استوقفه منظر الصفحة التي كانت تتفحصها جود على الأيباد خاصتها وهو مار بغرفة الجلوس. كم من مرة رأى ابنته تتفحصها بإندماج يصعب قطعه؟
جلس جانبها وسأل عندما نجح في أخذ انتباهها بعيدا عنها: وش الصفحة هذي؟
اعتاد من جود الصراحة، وأثار ترددها اللحظي فضوله. يعرف أنها لم تكن تتصفح شيئا مخلا، فهو واثق من ابنته وتربيتها. إذا، ما السبب؟
أخيرا أجابته: هذي مدونة خالة زينة.
كان ينظر إلى الصفحة باهتمام طفيف، لكن بعد إجابة جود وجد نفسه يخطف الأيباد منها، يمسح بعيونه على كل تفصيل موجود في الصفحة: مدونة؟
رأى جود تومئ بنعم بطرف عينه: تكتب آرائها وتوصياتها فيها..
لحسن حظه فهو كان سريع الحفظ، بنظرة واحدة حفظ عنوان رابط الصفحة قبل أن يعيد جهاز الأيباد لجود، مقررا أن مدونة زينة ستكون مادة قراءته لهذه الليلة.
/
/
-: من اللي قلتيه، متأكدة مية بالمية إن الرجال ميت فيك.
هذا كان ما استنتجته صديقتها لجين عندما حكت لها عن التطورات التي حصلت بينها وبين ياسر. كانت لجين كالأخت التي لم تحظى بها، حافظة سرها وشكواها.
"ياسر..؟ ميت فيني..؟"
سألت، تبعد نفسها عن التفكير في اضطراب قلبها الفرح لتلك الفكرة: وإذا؟
أجابتها لجين ببساطة: استغلي الفرصة وإبدأي صفحة جديدة.
استنكرت بيان الفكرة للحظة: مو كأن هذا غش؟
لترد لجين بكل أريحية: وسعي صدرك معاه واستانسي، مو هذا اللي كنتي تتمنينه؟ إنه يحبك؟
نعم، تلك كانت أمنيتها. لكن.. هل كان من الصحة بناء بداية جديدة دون ختام للماضي؟
:
رأت في ملامح ياسر التوجس المترقب وهو يجلسها جانبه، الجدية والحزم في نظرته وصوته: بيان، بسألك سؤال وأبغاك تجاوبين عليه بكل صراحة.
بدايته هذه أخافتها.. ما طبيعة السؤال الذي كان يريد طرحه؟: اسأل..
عندها نطق وأسكت أفكارها للحظة: أنا كنت أضربك؟ أعتدي أو أغلط عليك؟
اعترضت باستنكار شبه سخط: لا طبعا..!
لم يمد ياسر يده إليها قط، وحتى في المرات التي كان يقربها كان يستشعر رضاها. لا تستطيع حتى قول أنه كان يجرحها بالكلام..
مشكلة ياسر كانت في صده وفي نفوره، في بعده وأحيانا نزقه المتأفف.
ما الذي قد يبعث فكرة الاعتداء بالضرب لياسر؟
سأل، ربما يستحثها: ليش أحس إني كنت ظالمك؟/ أردف: شفت الغرفة اللي كنتي تنامين فيها، وشفت أغراض لي فيها، على عكس ذي الغرفة اللي مليانة بأغراضك. وش كان الهدف؟
رأت الضياع والحيرة القاتلة الأليمة في عيونه، لتتنهد وتعترف بما لم ترد الإعتراف به حتى وقت بعيد، ربما لحفظ فكرة جيدة عن نفسه لياسر، أو ربما حفظا لكبريائها: إنت كنت مغصوب علي..
:
من بين كل الاحتمالات التي توقعها، لم يكن ما نطقت به بيان من ضمنها: إيش..؟
أردفت بيان بشيء من الألم: مدري عن التفاصيل وإنت ما عمرك قلتلي، بس اللي أعرفه إنك كنت مغصوب علي..
