الفصل 8 | من 13 فصل

رواية مشكلتي مع كلمة ... الفصل الثامن 8 - بقلم Misoo

المشاهدات
19
كلمة
4,238
وقت القراءة
22 د
التقدم في الرواية 62%
حجم الخط: 18





سمع صوت صينية توضع جانبه، ثم صوت زينة يسأله، يقطع عليه تركيزه للحظة: وش قاعد تسوي عندك؟

أجابها غير رافع عينيه عن رقعة الشطرنج أمامه: أفكر..

جلست هي عندها، لينظر إليها ويرى حاجبها مرفوع باستغراب: تفكر وإنت قاعد تلعب شطرنج لحالك؟

ابتسم، مدركا أن عادته هذه بدت غريبة وتحتاج إلى تفسير: لما أكون عالق بزيادة في تفاصيل رواية، ألعب شطرنج مع نفسي.. يساعدني إني أركز.

بدا على ملامحها التفهم، لكنها قالت: مو ممتعة اللعبة لما تلعبها لحالك..

تنهد: أدري، بس مافي أحد يعرف يلعب قريب. مرة حاولت أعلم جود عشان تكون خصمي بس طفشت على طول وتركتني في النص..

ضحكت زينة بخفة لسماع تلك الذكرى: مو الكل بيكون مهتم، أخمن../ أردفت بتحدي: ومين قال ما تعرف أحد يلعب الشطرنج قريب منك؟

قطب حاجبيه بعجب منها، غير مستوعب للحظة ما تقصد، إلى أن أدرك: إنتي؟

كانت ابتسامتها متسلية: ليه متفاجئ..؟ صح إني ما لعبت من دهر، بس لسى أتذكر قواعد اللعبة. كل اللي يبغالي هو إنعاش ذاكرة.

أكانت تهدف زينة أن تكون مختلفة كل الاختلاف عن ما عهده في زواجاته السابقة في كل التفاصيل؟ ابتسم هو، يعيد ترتيب رقعة الشطرنج للعبة جديدة: السيدات أولا، اختاري لونك..

لم تأخذ زينة لحظة حتى تختار: الأسود.

أتراها كانت تلعب الأسود في الماضي؟: لعلمك يا الزين، ما بتساهل معاك.

برقت لمعة التحدي في عيونها أكثر: ومين قالك تساهل؟

اكتشف ليث بعدها أن زينة كانت صادقة في كلامها، وكل ما كان عليها إنعاش ذاكرتها بلعبة تحمية فاز هو فيها.

في لعبتهم الثانية أعطاها حرية الإختيار، ومجددا اختارت الأسود.

سألها قبل حركته الأولى: من وين تعلمتي اللعب..؟

مهما كان المصدر، كان متمرسا بحق.

أجابته: أبوي كان يحب ذي اللعبة وعلمني.. ما قدرت أفوز عليه مرة الله يرحمه.

كرر: الله يرحمه..

ود لو عرف والد زينة يعقوب في حياته، فمن كلامها عنه بدا رجلا مثيرا للاهتمام. مترجم ناطق لست لغات بطلاقة غير العربية والإنجليزية، مستخدما خبراته في عدة أماكن حول العالم قبل أن يتقاعد. أخبرته زينة أن حلمها في الماضي كان أن تدرس الترجمة مثله قبل أن تستبدله بالتدريس.

كانت هذه اللعبة أكثر تحديا بكثير من سابقتها، فزينة قد تكمنت من تذكر إيقاع لعبها، مثبتة له أنها كانت خصما لا يُستهان به.

أصبحا تارة يصبان كل تركيزهما على الرقعة بينهما، وتارة أخرى ينخرطان في الحديث بينما يفكران في تحركاتهما القادمة. صينية الحلا والقهوة التي أحضرتها زينة معها بقيت منسية بينهما.

التفكير في تفاصيل روايته كان آخر ما يفكر به حاليا، وكان يجب أن يتوقع ذلك، فحتى لو جلست جنبه صامتة، فإن زينة كانت لتشتت انتباهه، ذلك التأثير الخاص بها الذي يجعله يصب كل اهتمامه عليها حال دخولها لمجال نظره.

