الفصل 4 | من 13 فصل

رواية مشكلتي مع كلمة ... الفصل الرابع 4 - بقلم Misoo

المشاهدات
19
كلمة
4,029
وقت القراءة
21 د
التقدم في الرواية 31%
حجم الخط: 18



انتهت فترة إعادة التأهيل وتم السماح لياسر بالخروج، وكم كان حماسه لذاك الخبر بليغا. أوصى طبيبه بيان بعدة برامج وأدوية ووجبات ستعزز من ذاكرته، ووعدته هي بأنها ستلزم ياسر بها رغما عنه إذا اقتضى الأمر ذلك.

أصر ياسر على حمل ساري بدلا عنها عندما خرجا من السيارة، ولم تستطع بيان منع ابتسامة شجن من الارتسام على شفتيها، فتلك كانت عادة ياسر قبل الحادثة. أيمكن أن يتذكر ذلك التفصيل دون وعي؟

توقف ياسر أمام بوابة بيتهم، يطيل في التحديق إليه، غير ملاحظ لشد ساري الخفيف لشعره. نادت عليه باستغراب: وش فيك؟

أخيرا أشاح بنظره بعيدا عن البيت وإليها: أعرفه..

كررت ورائه: تعرفه؟ وشهو اللي تعرفه؟

أجابها عندما دخولهم بتأكد: البيت هذا، أعرفه.. آخر شي أذكره إني اشتريته توي، وما كان مؤثث.

عندما فكرت في الأمر، وجدت أنه كان على حق، فهو كان يمتلك هذا البيت عندما تزوجته.

أخذت منه ساري لتنومه، فصغيرها لم ينم منذ استيقاظه عند الفجر معها.

عندما عادت، وجدت ياسر في غرفة الجلوس، ينظر إلى ما حوله بتفحص. قالت تعلن عودتها: ترى إنت اللي أثثت ذي الغرفة. لا تتبلى علي إذا شفت شي ما أعجبك..

قال دون أن ينظر إليها: خمنت. على الأقل أشوف إن ذوقي لساته حلو..

ابتسمت بحب: يمدحون التواضع../ سألت مردفة: أعطيك جولة ولا خلاص سويت رحلة الاستكشاف في غيابي؟

عندها نظر إليها ليرد، لكنه سرعان ما أشاح النظر لمرآها. استغربت تصرفه وتفقدت ما كانت ترتديه، قميص كحلي قصير الأكمام وجينز أسود، ولم ترى فيه خطبا.. عندها استوعبت..

كانت هذه المرة الأولى (على حسب ذاكرته) التي يراها دون عباءة، وربما كرد فعل تلقائي أشاح النظر.

كم سرها اكتشاف أن ياسر كان غاضا للبصر بطبيعته.

جلست جانبه توجه نظره إليها بابتسامة شقية: تراني حلالك.. عادي تناظر..

قال بسخط يخفي حرجه: أدري، أدري!

قالت تغيظه: ولو تدري ليش قاعد تناظر لأي مكان إلا عندي؟ هذا وأنا لابسة جينز، إذا كنت لابسة قميص نوم وش كنت بتسوي، تهج من البيت؟

بدا ياسر كأنه على وشك الاختناق، من الحنق أو الحرج، لاتدري. ضحكت تربت على كتفه بتعذر: آسفة آسفة، أدري إن الوضع يبغاله تعود. لو كنت مكانك يمكن كنت بتغطى عنك لسنة أو أكثر..

ابتسم حينها، وظهر في عيونه دفء لم تره موجها إليها قط: إنتي دايم كنتي معاي كذا؟

أومأت بنعم، للحظة لا تستطيع إيجاد الكلمات لتقولها، تشعر بخجل يعتريها.

بعكس الآن لكن، كان ياسر فقط.. يصد.

/

/

نطقت ميساء بذهول: إيش؟

زارت العيادة مثلجة الأطراف خشية العواقب التي قد يتسبب فيها سقوطها، لكنها تلقت أخبارا كانت عكس ذلك بالكلية.

ابتسمت لها الطبيبة النسائية التي كانت تراجعها لسنتين الآن: إنتي ليكي سنتين تراجعيني فيها وبتشتغلي على نفسك.. وشغلك ده جابلو فايدة والحمد لله..

شرحت لها نتائج الفحوصات التي أعطتها، مؤكدة لها أن علاجها طويل الأجل قد أثمر.

