تحميل رواية «مزرعة الدموع» PDF
بقلم مني سلامة
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
الفصل الاول داعبت النسمات الناعمة شعر "ياسمين" , كانت ملامحها الهادئة الساكنة تشير الى استغراقها فى النوم فلم تسمع والدتها "سمية" وهي تفتح نافذة حجرتها التي تسللت منها تلك النسمات فأخذت تداعب شعيراتها السوداء المتساقطة على جبينها فى رقة , اقتربت الأم من فراشها ونادتها بنبرة حانية: - "ياسمين" .. "ياسمين" قومى يا بنتى أبوكى نزل تململت "ياسمين" في فراشها وفتحت عينيها في بطء وارتسمت ابتسامة صغيرة على شفتيها ونظرت الى أمها قائلة : - ماما ... صباح الخير يا ست الكل - صباح الفل يا حبيبتى .. قومى أبوكى ن...
رواية مزرعة الدموع الفصل الأول 1 - بقلم مني سلامة
رواية مزرعة الدموع الفصل الاول
داعبت النسمات الناعمة شعر "ياسمين" , كانت ملامحها الهادئة الساكنة تشير الى استغراقها فى النوم فلم تسمع والدتها "سمية" وهي تفتح نافذة حجرتها التي تسللت منها تلك النسمات فأخذت تداعب شعيراتها السوداء المتساقطة على جبينها فى رقة , اقتربت الأم من فراشها ونادتها بنبرة حانية:
- "ياسمين" .. "ياسمين" قومى يا بنتى أبوكى نزل
تململت "ياسمين" في فراشها وفتحت عينيها في بطء وارتسمت ابتسامة صغيرة على شفتيها ونظرت الى أمها قائلة :
- ماما ... صباح الخير يا ست الكل
- صباح الفل يا حبيبتى .. قومى أبوكى نزل يصلي الجمعة .. بلا عشان نشوف اللى ورانا
أزاحت "ياسمين" الغطاء الذى تدثرت به ونهضت فى تكاسل وطبعت قبلة على وجنتة أمها
- حاضر يا قمر .. هدخل الحمام وآجي أشوف هنعمل ايه
- أنا هدخل المطبخ أبدأ في تحضير الغدا وانتى يا حبيبتى عليكي التنضيف زى كل جمعة .. يلا شهلى أوام قبل ما أبوكى يرجع .. انتى عارفه ما بيحبش يرجع يلاقي البيت مكركب
نظرت "ياسمين" الى الفراش الفارغ الموجود بجوار فراشها والتفتت الى أمها قائلة :
- أمال فين "ريهام" ؟
- نزلت تجيب شوية طلبات .. أنا عارفة اتأخرت ليه
دخلت "ياسمين" الحمام وتوضأت وصلت ركعتي الضحى وشرعت فى مساعدة والدتها فيما اعتادت أن تقوم به من أعمال.
كانت "ياسمين" ابنة لأسرة متوسطة الحال أو أقل من المتوسطة بقليل , من تلك الأسر التي نقول عنها (عايشين مستورين) , والدها موظف على المعاش لا يملكون من حطام الدنيا إلا هذا البيت الذى يأويهم والذى يقع فى أحد الأحياء البسيطة ب
القاهرة , أمها من تلكم الأمهات اللاتي تراهن فى معظم البيوت المصرية من هذه الطبقة , سيدة طيبة لم تنل حظها من التعليم لكنها تراعي ربها فى بيتها وزوجها وبناتها على أكمل وجه , سيدة حانية تجمع بين الطيبة والبساطة , لدى "ياسمين" شقيقة واحدة تصغرها بـ 4 أعوام تدرس فى السنة الأخيرة بكلية تجارة جامعة عين شمس .
أما "ياسمين" فكانت في ال السادسة والعشرون من عمرها طبيبة بيطرية لا تعمل منذ أن تخرجت , نجحت البنتان فى نيل حظ وافر من التعليم , فكان هذا هو ما يطمح اليه والدهما الذى يفتخر بهما كلما اجتمع بأصدقائه على المقهى الذى يجلس عليه عادةَ , كم يشعر بالفخر لأنه بالرغم من مستواه المتواضع إلا أنه لديه ابنتان كانتا سبب فخره دائماً ليس بتعليمهما فحسب بل بأدبهما وأخلاقهما وتربيتهما أيضاَ .
رن جرس الباب فنظرت "ياسمين" من العين السحرية ثم فتحت الباب لأختها "ريهام"
- طبعا "ريهام" هانم هربانه على الصبح من شغل البيت
- يا باي على الظلم .. كنت بجيب حاجات ماما طلباها
- طيب , يلا يا حلوة شوفى ماما فى المطبخ ساعديها
- من غير ما تقولى كنت داخللها
كانت "ياسمين" و "ريهام" على وفاق دائماً ويحبان مشاكسة بعضهما البعض والمزاح والضحك وساعد على ذلك تقارب سنهما.
وفى وقت الغداء التف الجميع حول طاولة الطعام وشرعوا في تناول طعامهم واشتركوا في الحديث والمزاح , ثم بعد فترة قال رب الأسرة "عبد الحميد" :
- النهاردة جه عريس لـ "ياسمين"
احمرت وجنتا "ياسمين" بشدة , فهذه هي المرة الأولى التي يتم فتح مثل هذه المواضيع أمامها , فقد كانت تتسم دائماً بالخجل والهدوء خاصة في الحديث مع والدها الذى تقدره وتحترمه كثيراَ
الأم "سمية" : بجد يا "عبد الحميد" , طيب هو مين ؟ وقالك ايه ؟
"ريهام" بمزاح : ايه ده بجد .. أخيراً حد عبرك
لم تستطع " ياسمين" الجلوس أكثير فنهضت بسرعة
"سمية" : ايه يا بنتى مش هتكملى أكلك
"ياسمين" : شبعت يا ماما
دخلت مسرعة الى غرفتها ونظرت الى وجنتيها الحمراوان فى المرآة , وشعرت بدقات قلبها تتسارع وتساءلت فى نفسها ( يا ترى شافني فين ؟ وعرفني منين ؟ يا ترى ليه اخترنى أنا بالذات ؟ )
كانت " ياسمين" طوال سنين دراستها الجامعية ترفض تماماً الإختلاط بالشباب والإنضمام الى مجموعات التى تضم الجنسين معاً فيما يسمى بالصداقة , فلم تكن تهتم إلا بدراستها وتفوقها , وساعدها تربيتها وتدينها على المحافظة على نفسها ومشاعرها , كانت "ياسمين" تتمنى دائماً أن يكون زوجها هو أول من يطرق باب قلبها فإحتفظت بكل مشاعرها وعواطفها له وحده , فكانت ترى أن الحب الحلال أبرك كثيراً من أى علاقة محرمة تغضب ربها.
ومن جهه أخرى لم تكن "ياسمين" تحظى بإهتمام الشباب وخاصة أولئك الذين يبحثون عن حب سريع وعلاقات عابرة لأنها لم تكن تملك مقاومات جمال تبهر الرجال , فملامحها الهادئة ليس بها شئ مميز بإستثناء عينيها السوداوين برموشها الكثيفة التي تشكل مع ابتسامتها الرقيقة جمالاً هدئاً ناعماً بريئاً
فتحت "ريهام" الباب ونظرت الى "ياسمين" ضاحكة : قومتى ليه يا عروسة ؟
"ياسمين" وهي تشير الى الباب : بطلى بأه واقفلى الباب ده
دخلت "ريهام" وأغلقت الباب خلفها قائلة بشقاوتها المعهودة:
- تدفعى كام وأقولك المعلومات اللى بابا قالها عن العريس؟
"ياسمين" بلهفة : قولى بأه ما تبقيش رخمة
-ايه هى سايبه .. مش هقول إلا لما آخد الحلاوة
- حلاوة ايه هو لسه حصل حاجة
- هيحصل ان شاء الله وبكرة تقولى "ريهام" قالت
- قولى بأه يا "ريهام" , بابا قال ايه؟
"ريهام" باستسلام مصطنع : طيب صعبتى عليا , هرأف بحالك وأقولك من انتى زى أختى برده
- أوف , مش هنخلص النهاردة
جذبت "ريهام" "ياسمين" من ذراعها وأجليتها على السرير : بصى يا موزة .. العريس اللى أمه داعية عليه .. يوووه قصدى اللى أمه دعياله عنده 35 سنة خريج هندسة بيشتغل مهندس بترول .. جاهز من مجاميعة .. عنده شقة بتاعته فى منطقة راقية مش ناقصها غيرك يا جميل
- اسمه ايه؟
"ريهام" ضاحكة : ههههههه هيفرق ايه اسمه معاكى .. افرضى مثلاً اسمه "عتريس" هترفضى؟
"ياسمين" غاضبة: عشان أما أجى أصلى استخارة يا أذكى اخواتك أقول اسمه فى الدعاء
"ريهام" بهيام : اسمه "تيفه"
"ياسمين" بإستغراب : "تيفه" .. ايه "تيفه" دي
- "تيفه" يا "ياسمين" .. يعني "مصطفى"
صمتت "ياسمين" قليلاً ثم قالت : طيب هو شافني فين يعني ؟
- لا هو أنا ما قولتلكيش .. يقطعني
"ياسمين" وهى تقرص "ريهام" في ذراعها: بطلي أم الاستظراف ده .. مش وقتك خالص
"ريهام" وهى تفرك ذراعها : آآآآآآه .. يا متوحشة , ربنا يكون فى عونك يا "تيفه" .. بصى يا موزة أبو "تيفة" الله يمسيه بالخير هو و بابا وبيصيعوا مع بعض على القهوة وصحاب من زمان
- احترمى نفسك ايه بيصيعوا دى
- الله .. ما تسبينى أكمل بأه .. المهم شكل كدة الواد "تيفه" شافك فى مرة وانتى واقفة مع باب وعرف من أبوه كل حاجة عنك , وشكل الصنارة غمزت يا جميل
رغم محاولات "ياسمين" الاستغراق فى النوم إلا أن النوم أبى أن يسيطر عليها وقضت معظم ليلتها فى التفكير فى شكل هذا الـ " مصطفى" , وأهم شئ أخلاقه وطباعه , ولم تنسى قبل أن تخلد الى النوم أن تصلى صلاة الاستخارة لتسأل الله -عز وجل- أن ييسر لها إن كان هذا الأمر خير لها وأن يصرفه عنها إن كان فيه شر لها .. وفى النهاية استسلمت "ياسمين" الى سلطان النوم.
رواية مزرعة الدموع الفصل الثاني 2 - بقلم مني سلامة
الفصل الثاني والثلاثون من رواية مزرعة الدموع
سارت الأيام التاليه فى المزرعة فى هدوء وسكينة .. مازالت "ياسمين" تعبش مشاعر الحيرة والتخبط .. بين نداء قلبها و نصائح عقلها .. كانت تشعر أنها ممزقة بينهما .. كل منهما يجذبها فى اتجاه مختلف تماماً عن الآخر .. كانت تتمنى شئ واحد فقط .. وهو أن يتفق قلبها وعقلها على شئ واحد .. أى ان كان هذا الشئ .. أما "عمر" فكل ما كان يفكر فيه هو كيف يكسب ثقة "ياسمين" وكيف يفز بقلبها .. الذى أيقن الآن تماماً بأنه جوهره غاليه جداً تستحق التعب للحصول عليها .. منذ أن رحت "ثريا" و "ايناس" من المزرعة لم تحاولان الاتصال .. ولم يحاول "نور" وزوجته مهاتفتها .. فضلوا ترك الأمور لتهدأ لبعض الوقت .. قبل فتح جلسة للعتاب والمصارحه ..
فى بيت المزرعة .. التفت الأسرة على طاولة الطعام .. عندما قالت "كريمه" :
- ازى أحوالك انت و "ياسمين"
نظر اليها "عمر" قائلاً :
- مفيش جديد
- هى لسه رفضاك ؟
فكر "عمر" قليلاً ثم قال :
- مش رفضانى .. ومش قبلانى
ابتسم أبوه قائلاً :
- فزورة دى
قال "عمر" فى شرود :
- لأ مش فزورة .. بس هى لحد دلوقتى موثقتش فيا .. أنا اللى مش قادر أفهمه هو ليه هى مش قادرة تثق فيا .. يعني مش قادر أفهم تحددياً ايه اللى مخوفها منى
نظرت اليه أمه قائله بخبث :
- ما يفهمش الست الا الست
قال "عمر" بإستغراب :
- يعني ايه ؟
ابتسمت "كريمه" قائله :
- يعني لو أنا اتكلمت معاها ممكن أقدر أفهم أسباب رفضها
ظهرت علامات السعادة على وجع "عمر" وابتسم قائلاً :
- بجد يا ماما .. هتتكلمى معاها
- أيوة يا حبيبى
قال "عمر" بحماس :
- تماما أوى .. أنا هعزمهم عندنا هنا هى وأختها وأبوها .. وفرصه الكل يتعرف ببعضه
قالت أمه بهدوء :
- أفضل ان أول مقابله تكون بيني أنا و"ياسمين" بس .. وبعد كده نبقى نعزمهم هنا
قال "عمر" بحيره :
- بس ما أعتقدش انها ممكن توافق تيجي هنا لوحدها
ابتسمت أمه قائله :
- خلاص مفيش مشكلة .. أروحلها مكتبها .. وكمان عشان أعتذرلها عن اللى "ثريا" و "ايناس" عملوه .. ده الواجب يا "عمر" عشان البنت تعرف ان كرامتها مصانه عندنا
قام "عمر" من فوره وتوجه الى أمه عانقها وهى جالسه وقبل رأسها قائلاً :
- بجد يا ماما ربنا ميحرمنيش منك .. فعلا ده اللى كان نفسي فيه بس خفت أطلب منك كده ترفضى .. "ياسمين" فعلاً لازم تحس اننا بنحافظ على كرامتها .. وان اللى حصل ده تصرف فردى من فرد واحد فى العيله لكن انتى وبابا حاجه تانيه .. وأنا فهمتها الكلام ده وقولتلها ان ميهمنيش رأى حد غيركوا انتوا الاتنين
قال "نور" :
- متقلقش ان شاء الله الموضوع هيتحل على خير
ثم التفت الى زوجته مبتسماً :
- طالما "كريمه" بنفسها دخلت فى الموضوع يبقى اعرف انه هيتحل ان شاء الله
نظرت اليهما "كريمة" قائله :
- ربنا يخليكوا ليا انتوا الاتنين
*********************
طلب "كرم" من "ريهام" الحضور الى مكتبه .. ذهبت اليه فأعطاها بعض التعليمات .. وقبل أن تغادر قال لها :
- استنى يا آنسه "ريهام"
توقفت .. فوقت ودار حول المكتب ليقف فى مواجهتها ..ظل ينظر اليها بصمت .. انتظرته أن يتحدث فلم يفعل .. شعرت بالخجل من نظراته فهربت بعينيها لتنظر الى شئ آخر .. فقال لها بهدوء :
- أنا كنت عايز أقولك خبر .. يعني بما انك سكرتيرتى .. وبقالنا فترة شغالين مع بعض يبأه أكيد هتفرحيلى
نظزرت اليه قائله بإهتمام :
- خير يا بشمهندس "كرم"
تفرس فيها لحظة ثم قال :
- أنا هخطب قريب
شعرت بقلبها يرتجف بين ضلوعها لكنها حاولت التماسك .. أكمل قائلاً وهو يتأملها :
- واحدة كنت أعرفها فى القاهرة
وقع قلبها أرضاً .. شعرت بغضه فى حلقها .. حاولت قدر الإمكان التماسك .. قالت بسرعة قبل أن تظهر العبرات فى عينينها :
ألف مبروك بعد اذنك
خرجت لتغادر المكتب .. ذهبت الى مكتبها .. جلست وهى تحاول استجماع شتاتها .. شعرت بالألم يغزو قلبها .. لم تدرى بنفسها إلا وهى تحمل حقيبتها وتغادر المكتب من فورها
عادت "ياسمين" من عملها لتجد "ريهام" جالسه على سريرها فى حالة يرثى لها .. اقتربت منها وجلست بجوارها قائله :
- مالك يا "ريهام" ايه اللى حصل ؟
أجهشت "ريهام" فى البكاء وألقت بنفسها فى حضن أختها قائله :
- كرم هيخطب يا "ياسمين"
قالت "ياسمين" وهى تربت على ظهرها :
- وانتى بتعيطى ليه ؟
رفعت "ريهام" رأسها لتنظر الى أختها .. نظرت "ياسمين" الى وجهها المبلل بالدموع ثم أدركت ما يعتمل فى قلب أختها .. قالت "ريهام" بأسى ودموعها تتساقط على وجنتيها :
- أنا بحبه يا "ياسمين" .. بحب "كرم"
نظرت اليها "ياسمين" بأسى قائله :
- الله يهديكي يا "ريهام" .. ليه تعلقى نفسك كده وتتعبى قلبك .. أكيد كان اليوم ده هيجيى .. ما هو لازم يخطب مش هيفضل كده على طول .. انتى ليه تعلقى نفسك بواحد .. اديكي انتى اللى تعبتى فى الاخر
قالت لها "ريهام" بحزن :
- مش بإيدي والله .. أنا معرفش اتعلقت بيه ازاى
ثم قالت بحزم :
- أنا مش هروح المكتب تانى .. خلاص كفايه كدة .. مش عايزة أشوفه بعد كدة
تنهدت "ياسمين" بحسره ونظرت الى "ريهام" قائله :
- ده فعلاً أحسن حل .. لان أكيد كل ما هتشوفيه هتتعبى
عانقتها "ياسمين" قائله :
- ربنا يريح قلبك يا "ريهام"
*********************
كانت "ريهام" متوجهه الى المكتب لتأخذ متعلقاتها وتخبر "كرم" برغبتها فى ترك العمل .. عندما وجدت "هانى" قبالتها ..تظاهرت انها لا تراه لكنه أوقفها قائلاً :
- لو سمحتى ثوانى
توقفت ونظرت اليه بنفاذ صير
فقال "هانى" ببرود :
- انتى وأختك اتعاملتوا معايا بإسلوب غريب جدا .. أكنى واحد جاى أشحت مش جاى أتقدم
ثم قال بترفع :
- أنا بس حبيت أقولك انى صرفت نظر عن الموضوع
قبل أن تفتح فمها للرد وجدت "كرم" خلفها يقول ل "هانى" بحنق :
- يلا يا ابنى من هنا معندناش بنات للجواز
نظر اليه كل من "ريهام" و "هانى" بإندهاش .. فاقت "ريهام" من دهشتها لتقول لـ "كرم" :
- وحضرتك ايه دخلك فى الموضوع ده
نظر "هانى " الى "كرم" قائلاً :
- أحب أعرفك يا بشمهندس "كرم" ان ده أخر يوم ليا فى المزرعة بصراحة مش حابب آجى هنا تانى بعد كل المعاملة اللى شوفتها منكوا هنا
قال "كرم" بحبور :
- والله يا ابنى تبقى ريحتنا وريحت نفسك .. بس اوعى تقطع الجوابات .. ولا أقولك اقطعها أحسن
رحل "هانى" وهو يتمتم فى غضب .. نظرت "ريهام" الى "كرم" بغضب قائله :
- ايه اللى حضرتك عملته ده .. ازاى تدخل كده فى حاجه تخصنى وتقوله معندناش بنات للجواز ؟
نظر اليها "كرم" قائلاً :
- هو عاجبك ؟
صمتت ولم تجب .. ظهرت علامات الجديه على وجه ونظر اليها مكرراً سؤاله مرة أخرى :
- الواد ده عاجبك ؟
نظرت اليه قائله وهى تحاول التماسك :
- ده شئ ميخصكش
نظر اليها بطريقة لم تعتادها منه .. احتارت فى تفسير معناها .. لكنها شعرت وكأن عينيه تحتويانها فى صمت .. كرر السؤال للمرة الثالثه .. لكن هذه المرة بصوت أقرب الى الهمس :
- الواد دع عجبك ؟ .. عايزاه ؟
كانت ترغب فى عدم الرد عليه وتتركه وتذهب .. لكنها لا تدرى لما قالت :
- لأ
ظهر المرح فى عين "كرم" وسألها قائلاً :
- لأ ايه
أجابت وهى تحاول التحدث بجديه :
- لأ مش عاجبنى .. ولأ مش عايزاه
ابتسم "كرم" ابتسامه ذاب لها قلبها وقال بمرح :
- أصلاً لو كنتى قولتى غير كده كنت قطمت رقبتك
شعرت بقلبها يخفق بقوة .. حاولت التحدث بحده قائله :
- وانت مالك انت يعجبنى ولا ميعجبنيش .. وايه قطمت رقبتك دى
قال وهو محتفظاً بابتسامته :
- لسه مفهمتيش ؟
شعرت بأنفاسها وقد بدأت بالتسارع .. ترى هل ما تظنه صحيح .. هل "كرم" على وشك .... هل هذا صحيح .. همت بأنه تتركه وتنصرف لكنه قال لها فجأه :
- أنا بحبك يا "ريهام"
نظرت اليه فى دهشة .. قلبها يخفق .. عقلها يدور .. بل الدنيا من حولها تدور .. لم تستوعب .. لم تصدق .. قال لها بابتسامته المرحه :
- بصراحة من أول يوم شوفتك فيه فى المكتب وانتى لفتى انتباهى بشكل كبير .. وكل يوم بعرفك بتعلق بيكي اكتر وبحترمك أكتر .. مكنتش متخيل انى ممكن ألاقى واحده زيي وشبههى .. أنا حاسس اننا متشابهيين فى حاجات كتير جدا ..
