الفصل الأخير
كانت ترغب كثيرًا في النوم لكن ذلك الألم الذي يضايقها بين الحين والآخر دفعها إلى فتح عينيها ببطء شديد، كانت قمة رأسه أول ما وقعت عيناها عليه، ركزت قليلا وبدأت تشعر بثقل جسدها وبكفها تحت قبضته بينما رأسه يستند على حافة الفراش بجوارها.
ما الذي تفعله هنا؟!
حاولت أن تستجمع أفكارها فآخر ما تتذكره هو خروجها من الشركة...
الشركة!
استعادت كلماته مجددًا لتتحرك سريعًا ترغب في الإبتعاد عنه، وجذبت يدها بعيدًا عن لمسته لكنها لم تحسب حسابًا لذلك الألم الذي أصاب جميع أنحاء جسدها.. أنّت في ألم لينتفض مستيقظًا.
تبدد كل غضبها وسخطها عندما نظرت إلى وجهه، وبدون وعي هتفت:-
- ما الذي حدث لك؟
كان في حالة يُرثى لها، شعره أشعث، ثيابه مجعدة وعليها قطرات من الدماء الجافة أدركت إنها سببها.
شهقت في دهشة عندما جذبها إلى أحضانه، حاولت أن تعترض لكنه لم يسمح لها وبدأ يلثم بفمه كل مكان في وجهها متمتًا:-
- إنكِ بخير.
-يا هذا، امسك نفسك قليلا، فقد استعادت وعيها الآن فقط.
انتفض من مكانه يحاول أن يتماسك لتتأثر من رؤية الدموع السجينة في عينيه، نظرت بعدم فهم إلى أخيها ثم عادت بنظراتها إلى قصي، ما الذي حدث وكيف توصل هذان إلى معرفة بعضهما البعض؟!
قال قصي سريعًا:-
- سوف أحضر الطبيب.
راقبته يغادر، ونظرت إلى إياس الذي ابتسم مربتًا على كفها قائلا:-
- مرحبًا بعودتكِ يا صغيرة.
تمتمت:-
- ما الذي حدث، وكيف عرفك؟
-إجابة السؤال الأول، لقد تعرضتِ إلى حادثٍ، وأحضركِ هو إلى هنا ثم أجاب على هاتفك عندما اتصلت، أما بالنسبة لتعارفنا السلس...
اتسعت ابتسامته مضيفًا:-
- لقد تحدثنا بلطفٍ.
لم يكذب حقًا فاللكمة التي وجهها له تعد مداعبة بالنسبة لأسلوبه المعتاد..تذكر عندما هرع إلى المشفى بعد أن أخبره بالحادث، وكان أول ما فعله أن لكمه ثم اشفق على انهياره خاصة بعدما ردد أنه لا يبالي إن كانت لآخر يكفي أن تعيش.
اشفق عليه كفاية ليخبره الحقيقة مجددًا، ويؤكد أنها لا تعرف غيره، ولن تعرف، فأخته امرأةٌ لرجل واحد.
سألت بصوت ضعيف:-
- هل يعرف إنك أخي؟
أومأ ثم أردف:-
- لقد أخبرته إني سافرت طويلا بسبب مشاكل عائلية، ولم أعود، وإنكِ لم تخبريه عني بسبب غضبكِ مني لاختلافات قديمة بيننا.
أومأت في إرتياح، وبرغم محاولاتها أن تظل مستيقظة إلا أنها نامت، ولم تشعر بقدوم الطبيب وطمأنته لهما أوالقبل التي كان يطبعها قصي على كفها ووجهها بين الحين والآخر، ولم تشهد نظرة الحب التي كان يتأملها بها أو ضحكته الرائعة عندما هتف إياس في إحتقار:-
- فلتذهب لتستحم وتبدل ثيابك فحتى القطة سوف تشمئز من النظر إلى وجهك، وهو بهذا الشكل.
***
كانت تتحاشى رؤيته بعد استيقاظها، ومازالت تشعر بالغضب تجاهه لأنه لم يثق بكلماتها وانتظر أن يخبره إياس ليصدقها.
كان هذا غير عادلٍ خاصة إنها من قادته إلى عدم الثقة بها بتلك المسرحية التي فعلتها لكنها تمنح العذر لنفسها؛ فهي أنقذت حياته.
لقد كانت دائمًا صادقة مع نفسها لكن في تلك اللحظة لم تبالي بكم بدت مدلله بينما تتجنبه، وإذا حدثها تجاهلته واكتفت بالتحدث مع إياس، وفي المساء كانت تتظاهر بكرهها لبقائه معها، وسرًا تتأمل ملامحه أثناء نومه.
بعد أسبوع من التظاهر والإفتعال لم تلاحظ إشارته إلى إياس أن يخرج، كادت أن تتوسل ألا يتركها معه فبرغم كل شيء إنها لا تشعر بالثقة من وجودها وحيدة معه أثناء النهار.
