فُتح باب مكتبته، وتلقائيا نظر ليث لجهته يرى من الداخل، متوقعا إما جود أو زينة، ليرفع حاجبا بتفاجؤ عندما تبين أن الداخل كانت نوف.
بدت متوجسة بعض الشيء وهي تمسح بنظرها على جوانب المكتبة، قبل أن تسأل: جود كانت هنا؟
ذكرت زينة أن ابنتها نوف كانت من النوع المنفتح، الذي يأخذ ويعطي مع الناس بسهولة، لكنها لم تعامله هكذا، بل شابها نوع من التوتر. لم يرد الضغط عليها فتركها براحتها تتعود عليه.
أجابها أخيرا بابتسامة: توها كانت عندي بس راحت لما شمت ريحة الأكل من المطبخ./ أردف بتسلية: طبخ أمك جاب راسها..
ضحكت نوف بخفة: صديقاتي كل أسبوع كانوا يسنترون عندي.. كنت أظن إنهم يبغون خشتي بس تبين أنهم ملهوفات على طبيخ أمي. ما أتعجب من حالة جود..
ضحك هو بدوره من تعليقها، ليبتسم عندما توقف لملاحظته أن نوف كانت تشبه أمها في ضحكها.
استأذنت نوف لتخرج فاستوقفها: تعالي، أبغى أعطيك شي قبل ما تطلعين..
أخرج نسخة موقعة من آخر رواية نزلت له، يعطيها لها عندما اقتربت: أمك قالتلي إنك متابعة لسلسلة رواياتي وما قدرتي تشترين روايتي الأخيرة لأن النسخ كلها انباعت.. عشان كذا..
بدت نوف مذهولة وأكمل: إذا ربي كتب إني أنشر رواية بعدها، أول نسخة بتكون لك.
قالت والفرح ظاهر في نبرة صوتها المرح: يعني صرت في أي بي؟
أومأ بموافقة: في أي بي ونص..!
تذكر ما اعترفت له زينة في ذات أمسية..
(بنتي نوف.. ما عمرها حست إنه كان لها أب..)
قد قال لزينة أنه سيعامل ابنتها بحسبان ابنة له، وهذا ما سيفعل.
:
كانت تعد قهوة لنفسها عندما أحست بأحد يحتضنها من الخلف، بيد دافئة تقيد خصرها، وأخرى تمتد لتنزع ملقط شعرها بعيدا، تاركا لشعرها ينسدل إلى كتفيها بطبيعته المموجة.
سألته بابتسامة: وش العداوة القائمة بينك وبين كليب شعري؟ كل ما تشوفه علي تنزله..
أدارها ليث بخفة جهته، لترى ابتسامته المتسلية، والافتتان الفاضح في عيونه: وش نسوي لو يمنعني أشوف المنظر الجميل هذا؟/ استطرد بتفكير: تدرين إن شكلك يتغير على حسب حالة شعرك..؟
ضحكت برقة، لا تدري ما يهدف إليه لكنها مستمتعة بقربه على أية حال: طيب..؟
أكمل: لما يكون مرفوع لفوق يعطيك صرامة حلوة وهادية..
سألته بفضول: ولما أخليه حر؟
أجابها بهمس حار: يخليك فتنة، ويخليني أنسى عقلي..
وكان سيثبت لها مدى نسيانه لنفسه، وكانت ستتركه ليفعل ما يشاء، لولا أنها سمعت صوت جود ونوف يقترب لجهة المطبخ، لتخطو بعيدا عنه تحاول أن تضبط نفسها.
سمعته يتنهد ثم يتوعد بخفوت معني لها، يجعلها تحمر أكثر: لقاءنا الليلة../ رفع ملقط شعرها وهزه بغمز: وهذا بيكون رهينة عندي..
خرج والفتاتان يدخلان. سمعت جود تتساءل وهي تنظر في أثر والدها: وراه يبتسم كذا لنفسه؟
سمعت نوف تهتف بدورها، توقظ زينة من غفلتها: يا جميل، أدينا وجه!
/
/
انتهى الفيلم الوثائقي الذي كانا يشاهدانه، ولاحظت التفات ياسر لها، كأنه يريد قول شيء..