سنين قضتها تتنقل بين المستشفيات، إما تلاقي الشفقة أو الخذلان، سنين قضتها تصلي وتدعو متضرعة ربها أن يشفيها، أن يرزقها ما تاقت دوما إلى الحصول عليه.. أسرة، أطفال من صلبها..

والآن.. والآن بحمد الله لديها أمل!

كل ما عليها الآن هو أن تجرب أن تحمل، لتتابع الطبيبة أي تطورات قد تطرأ عليها..

فرحتها بالخبر انطفأت لتذكرها ذاك التفصيل، ووضعها الحالي التي تعيش فيه..

لديها.. لديها الكثير لتفكر به..

:

كناقد فني، سر أمجد أن يستضيف هذا المعرض الذي أقامه أحد المعاهد الفنية ذائعة الصيت. كوكبة من المواهب الفذة امتدت على مدى نظره، تبهجه.

رأى رجلا شابا يقف أمام أحد اللوحات، واحدة تحت عنوان "محيط النجوم". كانت من أروع الأعمال التي رآها، فيها عكس أدوار بحيث كان الهلال قاربا، والغيوم أمواج، والنجوم محيطا.. بتخالط لوني مبدع وأبعاد مبهرة. تستحق الثمن الغالي الذي قدرها به. كانت على يد طالبة اسمها ميساء السيف وفقا للمعلومات التي أعطاها له المعهد.

حيا الرجل ثم سأله كما فعل مع كل من رآه يستوقفه عمل فني ما: مهتم؟

نظر له نظرة خاطفة ثم رجع إلى تأمل اللوحة: إيه..

وعندما أكمل معاملات الشراء معه، سأله أمجد: في أعمال ثانية إذا بتحب تشوف..

أجابه ذاك قبل أن يخرج: مابي غيرها..

/

/

تعترف زينة، استخارت وشعرت براحة عارمة. بقي شيء واحد يمنعها من النطق بالقبول، ابنتها نوف..

أقلقها هدوئها عندما أجلستها وأخبرتها بأمر خطبتها. كانت ستؤكد لها أنها سترفض ما دامت غير راضية، لكن نوف قطعتها بسؤالها بطريقة لم تعهدها: إنتي مرتاحة في قرارك؟

أجابتها بكل صراحة، فتلك كانت علاقتها مع ابنتها منذ الصغر: إيه..

هتفت عندها نوف بحزم بدا غريبا على ملامحها الطفولية: أجل وافقي!

سألتها، تتأكد من أي اعتراضات مدفونة..: متأكدة؟

بدا على نوف الاقتناع التام وهي تومئ بنعم: إنتي ما تتخذي قرارات مهمة زي ذي بالساهل، ولا ترتاحي لشي إلا وهو بإذن الله خير لنا..

منذ متى كبرت ابنتها هكذا؟ لطالما كانت تظن أن نوف كانت تفكر بطريقة أكبر من عمرها، تخفيها تحت طبيعتها المرحة، لكن ليس لهذا الحد..

وكزتها بفضول عندها: إلا يمه ما قلتيلي.. من عريسك هذا..؟

ابتسمت عندها، عارفة صدمة ابنتها بمعرفة الإجابة: واحد اسمه ليث الصائغ..

اتسعت عيون نوف بطريقة طريفة، كيف لا وهي من أكبر معجبيه؟: إيش؟! يمه من جدك؟ لا يكون ذا من أعراض أزمة منتصف العمر؟

ضربتها بخفة على رأسها: أي منتصف العمر يقطع شرك، لساتني في الخمس والثلاثين..!

هزت نوف كتفيها بعدم مبالاة: والله يمكن تجي مبكر، وإلا ليش تتوهمي إن ليث الصائغ بكشخته وجنتلته هو عريسك؟

ضحكت زينة بشدة: الكشخة والجنتل على قولتك هو نفسه الخاطب الموقر..

استغرقت وقتا حتى تقنع نوف بأن ليث حقا هو من خطبها، لتهتف نوف بأنها ستبلغ عمها بالموافقة قبلها هي.

:

عرفت نوف منذ الصغر أن حياة أمها ارتسمت بالفقد والخذلان.

