الفصل الرابع
-لقد وجدناه.
ما أن نطق عزام بتلك الكلمات حتى اعتدل إياس واقفًا وأشار له أن يتابع:-
-المكان الذي أخبرنا به رمزي السائق هو مقر لثلاثة عصابات في تلك المنطقة، لقد بحثنا حتى وصلنا للعصابة المنشودة، أحد أفرادها به العلامة التي ذكرتها السيدة.
اتسعت ابتسامته متمتمًا:-
- جيد جدًا.
سأل:-
- أين هو الآن؟
- في المخزن.
نزع معطفه في استرخاء ووضعه فوق المقعد ثم شمر عن ساعديه متجهًا إلى المخزن.. كان الرجل والتي بدت على ملامحه آثار الضرب المبرح ينتفض في خوفٍ وزاد فزعه عندما رأى إياس يقف أمامه شامخًا بجسده.
ابتسم إياس مزهوًا، وقال:-
- يبدو أنه ليس هناك حاجه للتعارف.
بلل شفتيه في خوف بينما يراقب كل حركة يأتي بها إياس في توتر فلم يكن يغيب عن أحد هويته، فهو من أخطر الرجال في عالمهم المظلم بل هو الرئيس يفعل كل شيء إلا المخدرات وتجارة البشر لكنه لن يتردد أيضًا أن يمثل بجسده إذا لم يجيبه عما يريد.
بلل شفتيه ثم همس بتساؤل:-
-لماذا أنا هنا يا ريس؟
ابتسم إياس ببرود وقال:-
- سيلين الرازي، هل تعرفها؟
عقد حاجبيه ثم سرعان ما سره سهولة السؤال، وقال:-
- إنهاعميلة جديدة لدينا.
أردف:-
- لقد دفعت أموالا طائلة مؤخرًا فقط لتهديد امرأه لتبتعد عن زوجها.
أضاف بسرور:-
- عمل سهل، ومال كثير.
كانت نظرات إياس تشتد قسوة بينما يتابع الرجل الكلام، وما أن انتهى حتى قال:-
- إذًا، قد فعلت هذا؟!
أومأ الرجل بينما يراقب بحذر تعبيرات وجهه ثم تسائل:-
- هل الأمر يخصك يا رَيس؟
مد إياس كفه خلف ظهره ونزع سلاحه يتظاهر بتفحصه وتنظيفه قائلا بعدم مبالاه:-
-المرأه التي فرقتها عن زوجها تهمني.
رفع عينيه إليه بينما يستطرد:-
- ولك أن تتخيل ما الذي يجب أن أفعله بشخص أحزن من يهمني.
ارتجف جسده في خوف، وسرعان ما أطلق صرخة ألم عندما انطلقت رصاصة من سلاح إياس لتصيب ساقه.
-الآن، هل أنت مستعد لبيع عميلتك؟
برغم الألم الذي يمنعه من التفكير السليم إلا أنه تردد فهذا سوف يضر بأعماله ويبعد العملاء عنه لكن ما أن صوب إياس المسدس تجاهه مجددًا حتى أومأ سريعًا قائلا:-
- سوف أفعلها.
ابتسم ببرود:-
- رائع.
أردف:-
- الأهم الآن، كيف سوف تفعل هذا؟!
عض على شفتيه في ألم وتصبب عرقًا بينما يتلعثم:-
- لقد سجلت كل شيء خوفًا من حدوث أمرٍ خاطئ.
لم يكن ليكون أكثر سعادة فاتسعت ابتسامته، وأشار إلى عزام قائلا:-
- تابع الأمر، واحرص على أن ينتهي اليوم.
أومأ عزام في طاعة ليترك إياس الأمر له؛ فقد كان عزام ذراعه الأيمن منذ زمن، قليل الكلام..كثير العمل.. مطيع، وهذا هو المطلوب في عملهم.
وضع سلاحه مكانه في الحزام حول خصره، وألتقط هاتفه يخبر دارين بالخبر الجيد متأكدًا أنها قد ترغب في أن تشهد القبض على سيلين فالتهديد بالقتل لا يمر بسهولة هذه الأيام.
***
صرخت سيلين في هلع:-
- أبي، هل سوف تتركهم يأخذونني؟
أردفت في انهيار:-
- أنا لم أفعل أي شيء.
توقف الزمن فجأة أو هكذا خيل لها حتى أن دقات الكعب العال الرتيبة كانت مسموعة لها وكأنها ضوضاء عالية، اشتعلت عيناها في غضب وامتقع وجهها عندما ظهرت أمامها عند باب الغرفة في بدلة حمراء وكأنها وشاح تلوح به أمامها فتثير غضبها أكثر.
