يبدو أن ليث كان مستعجلا، لأنه جعل موعد عقد قرانهم بعد أسبوعين، بالضبط عند بداية إجازة نهاية السنة للطلاب. باعتبار هدفه من الزواج، فإن زينة لم تكن متفاجئة من ذلك.
لتجربتها السابقة، وكونها ساعدت كثيرا من صديقاتها في التجهيز لزواجاتهم، لم تضيع زينة وقتا في البحث وشراء كل ما ستحتاجه، وحتى مع كل مشترياتها، بقي من المهر الضخم الذي قدمه لها ليث الكثير الذي ستفكر لاحقا ما تفعل به.
طلبت زينة حفلا بسيطا، وهذا ما حصلت عليه.
كانت تتفحص نفسها في أحد غرف القاعة المستأجرة لحفلها. كانت ترتدي فستان زفاف سكري اللون، طويل شفاف الأكمام، مزين بكريستالات صغيرة عند الصدر، ومنساب بنعومة حتى ذيله. صُفف شعرها بتسريحة بسيطة عملية لكن راقية، وزُين وجهها بزينة أبسط، أبرزت مواطن الجمال فيها.
ظلت نوف تنظر إليها بانبهار بعد ذهاب المزينة، تاركة لهما لوحدهما: هذي أمي ولا غلطت الغرفة..؟
ضحكت زينة، مسرورة لأن مظهرها نال إعجاب ابنتها: يجي مني صح؟ وقولي ما شاء الله.
أومأت نوف بكل حماس وهي تردد وراءها بـ"ما شاء الله": اليوم بس دريت إن أمي كشخة!
قطع عليهما صوت طرق الباب الخافت، لتدلف داخلا جود بعد الإذن بالدخول. ابتسمت لها زينة لرؤية الخجل والحرج باديا عليها. لا تلومها، فهذا الموقف لم يكن بالإعتيادي: هلا بمن جانا.. قربي يا جود، قربي!
سألتها عندما جلست: أحوالك؟ كيف كانت الاختبارات؟
أجابتها بخفوت، تبدو أكثر ارتياحا بقليل: الحمد لله بخير، والاختبارات كانت سهلة، خصوصا حقك.
هتفت نوف عندها: من بركات زواجها أكيد!
لتعارض جود بابتسامة: لا والله، دوم اختبارات أبل—قصدي خالة زينة عسل..
نظرت زينة إلى نوف بافتخار: شفتي؟/ قبل أن ترجع انتباهها إلى جود: جود حبيبتي، عادي لو لخبطتي. أنا كنت معلمتك قبل كل شي. عاميليني زي ما تحبين لين ما تتعودين.
أشارت إلى نوف التي كانت تتفحص جود بفضول باسم: وهذي بنتي نوف، توها خلصت أولى ثانوي.
تقدمت حينها نوف إلى جود وهي تهتف: أخيرا التقينا! من يوم ما أمي قالت إن عريسها عنده بنت بعمري وأنا متشوقة أشوفك!
لم تحتج نوف إلى الكثير حتى تبدأ هي وجود في الانخراط بالكلام. ربما كان هذا سلاحها الأكثر فتكا، طبيعتها البشوشة المحببة ونزعتها لعقد الصداقات إين ما كانت.
نظرت زينة إلى الفتاتين بابتسامة، ملاحظة التقاء الأضداد فيهما. فبينما كانت جود خجولة، كانت نوف منفتحة. بينما كانت جود ذات جمال ناعم تخمن أنها ورثته من أمها، بشعرها العسلي الطويل، عيونها الزيتونية، وبشرتها شديدة البياض.. كانت نوف ذات جمال حاد، وارثة من أبيها أكثر منها، بعيون بنية وبشرة حنطية صافية. لون شعرها البني القصير كان أبرز ما ورثته منها. حتى في اللباس، كانتا العكس. فجود كانت ترتدي فستانا أحمرا طويلا طويل الأكمام، بينما نوف كنت ترتدي فستانا صيفيا إلى الساقين دون أكمام، ذا لون سماوي مبتهج.