أمها كانت ابنة أبيها من زوجته الثانية، وحيدتها، وتيتمت منها منذ ولادتها. حاول أبوها التعويض عنها، وكان لها نعم السند إلى أن توفي، إلى أن تزوجت برائد، أبو نوف الذي لا تعرف شيئا عنه سوى فشله، سوى عدم استحقاقه لإمرأة عظيمة مثل أمها.

لا تدري نوف كيف مضت أمها في دراستها وولادتها ثم عملها، بينما كان أبوها رائد مسترخي في البيت، مطرود مرة أخرى من عمله.

خاضت أمها عناء التعيينات في قرى نائية برفقة بكائها وحاجاتها كرضيعة. وجربت طعم الخذلان وهي ترى زوجها يبدد ما كسبته مهب الريح.

كم من مرة في صغرها صادفت نوف أمها تبكي في خلوتها، تبكي قهرها وغبنها وتدعو متضرعة ربها أن يُذهب هذه الكربة عنها.

وكضربة أخيرة، حينما فتح الله على أبيها ورزقه بوظيفة ثابتة يكسب منها الكثير، قابل أمها بالنكران وزواجه بأخرى وتطليقها قبل أن تطلب هي ذلك. حرمها حتى خيار الاعتبار لذاتها.

عم أمها هو الوحيد الذي دعمها بعدها، في ظل تخلي إخوتها من أبيها عنها، مسكنا لها معه.

تعترف نوف أنها عندما سمعت خبر وفاة أبيها قبل سنة، لم يتحرك قلبها كما يجدر به، فهي لا تعرف ذلك الرجل. أقصى ما تستطيع كان الترحم عليه.

تريد وبشدة رؤية أمها مرتاحة، مشدودة العود بسند لا يخذلها، ودعت ربها أن يكون ليث الصائغ لها ذلك.

:

وجد ليث نفسه يبتسم بانتصار عندما تلقى خبر الموافقة.

فاجأته تلك الزينة، بتواضعها وصراحتها ودماثتها. لا يذكر أنه التقى بأنثى مثلها قط.

قد يقول البعض أنها كانت هادئة الملامح، لكن ليث لم يكن ليوافقهم الرأي. فحتى مع عباءة خالية من الزخارف، وطرحة محكمة اللف، لاتبدي سوى وجهها الخالي من مساحيق التجميل، شدته..

ربما كان ذلك لصرامة مظهرها، لعدم تكلفها رغم علمها التام بهويته، ربما كان لعيونها العسلية التي تألقت ببريق ساحر كلما ابتسمت.

كان متشوقا لمعرفة ما ستجلبه الأستاذة زينة إلى حياته.


يبدو أن ليث كان مستعجلا، لأنه جعل موعد عقد قرانهم بعد أسبوعين، بالضبط عند بداية إجازة نهاية السنة للطلاب. باعتبار هدفه من الزواج، فإن زينة لم تكن متفاجئة من ذلك.

لتجربتها السابقة، وكونها ساعدت كثيرا من صديقاتها في التجهيز لزواجاتهم، لم تضيع زينة وقتا في البحث وشراء كل ما ستحتاجه، وحتى مع كل مشترياتها، بقي من المهر الضخم الذي قدمه لها ليث الكثير الذي ستفكر لاحقا ما تفعل به.

طلبت زينة حفلا بسيطا، وهذا ما حصلت عليه.

كانت تتفحص نفسها في أحد غرف القاعة المستأجرة لحفلها. كانت ترتدي فستان زفاف سكري اللون، طويل شفاف الأكمام، مزين بكريستالات صغيرة عند الصدر، ومنساب بنعومة حتى ذيله. صُفف شعرها بتسريحة بسيطة عملية لكن راقية، وزُين وجهها بزينة أبسط، أبرزت مواطن الجمال فيها.

ظلت نوف تنظر إليها بانبهار بعد ذهاب المزينة، تاركة لهما لوحدهما: هذي أمي ولا غلطت الغرفة..؟

ضحكت زينة، مسرورة لأن مظهرها نال إعجاب ابنتها: يجي مني صح؟ وقولي ما شاء الله.

أومأت نوف بكل حماس وهي تردد وراءها بـ"ما شاء الله": اليوم بس دريت إن أمي كشخة!

قطع عليهما صوت طرق الباب الخافت، لتدلف داخلا جود بعد الإذن بالدخول. ابتسمت لها زينة لرؤية الخجل والحرج باديا عليها. لا تلومها، فهذا الموقف لم يكن بالإعتيادي: هلا بمن جانا.. قربي يا جود، قربي!

