاجرة، أو عندها تليف."
"وهو الأجهزة اللي عنده حديثة جدًا. وكل أسبوعين تقريبًا بيسافر بره يجيب أجهزة جديدة. فتروح له هي وجوزها. وأنا هوصي عليها توصية جامدة إنه ياخد باله منها. وكمان هحجز لها الكشف بنفسي. لأن الحالات اللي بتروح له بتاخد حجز من قبلها بأسبوعين. لأن المركز عنده مزدحم جدًا بسبب قبول الناس عليه من جميع أنحاء العالم. وكمان العلاج اللي بيكتبوا للمرضى بيتاخد من الصيدلية بتاعته. لأنه مش موجود في أي مكان، بيجي من بره برضه."
"أي نعم طريقة العلاج غالية والدوا ذات نفسه غالي، بس بيعمل مفعول. وحالات كتير جدًا عنده خرجت وهي حامل. ممكن كمان تبحثي عنه على جوجل وأنتِ هتتأكدي من كلامي. لأنه مشهور جدًا."
شعرت بالأمل غزى صدرها فشكرته بامتنان:
"بجد بشكرك قوي على إنك حابب تساعدنا. هكلمها في الموضوع دي كمان يومين، أكيد تكون نفسيتها هديت شوية من اللي حصل لها، وكمان جسمها يكون خف من التعب شوية."
حرك رأسه للأمام بموافقة ثم طلب منها:
"طب ممكن نتبادل أرقام بعض علشان لما ما تلاقينيش هنا في المستشفى تكلميني وأنسق مع الدكتور ومعاكم؟"
فتحت فاهها على وسعه باندهاش من طلبه الغريب. فهو معه رقم هاتفها. أيعقل أن يكون متناسيًا أنه حدثها في الهاتف أكثر من نصف ساعة والآن يطلب رقمها!
أما هو، لاحظ اندهاشها الشديد من طلبه فسألها بغرابة:
"هو أنا ممكن أفهم إيه سبب الاندهاش الشديد ده لما طلبت الرقم؟"
"معقولة أنتم كصعايدة لسه عندكم مبدأ مفيش بنت تدي رقمها لحد غريب؟ بس إحنا يعتبر زمايل هنا في المستشفى، فعادي يعني أصدقاء العمل يتبادلوا الأرقام للضرورة. وأظن مفيش ضرورة أكتر من موضوع صاحبتك."
حركت رأسها بتيهة موافقة على كلامه. ثم نطق لسانها الرقم وهي تشعر بالتوتر الشديد والخوف ضرب جسدها من حالته. والتي أوقعها الله هي بالتحديد بين يدي ذاك الفارس. فحاولت تهدئة حالها. أما هو، دون الرقم على هاتفه ثم ضغط زر الاتصال كي يظهر رقمه عندها. وللعجب، رأى رقمه على شاشة هاتفها مدونًا باسم "المجنون". مما أثار حفيظته وسألها وقد بدا الحزن في نبرته:
"ممكن أعرف ليه مسجلة اسمي بالطريقة دي؟ وأصلا جبتي رقمي منين؟"
ارتبكت بشدة. فهي لم تكن تتوقع أنه سيهاتفها. فهي كانت ممسكة بالهاتف بيدها وشاشته واضحة أمامه. ثم ابتلعت أنفاسها بصعوبة قبل أن تجيبه. ففكرت سريعًا لتقول بتعليل:
"له أصل إني بالصدفة عرفت إن رقمك مع الدكتور هاني. فطلبته منه علشان خاطر أكلمك وأسألك ليه اتعاملت معايا بالطريقة المهينة دي أول ما شفتني. لكن حصل اللي حصل وتقابلنا في نفس اليوم لما اعتذرت لي أنا والدكتور هاني. فنسيت إني مسجلة الرقم أصلًا بالاسم دي. متأسفة جدًا، هغيره حالًا."
ثم أمسكت هاتفها بيداي ترتعش. وآتت برقمه وعدلت الاسم إلى "الدكتور فارس" أمام عينيه. فقبل اعتذارها ببسمة بشوش:
"خلاص يا ستي مش هنعملها موال. أنا قبلت اعتذارك بسرعة أهو عشان قلبي طيب. بس عشان تعرفي الفرق بيننا."
"المهم هروح أجيب قهوة أشربها. أجيب لك حاجة معايا. ومتقوليش أنا همشي علشان أنا حابب أتكلم معاكي. إحنا اتفقنا إن احنا هنبقى أصحاب. أرجوكي ما تمشيش. بس قولي لي الأول حابة تشربي إيه؟"
فكرت سريعًا أن تمشي كي تبتعد عنه. فهي تشعر بحبس الأنفاس في الاقتراب منه والجلوس معه. ولكن لابد أن تعرف عنه كل شيء كي تستطيع التعامل معه في حاله دخوله عالمه الموازي والذي أقحمها على الدخول معه رغما عنها. فطلبت منه:
"له عادي، ممكن قهوة زيك بالظبط يا دكتور؟"
"من عيوني يا أجمل بنوتة."
تلك الكلمات التي نطقها ذاك الفارس بعفوية جعلت القابع بين أضلعها يدق من تغيره السريع. مما نما عن شعور بالشفقة تجاهها. فبالتأكيد أنه يعاني من عقدة مريرة جعلته يتحول إلى شخصيتين مختلفتين تمامًا. إحداهما راقية جادة تساعد الغير بكل ما فيها من قوة. والأخرى عكسها تمامًا تشعر أنه لا ينتمي للرجولة بصلة.
ظلت الأفكار تدور في خلدها كثيرًا. ثم فتحت تطبيق جوجل وبدأت بالقراءة عن الانفصام. فهي قد بدأت بالبحث عنه منذ أن استشفت ما به. وساعدها على ذلك أنها طبيبة. ففهمت أكثر من مقال قرأته عن حالته. إلى أن لمحته قادمًا من بعيد بكوبين من القهوة. فأغلقت التطبيق وأغلقت هاتفها ووضعته في حقيبتها.
وصل إليها ذاك الفارس وناولها الكوب الخاص بها ومعه قطعة من الشوكولاتة الفاخرة. وقدمها لها بذوق رفيع. راق لها معاملته تلك:
"طبعًا عارف تعلق البنات الشديد بالشوكولاتة مع القهوة. فحبيت أعمل هدنة معاكي وجبت لك الشيكولاتة دي. يارب يعجبك النوع اللي أنا اخترته."
مدت يدها وتناولت منه الكوب وهي تشعر بالخجل. فهي الآن أمام رجل يتعامل معها بأنها أنثى فريدة بالفعل. وبأنه يريد التحدث معها كثيرًا هي لا غيرها. تلك العلاقة الهادئة البريئة التي تكون بين أي رجل وامرأة في بدايتها. ولكن لما تلوثها بيدك يا ذاك الفارس؟
ثم بدأ الآن الحديث بينهم. هي تسأله عن حياته الشخصية وهو يتجاوب معها بكل أريحية. وهو الآخر يسأل عن حياتها وهي تجيبه باختصار شديد. مما أحزن داخله فسألها:
"أنا ليه حاسس بتحفظ في إجاباتك معايا؟ هو أنا ضايقتك في حاجة؟"
أنتِ حاسة إن أنا اتدخلت في حياتك زيادة عن اللزوم؟
استشفت حزنه الشديد من استفساره وعلامات وجهه التي يبدو عليها الوجوم، ثم أجابته وهي تحرك رأسها برفض:
ــ له خالص، بس انت عارف طبيعة المجتمع اللي احنا عايشين فيه بتحتم علينا كبنات إننا نتعامل بحدود مع أي شخص لسه متعرفين عليه، سواء ست أو راجل، مش اللي فهمته خالص والله.
تفهم ما قالت بكل قلب كبير وعقل ناضج، ثم عاد يتناول أطراف الحديث من جديد إلى أن انتهت قهوتهم، فاستأذنت منه برتابة كي لا تشعره بشيء:
ــ إني مضطرة أقوم أمشي دلوك يا دكتور بعد إذنك طبعًا، أنا من الصبح هنا مع سكون وحاسة بالارهاق الشديد وكمان جاية هنا المستشفى من بدري، فمعلش هضطر أمشي.
تعمق بالنظر في مقلتيها كثيرًا مما جعلها هي الأخرى تنظر داخل عينيه، وكأن عيناه بهما سحر يجذبها إلى النظر إليهما والتطلع بهما كثيرًا، وهي تقف كالمسحورة أمامه وبيدها حقيبتها، في لحظات من الصمت وكأنه ألقى بتعويذة النظر إليه في وجهها، مما جعل قدميها لم تقو على الحراك أمامه وداخلها يتخبط كثيرًا، أما هو فلم تكن حالته بأهون من حالتها، فقد كان يشعر بأن أنفاسه ستبدأ تنسحب من ضلوعه بمجرد ابتعادها عنه، ماذا بهما هما الاثنان؟ فهل للعيون متاهة تدخل مبتدئين العشق داخل عالمهما؟
فتحدثت عيناهما بوله في لحظة لم تكن بالحسبان لكليهما:
لها هالة من النور والبهاء الذي أضاء قلبي المعتم.
هي شمعة مضيئة في ليل كاحل لا أرى فيه سوى عيناها السوداء في حلمي المظلم.
حينما وقعت عيناي داخل عينيها ذاب الجليد وانصهر، واشتقت للخوض في بحر عشقها كي أتنعم.
فقد لخصت لحظات غرامها في رواية كانت فيها بطلي الأول والأخير، كانت هي شخصيتي المفضلة وبغرامها أصبحت متيم.
تلك الكلمات التي أهداها لها ذلك الفارس بعد أن تقدمت خطوة وفادت من تيهتها، وهي تردد باستئذان:
ــ عن إذنك، مضطرة أمشي.
تنفس بعمق وهتف لها بنبرة متيمة:
ــ في رعاية الله يادكتورة، والمرة الجاية قعدتنا تبقى أطول من كدة.
مر أسبوع كامل على تلك الأحداث، وعمران لم يتخلى عن سكونه ويرعاها بمشاعر زوج عاشق لزوجته المحببة إلى قلبه، مما جعل نفسيتها قد تحسنت، وبالتحديد في ظل تواجد أختيها معها، فقد أتت مكة من سفرها هي الأخرى، وتنعم الفتيات الثلاث بوجودهم في أحضان والداتهم، وحتى لو أنهن كلهن مصابات بالوجع الخاص بها، إلا أنهن يشعرن براحة نفسية اجتاحت أوصالهن بسبب تواجدهن في منزل أبيهم.
ومها هي الأخرى أحبت العمل كثيرًا ووجدت فيه ملاذًا خاصًا ينسيها آلامها المريرة، وكما أن صحبة "منة الله" ومعاملة جاسر الحنونة معها جعلت قدمها تتسابق كل صباح إلى العمل.
أما اليوم فهو يوم الجمعة، وقد قامت منة الله بعزيمتهم في مقهى الأدباء كي تشعر مها بمدى جمال الجلوس فيها والراحة النفسية التي ستجتاحها في الوجود هناك، فهي قد حكت لها كثيرًا عنها. فاستأذنت من والدتها لمقابلة منة، ولم تقل لها أن جاسر سوف يكون معهم، فقد شعرت بالخجل من أن تعلمها تلك النقطة.
ودعت أختيها ببسمتها وحملت مفاتيح سيارتها وغادرت المنزل بطلتها المحتشمة الراقية اللائقة بها، فقد كانت ترتدي فستانًا باللون الأبيض الممتلئ بخطوط الطول من اللون الأزرق، دون أن يتوسطه حزام، فقد اختارته كي تظهر بمظهر كلاسيكي يليق بالمقهى، ويعتلي رأسها حجاب باللون الأزرق بنفس لون خطوط الطول التي تملأ الفستان، وعينيها يزينها الكحل الأسود، وباقي وجهها لم تزينه بشيء قط، فهي تحبذ المحافظة على بشرتها من مستحضرات التجميل. ثم استقلت سيارتها وذهبت إلى المقهى، فهي قد أخذت عنوانها من منة.
وعلى الصعيد الآخر، كان جاسر مرتدياً تيشيرت باللون الأبيض المحبب إلى قلبه وبنطالًا باللون الكحلي، ناثرًا عطره بسخاء، وذهب هو الآخر إلى تلك الجلسة المحببة إلى قلبه.
وصلا كلتاهما في نفس الوقت أمام المقهى، مما جعله يبتسم تلقائيًا فور رؤيتها، فخطى إليها مرددًا بصوت مرحب بها:
ــ ياهلا بالزين.
راق لها تحيته وذوقه في التعامل معها، ثم أجابته ببسمة جعلته ذاب تأثرًا بها:
ــ ياهلا والله، متشكرة جدًا لذوقك يا متر.
أشار إليها أن تدلف إلى المقهى قائلًا بترحيب مرة أخرى بنبرة تصاحبها الدعابة:
ــ ده العادي بتاعي يا بنتي، بحب أعمل للناس الشيك البرستيج بتاعها اللي يليق بيها، وانت طبعًا برستيجك عالي قوي علشان أكده لازم يتقدر وبالقوي كمان.
ضحكت بصوت خافت على طريقته، ثم هتفت بنبرة معترضة قليلًا ويصحبها الدعابة المماثلة:
ــ مش للدرجة دي يا متر، إحنا غلابة والله مش زي ما انت فاكر.
حرك رأسه للأمام متحدثًا باستنكار:
ــ انت بتخزي العين عنك بقى؟ ما تخافيش يا أم الزين، ما هحسدتكش واصل، إني عيني لازم تشوف الحلوين حلوين ولازم أقول للحلو في وشه يا حلو.
شعرت بالخجل من طريقته المخبأة بإعجابه لها، فهي ليست امرأة صغيرة مراهقة وتفهم نظرات الرجال وكلامهم لها ببساطة، ثم عقبت على كلامه:
ــ متهيأ لك، في حلوين كتير في الدنيا وحواليك، ما تخليش نظرتك ضيقة ودور واتعب علشان تلاقي اللي يستحق نظرتك.
أشار إليها ناحية المكان الذي سيجلسون فيه، ثم سحب الكرسي لها بذوق عالٍ، راق لها، فهي تشعر أنه يتعامل معها كأنها كقطعة البسكويت الرقيق، وتشعر أنه يراها أيضًا رقيقة هشة، ولم يعرف ماذا فعلت بحياتها جعلها تتهرب من ماضيها بخوف ولم تريد تذكره، ثم رد على كلامها بنبرة تأثرت بالحزن، وكانت منة الله لم تأت بعد، فهو حبذ تأخيرها كثيرًا كي يجد مساحة من الوقت بعيدًا عن العمل كي يتحدث معها:
ــ مانا تعبت قبل كده، فقررت أسيب نفسي لربي يسيرني بمشيئته كيف ما يريد.
ثم أبدل نبرته الحزينة حينما تذكر ما مضى إلى أخرى مرحة، فهو لا يريد أن يجعل وقتهم هنا يسحبه الحزن:
ــ بس مقلتليش إيه رأيك في المكان هنا؟ محسيتيش بالراحة النفسية أول ما دخلتي؟
نظرت إلى المكان بعينيها منبهرة، فقد أشغلها معه بحديثه وخطـ.ـفها للانجذاب معه، ولم تعبر عن مدى جمال ذاك المكان وهدوئه ورُقيه:
ــ له بجد جميييل قوووي، حاسة فيه براحة وروح حلوة، حاجة مختلفة مشفتهاش قبل كده.
