الفصل 3 | من 6 فصل

الفصل الثالث

المشاهدات
7
كلمة
1,645
وقت القراءة
9 د
التقدم في الرواية 50%
حجم الخط: 18

الفصل الثالث

صباح معتاد يرتفع فيه صياح قصي في انفعال شديد وغضب بينما تغادر دارين الغرفة صافعه الباب خلفها، فقد مر أسبوعان على تلك الانفعالات والكراهية التي يصبها فوق رأسها صبًا.

زفرت بينما تلقي بنفسها على المقعد ثم ألتقطت هاتفها، وما أن رد الطرف الآخر حتى عاجلته في انفعال:-

-أخي، متى سوف ينتهي هذا؟

تنهدت ثم قالت:-

- حسنًا.. حسنًا.

أنهت المكالمة وتابعت عملها حتى لا يصب غضبه عليها مجددًا فهي لا تضمن تحكمها في نفسها وألا تواجهه.

لم تشعر بالوقت إلا عندما هاجمها هذا الألم المفاجئ في معدتها، اعتدلت وتقطب جبينها في ألمٍ واضحٍ.. نهضت إلى الحمام، وبعد دقائق خرجت..

لا يمكن لليوم أن يكون أفضل!

جلست على مقعدها ببطء، وتثاقلت أنفاسها في ألم مع كل حركة تفعلها، أخرجت من حقيبتها حبة دواء لكن قبل أن تحصل على فرصة بلعها رن الجرس لتكتم شتيمة كادت أن تفلت من بين شفتيها لو سمعتها أمها لماتت في وقتها على تربيتها التي ضاعت هباءًا. ابتلعت الحبة سريعًا، وتنفست بعمق تحاول أن تخفف من ألمها بدون جدوى.


وقفت أمامه تسمع محاضرة أخرى اليوم عن إهمالها، ورغبته في أن تستقيل.. إلخ

في لحظة ما فقدت الشعور بالواقع كان الألم صعبًا يفوق تحملها ترنحت على أثره.. كان مستمرًا في محاضرته حتى رآها تترنح أمامه وبتلقائية ترك مقعده مندفعًا تجاهها يلتقطها.

هتف بلهفة وقلق:-

- هل أنتِ بخير؟

حاولت دارين أن تستجمع شتاتها وقالت بألم:-

- أنا بخير.

ساعدها على الجلوس، وألتقط سماعة الهاتف يطلب مشروبًا دافئًا من الكافتيريا..

قال بنبرة آمرة:-

- اشربي ثم خذي باقي اليوم أجازة.

كادت أن تعترض لكنه منعها قائلا بنبرة أكثر لينًا:-

-لا تعاندي فأنتِ تعرفين أن تلك الفترة من كل شهر تكون صعبة عليكِ.

صمتت ونظرت إليه في اشتياق فقد إعتادت تدليله لها في ذلك اليوم من بعد زواجهما..حضنه الدافئ ولمساته الحانية فوق خصلات شعرها حتى تنام.

انتزعها من الغرق في موجات الحنين والذكريات صوت الباب..

بدأت تشرب ببطء شديد تريد أن تستمع بجواره الهادىء هذا إلى أقصى حدٍ ممكن، تؤمن إنه كذلك أيضًا فقد بدى أكثر هدوئًا بينما يبادلها النظرات، وكأن الزمن توقف وأي شيء غير تلك اللحظة لم يعد له وجود بل حتى الغد قد انمحى واندثر.. إنه الآن وفقط.

***

لم تعتقد أبدًا إن ذلك الحنان جزءٌ منه عندما رأته أول مرة بل كل ما فكرت به حينئذ إنه ابن أبيه المدلل والذي تولى المسئولية بعد وفاته، وكانت تتعامل على هذا المبدأ برغم إنها أحبت العمل مع والده لكنها لم تعجب بالابن الذي ترك مسئولية العمل على عاتق والده فآمنت إنه مدللٌ.

ابتسمت لذكرى إحدى مواجهاتهما..