دعت ربها أن تلقى الفتاتان صديقة في إحداهما الأخرى..
:
كانت جود حذرة بطبيعتها، لكن مهما حاولت الإنكار، فإنها كانت تستبشر خيرا في زواج أبيها بمعلمتها زينة. في بادئ الأمر كانت نموذجا مغايرا لما تعودته من زوجات أب، وبالإضافة أنها كانت تستلطفها مسبقا، بل فكرت لحظة عندما عرفت أن لها ابنة بحظ تلك في كون أستاذة زينة أما لها.
تعرف أن لديها الكثير لتتعود عليه بخصوص هذا الأمر كله، لكنها وللمرة الأولى لم تكره ذلك أبدا، بل تشوقت له.
بعد الزفة بقيت جانب الأستاذة زينة تفصح بهمس عن هوية النسوة اللاتي سلمن عليها، شارحة لها كبداية أن أبوها كان الولد الوحيد بين أختين.
عن المرأة المسنة التي بدأت في السلام عليها قالت: هذي جدتي مروة. بتشد عليك في الأول لأنها شافت من زوجات أبوي اللي ما يسر. بس هي طيبة ومن الحين باين إنك عجبتيها.
عن المرأة اللابسة والمتزينة بالمبهرج واللافت قالت: هذي عمتي العنود، الصغيرة. شوي بتكون زعلانة لأن من فترة تلمح عن عروس عندها لأبوي، بس بتلين..
عن المرأة التي لم تخفي ازدرائها، اللابسة كأنها حاضرة لجنازة قالت: هذي عمتى منيرة، الكبيرة. معاها اصبري.. اصبري لين الله يكتب فرج..
عن المرأة التي نظرت إلى الأستاذة زينة بنظرة تقييمية، اللابسة للخفيف الضيق العاري قالت: جاء السيرك.. هذي طليقة أبوي الثانية، سماهر، وأكثر وحدة تحاول فيه إنه يرجعلها. طنشيها.
ابتسمت الأستاذة زينة بتهكم وهي تتلقى كل كلامها، لم يبد عليها الذعر أو الخوف، بل التخطيط والتفكير.
:
غريب كيف أن التوتر اعتراها فقط عند دخولها باب البيت الذي أصبح بيتها. أصبحت تتشاغل بتعريف ليث لأركان البيت عن التفكير بما سيحدث لاحقا. لكن سرعان ما أدركت عندما طلب ليث من جود إرشاد نوف إلى الغرفة التي جُهزت لها أنهما بقيا لوحدهما. سألها، ضاما يدها في دفء يده: مشينا؟
فقط أومأت بنعم، فجأة تجد الكلمات في حلقها متوقفة دون حراك.
دخلا إلى جناحه المبهر، لكن توترها منعها من التمعن في تفاصيله. بدلت ملابسها بقميص نوم حريري متواضع التكشف. كانت على وضوء فلم تضطر إلى مسح زينتها.
ارتدت جلال صلاتها ثم صلا ودعا هو بالدعاء المأثور. شعرت بأغلب التوتر ينساب منها عندما جلسا على السرير.
خجلت من الطريقة التي كان ينظر فيها ليث إليها، كأنه مأخوذ مسحور. لم تعتد تلك النظرات أبدا، فتجربتها الأولى كانت مليئة بالتهميش والبرود وأحيانا الازدراء..
نفضت غبار ذكرياتها عنها، فهذا لم يكن الوقت في التفكير في زواجها السابق.
بدأ هو في الكلام، بابتسامة وجدت أنها تسحرها كلما تلقتها: لك من اسمك نصيب هائل، ما شاء الله../ أردف بعدها والاعتذار يقطر من نبرة صوته: السموحة عشان ما رتبت سفرة لنا، ظروف عملي الحالية ما تسمح، وأوعدك بالتعويض في أقرب فرصة..
قطبت حاجبيها بعجب: عادي يا أبو جود، ماله داعي كل ذي الكلافة. إنت ما قصرت معاي أبد..