فاز مرة أخرى، لكن بصعوبة.

لعبا مرة أخرى بعد.. وابتسمت زينة بانتصار وهي تعلن: كش مات..

ربما لم يكن من الحكمة، لعب لعبة مع خصم كزينة، لأن بدلا من الشعور بغيظ الهزيمة، كان جل تفكيره مسح ابتسامة نصرها بقبلة.

تناول يدها الممدودة بقطعتها التي قادتها للنصر، يرفعها ليقبل كفها ويقول بعمق مفتون: ما عمري شفت أحد يلبس النصر أحلى..

رأى الحمرة تعتليها، ليكون دوره في الابتسام بانتصار..

"كش مات.."

/

/

كانا يتحدثان عندما فجأة اقترب ياسر أكثر وطبع قبلة على خدها ثم أكمل كلامه. لكن بيان استوقفته: وش قصدك من ذا..؟

قالها كأنه قانون: لازم../ أردف بابتسامة: يعني تتوقعين أشوفك مبتسمة ومطلعة الغمازة وأقعد بدون ما أسوي شي؟

أحيانا، بعد التطورات التي طرأت في علاقتها بياسر، شعرت بيان كأنها تختلس شيء، لكنها سرعان ما تذكرت أن ياسر كان على دراية بما تأسست عليه علاقتهما من اليوم الأول، وكان خياره في أن يحبها ويظهر ذلك.

ربما، على رأي لجين، يمكنها بحق أخذ هذه البداية الجديدة.

وإذا استعاد ياسر ذكرياته، عندها..

(ما أصدق إني ما كنت أحبك..

كنت أحبك يا بيان. الله يقدر لي بس أثبت لك..)

لكل حدث حديث..

:

رأته غارقا في التفكير، وتوقعت أنه كان يفكر بهاجسه الحديث. سألته، لا زالت غير مقتنعة، غير مستوعبة، لما يريد ياسر تحقيقه وكيف: ليه مصر تثبت لي إنك كنت تحبني قبل الحادثة؟

أجابها: قريت مرة إن فيه حالات فقدان الذاكرة ينسى فيه المريض الفترة اللي كان فاقد ذاكرته لما يستعيد ذكرياته الأصلية.

لم تفكر في ذلك. فكرة أن ينسى ياسر كل ما حدث في الأيام الأخيرة بينهما مقابل استعادة ذكرياته..؟

أتراها كانت أنانية إذا أخافتها تلك الفكرة؟

أكمل، يجعل انتباهها يعود إليه: عشان كذا، إذا نسيت، أبغى يكون عندك شي تحجريني وتلوي ذراعي فيه.

لم تستطع إلا أن تسأل: بتسوي كذا في نفسك؟

أومأ لها بنعم: وزود.

ربما لم تكن مقتنعة بوجود مشاعر حب سابقة لها في قلب ياسر، لكنها لم تستطع منع نفسها من التمني، تمني أن ياسر كان محقا.

/

/

لطالما أحبت لمى أن تعوض إخفاق الآخرين، ظاهرة بمنظر المنقذة، بينما الشخص التعيس الحظ الذي سبقها سيكون بين طيات الفاشلين. حل مسألة أخفقت فيها كثيرات من زميلاتها، المساعدة في الضيافة بينما قريباتها جلسن، السلام على الكل بينما باقي الضيفات اكتفين بمعارفهن..

تطورت تلك النزعة معها، وعندما بدأت زوجة عمها عبير تشتكي من زوجة ابنها، ميساء، لم تستطع لمى منع نفسها من التفكير..

"لو كنت مكانها، كنت بسوي أحسن.."

أخذت تستمع لشكوى العمة عبير بإنصات، تستفسر وتسأل وتساند، حتى انتهى الأمر بها بزرع شكاوي أخرى، بإقتراحات أخرى، تحث وتشكك وتدل، حتى أصبحت مكان ميساء.