قد حدث خطأ في الأوراق وتبدلت، وعاتبها على ذلك لكنها أصرت على موقفها وإنها لم تفعل ذلك.

الموقف مازال في ذاكرتها حيًا حتى إنها تراه أمامها..

قال قصي باستهجان:-

- هل هناك مساعدة لي غيرك هنا؟

حدقته بنظرات غاضبة وقالت بتصميم:-

- أنا لم أبدل الملفات.

زفر في ملل من ذلك الجدال العقيم وأشار بكفه قائلا:-

- حسنًا، يكفي هذا.. أعيدي ترتيبهم.

ألتقطت الملفات بينما تتمتم بغيظ:-

- هذا ما يحدث عندما يتولى ابن أبيه العمل.

لم تلاحظ أن صوتها كان واضحًا أو الفضل لسمعه الحاد فتجمدت مكانها عندما هتف قصي:-

- ما الذي نطقتي به الآن؟

بللت شفتيها وشحب وجهها فبرغم كل شيء كانت بحاجة إلى هذه الوظيفة، وإن تركتها فلن تفعل قبل، على الأقل، حصولها على راتب الشهر كاملا لسداد إيجار المنزل.

نطقت بتردد:-

- لم أقل شيئًا.

كان غاضبًا، وقد أدركت ذلك من ملامحه التي أظلمت وقسوة عينيه..

نطق من بين أسنانه:-

- أنتِ لا تعرفين أي شيء عني، فمن الأفضل ألا تتحدثي فيما لا تعرفينه.

أضاف ببرود:-

-إطلاق الأحكام عادة سيئة.

أومأت في خزي فقد كان محقًا فهي لم تكن يومًا تحكم على الآخرين بتلك الطريقة لكن هناك شيء حوله يجعلها تغضب كثيرًا في كل مرة تراه.

استطرد قصي:-

- أما بالنسبة لما قلتيه فلدي شركتي الخاصة في لندن حيث كنت أدرس.

أضاف بسخرية:-

- يمكنكِ أن تسألي بشأن هذا.

تلعثمت:-

- أنا...

قاطعها:-

- أعيدي ترتيب الملفات سريعًا.

لم تجد مفرًا من المغادرة لكنها شعرت بالخجل من نفسها لمثل هذا التصرف، وصدقها دفعها إلى أن تطرق باب مكتبه مجددًا بعد دقائق لتعتذر.

ما أن دخلت حتى نظر إليها ببرود جعلها تدرك أنه مازال غاضبًا وليس معنى هذا إنه في الأوقات العادية يتأملها بنظرات وَلَهَ لكن أي شيء أفضل من ذلك البرود الثليجي.

اخفضت عيناها وتمتمت بخجل:-

- أنا أعتذر عما قلته، لم يكن من حقي قول هذا.

امتد صمته فرفعت عيناها لتصيبها صدمة، لكنها صدمة حلوة هذه المرة، من تلك النظرة في عينيه.. ذلك البريق الدافئ.

لم تلاحظ ابتسامتها البلهاء التي اعتلت شفتيها بينما تبحر ذاكرتها في أحداث الماضي إلا عندما نظر إليها إياس في تساؤل ساخر؛ فهي على تلك الحالة من الشرود منذ أن عادت مبكرًا من العمل إلى شقته، لتهز رأسها وتابعت ارتشاف مشروبها ثم قالت بصوت ناعم حزين:-

- لقد اشتقت إليه وكأنها أعوام لا أيام.

لم يكن يفهم تلك المشاعر أو لم تكن لها وجود في عالمه لكن أغضبه أن تتألم أخته بتلك الطريقة، وسوف يجد من تسبب لها في ذلك ويعيد سعادتها إليها مجددًا.

***

تغير شيء في علاقتهما بعد رؤيتها لتلك النظرة لتجد نفسها أكثر إرتباكًا في حضرته، وقد كرهت ذلك كثيرًا فحاولت أن تتمسك بقناع من البرود لكنها لم تعمل حسابًا أن يواجهها بمشاعره بذلك الوضوح والصراحة.