ثم تبدلت نبرتها المنبهرة إلى أخرى شاردة فيما مضى:
ــ أو كنت هشوفها إزاي ومع مين؟
وجد حاله يسألها وهو يريد الخوض في عالمها أكثر:
ــ حاسس إن فيكِ حزن كبير طافي ملامحك ومخليكي شايفة الدنيا ضيقة ومقفلاها على روحك قوي.
تنهدت بأنفاس متسارعة إثر كلماته، فما حدث لها ليس بالهين، وما عاشته دمر حياتها الماضية وعواقبه ستؤثر على حياتها القادمة، ولن يُشفى قلبها بعد، ثم نطقت بشرود:
ــ الناس بيحكموا على بعضهم بالمظاهر، يعني يشوفوني مثلًا بلبس وبهتم بنفسي وعندي عربية وبخرج كل يوم بطقم شكل ويفكروا إني نسيت اللي راحوا طالما بخرج وبألبس، ميعرفوش إن الدموع ساكنة العيون مهتمتشيش ولا هتفارق.
ميعرفوش إن ورا اللبس فيه قلب عمره ما هيخف ولا هيشفى من ندوب علمت فيه وخليته مقفول من التعامل مع أي حد.
المظاهر خداعة قوي يا متر، عاملة زي ترعة مغطيها الريم من كل مكان، واللي يشوفه يفتكره أرض خضرا ومنظرها جميل وممكن رجله تسوقه يروح يقعد فيها عشان يتنعم بجمال خضارها، وهوب يلاقي نفسه وقع وغرق.
كان متمعنًا في كلامها بشدة وشعر بمدى حزنها الشديد وأنها تحمل هموم الجبال فوق رأسها يكاد يخسف بها، ثم هدأها بكلامه الذي أحبته:
ــ متحمليش هم، بعد الصبر جبر، وكلنا وقت أزماتنا بنشوف إننا موجوعين وإن الوجع ملوش مثيل ومهيخفش، لكن ربنا رزقنا نعمة النسيان. نعمة الأهل. نعمة الصحاب. نعمة حب جديد يروح عن قلوبنا، ووقتها بيبقى دي العوض من عند ربنا، ومش بس عوض له، دي الحياة الحقيقية بعد الوجع الكبير.
نظرت له بابتسامة وقد استطاع تبديل حزنها، ثم وصلتها رسالة من منة الله أنها لم تستطيع المجيء نظرًا لمرض والدتها المفاجئ، مما جعل ذاك الجاسر فرحًا لعدم مجيئها، وظل يتحدثون، وقد استطاع جذبها إليه دون مط أو حشو فارغ، وحقًا تلك الجلسة بدلت من حزنها كثيرًا وأحست بأنها امرأة مرغوبة. أحست بوجودها. أحست بأنوثتها التي أضمرت أعوامًا وأعوامًا.
إلى أن استمع كلتاهما إلى الأغنية التي استغلت في المقهى تليق بحالتهما، وكأن صاحب المقهى ساحرًا ليس إلا، مما جعلهم يستمعون إليها بإنصات محبب إلى قلبهم والبسمة مرتسمة على وجههم، فحقا من يراهم يظن أنهم عاشقان، فكانت تلك الغنوة:
عم الطبيب جنبي الشمال ده بتجي له شكة
من حالي طول الليل بتشكى
عرى وكشف شاف الهموم
بص بأسف وقال لي قوم
ما تروحش يا ابني لطبيب يطبك
إنت علاجك حبيب يحبك
ما تروحش يا ابني لطبيب يطبك
إنت علاجك حبيب يحبك
عم الطبيب جنبي الشمال ده بتجي له شكة
من حالي طول الليل بتشكى
عرى وكشف شاف الهموم
بص بأسف وقال لي قوم
ما تروحش يا ابني لطبيب يطبك
إنت علاجك حبيب يحبك
ما تروحش يا ابني لطبيب يطبك
إنت علاجك حبيب يحبك
عم العطار إعملي من عندك تحبيشة
أحلي بيها مرار العيشة
بص وسأل فين يوجعك
فرح وزعل مين يسمعك
أنا قلت بلوتي في الكتمان
قال لي دواها أصحاب جدعان
أنا قلت بلوتي في الكتمان
قال لي دواها أصحاب جدعان
يا لالالي يا لالي يا ليل
آه يا لالالالي يا لالي يا ليل
شيخ العرب أديني مدة دايخ مدوخ
هات الخلاصة أنا وضعي بوخ
قال لي دواك وبلاش تقاطع
عند العجيب أبو سر باتع
قال لي دواك وبلاش تقاطع
عند العجيب أبو سر باتع
أنا قلت إيه قال لي يا متعوس
كل العلل دواها الفلوس
أنا قلت إيه قال لي يا متعوس
كل العلل دواها الفلوس
يا طول غلبي يا طول توهتي
يا آهة جديدة على آهتي
دواك لاذذ ونفسي أذوق
لكن عازز ومش في السوق
رواية من نبض الوجع عشت غرامي الفصل التاسع والثلاثون 39 - بقلم فاطيما يوسف
تمضي بنا الأيام ونحن حائرون نقف على مفترق الطرق، لا نعرف هل نعود أم نتقدم؟
أرواحنا أُرهقت، مشاعرنا ذبلت، فقدنا طاقة الشغف في الحياة. ليس أمامنا غير كلمة "يارب" في كل وقت كي ينعم علينا براحة البال، فكلنا متعبون، كلنا شاردون، كلنا نمتلئ من الهموم ما يكفي ويفيض. كلنا نبحث عن السعادة، فهل منكم من حصل على السعادة مطلقًا دون أي شوائب؟ وقتاً فائضاً يتذكره طيلة عمره؟
عادت سكون إلى شقتها منذ البارحة، ولكن تشعر بالحزن الشديد لطالما فشلت محاولتها في وجود جنينها داخلها وعرضت حياتها للخطر. دلف إليها عمران وبيده كوبان من الأعشاب الطبيعية التى أوصت الطبيبة أن تحتسيهم، ثم وضعهم على المنضدة الموجودة في الشرفة بعد أن انتهيا من صلاة الفجر، فقد أمَّها عمران في الصلاة وهي من طلبت منه ذلك أن يشاركها اليوم صلاة الفجر.
ناولها الكوب بابتسامة تنم عن مدى راحته في وجودها الآن بجانبه، فقد كان يشعر بالوحدة في ابتعادها بشدة:
"تعرفي، مكنتش عارف آكل ولا أشرب ولا أعيش من غيرك ياحبيبي طول الأسبوع دي. وجودك في المكان مهم قوي."
واسترسل حديثه بنبرة يملؤها الترجي:
"أرجوكي تهدي شوية، معايزينش عيال إلا لما تتحسني ومتتهوريش تاني."
التمعت عينيها بغشاوة الدموع وهي تحتضن الكوب الساخن بين يديها الصغيرتين، وهي تردد بطاعة مجبرة عليها:
"حاضر ياعمران."
شعر بالاختناق من رؤيته للمعة الدموع في عينيها وملامحها المنطفئة وشغفها الذي قل، ثم تحرك بالكرسي وجلس بجانبها واحتضن وجنتيها بين كفيه وهو يمسح بسبابته دمعة شاردة من عينيها لينطق بعتاب:
"طب ليه الدموع؟ ليه الحزن؟ ليه البكا؟"
"والله والله قلبي ما مامتحمل كل الوجع الساكن ضلوعك دي ياسكون. فين بسمتك؟ فين إيمانك الكبير اللي اتعلمته علي يدك؟"
"إنت حركتي جبل جوايا ماكان يهزه الريح بفضل ربنا ووقوفك جمبي. علمتيني إن معنى السعادة الحقيقي في وجودنا إحنا الاتنين جار بعضنا مرتاحين البال. ليه بقى تخلي الموضوع دي بقي شغلك الشاغل؟ لا انتِ هتركزي في شغلك ولا هتركزي في الدكتوراة اللي فاضل لك حاجة بسيطة وتنهيها."
وأكمل مداعبا إياها وهو يغمز لها بكلتا عينيه:
"ولا مركزة خالص معاي، ووراكي منهج بالكوم كد أكده وانتِ عارفاني عندي ضمير في منهجنا بالقوي، وبصراحة بقى أنا قربت أفرقع من بقالك أسبوع بحاله وانتِ بعيدة."
ضحكة خافتة أطلقتها أخيراً من دعابته، ثم عقب عليها وهو يجذبها من رأسها مقبلاً إياها:
"أيوة أكده اضحكي ياشيخة، خلى الدنيا تنور."
ثم سألها كي يطمئن عليها:
"طمنيني عليكِ، عاملة كيف دلوك؟ لسه جرحك هيوجعك؟"
بللت شفتاها الجافة بلسانها ثم طمأنته:
"الحمد لله، اتحسنت كتير والعلاج اللي باخده فيه مسكنات وبقيت كويسة."
ربت على ظهرها بحنو ثم هتف بحمد:
"الحمد لله. طب إيه مش نجهز بقى فرح رحمة، فاضل عليه أسبوع، عايزين نجيب لبس ليكي وليا أنا كمان على ذوقك أكده."
تنهدت بعمق وهي تشعر بفقدانها للشغف في الحياة، ثم تحدثت بنبرة بائسة أوجعت عمران:
"هلبس أي حاجة من عندي، في حاجات كتير جبتها وملبستهاش غير مرة واحدة أو مرتين."
ضيق ملامحه عابثاً من نظرتها البائسة:
"طب ليه بقى ياسكون؟ بقى إني عايز أخرج معاكي وأخليكي تغيري جو وأحاول أخليكي تفكي شوية وترفضي!"
زفرت أنفاسها بثقل ورددت بألم نفسي شديد جراء حالتها المتخبطة:
"معلش ياعمران، ممكن رحمة تروح معاك عشان أنا مودي مش مظبوط ومش عايزة أشيلك همي وحزني، كفاية مشاكل شغلك اللي مابتنتهيش."
رفع حاجبه مستنكراً ما قالت:
"وه! كيف يعني مش أشيل همك؟ وكيف يعني مشاركيش حزنك؟"
"إنتِ هتقولي كلام مخربط مهيعجبنيش واصل."
وضعت الكوب من يدها ثم استأذنت منه بفتور وقامت من مكانها متجهة إلى الغرفة ومنه إلى التخت:
"معلش، حقك علي. هروح أكمل نوم عشان حاسة بصداع مش مخليني مركزة."
نفخ بضيق وهو يمسح على خصلات شعره من تغير سكون وحزنها الدائم، ولم يعرف كيف يتعامل معها، ثم نفث همه وأخرج سجائره وبدأ بحرقها وهو يجلس على الكرسي مستنداً برأسه، وقد أوشكت شمس النهار أن تشرق لتعلن عن ميلاد يوم جديد.
ظل على حاله هكذا حتى أصبحت الساعة السابعة صباحاً، فدخل إلى الحمام وأخذ حماماً بارداً كي يهدأ من ثوران جسده الذي تغزوه الحرارة.
بعد قليل انتهى من ارتداء ملابسه وارتدى زوجاً من الأحذية الرياضية البيضاء، فذاك اللون أغلب ألوان الأحذية المفضلة لديه. ثم خطى تجاه سكون وجدها نائمة، فأزاح خصلاتها الشاردة من على وجهها وأزعجه كثيراً رؤية ملامحها الباكية، مما جعله ينفخ بضيق. شعرت به من أنفاسه الساخنة التى لفحت وجهها، ولكنها مازالت مغمضة العينين، فدفن كف يده بين خصلات شعرها هامساً بجانب أذنها بنبرة متعبة:
"والله حرام عليكي اللي هتعمليه فينا دي. إني عارف إنك سمعاني ياسكون. متحاوليش تدخلي روحك في حالة اكتئاب وتبقى من القانطين لإرادة ربنا. ارضي ياحبيبي عشان ربنا يرضى علينا."
ما زالت مغمضة العينين كما هي وهي تعطيه ظهرها، ولكن خانتها عينيها بدموعها التى هبطت على وجنتيها حتى استقرت على كف عمران، مما أرعبه عليها، ولكن ما بيده شيء يقدمه لها الآن، وما فعل سوى أنه جذبها إلى أحضانه الحانية وخبأها بين ضلوعه. وما كان منها إلا أنها تمسكت بأحضانه بشدة، وقد زادها هم الحكم عليهم بالفراق، فهي أصبحت متيقنة الآن أن زينب لم تتحمل الصبر ولن تصمت. تود أن تظل داخل أحضانه، تود أن يأخذها ويعيشا في مكان بعيد لم يعرفهم أحداً فيه كي يستطيعا مداواة بعضهم البعض، ولكن ليس كل ما يتمناه المرء يدركه، فمن المستحيل أن يترك عمران أبويه وهو ابنهم الوحيد، لذلك كلما صال عقلها وجال تزداد الدموع سقوطاً. وحقاً من يرى عينيها الآن يطلق عليها لقب "مدينة الدموع". ظل في أحضانها وهو يربت على ظهرها بحنو ويحثها بكلماته الراقية الناعمة لها أن تهدأ، حتى شعر بانتظام أنفاسها، ويبدو أنها غفت من كثرة الدموع التى أشعرتها بالثقل في رأسها، فوضعها على الوسادة ودثرها بالغطاء بعناية، ثم قبلها من رأسها ومن ثم عينيها المنتفختين بالبكاء ليقول لها بهدوء وهو يتعامل معها كما أنها طفلته الصغيرة التى يخشى عليها من نسمة الهواء أن تصيبها بالبرد:
"نامي وارتاحي يابابا، ربنا يريح قلبك يارب."
ثم قام من مكانه وهو يحمل أشياؤه وخرج من شقته وهو يشعر بأن هموم الدنيا تكومت فوق رأسه من حالتهم هو وزوجته، ولكنها إرادة الله، وما إن أراد رب العباد في شؤون عباده، فما علينا إلا الحمد والرضا بما قضاه علينا.
فور نزوله وجد والدته تجلس في بهو المنزل تمسك مسبحتها وبيدها ذاك الكتيب الصغير، ويبدو أنها تقرأ أذكار الصباح. وما إن شعرت بوجوده الآن ورأته قادماً عليها، حتى وجدت أنها أتتها الفرصة كي تتحدث معه وحدهم دون وجود زوجته أو أبيه أو حتى إحدى أختيه. أقدم عمران إليها وقبلها من رأسها وهو يلقي عليها تحية الصباح:
"صباح الخير ياحاجة. كيفك؟"
ربتت على ظهره بحنو وردت صباحه:
"صباح الخير يا حبيبي."
ثم أكملت وقد تبدلت معالم وجهها الباسمة إلى أخرى لائمة إياها:
"بس مش زينة خالص ياعمران وزعلانة منك انت ومرتك وشايلة في قلبي منيكم شيلة تقيلة قوي يا ولدي."
تنهد بثقل وألم نفسي شديد، فهو ما كان ينقصه عتاب ولوم والدته الآن، فما فيه من تعب وهموم يكفي العالم أجمع، ولكن حاول تهدئة حاله ونحى همه على جانب، فذاك طبع الرجال في شدتهم أقوياء وعاطفتهم لابد أن يتغلبوا عليها مهما بلغ حزنهم، ثم سألها بنبرة تبدو أكثر هدوءاً:
"ليه أكده ياحاجة؟ إحنا صدر منينا إيه عاد يزعلك دي؟ حتى ولا إني ولا مرتي نستجري نعملوها ياست الناس؟"
"وه يا ولد بطني هتاكل بعقلي حلاوة اياك!" نطقتها زينب بنبرة استنكارية نظراً لما تفوه به، واستدعائه الجهل الآن وهو يفهم مقصدها، وتابعت بسخط:
"إنت عارف إني بتكلم عن إيه بالظبط، ما تلفش وتدور على زينب ياعمران، إنت فاهمني زين يابن بطني. ليه تحرق قلبي عليك وتخليني كل عشية أقعد أدعي ربنا يعجل بالفرح ليك ولمرتك ولقلبي قبليكم، وانت هتخبي علي إن مرتك تعبانة؟ أمك مصعبتش عليك ياعمران وانت هتبلفها كل يوم والتاني بأي كلام علشان تريح راسك انت والحلوة مرتك؟!"
