(ما أظن الأمر بيهمها)
(ما أظن الأمر بيهمها)
(ما أظن الأمر بيهمها)
ما الذي كان يقصده بذلك؟ بيان كانت تحبه، بالتأكيد سيهمها أمر زواجه بغيرها!
لحظة، لحظة، لحظة.. أربما كان يجهل بحب بيان له؟ ألهذا خطب وئام؟
لكن لا، لم يكن هذا منطقيا. لم يكن دافعا كافيا لخطو خطوة حمقاء متهورة كتلك..
(ما أظن الأمر بيهمها)
كان لديه الشعور أن سر دافعه يمكن في تلك الكلمات.
سأل بيان بحذر: بيان.. قبل لا أخطب وئام.. كان بيننا خلاف..؟
تجمدت بيان للحظة قبل أن تجيب، باديا عليها التفكير بعمق، مقطبة حاجبيها: لا.. كان الوضع زي ما هو..
كلماتها تلك بعثت فيه حيرة.
لماذا إذا؟
لماذا؟
:
سألته عندما بدأ يقود السيارة مبتعدا عن قاعة الأفراح التي حضرتها الليلة لعرس ابنة عمها: ساري لساته عند أمي؟
أومأ لها بنعم، مبقيا عيونه على الطريق: إيه، أصرت تبقيه عندها. بكرة الصباح بمر آخذه.
لم ترد أن يوصلها سائقها، أو بالأحرى سائق أمها الذي كان يوصلها أحيانا (خصوصا في فترة غيبوبة ياسر)، الليلة، فاقترحت على ياسر أن يمر بأمها لتعتني بساري في غيابهما ويوصلها هو. لم يمانع الفكرة، بل قال أنه كان يفكر فيها من اللحظة التي قالت أن لديها عرسا تحضره.
خلعت عباءتها حال دخولها لغرفة النوم، تتجه ببطء متقصد إلى الحمام، لكن لمسة يد على كتفها استوقفتها وابتسمت عندما سمعت ياسر يسألها بشيء من الاستنكار وراءها: وين رايحة؟
التفتت إليه، تمثل البراءة، ليضل رضاها أقصاه لرؤية الافتتان الصريح في عيونه: بروح أتجهز للنوم..
قربها منه: وما تخليني أتهنى بحلاتك الليلة؟
شيء في نظرة عيونه المشتعلة توقا كان مألوفا، جعلها تتذكر أول مرة اقترب منها ياسر.
كانت في ليلة حضرت فيها عرس أخت صديقتها لجين، وقد بذلت كل ما عندها لتظهر بأجمل منظر، تستفزه بغنج تدري أنه لن يؤثر فيه، فقط معجبة في سرها بفكرة تأثره من مظهرها.
لكن على عكس كل ما توقعت، فإن ياسر كان له ردة فعل، وردة فعل جامحة أيضا.
تذكر ضمه لها بقوة، وهمسه في أذنها بحرقة..
(ارحميني.. ما عاد في صبر..)
ظنت بعدها أنه سيكون في وضعهما تغيير، لكن أتى الصباح واستيقظت لوحدها، وتصرف ياسر كأن شيئا لم يكن.
أفاقت من ذكرياتها لترى ياسر ينظر إليها باستغراب قلق، يحتضن وجهها برقة بين كفيه: فيك شيء؟
ابتسمت، تحاول أن تخفف مخاوفه: لا أبد..
/
/
رمشت يارا بعدم استيعاب عدة مرات لرؤية جواد في قسمها. أشارت الصغيرة إليه هاتفة: عمة ميساء، عمي جواد معك!
سألها جواد بدوره بصوت خالطته الضحكة: مو إنتي كنتي تبغين تشوفيني هنا؟
أومأت يارا بنعم بحماس مسرور، ثم سرعان ما مطت شفاهها بضيق: بس لما يكون عمي جواد هنا عمة ميساء ما راح تعطيني أيسكريم..