لوهلة بدا كأنه متفاجئ من ردها، لتتبدل ملامحه بالرضا، يمد يده ليمسح بإبهامه على شفاهها بخفة، ويهمس بعمق ذو معنى: مرة أستاذ ليث، ومرة أبو جود.. متى بنسمع ليث منك؟
شعرت بجسدها يغلي بحرارة خجل كاسحة، بقلبها يتفجر نبضا، وقبل أن تستطيع الرد وضع شفتيه محل ما تحسسه إبهامه، ملثما لها بعمق حريري سرق صوابها.
/
/
أتى ميعاد زيارة مزرعة جدها عمر، ميعاد تجنبته لعدة مرات بعد تدهور الحال عليها. لم تكن تحب تلك الزيارات، ليس لأنها تكره جدها لا، بل لأن اجتماع العائلة لأيام عنده دائما ما أشعرها بالنبوذ. وبعد ما حدث قبل سنة؟ تتوقع أنها ستكون محل ازدراء الكل. وما أصعب شعور الغربة وأنت بين أهلك.
تذكرت لحظتها تعريفها للعائلة الذي قدمته ليارا مرة..
لجدها سعيد أربعة: بكره عمها طلال، عمتها هدى، يليها عمها متعب، ثم الأصغر أبوها.
لعمها طلال ثلاثة: بكره سعد المرحوم والد يارا، جواد، وبشاير.
لعمتها هدى اثنان: دانية وسامي.
لعمها متعب خمسة: بثينة، سميرة، عبد العزيز، نايف، والصغرى لمى.
ولم يكن لأبيها سواها وماجد.
كل أولئك، كانت ميساء تحت أنظارهم في كل زيارة، كيف لا وهي ابنة منى التي لم يرضى أحد زواج أبيها بها لعداوة قديمة بين العوائل، منى التي تزوجها أبوها كرد دين لشقيقها الذي ساعده مرات لا تحصى في دراسته في الخارج، منى التي ظل أبوها معتزل النساء بعدها حتى وقت قريب؟
بينما تقبل جدها وعمها طلال زواج أبيها في النهاية، لم ينطبق ذاك الحال على عمها متعب وعمتها هدى، وتحفظاتهما ورثاها لأولادهما، أمر أصبحت تتوجس منه كلما كبرت وأدركت ما يحصل حولها.
لكن هذه المرة لم تستطع تجنب الأمر، فقد طرأ سفر عمل على أبيها ووصاها أن تزور جدها وتوصل سلامه إليه.
تنهدت وهي تحزم أمتعتها، ستكون هذه الزيارة كابوسا بحق.
كادت تضحك ببرودة عندما خرجت ورأت لمى قد احتكرت سيارة جواد لها، وبسبب ذلك فإنه سيكون عليها ركوب سيارة عمها طلال وزوجته عبير. أمر لم تحبذه، فبينما هي تحب عمها حبا عظيما، لم تكن هي والعمة عبير على وفاق. تمنت لو شريف كان من يوصلها، لكنه كان في إجازة يقضيها مع عائلته منذ البارحة.
:
طول الطريق كانت إما مشغولة مع يارا، إما تجيب على أسئلة عمها الودودة، وإما كانت على جوالها، تارة تلعب لعبة وتارة تقرأ رواية حملتها.
لم تلاحظ توقف السيارة في محطة إلا متأخرا، بعد أن خرج الكل.
نزلت من السيارة تتجه إلى محل التموينات الخاص بالمحطة، تشتري ما تفطر به بالإضافة إلى حلوى تعطيها صغار العائلة الكثرى. وعند المحاسب كانت تهم بالدفع.. إلى أن جواد سبقها في ذلك، حاملا ما اشترته قبل أن تعترض.
اكتشفت وهي تلحقه أن الكل قد انتهى من قضاء حوائجهم المختلفة. أكانوا ينتظرونها؟
رتب مشترياتها في الخلف وأعطاها الكيس الصغير الذي خصصته لما ستتناوله الآن. عندها همست له بـ: مشكور.