أخذ نفساً عميقاً وهو ينظر للجهة الأخرى كي لا ترى والدته ملامحه الغير المتقبلة لعتابها. كيف سيلاحق من الهموم الآن التى تأتيه من كل صوب وحدب؟
لم يعرف أيحزن على حاله هو وزوجته وما قدره الله لهما، أم على نفسيتها المدمرة، أم على الحرب الضارية التي بدأت والدته الآن بشنها عليهم؟
"دلوك ساكت ومعرفش ترد علي ياعمران، ولا بتشوف لك أي حجة تهدي بيها أمك..." تلك الكلمات الغاضبة التي ألقتها زينب في أذن ولدها، وما كان منه إلا أنه ردد بروح منهكة:
"الكلام مالهوش فايدة يا حاجة، اللي يخص مرتي وتعبها ليها هي وبس. مكانتش حابة تشغل بالكم ولا تقلقكم عليها، وخصوصي اللي فيها دي بيد ربنا سبحانه وتعالى مش بيد عباده، فالكلام فيه لا هيقدم ولا هيأخر."
انتفضت زينب وقد أصابها الغضب الشديد من رده اللامبالي عليها وهدرت به:
"إنت هتجنني يا ولد انت بردودك دي!"
"اوزن الكلام واعقله قبل ما تقول دي، ولية خرفانة هقولها أي هري وخلاص."
"إنت ناسي سنك كام ياعمران؟"
واسترسلت حديثها بصوت غليظ وهي تطيل الكلام بلسانها كي تجعله يتذكر عمره الغافل عنه:
"إنت عندك ٣٦ سنة، عارف يعني إيه!"
يعني فاضل أربع سنين وتدخل الأربعين، هتستني إيه تاني يا عمران؟ وياريت حاجة ليها وقت محدد. له دي يابني في علم الغيب.
اندهش عمران من نبرة اليأس التي تتحدث بها، ثم سألها بتخوف من حديثها:
ــ سيبك من إن كل حاجة بإيد ربنا، وإن العبد ملهوش يد في اللي مقدّره ربنا عليه، وإننا مطالبين بالرضا في الأول وبعدين السعي. إني مطلوب مني إيه أعمله يا أم عمران علشان أرضيكي؟ أو في إيدي إيه أعمله ومعملتوش؟
ــ هو حل واحد مفيش غيره، تتجوز ياعمران. نطقتها زينب بفم متجبر دون أن تراعي وجعه على زوجته وعلى حالتها، دون أن تراعي أنه رجل عاشق متيم بغرام امرأة في عينه، أما وأبا وابنة وزوجة وأختا في عينيه بنساء العالم كلهم. فنطق لسانه هو الآخر برفض قاطع كي يجعلها تفقد الأمل:
ــ لو مخلفش خالص يا أمي، مهتجوزش على سكون. لو هعيش بطولي أنا وهي طول العمر وما أرادش ربنا، مهتجوزش ولا هعاشر غيرها. أصلك مفهمتيش حاجة عن ولدك كيف كان وكيف صار. مفهمتيش إنها غير أي ست في الدنيا كلها. فريحي بالك، يستحيل لو آخر يوم في عمر عمران تدخل درة على سكون وأقهرها.
رفعت حاجبها بغيظ شديد، ولكن حاولت كظمه وهتفت بحزن عميق لم تستطع تخبئته:
ــ هتعصي أمك ياعمران وتقهرني وتموتني ناقصة عمر علشان عايزة أشيل عوضك على إيدي؟ عايزة أحفاد ليا من صلب ولدي الوحيد؟
زفر أنفاسه بحنق شديد من إصرار والدته على دماره، وزاده عليهم التوقيت ذاته في ذاك الحديث. كأنها تريد أن توصل له رسالة واضحة وضوح الشمس في كبد النهار، أنها لن تتنازل عن حفيد لها. فهو الآن يقف بين والدته وبين عشقه الأول والأخير، بل والأبدي. ثم حاول تهدئة حاله كي لا يدخل النقاش منطقة العناد، وهو يعلم والدته ومدى إصرارها. فهتف محاولاً إقناعها:
ــ طب نفترض يا حاجة، إن أنا بدال...
قبل أن يكمل كلمته التي فهمتها على الفور، أشارت بيديها أمام فمه أن يصمت، هاتفة بنفي مصاحب للقوة:
ــ متكملش افتراضك طالما مش موجود ومدخلهوش في الحوار من أساسه. ولو عايز تفترضه، ربنا شرع للراجل يتجوز مرة واتنين وتلاتة طالما قادر. وإحنا قادرين قووي الحمد لله، وطالما عادل. واني سكون هحبها وهعتبرها كيف بناتي وربنا العالم. مهسمحلكش تميل بكفتك، وهشيلها على راسي من فوق، ومهسمحش بإهانتها واصل لحد آخر نفس فيا.
شتت شمل قوته ودقت عليها بقوة، ولكنه سألها:
ــ طب وهي يا أمي ذنبها إيه تتحمل وجود مرة تانية في حضن جوزها؟ وانت ذات نفسك متحملتيش اللي عايزاها تتقبله وهديتي الدنيا وقومتيها مقعدتيهاش؟
شبكت كفها في الأخرى، وعللت:
ــ إني غير مراتك، إني مخلفة الولاد والبنات. ربيت وكبرت وعلمت وسندت وياه كتف بكتف، معنديش نقص في أي شيء علشان بوك كان يتجوز. فطبيعي وقتها إني أثور وأقلب الدنيا وأرفض اللي إني مستحقوش.
ــ جبتي القساوة دي كلها على سكون منين يا أم العمران؟ كيف جالك قلب تطلبي مني أكده؟ طب حطي رحمة مكانها، كنت هترضي عليها أكده؟ تلك التساؤلات والافتراضات التي ألقاها على مسامعها بعتاب قلب متعب. فلو سمعت سكون ذاك الحديث أو شعرت به، ما بقيت. وعند تلك النقطة التي وصل لها عقله، نقطة فراق سكون للعمران، هتف بقوة وهو يقوم من مكانه قاصداً إنهاء ذاك الحوار الذي حتماً سيشعل لهيباً سيؤدي به وبقلبه وبسكونه إلى نيراناً لن يستطيع إخمادها بعد:
ــ طب يا أمي، دي حياتي واختياراتي وأنا بس المسؤول عنها. ماهو محدش هيتحرق غيري، محدش هيتوجع غيري، محدش هيدوق مرار الفراق اللي قلب ولدك ميتحملهوش غيري، محدش هيجافيه النوم ويهجر لياليه الحرمان من روحه غيري. عمران ولدك مهتلاقيهوش وقتها، هيوبقى جسد بلا روح. فمتحاوليش، علشان وقتها هتتحسري على، والراحة مهتدوقيش طعمها واصل. وبدل ماللي إنت بتخططي له علشان يسعدك ومفكراه هيسعدني، هيوبقى غميق عليك قبل ما يكون على فكري. في كلامي كويس، وهتلاقي إن اللي قلته لك عين العقل والراحة لينا كلاتنا يا أم ولدك الموجوع، واللي هتزودي وجعه أكتر وهتكملي عليه وهتدوسي بيد من حديد. إني ماشي لشغلي، ومتنسيش تطلعي للغلبانة المقهورة اللي فوق داي تطيبي خاطرها.
ألقى كلماته وتحرك من أمامها، ويبدو أن القادم سيكون ليس بأفضل على الإطلاق. يبدو أنه يحتاج إلى قوة وصبر شديد كصبر أولى العزم، كي يستطيع الوقوف بجانب سكونه نبض قلبه، كي يخرجها من ظلمات الحزن الشديد. ثم تصدي والدته وإكبات محاولة التفرقة بينه وبين سكون بزواجه من غيرها. ولكن هي والدته ويحفظها عن ظهر قلب، ويعلم مدى قوتها. أنها لن تستكين مهما كان ومهما سيكون. ولكن ماذا إن فقدت الأمل في محاولتها معك عمران، وحولت جبهة حربها مع سكون واستغلت تأثيرها كأم تريد حفيدا لولدها الوحيد على سكون؟
كل تلك الافتراضات التي عصفت بعقل عمران، وجعله أمسك رأسه يدلكه وكأنه ينهى أن يصمت عن فكره المهلك، وهو يحدث نفسه وينهرها:
ــ اصمت أيها العقل وكف عن هرائك ذاك وتفتك ذرات الصبر داخلي.
وأنت يا ذاك اللسان، دافع ولا تسمح للفراق أن يهزمك ويفقدك الأمل.
وأنت يا ذاك القلب، انبض بعشقها وتمسك بقربها. وقف وقفة الفرسان في الدفاع عن أمانها.
كل تلك الكلمات والأفكار التي ظلت تتهاوى بعقله، ولكن تعب كل الحياة. فما عجب إلا في ازدياد. فمن منا لم يتألم؟ ومن منا يعيش هانئ البال خال الفكر؟ فكل منا يغني على ليلاه.
**********************
في منزل ماهر الريان، حيث أتى ظهراً إلى المنزل كي يأخذ بعض الأشياء الخاصة به ويطمئن على شمس ويخبرها بالخطوات التي فعلها في موضوعها الخاص. أرسل إليها رسالة كي تخرج إليه في الحديقة ومعها كوبا من القهوة لشعوره بالصداع النصفي. فامتثلت لطلبه وقامت بصنع كوبان من القهوة وخرجت إليه. وما إن وصلت إليه حتى زارت الابتسامة وجهها، ثم ألقت السلام:
ــ هاللو يا أبيه. أنا مبسوطة قووي إنك جيت النهاردة وكمان طلبت مني أعمل لك قهوة.
ابتسم لها برسمية شعرت بها، ثم رد سلامها بما أزعجها:
ــ وعليكم السلام ورحمة الله. دي تحية الإسلام يا أبلة. سيبك بقى من شغل الغرب اللي اتعلمتيه هناك وشغل العيال الصغيرة دي. انت خلاص كبرتي وبقيتي آنسة.
زمت شفتيها للأمام بحزن مصطنع كما الأطفال، ثم هتفت وهي تتذكر ما مضى منذ أعوام وعينيها تلتمع ببريق الذكريات الجميلة:
ــ بس مهما كبرت، هشوفني شمس اللي كانت بتقعد على رجلك وهي في ابتدائي وتشيلها ترفعها للسما وتنزلها وهي. كلنا تتشعبط في رجلك ومتسيبكش إلا وأنت مكفيها طيران في السما.
ذكرته بأيام شبابه وأيام جامعته وحياته التي قضاها في منزلهم كصديق لأخيها الذي توفي في عامهم الأخير من الجامعة إثر حادثة سير.
بالفعل، كانت ما إن تراه تركض إليه، وبالتحديد عندما كان يناولها الشوكولا المحببة إلى قلبها كي تتركهم ينعمون بوقت مذاكرتهم. ثم تذكر معها تلك الأيام:
ــ أه، وفاكر كمان لما كنت هرشيكي بالشوكولاتة علشان تحلي عن سماي إني وأخوكي الله يرحمه وتسيبينا نذاكر. من زمان وانت غاوية تعب ليا يا بنت انت.
ناولته كوب القهوة وهي تبتسم بحالمية لتذكرها أيام الطفولة، وراق لها كلماته، ثم تعمقت في الحديث معه:
ــ بس البنت كبرت لحد ما دخلت ثانوي، وكنت اتجوزت فرح ودخلتوني معاكم في خناقاتكم اللي كانت مبتنتهيش.
ثم ذكرته بشيء ما:
ــ بس انت بصراحة كنت غيور قووي يا أبيه ماهر، وكنت بتقف لها على الواحدة. وبصراحة بردو اختي كانت منفتحة شوية وجننتوني معاكم وقتها.
تنهد بأنفاس طويلة وهو يشعر بالاستياء لذكر تلك الفرح في الحديث بينهم، ثم نهاها:
ــ طب متجيبيش سيرتها الله يرضى عنك، علشان مهحبش أتكلم عنها خالص. ربنا يرحمها ويسامحها.
هزت رأسها للأمام بموافقة، ثم سألته عن رحمة:
ــ طب طمني، رحمة هديت ولا لسه؟
ارتشف القهوة بتلذذ، فهي لديها نكهة مميزة بالقهوة منذ صغرها، ثم شكرها على صنيعها:
ــ لساتك هتعملي القهوة زينة، وسفرك لبرة منسكيش عمايلها.
ابتسمت لشكره لها، ثم هتفت بنبرة حماسية:
ــ بجد عجبتك ياماهر؟
نادته باسمه بتلقائية دون ألقاب، فلم يعقب على ذلك، ثم أجابها في سؤالها عن رحمة:
ــ كنت بتسأليني عن رحمة؟ هي كويسة الحمد لله. بتسألي ليه بقي؟ المفروض إنك تزعلي منها ولا إيه؟
سألها ذاك السؤال بدهاء كي يستشف ما وراءها، فأجابته:
ــ عادي، علشان خاطرك استحمل. بس إيه اللي عجبك في رحمة دي بالذات؟ حساها مش لايقة عليك بصراحة، ومتزعلش مني.
ابتسامة جانبية زينت ثغره لما قالته، ثم ردد مدافعاً:
ــ مين قال أكده؟ يعني فرح اللي كانت شبهي!
لو بصيتي من جميع النواحي، هتلاقي إن أنا ورحمة شبه بعض قووي، علشان أكده قلوبنا اتقابلت، وهي اتحدت الصعاب وكسرت حاجز الصد المنيع اللي كنت حاطه على قلبي من عشر سنين. ومفيش ست غيرها قدرت تعمل أكده.
ــ ياه، ده إيه الحب الكبير قووي ده يا متر..
تلك الجملة التي نطقتها شمس بنبرة أشبه للحسرة وعقبت عليها:
ــ يابختها والله اللي تلاقي راجل يحبها زيك ويتكلم عنها في غيابها كده. يابختها بيك يا ماهر.
ابتسم لها ثم أخرج ورقة من جيبه مناولا إياها وهو يتجاهل كلامها:
ــ طب سيبك من الحوارات دي. خدي الورقة دي فيها عقد إيجار شقة في الكومباوند. أهه على بالليل تكوني جاهزة هوصلك هناك.
وكويس إن موبايلك القديم اترمي علشان عمك ميقدرش يوصل لك. وكمان أنا رفعت قضية إعلام وراثة علشان تشوفي حقك في بيت باباكي. وشفت لك شغل عند واحد معرفتي هتشتغلي عنده بمؤهلك.
وقبل أن يكمل كلامه وجد الحارس المسؤول عن الفيلا الخاصة به يهرول إليه مرددًا:
ــ ماهر بيه. في واحد بره جاي ومعاه حرس وبيقول إنه مدير مكتب محافظ القاهرة وعايز حضرتك.
نظر إليها ماهر نظرات ثاقبة ثم أعاد بصره إلى ذاك الواقف وطلب منه:
ــ خليه يتفضل.