عندها انفجرت ميساء بالضحك، تمسك بخفة بيد يارا تقودها إلى المطبخ: مين قال كذا حبيبتي؟ مافي أحد بيحرمك من الأيسكريم وأنا عندك.
سألتها يارا بتوجس وهي تجلس عند الكاونتر: حتى عمي جواد؟
ردت ميساء وهي تفتح الثلاجة: حتى عمك جواد، بقنعه إذا رفض..
سمعته يسأل عندهاا: وكيف بتقنعيني؟
لفت نظرها من جهة الثلاجة لتراه قد جلس جانب يارا، يترقب إجابتها ولمعة خبيثة تضيء في عيونه، لتجيب: عندي طرقي../ أردفت تغير الموضوع: أسويلك بعد؟
أجابها: إيه..
همس لها بينما يارا مشغولة بأيسكريمها، بنبرة رضا ناقضت التأنيب في كلماته: بتخربيها بتدلعيك..
لتهمس له بتحدي: إنت آخر شخص يتكلم عن تدليع يارا..
ابتسم عندها بإعتراف، مختارا الصمت، لا يستطيع الرد على ما كان صحيحا.
مرت ثلاثة شهور فقط منذ زواجها بجواد عندما توفي أخوه الأكبر سعد. رأت جواد ينهار حزنا بطريقة أدمت روحها، جعلتها تبذل أقصاها لتسانده في ذلك الوقت. على الرغم من اختلاف طباعهما، كان جواد قريبا جدا من سعد، صديقه وحافظ سره وخير أخ، وكنتيجة، كان ليارا نصيب كبير في قلب جواد، يفرط ويسرف في تدليلها.
أردفت، تنظر بحب مشفق إلى تلك الصغيرة التي لم تحظى بالعيش في كنف والديها. كيف أمكن لأمها أن تتخلى عنها هكذا؟: الله يحفظها..
التفتت تشتت نفسها عن هذا الواقع الحزين، تصنع لنفسها مخفوقا. شغلت الخلاطة بعد وضع مغارف الأيسكريم والحليب وقسط من القهوة وصلصة الشوكولاة، لتتناثر كمية قليلة من المزيج عليها من خلال فتحة الغطاء التي نسيت إحكام غلقه. تنهدت بحرقة، تتمتم بسخط وهي تعدل وضع الغطاء: كل مرة يصير كذا مع ذي الخلاطة الزفت. كل مرة..
سمعت خليطا من ضحكات يارا الرقيقة الطفولية العالية، وضحكات جواد العميقة الخافتة والتفتت لهما. هتفت يارا وهي تحرك يدها الممسكة لعدة مناديل: تعالي عمة ميساء أمسح لك وجهك!
لم يكن بوسع ميساء سوى الابتسام وهي تمتثل لأوامر يارا، تنحني لتسمح لها بمسح آثار الحليب والشوكلاتة المنثورة عليها. فحصتها يارا بنظرة وأعلنت برضا: خلاص مسحتها كلها.
ابتسمت لها ميساء بدفء: مشكورة حبي..
كانت ستخرج من المطبخ تتجه إلى الحمام لتغسل وجهها تأكدا عندما أحست جواد قد أحكم قبضته على رسغها، يمنعها من الذهاب. نظرت له مستغربة، ليقربها منه وتحسه يلثم جانب رقبتها برقة وسرعة خطفت أنفاسها وأذابتها. همست بحدة عندما سمح لها بالابتعاد، مستعيدة لصوابها، حامدة ربها أن يارا كانت مشغولة بما تأكله لتعيرهما أي اهتمام: يارا هنا!
ابتسم بأريحية غير مكترثة، سافرة الرضا والانتصار: كنت أكمل شغلها بس..