انتفضت تهجم عليها وتلك العينان الباسمتان الساخرتان تشعلان نيرانها، وتحفزانها لارتكاب أبشع الجرائم ، صرخت في جنون:-
-لماذا لا تنتهين؟ أنتِ لا تستحقينه إنه لي، ملكي... أنتِ أيتها الحقيرة لا تستحقينه، لم تستحقينه أبدًا.
لم تنتبه لنداء والدها المكتوم باسمها، وتابعت تصرخ:-
- إنه لي ملكي، أنا من استحق الحصول عليه لا أنتِ.
كتفها الضابطان جيدًا أمام انهيارها ومحاولاتها للتملص منهما، وراقبا السيدة تبتعد عن الطريق بخطوات بطيئة ونظراتها لا تحيد عن سيلين، وما أن أصبحوا بجوارها حتى قالت دارين بهدوء يناقض التحذير في عينيها:-
- لقد كان دائمًا لي، هذا القلب لم تلمسه أمرأة غيري، ولن تفعل أبدًا.. فكري في ذلك جيدًا في الطريق، اجعلي تلك الكلمات تثير جنونكِ، فلتفقدي عقلك بينما تتخيلين حياتنا معًا..
أضافت تصطنع الخجل:-
- وربما مع طفلين أيضًا.
صرخت سيلين بجنون وحاولت الهجوم عليها لكن الضابطان احكما مسكها بينما ينظران إلى دارين في لوم لكنها لم تبالِ، وظلت محتفظه بابتسامتها بينما تراقبها تغادر معهما مجرورة ذليله كما خرجت هي من منزل زوجها.
ما أن اختفت من أمامها يلحقها والدها الملكوم في ابنته حتى اختفت ابتسامتها، وقد أدركت أن أمامها مهمة أصعب لكن سارة في نفس الوقت لذلك غادرت المكان واتجهت إلى شركته.
***
لم يبد عليه أي تأثر حتى إنها شكت في أنه سمعها حتى قال بسخرية:-
-إذًا لقد فعلتي كل هذا من أجلي، وبسبب تهديد؟
وقفت تواجهه وقالت بكبرياء وصدق:-
- لا، لم يكن لأجلك.
راقبت الحيرة في عينيه قبل أن تختفي خلف جدار البرود الذي يدعيه فأضافت بصدق:-
- لقد كان من أجلي.
تابعت:-
-لقد أردت حمايتك ولم تكن لتتركني بدون أن أتسبب في ألمك، وما كان بوسعي تركك لحماية حياتك إلا إذا تركتني أولا.. خفت أن أضعف فوجعتك حتى لا ترغب في وجودي فبذلك استطيع الأبتعاد عنك.
كانت قبضتها مشدودة تحت تأثير اسئلته الباردة وقد لاحظ ذلك لكن لم يبالي فهو لن يُخدع مجددًا، هو ليس بأحمق.
قال ببرود:-
-أنتِ كاذبة.
ضمت قبضتها هذه المرة غضبًا، وتطاير الشرر من عينيها، رددت:-
-كاذبة؟!
أومأ بابتسامة ساخرة، إنها تحاول خداعه حتى النهاية لكنه لم يعد الغر الذي يقع تحت تأثير حيلها.
قالت بغضب:-
-لا أهتم برأيك.
بظاهر كفها كفكفت دموعها التي انهمرت في غفلة منها، وأضافت في اندفاع:-
- لم أقل غير الحقيقة، تصديقك أو عدمه لن يغير من الحقيقة شيئًا.
اتجهت إلى باب الغرفة لكن قبل أن تحرك المقبض، نظرت إليه وقالت بنبرة عادية تلقائية:-
-أنا أحبك، لقد أحببتك دائمًا وسأظل أحبك مهما حدث لن يتغير شيء.. في الغد أو بعد عام أو بعد عقد..مشاعري ثابتة وصادقة.
غادرت الغرفة تاركه إياه تتسارع أنفاسه ويضم قبضته في عنف، لن يُخدع مجددًا.. لن تخدعه ألاعيبها، ولن يقع تحت تأثير سحرها.. إنها تحاول أن تخدعه لكنه لن يفعل..
إنها تلاعبه بورقة الحب!
هز رأسه في رفض، مستحيل إنها أحبته فمن مثلها لا يعرفون الحب، إنها كاذبة.
أخرج محفظته وتلك الصورة التي لم تفارق مكانها منذ زواجهما، وتأمل وجهها المخادع وعيناها الكاذبتان.. بالطبع لم تحبه أبدًا بل ربما افتقدت عيشة الثراء الذي عاصرتها معه.