لكن.. لم يشعرها زواجها بجواد بذاك الانتصار، لم تشعر أبدا أنها أحدثت فرقا معه، لكنها كانت تعزي نفسها بأن ذاك كان طبع ابن عمها، هذا البرود واللامبالاة، وإذا كانت هذه معاملته لها، فلابد أن معاملته لميساء كانت أسوأ.

لم تتزحزح عن اعتقادها هذا إلا عندما فاجأها جواد بإعلانه الأمس.

لأول مرة فكرت بميساء كضرة، لأول مرة فكرت بها كمنافسة لها.

:

صراحة، هي لا تكره ابنة أخي زوجها ميساء. لم تكن عبير تنتمي إلى عائلة السيف لتكترث بعدواتهم القديمة مع أهل أمها، ولم تكن ميساء بتلك الطفلة المشاغبة ثقيلة الحضور. لم تمانع قط زياراتها لهم.

مشكلتها معها بدأت عندما توفي بكرها سعد وتركت أرملته أمل مسؤولية ابنتها يارا لهم، متحججة بأنها لن تسمح لها بإفساد حياتها التي ستبدأها من جديد، لم تحترم حتى واقع موت سعد لأيام فقط قبل إعلانها!

رأت في ميساء عندما تزوجها جواد نموذجا مشابها لأمل، بعدم معرفتها لأمور البيت، بحبها للتسوق، بالاعتزاز بالجمال والغرور، بترك جواد لها تفعل ما تشاء.. ربما كانت قواسم مشتركة سطحية، لكنها لن تخاطر بتكرار التجربة.

أخذت تنتقد، أخذت تطالب بالأحفاد، أخذت ترمي النغزات واللمزات حتى تجادل ابنها وميساء أمامها، حتى قالت ميساء أنها لم ترغب بالأطفال وأنها كانت تأخذ موانع..

شكت عبير في ذلك، لا تدري لم.. لكنها فعلت، وهكذا أخذت تفتش مدعومة بدعم لمى لشكوكها عن دليل يثبت صحتها حتى عثرت على ملف يحتوي تقارير طبية، كلها تخبر عن عدم قدرة ميساء على الإنجاب.

لا تدري ما سيرها حتى قدمت دليلها إلى جواد، حتى ضغطت عليه وعلى ميساء، حتى أودت بطلاقه منها وزواجه بمن اعتبرتها عبير مكافئة له.

كانت لا ترى سوى عيوب ميساء إلى أن رحلت وصفا بالها، حتى أدركت أنها كانت تفضلها بكثير على لمى.

لم تكن ميساء بالمتدخلة، بالتي تحشر أنفها فيما لا يخصها. لم تحاول ميساء قط التدخل في علاقتها مع جواد، بأن تقلبه عليها.. على عكس لمى تماما.

تدخلت لمى عندما كان يتعلق الأمر بيارا، ببشاير، نقاط ضعف جواد الأبرز، محدثة في الخفاء جدالات بينها وبين ابنها. انقلبت ضدها بعد أن كانت في صفها، ربما محاولة كبح شرها قبل أن تودي بها إلى مصير مشابه لميساء. على عكس ميساء، لم تكن لمى بالقريبة لبشاير، بل كانت تغار من قوة علاقتها بأخيها، بتغير حال جواد من الجمود إلى الحنان معها.

شعرت عبير بفداحة ما فعلته بعد فوات الأوان، بعد أن أصبحت ميساء ضحية الألسن والمعايرة، معتزلة تجمعاتهم بالكلية. لم تكن كأمل قط، أدركت عندما قالت لها بشاير بسرور أن ميساء حضرت عرسها رغم وجود كل الحجج لرفضها ذلك الطلب، كان معدنها أصيلا طيبا..

بدأت لمى تتقرب لها حديثا بعد أن بدأ جواد يبيت عند ميساء مجددا، تسألها عن تعامله السابق مع ضرتها، عن الحياة التي كانت بينهما.