سألتها عندما جلست: أحوالك؟ كيف كانت الاختبارات؟

أجابتها بخفوت، تبدو أكثر ارتياحا بقليل: الحمد لله بخير، والاختبارات كانت سهلة، خصوصا حقك.

هتفت نوف عندها: من بركات زواجها أكيد!

لتعارض جود بابتسامة: لا والله، دوم اختبارات أبل—قصدي خالة زينة عسل..

نظرت زينة إلى نوف بافتخار: شفتي؟/ قبل أن ترجع انتباهها إلى جود: جود حبيبتي، عادي لو لخبطتي. أنا كنت معلمتك قبل كل شي. عاميليني زي ما تحبين لين ما تتعودين.

أشارت إلى نوف التي كانت تتفحص جود بفضول باسم: وهذي بنتي نوف، توها خلصت أولى ثانوي.

تقدمت حينها نوف إلى جود وهي تهتف: أخيرا التقينا! من يوم ما أمي قالت إن عريسها عنده بنت بعمري وأنا متشوقة أشوفك!

لم تحتج نوف إلى الكثير حتى تبدأ هي وجود في الانخراط بالكلام. ربما كان هذا سلاحها الأكثر فتكا، طبيعتها البشوشة المحببة ونزعتها لعقد الصداقات إين ما كانت.

نظرت زينة إلى الفتاتين بابتسامة، ملاحظة التقاء الأضداد فيهما. فبينما كانت جود خجولة، كانت نوف منفتحة. بينما كانت جود ذات جمال ناعم تخمن أنها ورثته من أمها، بشعرها العسلي الطويل، عيونها الزيتونية، وبشرتها شديدة البياض.. كانت نوف ذات جمال حاد، وارثة من أبيها أكثر منها، بعيون بنية وبشرة حنطية صافية. لون شعرها البني القصير كان أبرز ما ورثته منها. حتى في اللباس، كانتا العكس. فجود كانت ترتدي فستانا أحمرا طويلا طويل الأكمام، بينما نوف كنت ترتدي فستانا صيفيا إلى الساقين دون أكمام، ذا لون سماوي مبتهج.

دعت ربها أن تلقى الفتاتان صديقة في إحداهما الأخرى..

:

كانت جود حذرة بطبيعتها، لكن مهما حاولت الإنكار، فإنها كانت تستبشر خيرا في زواج أبيها بمعلمتها زينة. في بادئ الأمر كانت نموذجا مغايرا لما تعودته من زوجات أب، وبالإضافة أنها كانت تستلطفها مسبقا، بل فكرت لحظة عندما عرفت أن لها ابنة بحظ تلك في كون أستاذة زينة أما لها.

تعرف أن لديها الكثير لتتعود عليه بخصوص هذا الأمر كله، لكنها وللمرة الأولى لم تكره ذلك أبدا، بل تشوقت له.

بعد الزفة بقيت جانب الأستاذة زينة تفصح بهمس عن هوية النسوة اللاتي سلمن عليها، شارحة لها كبداية أن أبوها كان الولد الوحيد بين أختين.

عن المرأة المسنة التي بدأت في السلام عليها قالت: هذي جدتي مروة. بتشد عليك في الأول لأنها شافت من زوجات أبوي اللي ما يسر. بس هي طيبة ومن الحين باين إنك عجبتيها.

عن المرأة اللابسة والمتزينة بالمبهرج واللافت قالت: هذي عمتي العنود، الصغيرة. شوي بتكون زعلانة لأن من فترة تلمح عن عروس عندها لأبوي، بس بتلين..

عن المرأة التي لم تخفي ازدرائها، اللابسة كأنها حاضرة لجنازة قالت: هذي عمتى منيرة، الكبيرة. معاها اصبري.. اصبري لين الله يكتب فرج..

عن المرأة التي نظرت إلى الأستاذة زينة بنظرة تقييمية، اللابسة للخفيف الضيق العاري قالت: جاء السيرك.. هذي طليقة أبوي الثانية، سماهر، وأكثر وحدة تحاول فيه إنه يرجعلها. طنشيها.

ابتسمت الأستاذة زينة بتهكم وهي تتلقى كل كلامها، لم يبد عليها الذعر أو الخوف، بل التخطيط والتفكير.