أخذت أسئلة لا تحصى تتشكل في باله، لِم لَم يحس بأنه مجبور للحظة مع بيان؟ لم كان كل ما أحسه وأيقنه أنها كانت خياره؟ لم شعر بارتياح غامر تجاهها من اللحظة التي فتح عينيه لمرآها؟
لكنه لم ينطق بأي منها، وسأل بدلا: كيف عرفتي؟
أجابته بخفوت: سمعتك تكلم أبوك بالجوال ليلة عرسنا وتقوله له "كفاية غصبتني على الزواج هذا، لا تغصبني على سفرة"، ولما سألتك، أكدت لي..
استنكر تصرفه. صحيح أنه ربما لم يرد أن تسمع مكالمته وتعرف حقيقة زواجه منها، لكنه أيضا لم يراع مشاعرها بتأكيده: طيب.. إنتي كنتي مثلي، مغصوبة؟
هزت رأسها: لا، أبوي مدحك لي ووافقت..
سأل عندها سؤالا بدر لذهنه من اللحظات الأولى التي جمعتهما: حبيتك..؟
ضحكت ضحكة باردة باهتة: ما أظن.. كنت طايقني على الأقل في الأخير..
نبض قلبه بقوة، كأنه مستنكر لقولها. سأل سؤاله الأخير، سؤال لم يظن أن بيان ستجاوب عليه: وإنتي.. حبيتيني؟
لتصدمه إجابتها الصادقة الصريحة: إيه.. من كل أعماق قلبي.
/
/
طيلة بقاء جواد معها، أخذت ميساء إجازة من المعهد، وهاهي الآن تستأنف حضورها له وتعود إلى بيتها في وقتها المعتاد. صلت المغرب ثم العشاء، وقبل أن تشغل التلفاز، تبحث عن شيء تشاهده وهي مستلقية على سريرها الذي لم ترجعه إلى غرفة نومها بعد، سمعت أصواتا تأتي من الطابق العلوي.
كأنه.. صوت فتح باب؟
صعدت الدرج ومعها أكبر سكينة وجدتها في المطبخ، تحسبا، لتقف مستغربة كل الاستغراب عند باب غرفة نومها المغلق.
كان هناك كيس يتدلى من مقبض الباب، ومن العلامة التجارية المسجلة عليه، كان كيسا من محلها المفضل.
تناولت الكيس لترى قطعة داخله، فستان شبيه بالذي أفسدته بتمزيقه في تلك الحادثة، لكن بلون وطول مختلفين، فهذا كان تفاحي اللون بينما السابق كان أحمرا، وكان هذا أقصر بينما كان السابق أطول بكثير..
"وش اللي قاعد يحصل هنا؟"
فتحت الباب، محكمة قبضتها على السكينة، لترى منظرا سمرها في مكانها.
جواد، جالس على سرير مزدوج، يقرأ كتابا ما. بدأ يتكلم وهو يقرأ: تأخرتي../ وعندما نظر إليها، رفع حاجبا باستغراب: وش قصة السكينة؟
أدركت إمساكها بالسكينة إلى الآن، لتضعها على التسريحة قرب الباب. ردت عليه بنفس الاستغراب: وش قصة الفستان والسرير؟/ والسؤال الأهم..: وش قاعد تسوي هنا؟
أجابها وهو يضع كتابه على المنضدة، يقف بكل أريحية كأنه لم تصبه إصابة قط: الفستان تعويض، والسرير لأن حقك القديم ما ينفع لاثنين. وإذا نسيتي، البيت هذا بأقسامه ملكي، وأقدر أروح وين أبغى..
وقفت مذهولة مما تفوه به: إيش..؟
لم يجبها، فقط رمى ملفا عند قدميها، ملفا يحتوي على تقاريرها الطبية..
سألها عندما نظرت إليه، ببرود صقيعي لم ترى مثيلا له: متى كنتي ناوية تعطيني خبر؟/ أردف: ولا بتخبينها زي ما خبيتي القديمة..؟
التقارير القديمة، تلك التي صرحت بعدم قدرتها على الإنجاب، تلك التي أخفتها عن جواد في لحظة إنكار، في أمل أن تستطيع أن تتعالج قبل أن يكتشف أمرها ويطلقها بسبب إصرار أمه.