لا تدري حتى إذا سمعها فقد مشي مبتعدا. ويالعجب حالها، صادفته هذه الأيام الأخيرة أكثر مما صادفته لسنة.
ظلت تفكر، مشتتة، لدرجة أنها نسيت الأكل. وجدت السيارة تتوقف أمام أرض فضاء بعد فترة قصيرة. رأتهم قد افترشوا لهم مكانا على الأرض، ناوين الإفطار في جو هذا الصباح الرائع. لكن ميساء فضلت البقاء في السيارة، رافضة بلطف عرض عمها ويارا بالخروج.
قضت فترة في السيارة لوحدها قبل أن ينفتح باب السائق، لكن بدل عمها كان الداخل جواد.
رأته يبحث في أحد الأكياس، لتسأله مخفية توترها، كلماتها الأولى له منذ سنة: وش تدور عليه..؟
تجمد عند سماع صوتها. هل فاجأته؟ ألم يكن مدركا أنها كانت في السيارة؟
أجابها أخيرا: موية..
التفتت إلى كيسها تبحث فيه عن قارورة ماء، لتحسه قد أخذ القارورة التي كانت تمسكها، التي كانت تشرب منها. قال قبل أن يخرج، قاطعا لأي اعتراض قد يتشكل في بالها: هذي بتكفيني..
خرج ليتركها مذهولة مستغربة منه أشد الاستغراب، مسلوبة النفس من الفوضى الذي يحدثها فيها مرآه.
/
/
ارتاحت بيان لمعرفة أن حاضري مسجد الحي اهتموا بياسر عندما حضر الصلاة. لا تدري من أين عرفوا بحالته، لكنها لا تهتم. المهم أنها لم ترى الضياع في عيون ياسر وهو يحكي عما حصل.
سألها بعد أن أفطر، يراقبها وهي تطعم ساري باهتمام: إنتي أمس نمتي عندي..؟
تجمدت للحظة، ثم نظرت له بابتسامة: لا، نمت أنا وساري في غرفة ثانية..
أتى عندها سؤال توقعته: ليه؟
سألت بدورها تتحايل: أمس ما تقدر تناظر لي، واليوم تسأل ليه ما نمت عندك؟ وش التطور هذا..؟
للحظة احمر وجهه، لكنه سرعان ما تمالك نفسه وأصر بملامح جلدها بالجدية: ليه يا بيان؟
أجابته بتمويه، بنصف حقيقة: أبغاك تتعود أول.. مو لازم العجلة..
نظر إليها للحظات صامتة، باديا عليه الشك في جوابها، لكنه لم يسأل بعدها، وأخذ منها الصحن الذي كانت تطعم منه ساري والملعقة، ليطعمه بدلا عنها.
الحقيقة.. الحقيقة التي لم ترد كشفها الآن على الأقل، أنها هي من لم تكن متعودة..
فغالبا، هي وياسر لم يناما في غرفة واحدة.
مر أسبوعان منذ زواجها بليث.. أسبوعان كانا من أكثر أوقاتها إثارة للاهتمام، كافيان لقلب موازين العالم الذي كانت تعيش فيه سابقا.
لم تعتد هذا الدلال. لطالما اعتادت زينة الكفاح، تناسي احتياجاتها والتركيز بالأهم. لم تعتد هذه الراحة، هذا الكرم من زوج.
لكن ليث كان كريما بماله، باهتمامه، وبكلامه المنمق الرائع، الذي دائما ما نجح في إخجالها حد الصمت. أظهر بكلماته ونظراته ومعاملته لها الأنثى فيها، الأنثى التي لم تدرك أنها كانت مدفونة منذ الأزل، تحت أكوام وأكوام من الجحود.
بدأت تخشى على نفسها، كيف أنها بدأت تتعلق بليث في أيام قليلة، تنبئ لها بامتداد كاسح بعد أيام وشهور وسنين أطول..