سألته: وش فيه؟
بدأ يقول وفي ملامحه التفكير: ما لاحظتي إنك أبد ما تتكلمين عن نفسك معاي؟ ما عرفت إلا اللحين إنك مهووسة أفلام وثائقية..
حاولت التخفيف عنه، مستغربة من اهتمامه بهذا الأمر: ما فيها شي..
هز رأسه بــلا، ورد عليها بحزم، بعمق صادق: كيف أعرف عن ناس ثانية، وأكثر وحدة أبغى أعرف عنها ما أعرف عنها إلا قليل؟
سألته بدورها بخفوت مرتبك: وش اللي تحب تعرفه..؟
ابتسم بتشجيع: أي شي تحبين تتكلمي عنه..
أخذت عندها تتكلم عن حياتها، عن أبيها المرحوم ذو الصرامة الحنونة، عن أمها عظيمة القلب، عن أخيها الصغير الوحيد المشاكس المحبوب. أخذت تتكلم عن مجال دراستها، عن عملها لفترة في القسم النسائي لأحد البنوك الكبيرة، كيف أنها ضجرت من عملها ذاك واكتسبت شغفا لدراسة التاريخ. أخذت تتكلم عن هواياتها، عن مواد قراءتها ومشاهدتها المفضلة. أخذت تتكلم عن ما تحب وتكره من طعام، ما كانت ضعيفة تجاهه، كيف أن الوحام أفسد عليها الكثير. أخذت تتكلم عن السفر، عن حلمها في زيارة اسطنبول.
أخذت تتكلم وتتكلم وتتكلم.. وياسر كان مستمعا منصتا لها، اهتمامه كله مصوب ناحيتها لا يزل للحظة.
لا تدري متى داهمها النعاس، ومتى استغرقت في النوم. كل ما تعرفه أنها استيقظت على الكنبة، نصف مستلقية على ياسر الذي كان نائما في جلوسه، ضاما لها بين ذراعيه. لم تكن أبدا بالوضعية المريحة، لكنها مع ذلك لم ترد تحريك عضلة، شاعرة بدفء يغمرها.
:
قد شعر أن الدنيا لا تسع مقدار سعادته عندما استغرقت بيان في النوم بين ذراعيه. كان أشبه بالمسكر، التنعم بدفئها ونعومتها وعبير شعرها. فكرة أن ينام وحيدا في تلك الغرفة جعلته يشعر ببرودة قاتلة.
لذا قال لها عندما حل المساء: إنتي وساري ناموا عندي من اللحين ورايح. خلاص.. تعودت.
بدا على ملامح بيان التردد: بس..
ليكمل هو بحزم: أدري إني نسيتك، وأدري إن بيننا نقاط لازم تنحل، لكن هذا مو معناته إني ما أعتبرك زوجتي، وإن هذا الوضع اللي حنا فيه عاجبني. بعد ليلة أمس أحس إني مقدر أنام إلا وإنتي جنبي وفي حضني..
اعتلت الحمرة ملامحها، ماسحة ظهر عنقها بحرج، ووجد ياسر أنه كان يستمتع بجعلها تخجل: طيب، بننام عندك الليلة..
لن يضغط عليها، ولن يطالب بأكثر من هذا، على الأقل حتى يعرف ماهية الحاجز المبني بينهما، وحتى يبدأ بإصلاح ما أفسده.
/
/
رتبت قسمها بحيث أنزلت بمساعدة عمها سريرها الفردي من غرفة نومها في الطابق العلوي، إلى غرفة الجلوس في الطابق السفلي، حتى لا يضطر جواد إلى صعود الدرج. فسرت له لحظة دخوله قسمها: بتظل هنا لين جرحك يتعافى.
بعد ذهاب الكل، بقيا لوحدهما في القسم. وترها وجوده هنا، لكنها سرعان ما تمالكت نفسها، لأنه لم يكن هنا سوى لتعتني به ورد جميله، ليس لأنه عاد إليها.
سألته متجهة إلى المطبخ: وش تحب تاكل؟
سمعته يرد وراءها: مالي نفس فأكل من برا..
سألته هذه المرة وهي تنظر إليه، فهي لم تقصد أن تطلب له وجبة من الخارج: وش تحب أسويلك؟
رأت العجب يرتسم على ملامحه: من متى وإنتي تعرفين تطبخين؟
هزت كتفيها: من فترة، بس مو لذاك الزود..