ابتسمت بسخرية، ببرود مماثل: وكيف يكون لي وجه أقولك؟
تذكرت مرة وصل بهم الجدال إلى درجة تصريحها بعدم رغبتها بأطفال، بأخذها موانع للحمل، رغم أن العكس كان صحيحا، فهي لا تريد شيئا أكثر، ولا تعرف حتى كيف تبدو علب موانع الحمل. كانت تختبئ وراء إنكارها لنقصها، وراء قناع اللامبالاة والاستهتار..
تذكرت مرة بعد طلاقه لها، زيارته لبيت أبيها، يحذرها من ذاك الخاطب بندر، من أنه يخفي الكثير من المصائب والعيوب، وتذكرت إصرارها على العكس، على التزوج من ذاك الخاطب بالذات، مدفوعة بالقهر والغضب والغيرة والشجن، لكون جواد قد عقد قرانه على لمى قبل أيام من زيارته. هدفها الأهم في الزواج حينها كان أن يصبح التفكير في جواد حراما عليها، حتى لا تُغرق نفسها بين الذكريات.
لكن كان جواد محقا، فبندر كان له مآرب خاصة، دفعته لتطليقها أمام جمع غفير من الناس، قبل أن تتم الزفة.
لم تكد تخلع فستان الزفاف إلا والألسن تلوكها.
أتى إليها والدها مؤنبا مقهورا صارخا بعد أيام، يخبرها أن جواد كان في المجلس، ولن يمضي هذا اليوم إلا وهي في ذمته مرة أخرى، وإلا لن يرضى عليها أبدا.
وهكذا امتثلت لأمره، لتعود إلى ذمة جواد وهو مجبر عليها، مضحي.
وعدت نفسها تلك اللحظة بأنها لن تتدخل في الحياة الجديدة التي رسمها لنفسه، وطلبت منه أن يدعها وشأنها، بأن يتركها لعزلتها التي صنعتها لنفسها، مجروحة الروح، محطمة الكبرياء.
(طلبتك.. اتركني لحالي..)
فكيف.. كيف يمكن أن يكون لها الجرأة بأن تقول أنها تريد طفلا منه؟
اقترب جواد منها حتى لم يعد يفصل بينهما الكثير، يسألها بصوت شابته المرارة: وليش ما طلبتي الطلاق؟ تشوفين لك رجال ثاني تكملين حياتك معاه بدون ذا الثقل بيننا؟
نظرت له عندها بقلة حيلة، فهي لا تستطيع مد آمالها وأحلامها بعيدا عنه: مابي غيرك يكون أبو عيالي..
أشاحت بنظرها بعيدا عنه بعدها، محرجة من اعترافها النابع من صافي قلبها، لتسمعه يضحك، لتسمع الضحك والعجب في صوته عندما قال: ليش لا؟ ليش ما نجرب..؟
وقبل أن يكون بوسعها السؤال، ألصقها به ولثم شفاهها بزخم شغوف أشبه بالعنيف، شادا إحكام ضمه لها كأنه يخشى أن تفلت منه، كأنه يلاحق حلما وهو يوزع قبلاته على كل ما يستطيع أن يصله منها..
ابتعد عنها لحظها قبل أن يهمس بعمق ساخن بالكاد سمعته من طبول قلبها وأنفاسها اللاهثة الثقيلة: بعطيك اللي تبغينه.. كل اللي تبغينه..
لم تستطع مقاومته، ولن تستطيع، لن تفعل.
ربما كانت ميساء الرسامة، لكن في ظلمة غرفة نومها، كان جواد هو من يرسم على ظهرها أشكالا عشوائية بلمسات أنامله.
كان عندها الكثير لتسأله.. ماذا يعني هذا؟ هل سيتغير الوضع بينهما؟ هل سيكون هذا التغيير دائما أم مؤقتا؟
لكنها فضلت عدم إفساد هذه اللحظة، وسألت بدلا عن ذلك كله: متى جبت السرير..؟
أجابها: بعد العصر../ استطرد بصوت تكاد تسمع فيه البسمة: عارف إنك بتسويها سالفة إذا السرير ما تناسب مع ديكور الغرفة، ولا كنت بجيب أي واحد قدامي وبخلص بدري..