أبقت إجاباتها كلها متماثلة، كلها خاطئة: كان يعاملها زيك، وعيشتها زي عيشتك..

"عدو عدوي.. صديقي.. صح؟"

مخطئة لمى إن كانت تظن أنها ستمد إليها يد المساعدة، مخطئة أكثر في ظنها أنها كانت المنتصرة أصلا.

تذكرت تلك اللحظة التي أصبحت دلالتها عن مشاعر ابنها تجاه ميساء..

كانت بعد ولادتها لبشاير بأسبوع، عندما زار أخو زوجها سند برفقة ابنته بيتهم.

بدا على ملامح ميساء الانبهار الشديد ببشاير عندما التقتها للمرة الأولى، تارة تهتف بحلوها، وتارة تتعجب من صغر حجمها. نظرت لها بكل الأمل الذي يمكن لطفلة في الثامنة أن تحس به، تسأل: عمة يمكن أحصل على وحدة زيها؟

ابتسمت عبير عندها، تومئ لها بنعم: إيه، إيه، لما تكبري وتتزوجين..

لتهتف ميساء بحماس: أجل لما أصير كبيرة وأتزوج جواد بسمي بنتي سالي!

تذكر كيف انخرطت هي وسعد بالضحك من شدة احمرار وجه جواد حينها، الذي بدل الاستخفاف الهادئ بكلام ابنة عمه، هتف آخذا كلامها على محمل الجدية: ما بتسميها على اسم شخصية كرتون، اختاري اسم ثاني!

ليدرك بعدها ما تفوه به ويحمر أكثر ويخرج من الغرفة وسط ضحكات سعد، عدم استيعاب ميساء، وعجبها هي.

ربما منذ البداية، لم يرى غير ميساء زوجة له.


اليوم شعرت بالإلهام لتبدأ بالعمل على لوحة جديدة. بعد صلاتها للعشاء، اتجهت إلى الغرفة التي إتخذتها مرسما، لابسة للثياب التي تلبسها كلما أرادت الرسم، قميص واسع بالي ملطخ بألوان كثرى، وشورت ملطخ بالألوان مثله. ربطت شعرها على شكل ذيل خصان تبعده عن وجهها.

معهد الفنون فتح عيونها لجميع أنواع الرسم، من الرقمي إلى غريب الأدوات، لكن عشقها الأزلي سيظل دائما الرسم التقليدي. تحب تحسس نعومة الفرش وخلط الألوان ورائحتها، تحب شعور الإنجاز الذي يبعثه كل إتمام للوحة.

مضت عليها فترة وهي ترسم عندما أحست بشخص واقف وراءها. التفتت بسرعة وشيء من الخوف لتتنفس الصعداء لرؤية أنه كان جواد: فجعتني، ترى يمدحون طرق الباب..

رد عليها بعدم اكتراث ينكر كلامه: وأنا المسكين اللي ما بغى يقطع عليك إندماجك..

أمالت رأسها باستفهام: ليه؟ إنت من متى قاعدلك هنا؟

فكر للحظة قبل أن يجيب: تقريبا ربع ساعة..

كررت باستغراب: ربع ساعة؟ غريبة، ما عهدتك صبور كذا بدون شي تسويه..

ابتسم عندها ابتسامة ذات معنى، مبقيا نظره عليها: ومين قال ماكان عندي شي أسويه؟ كنت أتأمل في اللوحة الفنية قدامي..

نظرت ميساء إلى اللوحة التي كانت تعمل عليها لتقطب حاجبيها. كانت بالكاد تصل إلى ربع الاكتمال، لا تستحق التمعن فيها حتى.

قال جواد وهو خارج، جاذبا انتباهها إليه: لما تخلصي تجهزي وإلبسي عباتك، ورانا مشوار..

:

لم تأخذ كثيرا حتى قررت أنها انتهت لهذه الليلة، فالفضول قضى على رغبتها في إتمام لوحتها. تساءلت وهي تركب سيارة جواد عن وجهتهم، لترى أنها كانت مطعما.