نظر إليها عندها بنظرة عديدة المعاني لم تفقه أي منها، ليجيبها أخيرا بهدوء: سوي اللي تحبيه..
من ضجرها والحاجة لأن تصنع لنفسها ما تريد دون مساعدة الخدم، أخذت تبحث في اليوتيوب عن طرق تحضير وجباتها المفضلة. لم يكن الطبخ يستهويها وغالبا ما أخفقت فيه.
صنعت له الباستا، أكثر طبق تتقنه، لكن ربما لن يرتقي لذائقة جواد، فهو نشأ على يد أمهر طباخة عرفتها، أمه العمة عبير.
كانت مفاجأة عندما أنهى صحنه كاملا، وحاولت ألا تُظهر مدى سعادتها المحرج أمامه.
أخذ أدويته بعدها، ثم أغلق عينيه ليرحل إلى عالم الأحلام، معطيا لها الحرية في تأمله تحت الإضاءة الخافتة القادمة من الخارج.
كانت مستلقية على الأريكة مقابله، تمسح بنهم على كل تفصيل منه. لطالما كان انطباعها عنه أنه ملكي المظهر، موجع الجاذبية. أهم تفصيل منه كانت محرومة منه هذه اللحظة، عيونه، تلك الجواهر السود اللاتي تلسع من برودتها تارة، وتذيب من اشتعالها تارة أخرى.
تمنت للحظة مجنونة أن تمد يدها تفسد ترتيب شعره البني الكثيف القصير، تمنت لو تستطيع مسح إبهامها على شفته السفلى، تمنت لو توقظه لتغرق في بحر عيونه. لكنها بقيت مكانها تتأمل والشوق يمزقها بسطوته.
تعرف أنها لن تستطيع النوم قريبا، فبدأت أفكارها تقودها إلى اليوم الذي وهبت قلبها فيه لذاك النائم.
سُئلت مرة متى أحبته، لكنها لم تنطق بإجابة. فالحقيقة قد تكون محرجة بعض الشيء.
أحبته من اللحظة التي لاحظت فيها وجوده، أحبته قبل أن تعرف ما معنى تلك الكلمة.
كان اللقاء الأول الذي تستطيع تذكره بوضوح هو في الجنازة التي أُقيمت لأمها. كانت في الخامسة وعرفت لتوها أن أمها قد ذهبت في سفر لن ترجع منه.
كانت تبكي في زاوية بعيدة عن المعزين وعن أبيها عندما جلس ولد أكبر منها جانبها. حاولت عندها كبت دموعها، فهي رأت أن بكاءها عند الناس، عند أبيها، جعلهم يحاولون منعها منه، راسمين ابتسامات زائفة حتى وهم تعساء. لم ترد رؤية تلك الابتسامات الزائفة، ليس وأمها قد رحلت.
قال الولد الجالس جانبها عندها، يفاجئها: ابكي، ابكي زي ما تبغين..
استغربت منه لا يمنعها مثل الباقين، لكنها سرعان ما رجعت إلى البكاء. أحست يده فوق رأسها، مربتا عليها، مخففا عنها، لكن دون منع، دون كبت.
لا تدري كم مضى من وقت حتى هدأت، تسأله بصوت متقطع: مين.. إنت؟
مسح آخر الدموع من عينيها قبل أن يجيب: تعرفين عمك طلال؟
أومأت له بنعم. كانت تحب ذلك العم، دائما ما كان يحضر لها الحلوى.
أردف: أنا ولده.
رمشت لتستوعب: عمي طلال عنده ولد ثاني؟
-: إيه، سعد أخوي الكبير. أنا أجي بعده.
أمالت رأسها بفضول: واسمك؟
أجابها بابتسامة صافية: جواد.
بقي ذاك الاسم عالقا في بالها، تسأل عنه أباها كلما ذكر زيارة عمها طلال لهم، ليضحك ويجيبها بنعم، جاء ولده جواد معه.
تذكر مرة رأته يتوضأ عند المغاسل، فسألته عما يفعل، فأجابها.
انتابها الفضول لتعرف أكثر. ليسألها: ما شرحوا لك في المدرسة؟
امتعضت ملامحها بضيق طفولي: إلا، بس الأبلة شرحت مرة وحدة.