انصرف الحارس ثم أعاد النظر إليها متسائلًا إياها بشك:
ــ عمك عرف منين إنك هنا وباعت مدير مكتبه لك؟
توترت بشدة من مجيء عمها إلى هنا وشعرت بالخوف الذي وصله الآن من رجفة يدها وعينيها الزائغة وأجابته:
ــ ماهو عارف إن مليش حد أروح له غيرك وأكيد دماغه وصلته لهنا عشان كده باعت مدير مكتبه.
ثم سألته بتوتر:
ــ هو انت ممكن تسيبني ليه وتتخلى عني عشان أنا عملت لك مشاكل مع رحمة؟
تنفس بضيق من مجمل الموضوع ولكنه لم يعهد الخوف أبدًا لطالما خطواته سليمة وبعيدة كل البعد عن الشبهات. ثم طمأنها:
ــ لا مش هسيبك متقلقيش. بس ملكيش دعوة برحمة نهائي وياريت متشغليش بالك بيها. وحاجة كمان مهمة قوي حطيها حلقة في ودنك متشغليش بالك في الدنيا دي. كلماتها غير بحالك وبشغلك ونجاحك. متبصيش على مشاكل غيرك وتشغلي نفسك بيها وتعطلي وقتك على حد أنت شغالة بالك بيه وهو مش بيفكر فيكي أصلًا ولا شايفك. ثانيًا ركزي في إنك تتقدمي في طريقك ومتبصيش وراكي عشان كل اللي بصوا وراهم فضلوا مكانهم. يعني بالمختصر يا شمس نجاحك ثم نجاحك ثم نجاحك أنت بس.
أراد بتلك الكلمات أن يوصل لها معانٍ عدة ومن أهمها بث الثقة بداخلها وعدم انشغالها بأحد مهما كان.
قطع حديثهم وصول ذاك الضيف فقام بالترحاب به بكل وقار. ثم بعد تعريف الضيف لشخصه نظر إلى شمس قائلًا:
ــ سعادة الباشا بعتني آخد الآنسة شمس بكل هدوء ومن غير ما نعمل شوشرة.
نظر ماهر إلى شمس متسائلًا إياها:
ــ إيه رأيك يا شمس عايزة تروحي لعمك ولا تفضلي؟ كل حاجة بإرادتك أنت مش قاصر ومحدش يقدر يغصبك على حاجة واصل.
كان يتحدث معها بقوة جعلت ذاك الجالس يشعر بفشل محاولته. ثم ردت شمس بقوة اكتسبتها من كلام ماهر لها:
ــ مش هاجي معاك وقول لعمي بيني وبينه المحاكم في الوصول لحقي ومش هرجع بيتي إلا لما المحكمة تسلمني حقي فيه.
هتف ذلك الشخص بتهديد مغلف بالحكمة فهو في حضرة محامي داهي:
ــ طيب ليه تعملي عداوة ومشاكل بينك وبين عمك وتفتحي طرق مش هتقدري عليها ولا حد في الدنيا هيقدر يسد قصاد الباشا حافظ الهنداوي. ومهما كان أنتم لحم ودم متدخليش الغريب بينكم.
هنا أجابه ماهر وهو يرجع رأسه بكبرياء للخلف بنفس طريقته:
ــ له متشغلش بالك أنت بموضوع حمايتها وبلغ حافظ باشا إن ماهر الريان مبيتهددش. وإذا كان هو له مكانة كبيرة في منطقته فإحنا لينا مكانة كبيرة في البلد بحالها وبرة البلد كمان. ولو حابب يجرب تمام معندناش مانع والبقاء للأقوى.
استدرك ذاك الشخص مدى قوته من طريقة في الحديث ثم قام مستأذنًا وهو يبلغها مرة أخرى:
ــ تمام يا آنسة شمس طالما ده ردك هبلغ عمك وهو حر في اللي هيعمله معاكي. أنا مجرد فاعل خير. عن إذنكم.
ودعه ماهر وهو بنفس مكانه دون أن يتحرك فهو قد هددهم بطريقة مخبئة في منزله فلابد أن يتعامل معه بكل حسم لأنه سينقل كل شيء لذاك حافظ.
ــ مع السلامة يا فاعل الخير وبلغ سيادة المحافظ إني هرد له زيارة فاعل الخير ده عن قريب وكل واحد وطريقته بقى في فعل الخير.
ابتسم له الآخر بسماجة ثم غادر المكان. وفور خروجه هاتف عمها وأبلغه بما سمعه من ماهر مما جعله يزداد غضبًا وهو يتوعد له ولابنة أخيه التي هربت يوم زواجها من ابنه وفضحتهم بفعلتها تلك.
أما في الداخل تحدث ماهر:
ــ عمك بدأ المشاكل ومش هيسكت. فأنا هعرض عليك عرض. إيه رأيك أشوف لك شغل بره مصر خالص وتبعدي عن هنا لحد الأمور ما تهدى؟
شعرت بالاختناق من عرضه فهي لا تريد الهجرة أو بالتحديد لا تريد الابتعاد عنه فهي وجدت فيه الرجل القوي الشهم الذي سيتصدى كل الصعاب لأجلها. ولكن عقلها ينهرها على تفكير قلبها بتلك السذاجة فهو رجل عاشق لامرأته وما تفعله الآن بالتودد إليه لا يسمن ولا يغني من جوع. ولكن ما زالت عقول الفتيات تنسج أوهامها بقصة لا تمت للواقع بصلة وتعيش داخل عالم تلك القصة.
لاحظ صمتها على عرضه وتبدل ملامحها للحزن فسألها:
ــ مالك قلبتي وشك أكده ليه؟ لو مش حابة السفر خلاص براحتك بس إني قلت أريحك من وجع الدماغ دي خالص لحد ما قضية حقك في بيت باباكي تخلص وكمان تضمني أمانك من جبروت عمك.
على صدرها صعودًا من أنفاسها العالية ثم تحدثت بما يؤرق صدرها:
ــ أنا مش عايزة أسافر يا أبيه ماهر. أنا عايزة أقعد في بلدي وأستقر فيها وأشتغل وأعمل كيان لنفسي وألاقي الإنسان اللي يحبني ويقدرني. ووقتها هبيع الدنيا بحالها وهكون له أحسن زوجة في الدنيا. لأني بجد نفسي أكون عيلة. زهقت من السفر وسن المراهقة اللي أنا كنت عايشاه. أنا عايزة أستقر في بلدي فاهمني.
إلى الآن لم يستطع فهم شخصية تلك الشمس وما ورائها ولكنه سيكمل شهامته معها إلى النهاية. ثم هز رأسه للأمام ليقول بتعجل:
ــ تمام زي ما تحبي. جهزي نفسك بالليل هعدي عليكي تكوني جهزتي نفسك. همشي دلوقتي لأني ورايا مواعيد كتير مش عايز أتأخر عليها.
نظرت إليه بحزن لمفارقته إياها ثم سألته:
ــ طب هو أنا مش هشوفك تاني لما أروح الشقة دي وأستلم الشغل؟
نظر إلى ساعته باستعجال ثم هتف:
ــ له أكيد هتواصل معاكي وهسأل عنك وقت بعد وقت.
تفهمت كلامه ثم أخفضت بصرها للأسفل مرددة بحزن حقيقي بصوت رقيق:
ــ طب متنسانيش أرجوك عشان أنا هنا لوحدي.
وأكملت بعيني لامعة:
ــ عشان ماليش غيرك يا ماهر.
اهتز داخله من نبرة الضعف التي تتحدث بها ثم طمأنها:
ــ متقلقيش يا شمس مش هسيبك إلا لما أوصلك لبر الأمان. ودي وعد وعدته لك قبل كده.
أنهى كلماته وحمل أشياءه وتحرك بخطواته. ولكنها تحركت بجسدها قليلًا وعلى حين غرة أمسكته من يده وهو يعطيها ظهره مما جعله ينفخ بضيق من حركتها تلك. فالتفت إليها متسائلًا إياها بنبرة رجولية حادة قليلًا وهو ينظر إلى أصابعها المتمسكة بيديه:
ــ في حاجة يا شمس؟
بنبرة مستكينة راجية وعيني استقرت بقصد داخل عيناه:
ــ شكرًا قوي على كل اللي بتعمله معايا. ربنا يخليك ليا يا أحن راجل في الدنيا.
سحب يداه من يدها ثم اتكأ على أهدابه بابتسامة باردة. فهو الآن بدأ يشعر بأن مشاعرها ليست مجرد احتياج وأنها تتبدل كل حين. فضرب الخوف برأسه في تعلقها الغير مسؤول عنه ذاك. ثم تحرك بخطواته وهو يجزم بأن القادم صعب جدًا للغاية لثلاثتهم. أما هي فور مغادرته أسندت رأسها على الكرسي وما يدور في عقلها لا يفهمه أحد غيرها.
في غرفة مها تجلس على تختها وهي ممسكة بهاتفها كي تنشر قصتها اليوم التي اعتادت عليها منذ أن أصبحت وحيدة. واليوم قررت أن تنشرها بصورة لها قد التقطتها بهيئة جميلة كعادتها.
ثم دونت على قصتها:
ــ في الوجه هدوء غريب لا أمتثله. هل هي الشيخوخة وبعد المسافة؟ أم حكمة في نهاية المطاف؟
ولكن أحيانًا لا أعلم من أكون. كل ما أعرفه أنه هناك شيء بداخلي أحبه وأشعر بروعته وهو الهدوء والصمت. أجهل السبب لكنهما نجاتي من ضجيج البشر وازدحام التفاهات.
ثم قامت بنشرها عبر قصتها على الفيسبوك وقامت بإعلانها للعامة كي ترى بعض الآراء فيما دونته وداخلها يشعر به. أو كي ترى ما إذا كان أحد يشعر بوجودها أو بأهميتها في الحياة. فتلك الصراعات التي يتخبط داخلها بها. وبعد قليل حصلت على كثير من التفاعلات. ولكن كان أحدهم يغلي داخله فقام بمهاتفتها وهو يشعر ببعض الغضب.
رأت نقش اسمه على الهاتف وتلقائيًا نظرت إلى الساعة ووجدت أنها لم تتأخر وموعد عملها لم يأت بعد. ولكنها أجابته بصوتها الهادئ الرقيق:
ــ السلام عليكم.
أجابها باقتضاب:
ــ وعليكم السلام. كيفك؟
أحست بأن نبرته في الرد عليها فيها بعض الجمود فسألته بتخوف:
ــ زينة الحمد لله. هو في حاجة يا متر؟
لم يحبذ المماطلة معها فيما يريد قوله وسلك طريق الصراحة معها لا غيرها هاتفًا بانزعاج:
ــ بصراحة. أه فيه.
واسترسل بسرد ما يزعجه مما أدهشها:
ــ أنتِ ليه بتنزلي صورك على قصصك دي؟ حاجة مش حلوة وبتضايقني.
ــ بتضايقك!
طب ليه إن شاء الله يامتر ممكن أفهم أكتر؟
جملة استنكارية نطقتها بتعجب، فأجابها هو الآخر بما يشعر به دون تحوير:
ــ علشان خايف عليك، مش حابب حد يشوف صورك أو متنزليهاش تاني من الأساس.
سألته بعدم فهم لتدخله في أمر خاص بها:
ــ بمناسبة إيه حضرتك خايف عليا؟ أعتقد دي حرية شخصية وشغلي معاك ملهوش علاقة باللي أنزله أو حياتي الخاصة عموما!
خلل أصابعه بين خصلات شعره الأسود ثم هتف بنبرة حزينة ولكن يغلفها الهدوء حتى لا تشعر بأنه يضغط عليها:
ــ يعني أنتِ زعلانة من خوفي عليكِ وإني مش حابب حد يحتفظ بصورك عنده؟
تفهمت حديثه وظل عقلها يتساءل لماذا يخاف عليها.
لم يهتم بأمرها هكذا.
لم يهتز فور أن نشرت قصتها وهاتفها على الفور، فنطقت بحيرة:
ــ طب الخوف ده نابع من أنهي إحساس بالضبط عندك يا متر؟
ــ متقوليليش يا متر إلا لما نكون في المكتب ومعانا زملاء، قولي لي يا جاسر زي ما أنا بقول لك يا مها، ممكن؟
كلمات راجية طلبها منها، مما أثار فضولها فردت باستفسار:
ــ هو أنا ليه حاسة من أول مقابلة ليا في المكتب بحاجة غريبة؟
تنهد بأنفاس طويلة، فهو لا يريد التسرع في إظهار مشاعره، فتلك المرة لابد أن يتأنى، فعبر لها عن وجهة نظره:
ــ طب الحاجة الغريبة اللي أنتِ حاسة بيها دي مزعجة بالنسبة لك أو مش لطيفة ومحبيتيهاش؟
ابتسمت لتفهمه وأحبت طريقته في الحديث معها وصراحته وذوقه الراقي في معاملتها، فهي لم تقابل رجل مثله يتعامل معها بتلك الرقة دون أن يتغشم معها، ثم طمأنته:
ــ له خالص يا متر، يعلم ربنا إني مشفتش منكِ غير كل ذوق ولطف، بتحسسني بحاجات عمري ما حسيتها قبل كده.
دق قلبه بوتيرة سريعة عقب استماعه لمدحها في شخصه، فأحب طريقة الحديث معها وبدايتهم الرائعة، فطلب منها:
ــ طب إيه رأيك نبقى أصحاب؟ لما تلاقي حاجة مضيقاكي تحكي لي، وأنا برضه لما تلاقي حاجة مضايقاني أحكيها لك.
فركت أصابع يديها بخجل من طلبه، فهي لم تصاحب أحدا قبل ذلك، لا رجل ولا امرأة، فتحدثت بما تخافه:
ــ مش عارفة أرد بإيه، بس أنا مكانش عندي أصحاب قبل كده، كنت مقفلة على حالي قوي، فمش هتستفادي من آرائي بحاجة، لأني باختصار مليش تجارب تدل على أنك تثق في كلامي.
راق له مشاعرها الصريحة الممتلئة بالرقة والرقي، ثم حاول التعمق أكثر داخل عالمها:
ــ طب ما تدي لنفسك فرصة تتعرفي وتتعلمي وتخرجي نفسك من الدوامة المقفولة دي، وبالمرة تكسبي ثواب في الغلابة.
قال كلمته الأخيرة بمشاغبة يعشقها معها، مما أثار انتباهها وجعلها لم تفهم مقصده، وسألته:
ــ يعني إيه بقي جملتك الأخيرة دي عاد يا متر؟
بنفس طريقته المشاغبة قايضها:
ــ مش هفهمك حاجة إلا لما تبطلي كلمة يا متر دي.
ضحكت برقة جعلته ذاب غراما بها وطاب قلبه بالحديث معها، فتابع هو:
ــ أهو بدينا في السرقة والخطف، براحة علينا يا أم الزين، اسرقِ بالراحة، ووحدة واحدة.
ضحكت مرة أخرى لغرابته في الحديث، ولكنها تفهمه عن ظهر قلب، مما جعلها تقول:
ــ لاااا، دي أنت هتتكلم وياي باللف والدوران بتاع المحامين بقي وتدخلني في دوامة ما أفهمهاش.
رفع حاجبه الأيسر وهتف مبتسما بمكر:
ــ مين قال ده؟ أنا غلبان والعبد لله مفيش أطيب مني عاد، بس أنتِ ركزي معايا وأنتِ هتعرفي لحالك.
تنفست براحة اغتالت أوصالها من الحديث مع ذاك الجاسر المريح للغاية، ثم وجدت أنها اقتربت على موعد المكتب، فاستأذنت منه بلطف مصاحب بمشاغبة مماثلة له:
ــ طب مضطرة أقفل عاد علشان متأخرش على شغلي والمدير بتاعي يرفدني بسبب التأخير أو يغرمني حتى.