/
/
كررت زينة كلامه، تشعر بضيق غريب يخنقها: بتسافر؟
رد ليث بنبرة تعذر، يمسك بكتفيها كأنه يثبتها. ألهذه الدرجة ظهر ضيقها على ملامحها؟: إيه، للإمارات ولأسبوعين بس.. فيه معرض بيقيمونه هناك وأنا دُعيت كضيف..
أجبرت نفسها عندها على كبت ضيقها، تسأل: ومتى بتسافر؟
أجابها بسكون: بكرة الصبح إن شاء الله../ أردف يسأل بدوره: قلت اللي عندي.. اللحين وش اللي كنتي تبغين تقولينه؟
ابتسمت ابتسامة لم يصل ألقها إلى عيونها: بعدين بقولك لما ترجع من سفرك..
أصر عليها: متأكدة..؟
أومأت له بنعم، تمشي مبتعدة عنه. أشغلت نفسها في تجهيز حقيبته، تتجاهل خيبتها لعدم تمكنها من إخباره بما كانت تشك فيه وتأكدت منه. لكن.. كيف يمكنها إخباره وهو على وشك سفر؟
قد لاحظت في نفسها عدة تغيرات، من الإجهاد الغير مبرر والغثيان، وأهمها، انقطاع دورتها التي كانت كالساعة في انتظامها.
شكت وأجرت فحصا ليؤكد شكوكها، لقد كانت حاملا.
كانت تريد إخبار ليث بهذا الخبر ومعرفة ما يعنيه بالنسبة إليه، لأنها تذكرت سؤاله مرة لها عن ما إذا كانت تستعمل موانع، لتجيبه بلا، وعندما سألته عن سبب سؤاله، لم يجبها وغير الموضوع.
لم تهتم بذلك عندها، لكن الآن، في وضعها هذا، كانت تلك الذاكرة سببا لبعث التوجس فيها.
مضى وقت منذ أن زارت بيت أبيها. لكن، وعلى عكس تلك المرات في السنة الماضية، لم تزر ميساء بيته اليوم للمكوث بضع أيام فيه، بل زارته ومعها جواد الذي قال لها قبل كل شيء أنها لن تبيت عند أبيها الليلة.
كانت تناغي أخوها من أبيها ماجد في غرفتها القديمة، تاركة المجلس لأبيها ولجواد بعد فترة. ما زال أثاث الغرفة لم يُلمس منه شيء، وكل ركن منها ما زال يُعتنى به تحسبا لزيارتها.
سمعت صوت جواد يعلق، يقطع عليها أفكارها: غرفة الأميرة، صح؟
ابتسمت، فقد كان ذلك لقب أبوها لها في صغرها: إيه..
لكونها بنت أبيها الوحيدة، فقد دللها تدليلا، وكانت كل طلباتها مُجابة. فخامة غرفتها وحدها دلت ذلك.
جلس جواد جانبها، ينظر إلى الصغير في حضنها، الفضول الحيادي ظاهر في صوته: راضية بالوضع هذا؟
نظرت إلى ماجد لتبتسم بدفء، تفهم ما كان يقصده جواد بسؤاله: طول عمري كنت أتمنى إخوان لي، واللحين صار عندي. كبرت على حركات الدلع والاحتكار، والحمد لله أبوي أخيرا راح وشاف حياته. طيبة، زوجة أبوي. تداري مصلحته ومصلحة أخوي.
رفعت ماجد بمعنى: شوفه كيف ظريف حده. فديت خدوده المحمرة..
قال جواد عندها، تستشعر عذوبة مودته تحت تهكمه الساخر: ما يقلب حالك زي كذا غير الأطفال..
أتت زوجة أبيها لتأخذ ماجد تنومه، تاركة لهما لوحدهما في غرفتها القديمة. وقف جواد يتجه إلى الجدار الذي صُفت فيه أعمالها الفنية الماضية، لتقف هي جانبه تفسر: لما تركت الدراسة بعد ما خلصت الثانوي، كان عندي وقت كثير أشغله، وهدفي صار إني أعبي هالجدار.