عقدت ساعديها أمام صدرها، وأشاحت بوجهها عنه..
ابتسم على حركتها الطفولية، وجلس على حافة الفراش، وبرغم شعورها به إلا أنها لم تلتفت وانكمشت على نفسها أكثر حتى لا يلامسها.
انتظرت أن يتحدث لكن انطلقت منها شهقة دهشة عندما أمسك كتفها يجبرها أن تواجهه، وبدون أي كلمة أخذ قصاصه من شفتيها، حاولت أن تقاوم لكنها اشتاقت إليه ولم تشعر إلا بيديها تحتضنه في شوقٍ.
ابتعد عنها بعدها لتخفض عينيها في خجلٍ لتتسع ابتسامته ويلامس وجنتيها هامسًا:-
-لقد اشتقت إليكِ كثيرًا.
نظرت إليه وأجابت بتلقائية:-
- وأنا أيضًا اشتقت إليك كثيرًا.
سرعان ما انتبهت إلى اندفاعها فأضافت بضيق ولوم:-
- هل انتظرت حتى يخبرك إياس الحقيقة لتصدقني؟
تنهد ثم ألتقط كفها بين راحتيه وقال:-
- كما احتفظتي بسر وجود أخٍ لكي، أنا أيضًا لم أخبرك شيئًا بخصوص الماضي.
اعتدلت في انتباه فقص:-
- لقد خطبت فتاة قبلكِ، لم أحبها حقًا لكني أردت أن ينجح الأمر بيننا؛ لقد رغبت في تكوين أسرة.
اسودت ملامحه بيما يردف:-
- لقد خانتني، وكانت وقحة كفاية لتقولها أمام عيني.. أني لم أكن كافيًا لها.
شهقت وقد أدركت كم بدى تمثيلها تلك الليلة إعادة تجسيد للماضي، شددت من قبضتها على كفه، وهمست:-
- أنا آسفة حقًا.
أردفت مبرره:-
- لقد اضطررت لفعل هذا.
أومأ في تفهم، وقال مبتسمًا:-
- لا بأس، لقد فهمت كل شيء الآن.
استطرد:-
- أنا أعتذر حقًا من أجل جرحكِ ذلك اليوم لكن..
تردد قليلا ثم قال:-
- عندما أجاب إياس على هاتفكِ أصابتني الظنون وأثارت شجوني.
برقت عيناها في فهمٍ، لهذا تصرف هكذا، لم تعتقد قط إنه قد يشك في أن إياس يعني لها شيئًا.. لقد كانت حماقة منها ألا تفكر في هذا.
هز رأسه قبل أن تتحدث وقال:-
- دعينا ننسى كل شيء الآن.
سألته بقلق بينما تبرق عيناها في ترقب:-
- هل تثق بي الآن؟
لثم كفها وقال مبتسمًا:-
- دائمًا.
لم تملك أن تمنع الابتسامة التي ارتسمت على شفتيها ثم اندفعت بجزئها العلوي تحتضنه بقوة كادت أن تلقيه أرضًا من فوق الفراش لكنه تماسك واحتضنها في لهفة.
بقيا على تلك الحالة مدة من الوقت فقدا حسابها ثم همست بدون أن تترك أحضانه:-
- لقد اشتقت لهذا كثيرًا.
ابتعدت لتكون في مواجهته وانهمرت دموعها بينما تقول:-
- لقد شعرت بغربة شديدة وأنا بعيدة عنك، أنت هو منزلي بدونك أشعر بالوحدة والضياع.
أحاط وجنتيها بكفيه واقترب بوجهه منها...
انتفض كلاهما عندما ارتفع صوت متبرمًا من خلفهما:-
-اللعنه على هذا، أليس لديكما منزل؟!
ابتعدت عنه في خجل وتوردت وجنتيها تحت تأثير نظرات أخيها المستهجنه بينما قصي فقد ابتسم بمرح وقال بوقاحة:-
- زوجتي..
-زوجتك في المنزل.
ثم أضاف بنفاذ صبر:-
- فلتأخذها إلى منزلكما قبل أن نُطرد من المشفى بسببك.
ضحك وأحاط كتفها في حبٍ لتبتسم بخجل، وترمق إياس في توبيخ ابتسم على أثره في سخرية.
***
-هل أنت مستعدة للمغادرة؟
تنفست في إرتياح وقالت:-
- أخيرًا، البقاء هنا أرهق أعصابي.
قال إياس مبتسمًا:-
- يجب أن أغادر، هل سوف تكونين بخير؟
نظرت إليه بأسف لمغادرته قائلة بإمتنان:-
- شكرًا من أجل كل شيء.
ربت على كتفها، وقال مبتسمًا:-
- مازلتِ أختي حتى إذا اختلفنا.