عندها علمها الوضوء بصبر يثنى عليه، فهي تذكر كيف كانت بطيئة الاستيعاب في صغرها، وعلمها من بعدها الصلاة، لتبدأ من ذاك اليوم مشوار لم تقطعه قط.
تذكر مرة دافع جواد عنها بإصرار مستميت عندما اتهمها أبناء عمومتها بأنها هي من أطلق سراح الدجاج ليضيعوا ويؤكلوا في أحد الزيارات لجدها عمر. كانت مبهورة بحق لاستعانته بأدلة كثرى تدل على براءتها من تلك التهمة.
ربما كان صبره لكونها مجرد طفلة صغيرة وحيدة، لكنها كانت تفرح بأقل اهتمام منه، فهي تذكر فرحها لذكر عمها طلال مرة أن جواد أصبح من يختار الحلوى التي يحضرها لها.
مرت السنين وتعلقها به يزداد، رغم تفرقهم بحكم العمر.
تذكر مرة انشغل عنها والدها، فطلب من جواد إيصالها إلى البيت من مدرستها المتوسطة.
لا تدري لم بدا عليه الضيق لمرآها بينما هي تكاد تتقطع فرحا. سألها حال ركوبها في الخلف: زميلاتك يتغطون؟
أجابته تتذكر زميلاتها اللاتي تغطين من الصف السادس: إيه..
أردف يسأل، مبقيا نظره على الطريق: ليش ما تتغطين إنتي بعد؟
قطبت حاجبيها، تفكر: بس يقولولي شكلك صغير..
أبوها لم يحثها على ذلك، ولا حتى معلماتها.
رأت الضيق يزداد في ملامحه وهو يقول: فكري تتغطين طيب، لأنك خلاص كبرتي..
فهكذا فعلت وفكرت، وقررت أن تبدأ بالتغطي، فهي كانت على أعتاب الصف الثالث المتوسط عندها.
مرت سنين أكثر، واكتشفت أن الناس كانوا يعتبرونها جميلة، جميلة إلى درجة طلب يدها للزواج.
رفضت بعناد كل طلب، لكونها ربطت كلمة زواج بجواد منذ الصغر. لم يكن لديها أدنى فكرة إذا كان يفكر فيها كزوجة، لكن ما دام هو لم يتزوج بأخرى، فهي لن تتزوج بآخر.
وتعترف بحق، عندما جاء والدها يقول أن جواد تقدم إليها، ذهلت وانصدمت، وظنت للحظة أنها كانت تحلم. لكنها كانت حقيقة وعليها أخذ القرار.
استخارت وشعرت بالراحة تغمرها، تدفعها إلى القبول.
سُئلت مرة إذا نطق جواد بكلمة حب لها طيلة سنوات زواجهم، إذا عبر عن شعوره حيالها، لكنها لم تجب على ذاك السؤال أيضا.
الحقيقة كانت لا، لم يفعل.
قد تكون غريبة ساذجة شديدة القناعة في اعتقادها، لكن ميساء لم تهتم، فحبها له يكفي، وما دام كان بجانبها، فلن تطالب بأكثر.
كانت سعيدة بحق في تلك السنوات، وكان حبها له يزداد في كل لحظة، لكنها اكتشفت أنه لا يكفي، لا يكفي لتعويض نقصها.
رأت ياسر قد أمسك بساري وأوقف هروبه. وضعت يديها على خصرها ومثلت الحنق: ثانية أغفل عنه عشان أعبي الموية وهو ما شاء الله وصل لين عندك. يحبي الولد هذا ولا ناوي على ذهبية سباق المئة متر؟
ضحك ياسر وهو يعطيها ساري: مين يدري؟ يمكن يصير عداء ويرفع رؤوسنا. أتوقع له مستقبل باهر.
نظرت له بنصف عين: إيه مستقبل في التفصخ والنحشة من إني أحممه.
قال لها بحزم تمثيلي بدوره: لا تغلطي على معذب قلوب العذارى. الله أنعم عليه بابتسامة زي أمه.
وكأنه أخذ كلام أبيه كإشارة، ابتسم ساري بإشراق، مظهرا الشبه الكبير بينهما.
قد أخذ ساري الكثير منها في ملامحه، وحتى شعره لم يسلم من جيناتها. لكن كان لديه عيون أبيه المميزة بصفاء لونها العسلي كتعويض.