سألته حال أخذ الطلبات منهما: ليش جبتني هنا؟

أجابها بكل بساطة: واحد من زملائي نصحني أجرب ذا المطعم عشان غداء عمل وحبيت آخذ رأيك.. أذكر إن لك نظرة في ذي الأمور.

مسحت ميساء محيطها بنظرة تفحصية، قبل أن تقطب حاجبيها وتجيب: زميلك يستهبل شكله، ذا المطعم ما ينفع لغداء عمل. ما ينفع لشي له علاقة ببزنس أبدا..

سألها بدوره: وليه؟

أجابته: لأن جو المطعم ذا حميمي بزيادة، شوف درجات اللون اللي استخدموها والديكور وكيف الطاولات منعزلة عن بعضها.. هذا بس صالح لسهرات غرامية..

لم تر ابتسامته الراضية قبل أن يخفيها بإجابته: شكلي بكنسل مخططات عامر..

أيدته: كنسلها. أنا بدلك على مطعم ينفعلكم..

كانت بحق سهرة رائعة. ظلا يتحدثان عن مواضيع سطحية نعم، لكنها لم تهتم. لا تريد بأية حال إفساد وقتها بجلب مرارة الماضي وهي في هذا المكان. شكرت بداخلها زميل جواد على إرشاده الخاطئ.

الشيء الوحيد الذي أفسد عليها ليلتها هو أعراض الشقيقة، ومهما حاولت إخفاء ما انتابها، فإن جواد لاحظها وهما خارجان من المطعم. أسندها مثبتا لها، وعند وصولهم البيت وإلى غرفة نومها أغلق جميع الأنوار، ليغرقها في ظلمة أراحتها. همست وهي مغلقة لعيونها: الليلة مقدر—

قاطعها: نامي..

أحسته قد جلس جانبها، فأمسكت بيده تشد عليها قبل أن تسأل: بتروح؟

أبعد شعرها عن وجهها، وأحسته ينحني ليطبع قبلة على صدغها، ليهمس: لأ، ما بروح..

عندها فقط سمحت لنفسها بالنوم..

:

أوصاها جواد في الصباح بأخذ أدويتها قبل أن تنزل إلى الطابق السفلي، أوصاها بعدة وصايا أخرى كما لو كان يقرأ مباشرة من نشرة تتكلم عن التعامل مع الشقيقة، أوصاها على نفسها كما كان يفعل في الماضي قبل أن يخرج إلى عمله.

قبلت خده برقة، بتوديع وشكر، توصيه على نفسه كما كانت تفعل في الماضي.

:

فاجأها جواد بقوله: تبين نروح السوق؟

لم يكن جواد يحب أبدا ذهابها للأسواق، وكان يصر دائما على أن يكون هو برفقتها أو أن تكون برفقة عدة أخريات على الأقل. لم يقترح عليها الذهاب مرة خلال زواجهما.

سألته السؤال المنطقي الوحيد: إنت تعبان؟

ضيق عيونه بقلة صبر: لا تخليني أغير رأيي..

لم تسأله بعدها، فهي حقا كانت تريد الذهاب. مضت سنة منذ آخر مرة عتبت قدماها مركز تسوق، وعوضت عن ذلك برحلتها هذه. جرت جواد دون رحمة من محل إلى محل، تسأل رأيه تارة وتحاول إقناعه بشراء شيء له تارة أخرى.

سمعت جواد يتنهد في نقطة ما، حاملا لأكياس لا تحصى من مشترياتها: بديت أندم..

كانت آخر وجهة لهما محل ساعات، وعلى الفور لفتت نظرها ساعة رجالية فاخرة: هذي بتطلع دمار مع البذلة اللي اشتريناها لك..