أومأت ثم احتضنته بقوة لتتأثر ملامحه ويضمها برفق ثم ابتعد مبتسمًا ولامس وجنتها بأنامله وقال:-
- كوني بخير يا صغيرة.
أومأت ولم تستطع منع الدموع في عينيها بينما تراقبه يغادر، لا تعرف موعد لقائها به مجددًا.
دخل قصي ليتسائل في قلق بعدما رأى دموعها:-
- ما الذي حدث؟
هزت رأسها ثم قالت بحزن:-
- لقد غادر إياس.
تسائل بحيرة:-
-إلى أين؟
أجابت بشرود:-
- لديه عمل.
أومأ في تفهم وضمها إليه في مواساة قائلا:-
- لا تحزني سوف يزورنا كثيرًا في منزلنا.
ثم تسائل:-
- ما عمل إياس؟
ماذا سيكون رد فعله إذا أخبرته أن إياس العزيز تاجر سلاح؟! بدى الأمر ساخرًا وربما مضحكًا في موقفٍ آخر لكنها بللت شفتيها وقالت كاذبة:-
- إنه يمتلك أعمالا خاصة.
حسنًا، لن تخبره اليوم.. ربما في وقتٍ ما، بعدما يتوقف إياس وينصت إليها ويطيعها مبتعدًا عن هذا الطريق حينها سوف تخبره، وعسى أن يكون ذلك قريبًا.
لم يهتم قصي بالأمر كثيرًا، وأبعدها يتأمل وجهها ثم قال مبتسمًا:-
- مستعدة للعودة إلى منزلنا؟
أومات بسعادة وقد شعرت أن بإمكانها التنفس براحة أخيرًا، لم تفكر في أي شيء إلا وجودها معه لكن ما أن لاح المنزل أمام عينيها وتوقفت السيارة أمام الباب حتى تذكرت كابوسها: "سوسن هانم"، والتي لابد إنها سوف تقيم الأرض ولا تقعدها على عودتها.
فغرت فاهها في ذهول عندما وجدتها تقترب بابتسامة مصطنعة فوق ثغرها قائلة:-
- الحمد لله على سلامتك يا دارين.
وكزها قصي وقد طال صمتها فأسرعت تجيب:-
- شكرًا يا خالة.
كانت تلك حركة خبيثة منها فهي تعرف كيف تكره أن تناديها خالة لكنها لم تستطع أن تمنع نفسها عن مشاكستها، لاحظت محاولات قصي أن يمنع ضحكته بإخفائها خلف سعال ثم قال:-
- هل كل شيء جاهز؟
مطت سوسن شفتيها، وأومأت بينما تقول بضيقٍ واضحٍ:-
- لم يكن هذا ضروريًا يا قصي.
قبل جبينها قائلا:-
- إنه للأفضل.
نظرت دارين إليه في تساؤل ليتجاهل ذلك، ويجرها معه إلى الدور العلوي حيث جناحهما، وما أن أصبحت أمام الباب حتى فكرت في تلك الليلة.. الخوف والضياع الذي شعرت بهما، لاحظت شرود قصي أيضًا فابتسمت تشدد من قبضتها على كفه ليبادلها الابتسام ثم فتح الباب وأشار لها أن تدخل.
شهقت وقد تغيرت الغرفة تمامًا من أثاث وديكور، نظرت إليه في تساؤل ليقول:-
- التغيير جيد خاصة أننا لن نستخدمها كثيرًا.
أخرج مفتاح ووضعه في كفها ثم جذبها تجاه الشرفة، وأشار إلى البيت المقابل:-
-ما رأيك في منزلكِ؟
اتسعت حدقتيها وألتفتت إليه في عدم تصديق تردد:-
- منزلي!
أومأ قائلا:-
-لقد كنت أخطط لهذا منذ وقت، لن استطيع ترك أمي وحيدة، وفي نفس الوقت من حقكِ أن يكون لكِ منزل خاص.. مملكتك الخاصة.
اغرورقت عيناها بالدموع ثم أحاطت خصره بذراعها، واستكان رأسها فوق صدره، ولم تجد كلمات تعبر عن إمتنانها وسعادتها.
أغمضت عيناها، وتنفست بعمق تستنشق رائحته، وقد قتلها الشوق إليه..
فتحت عيناها عندما همس بمكر:-
- هناك غرف نحتاج إلى تجربتها في منزلنا الجديد.
ابتسمت وتظاهرت بالتفكير بينما تنظر الى المنزل الضخم قائلة:-
- هناك الكثير من العمل الشاق.
-أنتِ محقة، إنه عملٌ شاقٌ فعلا.
حملها بين ذراعيه قائلا:-
- ربما نبدأ بتلك الغرفة أولا قبل الذهاب للمنزل.
لم تعترض ولم ترغب في الإعتراض أبدًا، فقد اشتاقت إليه وإلى اتحادهما سويًا، أن يكون كلاهما معًا فقط بدون أي دخلاء بينهما..
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!