عندها لم تستطع منع نفسها من الابتسام: لساته طالع شكله غريب عن باقي الأثاث..
سألها بتهكم طريف: يعني إيش، بتبدليه؟
اتسعت ابتسامتها أكثر: لأ.. عجبني..
سكت للحظة، تحس رضاه بجوابها، ثم نطق: وش كانت قصة السكينة؟ ما عطيتيني جواب..
أجابته بكل بساطة: كنت أحسبك حرامي.
بدا في صوته عدم التصديق. الغضب حتى: وإنت زي المهبولة تروحي تطاردي حرامي بسكينة؟ كان اتصلتي علي.
قالت بخفوت: ما كنت واثقة إنك بترد..
شد من إحكام ضمه لها، وسألها بحرقة: جربتي مرة تتصلين؟
كلاهما يعرفان جواب هذا السؤال، فحدها طوال هذه السنة كان بضع رسائل نصية تخبره بمكوثها في بيت والدها.
قال هو عندها، قاطعا هذا الصمت القائم بينهما، يلثم ظهر عنقها بشفتيه، ليهمس بعدها في أذنها: اتصلي علي، ووين ما كنت بجيك..
:
نظرت ميساء إلى جواد بعدم استيعاب عندما رجع بعد ذهابه إلى المسجد للصلاة، ظنته لن يعود..
لكن هاهو ذا، رافع حاجبه باستغراب من تحديقها، يثبت بصمت لها أن ليلة البارحة لم تكن حلما وهو يتجهز لأخذ قسط من النوم من جديد، ساحبا لها معه.
لم تستطع النطق إلا باسمه كسؤال، لتراه يبتسم بسخرية خبيثة: وراك تتصرفين كأنه هذي أول صباحية لنا؟
احتضنها بالطريقة التي كان يفعل في الماضي، بإحكام شديد كأنه يريد حفظها بين أضلاعه، وكم اشتاقت إلى هذا الدفء، هذا الإحساس الغامر بالأمان.
:
عاد لقسمها بعد العصر بعد غياب يوم. سألته لمى لا تخفي سخطها: وين كنت؟
أجابها ببرود أثار غضبها أكثر: عند ميساء.
ما باله يتكلم كأنه لم يفعل شيئا؟: وليه؟!
ألم ينتهي مكوثه عند تلك بتعافيه؟
كرر بتهكم ساخر: ليه؟ مو هي زوجتي ولا أنا قاري العقد غلط؟/ أردف يقاطعها بحزم قبل أن تنطق بالاعتراض: لعلمك من اللحين ورايح بيكون ليلة لك وليلة لها.
وقبل أن تعترض رن هاتفه مقاطعا، لتتعجب من ظهور الغضب الكاسح المتوعد في ملامحه، في جواد! هذا الرجل الذي لم تر منه سوى تعبيرين، الضجر و الجمود.
ما الذي قيل له حتى يغضب هكذا؟
مشي مبتعدا عنها، خارجا من قسمها على عجل، تاركا لها مصدومة من هذا التغير المفاجئ.
:
عندما رأى بندر جواد واقفا أمامه في قسم الشرطة، عرف أن الأمر وصل إلى الحضيض.
سأله: مستعجل على قبرك؟
لم يجب، فاقترب منه وهمس: اللحين السالفة صارت بيد القضاء، والله لو كنا برى كنت بذبحك زي الشاة.
رأى أيدي جواد مشدودة بإحكام حكى عن صعوبة ضبطه لنفسه لكيلا يقتله في موضعه هذا. لحسن حظه أتى ضابط يسوقه بعيدا عنه قبل أن يفعلها جواد حقا!
سأل يمثل الثقة عندما اختلى الضابط به في إحدى غرف الاستجواب: ليش استدعيتوني هنا؟
رد عليه الضابط بجمود: متهم بتدبير عملية اختطاف.