تفحص الساعة التي كانت تشير إليها وظهر على ملامحه الإعجاب بذوقها. لكنه سألها باستغراب: على بالي حنا نتسوق لك، وراك تشترين لي بعد؟

ردت بعفوية: أنا وإنت واحد../ تقدمت تلفت انتباه البائع، ليتقدم نحوها بابتسامة مسرورة: لو سمحت، كم الساعة هذي..؟

أجابها وعيونه لا تشيح بالنظر عنها بالسعر، واستطرد مشيرا لمجموعة ساعات نسائية: في هذي المجموعة كمان اللي بتناسب ذوقك يا آنسة..

قبل أن تجيب، سبقها جواد بسؤاله الذي بدا كأنه تهديد: كم هذي اللي بالأبيض؟

:

قالت له بإعتراض عندما خرجا من المحل: ليه دفعت حق ساعتك بعد؟ كنت ناوية اشتريها بفلوسي..

لم تتوقع أن تلقى لوحتها هذا الإقبال من الناس. قالت لها المشرفة أن عديدا من حاضري المعرض عرضوا شراءها حتى بعد أن تم بيعها. كسبت مكسبا غير متوقعا منه.

أجابها يوزع مشتريات اليوم في السيارة: كلها نفس الشي..

لم تفهمه: إيش..؟

ليجيب: ولا شي../ أكمل بحنق وهو يشغل محرك السيارة: لا تطلعي من البيت إلا وإنتي مغطية عيونك..

"وش جاب سالفة تغطية عيوني اللحين؟"

/

/

كانت زينة جالسة في المجلس تشاهد الأخبار عندما جلست نوف جانبها بصخب، تتقدم جود الماشية بهدوء وراءها، وتضع رأسها على حضنها بتدلل. ابتسمت زينة وأخذت تعبث في شعر ابنتها دائم القصر لتفضيلها ذلك: أها، وضعية التمصلح.. وش تبغين؟

تنهدت نوف بتمثيل ضيق: أفا يا أمي العزيزة، أفا! مقدر أتدلل في حضن أمي؟

كررت هي: وش تبغين يا آنسة نوف؟ تراني حافظتك وأساليبك.

ردت مستنكرة: وش ظن السوء هذا يا أميمتي؟ ما يهم، بنعديها عشان عيونك الحلوة. أنا اليوم جاية عشان مصلحة غيري../ أردفت رافعة رأسها، تنظر إلى جود الواقفة جانبهما، باديا عليها الحرج: بكمل ولا بتتكلمين؟

فتحت جود فمها لتتكلم، لكنها سرعان ما أغلقته، تعيد خصلة وراء أذنها بتوتر. أخذت نوف صمتها كإشارة لتكمل: بعد العصر صديقات جود بيجون، وأنا نصحتلها شغلاتك الحلوة اللي دوم تسويها لما يجو لي صحباتي..

أهذا الذي جعل الفتاة تتوتر بهذا الشكل؟ سؤالها إعداد شيء لصديقاتها؟ ابتسمت زينة لها بدفء تحاول إراحتها: هذا بس؟ من عيوني حبيبتي. بسويلك اللي تبين../ نظرت إلى نوف التي اعتدلت في جلستها وأردفت: وإنتي اليوم بتساعديني.

قفزت نوف واقفة: أكيد! أصلا أنا وعدت جود إني بشتغل شخصيا في هذا الحدث المهم.

خرجت نوف مسرعة من المجلس وتتجه إلى المطبخ، لتترك زينة وجود وحيدتين. كانت زينة ستلحق بابنتها لتبدأ بالعمل، فالساعة كانت الواحدة بعد الظهر وكان لديها الكثير لتعده، لكن جود استوقفتها: خالة زينة..

عندما التفتت زينة إليها، أردفت: مشكورة..

خطت زينة نحوها وأحاطت كتفيها بذراعها، تقودها إلى المطبخ بحنان باسم: مافي كلافة بين أهل يا جود.. اللحين قوليلي، وش اللي تحبينه إنتي وصاحباتك؟

/

/

ما الذي يثبت أنه كان يحب بيان قبل الحادثة؟

إيجاد جواب لهذا السؤال أصبح هوس ياسر في الأيام الأخيرة.