وإذا حدث وأتى خذلان.. فإن الضربة ستكون أشد وأكثر فتكا..
دار ما أجابت به جود عن سؤال نوف هذا اليوم في بالها، عن سبب طلاق والدها المتكرر..
(أمي ميريام كانت زميلة أبوي في دراسته برا، وماتت هي وأنا عمري سنتين. كان يمدحها كثير، ويقول إني ورثت كثير عنها.
لما رجع أبوي للبلد معاي، ألحت عليه عمتي منيرة يتزوج، ولما وافق، كانت اللي تبغاها له سماهر، بنت صديقتها. من ناحية حب، سماهر حبته، لكن من اللي سمعته من جدتي، فمشكلتها إنها كانت مهملتني بشكل فظيع. أبوي طلقها بعد ما تكررت لي حوادث بسبة إهمالها.
مرت كم سنة وأبوي متجنب طاري الزواج ومشغل نفسه فيني.. إلى أن ترجته عمتي منيرة يجرب مرة ثانية. إقناعه ذيك المرة ما كان سهل، بس في النهاية وافق. كانت اللي اختارتها ليان، أخت صديقة ثانية لها. ليان كانت أهون من سماهر من ناحية الاهتمام فيني، لكن مشكلتها إنها كانت غيورة بزيادة. حتى وأنا صغيرة لاحظت إنها كانت تخنق أبوي بأسئلتها، وأبوي ما ساعد بطبيعته المفتوحة مع الكل. كانت شهرة أبوي مزدادة ذيك الأيام، وبالنسبة لليان كان ذاك الواقع كابوس. في النهاية ما استحملت ذيك العيشة وطلبت من أبوي يطلقها.
بعدين جت هيفاء. ذي المرة عمتي العنود هي اللي طرحت فكرة الزواج مرة ثانية لأبوي، وترجته لشهور لين رضخ. يمكن كان عنده أمل إن بيكون فيه تغيير إيجابي لأنها ذي المرة جت من مصدر ثاني. هيفاء كانت في نفس الحلقة الاجتماعية مع عمتي. ويا سبحان الله، جمعت الإهمال مع الغيرة مع الدلع الزايد. حتى لما بغى أبوي يطلقها سوت سالفة وطولتها بكذب وتهديدات.
من بعد ما طلقها، أبوي عاف طاري الزواج كله..)
تساءلت زينة إذا كانت هناك لحظة كان ليث مثلها، يحاول المضي وإصلاح زيجة فاشلة منذ بداياتها. تساءلت أكثر عن وجهة نظره، عن جانبه من القصة.
:
أسبوعان مع زينة، وشعر ليث أن الدلال أفسده.
لم يعتد اهتمام أنثى كما تفعل زينة معه. لم يعتد هذه المداراة. لم يعتد زوجة توقظه للصلاة، تجهز له ما يلبس، تهتم بما يأكل، تسأل عن أخباره وتبدو حقا مهتمة لها. لم يعتد أنثى تتعامل معه دون أن يكون الغنج المصطنع مكتسيا لكل أفعالها، دون أن تشتبه كل حركاته.
كيف كان يعيش من دونها؟ لا يدري، لكن زينة صارت إدمانا له لا يتخيل تركه للحظة.
أصبح يتصيد جعل الحمرة تغمرها، أصبح يهدف لحفظ ابتسامتها في قلبه، أصبح يشتاق لقربها وهي على بعد خطوات..
ما الذي كان يحدث له؟
/
/
لم يكن أمر التأقلم مع وضعه الجديد بالصعوبة التي توقعها.
زملاءه في العمل لم يقصروا في إعلامه بكل مشاريعهم القائمة والسابقة. أصدقاءه الجدد الذين اكتسبهم في السنين الأخيرة عرفوا له عن أنفسهم فردا فردا مرة أخرى. وكذلك فعل جيرانه ورفقاء المسجد.
حتى ابنه ساري ساعده بطريقته الخاصة، وسرعان ما وجد ياسر نفسه يشعر بمشاعر الأبوة التي لم يؤثر عليها فقدانه لذاكرته.