ألقى الصورة أرضًا في غضب، المخادعة، واتجه ليغادر لكنه توقف قليلا ثم عاد وألتقطها برفق وأعادها إلى مكانها في محفظته مرددًا بصوت خافت:-
- إنها مخادعة كاذبة، ولن أقع في شركها مجددًا.
***
عاد إلى المنزل بعد أن تجول بالسيارة لفترة طويلة منذ الصباح، ولم يذهب إلى العمل؛ فالأفكار لم تتركه أبدًا منذ البارحة.
لن يسمح لها أن تخدعه مجددًا فلقد استسلم بالفعل لحقيقة أن رجل مثله قد خُدع في الحب مجددًا، وها هي أكدت ظنونه بعدم قدومها إلى العمل اليوم كما عرف بالإتصال بأحد موظفيه ليتولى العمل مكانه، لابد من أنها أدركت البارحة من رد فعله عدم جدوى الاستمرار في خداعه.
أوقف سيارته أمام المنزل وكل ما يرغب به هو الذهاب الى غرفته، والبقاء وحيدًا لكن كل هذا تبدد فما أن دخل حتى اسرعت أمه إليه تهمس:-
- أحمد الرازي هنا، ويرغب في رؤيتك.
رفع حاجبه تعجبًا لتلك الزيارة الغير متوقعة، أردفت سوسن:-
- لا يبدو بحالة جيدة.
لم تكن والدته تكذب، فقد كان بحالة أكثر من سيئة، وكأن العمر تقدم به منذ آخر مرة رآه البارحة صباحًا أثناء مغادرته المكتب، كان شاحبًا بينما انحنى منكبيه في ضعفٍ، قال:-
- هل يمكن أن نتحدث في مكتبك؟
أومأ قصي والحيرة في نظراته.. في غرفة المكتب تبدد ثبات أحمد الرازي، وذعر قصي عندما بدأت دموعه تنهمر برغم محاولاته للتماسك، وقال:-
- لقد جئت لأعتذر إليك على ما ارتكبته ابنتي في حقك.
لم تختفي الحيرة من نظراته، وردد:-
- ابنتك؟!
استطرد بدون أن يلاحظ أن قصي ليس لديه أدنى فكرة عما يتحدث عنه:-
-لقد دللتها كثيرًا بعد وفاة والدتها، ولم أتوقع أبدًا أن ترتكب مثل تلك الفعله.
رفع أعين دامعة مليئه بالخزي قائلا:-
- لقد استغللت علاقاتي وأموالي لأخرجها، وسوف أحرص على أن تبقى بعيدة عنكما، وسوف أعاقبها.
أضاف:-
- لن أطلب أبدًا أن تسامحها بل سوف أرضى بعقابها في السفر إلى أمها دائمًا، وعقابي معها سيكون بفراقها.
انعقد حاجباه وقال في حيرة حقيقية:-
- أنا حقًا لا أعرف عما تتكلم.
جاء دور أحمد الرازي ليتعجب، وسأل:-
- ألم تخبرك زوجتك؟!
-زوجتي؟!
تضاعف خزيه، وقد طفق يقص ما حدث، وما ارتكبته ابنته في حق الزوجين، وبعدما انتهى لم يستطع أن يواجه قصي، اكتفى بأن أشاح بوجهه وتمتم في ضعفٍ:-
- أنا آسف حقًا.
غادر المكتب، ولم يجد أي كلمات أخرى يستطيع أن يعبر بها عن مدى أسفه..
ضوضاء عالية، هذا ما يمكن أن يصف به أفكاره، لم يستوعب ما سمعه وبتلقائية ألتقط هاتفه يتصل بها، يريد أن يعرف هل أخبرته الحقيقة حقًا؟! وهي لم تخونه، أكانت صادقة في قولها بأنها فعلتها من أجله لأنه تم تهديدها بقتله؟!
كان انتظار صوتها على الهاتف طويلا للغاية حتى كاد ييأس من ردها، فربما ترفض التحدث معه بعد أن صدها بتلك الطريقة لكن الصوت الذي أجاب لم يكن يخصها بل صوت رجولي يقول ببرود:-
- دارين مشغولة، سوف تتحدث معك لاحقًا.
كاد أن يتكلم لكن سماعه لصوتها يأتي هاتفه بحنق:-
-إياس! لماذا تستخدم هاتفي؟
-لقد قضيتي عمرًا تستحمين، وتلك الطريقة الملائمة لأجعلكِ تخرجين.. فهذا منزلي كما تعرفين.