كان لديه قسط من المعطيات التي فكر أن يكون لها أهمية، مزيج من أحاسيسه وبما أخبرته به بيان عندما سألها بعد معرفته بحقيقة وضعهما.

أولها، شعوره عند رؤية بيان للمرة الأولى بعد إفاقته من غيبوبته. وجد جموح انبهاره وتمعنه النظر بمنتهى الغرابة، شيء ليس من طبعه أبدا. لم يكن بالذي يتمعن النظر في وجوه النساء، لم يكن بالذي ينسى غض البصر للحظات طوال، لم يكن بالذي يدق قلبه بهذه السهولة لمرآى امرأة جميلة، كم من مرة وجد نفسه ملاحق بالنغزات في الأسواق والمتنزهات، ولم يعر باله لهن بالا.

ثانيها، سرعة وقوعه في غرام بيان. وجد ذلك غريبا أيضا. أربما قلبه حفظ كل تلك التفاصيل التي أحب في بيان، حتى مع نسيان عقله؟

ثالثها، تقدمه لخطبة وئام. تفصيل غريب آخر. بيان قد ذكرت أنه فعلها قبل شهور فقط. لم؟ ما الذي قد يدفعه بالخطو في زواج مرة أخرى بعد سنتين وطفل؟ حتى وإن كان مغصوبا في زواجه ببيان، لم يستطع ياسر فهم خطوته هذه. لم يكن بالذي يكترث بالتعدد أصلا. بالإضافة إلى ادعائه أنه كان في قلبه شيء لوئام منذ أيام دراسته في الجامعة. من أين أتى بهذا؟ وما كان هدفه منه؟

أول الأمرين، لم يستطع إيجاد جواب لهما أو حتى التفكير بأين يبدأ في البحث، فتركهما لوقت آخر. أما الأخير، يستطيع التقصي عنه..

:

زار ياسر بيت جده قبل ميعاده المعتاد، وخاب أمله عندما عرف أن والده ما زال مسافرا لعمل. كان يريد أن يحظى بجلسة معه ويفسر له كل التفاصيل التي أدت بزواجه ببيان، والأهم من ذلك كله، سبب إجباره عليه.

لكن، فرحة أمه بزيارته المبكرة خففت عليه خيبته، وبأية حال، كان يريد جلسة معها هي أيضا، لتفسر له تقدمه لطلب يد وئام.

قطبت أمه حاجبيها بتفكير: بصراحة، ما أدري وش اللي حادك تروح تتقدم لها. مقدر أعطيك سبب يا ولدي..

سألها. على حسب ما عرفه، كانت وئام مطلقة عندما خطبها، لكن حتى ولو كانت، لم يظن أنها ستقبل أن تكون الثانية، فعلى حسب ما سمع، شابهت خالته رقية كثيرا في غرورها وطبعها الحاد: وش اللي خلا وئام تقبل أصلا؟

تنهدت: أمها الله يهديها زرعت فكرة زواجها منك من الصغر، وشكله حتى لما تزوجت وتطلقت، ما راحت الفكرة.. عشان كذا كنت أبغاك تتزوج منها../ أردفت عندما رأت الاحساس بالذنب في عيونه: ما عليه يا ولدي، أدري إن ما كان في خاطرك شي لها. ويمكن فسخ العقد بينكم كان لها خير، أختي اتصلت بي قبل يومين تقولي إن وئام انخطبت لواحد طيب وله خير كثير وباين إنها راضية فيه..

حسنا، يحمد ربه أن ذلك الأمر انتهى على خير. سأل يستحثها: طيب لما طرحت عليك الموضوع، لاحظتي شي غريب فيني..؟ شي قلته؟

ضحكت أمه بخفة: يا ياسر تصرفك ذاك اليوم كله كان عجيب! مدري من وين أبدأ حتى.. لكن..

كرر: لكن..؟

حدقت هي فيه للحظة قبل أن تقول لتصدمه: لما سألتك عن بيان ووش راح تقول.. ضحكت بلا روح وقلت "ما أظن الأمر بيهمها"

انتهى البارت..

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...