قد يكون متيبسا في كبرياءه أحيانا، لكن الآن لم يكن بوسعه رفض المساعدة، ولن يفعل. يريد استعادة ذاكرته اليوم قبل الغد، وسماع أخباره من آخرين كان بديلا أراحه.
النقطة الأكثر غموضا في حياته كانت، وياللعجب، زوجته. فحتى مع دعمها اللامتناهي له، أحس بشيء تخفيه عنه، نقطة معينة تمشي حولها دون الكلام عنها.
لا يريد معرفة شيء بقدر ما يريد معرفة بيان، كشف الغموض المحيط بها.
تذكر عندما رآها للمرة الأولى، بعد استيقاظه على تلمسها الرقيق لملامح وجهه. أبهرته، أبهرته من بحر عيونها ذو اللون الشبيه بالقهوة، إلى غمازتها التي أبرزتها ابتسامتها، أبهرته حتى نسي أنه لم يكن يعرفها، أنه يجب أن يغض بصره. يذكر كيف سأل وقلبه يقرع طبولا عن هويتها، كيف ارتاح ولم يصدق حظه بمعرفة أنها كانت زوجته.
كانت بيان ما خفف عنه حمل واقعه الثقيل، هذا العالم الذي كان فيه شبه ضائع. من اللحظة الأولى ساندته، وفكر كم أحسن الخيار فيها.
تحرق شوقا إلى زياراتها، إلى رؤيتها وسماع ضحكاتها، بطريقة مفضوحة جعلته موضوع الممرضات المفضل.
لكن، على الرغم من عفوية تعاملها معه واهتمامها الواضح به، فإن بيان كانت تبقي حاجزا خفيا بينهما.
لذا، قرر أن يدرس تصرفاتها معه في البيت، مبقيا أسئلته قليلة، ويرسم مخططا يدله لاستنتاجه.
يذكر مرة سألها عن تعامله معها كزوج، لتتجنب السؤال ببراعة مغيظة، كأنها معتادة على تجنب إجابة أسئلة كهذه.
"في شي غريب في حياتي معاها.."
وهو كان لديه الشك أن السبب كان هو.
/
/
رجع طلال من محل التموينات، مقطبا حاجبيه لرؤية مقعد ميساء خاليا: لسى ما رجعت ميساء؟
أجابته عبير باستغراب: لأ، لسى.. ما راحت عندك؟
هز رأسه بالنفي، ليجرب الذهاب عند ابنه. سأله: ميساء عندك؟
رأى التوجس في عيون جواد من سؤاله، مجيبا له بالنفي وهو يتجه إلى محل التموينات ليبحث فيه: لأ، مهيب عندي.
لكن مهما بحثا في محل التموينات، مهما سألوا في المصلات، لم يعثروا عليها. عرضيا سمعا ذعر امرأة تهتف أنها اتصلت بالشرطة لرؤيتها حادثة اختطاف حصلت عند دورة مياه النساء.
لم يكد ينطق طلال بكلمة إلا وجواد يقول: خذ لمى عندك ووصلها البيت..
كان تعبيره قاتما مظلما، ناويا كل الشرور.
يذكر طلال هذا التعبير المرتسم على وجه ابنه، يعرف هذا الجموح الذي لا يظهر إلا عندما كان الأمر متعلقا بميساء.
امتثل لما قال وذهب يكلم ابنة أخيه لتركب معه بدلا من جواد.
:
أفاقت ميساء على تلمس مقرف لوجهها، لترى عيون خاطفها الملثم تبرق بالرضا السافر. رأت نفسها مربوطة إلى عامود معدني بحبل سميك وبإحكام، في أرض فضاء لا روح فيها. "تجهز زين، السافل..!"
رأت طرحتها ونقابها مرميان جانبها، لكن عباءتها ما زالت عليها.