:

غريب كيف أن التوتر اعتراها فقط عند دخولها باب البيت الذي أصبح بيتها. أصبحت تتشاغل بتعريف ليث لأركان البيت عن التفكير بما سيحدث لاحقا. لكن سرعان ما أدركت عندما طلب ليث من جود إرشاد نوف إلى الغرفة التي جُهزت لها أنهما بقيا لوحدهما. سألها، ضاما يدها في دفء يده: مشينا؟

فقط أومأت بنعم، فجأة تجد الكلمات في حلقها متوقفة دون حراك.

دخلا إلى جناحه المبهر، لكن توترها منعها من التمعن في تفاصيله. بدلت ملابسها بقميص نوم حريري متواضع التكشف. كانت على وضوء فلم تضطر إلى مسح زينتها.

ارتدت جلال صلاتها ثم صلا ودعا هو بالدعاء المأثور. شعرت بأغلب التوتر ينساب منها عندما جلسا على السرير.

خجلت من الطريقة التي كان ينظر فيها ليث إليها، كأنه مأخوذ مسحور. لم تعتد تلك النظرات أبدا، فتجربتها الأولى كانت مليئة بالتهميش والبرود وأحيانا الازدراء..

نفضت غبار ذكرياتها عنها، فهذا لم يكن الوقت في التفكير في زواجها السابق.

بدأ هو في الكلام، بابتسامة وجدت أنها تسحرها كلما تلقتها: لك من اسمك نصيب هائل، ما شاء الله../ أردف بعدها والاعتذار يقطر من نبرة صوته: السموحة عشان ما رتبت سفرة لنا، ظروف عملي الحالية ما تسمح، وأوعدك بالتعويض في أقرب فرصة..

قطبت حاجبيها بعجب: عادي يا أبو جود، ماله داعي كل ذي الكلافة. إنت ما قصرت معاي أبد..

لوهلة بدا كأنه متفاجئ من ردها، لتتبدل ملامحه بالرضا، يمد يده ليمسح بإبهامه على شفاهها بخفة، ويهمس بعمق ذو معنى: مرة أستاذ ليث، ومرة أبو جود.. متى بنسمع ليث منك؟

شعرت بجسدها يغلي بحرارة خجل كاسحة، بقلبها يتفجر نبضا، وقبل أن تستطيع الرد وضع شفتيه محل ما تحسسه إبهامه، ملثما لها بعمق حريري سرق صوابها.

/

/

أتى ميعاد زيارة مزرعة جدها عمر، ميعاد تجنبته لعدة مرات بعد تدهور الحال عليها. لم تكن تحب تلك الزيارات، ليس لأنها تكره جدها لا، بل لأن اجتماع العائلة لأيام عنده دائما ما أشعرها بالنبوذ. وبعد ما حدث قبل سنة؟ تتوقع أنها ستكون محل ازدراء الكل. وما أصعب شعور الغربة وأنت بين أهلك.

تذكرت لحظتها تعريفها للعائلة الذي قدمته ليارا مرة..

لجدها سعيد أربعة: بكره عمها طلال، عمتها هدى، يليها عمها متعب، ثم الأصغر أبوها.

لعمها طلال ثلاثة: بكره سعد المرحوم والد يارا، جواد، وبشاير.

لعمتها هدى اثنان: دانية وسامي.

لعمها متعب خمسة: بثينة، سميرة، عبد العزيز، نايف، والصغرى لمى.

ولم يكن لأبيها سواها وماجد.

كل أولئك، كانت ميساء تحت أنظارهم في كل زيارة، كيف لا وهي ابنة منى التي لم يرضى أحد زواج أبيها بها لعداوة قديمة بين العوائل، منى التي تزوجها أبوها كرد دين لشقيقها الذي ساعده مرات لا تحصى في دراسته في الخارج، منى التي ظل أبوها معتزل النساء بعدها حتى وقت قريب؟

بينما تقبل جدها وعمها طلال زواج أبيها في النهاية، لم ينطبق ذاك الحال على عمها متعب وعمتها هدى، وتحفظاتهما ورثاها لأولادهما، أمر أصبحت تتوجس منه كلما كبرت وأدركت ما يحصل حولها.

لكن هذه المرة لم تستطع تجنب الأمر، فقد طرأ سفر عمل على أبيها ووصاها أن تزور جدها وتوصل سلامه إليه.

تنهدت وهي تحزم أمتعتها، ستكون هذه الزيارة كابوسا بحق.