تساءلت: إذا هو معذب قلوب العذارى، أجل أنا وش أطلع؟
هز كتفا: بديهي..
اقترب وهمس في أذنها بحرارة: معذبة قلوب الرجال.. وأنا أشهد..
ابتعد ياسر وابتسم لها بكل براءة قبل أن يخرج قائلا أن لديه مباراة ليشاهدها، لكن اللمعة الخبيثة في عيونه كانت بعيدة كل البعد عن كل معاني البراءة، داري كل الدراية بالإعصار الذي أعاثه في في قلبها.
نظرت بذهول وعدم استيعاب إلى ساري الذي كانت تحمله، كأنها تريد أن ينطق ويؤكد لها ما سمعته من ياسر للتو.
"صح إني كنت أتمنى ياسر يتغزل فيني.. بس اللحين هونت! هونت مقدر استحمل. ذي قنابل ذرية على قلبي مو كلام!"
قررت أن تستحم بالمياه الباردة بعد انهاء حمام ساري، لعل تلك المياه ستطفئ لهيب جسدها المشتعل خجلا.
:
استيقظ ياسر ليرى أن الساعة كانت تشير إلى الواحدة بعد منتصف الليل. كانت بيان راقدة جانبه، وساري في مهده نائم أيضا.
غضن وجهه بضيق للصداع المألوف الذي اخترق رأسه دون رحمة وهو يجلس، ودلك صدغيه وهو يفكر بالحلم الغريب الذي راوده منذ إفاقته من غيبوبته، يتضح شيئا فشيئا مع مرور الأيام.
كانت نسخة هذه الليلة الأكثر وضوحا إحساسا.
في الحلم يحس بنفسه جالسا، ويحس بوزن قلم في يده وبين أنامله، يحس بنفسه يكتب ويكتب ويكتب دون أن يعرف ماهية كتاباته.
لا يرى شيئا في حلمه هذا، فقط يحس. الأدهى أن حلمه هذا دائما تسبب في إيقاظه هذه الساعة بالذات.
لمسة يد دافئة على عضده، ونداء باسمه شتت انتباهه من أفكاره، ليدرك أن بيان كانت مستيقظة، تنظر إليه بمزيج من الاستغراب والقلق: فيه شي؟
هز رأسه بخفة ونهض: لا، لا.. ارجعي نامي.
بحث عن البنادول الذي أصبح رفيق دربه في مواجهة الصداع التابع للحلم، يأخذ جرعته لهذه الليلة وهو يفكر في معنى الحلم. موقن هو أنه كان يعني له شيئا مهما، دليلا يستدل به.
فاجأه رؤية بيان ما زالت مستيقظة عند رجوعه إلى الغرفة، جالسة على السرير تنتظره. قالت حال اقترابه: صداعك كثير هذي الأيام.. نروح للدكتور بكرة؟
رد وهو يستلقي: ماله داعي..
سمع في صوتها الإعتراض: والله بصراحة أنا ذابحني الخوف، خصوصا بعد النتائج العلل اللي طلعها إياي قوقل..
ضحك بخفوت وسألها بفضول متزايد: وش اللي دلك قوقل عليه..؟
حركت بيان يديها كأنها تحصنه من عين، تغير نبرة صوتها لتشبه تلك لعجوز هرمة: بسم الله عليك، بسم الله عليك! ما بقول ويطلع شي منها صح.. بس على الأقل في نتيجة إيجابية وحدة أتذكرها..
-: واللي هي..؟
نظرت له بجدية وهي تعود للاستلقاء مجددا: يقولون إن الصداع يرافق تذكر شي في حالة مثل حالتك. مدري عن صحة الكلام هذا خصوصا وإنه ما كان منتدى طبي حتى بس.. ملاحظ على نفسك شي..؟
هل تذكر شيئا ما؟ لا، لم يفعل. الشيء الوحيد الذي كان يسبب له الصداع هو حلمه الغريب ذاك.
هل كان حلمه ذكرى..؟
سيكون عليه التفكير في الأمر مليا: لا، ما لاحظت شي.. بس خسارة..
كررت: خسارة..؟
ابتسم بخبث وهو يضمها، هامسا: كان نفسي أتذكر كيف جا ساري للعالم.