هوى قلبه إلى القاع، وازدرى ريقه قبل أن ينطق بفجع: وشهو؟!
لم يجبه الضابط، بل اكتفى بتشغيل فيديو له يعرض له استجواب رجل واعترافه.. رجل تعرف عليه بندر جيدا. كيف لا وهو من وظفه؟
(وظفني بندر السليم. كان الاتفاق بيننا إني أختطف زوجة واحد اسمه جواد السيف وأسوي بها اللي أبغى، ولي أجري إذا أرسلتله دليل.
ما كانت بالمهمة السهلة. قضيت أسبوعين أراقب وين ساكنة فيه ووين تروح بدون ما أقدر أقرب لها، بس فلحت إني صرت أعرف شكلها بالعباة ولو من بعيد. فرصتي جات لما راحت هي والعايلة لأرض برى الرياض ولحقتها لحمامات النساء.
ما بعدت بها كثير، شفت وجهها اللي سوى في علوم وما طقت صبر وأول مكان فاضي رحتله. وكانت ذي غلطتي لأن زوجها العلة قدر يلحقني بسرعة.. شكله تتبع أثار سيارتي أو شي. الـ*** يعرف يضرب مو كأنه محامي..!
الـ*** الثاني بندر ما رد مهما اتصلت به، شكله ناوي السحبة ما دامني تورطت. بس وين يروح مني. عندي لك يا حضرة الضابط تسجيلات لكل الكلام اللي دار بيننا. ما بطيح لحالي!).
انتهى الفيديو ونظر الضابط إليه ينتظر منه كلاما يدافع عن نفسه به، لكن لم يكن لدي بندر شيء، كيف وهو يرى أن الضابط كان معه أشرطة كثر، كلها دلائل تشير إليه..؟
خطته كانت أن يكون له شيء يلوي فيه ذراع جواد ليتركه، لكن الآن انهار كل شيء! كل شيء!
غلطته في أنه وظف ثرثارا مغفلا!
أخذ الضابط سكوته كإجابة، ليقول: ما كان يكفيك معاملاتك الغير مشروعة شكله..
نهض الضابط من كرسيه، تاركا له في الغرفة.
وهكذا.. انتهى أمره..
/
/
في بادئ الأمر، كانت مدونة زينة ذات تصميم هادئ بسيط مريح. دل ذلك على أنها كانت تريد من القارئ الاهتمام بفحوى ما تكتبه أكثر من القالب.
رأى أيضا أنها أبطلت خاصية التعليق في مدونتها، ولم تترك أي معلومة للتواصل معها.
انتقل بعد هذه النظرة المبدئية إلى قراءة ما كتبته.. لينبهر.
مهما بلغت شعبية الكتاب وشهرتهم ونفوذهم، لم تتردد زينة في النقد والإشارة إلى كل ما لم يعجبها، تارة تشير إلى قلة الواقعية في تناول أثر الحروب على الشعوب في رواية، تارة تشير إلى التفرقة باللون والمال التي شابت رواية أخرى، وتارة تشير إلى الرسائل المبطنة السامة في عدة روايات غفل الكثيرون عنها.. و و و.. تعدد نقدها وبقيت موضوعيتها ثابتة، مبهرة الثقافة.
لم يكن النقد فقط ما كانت تحتويه مدونة زينة، وجد ليث أيضا تحليلات لأحداث الروايات التي تتابعها، توقعاتها وآمالها. وجد توصيات لكتاب وروايات، وأدرك وهو في منتصف قراءة لائحة توصيات زينة من أين أتت جود بطلباتها، ما كان مصدر مواد قراءته الحديثة هذه الأيام.
ابتسم، فهو قد استمع كثيرا بقراءة ما انتقته.
وعندما قرأ ما كتبته عن إحدى رواياته، مقارنة برواياته الأولى في السلسلة، ضحك بشيء أشبه بالهيستيرية.
"كتبت كل اللي في بالي وكان يزعجني.."
رباه، ما هذه المرأة؟ كيف يمكن أن تسحره حد الهوس في كل جانب يكتشفه فيها؟
:
قال لها ليث عندما استلقت جانبه، معلنا: لقيت مدونتك الليلة..