شعرت بشعور ذعر بارد يتسلل لاقتراب الخاطف منها، يمسح بعيونه على تقاسيم جسدها المستورة. أخذت تلهج بالدعاء في سرها، تشعر بالدموع تنزل صامتة على خديها لموقفها. حاولت تمثيل الصلابة بقولها، ناوية إضاعة الوقت ولو بدقيقة: لساتنا قريبين من نقطة تفتيش. لو اقتربت مني شبر بلم عليك الناس كلها!
لم يكترث واقترب، لتعض على يده عندما امتدت إليها. صفعها بكل قوة حتى أحسن بطعم الدم في فمها، لكنها لم تكترث أيضا وأخذت تتلوى في مكانها، تعض أي شيء يصلها منه، تصرخ بكل ما أوتيت من قوة. لم تكترث حتى عندما وضع السكين بتهديد على عنقها، بل فضلت الموت على ما يبتغيه: ما بتتهنا فيني وأنا عايشة! ما بتتهنا!
كان هذا كفيلا باستفزازه إلى درجة لكمها بكل غضبه. شعرت كأن فكها ينفصل من محله للحظة. بصقت الدم الذي تجمع في فمها بوهن، لكنها رجعت بالنظر إليه بثبات: اذبحني أفضل لك..
رفع يده ليوجه لها ضربة أخرى، لكن قبل أن تأتي أتى ذاك الصوت الهادئ آمرا: بعد عنها..
رفعت نظرها فإذا هي ترى جواد واقفا والشرر يتطاير من عيونه، غضب قاتم مرتسم على تعابير وجهه الجامدة عادة.
تركها الخاطف لينقض بالهجوم عليه، لتراهما يخوضان في عراك مميت. لمحت الخاطف يطعن فخذ جواد بسكينه قبل أن يقلب عليه جواد الآية وينهال عليه باللكمات التي أودت على الخاطف بالإغماء..
عندما رأت الخاطف يسكن تحت جواد دون حركة، صاحت توقظه من هياج غضبه: خلاص! خلاص، انغمى عليه! تكفى لا تموته وتدخل نفسك في مشاكل مالها نهاية!
كررت وهي تشهق بدموع لم تدرك أنها تذرفها، تراه يتوقف ليلتفت لها، قبضات يديه مضرجة بالدماء: خلاص يا جواد.. راح شره..
وقف بصعوبة عندها، يلتقط السكين الملقى على الأرض، ويجر الخاطف من قدمه. فك أسرها من الحبال ليقيد الخاطف بها، رابطا له بالعامود المعدني. رأت جواد يتهاوى في وقوفه لتقترب منه وتجعله يستند عليها، ماشية معه إلى السيارة.
سمعته يزفر: أقدر أمشي..
لكنها تجاهلته، كان جل همها ذاك الجرح الغائر في فخذه والعواقب التي سيحدثها.
عندما وصلا إلى السيارة، جعلته على الفور يستلقي على المقعد الخلفي. قلبت في السيارة بحثا عن أغراض تنفعها قبل أن يقول كلمة حتى.
تحمد ربها على تذكرها لعادته في وضع عطر في سيارته. أخذت لها علبة المناديل مع زجاجة العطر وقارورة ماء ممتلئة وجدتها ملقاة في أرضية السيارة.
حاولت إيقاف النزيف ثم تنظيف الجرح بقدر ما تستطيع. خلعت عباءتها ثم قطعت أسفل فستانها ذا القماش القابل للتمدد بقدر يكفي للفه فوق المناديل التي وضعتها فوق الجرح.
بقي جواد صامتا يراقبها بنظرة لم تعر لها في هذه اللحظة بالا. وعندما انتهت، قفزت إلى مقعد السائق تشغل السيارة لتتجه إليها إلى أقرب مركز صحي.
سمعت صوته وهو يسأل، يقاوم الألم: من متى.. وإنتي تعرفين تسوقين؟
أجابته محاولة بكل جهدها دفع غضبها القلق: أبوي علمني قبل لا أتزوجك..
سألها: وين؟
كانت ستجيبه بـ"الكويت" لكنها انفجرت: غبي إنت؟! ليش جيت وحدك وما انتظرت الشرطة؟ متى بتطبل تسوي تضحيات عشاني؟!