سألها عندها: ليش ما كملتي دراستك؟
لم يكن موضوعا فتحاه بينهما، وكلما اقترب شيء ناحيته تجنبته. لكن الآن، وهو في هذه الغرفة، قررت أن تصارحه: تتذكر لما كنت صغيرة؟ كيف كنت باليالله أفهم؟ دوم كذا كان حالي في المدرسة. كرهت كيف الدراسة حسستني إني غبية وتركتها. ليش أتعب أبوي معاي؟
أكملت، تنطلق بابتسامة: تدري؟ المعهد كان نعمة من الله. لأول مرة أحس إني فاهمة وش ينقال، لأول مرة عندي زميلات يسألوني عن شي هم ما فهموه..
جعلها جواد تنظر إليه بخفة، لترى اليقين في عيونه وهو يقول: مانتيب غبية، مانتيب غبية أبد.. مو لازم تعرفين للأرقام أو اللغة عشان تكوني ذكية. فيه أبعاد ثانية للذكاء..
أشار إلى لوحاتها قبل أن يكمل: معرفة أي الألوان تنفع مع بعضها، اعطاء احساس معين للوحة.. هذي تحتاج ذكاء بعد. مشكلتك إنك قستي ذكائك بمعايير مو لك، لأن ذكائك فني..
أشاحت النظر عنه، محرجة: بس الفن هواية لي وبس..
ليجيب: هواية أو لا، رسمك خيال. ما عمري كنت أحب الرسم أو حتى إني أناظر في لوحات أو أقرا عن شي له علاقة بكل ذاك، بس من بعد ما شفت رسومك صرت مهتم، صرت أتابع..
كرسامة، هدفها الأهم كان التأثير بكل من ينظر لأعمالها. معرفة أنها أثرت في جواد بتلك الطريقة..؟
سرها، سرها وبشدة: متأكد ما تقول كذا لأنك تعرفني..؟
شخر بسخرية: إذا تظنين إني منحاز، أجل وش اللي بتقوليه عن ذولا اللي ركضوا وراي بعد ما اشتريت لوحتك؟ حتى زميلي في الشغل ما سلمت منه يبغى زيها.
تهدج صوتها من الصدمة: إنت اللي اشتريت لوحتي..؟
عندها، بدا جواد كأنه أدرك زلته، يلتفت بسرعة خارجا ويتمتم شيئا عن انتظارها في السيارة، غير معطي لها الفرصة بالضغط عليه بالسؤال.
/
/
مضى أسبوع منذ سفر ليث، أسبوع أحست فيه بطعم الشوق المر. أحاسيس عدة مرت بخاطرها منذ زواجها بليث، بألوان وأشكال لم تعرفها من قبل.
كم كان الشوق باردا وحيدا، سارق للنوم وللخواطر والفؤاد.
اعترفت زينة في سرها أنها رغم كل حذرها.. أحبته. أحبته بشغف جامح حر، مستوليا على كل زاوية وركن في قلبها.
سمعت صوت نوف تقول بنبرة مكر: هذي المرة العاشرة اللي تتنهدين فيها من جلستي عندنا..
ويبدو أنها كانت تعدي جود بأطباعها، فهي أردفت بنفس النبرة: وكل ما يجي طاري أبوي تزيد تنهيداتك صوت..
احمرت زينة خجلا وحرجا وغيظا. ألهذه الدرجة كانت مكشوفة للملأ؟: ومتى أمداكم تلاحظوا وإنتوا لساتكم تتساسرون في أخبار التويتر؟
ابتسمت جود بإشراق: ما دامنا نتكلم عن التويتر، شفتي آخر تويتات أبوي؟
أجابت زينة بالنفي، لم تكن بالتي تستخدم التويتر كثيرا. أحيانا كانت تضع خاطرة تناسب اليوم، أحيانا اقتباسات أعجبتها، وهكذا.. معظم الوقت كانت تستخدمه لمتابعة الأخبار، ومضت فترة معتبرة منذ أن سجلت دخولها.