ابتسمت هي. إذا مدونتها كانت ما أشغله حتى هذا الوقت المتأخر. كتبت فيها ولسنين.. هل يعقل أنه أنهى قراءة كل ما تحتويه؟: مين دلك عليها.. جود؟
-: ما يهم من وين، المهم اللي قريته../ سمعت التسلية في صوته عندما أردف: عندك آراء مثيرة للاهتمام بشأن كتاباتي يا أستاذة..
لترد هي بتحدي: ما أظنك باللي يزعل من كلمة نقد.
أيدها: إيه، ما أمانع أبد. الساحة كانت فاضية من نقاد زي زمان، إلى أن لقيتك، وبصراحة، استفدت.
لم تتوقع هذه الأريحية التامة في التعامل مع النقد منه، هذا الرضا، حتى مع اعتقادها أنه لن يغضب كثيرا. أربما كان ليث ضجرا من المدح الفارغ الغير هادف؟
سألها عما استوقفه في مدونتها عنه، وأجابته بكل شفافية. اعترفت له أن روايتها المفضلة له كانت الأولى، "حارة الرضيعة"، عن شاب يجد نفسه يربي طفلة تُركت على عتبة بابه، والعالم الغريب العجيب الذي كشفته الحارة التي انتقل إليها حديثا. كانت رواية خفيفة طريفة، تختلف باتجاهها اختلافا تاما عن باقي رواياته. لا تدري زينة كم مرة أعادت قراءتها بشغف لا ينضب: صحيح إنها ما كانت بنفس التمرس ولا كان لها نفس صلابة الحبكة زي رواياتك اللي بعدها.. بس أحسك بذلت كثير من روحك فيها، ولامست كل كلمة شي في روحي..
اعترف لها عندها: ذيك الرواية عزيزة على قلبي.. كانت سلواي وونيسي أيام الغربة. ويا سبحان الله، ما مضت سنين إلا وأشوف نفسي في موقف بطل الرواية وبربي بنتي..
لترد عليه بنفس الصراحة المعترفة: وأنا قريتها في وقت صعب في حياتي.. كنت أقراها عشان أخفف عن روحي، ابتسم بين قهري ودموعي..
قد أفصحت له مرة عن حياتها مع رائد، ليس كل التفاصيل، لكن بقسط يكفي لتشكيل منظور عام عن الوضع. لم يضغط عليها بالأسئلة، حتى لو رأت الرغبة في معرفة المزيد في عيونه.
كان فقط يشد من ضمه لها، يؤكد بصمت أن ذاك الماضي قد انتهى.
(بكون أنا العوض في حاضرك إن شاء الله..)
بقيا يتكلمان ويتصارحان ويتناقشان.. وكم كان رائعا، إيجاد رفقة كهذه في زوجها.
/
/
هز اعتراف بيان عالمه، جعله ينظر إلى عيشته بمنظور آخر. هذا كان السر، أليس كذلك؟ هذا كان سبب الحاجز، سبب غرابة قراراته، هذا ما كان يجب عليه تخطيه ليصلح علاقته مع بيان. هذا كان كل شيء.
هي كانت تحبه، وهو كان مغصوبا عليها.
لماذا إذا كان يحس بأنه ما زال هناك شيء عليه كشفه، حقيقة أخرى مختبئة تحت هذه؟ لماذا شعر بمرارة كلمة "مغصوب"؟ كأنها لم تكن صحيحة.. أو ربما لم تعد؟
لا، لم يكن ياسر مقتنعا.
ما زال لهذا اللغز تتمة.
:
تصرفت بيان كأن شيئا لم يحدث، بأن الوضع لم يتغير. لكن ياسر لم يفعل المثل، صحيح أنه ما زال يولي ساري انتباهه واهتمامه، لكنه أيضا كان يتصرف بسكون غريب، سارح في تفكيره معظم الوقت، وإذا حدث ونظر إليها، كان ينظر إليها بتفكير وحيرة، بعدم استيعاب.