دخلت الغرفة بدون تعابير واضحة على وجهها، وضعت الأوراق فوق مكتبه في صمت ثم غادرت كما اعتادت في الأيام الماضية لكن تلك المرة لم يتركها تغادرفاوقفها قائلا:-

-انتظري، أريد أن أتحدث معكِ.

ألتفتت بدون أن تبدي أي تعابير..

أردف:-

-اجلسي.

أضاف بسخرية:-

- أنا لا أعض.

لم تستسيغ سخريته وجلست لكن ارتبكت عندما ترك مكانه خلف مكتبه ليجلس في المقعد المواجه لها بدون أن يبعد عيناه عن وجهها مما ضاعف من ارتباكها.

سأل:-

- ألن تتحدثي؟

أجابت دارين بتلعثم:-

- أتحدث عن ماذا؟!

انحنى بجذعه ليتأمل وجهها قائلا:-

- لماذا تتصرفين ببرود معي في الآونة الأخيرة؟

ارتبكت من ذلك القرب الغير مرغوب فيه، ونهضت سريعا قائلة بارتباك:-

- هذا هو أسلوبي..

أضافت بينما تتجه إلى الباب:-

- لدي عمل الآن.

أدركت أن طول قامته لم يكن للمظهر فقط، فقد أصبح بجوارها في خطوتين يمنع بكفه الباب من أن يُفتح.

أجفلت في إرتباك، وتراجعت إلى الخلف بينما وقف هو موليًا ظهره إلى الباب يسد عليها أي ثغرة للهرب منه.

شعرت بأنها محاصرة أمام نظراته فاتخذت من الهجوم وسيلة للدفاع فعقدت ساعديها أمام صدرها قائلة:-

- لدي عمل الآن، وإلا سوف تتأخر مواعيدك.

ابتسم قائلا:-

- أنا لا أمانع التأخير يا عزيزتي...

أجفلت عيناها في إرتباك بسبب لفظ التودد، وضاقت من نظراته التي تحاول أن تسبر أغوارها منتظرًا أن يسمع إجابة محددة.

هتفت في ضيق:-

- ما الذي تريده مني الآن؟

وقف شامخًا بجسده واقترب منها قائلا:-

- الزواج مثلا؟

جحظت عيناها في ذهول لتتسع ابتسامته مستمتعًا برد فعلها ثم أردف:-

- اجلسي يا عزيزتي، لنتحدث.

شعرت بالخوف فهو يطلب أن يستولي على حياتها، وهي من عاشت وحيدة فترة من الوقت فقالت في ذعر:-

- أنا أرغب في الخروج من هنا.

لم يحاول أن يمنعها وقبل أن تخطو خارج الغرفة قالت:-

- أنا لا أحب تلك الألعاب، لذلك توقف.

لم يرد وتركها تعود إلى مكتبها بأرجل مرتجفة..

ابتسمت بمرح بينما تتذكر شعورها في ذلك الوقت، فقد كرهته أكثر للتأثير الذي يتركه عليها، واعتقدت بعدها أنه سوف يترك الأمر لكنها كانت بلهاء ففي الأيام التالية كان يشدد الحصار عليها بباقات من الزهور كل صباحٍ فوق مكتبها، وكلمات تودد يلقيها بين الحين والآخر ونظراته التي تلاحقها فضاقت ذرعًا من كل هذا، واندفعت بباقة الزهور التي حصلت عليها هذا اليوم تلقيها فوق مكتبه هاتفه في هياجٍ شديدٍ:-

- لقد اكتفيت من كل تلك الدراما التي تفعلها.

قال بهدوء:-

- أنتِ من تفتعلين الدراما الآن يا عزيزتي.

-توقف عن مناداتي هكذا، أنا لست عزيزتك.

أضافت بهياجٍ شديدٍ:-

- أنا لست أي شيء لك.