صمتت ولم تتحدث فأكمل قائلاً :
- كانت بس المشكلة اللى شاغله بالى هو فرق السن اللى بينى وبينك .. يعني خايف انك تشوفى دى حاجه تضايقك .. خاصه بعد الواد الغتت ده ما اتقدملك .. خفت بجد انك تختاريه ومبقتش طايق أشوف وشه فى المزرعة دى وعايز أمشيه منها بأى طريقه
كانت "ريهام" تشعر بسعادة غامرة وهى تسمع تلك الكلمات من كرم" الذى حلمت به وهى تعلم أنه حلم صعب المنال .. ظهرت تلك السعادة على وجهها لم تستطع مداراتها .. أكمل مبتسماً :
- حركة الخطوبة دى كنت بس حابب أعرف رد فعلك .. كنت عايز أعرف حاجه زى كده تضايقك ولا لاء .. كان وشك فعلا باين عليكي انك مضايقه ولما دخلت مكتبك ولقيتك مش موجوده بصراحة فرحت أوى .. وده اللى شجعنى انى أتكلم معاكى دلوقتى
ثم نظر اليها وقال بقلق :
- انا مش غلطان .. صح .. يعني .. انتى كمان .... صح ؟
تماسكت "ريهام" وأخفت بصعوبة ابتسامة الفرحة التى كادت أن تقفز الى شفتيها وقالت :
- بعد اذنك أنا مضطرة أمشى
قال "كرم" بلوعه :
- بتهرجى يا "ريهام" .. لأ بقولك ايه أنا مبحبش التوتر والقلق ده .. جاوبى على سؤالى .. أنا حسيت صح مش كده ؟ .. يعني انتى كمان حسه بحاجه نحيتى .. صح ؟
قالت له بجديه :
- لا والله .. عايزنى أقولك ايه يعني
قال بمرح :
- .. طيب بلاش سؤال مباشر طالما صعب .. هسألك سؤال تانى خالص ملوش علاقه بالسؤال الأول .. ها .. ملوش علاقة
نظرت اليه مترقبه .. فقال وعيناه تلمع فى مرح وابتسامه خبيثه على شفتيه :
- هو عم "عبد الحميد" فاضى اروح أتكلم معاه كلمتين كده ؟
احمرت وجنتاها وقد فهمت معنى سؤاله لكنها تظاهرت بالجديه وقالت :
- معرفش روح اسأله
- يعني انتى شايفه هو فاضى ولا مشغول ؟
ظهرت ابتسامه خفيفه على شفتيها وقالت وهى تتحاشى النظر اليه :
- أظن فاضى
اتسعت ابتسامة "كرم" قائلاً :
- لأ أنا مش عايز أظن دى .. انا عايز رد أكيد .. فاضى ولا مشغول ؟
اتسعت ابتسامتها قائله :
- فاضى
ثم تركته وغادرت مسرعة .. دخلت الى غرفتها أغلقت الباب ووقفت خلفه تتذكر ما قيل منذ قليل .. لا تصدق أن "كرم" اعترف أخيراُ بحبه لها .. ويرغب أيضاً فى الزواج منها .. شعرت بسعادة طاغية فى قلبها .. أخرجت هاتفها واتصلت بـ "ياسمين" قائله وهى تقفز فرحاً :
- "ياسمين" .. "كرم" قالى بحبك
صاحت "ياسمين" بدهشة :
- ايه .. بتقولى ايه
ضحكت "ريهام" قائله :
- بقولك "كرم" قالى بحبك
- بتهزرى .. هو مش هيخطب
- لأ طلع ابن اللذين بيعمل فيلم عليا .. "ياسمين" أنا فرحانه فرحانه فرحانه .. "كرم" قالى بحبك .. قالى "بحبك" يا "ياسمين"
ضحكت "ياسمين" قائله :
- برافو يا "كرم" أصلا البنت كان فى عقلها برج واحد سليم ودلوقتى جيت حضرتك قضيت عليه
قالت "ريهام" بمرح :
- أقولك خبر كمان ..قالى انه هيتقدم ويطلبنى من بابا .. هو مقلهاش صراحة بس معنى كلامه كده
صاحت "ياسمين" بفرح :
-بجد .. بجد يا "ريهام" .. فرحتيني .. أنا مش مصدقه
- أمال أنا اقول ايه .. بجد حسه انى بحلم .."كرم" قالى بحبك .. كرم قالى "بحبك" .. ومش بس كده ده كمان هيتقدملى
صمتت قليلا ثم صرخت بفرح :
- "ياسمين" "كرم" قالى بحبك وهيتقدملى
- "ريهام" صوتك واصل من الأوضة لعندى هنا .. اهدى شوية .. الله يسامحك يا "كرم"
- "ياسمين" عشان خاطرى خلصى بسرعة وتعالى عايزة أتكلم معاكى كتير .. عشان خاطرى متتأخريش
- طيب يا حبيبتى هخلص وأجيلك على طول
كانت "ياسمين" سعيدة للغاية من أجل اختها ... كانت جالسه فى مكتبها عندما رأت امرأة تتقدم وتدخل الغرفة .. نظرت "ياسمين" لهذه المرأة الأنيقة بملابس محتشمة وابتسامتها على ثغرها .. فابتسمت لها "ياسمين" قائله :
- أهلا بحضرتك اتفضلى
دخلت فوقفت "ياسمين" أمامها .. قالت "كريمه" :
- انتى اسمك ايه ؟
ابتسمت "ياسمين" قائله :
- أنا اسمى "ياسمين"
أومأت "كريمة" برأسها قائله :
- وأنا كريمه والدة "عمر"
اضطربت "ياسمين" من المفاجأة .. ولم تدرى ماذا تقول .. بعد برهه قالت "ياسمين" :
- اتفضلى حضرتك
جلست "كريمه" على أحد المقاعد .. وجلست "ياسمين" على المقعد المجاور لها .. نظرت اليها "كريمه" متفحصه .. شعرت "ياسمين" بالخجل فأطرقت برأسها .. ابتسمت "كريه" قائله :
- بصراحة أنا مصدومة شوية
خفق قلب "ياسمين" فهى ليست مستعدة أبداً لتكرار تجربتها مع عمته .. فقالت "كريمه" :
- أولاً "عمر" ما قاليش سنك فعشان كده كنت متخيلاكى أكبر من كده .. بس انتى شكلك بنوته صغيره .. ده غير ان باين عليكي هادية وخجوله .. يعنى بصراحة صورة غير اللى كنت رسماها فى خيالى
شعرت "ياسمين" بالضيق فهى لا تعرف هل هذا مدح أم ذم .. فقالت لها :
- اظاهر ان كل اللى بيشوفونى من عيلة البشمهندس "عمر" بيتصدموا
قالت "كريمة" وقد أنتبهت الى أن الفتاة مجروحه مما قالته "ثريا" سابقاً .. فقالت لها :
- أنا فضلت ان أنا اللى آجى ..لانى شايفه ان لازم حد مننا يعتذرلك عن الكلام والاساءه اللى اتوجهت ليكي
نظرت اليها "ياسمين" بإستغراب فأكملت "كريمه قالئه :
- بصى يا بنتى .. أنا أهم حاجه عندى ان ابنى يكون مبسوط ومرتاح .. وانه يختار بنت تعرف تحافظ عليه .. "عمر" ابنى ده أنا بحبه حب مش قادرة أوصفهولك .. لانى مخلفتش غيره .. فهو عندى بالدنيا .. ومفيش عندى حاجه أحب من انى أجوزه وأشوف ولاده بيتنططوا حواليا
ابتسمت "ياسمين" وقد شعرت بحنان و أمومة تلك المرأة الجالسه بجوارها .. أكملت "كريمه" قائله :
- وأنا شايفه ان ابنى متعلق بيكي أوى .. صحيح معرفكيش من فترة كبيرة .. بس أنا أول مرة أشوف "عمر" متعلق بواحده كده
شعرت "ياسمين" بالسعادة تغمر قربها لكلمات "كريمه" .. أكملت "كريمه" قائله :
- الحاجه الوحيدة اللى "عمر" بيتمناها دلوقتى هو انك تكونى زوجة ليه .. وأنا عرفت انك رفضيته .. فحابه اننا نتكلم مع بعض .. زى أم وبنتها .. ده لو طبعاً تحبي تعتبريني زى ماما
شعرت "ياسمين" بحنان تلك المرأة يغمرها .. وشعرت بالفعل بأن قلبها مال اليها فقالت لها بصدق :
- بجد كلام حضرتك وكون ان حضرتك تجيلى هنا دى حاجه كبيرة أوى عندى .. وأنا طبعا يشرفنر انى أتكلم مع حضرتك كلام أم وبنتها
ابتسمت "كريمه" قائله :
- اتفقنا .. يباه قوليلى بأه وبصراحة شديدة انتى ليه رافضه "عمر" .. هل لكلام "ثريا" ولا فى أسباب تانيه ؟
صمتت "ياسمين" قليلا ثم نظرت اليها قائله :
- أعتقد البشمهندس "عمر" قال لحضرتك عن ظروفى
أومأت "كريمه" برأسها فأكملت "باسمين" قائله :
- أنا حسه ان فى فروق كتير بينى وبينه وده مخوفنى .. خايفه منقدرش نتفاهم مع بعض .. خايفة ان الخلافات تكون جوهرية لدرجة انها تصدمنا بعد كده .. أنا مريت بتجربة قاسية أوى .. وخايفه بجد انى أختار غلط مرة تانيه .. مش عايزة أتجرح .. أنا بطبعى مش متردده .. وببقى عارفه أنا عايزة ايه .. بس يمكن التجربة اللى مريت بيها خلتنى خايفه .. خاصة وأنا شايفه الفروق اللى بينه وبين البشمهندس "عمر" .. مش بتكلم عن الفروق المادية بس .. لكن فى الطباع .. وفى الجو اللى كل واحد فينا اتربي فيه .. خايفه يحصل صدام بينا فى يوم من الأيام .. وعشان كده أنا متردده أوى
استمعت "كريمه" اليها .. ثم قالت :
- أولا أان بحترم فيكي انك واحدة عاقلة مش متسرعة .. يعني بنات كتير غيرك كانوا شافوا "عمر" فرصه بالنسبة لهم .. وما كانوش اترددوا أبدا .. بس ترددك ده دليل على انك انسانه جاده وعاقلة وفاهمة الجواز صح ..وأنا معاكى ان ممكن كيون فى فعلا فروق بينكوا .. أما هل الفروق دى ممكن تسبب صدام بينكوا ولا لاء دى حاجه انتوا الاتنين اللى تقدروا تقرروا مع بعض .. مش انتى لوحدك .. ومش هو لوحده .. لازم تعدوا تتكلموا مع بعض ونحطوا النقط فوق الحروف .. تعرفيه ايه اللى انتى خايفه منه .. وهو كمان اكيد عنده مخاوف يتكلم معاكى فيها .. وتحلوا الموضوع سوا .. وتقرروا اذا كنتوا مناسبين لبعض فعلا ولا لاء .. لكن الرفض بدون محاولة لفهم الشخص اللي أدامك ده أكبر غلط .. لانك ممكن بكده تضيعى على نفسك فرصه انك تكونى سعيدة معاه
صمتت "ياسمين" وهى تستمع الى لكلمات "كريمه"الى اخترقت علقها واستقرت به .. اكملت "كريمه" قائله :
- اللى أنا أقترحه عليكي .. وليكي طبعا حرية الموافقة او الرفض .. هو ان تتتعمل خطوبة .. وفترة الخطوبة اصلا معمولة عشان الاتنين يعرفوا بعض ويدرسوا شخصية بعض .. ويقرروا هل كل واحد شايف التانى شريك حياته المناسب ولا لاء .. فرأيي انكوا تاخدوا خطوة الخطوبة .. وبعدين تقرروا انتوا عايزين ايه
ابتسمت لها "ياسمين" قائله :
- بجد كلام حضرتك ريحنى كتير .. حسيت انك فهمانى فعلاً
ابتسمت "كريمه" فى حنان :
- وأنا عايزة أقولك انى ارتحتلك أوى .. وحسه ان "عمر" المرة دى اختار صح .. وأحبك أطمنك .. مش عشان أنا أمه .. بس "عمر" بجد راجل مش هتلاقى زيه .. وانتى بنفسك هتكتشفى ده
قامت "كريمه" .. فوقفت "ياسمين" هى الأخرى .. قبلتها "كريمه" على وجنتيها قائله :
- ربنا يقدملكوا اللى فيه الخير يا بنتى .. أستأذن أنا
كان لتلك المقابلة أثر السحر على نفس "ياسمين" شعرت بالراحة الشديدة لكلام "كريمه" وتفهمها لموقفها .. شعرت بالراحة والسكينة فى قلبها
***************************
عادت "كريمة" لتجد "عمر" فى استقبالها وعلامات اللهفة على وجهه قائلاً :
- ها .. ايه الأخبار