بحماس جلست نوف وجود على جانبيها، ووضعت جود جهاز الأيباد خاصتها في النصف عندها تريها.
بين كلامه عن ساعات حضوره للقاعة التي يقام فيها المعرض، وإجابته أسئلة معجبيه عن حبكة رواياته، رأت أبيات شعر تتسلل بينها، بأسلوب مبهم للكل، لكنه واضح صريح لها.. المعنية بها.
ضحكت نوف بخفة: والله اللي يقرا روايات أبوك المليانة مؤامرات وسياسة وتخطيطات ما يتوقع كل ذي الرومانسية تطلع منه.
لترد جود بعد لحظة تفكير: تصدقي، هذي أول مرة أشوفه زي كذا..
قالت عندها زينة بحزم يناقض وجهها القاتم حمرة: تراني بينكم، سكروا ذا الطاري.
هتفت نوف: استحت أميمتي يحليلها!
لتعقب بعدها جود بابتسامة متسلية مسرورة: بقول لأبوي يخفف العيار عليك. ما نبي تذوبي حيا علينا.
:
أقرها مسبقا، أليس كذلك؟ حقيقة عجبه من عيشه بدون زينة جانبه لسنوات طوال. طيلة فترة غيابه، أحس بشيء مفقود فيه، بفراغ ينبض كالجرح.
لم تكن زينة زوجته وحسب، بل كانت نظيره أيضا. شخص لطالما أراد أن يكون جانبه، يعطيه رأيا صادقا لا مجاملة فيه. لم يظن أبدا أنه سيلقى هذا الشخص في زوجة.
كم كانت سياط الشوق المتيمة قاسية. حقا، لا يكفيه مكالمته لزينة كل ليلة. يريد رؤيتها قبل نبضه التالي..
"يا طول ذي المعارض.."
كعادته اتصل بها في الليل، ليستقبله صوتها الناعم المريح: هلا ليث..
تنهد بولع وهو يسمع اسمه كنغمة موسيقية بين شفتيها. ما بالها صيرته كالمراهقين زخما؟: كيفك زينة؟
كعادتهما انطلقا في الحديث، تارة عن أخبار المعرض، وتارة عن أخبار البيت.
بدأت حينها: جود ورتني وش اللي حطيته في حسابك في التويتر..
ابتسم: لو الود ودي كنت حطيت بيت ورى بيت باسمك، بس أغار أحد ينطقه غيري.
ضحكت حينها زينة برقة: يا حلو لسانك لما تبغى./ أردفت ونبرة جديدة جديدة اضفت نغما إلى صوتها: أشوف معجباتك طايحين على التجديد في حسابك..
رد: ويا حلو الغيرة عليك..
غريب، كيف أنه لم ينزعج من فكرة غيرتها عليه نظرا لتجاربه الماضية، بل سرته حد النشوة.
سمع البسمة في صوتها رغم جدية نبرتها: أجل بقولك من اللحين، صح إني كنت أدري بواقع إن لك معجبات بالهبل، وصح إني ما اتخذت قرار الارتباط فيك إلا وأنا واثقة إني قدها، بس هذا ما راح يمنع حقيقة إني أغار وبغار عليك.
همس عندها، لا يستطيع منع الكلمة من الإفلات منه عندما أدركه الشعور بها بقوة كاسحة، لا يريد: أحبك..
بقيت زينة صامتة، حتى أنه ظن للحظة أنها أقفلت الخط، ليأتيه صوتها المتهدج: توقيتك غلط..
ابتسم بانتصار: أنا عندي الاعتقاد إن ما في توقيت لإعلان مشاعرك.
لترد ومازال صوتها مبعثرا: وأنا عندي الاعتقاد إن فيه وقت وموضع تعلن فيه مشاعرك، مو على التليفون..