لاحظ أخذها لحظة لتستوعب، ليشعر بعدها بحرارة خجلها بين ذراعيه، ليسمع ذاك الخجل في صوتها المتهدج: ياسر..؟
كم كان صعيبا، منع نفسه من الانطلاق في الضحك وإيقاظ ساري المسكين كنتيجة. قبل جبينها الحار وقال: عشان مرة ثانية ما تلعبي لعبة إنتي مو قدها.
حقا هذا كان جزاءها لما كانت تفعل به. بقدر ما كانت جريئة، بقدر ما كانت أكثر خجلا، وهو سيستغل نقطة ضعفها هذه لرد الضربة: تصبحين على خير..
/
/
كانت تقلب بين ملابسه التي أحضرتها لمى على مضض، باحثة عن قطعة معينة عندما سمعت صوته يسأل: وش قاعدة تسوين عندك؟
أجابته وهي مازالت تبحث: أدورلك شورت ولا على الأقل برمودا./ أردفت بعفوية: لكن شكله ذوقك لساته ذوق عجايز، بذلات وأثواب وبس..
شخر بسخرية: طلعة السيقان ذوق؟
ردت ببرود وهي أخيرا تخرج قطعة قد تنفعها، شورت داخلي يصل إلى الركبة: طلعة السيقان على قولتك هي اللي بتنفع حالتك اللحين. إلبس هذا بدل ما تذبح جرحك رطوبة وإنت لابس البنطلون الطويل هذا..
نظر إليها كأنها مجنونة: تبغيني أتم لابس ذا والناس تجي تسلم علي؟
هزت كتفيها: بعطيك لحاف تغطي روحك فيه..
أخيرا بعد عدة محاولات، وافق على اقتراحها.
كانت تعمل على جرح فخذه بكل تركيز عندما سألها، مبقيا نظره عليها لغاية لا تفهمها: ليش ما خليتي معاك خدامة؟
ردت وهي تعيد تضميد جرحه.. كل مرة تراه تتذكر كلام الطبيب بأنه كاد يقطع شريانا مهما ويودي إلى موته: ما أحتاج، أقدر أدبر عمري..
استغربته، تصرفه معها، استغربته وجعل هذه الفترة صعيبة مدمية لها. لم يعاملها بالجفاء الذي توقعته، بل كان يعاملها معاملة أشبه بتلك في الماضي.
تريد جفاءه، فهو أسهل لها وأفضل لقلبها. تريد جفاءه لأنه لم يعد هو لها لتتلقى وده، لتبدأ الآمال تتسلل إلى قلبها بقسوة دافئة.
:
فاجأها بسؤاله عندما أغلقت الأبواب والأنوار بعد رحيل آخر زواره، فهي ظنت أنه خلد إلى النوم بفعل مسكناته: ليش تخلين المجلس كل ما جا أحد لي؟
لم تجبه، فأردف بصوت ناعس لطيف: تراه قسمك، بيتك، وهم ضيوف جو..
تساءلت بصمت، لِم لَم يضم نفسه في فئة الضيوف؟
:
لم يجعل جواد أمر الإعتناء به بالمهمة السهلة، فهو غالبا ما فعل عكس ما تأمره به. تارة يريد تنظيف جرحه وإعادة تضميده بدلا عنها، تارة يريد الوقوف والذهاب إلى الحمام بدون الاستناد عليها، تارة يمشي بينما من المفترض أن يقلل حركته..
لكن، على الرغم من ذلك كله، هذا الوقت القصير الذي قضاه معها كان من أفضل الأوقات التي قضتها ميساء هذه السنة، وللحظة، رغم كل ما كانت تخبر به نفسها، تناست واقعها المرير.
لكن لكل شيء نهاية، وبعد أيام، استيقظت لترى أن جواد قد رحل.
:
ابتسم عامر ابتسامة بالغة العرض لرؤية زميله جواد يدخل مكاتبهم مرة أخرى، سالما معافى: لك فقدة يا شيخ! توحدت وأنا لحالي أشتغل هنا../ أشر إلى اللوحة وراءه التي أخذها من مكتب جواد: حتى إني أخذت ذي اللوحة أتذكرك فيها.
هل كان يُخيل له ذلك، أم بدا على ملامح جواد دائمة الجمود والبرود.. الغيظ؟: رجعها مكانها..