ألا يعرف أن قلبها تجمد خوفا عليه من اللحظة التي ظهر فيها لوحده، أنه اختفى جزعا وصدمة عندما طُعن؟
وكأنه يريد إغاظتها أكثر، رد عليها بضعف وبتسلية ساخرة: إذا بتظني إن كلامك هذا بيخليني أندم على جيتي، فإنتي.. غلطانة..
ضربت بيدها على المقود، تهتف بين دموعها: غبي، غبي..!
أخيرا وصلت إلى المركز الصحي، لكن قبل أن تخرج أمرها بغيظ بالكاد كبت: إلبسي عباتك.
عندها تذكرت أنها فقط كانت لابسة لفستان يصل عادة إلى منتصف ساقيها، لكن بعد ما فعلته به وصل الآن إلى فوق ركبتيها بقليل. لبست عباءتها ثم همت بالخروج، ليأمرها بصوت أشبه بالفحيح: تغطي!
تذمرت بذات الغيظ: أنا وين وإنت وين! ما عندي شي اتغطى به. خلينا نطلع وننادي أحد يشوف حالتك!
عندها مد يده ليعطيها طرحتها الملطخة بالرمال: متى أمداك..؟
كرر ولم يجبها: تغطي..
عندما فعلت ساعدته على الخروج، تحاول دفع خوفها عليه بثرثرة "راح يكون بخير.. راح يكون بخير بإذن الله..": كان قلتلي إن طرحتي عندك عشان أربط جرحك فيها وما شقيت فستاني. تدري إنه كان آخر صرعة..؟
وترها قربه. ارتعشت لهمسه العميق الحريري في أذنها عندما أسندته عليها: يمكن كنت أبغى أشوفك تشقين فستانك..
ازدرت ريقها وتنحنت، لتقول بخفوت: شكل فقد الدم بدا يلعب فيك لعب..
:
وقتهم في المركز الصحي كان حافلا، ما بين تقارير شرطة وإجراءات طبية.
أخيرا انتهى الأمر وبقيا ينتظران وصول عمها طلال بصمت قطعه جواد عندما رفع يده، يتلمس اللاصقات الطبية فوق وجهها، معالجة للكدمات المطبوعة عليه من فعل الخاطف. كان جواد مصرا على معالجتها قبل معالجته هو لعجب الأطباء المناوبين.. وكان تلمسه ذا رقة سلبت نفسها للحظة. سألها: إنتي بخير..؟ اللي مريتي فيه..
لا تنكر، شعرت باليأس والدمار للحظة، لكن الله أعانها وأعطاها فرجا تمثل في جواد. شعرت بلمسات أنامله تطهر لوث الخاطف.
ابتسمت له بدفء: إيه.. أنا بخير..
قطع دخول عمها طلال عليهما، ظاهرا عليه الفجع لمرآهما.
قابلتهما العمة عبير بفجع أشد عند رجوعهم إلى الرياض، في أحد المستشفيات التي أصر عمها طلال على زيارتها للتأكد من حالة ابنه.
وأما لمى، فإنها انقضت عليها بالصراخ: كله منك، كله منك! طول عمرك تجيبين له البلى! كان بيموت بسبتك!
ردت عليها ميساء بجمود: أدري.. وبتحمل المسؤولية..
التفتت عندها إلى عمها طلال الواقف معهم خارج الغرفة التي كان يجري جواد فحصه فيها: لما نطلع، ممكن توديه قسمي عشان أعتني فيه؟
بدا على عمها استحسان الفكرة، بينما بدا على لمى الإعتراض القاطع، لكن قبل أن تبديه أيدتها، وياللعجب، العمة عبير: إيه، أفضل له. أصلا لمى ضعيفة حدها وما بتستحمل منظر الدم، فما أظن بتقدر تهتم بجرح كبير زي اللي عند جواد..
وبهذا حُسم الأمر.
انتهى البارت..
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!