لم ينتظر لسماع المزيد، وانهى المكالمة.. كانت قبضته تضغط بقوة على الهاتف، والغضب على ملامحه تجاه نفسه الحمقاء وتجاه تلك الخائنة.. ربما ارتكبت سيلين خطأ لكن يبدو أن دارين لم تكن بحاجة إلى أي تشجيع لتخونه مع آخر.
نهض من خلف مكتبه يعض على شفتيه في غيظ، لن يسمح لها أن تخدعه أبدًا، لقد انتهى الأمر، وإذا امتلكت من الوقاحة ما يجعلها تظهر أمامه مجددًا سوف يحرص على أن يجعلها تعرف هذا.
***
في الماضي كانت لتلعن المرأة التي تتخلى عن كبريائها مجددًا لتقف أمام شركة الرجل الذي أوضح أنه لا يرغب في رؤيتها لكنها تغيرت وتؤمن أن معرفته بخبر القبض على سيلين سوف يدفعه إلى تصديقها خاصة إنها لم تخبره عن السبب وراء تهديد القتل خوفًا ألا يصدقها؛ فأحمد الرازي شريكه منذ وقتٍ طويلٍ وكان صديقًا لوالده من قبل فأرادت أن يعرف الحقيقة منه أولا، وبعدما أخبرها إياس أن رجله أبلغه بزيارة أحمد الرازي لقصي أمس حتى استعدت لتذهب إليه واثقة أنه سوف يصدقها، ومن ثم سوف تعود معه إلى المنزل وإلى أحضانه.
بتلك الحماسة دخلت الشركة واتجهت مباشرة إلى مكتبه، نظرت بعدم رضا إلى مكتبها المليء بالملفات وسرعان ما تجاهلت الأمر واقتحمت المكتب ترغب في مفاجأته، فهي تدرك أنه لابد بعد معرفته بالحقيقة مازال يفكر في طريقة مناسبة لإرجاعها.
كم هي زوجة رائعة، وقد أزالت ذلك الحمل من عليه، وعادت إلى أحضانه سريعًا!
في السابق كانت لتبغض مثل هذا التصرف لكنه غير كثيرًا من الأشياء في حياتها بكونه شخص يستحق الثقة، يقف بجوارها ويساندها.
اتسعت ابتسامتها عندما رأت الدهشة على ملامحه لرؤيته لكن سرعان ما تحولت الابتسامة إلى إحباط ومن ثم إرتباك عندما لم تجد الاغتباط الذي توقعته منه بل كان أقرب للإحتقار.
ربما يُخيل لها أو إنها تخادع نفسها بكل إدراك لكنها استمرت قائلة:-
-لقد عدت..
ابتسم بدون أي مشاعر قائلا:-
- أجل، لقد فعلتي.
أضاف:-
- كنت سوف أهاتفكِ.
هتفت بلهفة:-
- حقًا؟
استطردت بمرح:-
- لقد كنت أعرف هذا.
تابعت:-
- فعندما هاتفتني أمس حاولت أن أعاود الإتصال لكنك لم ترد لذلك جئت..
توقفت عن المتابعة وتجمدت في مكانها، آصابها صمم؟!
بادرت بالكلام لكنه قاطعها مرددًا:-
-سوف أطلقكِ.
بللت شفتيها بينما تنظر إليه ببلاهة، وهمست:-
- ما الذي تقوله؟!
استرخى في مقعده قائلا:-
-كما سمعتي، لقد انتهى الأمر.
أردف:-
- ويمكنكِ الآن أن تعيشي حياتكِ، وتتخذي عشيقًا أو أكثر كما...
لم يتابع، وقد تردد في الغرفة صدى لطمتها له..
صر قصي على أسنانه قائلا:-
- من حسن حظكِ إنكِ امرأةٌ.
رمقته في خذلانٍ وقالت:-
- أنا لا أفهم، ما الذي حدث؟ ألم تعرف حقيقة ما حدث بعد؟!
أضافت بحيرة:-
- لقد تم القبض على...
قاطعها بحدة:-
- أنا لا أهتم..
أضاف بعدم مبالاه بينما يتظاهر بالعمل:-
- يمكنكِ المغادرة، فأنا مشغول.
ظلت لحظات تنظر إليه بدون أن تراه حقًا، وقد أصبح العالم في عينيها ضبابيًا، ألتفتت تجر أذيال خيبتها، تطفر الدموع من عينيها.. لقد انتهى الأمر، استخرطت في البكاء بينما تعبر الطريق ثم ظلام تام..
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!