ابتسم قائلا:-

- لكنكِ هكذا فعلا.

كانت غاضبة للغاية حتى أن الدموع بدأت تطفر من عينيها غضبًا وألمًا، قالت:-

- أنا لن أكون أي شيء لك، هل من الصعب أن تدعني وشأني؟! أنا لست للعب، ولن أتحمل مثل تلك الألعاب لأنك تشعر بالملل ولم تجد غيري أمامك لتعبث معها.

ترك مكانه يتأمل دموعها التي طعنته في قلبه وقال بجدية بالغة:-

- أنا لا أعبث، أريدكِ حقًا زوجة لي.

كلماته التالية جعلت الهواء ينسحب من رئتيها فقد أردف بنبرة عادية وكأنه يخبرها عن حال الطقس:-

- أنا أحبك..

كانت فاغرة الفاه متجمدة في مكانها مما جعله يبتسم بلطف قائلا:-

- أنا حقًا أحبك، لقد عملنا معًا لمدة عام تخللته المشاحنات، وذلك كافي لأن أعرفك وأكثر من كافي لأقع في حبك.

بللت شفتيها وتلعثمت:-

- أنا..أنا...

قاطعها:-

- أعرف إنكِ ربما لا تبادليني مشاعري.

تابع بمكر:-

- لكني واثق إنكِ على الأقل لا تجديني منفرًا.

كان واثقًا من جاذبيته، وكانت لتكون كاذبة إذا أنكرت ذلك؛ فالرجل يكفي أن يمر بجوارها خاصة مع لطفه الذي أصبح يوجهه إليها مؤخرًا لتتسارع دقات قلبها في رقصة دبكة شعبية.

-سوف تحبيني غدًا أو بعد فترة، أنا لا أهتم بالمدة.. سوف انتظر لكن أريد كلمة تربطكِ بي.

ظلت صامته لا تملك جوابًا، وقد تملكتها الصدمة.

قال قصي بتفهم:-

- أعرف أن عائلتك قد توفيت لكني أرغب في أن أكون عائلتك، ومعًا نكون عائلة خاصة بنا، ومع أطفالنا.

أطفال!

هذا الرجل لا يسير بل يركض تجاهها فقد اعتبر موافقتها موجودة، ويستعد للحصول على أطفال، وبعد قليل سوف يبدأ في تسميتهم أيضًا.

كانت خائفة قلقة أن تمنح الإذن لشخص أن يكون له سلطة على حياتها بعد أن اعتادت أن تبقى وحيدة، كان الأمر مخيفًا للغاية، وكان يدرك ذلك فقال بثقة:-

- لن تندمي يا دارين إذا وافقتي.

تنهدت بحنان بينما الذكريات الحلوة تمر أمام عينيها، لقد كان محقًا فلم تندم أبدًا، فبعد أن أخذت أجازة أسبوع تفكر في الأمر حتى عادت ليستقلبها بلهفة جعلت رفضه مستحيلا، وما تلى ذلك كان خيالا.. التعرف على أمه التي استطاعت أن تشم رفضها عن بعد لكنه لم يبالي وأصبح يحتضنها كالدجاجة التي تعتني بصغارها.

لقد أيقنت حبها له في شهر العسل، ولم يكن السبب هواء باريس التي جعلها تقضي فيها أجمل أيام حياتها، لكنها فقط نظرت إليه وأدركت وقتها أنه لم يكن الشعور بالأمان الذي دفعها للزواج منه.. لقد كان الحب.

ضمت نفسها تتذكر تلك الليلة عندما اعترفت بحبها له، لقد قالتها ببساطة بينما يجلسون في غرفة الفندق يشاهدون فيلمًا.. فقط نظرت إليه وقالتها ليتأملها ببلاهة جعلتها تبتسم ثم غمرها حبًا، ومنذ ذلك اليوم لم تكن حياتها إلا حلمًا رائعًا معه.

تأملت خاتم زواجها في شوقٍ تتمنى العودة مجددًا إلى حلمها الجميل.



ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...