قالت "كريمه" بخبث :
- الحمد لله .. يلا أسيبك بأه عشان هطلع أنام شوية
وقف "عمر" أمامها قائلاً بمرح :
- لا ميدخلش عليا الكلام ده .. قرى واعترفى يا ماما باللى حصل بالتفصيل الممل
ضحكت "كريمه" قائله :
- طيب ممكن على الأقل أعد
أفسح "عمر" الطريق أمامها ومد يده بطريقة مسرحية قائلاً :
- طبعاً اتفضلى يا ست الكل
جلست "كريمة" على الأريكة وجلس "عمر" بجانبها قائلا بإهتمام :
- ها رأيك فيها ايه ؟
ابتسمت "كريمه" :
- بصراحة عجبتنى
ابتسم "عمر" وظهرت علامات السعادة على وجهها :
- مش قولتلك هتحبيها .. ها اتكلمتوا فى ايه .. وصلتوا لايه .. قالتلك كل الأسباب اللى مخلياها ترفض ؟
قالت "كريمة" بجديه :
- بصى يا "عمر" أنا شافيه ان البنت معاها حق تخاف وترفض .. البنت عايشة فى مستوى غير اللى انت عايش فيها .. وانت بالنسبة لها واحد غريب عليها متعرفش لا أخلاقه ولا طباعه .. ده غير تجربتها اللى زودت خوفها ده
فكر "عمر" قليلاُ ثم قال :
- طيب ما أنا حابب انى أقرب منها أكتر وأطمنها من نحيتى
- وده اللى أنا قولتهولها .. اقترحت انكوا تعملوا خطوبة .. وتحاولوا تفهموا بعض أكتر .. وتتكلموا مع بعض بصراحة
قال "عمر" بلهفه :
- ووافقت ؟
ابتسمت "كريمة" قائله :
- أنا سبتها تفكر .. بس احساسى بيقولى انها هتوافق .. الى حسيته يا "عمر" ان البنت دى بتحبك .. هى بس محتاجه انها تطمنلك
عانق "عمر" أمه قائلاً :
- ربنا يخليكي ليا يا أمى .. بجد ريحتى قلبي
نظرت اليه "كريمه" وقالت:
- بس ايه ده يا "عمر" .. يعني اختيار غير "نانسي" تماما ..بصراحة لما شوفتها اتصدمت شوية
قال "عمر" بجديه :
- وده اللى جذبنى ليها .. حاسسها مختلفة .. محافظة على نفسها جداً .. تصورى حتى مبتسلمش عليا بايدها .. لا أنا ولا غيري .. مبتسمحش لحد انه يتجاوز حدوده معاها .... وبتحط خطوط حمرا للى أدمها ومش مسموحله أبدا انه يعديها .. مبتسمحش لأى راجل انه يقرب منها مهما كان هو مين .. وده مخليني هتجنن عليها
- ربنا يجعلها من نصيبك يا "عمر"
- أيوة يا أمى ادعيلى الدعوة دى
**********************
رن جرس الهاتف .. اخرجه "مصطفى" من جيبه ليجد رقماً غريباً رد فأتاه صوت فتاة قائله :
- البشمهندس مصطفى معايا ؟
- أيوة أنا مين معايا
أنا واحدة متعرفهاش
ابتسم "مصطفى" قائلاً :
- وعايزة ايه ياللى معرفكيش
- اسمعنى للاخر وانت تعرف أنا عايزه ايه
- قولى يا موزه
- أنا أعرف طليقتك "ياسمين" وأهلها .. وأعرف هما أعدين فين دلوقتى
قال "مصطفى" بدهشة :
- انتى عرفتى رقمى منين
- باباها راجل غلبان أوى .. ومش صعب تاخد منه اى معلومة انت عايزها .. عرفت منه اسمك واسم الشركة اللى بتشتغل فيها .. كلمتهم فى الفرع الرئيسي وطلبت رقم فرع البحر الاحمر .. واتصلت بالموقع عندك ورد عليا واحد من حسن حظى انه صاحبك وادانى رقم موبايلك
- وايه اللفه الطويلة دى ؟
- اسمعنى للاخر وانت تعرف .. طليقتك اللى كانت مراتك .. طلبت الطلاق عشان يخللها الجو مع الراجل اللى بتحبه .. ولما انت ضربتها هاخدتها حجة عشان تعرف ترفع القضية وتطلق منك
قطب "مصطفى" جبينه قائلا :
- انتى بتقولى ايه ؟
- بقول انها كانت بتحب واحد وخباها فى بيته هو واهلها وشغلهم كمان .. ودلوقتى هيتجوزوا بعد ما "ياسمين" اديتك أكبر قلم وضحكت عليك
صاح بغضب :
- أنا مفيش حد يقدر يضحك عليا ده أنا تييييييييييييييييت هى وأهلها
- أيوة تعجبنى وانت حمش كده .. لو فعلا عايز تنتقم منها ومن عشيقها ده .. ومش بس كده تكسب انت كمان فأنا عندى خطة متخرش الميه
سألها بشك :
- وانتى هستتفادى ايه لما تساعديني ؟
- هاخد بتارى منهم هما الاتنين .. وكمان هبقى كسبتلى قرشين
- انتى عايزانى اعمل ايه بالظبط .. ومكسب ايه اللى هيكون ليا وليكي ؟
- فلوس .. ملايين بمعنى اصح
قال "مصطفى" بسخريه :
- انتى شكلك واحدة فاضية وبتهرجى
- لأ مش بهرج اسمعنى للآخر وانت تعرف انى جد .. وجد أوى كمان .. بس الموضوع محتاج راجل بجد .. يا ترى انت راجل بجد يا "مصطفى"
صاح قائلاً :
- ده انا أرجل من أرجل راجل عرفتيه .. قولىوسمعيني الكلام اللى عندك
**********************
- بصراحة يا "سماح" كلام مامته ريحنى أوى .. حستها فهمانى
ابتسمت "سماح" قائله :
- أنا فرحانه اوى بالتطورات دى .. كون أصلاً انها تجيلك لحد عندك وتعتذرلك عن اللى عمته عملته دى حاجه كويسة أوى .. وكمان كلامها مقنع .. انا كمان رأيي من رأيها ..وافقى على الخطوبة يا "ياسمين"
تنهدت "ياسمين" قائله :
عارفه يا "سماح" .. أنا عامله زى اللى عين فى الجنة وعين فى النار .. بجد حسه بحيرة وخوف كبير أوى جوايا .. عارفه ايه أكتر حاجه مخوفانى .. ان "عمر" ميكنش بالصورة الحلوة اللى أنا رسمهاله .. يعني بجد هتصدم أوى لو فى يوم قالى اقلعى حجابك .. أو لو قالى البسى زى ما بشوف البنات بتلبس .. بجد هحتقره أوى .. أنا مش قادرة أفهم لحد دلوقتى تفكيره .. انتى عارفه يا "ٍسماح" اننا اتربينا من صغرنا ان الحجاب ده جزء من البنت مينفعش تتخلى عنه أو تفرط فيه .. حاجه مهمة أوى فى حياتها .. خايفه أتصدم فى "عمر" .. وتكون الحاجة دى بالنسبة له مش مهمة ومحصله بعضها .. خايفه كل اللى أنا أكون شايفاه خطوط حمرا هو يشوفها خضرا ..ده غير اسلوبه مع البنات .. مستحيل أقبل ان جوزى يسلم بالايد على بنت عمته او على اى واحده ويسبها تبوسه وتحضنه كمان .. مش ممكن أقبل ده أبداً .. خايفة يحصل صدام بينى وبينه .. ويقولى أنا كده واتربيت كده وعيشتى كده .. لان أنا مش ممكن هقبل كده .. خايفة يكون بعيد عن ربنا أوى .. أنا حساه فعلا بعيد .. بس خايفه يكون بعيد اوى .. بعيد البعد اللى أفشل فى انى أقربه ..أنا لحد دلوقتى مش عارفه أفهمه .. خايفه يا "سماح" لو قررت فى يوم انى اسلم على صحابه وقرايبه الرجاله بايدي ألاقى ان ده عادى عنده ومش فارق .. خايفه لو قولتله فى يوم انى عايزة ألبس لبس مفتوح او ضيق يفرح بكده او يقولى عادى ومش فارقه .. خايفه محسش انه راجل وخايف عليا وبيغير عليا .. خايفه ميحسسنيش انه غيران عليا يا "سماح" .. خايفه أكون جذبه انتباهه بس عشان انا حاجه جديدة فى حياته .. بس بعد فترة يتعود عليها ويمل منها .. ويحن للبنات اللى يعرفهم .. خايفة أسيب قلبي يحبه ويتعلق بيه والآخر ألاقيه هو اللى سبنى .. خايفة أوى يا "سماح"
كانت "سماح" تنظر اليها وتستمع فى صمت .. أكملت "ياسمين" قائله :
- وفى نفس الوقت شوفت منه حاجات مطمنانى .. يعني مثلا عارف حدودى كويس ومش بيحاول يتعداها معايا .. ولما برفض حاجه بيبقى فاهم سبب رفضى .. شوفت اللى عمله مع العامل اللى اتصاب .. كان شجاع أوى وهو بيحاول ينقذ ايده .. ولما ساعد الست الغلبانة اللى طردوها .. ولما كان معايا وأنا بولد المهره .. وهو بيلبس الجلبيه الفلاحى .. حسيته أد ايه طيب ومش مغرور وحنين وقريب منى ومن طباعى
قالت "ياسمين" مبتسمه :
- تعرفى ان بابا لما راح المستشفى اللى فيها العامل هو و "ريهام" أهل العامل قالوله ان "عمر" دفع كل مصاريف علاجه وكمان مرتبه قالهم هيوصلهم كل شهر
- مكنتش أعرف .. "أيمن" ما قاليش
بجد متتصوريش اللى عمله ده خلانى حسه بايه .. بجد عجبنى أوى اللى عمله .. واحد غيره كان قال وأنا مالى .. بس هو كان فى الموقف ده راجل بجد .. حنيته دى بتجننى يا "سماح" .. أنا بحب أوى الراجل الحنين
ابتسمت "سماح" لصديقها فأكملت "ياسمين" بسعادة :
- أنا حسه انى بدأت أتعلق بيه أوى يا "سماح" .. وعشان كده نفسي فعلا أعرفه أكتر عشان أقدر أقرر صح .. أنا فعلا حسه ان كلام مامته صح .. وان المفروض نعمل خطوبة .. عشان نقدر نفهم بعض
هتفت "سماح" بفرح :
- يعني وافقتى ؟
أوقفتها "ياسمين" بيدها قائله :
- لأ استنى ما قولتش انى وافقت .. أنا قولت انى حسه ان ده المفروض يحصل .. بس لسه ما قولتش أيوة
صاحت "سماح" :
- يا ستى قولى أيوة بأه
ضحكت "ياسمين" قائله بدلع :
- هستخير الأول .. وبعدها هقول رأيي
رفعت "سماح" كفيها هاتفه :
- يارب يبقى أيوة يارب
***************************
عادت "ياسمين" من عند "سماح" ودخلت بوابة المزرعة لتسمع خلفها صوت سيارة "عمر" .. التفتت .. خفق قلبها لرؤيته أكملت طريها .. سار بسيارته مسرعاً وأوقفها أمام بيت المزرعة ثم نزل والتفت ينتظرها .. كادت أن تكمل طريقها لكنه أوقفها قائلاً:
- ازيك يا "ياسمين"
قالت بصوت خافت :
- الحمد لله
ابتسم قائلاً :
- كنتى فين ؟
- كنت عند "سماح"
اتسعت ابتسامته ونظر اليها بخبث قائلاً :
- شكلى هبتدى أغير من "سماح"
احمرت وجنتاها ومشيت خطوتين قبل أن يناديها قائلاً :
- "ياسمين" أستنى
التفتت اليه وقلبها يخفق بشده .. سألها بإهتمام :
- فكرتى فى اللى ماما قالتهولك ؟
أومأت برأسها .. فقال :
- وقررتى ايه ؟ .. موافقه ؟
شعرت بالارتباك لكنها نظرت اليه قائله :
- هستخير وبعدين أقول قرارى
نظر فى عينيها بحنان قائلاً بصوت شجى :
- وأنا هستنى قرارك .. بس متتأخريش عليا .. مبقتش مستحمل بعدك ده .. كفايه تعذيب بأه .. نفسي أحس انك ليا بجد .. وايدك دي يبأه فيها دبلتى .. والكل هنا يعرف انك بتاعت "عمر" .. بتاعته هو وبس.
شعرت بحنان عينيه يغمر قلبها .. وبكلماته تخترق أعماق روحها لتستقر بها .. أومأت برأسها .. ثم التفتت لتغادر وعلى ثغرها ابتسامه عذبه ..