استحثها، يدرك تلميحها: يعني أفهم من كلامي إن لك كلام لي لما أرجع من السفر..؟
همست بعد لحظات: إيه..
كم سيتلظى بجمر الانتظار: دافع ثاني أعجل بالرجعة.
/
/
استيقظ ياسر بشهقة مذهولة خرجت من أعماق روحه. مرر أصابعه في شعره يحاول ضبط نفسه، استيعاب ما حصل في منامه.
الليلة.. الليلة رأى لأول مرة في ذاك الحلم.
رأى غرفة، رأى طاولة مكتب يكتب عليها، رأى القلم الأسود الذي كان يكتب به.
لم يكن حلمه حلما، بل ذاكرة ما!
نهض من السرير ولم يلحظ أنه أيقظ بيان معه إلا عندما تبعته خارج غرفة النوم. سألته بقلق، ربما ترى النظرة الهاذية في عيونه: وش فيك يا ياسر..؟
ليسألها بدوره: في ذا البيت غرفة فيها طاولة مكتب؟
قطبت حاجبيها باستغراب، قبل أن تومئ بنعم: إيه، فيه مكتبك، بس هو مقفول. أظن عندك مفتاحه مع مفاتيح البيت الباقية.
تذكر ياسر احتفاظ المستشفى لحاجياته التي كانت معه عندما أحضرته سيارة الإسعاف، وقبل أن يخرج أخذها. كان من ضمن تلك الأغراض مفاتيح البيت والغرف كلها.
أخذ المفاتيح معه وتبع بيان إلى باب غرفة في زاوية خالية من البيت. لم يعرف أي مفتاح سيفتح الباب فجربها كلها، وبعد عدة محاولات انفتح.
قالت بيان عندها: تصدق، متعجبة ما سألت عن ذي الغرفة قبل، كنت تروح هنا وتقفل على نفسك في أنصاص الليول، حتى في أيام الإجازات../ أردفت وهي تلقي نظرة متفحصة حول الغرفة الصغيرة بينما هو أنخرط في البحث على المكتب: أول مرة أدخلها، ما هي زي اللي توقعت.
كلامها هذا أكد شكوكه، أعطاه سببا لاستيقاظه المستمر في تلك الساعات المتأخرة من الليل، عزز من صحة ذكراه.
انخرط في البحث أكثر، وسمع بيان تسأله: وش اللي قاعد تدور عليه بالضبط؟
أغلق كتابا آخر ووضعه جانبا: مدري.. لما أحصله بعرف..
عندها لاحظ أن طاولة المكتب كان لها درج، لكن عندما حاول فتحه وجد الدرج لا يتزحزح من مكانه، مغلق بإحكام بمفتاح خاص به.
رجع بالنظر إلى المفاتيح التي يمتلكها، ليرى مفتاحا صغيرا لم يكن ينتمي إلى مفاتيح الأبواب بينها. وعندما جرب ذلك المفتاح، تمكن من فتح الدرج.
داخل الدرج كان يوجد سجل وقلم باللون الأسود..
رأى بيان تشير إلى السجل بطرف عينه: هذا اللي كنت تدور عليه..؟
أومأ لها بنعم، اليقين واضح في صوته عندما قال: هذي يوميات..
تذكر عادته في كتابة يوميات من حين لحين لأغراض الدراسة ومن ثم العمل. كان كثير النسيان فيما يخص شخصه، وخشي أن ينسى تفاصيلا مهمة قد تؤثر على مستقبله وأهدافه.
عندما فتح على الصفحة الأولى، رأى التاريخ المكتوب على الطرف لينظر إلى بيان ويقول: أول صفحة تاريخها قبل ثلاث سنوات..
فغرت بيان فاهها بصدمة، لتعتليها عندها الجدية والتوجس: تبغاني أخليك تقرا لحالك..؟
هز رأسه بـلا: اقعدي.. عندي احساس إن اللي مكتوب هنا بيهمك إنتي بعد..
انتهى البارت..
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!