ــ على كيفك ياباشا، ده المدير بمكتبه بحاله ومحتاله، مديكي تصريح تعملي اللي يريحك.
نطقها جاسر بمحبة نابعة من قلبه المولع ببداية عشقها، مما جعل داخلها يدق بعنف، فهي لم تجرب تلك المشاعر قبل ذلك، لم يلاطفها أحدهم يومًا لذاتها، لم تشعر بأنها أنثى مرغوبة ولها قلب يتوق لمشاعر المحبين وحديثهم وكلامهم، تجربة جديدة للغاية تمر عليها بعد سنوات العمر الطويل ذاك، مما جعلها تبتسم ويطالبها داخلها: هل من مزيد منك أيها الجاسر؟
ثم شكرته على ذوقه، وقبل أن تغلق طلب منها برقي مغلف بالدعابة دون تعنت أو تشبث حتى لا تخاف منه:
ــ طب شيلي الصورة بقى، أخاف عليكِ من الحسد ياباشا، ولو اتحسدتي هتقعدي في البيت وبعدين شغل المكتب يتعطل علشان القمر اللي بتنوريه هيغيب عن عنيا.
ضحكت تلك المرة بشدة، مما جعله غازلها:
ــ له يا أم الزين، مش من أولها كده بالشكل ده؟ أني اللي هتعب وهقعد في البيت ومهلاقيش حد يسأل عني، أصل أنا يتيم أب وأم وكمان وحيد.
وجدت أن الحديث مع ذاك الماكر لن ينتهي، فقررت إنهاء المناقشة:
ــ لاااا، أني كده هقفل لأنك سحاب قوي، مع السلامة يا متر.
أودعها سلامته هو الآخر، وأغلقت الهاتف، فاستند هو على سريره بانتشاء وهو يشعر أن سعادة العالم أجمع تملأ قلبه، ودعا ربه: ربي قلبي مغلوب فارزقه الانتصار.
أما هي، فكرت في أمر الصورة وترددت كثيرًا، ولكنها وجدت حالها تحذفها وتستبدلها بصورة من الطبيعة، فلأول مرة تشعر أن أحدهم يغار عليها، وراق لها كثيرًا ذاك الإحساس، بل وتمنت المزيد والمزيد، ثم ألقت الهاتف على الكومود وبدأت بتجهيز حالها للذهاب للمكتب وهي تشعر بحيوية أنثى صغيرة في سنها العشرين.
أما هو، ظل مراقبًا تلك القصة إلى أن وجدها بدلت تلك الصورة، فشعر براحة توغلت أعماقه تجاهها أكثر وأكثر.
في المشفى، وبالتحديد في الساعة الرابعة عصرًا، كانت فريدة متعصبة بشدة في مكتبها وهي تدور حول نفسها، فقد أرسل لها فارس رسالة منذ ساعة جعلتها جن جنونها، فكان محتوى تلك الرسالة:
ــ إيه يا فوفا، وحشتيني يا روحي، ووحشني قوي النقار بيني وبينك، وأنا بقى مزاجي متعكر وعايزك تجي لي مكتبي دلوقتي ندردش مع بعض شوية يا مزتي، واوعي متفكريش تيجي علشان هزعل، وأنتِ مجربتيش زعل الفارس قبل كده.
ظلت تقرأ رسالته مرارًا وتكرارًا لكي تفهم معناها، ومن طريقة كلامه في الرسالة فهمت أنه داخل تلك الحالة التي تنتابه، ولكنها الآن في المشفى، ومع أنه يعلم ذلك وأنهم في مكان عمله، إلا أنه من الجائز دخوله إلى ذلك العالم المنطوي المرعب عندما يبدأ عقله الباطن بتذكر شيء ما سيء حدث له، فلم يستطع وضع كنترول على عقله واختار الدلوف إلى ذلك العالم في ذلك التوقيت والمكان.
ولكنهم في المشفى، والمرة الماضية التي صفعها فيها وفعل ما فعله بها، لم تتحملها، ومن ستر الله عليها أنها كانت أمام زميل لهم واحد فقط، فماذا إن تطورت حالته وتطاول باليد أو بأي أسلوب عليها، وحينها لم تستطع الدفاع عن نفسها. ظلت تفكر كثيرًا وكثيرًا، وعقلها يجوب العقل والمنطق والأسباب، إلى أن وصلت إلى حل ستفعله حينما يشتد حصاره عليها. ولكنها قررت أن تتأخر كثيرًا حتى يمر وقت كافٍ من حالته التي دخل بها، وبالفعل نفضت عن بالها ومضى تقريبًا نصف ساعة، ثم سمعت هاتفها يعلن عن وصول رسالة منه، وكان محتواها:
ــ تحبي أجيلك أنا يا فوفا لحد عندك ولا حاجة؟
انتفضت فور استلام رسالته، ثم وضعت في كنزتها تلك الزجاجة وخرجت من المكتب بأقدام ثقيلة وهي تتلفت يمينًا ويسارًا كما السارق، وقلبها يدعو خالقه أن ينجيها من براثن ذاك المريض عاجلًا.
وصلت إلى مكتبه المتنحي في حجرة جانبية، ويبدو أنه انتقاه بذاته لغرض ما في نفسه، ثم وقفت قليلًا في الشرفة التي أمامه تعبئ داخل صدرها بعضًا من الهواء، فهي الآن ستدخل مكتب كاتم أنفاسها.
ظلت حوالي عشر دقائق حتى استمعت إلى صوت أنثوي مضحك، فالتفتت على الفور، وجدت إحدى الممرضات تخرج من غرفته، فانصدمت من هيئتها المبعثرة وهي تعدل بنطالها، ومن ثم حجابها التي ترتديه بإهمال، ناهيك عن ضحكتها التي كتمتها فور رؤيتها للدكتورة فريدة، التي سألتها بعينين متسعتين:
ــ أنتِ كنتِ بتعملي إيه هنا؟ إيه يا هانم، وإيه منظرك دي؟
تلعثمت الأخرى في الرد وابتلعت حلقها بصعوبة بالغة، ثم نطقت أخيرًا:
ــ أممم.. هه، له، قصدي يعني كنت بجيب تقارير للدكتور فارس.
واسترسلت تبريرها وهي تستأذن سريعا من أمامها:
ــ عن إذنك يا دكتورة، عندي شغل كتير.
هرولت من أمامها سريعا، ووقفت هي الأخرى بذهول لما نسجه عقلها الآن واستجمعه، وبات صدرها يعلو ويهبط من شدة اشمئزازها من هذا القذر، وكاد الغثيان أن يصيبها، وللأسف لم تستطع تكملة أفكارها حتى استمعت إلى صوت الباب ينفتح، وما كان إلا هو حينما استمع إلى كلماتها مع الممرضة.
نظرت إلى هيئته بقميصه المفتوح من الأعلى، وهو يشير إليها بأصبعه أن تدلف بطريقة تعامل كالجارية، فعقلها لم يستطع فهمها غير ذلك. ولكنها استدعت قوتها، ثم شملته بنظرة مذرية فهمها عن ظهر قلب، وقبل أن يتحدث أمرته:
ــ اقفل أزرار القميص لو سمحت لو عايزنا نتكلم مع بعض.
ضحك بطريقة مستفزة لها، ثم غمز لها بطريقة أخجلتها:
ــ بتتكسفي يا مزة؟ أموت أنا بقى في الجو ده.
ثم أغلق أزرار قميصه وأكمل بطريقته تلك التي لم ترها في عمرها بأكمله إلا في الأفلام والروايات، وظنت أنه عبث منهم في تجسيد المشهد، ولكنها رأته الآن:
ــ تعالي يافوفا، تعالي، ده أنتِ مسلية قوي، والظاهر كده هننبسط مع بعض يا بيبي.
خطت بأقدام مرتعشة لمصيرها المجهول مع ذاك المصاب، وحاولت جاهدة رسم القوة وعدم الظهور بمظهر الضعف أمامه، فهي قرأت ذلك في كيفية التعامل معه، وفور دلوفها سمعت صوت إغلاق الباب، مما جعل كل خلية بداخلها تدق خوفًا من فعلة ذاك الفارس.
كانت تعطيه ظهرها، فاقترب منها بضع مسافات، ثم همس بجانب أذنها دون أن يلامسها، ولكن أنفاسه لفحت عنقها وشعرت بسخونتها من تحت حجابها، فبات قلبها يدق سريعا بنبضات متتالية لشيء من الخوف الجديد الكلي على مراحل عمرها بأكمل، فأغمضت عينيها وكتمت أنفاسها كي تستمد قوتها من فعلتها تلك، حتى استمعت إليه ناطقًا بجانب أذنها:
ــ وحشني لون شعرك الأحمر الناري يا بيبي.
رواية من نبض الوجع عشت غرامي الفصل الأربعون 40 - بقلم فاطيما يوسف
كانت تعطيه ظهرها فاقترب منها بضع مسافات ثم همس بجانب أذنها دون أن يلامسها ولكن أنفاسه لفحت عنقها وشعرت بسخونتها من تحت حجابها فبات قلبها يدق سريعا بنبضات متتالية لشئ من الخوف الجديد الكلي على مراحل عمرها بأكمل.
فأغمضت عينيها وكتمت أنفاسها كي تستمد قوتها من فعلتها تلك حتى استمعت إليه ناطقًا بجانب أذنها:
ــ وحشني لون شعرك الأحمر الناري يابيبي، ما تشيلي حتة القماشة دي وفكي كدة علشان حاسس إنها خنقاكي.
همسه بجانب أذنها بتلك الإثارة أصاب جسدها بالقشعريرة فهي لم تجرب تلك المشاعر من قبل وهي فتاة، وبرغم قوتها إلا أنه استطاع من كلمة وهمسة تفتيت ذرات التماسك داخلها.
ثم أغمضت عينيها كي تستدعي القوة وأخذت نفسًا عميقًا تستحضر به شتاتها الذي تبعثر للتو. ثم استدارت بجسدها وابتعدت قليلا وراعت المسافة بينها وبينه بقدر الإمكان.
ثم أحضرت ابتسامتها الجذابة على الفور وهتفت بنبرة رقيقة وهي تشير إليه أن يجلس على الأريكة:
ــ طب إيه رأيك تقعد تستريح اهنه وأعمل حاجة نشربها علشان أعرف أفك ومنبدأهاش قفش اكده.
ثم مطت شفتيها للأمام بدلال أذهله وأكملت:
ــ إحنا لسة يدوب متعرفين على بعض من أسبوع خلينا نتعرف أكتر ونتكلم كتييير أصلي بحب اهتم بالتفاصيل قووي يا فارس.
ابتسم بتسلية فقد توقع ثورانها ولكن عشق طريقتها تلك. ثم جلس بطاعة كما طلبت منه وتحدث هو يمرر لسانه على شفاه بطريقة مثيرة:
ــ يخربيت شفايفك وهي بتنطق اسم فارس، مكنتش أعرف إن الصعيد فيه قشطة بالمهلبية كدة، قال وأنا اتخانقت مع بابا علشان بعتني هنا ده أنا لازم أبعت له جواب شكر وتقدير.
كانت تود أن تضحك من طريقته في الحديث. ثم أدارت رأسها للخلف وهي تردد بين حالها بصوت تسمعه وحدها فقط:
ــ يلعن الكفرة على اليهود على طريقتك اللي هتخليني عايزة أرجع يابعيد عيل دمك بارد.
ثم استدارت اليه وعادت البسمة الحالمة لوجهها كي تقنعه أنها تتجاوب معه وهي ترمقه بنظرة ساحرة:
ــ على فكرة بقى بنات الصعايدة يجننوا بس خاف من قلبتهم واللي يقرب منيهم غدر هيفرتكوه ويخلوه يندم عمره كلاته على إنه كشف سترهم.
ابتلع ريقه برهبة خفيفة من تحول وجهها من نظرة ساحرة حالمة إلى نظرة شرسة كالذئاب في آن واحد. ثم هز رأسه بإيمائة خفيفة ليقول بنبرة مشاغبة:
ــ أهو أنا بقي أموت في الفرتكة دي بس اديني منها كتييير وملكيش دعوة بقي.
رفعت حاجبها بغيظ من رده ثم بدأت في صنع المشروب "اسبيرسو". فغرفته مجهزة بجميع الماكينات الحديثة للقهوة فهو قد أبدل الديكور الخاص بها. ثم استدارت اليه وطلبت منه:
ــ طب ما تشغل لنا موسيقى هادية اكده تفك جو التوتر اللي اني حساه.
غمز لها بطريقة جعلتها تشعر بالاشمئزاز من حالها ومن وجودها معه. ولكنها عزمت الأمر أن لاتتركه يدمرها أو يدمر عائلتها وعزمت أمرها أن تجعله يشفى من مرضه ذلك ولا أنها تستسلم له مهما كان.
وما إن وجدته التهى حتى وضعت من القطارة التى بيدها في مشروبه في أقل من خمس ثواني ثم خبئتها على الفور. ومازال ينتقي الموسيقى التي يروق لها باله.
وما إن انتهي حتى قدمت له المشروب ببسمة عذبة صنعتها بحرفية. لامس أطراف أصابعها عن قصد وهو يتناول منها الكوب مما جعل يدها اهتزت وكاد الكوب أن يسقط من بين أصابعها. مما جعله احتضن كفيها تلقائيا وتحدث بنبرة متحشرجة:
ــ بالراحة ياعم الشبح هتولعي فينا وهي ولعة لوحدها وعايزة جيش مطافي يطفيها يافوفا.
جذبت يدها برفق كي لاتشعره برهبتها منه وهي تبتسم ببلاهة. ثم رمقته بنظرة حانية مصطنعة:
ــ هنطفيها يابابا متقلقش بس اشرب وقول لي إيه رأيك في عمايل ايدي.
ــ دي أحلى بابا اتقالتي من صنف الحريم كلهم والله.. قالها فارس بوجه مبتسم وهو يشعر بالتميز الفريد من نوعه من جلسته مع تلك الفريدة. ثم ارتشف من الكوب رشفات متتالية فقد تمزج بصنيعها بشدة.
ثم وضع الكوب أمامه وهو يثنيها على صنع يدها:
ــ حتى الاسبيرسو طعم مختلف معاكي، قولي لي عاملاه إزاي علشان أتعلم منك يافوفا.
أجابته وهي ترتشف من كوبها هي الأخرى بتلذذ وهي ترى أثر النقاط بدأت مفعولها وهي تراه يستند على الأريكة:
ــ له الحاجات داي أسرار وتكات مينفعش أعرفها لك.
وأكملت وقد استشفت استرخائه التام كي توهمه بما تريد وتسهل مهمتها:
ــ وكمان القهوة أو أي حاجة تخصها لما تطلع من تحت يدي بتسفرك عالم تاني خالص بتخليك كأنك طاير في السما ودماغك عالية ورايقة صوح ولا أني بأفور عاد.
حرك رأسه للأمام ويبدو على وجهه علامات الاستمتاع وعلى جسده الاسترخاء ليقول بنبرة يملؤها الرواق:
ــ تصدقي يافوفا كلامك صحيح ده انت يتعمل لك تمثال بقى علشان بتعرفي تظبطي الدماغ قووي كده وتوديها في عالم تاني، لازم تعرفيني الطريقة.
التفتت بوجهها للناحية الأخرى ثم هتفت وهي تمسك حالها من الضحك بأعجوبة:
ــ تاتك نيلة في هبلك يابن الألفي.