كادت تضحك ببرودة عندما خرجت ورأت لمى قد احتكرت سيارة جواد لها، وبسبب ذلك فإنه سيكون عليها ركوب سيارة عمها طلال وزوجته عبير. أمر لم تحبذه، فبينما هي تحب عمها حبا عظيما، لم تكن هي والعمة عبير على وفاق. تمنت لو شريف كان من يوصلها، لكنه كان في إجازة يقضيها مع عائلته منذ البارحة.

:

طول الطريق كانت إما مشغولة مع يارا، إما تجيب على أسئلة عمها الودودة، وإما كانت على جوالها، تارة تلعب لعبة وتارة تقرأ رواية حملتها.

لم تلاحظ توقف السيارة في محطة إلا متأخرا، بعد أن خرج الكل.

نزلت من السيارة تتجه إلى محل التموينات الخاص بالمحطة، تشتري ما تفطر به بالإضافة إلى حلوى تعطيها صغار العائلة الكثرى. وعند المحاسب كانت تهم بالدفع.. إلى أن جواد سبقها في ذلك، حاملا ما اشترته قبل أن تعترض.

اكتشفت وهي تلحقه أن الكل قد انتهى من قضاء حوائجهم المختلفة. أكانوا ينتظرونها؟

رتب مشترياتها في الخلف وأعطاها الكيس الصغير الذي خصصته لما ستتناوله الآن. عندها همست له بـ: مشكور.

لا تدري حتى إذا سمعها فقد مشي مبتعدا. ويالعجب حالها، صادفته هذه الأيام الأخيرة أكثر مما صادفته لسنة.

ظلت تفكر، مشتتة، لدرجة أنها نسيت الأكل. وجدت السيارة تتوقف أمام أرض فضاء بعد فترة قصيرة. رأتهم قد افترشوا لهم مكانا على الأرض، ناوين الإفطار في جو هذا الصباح الرائع. لكن ميساء فضلت البقاء في السيارة، رافضة بلطف عرض عمها ويارا بالخروج.

قضت فترة في السيارة لوحدها قبل أن ينفتح باب السائق، لكن بدل عمها كان الداخل جواد.

رأته يبحث في أحد الأكياس، لتسأله مخفية توترها، كلماتها الأولى له منذ سنة: وش تدور عليه..؟

تجمد عند سماع صوتها. هل فاجأته؟ ألم يكن مدركا أنها كانت في السيارة؟

أجابها أخيرا: موية..

التفتت إلى كيسها تبحث فيه عن قارورة ماء، لتحسه قد أخذ القارورة التي كانت تمسكها، التي كانت تشرب منها. قال قبل أن يخرج، قاطعا لأي اعتراض قد يتشكل في بالها: هذي بتكفيني..

خرج ليتركها مذهولة مستغربة منه أشد الاستغراب، مسلوبة النفس من الفوضى الذي يحدثها فيها مرآه.

/

/

ارتاحت بيان لمعرفة أن حاضري مسجد الحي اهتموا بياسر عندما حضر الصلاة. لا تدري من أين عرفوا بحالته، لكنها لا تهتم. المهم أنها لم ترى الضياع في عيون ياسر وهو يحكي عما حصل.

سألها بعد أن أفطر، يراقبها وهي تطعم ساري باهتمام: إنتي أمس نمتي عندي..؟

تجمدت للحظة، ثم نظرت له بابتسامة: لا، نمت أنا وساري في غرفة ثانية..

أتى عندها سؤال توقعته: ليه؟

سألت بدورها تتحايل: أمس ما تقدر تناظر لي، واليوم تسأل ليه ما نمت عندك؟ وش التطور هذا..؟

للحظة احمر وجهه، لكنه سرعان ما تمالك نفسه وأصر بملامح جلدها بالجدية: ليه يا بيان؟

أجابته بتمويه، بنصف حقيقة: أبغاك تتعود أول.. مو لازم العجلة..

نظر إليها للحظات صامتة، باديا عليه الشك في جوابها، لكنه لم يسأل بعدها، وأخذ منها الصحن الذي كانت تطعم منه ساري والملعقة، ليطعمه بدلا عنها.

الحقيقة.. الحقيقة التي لم ترد كشفها الآن على الأقل، أنها هي من لم تكن متعودة..

فغالبا، هي وياسر لم يناما في غرفة واحدة.

انتهى البارت..


ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...