رواية مزرعة الدموع الفصل الثالث 3 - بقلم مني سلامة
الفصل الثالث والثلاثون من رواية مزرعة الدموع
كانت سعادة "عبد الحميد" غامرة عندما زاره "كرم" فى مخزن العلف قائلاً :
- يشرفنى انى اطلب من حضرتك ايد الآنسه "ريهام"
قال له "عبد الحميد" فى سعادة غامرة :
- وأنا طبعاً يشرفنى انى أديك بنتى يا بشمهندس "كرم" .. بس لازم آخد رأى "ريهام" الأول
أومأ "كرم" برأسه قائلاً :
- طبعاً يا عم "عبد الحميد" خد وقتك ..بس ياريت بعد اذنك احنا مش محتاجين فترة خطوبة .. يعني احنا بنشتغل مع بعض من فترة .. والأفضل يبقى كتب كتاب على طول
صمت "عبد الحميد" قليلاً ثم قال :
- فى العجلة الندامة يا ابنى .. خليها فترة خطوبة الأول حتى لو فترة صغيرة وبعد كده لما تحبوا تكتبوا الكتاب مفيش مشكلة .. بس كل حاجه تيجى بالهداوه
أومأ "كرم" برأسه قائلاً :
- خلاص زى ما تشوف يا عم "عبد الحميد" .. بس زى ما حضرتك قولت فترة خطوبة صغيرة
ابتسم "عبد الحميد" فى فرح قائلاً :
- على خيرة الله
ذهب "عبد الحميد" الى غرفة بناته .. وبشرهم بالخبر .. نظر الى "ريهام" قائلاً :
- البشمهندس "كرم" طلب ايدك منى يا "ريهام" يا بنتى .. قولتى ايه ؟
حاولت "ريهام" كتم فرحتها بصعوبة .. كانت تشعر بالرغبة فى القفز فى الهواء .. لكنها تمالكت نفسها قائله بهدوء :
- وحضرتك قولتله ايه يا بابا ؟
- قولتله هسألك الأول وبعدين أرد عليه .. ها رأيك ايه
نظرت "ريهام" الى الأرض فى خجل وابتسامه واسعة مرسومة على شفتيها .. فتدخلت "ياسمين" قائله :
- قوله موافقه يا بابا .. بس متقولوش دلوقتى سيبه يومين كده
ضحك "عبد الحميد" قائلاً :
- والله الحريم دول عليهم حركات .. ما نريح الراجل ونقوله موافقه
قالت "ياسمين" بسرعة :
- لأ استنى يومين تلاته كده وبعدين قوله انها موافقه
خرج "عبد الحميد" وتعانق الأختان فى فرح .. قالت "ريهام" :
- أنا مش مصدقة يا "ياسمين" حسه بجد انى بحلم .. أنا مش بحلم صح ؟
ضحكت "ياسمين" قائله :
- لأ مش بتحلمى .. فوقى بأه ده انتى ضربتى خالص
- مش ليا حق .. أنا فرحانه أوى .. هاين عليا أنزل دلوقتى أروحله المكتب وأقوله "كرم" أنا موافقة يلا نتجوز
ضحكت "ياسمين" قائله :
- والله مجنونة وتعمليها
صمتت "ياسمين" قليلاً ثم قالت :
- بس احنا لسه معرفناش هو ناوى يعيش هنا فى المنصورة ولا هيرجع القاهرة
قالت "ريهام" وقد انتبهت للأمر :
- فعلاً معاكى حق .. النقطة دى مش واضحة بالنسبة لى
- لازم نعرف النقطة دى
قالت "ريهام" بسرعة :
- أى ان كان مش هتفرق بالنسبة لى المهم انى أعيش مع "كرومتى"
ضحكت "ياسمين" قائله :
- "كرومتك" ؟ ... تصدقى كرهتيني فى اسمه
قالت "ريهام" بخبث :
- آه "كرومتى" .. زى ما "عمر" "عمورتك "
ابتسمت "ياسمين" فى خجل .. فقالت "ريهام" بلهفة :
- يا ستى حنى على الراجل بأه .. هتفضلى تقلانه لحد امتى .. الراجل خلاص سخن واستوى على الآخر .. فاضلة تكه ويشيط الحقيه قبل ما يشيط أبوس ايديكى
ضحكت "ياسمين" قائله :
- عليكي تعبيرات تودى فى داهية
قالت"ريهام" بخبث :
- بالله عليكي أما بتشوفيه ما بتحسيش ان قلبك ده من كتير الدق صوته واصل لأسوان
قالت "ياسمين" بخجل :
- أيوة بحس بكده
تنهدت "ريهام" قائله :
- طيب بأه ارحمى قلبك وقلبه .. خلينا نعمل خطوبتنا فى يوم واحد أنا وانتى
نظرت اليها "ياسمين" قليلاً فى صمت .. ثم قائله :
- ربنا ييسر
صاحت "ريهام" قائله :
- "ياسمين" بجد انتى تشلى .. ربنا يكون فى عونك يا "عمر" .. ليك الجنة يا ابنى
قالت "ياسمين" بجديه :
- "ريهام" متنسيش انى مطلقة يعني أى حاجه أعملها محسوبة عليا .. مش عايزة أتسرع .. حاولى تفهميني
قالت "ريهام" :
- والله فهماكى .. ومتخفيش "عمر" انسان كويس
-عرفتى منين بأه انه كويس
ابتسمت "ريهام" قائله بـمرح :
- مش صاحب "كرومتي" لازم يبقى كويس
ثم نظرت لها بجديه قائله :
- استخيريى وشوفى ربنا هيختارلك ايه
أومأت "ياسمين" برأسها قائله :
- أنا بعمل كده فعلاً .. بستخير .. وراضة باللى ربنا يختارهولى
**********************
- يعني خلاص أخيراً قررت انك تتجوز
هتف "أيمن" بهذه العبارة أثناء جلوسه مع "كرم" فى "عمر" فى حجرة المعيشة بمنزل "عمر" .. قال "كرم" بمرح :
- أعمل ايه مكنتش عايز أتجوز أبداً .. بس جت اللى خدتنى على ملا وشى .. وقلبت حياتى من فوقها لتحلتها
ابتسم "عمر" قائلاً :
- أخيراً عشت وشوفت اليوم ده .. "كرم" قرر يتجوز أنا لسه لحد دلوقتى مش مصدق
قال "أيمن" :
- لأ ومش أى بنت .. "ريهام" اللى هتطلع عليه القديم والجديد ان شاء الله
ضحك "عمر" قائلاً :
- يستاهل .. بصراحة هما الاتنين يستاهلوا بعض
قال "كرم" :
- آه غنوا أصاد بعض انتوا الاتنين
ابتسم "عمر" قائلاً بفرح :
- بجد والله فرحتلك أوى يا "كرم"
قال "أيمن" :
- يلا شد حيلك انت كمان يا "عمر" .. وممكن تعلموا انتوا الاتنين خطوبتكوا مع بعض
قال "عمر" بلهفه :
- ياريت بجد يا "أيمن"
قال "كرم" :
- لا اطمن .. أنا حاسس ان خلاص فاضل على الحلو زقه
صاح "عمر" :
- ما تحترم نفسك يا ابنى انت .. ايه حلو دى ؟
ضحك "كرم" قائلاً :
- خلاص يا باشا غلطة مطبعية
- لأ ابقى خد بالك بعد كده
- حاضر يا عم الحمش
أقبلت "كريمة" ومعها الخادمة حاملة صنية بها عصير وبعض أطباق الحلوى .. قالت "كريمه" بسعادة :
- ألف مبروك يا "كرم" .. بجد فرحتلك أوى ..ربنا يتمملك على خير
قال "كرم" بمرح :
- شوفتى يا طنط .. أخرة صبرى آخد أخت خطيبة "عمر" .. يعني "عمر" ورايا ورايا حتى فى جوازى مش عايز يعتقنى
ضحكت "كريمة" قائله :
- ربنا يخليكوا لبعض
ثم نظرت الى ثلاثتهم قائله :
- بجد يا ولاد صداقتكوا دى عملة نادرة دلوقتى .. انتوا ربنا أنعم عليكوا بنعمة كبيرة ناس كتير أوى محرومة منها .. صداقتكوا دى كنز بجد .. انتوا من سنين وانتوا مع بعض أكتر من الاخوات .. واقفين جمب بعض فى الحزن قبل الفرح .. بجد انتوا فى نعمة بكيرة أوى حافظوا عليها .. وعلموا ده لوالدكوا وقربوهم من بعض عشان يكون بينهم الصداقة الجميلة اللى بينكوا دلوقتى .. واوعوا تبعدوا عن بعض أبداً مهما حصل .. سبحان الله الطيور على أشكالها تقع وانتوا التلاته متتخيروش عن بعض .. ربا يعلم ان معزتك يا "كرم" انت و "أيمن" من معزة "عمر" ابنى وبعتبركوا ولادى زيه بالظبط
كان الأصدقاء الثلاثة ينظرون لها بتأثر فأقبل "عمر" عليها وقبل رأسها قائلاً :
- ربنا ما يحرمنى منك يا أمى ولا من نصايحك الغالية
خرجت الأم لتترك الأصدقاء الثلاثة ينعمون بصحبة يعضهم البعض
***************************
قال "مصطفى" لذلك الصوت الأنثوى عبر الهاتف :
- لأ الفلوس هتتقسم على 3 مش 2 ؟
الصوت بضيق :
- ليه بأه 3
- عشان هجيب واحد محتاجه معايا فى المهمة دى
- واحد مين ان شاء الله .. بقولك ايه احنا مش عايزين عك
قال "مصطفى" بعصبيه :
- بقولك محتاجه معايا .. افرض حصلت أى ظروف أحتاج فيها لحد جمبى .. وطبعا حضرتك مش هتساعديني لو احتجتك
- أنا دورى فى الخطة دى معروف ومش هعمل أكتر من اللى اتفقنا عليه .. وكفاية ان أنا اللي خطت لكل العملية دى
- وعشان كده محتاج واحد معايا وقت التنفييذ .. لأن وقت التنفيذ الله أعلم ايه اللى ممكن يحصل .. وكمان هو بيفهم فى الحاجات دى كويس وأكيد هيفيدنى كتير بدل ما الدنيا تتعك فوق دماغنا
- خلاص مفيش مشكلة بس طالما الفلوس هتتقسم على 3 يبأه نطلب أكتر
- ازاى ؟
- يعني بدل ما كنا هنطلب 2 مليون نطلب 3 وبكدة حصة كل واحد فينا تفضل زى ما هى
قال "مصطفى" :
- تمام كده
- بس قولى اللى هتجيبه ده واثق فيه ؟
- أيوة متقلقيش .. أمان
- طيب .. بس خلى بالك .. حركة واحدة غلط وهنروح فى ستين داهية
قال "مصطفى" بنفاذ صبر :
- قولتلك متخفيش
- امتى التنفيذ
قال "مصطفى" وهو يضيق عيناه :
- بكرة
*************************
توجهت "ياسمين" الى مكتب "عمر" لإعطائه ملف التقارير الاسبوعية .. فتحت الباب لتجد والدته جالسه معه فى المكتب على أريكة جانبيه ..ابتسمت "كريمة" قائله :
- ازيك يا "ياسمين"
بادلتها "ياسمين" الابتسامه قائله :
- الحمد لله ..ازى صحة حضرتك
- بخير يا حبيبتى الحمد لله
ثم نهضت قائله :
- أسيبكوا بأه تشوفوا شغلكوا
غادرت ثم أمسكت الباب وأغلقته خلفها .. توترت "ياسمين" .. ولدهشتها وجدت "عمر" يتجه الى الباب ويفتحه مرة أخرى ثم يتقدم منها ويقف أمامها مبتسماً .. لاحت ابتسامه صغيره على شفتيها و خفضت عينيها فى خجل قائله :
- اتفضل يا بشمهندس التقرير الاسبوعى .. الدكتور "حسن" راجعه ومضى عليه
أخذ منها الملف قائلاً :
- عارفة أنا نفسي فى ايه ؟
صمتت .. فأكمل بحنان قائلاً :
- نفسي أسمع "عمر" بدل بشمهندس
شعرت بالخجل فنظر اليها بدفء :
- تعرفى انك عمرك ما نطقتى اسمى أبداً .. حتى ما بتقوليليش بشمهندس "عمر" .. بتقولى بشمهندس بس .. نفسي أسمع منك "عمر" .. أكيد اسمى هيبقى له طعم تانى لما أسمعه منه
قالت بسرعة لتتهرب من تأثير كلماته عليها :
- بعد اذنك
ثم غادرت مسرعة وخفقات قلبها تتعالى وابتسامة شفتيها تتسع .. حتى أن "ولاء" لاحظت السعادة البادية على محياها فاقتربت منها قائله :
- خير .. مش عادتك يعني الابتسامه اللى من الودن للودن
حاوت "ياسمين" اخفاء ابتسامتها قائله :
- عادى يعني
ابتسمت "ولاء" قائله :
- لأ مش عادى .. لما أشوف والدة "عمر" جيالك المكتب وتعد معاكى وقت طويل يبأه مش عادى .. وانتى تبقى الفرحة مش سيعاكى يبقى مش عادى
نظرت اليها "ياسمين" وهى تشعر بالحيرة أخبرها .. أم لا تخبرها .. أخرجتها "ولاء" من حيرتها قائله بإبتسامه :
- من غير ما تقولى واضح جداً اللى بيحصل .. انتى بنت طيبة وتستاهلى كل خير
قالت "ياسمين" بخجل :
- أنا لسه موافقتش
قالت "ولاء" بنفس الابتسامه :
- أهم حاجه استخيري كويس واسألوا عليه كويس .. وأى حاجه تسمعيها عنه ناقشيه فيها وشوفى رده عليها ايه .. يعني اللى أقصد أقولهولك لما تعرفى عنه حاجه متكبريش دماغك منها .. لأ لازم تعرفى أصل وفصل الحكاية منه .. عشان تبقى على نور من الأول .. وتكونى متأكدة من أخلاق الراجل اللى هترتبطى بيه
أومأت "ياسمين" برأسها قائله :
- معاكى حق .. أى حاجه اشاعه أسمعها عنه لازم أتأكد هى صح ولا لأ
- ربنا يتمملك على خير يا "ياسمين" لو كان فيه خير ليكي
ابتسمت "ياسمين" قائله :
- تسلمي يا ولاء .. وعقبالك انتى كمان
****************************
جلست "كريمه" مع زوجها على شرفة غرفتهما قائله :
- بصراحة اتصدمت لما شوفتها .. لانها مختلفه عن "نانسي" .. وقولت الكلام ده ل "عمر"
قال "نور" :
- بصراحة اللى اسمها "نانسي" دى أنا مكنتش مرتحلها خالص .. بس انتى عارفه انى مبحبش أفرض رأيي على "عمر"
قالت "كريمه :
- البنت لبسها محتشم أوى و محجبة وهادية وخجولة وكمان عاقلة وذكية وحسيتها كمان طيبة أوى
ضحك "نور" قائله :
- كل ده عرفتيه عنها من مقابلة واحدة
ابتسمت "كريمه" :
- انت عارف انى بقدر أفهم الناس بسرعة .. والبنت فعلاً مريحه .. تعرف يا "نور" محستش أبداً انها واحدة كانت متجوزة قبل كده .. يعني تحسها بنوته صغيرة .. ولما اتكملت عن جوازتها الأولى وانها كانت تجربة قاسية عليها .. بصراحة صعبت عليا أوى .. حسيت ان البنت دى اتظلمت كتير .. وشايله فى قلبها كتير .. وده سبب خوفها من الارتباط مرة تانية
- حبتيها يعني
- بصراحة أيوة .. لما أعدت واتكملت معاها حستها انسانه ناضجة .. مش واحدة بتجرى ورا المظاهر وخلاص .. واحدة شايفه "عمر" عريس لقطة بالنسبة لها .. لأ البنت بتفكر فى كل حاجه .. لأنها مش عايزة تختار غلط .. ومش مهتمة بالمظاهر .. أد ما هى مهتمة بشخصية "عمر" وبأخلاقه .. البنت دى لو حبت "عمر" هتحبه من كل قلبها .. وهتحبه عشانه هو .. عشان "عمر" .. مش عشان هو مين وابن مين
ثم أكملت قائله :
- وبعدين واضح انها مؤدبة ومتربية كويس .. مراعية حدودها فى الكلام معايا وبتتكلم بإحترام وبأدب .. بعكس "نانسي" اللى لما كنت بحاول أنصحها عشان مصلحتها هى و "عمر" كانت بتسمعنى كلام ميصحش بنت متربية تقوله لواحده فى سن والدتها .. بصراحة "ياسمين" دخلت دماغى
ابتسم "نور" قائلاً :
- فرحتيني بكلامك ده .. ومن كلامك عنها واضح انى هحبها أنا كمان
أكدت "كريمه" قائلاً :
- هى فعلاً تتحب .. حسه ان "عمر" المرة دى اختار صح
************************
- طيب نتفق كده من الأول الكلمة كلمتى واللى هقوله يتنفذ بالحرف .. يا كده يا مش داخل اللعبة
نطق "بسطويسي" هذه العبارة .. كان رجل طويل القامة عريض المنكبين له هيئة مرعبة منفرة والشرر يتطاير من عينيه .. تشعر وأنت تنظر اليه بعدم الارتياح .. رد عليه "مصطفى" قائلاً :
- ماشى يا "بسطوسي" اتفقنا .. بس بشرط مش عايز البنت تتأذى يعني عمليه نضيفه من غير نقطة دم
قال بصوت أجش :
- اتفقنا يا برنس .. امتى التنفيذ
- بكرة
- قشطة .. ونصيبي ؟
- مليون جنية زى ما اتفقنا
- حلو الكلام .. يلا بأه تعالى اعد عشان نتفق على التفاصيل
************************
قامت "ياسمين" فزعة من نومها مردده ثلاث مرات :
- أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
استيقظت "ريهام" على صوتها قائله :
- خير فى ايه ؟
لم تستطع "ياسمين" التحدث فقامت "ريهام" وجلست الى جوارها تتفحصها قائله :
- مالك فى ايه ؟
قالت "ياسمين" بصوت مرتجف :
- معرفش حسيت ان فى حاجة طابقه على نفسي أوى
قالت لها "ريهام" :
- استعيذى بالله
أزاحت "ياسمين" الغطاء ونهضت .. سألتها "ريهام" :
- راحة فين
قالت "ياسمين" وهى تحاول استماع شتات نفسها :
- هقوم أتوضى وأصلى قيام باقى ساعة على الفجر .. توضأت "ياسمين" وصلت حتى آذان الفجر .. كانت كلما شعرت بالخوف لجأت الى الصلاة التى تريح قلبها وتطمأنه .. أيقظت "ريهام" لصلاة الفجر .. ثم عادت الى مصلاها ورددت أذكار الصباح التى تحافظ عليها كل يوم وتذكرت حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما من عبد يقول في صباح كل يوم ومساء كل يوم: بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم ثلاث مرات فيضره شيء " ... ثم أمسكت مصحفها وأخذت تقرأ فيه حتى الشروق
كان يوم عمل عادى بالنسبه الى "ياسمين" .. أنهت عملها وأوشكت على التوجه الى غرفتها عندما وجدت رقماً غريباً يتصل بها ردت فوجدت من تقول :
- ازيك يا "ياسمين" أنا الدكتورة "مها"
شعرت "ياسمين" بالدهشة .. لماذا تتصل بها .. خاصة بعدما عملت "ياسمين" من "سماح" بدور "مها" فى قصة حريق مخزن العلف .. قالت "ياسمين" ببرود :
- خير يا دكتورة ؟
قالت "مها" :
- محتاجة أتكلم معاكى شوية
قالت "ياسمين" بنفس البرود :
- مفيش أى حاجه بينى وبين حضرتك نتكلم فيها .. مع السلامه
قالت "مها" بسرعة :
- الحاجة دى عن البشمهندس "عمر"
توقفت "ياسمين" لتسمعها .. فأكملت "مها" قائله :
- أنا مش هاخد من وقتك أكتر من خمس دقايق بس
قالت "ياسمين" :
- اتفضلى سمعاكى
قالت "مها" على الفور :
- لأ مش هينفع فى التليفون الأفضل أكلمك وجهاً لوجه أنا واقفه أدام باب المزرعة من بره لو سمحتى اطلعى نتكلم شوية لانى مش هينفع أدخل المزرعة بعد اللى حصل
صمتت "ياسمين" قليلاً فألحت عليها "مها" قائله :
- مش هاخد من وقتك أكتر من خمس دقايق .. بس بجد المعلومات اللى عندى مهمة جداً ولازم تعرفيها .. أنا منتظراكى أدام البوابة .. سلام
أغلقت الخط وتركت "ياسمين" تتخبط من الحيرة .. أنهت "مها" المكالمة لتتصل بـ "مصطفى" قائله :
- أنا كدة عملت اللى عليا الدور عليك بأه .. نفذ اللى مطلوب منك صح
قالت ذلك ثم أغلقت .. ترددت "ياسمين" فى الذهاب ثم أخيراً عزمت أمرها وتوجهت الى البوابه .. فتح لها الغفير وخرجت .. نظرت يميناً ويساراً فلم تجد أحداً .. سارت قليلا فى اتجاه الأشجار التى تقع على أحد جانبي المزرعة .. لتجد فجأة من يطبق عليها من الخلف ويكمم فمها وأنفها بقطعة قماش .. وما هى إلا لحظات وفقدت "ياسمين" الوعى اثر المادة المخدرة الموضوعه فى القماش .
جرها الرجل فى اتجاه السيارة التى أخفاها فى شارع جانبي بجوار المزرعة ثم حملها ووضعها فى صندوق السيارة ودخل وجلس بجوار "مصطفى" وقال له :
- يلا بسرعة
انطلق "مصطفى" بالسيارة الى المكان الذى اتفقا عليها من قبل .. فقد مسحا المنطقة المجاورة للمزرعة جيداً واختارا أنسب مكان لاخفاء "ياسمين" به .. وصلوا الى المكان ونزل الرجلا وحملا "ياسمين" الى الداخل ووضعاها على الأرض وأخذ "مصطفى" يربط يديها خلف ظهرها وربط قدمها وكمم فمها ووضع عصبة على عينها .. ثم أشار له "بسطويسي" بالخروج فخرجا معاً وأغلقا الباب ووقفا بجانب السيارة .. قال له بسطويسي :
- زى ما اتفقنا فتشها كويس وخد منها موبايلها وأى حاجه معاها ومتخليهاش تشوف وشك ولا تسمع صوتك ..