ثم حاولت الامساك على حالة الضحك التى لو دخلت فيها حتما سيكشف أمرها. ثم تحمحمت وهي تستجمع شتاتها وبدأت حوارها معه الآن الذي سيفيدها في علاجه. فهي قد تواصلت مع طبيبة نفسية منذ يومان وسألتها عن حالة فارس وأفادتها كثيرا.
ثم سألته وهي تصطنع التودد:
ــ أممم..
قول لي يافارس هو باباك كان باعتك هنا علشان يكدرك ليه مش احنا بقينا أصحاب والصحاب بيعرفوا عن بعضهم كل حاجة؟
انزعجت ملامحه من استفساره فدققت النظر في هيئته ووجدت أن ذكر أبيه جعله تبدل كثيراً إلى الأسوء، ويبدو أن طرف الخيط من أبيه ومن الواضح أن أبيه من أوصله لتلك المرحلة. ثم وجدته قائلاً بوجع ظهر على ملامحه المنزعجة:
ــ بابا أصلاً من زمان من وأنا كنت في ابتدائي وهو بيكدرني وبيغصبني أعمل كل حاجة مش بحبها.
سألته بتركيز وانتباه:
ــ زي إيه يعني احكي لي، يمكن إنت ظالمه. أصل ساعات أهلنا بيجبرونا نعمل حاجات على غير إرادتنا، ووقتها بنحس إننا هنعملها بالغصب ومش حابين نعملها. لكن مع مرور الوقت بنلاقي الحاجة دي عين الصح، لأننا ببساطة في الوقت ده إدراكنا للشئ مش مكتمل ومش على قد عقولنا. ودايماً كانوا يردوا علينا "لما تكبروا هتعرفوا وتفهموا". وبالفعل لما بنكبر شوية وعقلنا بيكبر معانا بنقول الحمد لله إنهم عملوا معانا كده.
أغمض عينيه وهو يشعر بالدوار وكأنه دخل عالم لا يود تذكره، عالم انطفائه على يد أهم شخص في حياته، عالم عماد الألفي. ثم تحدث وهو مازال مغمض العينين وبدأ يسرد الموقف كأنه يعيشه الآن، فعاد بعقله إلى سنوات عديدة مضت، بدأ يحكي كأنها حدثت الأمس وكل أعضاء الحس بوجهه بدأت تتفاعل مع حكواه.
وهي خير منصت له، فتلك النقاط التي وضعتها له ما هي إلا مخدر للجسد فقط، تجعله يشعر بارتخاء عضلات جسده. فقد وصفته لها الطبيبة بأنها تستخدمه وليس عليه أي ضرر على خلايا المخ والأعصاب، بل يحتوي على تركيبة تجعل المريض النفسي داخل دوامة الأشياء المعقدة، فتعطي الأعصاب إشارة لخلايا المخ بسردها، فيتفهّم الطبيب حالة المريض كي يستطيع مساعدته. وبدأ فك العقد بالتدريج. وها هي على مشارف معرفة أولى أسرار ذاك الفارس الذي عاد بذاكرته إلى سنوات عديدة مضت، وهي منصتة باهتمام شديد.
ــ باك.
ــ لازم تسمعي الكلام يا عبير، الأمر بالنسبة لك إجبار مش اختيار، وأنا بأمرك إنك تعملي كده.
كانت تجلس وأمامها ولدها تتابع معه واجباته المدرسية، فهو كان في الصف الخامس الابتدائي حينها. فـ عبير تعشق فارس ولدها بشدة، وهو الآخر والدته بالنسبة له روحه التي لا يمكن أن يتخيل حياته بدونها. فأبيه من القاسية قلوبهم وكل ما يهمه هو جمع النقود بأي طريقة، بالرغم من أنه طبيب ولديه من الأموال ما يكفيهم مستورين، ولكنه دوماً يبحث عن المزيد والمزيد. فأمسكت عبير يدها تقبله بدموع وهي تتوسله:
ــ أرجوك يا عماد، أنا مقدرش أعمل كده تاني. أنا نفذت لك طلبك المرة اللي فاتت وتعبت تسع شهور بحالهم وأهملت في متابعة ابني، وغير بعد كده قعدت سنة كاملة أتعافى من جرحي.
بتصميم وجبروت عنفها أمام ابنها وهو يلـ.ـدغها من كف يدها بقسوة:
ــ إنتِ نسيتي نفسك يابت إنتِ ولا إيه؟ أنا متجوزك وإنتِ أبوكي كحيان ومعدوم وصرفت عليكِ وعلى إخواتك قد كده علشان تنفذي لي إللي أنا عايزه منك. وبعدين ما أنا قلت لك ميت مرة أجيب للولد مربية وهي اللي تقوم بكل شؤنه علشان تفوقي لي كده وإنتِ اللي مصممة تتعبي نفسك؟ يبقي تتحملي بقي.
تأوهت بشدة من لدغته مما أصاب طفلها الصغير الشعور بالحزن لتأوه والدته. فدلك يدها بحنو ثم مال بشفتيه يقبلها، ثم رفع مقلتيه البريئتين راجياً والده:
ــ بليز يا بابا متخليش ماما تعيط، إنت بتوجعها جامد وأنا بزعل عشانها.
ابتسم بسماجة لطفله هاتفا بتهكم وهو ينظر داخل عينيها:
ــ ماهي اللي بتسمعش كلام بابا ياحبيبي، قول لها تسمع الكلام وأنا مش هضـ.ـربها ولا هكلمها. وبعدين أنا عايزك تنشف كده وتسيبك من جو الصعبنة ده، إنت راجل ولازم تبقى قلبك جامد.
شهقت بشدة من قساوة ذاك الرجل الذي يتعمد إذلالها دوماً بفقر أهلها، وأنه المسؤول عن مصروفات أخواتها فلابد أن تتحمل لأجلهم. وكما أنه هددها أنه سيحرمها من ابنها ويطلقها ويطردها ويتزوج غيرها، وستفعل له ما يريد، وهي لن تتحمل فراق ابنها. ثم طلبت منه أن يتمهل تلك المرة وهي تتجاه:
ــ أنا ملحقتش أفوق من عملية المرة اللي فاتت، اصبر علي شوية كمان وهعمل لك اللي انت عايزه.
ربت على كتفها بحنو مصطنع ثم هتف ببروده المعتاد:
ــ إنتِ مكبرة الموضوع كده ليه يا بيبي؟ الحكاية كلها أسبوع تعب وبعدها بتفوقي شوية، وآخر شهرين بس اللي بتتعبى فيهم. وبعدين المرة دي الزبون هيدفع كتير قوي وهبسطك، وكمان جروح الليزر اتقدمت قوي وأنا اللي هباشر العملية بنفسي المرة دي.
تنهدت بحزن شديد من إصرار ذاك المتبلد عديم المشاعر والإنسانية. ثم تركها وغادر المكان، فاحتضنها طفلها وظلا يبكيان في أحضان بعضهم البعض.
أدار برأسه إلى فريدة الجالسة بتعجب وذهول، وقد رأت لمعة الدمع في عينيه. فدق قلبها وجعاً بشدة، فدمع الرجال عزيز. ويبدو من أولى حكواه أن قصته غريبة. ثم انتبهت إليه يكمل:
ــ ماما كانت ست جميلة قوي وتهتم بيا وكل حاجة تخصني، بس بابا كان دايماً بيزعلها على طول ودايماً كان بيخليها تعيط.
ثم شعر بثقل جسده فسألها:
ــ هو أنا ليه حاسس إن جسمي تقيل ومش قادر أتحرك؟
ابتلعت ريقها بخوف من استفساره ولكنها تماسكت حالها كي تبدو طبيعية:
ــ له ما أنا كمان حاسة بدوخة رهيبة وجسمي تقيل، مش إنت بس.
ثم قامت من مكانها وجلست أمامه ونطقت وهي تنظر داخل عينيه بحنو وقد شعرت بمدى ضعفه الآن:
ــ هخرج وهقفل الباب ورايا وهسيبك تستريح، وأني كمان هروح لأني اتأخرت كتير ونكمل كلامنا بعدين.
على حين غرة أمسكها من كف يدها، ويبدو أن مفعول النقاط بدأ يزول مما أرعبها بشدة. ثم همس لها وعينيه ترتكز داخل مقلتيها بشعور الاحتياج:
ــ تعرفي إنك حنينية قوي، فيكي شبه من ماما وكلامك جميل زي كلامها.
حاولت إفلات يدها بهدوء، فنجحت نظراً لأن أعصابه مازالت تحت التخدير. ثم ابتسمت له لتقول بإيثار:
ــ له مامتك مكانش في زيها أبداً، متقارنهاش بمخلوق واصل. داي كفاية اسمها نابع من الزهور والروايح الحلوة، وأكيد كانت ست جميلة.
راق له كلامها عن والدته، فهي استخدمت ذكائها في الرد عليه. فوالدته كما تحدث عنها الآن أفضل كائن له مرّ بحياته، فلابد أن تتجمل في كلامها عنها كي تكسب ثقته وتجعله دوماً يحكي لها عن دوامة الماضي التي أدخلته في تلك الحالة. كم كانت تتعامل بذكاء معه كما أخبرتها الطبيبة النفسية في تعليماتها.
ثم وجدته يكمل همسه وقد ذاب غراماً بالنظر داخل عينيها:
ــ وإنتِ كمان اسمك فريدة، لايق عليكِ علشان إنتِ فعلاً فريدة من نوعك برقتك وجمالك.
دق قلبها بشدة بين ضلوعها من طريقته الساحرة وعينيه المغرمة بها. فقامت على الفور قبل أن تشعر بالضعف، فلأول مرة تكن بالقرب هكذا من رجل بتلك الدرجة. ثم استأذنت منه ووجهها يبدو عليه الاحمرار الشديد من شدة خجلها. أما هو، فأغمض عينيه فور خروجها، فقد أمره عقله الباطن أن ينام فور خروجها كي تكن هي آخر شيء رأته عيناه، وهو يشعر براحة تجتاح أوصاله لم يشعر بها منذ زمن بعيد.
أما هي، فور خروجها استندت على حائط الشرفة ثم وضعت يديها تلقائياً على قلبها كي تهدئ من ضرباته الثائرة داخلها. وهي تشعر بالصراع من دقات قلبها المتنوعة ما بين الخوف وبداية العشق، وبين الإحساس بالعطف تجاهه، وبين الشعور بأنها تود احتضانه برغبة. فذاك الفارس لديه سحراً غريباً في جعلها تود الجلوس معه، وأيضاً لديه سحراً غريباً في جعلها تود أن تسحقه بين يديها. حتماً لقد أدركت أنها ستصاب بالجنون من تلك الأحاسيس والمشاعر المختلفة داخلها، مما جعلها تفتقد الأمان الآن، وأن القادم لها لم يكن مريحاً على الإطلاق.
وقفت برهة من الوقت تستعيد فيه ثباتها النفس، ويعود لون وجهها الطبيعي الممتزج بين الخجل والخوف إلى طبيعته، كي تترك تلك المشفى التي أصبحت الآن المكان الذي يصيبها بالإرهاق الجسدي والنفسي والعاطفي.
في مكتب ماهر كان يشعر بالفتور، فهو لم يرى رحمة منذ ما حدث بينها وبين شمس ويشعر بالضيق الشديد، فهو قد اعتاد على وجودها بجانبه دوماً ورؤيتها أول شيء قبل أن يبدأ بالدفاع إلى مكتبه.
فمن يوم غيابها وهو يعيش بدون روح، ينتظر أن تأتي لتستعيد روحه مرة أخرى. ما زال يحن إليها وينتظر لحظة عودتها التي ستنير عتمته. ما زال الحنين لها في قلبه والشوق لها دائماً. ومن يوم غيابها وهو يرى كل شيء باهت ليس له لون، يرى الدنيا ليس لها طعم غير القلق والشعور بالوحشة لها.
أرهقه عنادها وكبرياؤها وابتعادها عنه، فهو قد عشقها بشدة وإلى هنا اكتفى من ابتعادها ولم يستطيع التحمل. ثم أمسك هاتفه ودخل إلى الواتساب وأرسل إليها:
ــ اتوحشتك قوي يارخمة.
كانت هي الأخرى تجلس في حديقة منزلهم وقد أوشكت الشمس على الغروب، وهي تشعر بالضياع والاختناق من ابتعاده. الحياة بدونه خالية من الروح. خالية من الراحة. بل الحياة خالية من الحياة بأكملها. وأثناء تيهتها استمعت إلى هاتفها يعلن عن وصول رسالة. امسكته بفتور، وما إن رأت أنها منه دق قلبها وابتسم وجهها وعاد لنضارته، وكأنها رأت كل ما يسعدها في تلك الرسالة. فقط من مجرد رسالة شعرت بالحيوية وارتفع هرمون السعادة لديها. كم تعشق ذاك الماهر هي الأخرى، بل ويفوق عشقها عشقه لها. فتحت الرسالة وابتسم سنها بحالمية عندما أوقف موجة العناد، فكل منهما كان يكابر دون أن يرسل للآخر حتى يشعر كل منهما أنه المخطئ في وجهة نظرهم. ولكن دوماً عقل الرجل أكبر من عقل المرأة في الاحتواء بالتحديد. ولذلك نصيحتي لكِ حواء، لا تلقي بقلبك إلا لرجل وليس ذكر. أعطي قلبك لمن يقدره ويستحقه ويكون لكِ وقت الخصام هينا لينا.
قررت مشاغبته ولم ترد على رسالته كي تجعله يغتاظ كنوع من التمنع وهن الراغبات. أما هو، رأى استلامها لرسالته ولم ترد عليه، فشعر بالغيظ قليلاً، ولكنه كان ومازال طويل البال. فأرسل إليها رسالة صوتية:
ــ يعني بقول لك وحشتيني قوي مترديش؟ طب يارحمة البسي وتعالي في الكافيه اللي بنتقابل فيه علشان عايزك.
استمعت إلى رسالته بقلب ينبض، فكم أوحشها صوته ونبرته وحديثه. فاستمعت إليها مراراً وتكراراً كي تهدأ من ثورة قلبها النابض بعشقه، بل ويسري عشقه كالوريد في جميع جسدها، حتى تيقنت أنها أدمنت عشق ماهر الريان.
ثم أرسلت إليه وهي تصطنع الجمود:
ــ ما عايزااش أقابل حد. وياريت متبعتليش تاني ياماهر، طول ما الهانم دي عندك ولسه هتفضل في بيتك.
استلم رسالتها ثم نفخ بضيق وهو يخلل أصابعه بين خصلات شعره، ثم هاتفها، وما كان منها إلا أنها عاندت وأغلقت الهاتف في وجهه، مما أغضبه بشدة. ثم أرسل إليها رسالة صوتية بغضبه الجم:
ــ والله العظيم لأعرفك يارحمة علشان توبي تكنسلي علي تاني وهعيد تأهيلك من أول وجديد. الظاهر إني دلعتك زيادة عن اللزوم يابنت سلطان وخليتك عايشة الدور قوي. ولو ملقتكيش قدامي بعد نص ساعة من دلوقتي، لا هاجي أكسر لك دماغك الناشفة دي. يلعن أبو نكدك ياشيخة، فانجزي ومتجيبيش آخرتها معاكي، كفاية اللي أنا فيه.