رد عامر بخفوت، متعجبا كل العجب: أكيد../ ثم أردف بإصرار مرح: بس من جد، فين اشتريتها؟ عجبتني وودي بزيها في البيت. ولا أقولك، عطيني رقم الرسام إذا عندك..!
لا، لم يكن ما رآه سابقا بفعل مخيلته، فالآن بدا جواد غاضبا بحق.
"وش فيه الأخ قلب أبو الهول فجأة؟"
/
/
كانت تستعد للنوم، جالسة عند التسريحة وترطب يديها باللوشن، غارقة في أفكارها، إلى أن جذب ليث انتباهها بقوله: اللي ماخذ عقلك..
ابتسمت، تلتفت إليه، لتراه قد جلس على السرير: إنت اللي ماخذ العقل..
رفع حاجبا بفضول: عساه يكون بشي زين..؟
صمتت للحظة قبل أن تبدأ تقول، تفصح عما كانت تفكر به منذ خطبته لها: سمعت عن أسباب طلاقك..
ليسأل مقطبا حاجبيه: من مين؟
هزت كتفا: ما يهم من مين.. اللي أبغى أعرفه هو منظورك..
ثبت عيونه على عيونها، يكاد يخترق روحها من عمق نظرته، من التحليل فيها: ما يكفيك اللي سمعتي؟
بادلته نفس النظرة: لأ، لأني متأكدة إن وجهة نظرك بتكون غير.
ابتسم عندها بشيء من الرضا المتوقع يخالطه الإعجاب، ثم بدأ: مبدئيا، أرجح إن سبب فشل زواجاتي هو عدم الاقتناع.
مالت بوضعية جلوسها باهتمام منصت، تستحثه ليكمل: المحيط اللي أخواتي يعيشون فيه ما كان يستهويني. أمور المجتمع الراقي كانت دوم تجيب لي الملل. أعرف أخواتي، وأعرف إن مرشحاتهم كانوا من نفس ذاك المجتمع، ومن ذا المنطلق تشكلت انطباعاتي الأولية. وأقدر أقول إني أغلب الغلط كان علي، لأني مضيت بثلاث زواجات وأنا مو مقتنع. كنت أمني نفسي بأنه يمكن اقتنع بعدين، يمكن ذي المرة بتكون مختلفة، يمكن ألقى الاستقرار اللي أبتغيه لي ولجود..
سألته، دارية بأنه ثمة تكملة لكلامه: وعدم الاقتناع هو الشي الوحيد اللي خلاك تختار الطلاق؟
شخر بسخرية: طبعا لا، بس هو كان بداية المشاكل، وسبب من أسباب قلة صبري. أنا مو ملاك، زي ما هم كانت عندهم أغلاط، أنا كانت عندي أغلاط بالمقابل. مع سماهر كنت مقتنع إن الزوجة هي بس اللي تمسك العيال وتركت مسؤولية جود كلها لها. مع ليان كنت مغتر بشهرتي الحديثة، وما راعيت شعورها وغيرتها. وأبد ما كنت مقتنع بهيفاء ويمكن كنت أدور الزلة عليها حتى.
أردف: الحياة دروس، صح؟ من خوفي على جود بعد الحوادث اللي صارت لها صرت أنا اللي أهتم فيها. وبانقطاعي زمن عن الكتابة قلت شهرتي وصفا بالي من الاغترار. وصرت ما أتخذ قرار إلا وأنا مرتاح بالكامل له..
كم كانت مختلفة، وجهة نظرة، كم كانت بعيدة عن انحياز وجهة نظر ابنته المتأثر بمن حولها. كم كانت صادقة صريحة، لا خجل من عيوب فيها.
نهض ليخطو نحوها، يحيط وجهها بخفة حانية بين كفيه: وبصراحة.. ما عمري اقتنعت بزواج، بزوجة وإنسانة، زي ما اقتنعت فيك.
وجدت زينة نفسها تبتسم برضا غامر عندما أحسته قد قبل أعلى رأسها، تشعر بفيض من الاحترام لهذا الرجل أمامها، احترام خالطته بوادر احساس جامح دافئ شغوف لم تجربه قط، لكنها عرفته دون جهد.
انتهى البارت..
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!