ثم أعطاه قناع قماش للوجه وقال له:
- والبس دى كمان كل ما تيجي داخل عندها
قال له "مصطفى" :
- ألبسها ليه هى أصلا عينها متغميه ومش شيفانى
صرخ فيه "بسطويسي" بغضب قائلاً :
- انت سمعت أنا قولت ايه .. اللى أقولك عليه يتنفذ بالحرف الواحد بدون ما تناقشنى فيه .. سمعت
قال "مصطفى" بشئ من الخوف :
- ماشى
قال "بسطويسي" بلهجة آمره :
- يلا البسه وادخلها جوه .. وأنا هروح أعمل اللى اتفقنا عليه
انطلق "بسطويسي" بالسيارة وأرتدى "مصطفى" القناع وفتح الباب ودخل .. اقترب من "ياسمين" التى ترقد على الأرض وجثا بجوارها وأزاح ربطة عينها و فمها لينظر اليها بسخريه قائلاً بصوت خافت :
- قولتلك مش هعتقك
أخذ "مصطفى" يفك حجابها ويلقيه على الأرض .. راوده شيطانه للحظة للإنتقام منها والثأر لكرامته ولرجولته .. لكنه وجدها تتحرك وقد بدأت فى الإفاقه فأسرع بربط عصبة عينها وكمم فمها .. دقائق وقد بدأت "ياسمين" فى استعادة وعيها بالكامل .. حاولت التحرك و الوقوف .. فما كان من "مصطفى" إلا أن صفعها على وجهها صفعة قوية .. شعرت بالرعب والألم وجهشت فى بكاء شديد .. جلست ساكنة للحظات ثم حاولت القيام مرة أخرى فصفعها مرة أخرى بقوة .. سقطت على الأرض تبطى من شدة الخوف والألم الذى آلم وجهها .. جلست فى مكانها تبكى لا تفهم شيئاً .. لا تعى شيئاً .. خائفة من أن تتحرك فتتلقى لطمة أخرى على وجهها .
***********************
سمع "عبد الحميد" طرقات متواليه على باب غرفته .. نهض ليفتح الباب فوجد "ريهام" تقول فى لوعه :
- بابا الحقنى ياسمين مش موجودة فى المزرعة ومش بترد على موبايلها
صاح "عبد الحميد" بفزع :
- يعين ايه مش موجودة فى المزرعة .. كلمتى "سماح"
قالت "ريهام" وهى تشعر بالفزع :
- أيوة كلمتها قالتلى مجتلهاش ومتكلموش أصلاً النهاردة .. أنا خايفه أوى .. مش من عادتها انها تختفى كده ومتردش على موبايلها
خرج "عبد الحميد" و "ريهام" وبحثا عنها مرة أخرى فى مكان عملها وفى المزرعة كلها وسألا عنها كل من يقابلانه .. لكن لا أثر لـ "ياسمين" .. توجها الى مكتب "عمر" ليجداه وقد غادر .. ونفس الكلام مع "كرم" و "عمر" .. قال "عبد الحميد" :
- تعالى نروح بيت البشمهندس "عمر" يمكن يكون عارف عنها حاجه
توجها الى بيت المزرعة وطرقا الباب .. فتحت الخادمة فطلب منها "عبد الحميد" أن يتحدث الى البشمهندس "عمر" .. دخلت الخادمة ونادت "عمر" الذى كان يجلس مع والداه .. قام من فوره وتوجه الى الباب وقال بإهتمام :
- عم "عبد الحميد" .. اتفضل ادخل .. اتفضلى يا آنسه "ريهام"
قاطعه "عبد الحميد" قائلاً بلهفه :
- ماشوفتش "ياسمين" يا بشمهندس
نظر "عمر" اليه بحيره قائلاً :
- لأ مشوفتهاش النهاردة
أخذ "عبد الحميد" يضرب كفاً بكف قائلاً :
- لا حول ولا قوة الا بالله أمال راحت فين بس يا ربي
أجهشت "ريهام" فى البكاء بصوت خافت وحاولت الإتصال باختها مرة أخرى دون جدوى .. قال "عمر" بإهتمام :
- متخفش هى ممكن تكون عند "سماح" صحبتها أو هنا فى المزرعة
صاح "عبد الحميد" قائلاً :
- قلبنا عليها الدنيا هنا فى المزرعة .. و "سماح" بتقول مرحتلهاش النهاردة .. ومبتردش على موبايلها .. أنا هتجنن البنت دى راحت فين بس
شعرت "عمر" بالقلق فخرج معهما قائلاً :
- تعالوا ندور عليها فى المزرعة تانى
ذهب "عمر" الى شجرته حديث تنفرد "ياسمين" بنفسها .. لم يجدها هناك .. بحثوا فى كل مكان بالمزرعة دون أدنى أثر لها .. آخر من رآها كان الغفير الذى قال لـ "عمر" :
- فتحتلها البوابة وخرجت ومجتش من ساعتها
قال له "عمر" بلهفه :
- ما قالتش راحه فين .. فى حد كان مستنيها بره ؟
قال الغير :
- والله ما أعرف يا بشمهندس مخدتش بالى .. وهى ما قالتليش حاجه
كان الخوف قد تمكن من "عمر" .. كان يشعر الحيرة والخوف والإضطراب .. اتصل بـ "أيمن" و "كرم" اللذان كانا فى مهمة بالمنصورة فعادا أدراجهما الى المزرعة مرة أخرى تجمع الجميع فى بيت "عمر" الذى قال :
- هتكون راحت فين بس .. هى متعرفش أى حد هنا
قالت "ريهام" باكيه :
- هى أصلاً مبتروحش فى مكان من غير ما تقولى أنا أو بابا .. وكمان عمرها ما سابت موبايلها كده ومتردش علينا .. أكيد حصلها حاجه
قفز قلب "عمر" من مكانه عند سماع تلك الكلمات .. اقترب "كرم" من "ريهام" قائلاً بحنان :
- "ريهام" هدى نفسك شوية ان شاء الله هنلاقيها
أجهشت فى البكاء مرة أخرى فأمسك كوب الماء الموضوع على الطاولة وأعطاها لها قائلاً :
- طب اشربي واهدى
أخذت منه الكوب ورشفت رشفتين ثم أعطته له .. قالت "كريمه" بحنان :
- اطمنى يا حبيبتى ان شاء الله هى بخير ..وشوية وهنلاقيها هنا
قال "نور" :
- طيب خلونا يا جماعة نفكر تفكير عملى .. مثلاً لا قدر الله لما خرجت من البوابة ممكن تكون مشيت على الطريق وعربيه خبطتها وأكيد خدوها على المستشفى يبأه اللى نعمله دلوقتى اننا نتصلى بكل المستشفيات اللى فى المنصورة ونسأل عنها
أغمض "عمر" عيناه فى ألم وهو يشعر بالخوف الشديد قام من فوره فقال له والده :
- على فين
قال دون أن ينظر خلفه :
-رايح المكتب اتصل بكل المستشفيات اللى فى الدليل
اتصل "عمر" بجميع المستشفيات واقسام الطوارئ دون جدوى .. شعر بالحنق والغضب الشديد .. والخوف والفزع فى آن واحد
أخذ مفتاح سيارته وتوجه الى الخارج .. أسرع "كرم" و "أيمن" خلفه .. قال له "أيمن" :
- على فين يا "عمر"
لم يجيبه "عمر" وفتح باب سيارته .. فأشار "أيمن" لـ "كرم" بالركوب فركبا الاثنان مع "عمر" دون سؤاله .. انطلق "عمر" بسيارته يشق طريقه خارج المزرعة .. نظر اليه "كرم" الجالس بجواره فوجد علامات التوتر على وجهه .. كان يسير بسيارته على غير هدى فى المناطق حول المزرعة .. كانت عيناه تبحثان عنها فى لهفة .. قالت له "أيمن" الجالس فى الخلف :
- متقلقش يا "عمر" ان شاء الله هنلاقيها
لم يجبه "عمر" .. بل لم يسمعه أصلاً .. كل ما كان يسيطر على تفكيره .. أين هى "ياسمين" .. وماذا حدث لها .. أى بحاله جيده .. هل أصابها سوء .. كان قلبه ينزف فى لوعه .. ظل يبحث ويبحث دون جدوى .. مرت ثلاث ساعات لم يتوقف فيها لخظه .. بحث كان يخرج من شارع ليدخل فى آخر .. وعيناه تبحث على الجانبين فى لهفه .. قال له "كرم" :
- مفيش فايده من اللى بتعمله ده
هتف "عمر" فى غضب :
- أمال عايزنى أعمل ايه .. أعد فى البيت حاطط ايدي على خدى وأنا مش عارف هى فين ولا ايه اللى حصلها
هدئه "كرم" قائلاً:
- مش قصدى أضايقك يا "عمر" بس احنا بقالنا أكتر من 3 ساعات عمالين نلف ومفيش فايدة قال "عمر" بضيق بالغ :
- طب أعمل ايه .. لو روحنا بلغنا هيقولولنا استنوا 24 ساعة .. اعمل ايه .. اعمل ايه
اقترح "أيمن" :
- طيب تعالوا نرجع المزرعة تانى وندور فيها تانى .. يمكن تكون مثلاً تعبت وهى أعده فى مكان وأغمى عليها مثلاً .. تعالوا ندور تانى
صاح "عمر" بغضب :
- بقولك الغفير شافها وهى خارجه من المزرعة .. يعني هى مش هناك
سكت "كرم" و "أيمن" حتى لا ينفعل "عمر" أكثر من ذلك .. كان من الواضح أن الغضب قد بلغ من همبلغه .. لذلك آثرا الصمت .. رن هاتف "أيمن" فرد قائلا :
- أيوة يا "سماح"
تعلقت به عينا "عمر" بلهفه فى المرآه .. قال "أيمن" :
- لأ مفيش جديد .. حاضر هعرفك .. سلام
قال "عمر" بلهفه :
- ايه
- مفيش بتسأل عرفنا حاجه ولا لاء
ضرب "عمر" بقبضته بقوة على مقود السيارة قائلاً :
- هتكون راحت فين بس
**************************
ظلت "ياسمين" تبكى وتبكى .. كانت تخشى أن تتحرك من مكانها فيضربها ذلك الرجل الذى لا تراه .. وأخيراً سمعت باب يفتح ثم وقع أقدام تقترب .. ثم تنصرف مرة أخرى .. شعرت بوجود أكثر من شخص معها .. ثم خرجوا وأغلقوا الباب خلفهم .. قال "مصطفى" لـ "بسطويسي" :
- كله تمام خدت منها موبايلها ومعهاش أى حاجه تانية
مد يده بالموبايل الى "بسطويسي" الذى أخرج الشريحة وكسرها ثم هشم الموبايل تحت أقدامه .. قال له "مصطفى" بدهشة :
- ليه عملت كده ؟
قال "بسطويسى" بسخرية :
- متعرفش ان الموبايلات ممكن يتتبعوا اشارتها ويعرفوا المكان اللى الموبايل موجود فيه
هتف "مصطفى" :
- آه عشان كده خلتنا نسيب موبايلاتنا فى القاهرة
- أيوة
ابتسم "مصطفى" قائلاً :
- أحبيبي يا "بسطويسى" من غيرك كنت هضيع
قال "بسطويسي" بسخريه :
- صحيح انت بشمهندس ومعاك شهادة .. لكن الدنيا بتعلم أكتر من المدارس يا هندسه
ابتسم "مصطفى" قائلاً :
- ده انت اللى هندسه
ثم قال بجديه :
- قولى بأه هنعمل ايه بعد كده .. مش هنتصل بيهم
قال "بسطويسي" :
- اتقل .. كله بأوانه
*************************
بعد ساعتين أخرتين من السير والبحث .. عاد "عمر" بسيارته الى المزرعة مرة أخرى .. فتح باب البيت ليقوم "عبد الحميد" مسرعاً قائلاً بلهفه :
- فى جديد يا بشمهندس ؟
هز "عمر" رأسه نفياً .. فوضع "عبد الحميد" يده على رأسه قائلاً :
- بنتى ضاعت .. بنتى ضاعت
قال له "عمر" بصرامة :
- لأ مضعتش .. هنلاقيها .. "ياسمين" مضعتش هنلاقيها .. سليمة وكويسة
توجه "عمر" الى أقرب مقعد وتهالك عليه .. أسد رأسه بيديه وأغلق عينيه فى ألم .. اقتربت منه امه قائله بشفقه :
- انت كويس يا "عمر"
أومأ برأسه دون أن يتحدث .. مسحت أمه على شعره .. ثم التفتت الى "ريهام" قائله :
- تعالى يا بنتى ارتاحى فوق .. انتى هلكتى نفسك من العياط
قالت "ريهام" بوهن :
- لأ شكراً يا طنط أنا هروح أوضتى عشان لو "ياسمين" رجعت
قالت "كريمه" بحنان :
- طيب يا بنتى وربنا يطمننا عليها .. لو فى جديد بلغونا ولو فى جديد هنبلغكوا ..
ثم أعطت "ريهام" رقم هاتفها وأخذت رقم "ريهام"
غادرت "ريهام" مع "عبد الحميد" عائدان الى غرفة "ياسمين" ينتظرونها
ثم قامت وغادرت مع "عبد الحميد" الى غرفتهما .. لحظات ووجد "عمر" هاتفه يرن .. وجد رقماً غريب رد ليجد رجلاً يقول جملة واحدة :
- "ياسمين" عندى لو شميت ريحة البوليس فى الموضوع هقتلها وأبعتلك جثتها هدية لحد عندك .. استنى منى تليفون بعد يومين
قال ذلك ثم أغلق وترك "عمر" فى حالة من الخوف والرعب والفزع .. والحيرة
رواية مزرعة الدموع الفصل الرابع 4 - بقلم مني سلامة
الفصل الرابع والثلاثون من رواية مزرعة الدموع
قامت "ريهام" وغادرت مع "عبد الحميد" الى غرفتهما .. وغادر "أيمن" و "كرم" للبحث مرة أخرى فى المزرعة .. لحظات ووجد "عمر" هاتفه يرن .. وجد رقماً غريب رد ليجد رجلاً يقول جملة واحدة :
- "ياسمين" عندى لو شميت ريحة البوليس فى الموضوع هقتلها وأبعتلك جثتها هدية لحد عندك .. استنى منى تليفون بعد يومين
قال ذلك ثم أغلق وترك "عمر" فى حالة من الخوف والرعب والفزع .. والحيرة
هب "عمر" واقفاً وحاول الاتصال بالرقم مرة أخرى .. رد عليه رجل فقال له "عمر" على الفور :
- انت مين؟
فقال له الرجل :
- انت اللى مين
انفعل عليه "عمر" قائلاً :
- بقولك انت مين ؟ .. ورقم مين ده ؟
صاح الرجل فى غضب :
- ما تحترم نفسك يا جدع انت بتزعق كده ليه .. موبايل محطوط فى المكتبة عندى الزباين بيتصلوا منه
هدأ "عمر" قليلا ثا قال :
- مين الراجل اللى اتصل دلوقتى من الموبايل
صاح الرجل فى غضب :
- أنا عارفلك أهو واحد جه خد الموبايل يتصل أقوله هاتلى بتاقتك أعرف انت مين .. حاجه غريبه يا جدع
وأغلق الهاتف فى وجه "عمر" .. قال له والده :
- خير يا ابنى
نظر "عمر" اليه وهو مشتت الفكر قائلاً :
- واحد اتصل بيا وقالى ان "ياسمين" عنده ومبلغش البوليس .. وهيكلمنى كمان يومين
أكمل "عمر" بصوت مرتجف :
- قالى لو بلغت البوليس هيقتلها ويبعتلى جثتها
شهقت "كريمه" وغطت فمها بيدها .. صاح "عمر" فى غضب :
- ابن التييييييييييييييييت .. مين اللى يعمل حاجه زى كده .. واشمعنى "ياسمين" .. وعايز ايه منها
قال والده :
- اهدى يا "عمر"
التفت الى والده قائلاً :
- اهدى ازاى يا بابا بقولك خطفوها وهددونى يقتلوها
ثم قال بحيره وألم :
- أنا مش فاهم هو عايز منها ايه
قال والده بجديه :
- هو مش عايز منها هى .. هو عايز منك
التفت اليه "عمر" قائلاً :
- ازاى يعني .. مش فاهم
- يعني ايه اللي يخلى واحد يخطف بنت بسيطة زى "ياسمين" وأصلا مش من البلد دى ومتعرفش حد هنا .. وكمان اللى خطفها يكلمك انت .. مش يكلم أهلها .. اللي خطفها عارف كويس هو بيعمل ايه وبيتعامل مع مين .. عارف ان أهلها ناس غلابه مش هيقدروا يدفعوا فديه عشان يرجعوها .. لكن الراجل اللى بيحبها غنى ويقدر يدفعلهم
قال "كريمه" بحيره :
- ومين اللى يعرف ان "عمر" بيحب "ياسمين" أو ان فى حاجه بينهم
قال "نور" :
- أنا واثق ان اللي عمل كده حد بيراقبنا كويس أوى .. وعارف كل حاجه عننا .. يعني مش ضربة حظ .. والدليل انهم اتصلوا ب "عمر"
قال "عمر" بلهفه :
- طيب أنا أعمل ايه دلوقتى .. مش هقدر أستنى يومين .. و"ياسمين" مخطوفه وتحت رحمتهم
سأله والده :
- عايز تبلغ البوليس
مسح "عمر" بيده على شعره قائلاً :
- لأ مش هقدر أخاطر .. خايف يعملوا فيها حاجه .. و لاد التيييييييييييت دول
اقتربت منه أمه قائله :
- هدى نفسك يا "عمر"
أخرج "عمر" هاتفه واتصل بالأستاذ "شوقى" وقص عليه ما حدث .. نصحه الأستاذ "شوفى" بتنفيذ مطالبهم وعدم الإتصال بالشرطة خوفة من أن يصيب "ياسمين" الأذى .. عاد "كرم" و "أيمن" من الخارج وصدموا عندما علموا بأن "ياسمين" مخطوفة وبأن خاطفها تحدث الى "عمر" وهدده بقتلها
مرت الليلة صعبة للغاية على "عمر" .. كان يشعر بألم غائر فى قلبه .. ألم تمكن منه حتى كاد أن يخنقه .. لم ينم طيلة الليل ظل ساهراً على مقعد فى مكتبه .. لاح نور الصباح .. نهض وتوجه الى حيث تختلى "ياسمين" بنفسها .. جلس على الجذع الذى تجلس عليه دائماً .. تحسسه بيده وهو لا يصدق أن حبيبته مفقودة .. ومعرضة للخطر .. وهو لا يستطيع أن يفعل شيئاً .. سوى الإنتظار .. أغمض عينيه لتتساقط عبره منهما .. عبره اختلطت بتراب المزرعة الذى سبق واختلط بعبرات "ياسمين" وفى نفس المكان ..