ارتعبت داخلها من نبرته الغاضبة، فقد أوصلته بعنادها معه إلى حالة التعصب الشديدة التي لم تراها منذ كثير. ولكنها لم تستطيع السيطرة على حالها في إصراره على وجود تلك الشمس. ثم قامت على الفور كي ترتدي ملابسها كي تذهب لمقابلته، فهو من المؤكد إن لم تذهب له، سوف يجيء إلى هنا وينصب لها المحكمة. ووالدتها الآن في ضياع بسبب عمران وسكون، ومن الممكن قتلها على عنادها.
صعدت إلى الأعلى وارتدت بنطالاً من اللون الكافيه ويعتليه كنزة باللون الأبيض وبليزر باللون النبيذي يصل إلى منتصف فخذها، ورفعت أكمامه قليلاً. وارتدت حجاباً بنفس لون البليزر، فحقا كانت مبهرة. فهي قد انتقنت ذاك المظهر بالتحديد كي تثيره. ثم ارتدت حذاءً ذو كعب رفيع "سليبر" يليق بأناقتها، ووضعت بعض مساحيق التجميل الخفيفة في وجهها كي يراها جميلة، وأن فراقه لها لم يؤثر في نضارتها. وهذا ما أوصله لها عقلها، ولم تعرف أنها الآن تلعب في عداد عمرها مع ذلك الماهر.
ثم حملت حقيبتها واستأذنت من والدتها في مقابلته، فلم تمانع، فهو زوجها وفرحهم لم يتبقى عليه سوى أيام. صعدت سيارتها وانطلقت بها دون تسرع، حتى يجعله ينتظرها كثيراً، فهي قصدت التأخير، ولم تعرف أنها تبني بأعصابه الآن جسوراً من الغضب منها ومن تيبس رأسها وأفعالها الهوجاء.
وصلت أخيراً إلى المطعم الذي انتقاه، فقد أرسلت إليه رسالة قبل وصولها كي تعرف مكانه، ولكنها وجدته يقف متنحياً بجانب باب المطعم ينتظرها. وما إن رأى قدومها حتى جحظت عيناه من رؤية هيئتها، فجعلت الدماء تفور في جسده منها، وثار داخله متوهج كالبركان. فأسرع بخطواته على الفور حتى وصل إليها. وقبل أن تغلق سيارتها، أمسكها من كتفها ودفعها إلى الداخل بطريقة آلمتها، وهو يردد بفحيح بعدما جن جنونه من هيئتها:
ــ دي إنتِ يومك غامق عليكي النهاردة يارحمة.
كاد أن يكمل لذاعه لها، إلا أنها تأوهت وشعرت بالمهانة من حركته تلك وهدرت به بحدة:
ــ إيه الهمجية دي؟ إنت اتجننت إزاي تزقني بالطريقة دي!
انت مفكر نفسك مين بالظبط؟
ــ جوزك ياهانم. جوزك المغفل اللي اتجرأتي ومعملتيلهوش حساب وخرجتي من بيتك بمنظرك ده!
قالها ماهر بفم غليظ مملوء بالغضب والفظاظة من أفعالها التى أوصلته إلى قمة العصبية.
أما هي فابتلعت انفاسها بصعوبة بالغة من هيئته الغاضبة بشدة، ورأت فداحة ما فعلته الآن كي تجعله يغتاظ، ولم تكن تتوقع ردة فعله أن تكون بتلك الدرجة من الهوجاء. ثم اصطنعت عدم الخوف منه وهتفت بنبرة تتلجلج بها:
ــ اممم.. ماله شكلي يعني؟ شايفني لابسة بدلة رقص وخارجة بيها.
كادت أن تكمل حديثها إلا أنه هدر بها، أرعبها وهو ينظر لها بغضب:
ــ أه ما إني لو مالي عين الهانم ومعتبرة لوجودي أهمية، مكنتيش عملتي اكده ولا اتجرأتي تخرجي من بيتك بالشكل ده. لكن العيب مني إني اللي وصلتك إنك تتدللي وتعملي اللي على كيفك طالما الباشا بيهنن ويدلع ويطبطب على البرنسيسة.
ثم مد يده وشد حجابها على جبهتها وهو يداري خصلاتها الناعمة، والتي قصدت أن إظهارها ظناً منها أنها ستثيره بهيئتها وجمالها، ذلك مما جعلها تتوجع من حدته:
ــ قسماً عظماً إن خرجتي الشارع وشعراية واحدة باينة من شعرك تاني يارحمة، لاهخليكي تندمي وتقولي ياريت اللي جرى ما كان.
ثم نظر إلى أكمامها المرفوعة قليلاً، وقد أظهرت نصف ذراعها، وجذب الأكمام بنفس الحدة حتى دارى ذراعها بالكامل وأكمل بنفس غضبه:
ــ والله إني مش فاهم انت خرجتي من بيت أبوكي وأخوكي بالمنظر ده كيف، وانت عاملة البلاوي دي كلها.
ثم ضرب كفاً بكف وهو يكاد تصيبه ذبحة صدرية الآن من أفعالها تلك. هي تعلم مدى غيرته الشديدة وأنه لن يرضى تلك الأفعال في هيئتها. يغار عليها أن يرى أحدهم خصلة واحدة من شعرها. يغار عليها من أن تظهر شيئاً بسيطاً من جسدها. ولن يسمح لها أن تستفزه بتلك الطريقة مرة أخرى. ثم هتف وهو يجز على أسنانه بغضب مما جعل الخوف منه يدق على جسدها دقا:
ــ انتِ أكيد عايزة تجننيني أو تجيبي لي الضغط والسكر. انتِ عايزة توصلي لإيه بالظبط يارحمة؟
ابتلعت لعابها وتحدثت بصوت منخفض مما جعله ثار أكثر من ذي قبل:
ــ ياسلام! اشمعنا أني اللي هتتعصب عليها قوي أكده؟ مالبرنسيسة اللي هتقعدها في بيتك وهي سبب المشاكل كلها بيني وبينك؟ بتلبس عريان وأنا جمبيها من أولياء الله.
اتسعت عيناه بذهول من تبريرها، ثم كور قبضة يديه وضرب مقود السيارة بغيظ جعلها هلعت، وهو يرمقها بنظرات كالنار المستعرة:
ــ يلعن الكفرة على الكفرة على اليهود على شمس على الكل كليلة ياشيخة! إني مالي ومالها أصلاً؟ هو ربنا هيسألني عنها ولا هيسألني عنك انت؟ مانا بقيت في نظرك عامل زي القرطاس، تعملي اللي كيفك علشان تجننيه وخلاص. على الله تكوني مستريحة دلوقت وانتِ موصلاني لقمة الغضب والعصبية، وقفلتيني من الدنيا كلها ياشيخة.
ثم نظر إلى هيئتها مكملاً تهكمه:
ــ دي كله كوم والبنطلون اللي محدد تفاصيل جسمك كوم تاني، والروج الأحمر اللي مهبباه في شفايفك ده. انتِ عديتي ليفل الوحش في الجراءة النهاردة يا رحمة هانم.
أشاحت بيدها من رفضه لطريقته في تعبيره عن غيرته وهي تردد بنبرة معترضة:
ــ انت مكبر الموضوع على فكرة قوي، ودي مش طريقة تعبر بيها عن رفضك لحاجة مش عجباك.
هز قدميه بعصبية من ردودها التي تستفزه أكثر:
ــ انتِ بتلعبي في ثوابت دين أمرك متخرجيش من بيتك بالمنظر ده، ومش عايزاني أتعصب؟ بجد انتِ بني أدمة مستفزة قوي، ووقفتيني منك بسبب عنادك ودماغك الناشفة وعدم اعترافك بغلطك.
بنفس عصبيته أردفت وهي تشعر بالخوف منه وصوتها على بعض الشيء:
ــ يعني إنت عايز إيه دلوقت؟ انت شاطر في قلب الترابيزة قوي.
تنهد بضيق وتحدث بغضب أخافها:
ــ شكل اليوم ده مش هيعدي على خير النهاردة. اتفضلي سوقي العربية وروحي على أقرب محل ملابس حريمي.
ثم لاحظ وجود مناديل مبللة، فجذبها بحدة وأمسكها من وجهها برفق وهو يمسح شفاها من ذاك الروج التي وضعته بلونه الظاهر، وهو يردد بتحذير:
ــ توبقى تتكرر تاني حركاتك دي، علشان المرة الجاية بإذن الله مخليكيش تعتبي الشارع، وابقي افتحي بقك بنص كلمة يارحمة.
كانت صامتة تاركة إياه يفعل بها ما يشاء، فهي أدركت الآن مدى خطئها. وبعد أن أنهى إزالة الميكب من وجهها، أمرها أن تسير إلى ذلك المحل وهو ينظر إلى الطريق أمامه وقد وصل الغضب ذروته من أفعالها.
حتى وصلت إلى إحدى المحلات الخاصة بملابس السيدات، حتى وقفت بسيارتها. وقبل أن تهبط من سيارتها، فهي علمت لماذا جعلها تأتي إلى هنا. أمسكها من كف يدها آمراً إياها:
ــ تدخلي تشوفي دريس محتشم ميبينش الهوا منك وتخرجي لابساه. مينفعش أدخل معاكي فيه بنات كتير جوة ومش حابب أحرج حد، واني مستنيكي.
تمتمت بطاعة وهي تشعر بأنها أجرمت اليوم من هيئته الغاضبة، وبدا عليه التعب من حالة العصبية التي دخلها بسببها:
ــ طيب، إني هتأخر في اختيار اللبس وهتقعد كتير.
ــ هستناكي لو لحد الصبح. اتفضلي يالا.
قالها وهو يستند برأسه على الكرسي مغمض العينين وكأنه يستدعي الهدوء النفسي من حالة الغضب الشديد التي سببت له ارتفاع ضغط الدم وشعر بالصداع يغزو رأسه. وما إن رأت حالته تلك حتى ظلت تلوم حالها بطريقة لا توصف، وعهدت نفسها أن لا تفعلها مرة أخرى، وستكون تلك المرة الأخيرة، وستنتقي الملابس الفضفاضة المحتشمة في زي راقٍ أيضاً.
دلفت إلى المحل وهي تشعر بالاستياء من حالها وعيناها تدوران في المكان حتى استقرت على ركن الفساتين كي تنتقي أحدهم. ظلت ما يقرب من نصف ساعة حتى انتقت ما يناسبها، ثم طلبت منهم أن تدفع ثمنه وهي ما تزال ترتديه، مما أدهش الواقفين في المحل، فلأول مرة تفعلها إحداهن. ثم خرجت وبيدها حقيبة بها ملابسها التي كانت ترتديها.
وصلت إليه وجدته يستند برأسه على الكرسي ويبدو أنه تاه في نومه وهو ينتظرها. دقت على نافذة السيارة كي يفتح لها الباب، ففتح عينيه وهو يدلك جبينه بيده كي يخفف من ألم الصداع. ثم أزاح زجاج النافذة، وجدها أمامه بفستانها الزهري المحتشم الفضفاض. شملها بنظرة متفحصة من أعلى رأسها إلى أسفل قدميها، ثم انحنت قليلاً. ونظرت داخل عينيه وهي تسأله بنبرة هادئة:
ــ أكده تمام يا متر ولا في حاجة مش عاجباك قبل ما نتحرك؟
أطال النظر داخل عينيها وهي بالقرب منه بتلك الدرجة، وأنفاسها تغلغلت داخل رئتيه، فأغمض عينيه لوهلة، ثم التفت بوجهه للناحية الأخرى وهو يفتح لها الباب مردداً:
ــ تمام اتفضلي يالا علشان نمشي.
تنهدت بحزن من ما وصلا إليه الآن، فهي لم تكن تتوقع ثورانه بتلك الدرجة لمجرد أنها ارتدت بنطالاً ورفعت أكمام قميصها وأخرجت خصلات من شعرها، فهذا ما تفعله أكثر الفتيات تلك الأيام والموضة المنتشرة بشدة. والأدهى أنها ترى الاستوريهات الخاصة بهم مع خطابهن وأزواجهن وهن بتلك الهيئة. لماذا فعل معها هي بالتحديد هكذا؟ فلا يوجد سبب اهتدى به عقلها إليه إلا أنه يتعنت معها ويفرض سيطرته عليها، أو أنه يقلب الطاولة عليها كي ينسيها حوار تلك الشمس.
استقرت في مكانها، وأغلق هو النوافذ التي تجعل من بالخارج يراهم، وقام بتشغيل المكيف فهو يشعر بالحرارة الشديدة تغزو جسده. ثم استند برأسه على الكرسي مرة أخرى وأغمض عينيه مرة أخرى، فهي قد أوصلته لقمة التعصب بأفعالها، والصمت أصبح سيد الوقت والمكان. وفجأة استمع إلى بكائها، مما جعله ينفخ بضيق من حالة النكد التي ستكمل على ما تبقى من أعصابه اليوم بسببها.
ثم مسح على وجهه بكف يده وهو يستغفر ربه بصوت سمعته، ثم استدار بجسده إليها وهو يحاول استدعاء الهدوء النفسي له والخروج من حالة الغضب والعصبية التي دلف إليها. ثم اقترب منها واحتضن وجنتيها بين كفي يديه ليقول بصوت أجش خشن:
ــ ممكن أعرف إيه سبب العياط دلوقتي والمفروض إني اللي زعلان من عمايلك؟
حاولت إفلات وجهها من بين يديه ولكنها لم تستطع، فهو كان ممسكاً بها بإحكام. فردت بنبرة صوت متحشرجة أثر بكائها:
ــ بعد يدك عني، أنا مخاصماك ومليش صالح بيا تاني.
ــ ليه هو أنا اللي غلطت ووصلتنا للي إحنا فيه، ولا دماغك اللصغيرة اللي وزتك تعملي كده؟
زادت من البكاء، فهتف بانعدام صبر:
ــ وهتبكي طول اليوم ليه، ومش هنعرف نتحدت واصل؟
ــ هبكي علشان أنت زعقت لي كتير قوي النهاردة.
ــ مش أنت اللي استدعيتي غضبي وعملت اللي واثقة أنه هيضايقني.
ــ هو أنا عملت إيه يعني غير اللي البنات هتعمله؟ خد شوف صورهم أهي ومع خطابهم وأزواجهم كمان، وأنت اللي كبرت الموضوع قوي واتعصبت عليا.
فتحت الهاتف وأتت بالصور، وما إن وجهت الهاتف إليه حتى استدار بوجهه إلى الناحية الأخرى هاتفا بانزعاج وهو يرفض النظر إلى الصور:
ــ مش هشوف حاجة واقفلي الموبايل دي، أنا مليش صالح بيهم. كل راجل حر في التعامل مع أهل بيته. إياكش تخرجهم عريانين حتى، كل واحد مسؤول عن نفسه. وأنا مش بقرون علشان أسيب مرتي تخرج متبرجة وكل من هب ودب يتفرج عليها وأنا زي الأطرش في الزفة.
ثم وجه أنظاره إليها محذراً إياها:
ــ اقفلي على الحوار دي، مش عايز أتحدت فيه مرة تانية. متبصيش على اللي زي دول، بصي على الأحسن منك في الاحتشام وغيري منهم وقلديهم. متبصيش للأسوأ، علشان الدين واضح واليسر والعسر ملهمش علاقة بالاحتشام نهائي. أظنك دارسة شريعة وقانون، وربنا سبحانه وتعالى قال: "وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ". "جيوبهن" أي صدورهن. فينسدل الخمار من الوجه إلى أن يغطي الصدر. وليس الجيب. ابحثي كويس وأنت هتعرفي إن الحجاب السليم لازم يغطي الصدر. أما أنت النهاردة عديتي ليفل الوحش في الجرأة. وحذاري اللبس ده يتخرج بيه تاني، ولا الروج الأحمر اللي كنت حطاه ده يتحط تاني إلا وأنت في بيتك لجوزك بس.