نطق أخيرا بسؤال، بعدما نومت ساري، بعدما جرها بخفة وراءه إلى الغرفة التي كانت تمكث هي وساري فيها سابقا: ليه حبيتيني؟ ليه وأنا ما أعطيتك سبب؟
قطبت حاجبيها وسألت بدورها: مين قال؟
أحبته لأنه ينسى غضبه بسرعة طريفة. أحبته لاهتمامه وحبه العظيم لساري. أحبته لصبره المساند لها في أيام وحامها وخلال تعب الحمل كله. أحبته لتشجيعه المزعج في مباريات فريقه. أحبته لتذكر مواعيد كل شيء. أحبته لوداعة ملامحه وهو نائم. أحبته لافتخاره المغيظ بالطبختين التي يتقن صنعهما. أحبته لشغفه في مجال عمله، بجمال مخططاته الهندسية التي رأته يعمل عليها أحيانا. أحبته لكل تفصيل فيه، حتى المزعج منها والمغيظ.
أحبته رغما عنها، حتى عندما حاولت نكران ذلك طوال سنين زواجهما، لتأتي غيبوبته، احتمالية فقده للأبد، لتكشف لها عن كل مشاعرها.
كل ذلك، قالته له، متجنبة النظر إليه. وكأنها سمعته يتمتم.. "يا حظه.."
سمعته يسأل: تقدرين تحبيني وأنا ناسي، وأنا يمكن ما أقدر أتذكر؟
ابتسمت له واليقين ينتشر في روحها قبل أن يُسمع في صوتها: إنت لساتك ياسر.. أكيد بحبك، أكيد بظل أحبك..
لم تدري إلا وهو يغمرها بقبلاته، يخطف أنفاسها بشغفه، بهمسه الأشبه باللهث، يخبرها بتكرار وتأكيد بكلمة لطالما تمنت سماعها منه في أعماق روحها: وأنا أحبك.. أحبك يا بيان، أحبك..
:
للحظة، عندما ظن ياسر أن مشاعر بيان ستقتصر على الماضي، على من كان سابقا، حسد نفسه، غار من نفسه!
لكن الآن عرف الحقيقة، مهما تذكر، ستحبه.
مهما تذكر، سيحبها..
جلس من رقوده فجآة، موقظا بيان معه: وش فيك.. الصداع مرة ثانية؟
هز رأسه بــلا، وقال: ما أصدقك..
ظهر في صوتها الاستغراب: ما تصدقني.. كيف؟
قال بيقين: ما أصدق إني ما كنت أحبك./ أردف ناظرا إليها، يتتبع ملامحها المذهولة تحت الإضاءة الخافتة: لي قرابة شهر معك وأنا ذايب في هواك من يوم ما انفتحت عيوني عليك.. مقدر أصدق إني متزوجك من سنتين ونص وبيننا ولد وما أكون مجنون فيك.
لم يكن منطقيا. الفرق في ذاكرته كان أربع سنوات فقط، وعلى حسب ما جمعه من الناس، فإنه لم يتغير ذاك التغير الملحوظ أبدا. قلبه ما زال قلبه.
جادلته بيان بزخم ضعيف خجول، ربما متأثرة مما كان يتفوه به: يمكن الظروف خلت يكون فيه اختلاف في مشاعرك.
أومأ بنعم، يوافقها في تلك النقطة: لكن اللي لاحظته وحببني فيك كانت تفاصيل ثابتة فيك. لا تقولي إن ما عمرك ضحكتي أو مزحتي في السنتين ونص ذيك. لا تقولي إنك ما كنتي نعم الأم لساري. لا تقولي إنك ما كنت نعم البنت لأمك. لا تقولي إنك ما كنتي صبورة ولا ما كان عندك روحك الحلوة هذي. لا تقولي إن عيونك ما كانت تذوب الواحد دفى.
كانت بيان منلجمة اللسان، واستطاعت فقط النطق بخفوت: ياسر..
أخيرا تنهد: كنت أحبك يا بيان. الله يقدر لي بس أثبت لك..
انتهى البارت..
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!