***********************
باتت "ياسمين" ليلتها على الأرض الباردة .. تبكى .. دون حتى أن تستطيع اخراج صوتها بسبب فمها المكمم .. ظلت تبكى حتى تعبت وانهارت .. ظلت تدعو ربها بقلبها بدعاء ذى النون " لا إله الا أنت سبحانك انى كنت من الظالمين " .. الدعاء الذى أنقذها من "مصطفى" عندما تهجم عليها فى منزلهما .. ظلت تدعو وتستغفر .. ودت فقط لو علمت .. من الذى خطفها .. ولماذا خطفها .. وماذا ينوى أن يفعل بها .. كانت تشعر بأنهم أكثر من رجل .. كانت تسمع الخطوات حولها .. دون أن يتحدثا أمامها .. فجأة سمعت صوت الباب يُفتح شعرت بالذعر .. قامت لتجلس فى مكانها .. كانت كل حواسها منتبهه .. وجدت من يقترب منها .. صرخت صرخة مكتومة وحاولت أن تبعد جسدها عن يديه .. فك الرجل وثاق الرابط على فمها .. حاولت أن تصرخ فكمم فمها بيد واقترب من أذنها قائلاً :
- لو سمعت صوتك تانى متلوميش الا نفسك
كانت لهجته باردة مرعبة .. فامتثلت لكلامه .. خشت أن يقتلها .. أو يفعل ما هو أسوأ من القتل
قالت بصوت مرتجف :
- انت مين وعايز منى ايه ؟
سمعته يضحك ضحكة ساخرة قائلاً :
- متخافيش مش هنعملك حاجه .. احنا بس مستضيفينك عندنا يومين لحد ما ناخد فلوسنا
قالت بدهشة :
- فلوس ايه ؟
ثم فهمت الأمر .. انه خطف مقابل فديه .. فقالت فى ألم :
- لو فاكر انى واحدة غنية واقدر أدفعلك فلوس بتقى غلطان .. وأهلى كمان ميقدروش يدفعوا فلوس عشان يخلصونى
قال بسخريه :
- عارف يا حلوة .. بس حبيب القلب معاه ويقدر يدفع
قالت بدهشة :
- حبيب القلب مين ؟
- "عمر" باشا "الألفى" .. مش برده هو حبيب القلب
امتقع وجه "ياسمين" .. اقترب الرجل منها حتى استنشقت رائحه أنفاسه الخبيثه فالتصقت بالحائط أكثر وبدأت فى البكاء .. قال لها :
- متخفيش لو حبيبك متهورش احنا كمان مش هنتهور
هم بالإنصراف ..فأوقفته قائله :
- لو سمحت
قال بصوت خشن :
- أفندم
قالت "ياسمين" بحرج :
- ممكن لو سمحت .. يعني ... أدخل الحمام
ضحك بسخرية قائلاً :
- وماله
أمسكها من ذراعها ليوقفها مشت معها ..شعرت بأنه يدخلها غرفة فى داخل الغرفة التى كانت فيها .. ثم قال لها :
- اتفضلى
صاحت بحنق :
- أتفضل ازاى يعني وايدي مربوطة ورجلى مربوطة وعيني مربوطة
ضحك ضحكة عايله أثارت حنقها ثم اقترب وفك وثاق يديها وعينيها .. التفتت لتنظر اليه فوجدته يضع قناعاً على وجهه .. اذن فهو ليس هاو .. ويعرف جيداً ماذا يفعل .. وجدت نفسها فى حمام صغير كل شئ ملون باللون الاسود ورماد ملقى على الأرض .. صاح الرجل فى غلظة :
- يلا خلصيني
التفت اليه قائله :
- اخرج الأول
خرج وأغلق الباب .. تأكدت "ياسمين" من الباب المغلق .. ثم التفتت لتتفحص ما حولها .. كل شئ محترق .. وكأن النار اندلعت فى هذا المكان من قبل .. لا يوجد شئ على الجدران .. ولا يوجد شئ على الأرض سوى الرماد .. شعرت بالدهشة .. ما هذا المكان الغريب .. هل هى قريبه من المزرعة .. أم يعيدة عنها .. ماذا يفعل والدها الآن .. و "ريهام" .. بالتأكيد هم قلقون للغاية عليها فقد باتت ليلتها خارج المنزل ولا يعلمون مكانها .. و "عمر" ماذا يفعل الآن .. هل يبحث عنها ؟ .. هل يشعر بالخوف عليها ؟ .. تنهدت فى حسرة .. انتهت من قضاء حاجتها وحاولت فتح الباب .. دخل الرجل ووقف خلفها ليعيد ربط يديها خلف ظهرها ألقت نظرة على الغرفة التى باتت ليلتها فيها .. نفس الشئ جدران محترقه .. رماد على الأرض .. سرير ودولاب محترق .. ولا شئ آخر فى الغرفة
انتهى من ربط يديها خلف ظهرها وأعاد العصبة على عينيها مرة أخرى .. ودفعها .. حاولت قدر الإمكان تلاشى الاحتكاك به .. أمسك بذراعها وأجلسها فى نفس المكان الذى باتت فيه ليلتها .. خرج من المكان ودخل الى السيارة التى يجلس فيها "مصطفى" .. فنظر له "مصطفى" بشك قائلاً :
- اتأخرت كده ليه
نظر اليه "بسطويسي" ضاحكاً ثم قال :
- متخفش مكلتش التورتة لوحدى
ثم انفجر فى الضحك مرة أخرى .. قال له "مصطفى" :
- أصلا هى متهمنيش فى حاجه .. بس مش عايز مشاكل أنا عايز الفلوس مش أكتر من كده
قال له "بسطويسي" :
- أنا مش غبي يا هندسة .. حاجة زى كدة تسيب دليل وأنا أحب الشغل على نضافه .. يعني ما أسبش أى دليل ورايا .. فاهم
أومأ "مصطفى" برأسه وقال بحنق :
- كان لازم تقوله يومين .. كنا طلبنا الفلوس دلوقتى وخلصنا
قال "بسطويسي" شارحاً :
- خليه يستوى على الآخر .. اليومين دول هيجننوه ويشعللوه .. ده لو هيا فعلا تهمه زى ما قولتلى
قال "مصطفى" بثقه :
- أيوة تهمه .. ده خباها منى لحد ما تطلق .. يبأه أكيد تهمه
- قشطة يا معلم
ثم أخرج لفتين من جيبه وأعطى احداها ل "مصطفى" قائلاً :
- خد بأه اضرب دى وادعيلى
صاح "مصطفى" بحنق :
- الله يخربيتك حشيش
لكمه "بسطويسي" فى كتفه قائلاً :
- خد ومتبقاش خرع .. خلى قلبك ميت .. وبعدين الحشيش ده مش مخدرات
- يا سلام أمال ايه
- ده أعشااااب .. أعشاب طبيعيه .. زى العلاج الطبيعي كده
قال "مصطفى" بسخريه :
- والله انت دماغك لسعه .. وشكلك هتودينا فى ستين داهية .. ايه علاقة المخدرات بالأعشاب بالعلاج الطبيعي .. التلاته ملهمش علاقة ببعض
قال "بسطويسي" بضيق :
- ده انت صحيح راجل تقل المزاج
فتح باب السيارة فسأله "مصطفى"قائلاً :
- رايح فين
- هروح أشربها فى مكان تانى بدل كلامك اللى يقلب الدماغ ده
مشى أمامه فزفر "مصطفى" بضيق قائلاً :
- على آخر الزمن أتعامل مع الأشكال التيييييييييييت دى
***************************
مر اليومين على الجميع بشكل صعب للغاية .. كانت "ريهام" لا تتوقف عن البكاء .. أما "عبد الحميد" فكان يمضى وقته فى الصلاة والدعاء وعيناه تتضرع الى الله عز وجل بأن يحفظ له ابنته ويردها اليه سالمه .. أما "عمر" فكان حاله يرثى لها .. كان ينام فى مكانه ليستيقظ فزعاً من أقل صوت منادياً اياها .. ظلت الكوابيس تراوه كلما أغمض عيناه .. كاد أن يجن .. لم يترك شبراً الا وبحث فيه عنها .. نزل الى المنصورة وأمضى الساعات فى البحث عن "ياسمين" فى شوارعها .. دون جدوى .. كان يعلم أن ما يفعله لن يثمر عن شئ .. فلابد أن مختطفيها يخفونها فى مكان مغلق .. لكنه لم يستطع أن يجلش هكذا مكتف اليدين .. شعر بالشوق والحنين اليها .. افتقد حبيبته القريبة البعيدة .. ها هو لا يعرف مكانها .. لا يعرفه ما يفعله هذا الرجل بها .. هل أذاها .. هل لحق بها سوء .. كاد أن يجن ويفقد عقله من كثرة التفكير .. وفى المساء كان الجميع جالس فى منزل "عمر" وكأن على رؤسهم الطير .. فى انتظار اتصال ذلك الرجل .. رن هاتف "عمر" قفز "عبد الحميد" من مكانه ووضعت "ريهام" يدها على قلبها فى خوف .. تعلقت أعين الجميع بـ "عمر" الذى رد قائلاً :
- ألو
قال الصوت :
- 3 مليون جنيه تحطهم فى 3 شنط هاند باج .. كل شنطه فيها مليون جنيه .. وهتصل بيك بكرة الصبح أقولك على مكان التسليم
قال "عمر" قبل أن يغلق الرجل الخط :
- عايز أتكلم مع "ياسمين"
صمت الرجل قليلا ثم قال :
- دقيقة وهتصل تانى
أغلق "بسطويسي" وتوجه الى "ياسمين" شعرت بالخوف لاقترابه منها فك وثاق فمها .. ثم اتصل بـ "عمر" ووضع الهاتف على أذن "ياسمين" .. قال "عمر" :
- ألو
عرفته "ياسمين" .. فأجهشت فى البكاء .. صاح "عمر" بلوعه :
- "ياسمين"
صاح "عبدالحميد" :
- "ياسمين" بنتى
قال "عمر" بلهفة :
- "ياسمين" ردى عليا .. انتى كويسة ؟
قالت من بين شهقاتها :
- أنا خايفة
سحب "بسطويسي" الهاتف وأعاد تكميم فمها .. ظل "عمر" يردد :
- ألو .. "ياسمين" .. ردى عليا .. ألو
خرج "بسطويسي" وأغلق الباب وقال ل "عمر" :
- سمعتها ؟
صاح "عمر" بصوت هادر وكأن بحرغاضب ثائر :
- لو لمستها هقتلك وأشرب من دمك
قال "بسطويسي" بغلظة :
- نفذ اللى أنا بقولك عليه وأنا أرجعهالك صاغ سليم .. أدامك لحد بكرة تكون جهزت الفلوس .. واستنى اتصال منى
قال ذلك ثم حطم الهاتف تحت قدميه وأخرج الشريحه وحطمها هى الأخرى
***************************
تعلقت أعين الجميع بـ "عمر" الذى قال بصوت مرتجف :
- كلمتنى .. قالتى انها خايفه
صاح "عبد الحميد" :
- ربنا ينتقم منهم .. حسبي الله ونعم الوكيل
قالت "كريمه" بلهفه :
- وقالولك عايزين ايه يا "عمر"
قال بهدوء :
- 3 مليون
أجهشت "ريهام" فى البكاء فهى تعلم جيداً أن والدها لا يستطيع تأمين ألف واحد من هذا المبلغ
نظر اليها "كرم" واقترب منها قائلاً :
- متعيطيش يا "ريهام" .. ان شاء الله هترجع
قال له والده :
- وهتعمل ايه لوقتى ؟
نظر اليه "عمر" بجديه قائلاً :
- هدفعهم طبعاً ..حتى لو طلب أكتر من كده انا مستعد ادفعهم
أقبل "عبد الحميد" عليه وهو يبكى قائلاً :
- الهى ربنا يكرمك يا ابنى وما يوقعك فى ضيقه أبداً
ربت "عمر" على كتفه قائلاً :
- متقلقش يا عم "عبد الحميد" .. ان شاء الله "ياسمين" هترجع سليمة
ثم خرج مسرعاً وهو يقول :
- لازم أرتب المبلغ وأجهزه .. لانه هيتصل بيا بكرة عشان يقولى مكان التسليم
*******************************
كان "مصطفى" يجلس واجماً داخل السيارة .. دخل "بسطويسي" وجلس بجواره .. وقال اليه :
- ايه مالك يا هندسه .. خايف ولا ايه
قال "مصطفى" بشرود :
- لأ مش كده .. بس بفكر
- فى ايه ؟
التفت الى "بسطويسي" قائلاً :
- الراجل مستعد يدفع 3 مليون عشان خاطر البنت اللى أعده جوه دى
- مش فاهم
قال "مصطفى" بإستغراب :
- يعني ده واحد قدامه نسوان أشكال وألوان .. والبت دى مفيهاش أى حاجه مميزة .. بت عادية زى أى واحدة .. ايه اللى يخليه يدفع فيها مبلغ زى ده
ابتسم بخسريه قائلاً :
- البت مش وحشة برده .. وبعدين كل واحد ومزاجه
- أنا ما قولتش وحشة .. قولت عاديه .. يعني ميدفعش فيها مبلغ زى ده .. ده لو جوزها كنا قولنا ماشى .. لكن ده واحد مبيربطهوش بيها أى حاجه
قال "بسطويسي" بمزاح :
- شكله كده واقع لشوشته
هتف "مصطفى" قائلاً :
- ما هو ده اللى أنا مستغربله .. ايه اللى عجبه فيها
صمت قليلاً ثم قال :
- بنت التيييييييييييت كانت عاملة نفسها الخاضرة الشريفة .. وأهى دلوقتى عايشة مع الراجل ده فى الحرام
صاح "بسطويسي" :
- يا ابنى النسوان كلهم تيييييييييييت وعايزين تيييييييييييييت و تيييييييييييييييييت و تيييييييييييييييييت
ضحك "مصطفى" قائلاً :
- والله معاك حق يا "بسطويسي" .. تصدق انت راجل بتفهم
ضحك "بسطويسي" قائلاً :
- مش قولتلك مش بالشهادات يا هندسه .. بده
وأشار الى عقله
صمت "مصطفى" قليلاً ثم قال :
- طيب مش هنأكلها .. من ساعة ما جت هنا واحنا مدينهاش أى أكل ولا حتى مايه
قال "بسطويسي" بحده :
- ايه قلبك رق .. محدش بيموت من الجوع يا هندسه .. وبعدين كده أحسن زمانها دلوقتى مهبطه ومش قادرة حتى تتحرك من مكانها بدل ما تتعافى علينا ونضطر كل شوية نخدرها .. وبعدين اهو كلها يوم وترجع تانى لأهلها
جهز "عمر" المبلغ المطلوب بالمواصفات المطلوبة .. كانت هذه هى الليلة الثالثه التى تنامها "ياسمين" عند هذا الرجل .. كان عقل "عمر" يعمل دون توقف .. كان قلبه يحترق ألماً .. وخوفاً .. ولوعة .. حبيبة فى قبضة هذا المجرم .. تذكر صوتها وهى تبكى قائله (أنا خايفة) .. شعر بغضب رهيب بداخله .. شعر بأنه كالعاجز لا يستطيع أن يأخذها بين ذراعيه ويطمأنها .. لا يستطيع أن يبث الأمل فيها ويقول .. لا تخافى حبيبتى انا هنا ولن أتخلى عنكِ مهما حدث .. ظلت تراوده أفكاراً كثيره سوداء .. شعر بأنه جالس على جمر من نار .. وبداخلة حمم بركانيه تحرق روحه وتعذبها .. كان يتمنى شئ واحد .. أن يراها الآن ويأخذها بين ذراعيه ولا يتركها أبداً .. مهما طلبت منه أن يتركها .. لن يتركهاً أبداً .. أيقن الآن أنه لن يستطيع العيش دونها .. حى حبه الأول والأخير .. هى امرأة أحلامه .. هى التى يتمنى أن يعيش معها حاضره ومستقبله .. ما ان يراها حتى يدخلها سجنه .. السجن الذى صنع قضبانه من ضلوعه .. ولن يخرجها منه أبداً .. ستظل حبيسه قلبه .. سيعلمها كيف تحبه .. وتهواه .. وتعشقه كما يعشقها .. سيجعلها تدمنه كما أدمنها .