زادت من بكائها، فضرب كفاً بكف:
ــ وهتزيدي في البكا عاد؟ هو أنا ضربتك بالنار؟
حركت رأسها برفض وتحدثت من بين شهقاتها، مما جعل قلبه يرِق لبكائها، وكيف لا يرِق وهو رجل عاشق حد النخاع لامرأة ولد قلبه على يدها من جديد:
ــ له علشان أنت زعقت لي جامد برضه وعيطتني.
حاول تهدئة حاله كثيراً، ثم اقترب منها وجذبها إلى أحضانه مقبلاً إياها من رأسها، وشدد من احتضانها وهو يربت على ظهرها بحنو وبهمس بجانب أذنها:
ــ معلش حقك علي يا رحمتي. بس أرجوكي متحاوليش تختبري غيرتي تاني، علشان بتخلي النار هتولع في جسمي.
شددت هي الأخرى من احتضانه، ثم هتفت بطاعة أذهلته:
ــ حاضر.
أخرجها من أحضانها، ثم اقترب على وجهها وأسند جبهته بجبهتها وتحدث وهو ينظر داخل عينيها ويتنفس أنفاسها مردداً بأسف:
ــ خلاص بقى مبكيش عاد، أنا بحبك قوي يا رحمة ومش متخيل إن راجل ممكن يشوفك أو يبص لك بصة كده ولا كده ولا يشوف زينتك وقتها ويتمنالك، علشان شاف منك اللي مينفعش راجل يشوفك بيه غيري.
زمت شفتاها وأنزلت بصرها للأسفل بحزن ممزوج بدلال، وتحدثت بنبرة استيائية مفتعلة:
ــ أنت وحش على فكرة وقلبك قاسي ومش هتحبني قد ما هحبك.
ضيق نظرة عينيه، ثم رمقها بنبرة هادئة عاشقة مستنكرة لما قالت، وهو يقصد مشاغبتها:
ــ أنت وحش! والله حاسس إني متجوز عيلة مش آنسة عاقلة كبيرة.
واسترسل حديثه وهو ينظر إلى أنفها الحمراء من أثر البكاء، وهو يداعبها بسبابته:
ــ بذمتك دي شكل واحدة فرحها كمان كام يوم؟ إلا قولي لي يا رحمة، هو النكد ده هرمونات عند كل ست ولا أنا بيتهيألي؟
بدأ شبح ابتسامة خفيفة على ثغره، ولكنها سرعان ما اختفت في بحر حزنها منه، وهي تنعته بمشاغبة مماثلة:
ــ أنت رخم قوي على فكرة، بقي. وآه النكد هرمونات عند الستات بينزلهم في لبن الرضاعة.
جذبها من رأسها بيده قائلاً بنبرة استنكارية مصطنعة:
ــ هو أنت لسانك فالت منك على طول كده يا حبيبتي؟ ماتهدي يا عم الشبح، أنا عريس وداخل على جواز والمفروض تدلعيني ومتنكديش علي.
أجابته بقوة وغيظ وهي تحاول استفزازه:
ــ مين قال إني هتجوزك؟ دي في الأحلام يا متر، لما تبقى تغور الكونتيسة اللي أنت مقعدها في بيتك، اللي هو أصلاً هيبقى بيتي، نبقى نشوف الحوار ده بعدين.
جذبها إليه عنوة، فارتطمت بعظام صدره القوية:
ــ أحلام ماتت من زمان يا ماما. ماتهدي بقى يا شيخة، طلعتي روحي وغلبتيني. هو أنا مبصعبش عليكِ، وأنتِ عمالة تقولي في وشي مش هتجوز؟ ما عايزاكش! مفيش الكلام ده يا رحمتي، جوازنا خلاص كمان أربع أيام هيتم، يعني هيتم ومش هيتأجل يوم واحد. وبعدين أنا جبت أخري والصبر زهق من صبري عليكي يا بنت سلطان. فاتقي على الصبر وسيبك من أمور الجنان بتاعتك دي وتبطلي روشة.
دفعته من صدره بقبضة يدها الصغيرة وهي تردد بشفاه تمطها للأمام بدلال أثاره:
ــ بعد يدك دي عني، مش هسمح لك تلمسني ولا تقرب مني كده، و خليك معاند معايا بقي.
أمسك كف يدها بإحدى يديه والأخرى ثبت رأسها بها وردد بوله وهو يقبل باطن يديها بقبلة جعلت جسدها ينتفض داخلها من رجولته المفرطة أمامها، وهي لم تستطع مجابهة ذاك المتمرس لأمور العاشقين، وهي ما تزال صغيرة على الحب:
ــ أبعد مين يا ماما؟ دي في أحلامك. وبعدين أنا مشيت شمس على فكرة وراحت شقة بعيد عن بيتنا، وشفت لها شغل عند واحد صاحبي، فمتعمليش جنازة ومفيش ميت بقى.
ثم أقرب وجهها منه وقبلها بجانب شفتيها قبلة متيمة مغرمة بها، وهو يسألها بنبرة مبحوحة أثر قربها منها:
ــ بذمتك ماهر موحشكيش؟
دي إنتي قلبك بينفض جواكي وعيونك هتلمع من مجرد كلمتين وحركتين، وعمالة تكابري وخلاص.
وضعت كفاي يداها الحنونتان وحاوطت بهما وجنتاي ذاك الماكر، وتحدثت بحب صادق ظهر بينا داخل عينيها وجسدها يكاد يكون كهلام، لا تقوى على مجابهته من فرط تأثرها باقترابه:
ــ بصراحة وحشتني قوي. وروحني بقى علشان حاسة إني دايخة ومش متحملة.
ــ وعاملة نفسك هيرو ومفيش زيك، ودختي من بوسة يد؟ يا عيني عليكي يا صغنن، دي أنت جايلك أيام هتحتاجي مسكنات عظام بقى.
قالها وهو يغمز لها بكلتا عينيه بشقاوة جعلتها
شهقت بخجل من طريقته ولكزته في كتفه ولسانها ردد بتلقائية:
ــ إنت قليل الأدب وقوي على فكرة بقي.
تأوه باصطناع قليلاً من لكزها له ثم هتف وهو يداعب وجنتها بإبهامه:
ـ مش ملاحظة إنك لسانك طول قوي عليا اليومين دول وكده غلط عليكي يا ماما علشان خط المحاكم ميتعملش فيه كده.
أزاحت يداه من على وجهها وتحدثت وهي تتحرك بسيارتها كي تعود إلى المنزل حتى لا تتأخر ووالدتها تلك الأيام كأنها تجلس على نار لديها استعداد للاشتباك معهم جميعًا على أقل التفاهات:
ــ براحتي أعمل وأقول اللي على كيفي واللي يحلالي طالما في حلالي.
رفع حاجبه الأيسر متعجبًا من قوتها:
ــ دي انتي ربنا ما يوكلِك على حد مظلوم يا شيخة. امشي يا ماما ودينا على المطعم النحس اركب عربيتي وروحي على البيت على طول وحذاري أرن عليكي تاني ومترديش عليا والله العظيم وقتها ما هتعرفي رد فعلي هيكون عامل إزاي. انتي حرة بقى.
ظل كلاهما ينكش الآخر وهم مستمتعون بنقارهما كالقط والفأر. وحقًا من يراهم يستمتع لرؤيتهم وينجذب لمشاهدتهم.
أوصلته إلى السيارة وقبل أن يهبط لمح الكيس البلاستيك الذي يحوي الملابس التي كانت ترتديها مرددًا لها بتحذير:
ــ شوفي بقى ترميهم تديهم لحد تولعي فيهم ما أشوفكيش لابساهم تاني. أنا بتكلم بهدوء أهو علشان ما نزعلش مع بعض تاني يا رحمة.
جزت على أسنانها بغيظ من طريقته ثم هتفت بحدة:
ــ ماشي يا سي السيد. أي أوامر تاني يا خويا؟
رفع حاجبه من استنكارها وطريقتها وقبل أن يغلق الباب مد يده وقرصها من وجنتها بخفة وهو يحذرها بلطف:
ــ اظبطي لسانك دي يا ماما واعرفي إنك بتتكلمي مع جوزك مش مع ابن الجيران اللي كنتي هتلعبي وياه زمان.
أنهى كلماته وأمهلها وأغلق الباب دون أن يرى رد فعلها الذي يعلم تمام العلم أنه تشتاط الآن. وبالفعل رددت بعد أن تحرك من أمامها بغيظ:
ــ أبو رخامتك ياشيخ. طلعت روحي بس هعمل في قلبي اللي هيعشقك وهيدوب فيك.
ثم نظرت إلى السماء وكأنها تحدث ربها:
ــ يارب ما يطلع ماهر دي تخليص ذنوب وحق اللي كنت هفترِي عليهم.
في شقة سكون كانت تجلس أمام مرآتها فقد خرجت من الحمام للتو وهي ترتدي ملابس نومها وتنزع المنشفة من على رأسها لتبدأ في تمشيط شعرها. وما زالت في حالة الاكتئاب التي اعترتها وعمران يتحملها بل ويدللها ويتعامل معها كالأميرات.
أما هو عاد من الخارج للتو ودلف الغرفة وجدها تجلس أمام مرآتها وتنزع المنشفة من على رأسها فساقته قدماه إليها ووقف خلفها نازعًا المنشفة برفق من على رأسها بدلاً عنها ليقول بمشاغبة:
ــ أنا تقريبًا كده جيت في الوقت الصح ولا إيه ياسكوني؟
ابتسمت بوجه بشوش راق له وهو يرى بسمتها عبر المرآة والتي بصداها تنير له عتمة الأيام. ثم جذب منها فرشاة الشعر ليقول:
ــ نفسي أسرح لك شعرك علشان هعشقه قوي وهعشق ريحته ولونه ياسكوني. تسمحي لي؟
حركت رأسها للأمام وناولته الفرشاة مرددة بابتسامة:
ــ وإزاي مسمحش إن عمراني يسرح لي شعري. دي يوم المنى لما الست جوزها يعاملها كالأميرات. وانت روحي اللي هتدلعني وتخاف علي من الهوا الطاير.
بدأ بتمشيط خصلاتها برفق وحنو جعلها تشعر بمدى السعادة من أفعاله الطيبة التي دوماً يفعلها لها. ثم ردد بمشاغبة:
ــ خلي بالك انتي كده بتغريني وإني بصراحة بموت في الإغراء. وكثري منه على قد ما تقدري يا ست البنات.
اتسعت مقلتاها وهي تشعر بالروعة من لقبها لها بـ"ست البنات".
ــ الله. ست البنات كلمة جميلة قوي. قولها لي على طول يا عمران.
أشار بأصبعه على عيونه هاتفا بطاعة:
ــ دي أنا من عيوني ياباشا انت. تؤمري أمر يا ست البنات.
أنهى تمشيط شعرها وتركه منسدلاً على ظهرها. ثم مد يداه لها كي يتناول يدها وتمشي بها إلى الأريكة الموجودة بالغرفة وأجلسها برفق وكأنها زجاج رقيق يخشى عليه الانكسار. ثم سألها:
ــ شكلك اتحسنتي شوية ولا لسه تعبانة؟
تنهدت بعمق ثم طمأنته:
ــ الحمد لله زينة. ربنا يخليك ليا وميحرمنيش من حنيتك اللي خلتني هتخطى العذاب النفسي والجسدي. وعلى قد ابتلائي اللي ربنا قدره لي على قد إني لازم أشكرُه عشان عرفني إن لو كل البيبان اتقفلت هتلاقي هواك وعشقك ومعزتك بتضمني يا عمران. عشان كده لازم كل واحدة يبقى جوزها هيعشقها زيك كده. تقدر التراب اللي هيمشي عليه وتحافظ عليه.
تعلقت عيناه بها بنظرة هائمة أرجفت ذلك القابع بين أضلعه. ثم احتضن وجنتيها برفق:
ــ متوصيش عمران على حبك يا حبيبي. والله يا سكون مبعيش حاجة في الدنيا غير إني أشوفك دايماً سعيدة ومرتاحة والحزن يفارق ملامحك وقلبك ميدقش إلا بالراحة والسكينة كيف اسمك وكيف الحاجات الحلوة اللي هعيشها معاكي. واللي لو لفيت الدنيا كلها شرقها بغربها ما ألاقيش زيك ولا أصلاً عايز غيرك.
دق قلبها من حديثه الحنون ووجدت حالها ترتمي داخل أحضانه الحانية. وما كان منه إلا أنه استقبلها بحنو ودلال عشقته منه. ثم همس بجانب أذنها بكلمات أذابتها:
ــ طب بعد الحركة دي مش هتتسابي إلا لما أعوض الأيام اللي فاتت علشان المنهج اتراكم عليكي وإني مدرس شاطر قوي وتلميذي مينفعش يأجل عمل اليوم إلى الغد. ولا إيه يا دوك؟
ضحكت برقة في أذنيه جعلته هام بها عشقا. ثم همس بعشق:
ــ دي باين إنها هتبقى ليلة ولا ألف ليلة وليلة. تصدقي بلا عيال بلا وجع دماغ. إني عايزك كده لحالك علشان ما نتعطلش على آداء مهامنا العشقية والعاطفية يا دوك.
ابتلعت لعابها من كلماته المدمرة لأنوثتها. ثم نظر إليها وجدها تبتلع لعابها فابتسم بإنتشاء لهيئتها. وبدأ بالاقتراب منها بشغف أنساهم هموم الحياة ومتاعبها التي لم تنتهي بعد. وبعد وقت ليس بالقليل غاصا فيه في عالمهم الخاص المحبب إلى قلبهما. أسندها على صدره العاري قائلاً بدعابة وهو يزيح خصلاتها المبعثرة على وجهها غامزًا لها:
ــ كنت مبهرة قوي في درس النهاردة. ياريت من ده كتير يا دوك علشان إني بعشق الاختلاف والتجدد والتميز.
ضحكت برقة من كلماته ومشاغبته التي لم ينتهي عنها. وظلا كلاهما يداعب الآخر بمحبة وعيناهما تتعمق النظر بوله للآخر. وكلاهما يردد بعشق الروح للروح خاطرتهم التي أهداها كلا منهم لخليل روحه:
حين التقت نظرات عينيها بعيني تسهمت أمام كتلة النور وذاب الغرور. وتصارعت الدقات داخلي وكاد القلب أن يشق الضلوع وينفجر.
هي نظراتها تعي الاستفهام. أما أنا نظراتي تعي الانبهار.
ماذا يفعل قلبي الآن! لا بل كيف ينتظر دون أن يسحقها بين أحضانه وينعم بالسرور.
فمن نظرة دون كلمة أو همسة أو ابتسامة منها أصبحت في غرامها متيم معذور.
أمام المشفى ليلاً. وبالتحديد في الساعة الحادية عشر قرب منتصف الليل. استعدت فريدة للخروج من المشفى فقد أنهت عملها وسهرتها في المشفى. ثم خرجت أمام الباب وأخرجت مفاتيح سيارتها التي اشترتها بالتقسيط حديثاً كي تتحرك للجانب الآخر التي تركن به سيارتها.
وعلى نفس الجانب كانت سيارة سوداء مفخمة تقف بجانب سيارتها وعلى أهبة الاستعداد. فقال أحدهم:
ــ تقريبًا هي دي اللي عليها العين. يلا أجهزوا بسرعة علشان مش عايزين شوشرة ولا من شاف ولا من دري.