حانت اللحظة الحاسمة .. اتصل الرجل ب "عمر" قائلاً :
- هتيجي لوحدك بعربيتك ومعاك ال 3 شنط .. وتقف فى المكان اللى هقولك عليه .. الساعة 8 بالليل .. تيجي لوحدك .. ولو لقينا حد معاك انت عارف اللى ممكن نعمله فيك وفيها
أعطاه عنوان لمنطقة شديدة الزحام فى المنصورة .. وأغلق الهاتف ثم حطمه كالعادة .. وأخرج من جيبه صورة ل "عمر" مقصوصة من أحد المجلات وظل يتأمل فيها ويطبع وجهه فى ذاكرته
فى ساعة الصفر توجه "عمر" الى سيارته .. وجد "كرم" و"أيمن" يلحقان به فهتف بهما :
- خليكوا عندكوا .. قالى أروح لوحدى
صاح "أيمن" :
- بس يا "عمر" نضمن منين انه مايعملش فيك حاجه
قال "عمر" بحزم :
- قولتلكوا هروح لوحدى .. مش هخاطر انه يعمل حاجه فى "ياسمين"
ركب السيارة ووضع الحقائب فى الخلف وانطلق فى طريقه .. اتفت "كرم" الى "أيمن" قائلا :
- اركب بسرعة
ركبا سيارة "كرم" الذى انطلق خلف سيارة "عمر" .. قال "كرم" :
- مجنون لو فكر اننا ممكن نسيبه يروح لوحده
قال "أيمن" بقلق :
- بس أنا خايف المجرم ده ياخد باله
هتفت "كرم" بحده :
- أصلا الغبي ده اختار منطقة زحمة جدا يعني لو فى مليون عربية ورا "عمر" هو مش هياخد باله انهم تبعه
حافظ "كرم" على مسافة بينه وبين "عمر" حتى لا ينتبه له .. وصل "عمر" الى المكان .. وجد مكان صغير فركن به و انتظر .. وفجأة وجدت من يركب بجوار وهو يضع قناعاً على وجهه ويامره بأن يدخل فى شارع ضيق .. امتثل "عمر" لأوامره ودخل الشارع .. أمره الرجل بالنزول .. نزل "عمر" من السيارة .. حرك "بسطويسي" لسيارة ووضعها بعرض الشارع ثم حمل الحقائب الثلاث بسرعة ودفع "عمر" الى احدى الدراجات النارية وارتدى الخوذة فوق القناع وانطلق فى طريقه .. دخل "كرم" الشارع ليجد سيارة "عمر" موضوعة بالعرض وتسد الطريق فصال بغضب :
- ابن التييييييييييييييت
قال "أيمن" بضيق شديد :
- واضح انه واحد عارف هو بيعمل ايه بالظبط
طلب "بسطويسي" من "عمر" هاتفته فأعطاه اياه فألقاه "بسطويسي" وهو يسير بالدراجة النارية بسرعة واحتراف بين السيارات
وصلوا الى منطقة مهجورة فأوقف "بسطويسي" الدراجة والتفت الى عمر ووضع عصبه على عينيه وألبسه خوذة أخرى .. ثم انطلق فى طريقه .. كان "عمر" مغمض العينين لا يدرى الى أين يأخذه هذا الرجل .. لكنه متأكد من شئ واحد .. أنه ذاهب الآن حيث توجد "ياسمين" .. ولا شئ يريده غير ذلك ..
كانت "ياسمين" جالسه فى مكانها تدعو ربها أن ينقذها مما هى فيه .. سمعت صوت الباب يُفتح ويُغلق .. سمعت وقع أقدام تقترب منها .. شعرت بالخوف .. التصقت أكثر بالحائط خلفها .. شعرت بشخص يقترب منها بشدة .. حاولت ابعاد وجهها عنه .. وجدته يتحسس ذراعها فأجهشت فى البكاء والصراخ المكتوم بسبب فمها المكمم .. ظلت تصرخ وتصرخ .. وهو يحاول الاقتراب منها أكثر وتلمس جسدها .. دفعته بقدمها بقوة فصرخ قائلاً :
- يا بنت التييييييييييت
توقفت "ياسمين" عن الصراخ وعن الحركة
هذا الصوت .. انها تعرفه جيداً .. تعرفه تمام المعرفة .. وقف "مصطفى" وأخذ ينظر اليها .. تباً لقد عرفته .. بالتأكيد عرفته .. شعر بالتوتر .. والإضطراب .. لم يدرى ماذا يفعل .. حرر فمها .. كانت صامته .. ثم صاحت بصوت متقطع مبحوح من كثرة البكاء :
- "مصطفى"
تباً لذلك .. ماذا يفعل الآن .. عرفت من يكون .. بالتأكيد ستبلغ الشرطة عنه .. لن يتركوه .. سيمسكون به .. سيدخل السجن .. سيضيع مستقبله .. سمع صوت الدراجة النارية بالخارج .. فأسرع يغارد المكان ويغلق الباب .. وصل "بسطويسي" مع "عمر" على الدراحة النارية .. أشار له "مصطفى" بأنه يريد أن يتحدث معه .. أخذ "بسطويسي" .. فى تقييد يدا "عمر" وقدماه .. وقال له بصوت هادر :
- لو عملت أى حركة هنقتلك انت والمزه بتاعتك
فتح "بسطويسي" الباب ليدخله فى المكان الموجود به "ياسمين" .. شعرت "ياسمين" بالخوف من أصوات الأقدام حولها .. انزوت فى مكانها أكثر .. قام "بسطويسي" بتقييد "عمر" بسلسلة وربطه بحلقه موضوعه على الأرض ثم تركه وانصرف
كانا كلاهما معصوب العينين .. سمع "عمر" صوت شهقات بكائها فصاح قائلاً :
- "ياسمين"
سمعت "ياسمين" صوته .. فتوقفت عن البكاء .. صاح "عمر" بلهفه :
- "ياسمين" .. "ياسمين" ردى عليا
كانت "ياسمين" مكممه الفم لم تستطع الرد عليه إلا بالبكاء .. ازداد صوت بكائها
شعر وكأن روحه رودت اليه مرة أخرى .. لأنه أصبح قريباً منها .. خفق قلبه بشدة .. حاول التحرك فى اتجاه صوتها لكن السلسلة قيدته الى الأرض .. فقال بلهفه :
- انتى كويسه .. عمل فيكي حاجه ؟
أجهشت "ياسمين" فى البكاء .. فشعر وكأن صوت بكائها هو طعان توجه الى قلبه المكلوم .. أعاد سؤاله مرة أخرى :
- بالله عليكي طمنينى .. عمل فيكي حاجه ؟
استمرت فى بكائها .. كانت مفزوعة خائفة .. خشت أن يعاود "مصطفى" الكره .. لم تستطع أن تخبره بأنها مككمه الفم .. وهو لا يستطيع أن يراها
فى الخارج كانا الرجلين قد دخلا فى شجار حامي .. قال "بسطويسي" بغضب :
- انت أصلا تيييييييييييييت .. قولتلك متخليهاش تعرفك .. لا تشوفك ولا تسمع صوتك .. أعمل فيك ايه دلوقتى
قال "مصطفى" وقد أصابه خوف شديد :
- والحل دلوقتى يا "بسطويسي" .. أعمل ايه .. أكيد هتبلغ عنى
- أنا أصلا مليش شغل مع العالم التييييييييييييت اللى زيك
صاح "مصطفى" وقد نفذ صبره :
- هتفضل تشتم كده كتير .. قولى على حل
صمت "بسطويسي" قليلا وأخذ يفكر ثم قال بحزم :
- مفيش الا حل واحد
قال "مصطفى" بلهفه :
- ايه هو ؟
- البت دى لازام نخلص عليها
ساد الصمت لحظات .. ثم قال "مصطفى" :
-ايه .. يعني ايه .. نقتلها
قال بقسوة:
- مفيش حل تانى .. هى خلاص عرفتك وهتبلغ عنك .. ولو بلغت عنك ورجلك جت فى الموضوع أنا كمان رجلى هتيجى فى الموضوع .. لأنك راجل تييييييييت ومع أول قلم هتعترف .. يعني مفيش أدامى الا حل من اتنين .. يا أقتلك يا أقتلها
بلع "مصطفى" ريقه بصعوبة .. فصاح "بسطويسي" :
- ها .. قولت ايه ؟ .. أقتلك ولا أقتلها ؟
نظر ايله "مصطفى" وقد أسقط ما بيده .. فبالتأكيد هو لن يضحى بنفسه من أجل "ياسمين"
دخل "بسطويسي" وجذب "ياسمين" الذى تعالت صرخاتها المكتومة فصرخ "عمر" :
- انت بتعمل ايه ؟ .. سيبها متلمسهاش
قال له "بسطويسي" :
- معلش بأه يا هندسة كان نفسي أسملهالك سليمة .. بس الظروف حكمت
ثم قال لـ "ياسمين" التى حاولت الافلات من قبضته :
-لا خليكي حلوة عشان مزعلش منك
خرج وهو يدفعها بيده .. و"عمر" يصيح :
- والله لقتلك وأشرب من دمك لو عملت فيها حاجه .. سمعنى .. "ياسمين" .. "ياسمين"
سار الرجلان معها يدفعها "بسطويسي" بيده .. ساروا بين الأشجار والزرع لا يخترق سكون الليل الا صوت شهقات "ياسمين" .. ظلت تردد الشهادتين بقلبها وهى تعلم أن الموت قادم لا محاله .. ظلت تستغفر وتدعو ربها ألا تتألم .. ظلت تفكر فى الموت .. كيف ستشعر به بعد لحظات .. كيف تفارق روحها جسدها .. هل ستتألم .. هل ستصرخ .. هل ستقوى على الصراخ .. أين سيكون مصيرها بعد الموت .. الجنة أم النار .. ظلت تسترجع شريط ذكرياتها .. وأعمالها .. وأخطائها .. تمنت العودة للوراء .. لإصلاح تلك الأخطاء .. لكن .. الوقت أزف .. ولا عودة الى الوراء .. بعد دقائق .. وربما لحظات .. ستلقى ربها وتقف بين يديه .. كان مرعوبة خائفه .. تُرى سيف ستكون ضمة قبرها التى لن ينجو منها أحد .. هل ستكون ضمة حانية كضمة الأم لوليدها .. أم ضمه تهشم معها جسدها وتختلط فيها عظامها .. شعرت بالخوف .. بل بالرعب .. بل بالفزع .. ما مصير "عمر" .. هل سيلقى نفس مصيرها .. هل سيقتلوه مثلها .. خافت عليه .. أين سيكون مصيره .. جنة أم نار .. الى أن ستوصله أعماله .. كانت خائفه عليه .. وعلى نفسهــا .
حاول "عمر" تحرير نفسه .. كادت يده أن تتمزق .. بل تمزق رسغه بالفعل وسال دمه .. كان يجاهد ليخرج يده من قيدها .. لينقذ "ياسمين" .. حبيبته .. ونور عينه ..استطاع تحرير يده والدماء تنزف منها ..أزاح عصبة عينه .. وأخذ يحاول تحرير قدمه كانت السلسلة مثبته بحلقة الى الأرض .. لن يستطع نزعها .. نظر حوله .. لا يوجد شئ .. الا الرماد .. ما هذا .. هذا المكان .. انه يتذكره جيداً .. هذا المنزل القديم المحترق .. هذا المكان .. دخله من قبل .. يعرفه .. تلك الغرفة الصغيرة .. هذا الفراش المحترق .. نعم انه يعرفه .. نعم هو نفسه .. أسرع وأخرج هاتفاً صغيراً كان قد أخفاه فى حذائه .. فتحه واتصل بـ "كرم" قائلاً بلهفه :
- أيوة يا "كرم" أنا "عمر"
- "عمر" انت فين وايه اللى حصل
قال "عمر" بنفاذ صبر :
- اسمعنى كويس .. أنا فى مكان جمب المزرعة هوصفلك توصله ازاى .. اطلب البوليس وتعلالى على هناك بسرعة
أعطاه "عمر" وصف المكان .. ومن حسن حظه أن "كرم" و "أيمن" كانا قد عادا الى المزرعة بعدما فقداه فى المنصورة .. ما هى الا دقائق .. ودخل "كرم" البيت المحترق .. استطاع الاثنان تحرير "عمر" الذى قال بلهفه :
- اطلبوا البوليس بسرعة .. وكل واحد فيكوا يدور فى جهه .. الراجل اللى خطف "ياسمين" خدها عشان يقتلها
انطلق "عمر" فى اتجاه الأشجار والذى ظن أنه الاتجاه الذى ذهب فيه الرجلان حيث الأرض الشاسعة التى تخلو من البشر فى مثل هذا الوقت .. ظل يرقض وينادى بعلو صوته :
- "ياسمين" .. " ياسمين"
نظر ليجد على بعد أمتار وتحت ضوء القمر رجلين أحدهما يقوم بالحفر فى الأرض والآخر يقف بجوار فتاة منهارة على الأرض .. شعر بقلبه يهوى .. أخذ يلف ويدور فى المكان حتى أمسك شيئاً حاداً .. وتوجه الى حيث الرجل الذى يقف بجوار "ياسمين" وجده يوجه اليها مسدساً صغيراً .. التف حوله ببطء وحاول أن يلفت انتباهه .. وساعده على ذلك الأشجار التى تحيط بالمكان .. وفجأة هوى بما يمسك بيده على رأسه لتنفجر الدماء من رأس "بسطويسي" ويسقط أرضاً .. صرخت "ياسمين" وهى ترى دماء الرجل المنهار بجوارها .. أسرع " عمر" وأمسك المسدس الذى سقط من الرجل على الأرض واقترب من "ياسمين" التى نهضت مسرعة ووقف أمامها وصوب المسدس الى الرجلين .. كان "عمر" يجهل طريقة استخدام المسدس .. لذلك لم يستطع اطلاق النار .. لكنه وقف مهدداً اياهم قائلا :
- اللى هيقرب منى أو منها هموته
سُمعت صوت سرينة سيارات الشرطة قريبة من المكان .. شعر "مصطفى" بالفزع وقد أيقن هلاكه .. لكن "بسطويسي" الجالس على الأرض قلب الموازين عندما أمسك فجأة حجراً وألقى به فى اتجاه "عمر" ..فأصابه فى ذراعه التى تحمل المسدس .. تأوى "عمر" من الألم .. وصاحت "ياسمين" بلوعه :
- عمررررررررررر
أسرع الرجلين بالهرب من بين الأشجار .. يجريان خوفاً من لحاق الشرطة بهما .. لم تستطع "ياسمين" تحمل بكاء وعذاب وارهاق الثلاث أيام .. فهوت جالسه على الأرض تستند الى صخره .. كان "عمر" حائرا أيجرى خلف الرجلين أم يبقى معها .. قرر البقاء معها ..نظر الى ملابسها الممزقة .. لم تعد تجد فى نفسها القدرة على البكاء .. كانت تشعر الإنهيار التام .. اقترب منها وعلامات الألم على وجهه .. جثا بجوارها ونظر اليها قائلاً :
- "ياسمين" .. انتى كويسة
لم تجيبه أغلقت عينها وهى تسند برأسها الى الصخرة .. لم تجد فى نفسها القدرة على الكلام
تلألأت العبرات فى عين "عمر" ومسح بيده على شعرها .. فتحت عينيها والتفتت اليه تحاول ابعاد رأسها فى ضعف .. مسح بأصابعه على وجنتها قائلاً :
- حبيبتى انتى كويسه .. حد فيهم عملك حاجه
نظرت اليه لتتأمل تلك اللهفة على وجهه .. حركت رأسها مرة أخرى لابعاد وجهها عن أصابعه .. اقترب بوجهه منها ومسح على شعرها .. قائلاً بألم :
- حبيبتى ردى عليا .. "ياسمين" حد فيهم عملك حاجه
هزت رأسها نفياً .. فما كان منه إلا أن هوى بشفتيه على جبينها بث فيها كل خوفه وهلعه واشتياقه وخوفه ولهفته وفرحته بنجاتها وعثورة عليها .. كانت تشعر بوهن فى جسدها كله .. حاولت أن تبتعد عنه .. فنظر اليها بحنان وعيناه تحتويان عينيها .. وقال بدفء :
- عارف انك عايزانى أبعد .. بس أنا مش قادر أبعد
جذبها بين ذراعيه .. يضمها الى صدره فى قوه ممزوجه بالحنان .. لف ذراعيه حولها ودفن وجهه فى شعرها يستنشق عبيره .. حاولت دفعه عنها .. لكنها كانت الريشه التى تحاول ازاحة جبل من مكانه .. قال لها بصوت خافت :
- وحشتينى أوى .. كنت هموت من خوفى عليكي
لحظات وسمع صوت "كرم" آتى فى اتجاههما .. قام "عمر" من فوره .. وأسرع ليلاقيه قائلاً :
- "كرم" خليك مكانك متجيش هنا
سأله "كرم" :
- ليه ؟ .. لقيتها
أومأ "عمر" برأسه قائلاً :
- أيوة لقيتها .. بس خليك مكانك ثوانى
كانت "ياسمين" جالسه خلف الصخرة التى تستند عليها فلم يراها "كرم" .. عاد "عمر" اليها .. فنظرت اليه بأعين مندهشه وهو يخلع الجاكت الذى يرتديه ثم جثا على ركبتيه ليلبسها اياه فى رقه كأنها طفل صغير .. لم يظهر من جسدها الا بعض من ذراعها بسبب ذراع بلوزتها الممزق .. لكنه أخفى تلك الرقعات الصغيرة بالجاكيت الذى ألبسها اياه وأغلقه .. ثم ولدهشتها وجدته يخلع قميصه ثم يمسح على شعرها بيده يرتبه الى الخلف ويضعه بداخل الجاكيت الذى ترتديه ثم يطوى قميصه نصفين ويضعه على شعرها المنساب ليخفيه تماما .. نظر فى عينيها برقه أذابت قلبها .. وانتقل الدفء من عينيه الى جسدها كله .. ابتسم لها ابتسامه عذبه وهمس قائلاً :
- بغير عليكي
ساعدها على النهوض .. حاولت قدر الإمكان أن تبتعد عنه وتسير بمفردها .. لكنها شعرت بدوار شديد فتهاوت .. كانت لا تستطيع حتى الوقوف على قدميها .. حاول أن يحملها فقالت بوهن وبصوت مبحوح من كثيرة الصراخ والبكاء :
- لأ
قال "عمر" بحزم :
- انتى مش عارفه حتى تقفى على رجلك
حملها بين ذراعيه دون أى يأبى لاعتراضها .. وسار بها وهو ينظر اليها .. أسندت رأسها على كتفه فى وهن .. كانت تشعر بجوع شديد مزق أحشائها وألم فى كل عظام جسدها الضعيف وبدوار يعصف برأسها .. لكن وسط كل تلك الآلام شعرت بالراحة وهى بين ذراعيه .. شعرت بالأمان وهو بجوارها وهى تعلم أنه لن يسمح لأحد بأن يؤذيها .. حاولت أن تقاوم وتبقى عينيها مفتوحتين .. لكنها لم تستطع كانت طيلة الأيام الماضية تخشى النوم .. فيصيبها أحد الرجلين بمكروه .. لكنها الآن لا تخشاه .. لأنها بين يدين تعرف أنهما ستحميانها .. أغمضت عينيها لتغرق فى سبات عميق أقرب الى غيبوبة
نظر اليها "عمر" فى حنان وهو سائر بها .. شعر بأنه يحمل قلبه بين ذراعيه .. كان سعيداً ورأسها موضوع فوق قلبه .. وهى سليمه .. لم يصبها سوء .. وعادت اليه .. ولن يتركها تفلت منه أبداً .. أدخلها سيارة "كرم" وجلس بجوارها .. انطلق "كرم" بالسيارة فى طريقه الى المستشفى .. نظر "كرم" اليهما فى المرآه قائلا :
- هى كويسه ؟
أومأ "عمر" برأسه .. وأخذ ينظر الى وجه حبيبته النائمه فى حضنه .. قائلاً بقلق :
- أنا مش عارف هى نايمة ولا أغمى عليها .. بس هى بتتنفس
قال "كرم" :
- ربع ساعة بالكتير وهتكون فى المستشفى .. متقلقش هو أكيد ده بسبب تعب اليومين اللى فاتوا كفايه الرعب اللى شافته
نظر اليها "عمر" مرة أخرى فى حنان .. لف ذراعيه جيداً حولها وكأنه لا يريد قيد شعره أن تفصله عنها .. أزاح قميصه قليلا عن شعرها ليطبع عليه قلبه حانيه هامساً :
- حبيبتى .. مش هسمحلك تبعدى عنى أبداً
أغمض عينيه عن كل ما يراه ليشعر فقط بحبيبته التى بين أحضانه .. بأنفاسها الساخنه التى تلفح وجنته .. وصوت تنفسها المنتظم .. ودقات قلبها التى يشعر بها على صدره.
رواية مزرعة الدموع الفصل الخامس 5 - بقلم مني سلامة
▼
الفصل الخامس والثلاثون من رواية مزرعة الدموع
أوقف "كرم" سيارته أمام احدى المستشفيات الخاصة .. نزل "عمر" من السيارة وهو يحمل "ياسمين" ويلقى نظرة عليها بين لحظة وأخرى .. توجه الى مكتب الإستقبال فأدخلوهم أحد الغرف .. وضعها "عمر" على السرير برفق .. اقتربت منها الممرضة فتراجع "عمر" قليلاً للخلف ينظر الى "ياسمين" بقلق .. قامت الممرضة بتمديدها وتغطيتها وقالت :
- ثوانى هروح أنادى للدكتور
التفت "عمر" الى "كرم" قائلاً :
- روح انت يا "كرم" اتصل بـ "أيمن" وشوف وصل لايه مع البوليس .. وروح هات والدها وأختها من المزرعة ..
أومأ "كرم" برأسه وهم بالخروج .. لكن "عمر" أوقفه قائلاً :
- معلش يا "كرم" عارف انى تاعبك معايا وشاغلك بمشاكلى
قال "كرم" بسرعة :
- عيب عليك يا "عمر" هو احنا مش اخوات ولا ايه .. أنا لو كنت مكانك عارف انك هتعمل عشاني أكتر من اللى أنا بعمله
ربت "عمر" على كتفه شاكراً اياه .. خرج "كرم" فإلتفت "عمر" الى "ياسمين" الممده على الفراش ..اقترب منها ومسح بظهر أصابعه على وجنتها .. لحظات وعادت الممرضة بصحبة الطبيب .. وقف الطبيب مكان "عمر" الذى رجع قليلا الى الوراء وهو يتابع ما يحدث ..التفت الطبيب الى "عمر" قائلاً :
- ايه اللى حصلها بالظبط
قال "عمر" بحزن :
- كانت مخطوفه التلات أيام اللى فاتوا .. ولما لاقيتها كانت كويسه .. وفجأة نامت .. أنا معرفش هى نامت ولا هى أغمى عليها .. جبتها وجيت بها على هنا على طول
أومأ الطبيب برأسه .. ثم التفت الى "ياسمين" .. فتح سوسته الجاكيت الذى ألبسها اياه "عمر" ثم شرع فى فك أزرار بلوزتها حتى يدخل سماعته الطبيه لتفحص تنفسها .. شعر "عمر" بالإختناق وبالنيران تشتعل بداخله وهو يرى أصابع الطبيب تفتح أزرار ملابسها واحد تلو الآخر .. اقترب منه فجأة وأمسكه ذراعه بحزم قائلاً :
- لو سمحت .. مفيش دكتورة فى المستشفى دى ؟
التفت اليه الطبيب قائلاً بدهشة :
- أيوة فى
قال "عمر" بحزم :
- طيب لو سمحت خلى الدكتورة هى اللى تفحصها
نظر اليه الطبيب بحده قائلاً :
- وايه المشكلة يعني لو كشفت عليها أنا
قال "عمر" ببرود :
- لأ .. عايز دكتورة .. يا إما هاخدها مستشفى تانيه
نظر اليه الطبيب بحنق .. ثم أمر الممرضة بإحضار الطبيبة المناوبة وغادر الغرفة .. اقترب "عمر" منها مرة أخرى .. مسح بأصابعه حبات العرق التى تكونت على جبينها وهو ينظر اليها فى حنان .. لحظات وحضرتك الطبيبة .. رجع "عمر" للخلف ليفسح لها المجال .. أشاح "عمر" بعينيه عما كشفته الطبيبة من جسدها .. أنهت الطبيبة فحصها ثم التفتت الى الممرضة وطلبت تعليق محلول لها .. وأعطتها بعض التعليمات الأخرى .. نظر "عمر" الى الطبيبة قائلاً بقلق :
- هى كويسه ؟
أومأت الطبيبة برأسها قائله :
- أيوة متقلقش .. هى بس واضح انها مرهقة أوى .. وكمان عندها هبوط وضغطها واطى .. متقلقش هنعلقلها محاليل وهتبقى كويسة ان شاء الله .. هى محتاجه راحه مش أكتر
قال "عمر" بلهفه :
- يعني هتفوق امتى
ابتسمت قائله :
- انت جوزها
هز "عمر" رأسه نفياً :
- لأ خطيبها
- متقلقش زى ما قولتلك هى محتاجه راحه .. وهتفوق امتى على حسب .. هى من الواضح انها محتاجه للنوم أكتر من أى حاجه تانية .. ممكن تفوق على بكرة وتبقى كويسه ان شاء الله
شكر "عمر" الطبيبة التى غادرت بعد أن أعادت التعليمات على الممرضة مرة أخرى .. أنهت الممرضة تعليق المحلول .. وحقنت به الأدوية التى وصفتها الطبيبه .. وأزاحت قميص "عمر" من على رأسها وأعطته اياه فإرتداه .. ثم خرجت من الغرفة وأغلقت الباب خلفها .. اقترب "عمر" من فراشها وجلس بجوارها .. يتأملها وهى نائمة .. شعر بحنان جارف تجاهها .. أرادها أن تستيقظ وتفتح عينيها ليطمئن أنها بخير .. لكم اشتاق لرؤية عينيها .. أمسك كفها الموضوع به الكانيولا ووضعه بين كفيه .. تحسس بأصابع يده الأخرى العروق التى ظهرت حول الكانيولا .. كان يبدو عليها الضعف الشديد .. رق قلبه لها .. لكم قاست وتعذبت فى الأيام الماضية .. بل وقبل ذلك أيضاً .. أراد أن يعوضها عن كل ما قاست .. وكل ما عانته من قبل .. ظل يتحسس كفها ويتأملها حتى سمع طرقات على الباب نهض وما كاد يصل الى الباب حتى فتح والدها الباب وبصحبته "ريهام" .. أقبل الاثنان عليها فى لهفة .. قال والدها فى هلع :
- بنتى حبيبتى .. "ياسمين" .. ايه اللى حصلها؟
طمأنه "عمر" :
- متقلقش هى كويسه .. الدكتورة قالت انها نايمه من التعب وممكن تصحى على بكرة
جلست "ريهام" بجوارها تبكى فى صمت .. ثم خرجت من الغرفة .. التفت "عبد الحميد" الى "عمر" قائلاً :
- ايه اللى حصل بالظبط
تنهد "عمر" فى حسرة قائلاً :
- لسه معرفش أنا خدتها وجيت على هنا على طول .. وسبت "أيمن" هناك مع البوليس
عادت "ريهام" حاملة معها بونيه للرأس .. ألبستها اياه لتخفى شعرها المنساب .. نظر "عمر" الى "ريهام" مبتسماً .. ثم خرج من الغرفة ليجد كل من "كرم" و "أيمن" .. اتجه اليه "أيمن" قائلاً :
- ها ايه الأخبار ؟
أومأ "عمر" برأسه وقال بوهن :
- كويسه الحمد لله .. قولى انت عملت ايه
قال "أيمن" :
- قبضوا على واحد من الاتنين .. والتانى هرب بس بيدوروا عليه
سأله "عمر" :
- عرفوا هما مين ؟
هز "أيمن" برأسه نفياً ثم قال :
- لا لسه هما خدوه على القسم عشان يبدأوا التحقيق .. وعلى فكرة الفلوس معايا فى العربية .. وكمان جهز نفسك عشان تروح القسم لأن أكيد هيطلبوا أقوالك .. وكمان أقوال "ياسمين"
قال "عمر" :
- بكرة ان شاء الله هروح القسم .. لكن النهاردة مش هقدر أمشى من المستشفى واسيبها .. وكمان هتصل بالأستاذ "شوقى" يجيلى الصبح ان شاء الله .. لازم اللى عمل كده ياخد جزاءه .. مش هرتاح الا لما يتسجنوا هما الاتنين
قال "كرم" مطمئناً اياه :
- متخفش ان شاء الله هيتسجنوا .. القضية لبساهم لبساهم
رن هاتف "عمر" فرد قائلاً :
- أيوة يا ماما
قالت "كريمه" بلهفه :
- أيوة يا "عمر" طمنى على "ياسمين"
- بخير يا ماما الحمد لله .. هى نايمه دلوقتى والدكتورة طمنتنى عليها
قالت بإرتياح :
- الحمد لله .. بكرة ان شاء الله أنا وباباك هنيجى نزورها
- ان شاء الله يا ماما
- هتبات عندك ولا هترجع
- لأ هبات مش هقدر أسيبها فى المستشفى وآجى
- باباها وأختها عندك مش كده ؟
- أيوة
- طيب يا حبيبى لو احتجت حاجه كلمنى .. وعلى فكرة حسابي معاك بعدين عشان روحت لوحدك لمجرم زى ده من غير ما تعرفنى
- ماما نتكلم بعدين فى الموضوع ده
- ماشي يا "عمر" .. وخلى بالك من نفسك .. وابقى طمنى عليها
- ماشى يا ماما مع السلامة
- مع السلامة
قضت "ريهام" ليلتها بجوار أختها .. أما "عبد الحميد" و "عمر" جلسا على مقاعد الإنتظار خارج الغرفة .. كان "عمر" على تواصل طيلة الليل مع "كرم" و "أيمن" اللذان يحضران التحقيقات بقسم الشرطة و بالمكان الذى تم اختطافها فيه
فى الصباح .. ذهب "عبد الحميد" لإحضار قهوة له ولـ "عمر" .. فجأة فتحت "ريهام" باب الغرفة ونظرت الى "عمر" قائله :
- بابا فين ؟
قال "عمر" بلهفه :
- ثوانى وراجع .. هى فاقت ؟
أومأت برأسها ايجاباً وقالت :
- أيوة .. هروح أنادى للدكتوره
دخل "عمر" ليجد "ياسمين" وقد فتحت عينيها تنظر من نافذة الغرفة .. اقترب منها .. أحست بوجوده .. نظرت اليه .. تلاقت نظراتهما فى صمت .. كان "عمر" ينظر اليها بشوق ولهفه وحنان و .. حــب .. أما هى فكانت تتذكر ما فعله من أجلها الليلة الماضية .. كيف خاطر بحياته .. كيف قدم ماله .. كيف حماها .. كيف أنقذها .. شعرت بقلبها يخفق لهذا الرجل الواقف أمامها ..وجدته يقترب أكثر .. جلس بجوارها .. فانتبهت وأشاحت بوجهها قائله بحرج بصوت خافت ومبحوح من أثر تعب الليلة الماضية :
- لو سمحت مينفعش كده
تجاهل ما قالت .. نظر اليها بحنان قائلاً :
- انتى كويسه .. كنتى خايف عليكي أوى
أعادت ما قالت بحرج أكبر وهى تحاول أن تبتعد عنه :
- لو سمحت بجد مينفعش كده
قام من مكانه ووقف بجوارها ونظر اليها وابتسم بخبث قائلاً :
- ايه المشكلة يعني ما انتى كنتى فى حضنى امبارح
احمرت وجنتاها بشدة ونظرت اليه نظرة صارمه .. ضحك "عمر" قائلاً :
- لأ كده اطمنت عليكي .. الدم رجع ينور وشك تانى
صمت برهه ثم قال وهو ينظر اليها نظرة متوعده :
- اعملى حسابك .. أنا مش هقدر أستحمل الوضع ده كتير .. أنا سبتك تدلعى بما فيه الكفايه .. بس خلاص صبرى نفذ
نظرت اليه بإستغراب قائله :
- يعني ايه ؟
لمعت عيناه بشوق قائلاً بإبتسامه عذبه:
- يعني خلاص معدتش قادر أبعد عنك لحظة .. لولا انك تعبانه والظروف اللى انتى فيها أنا كنت جبت المأذون وكتبت عليكي حالاً
خفضت عيناها وتلون وجهها مرة أخرى .. تأملها مبتسماً .. لحظات ودخل "عبد الحميد" واقترب منها قائلاً :
- "ياسمين" .. عامله ايه دلوقتى
ابتسمت له قائله :
- الحمد لله يا بابا .. اطمن
مسح على رأسها وجلس بجوارها مردداً :
- الحمد لله والشكر لله .. الحمد لله والشكر لله
حضرت الطبيبة وطمأنتهم على حالها ثم دعت لها بالشفاء وخرجت .. حضرت "ريهام" ومعها طرحه وساعدت "ياسمين" على ارتدائها .. سألها "عمر" بإهتمام :
- احكيلى اللى حصل بالظبط يا "ياسمين"
تنهدت "ياسمين" ثم قصت عليهم كل شئ بدءاً من مكالمة "مها" .. وحتى وجدها "عمر" .. صاح "عمر" بحنق :
- يعني اللى اسمه "مصطفى" ده كان واحد من اللى خطفوكى
أومأت برأسها وقالت بمراره :
- أيوة .. وعشان كده كانوا عايزين يقتلونى ..لانى عرفته من صوته
قل "عبد الحميد" بغضب :
- لا حول ولا قوة الا بالله .. ده طلع بجد شيطان .. يارب يقبضوا عليه ويعدموه عشان نخلص منه
نظر "عمر" الى علامات الألم على وجهها ..احتار فى تفسيرها .. جاءت الشرطة لأخذ أقوالها وأقوال "عمر" .. خرج عم "عبد الحميد" و "ريهام" واستمع الظابط لرواية "ياسمين" .. كانت تقص عليه ما حدث بالتفصيل وهو يقاطعها بالأسئله .. حتى سألها :
- وازاى عرفتى انه طليقك .. انتى قولتى انهم كانوا مغميين عنيكي ومكنش حد فيهم بيتكلم أدامك
قالت بإرتباك :
- هو اتكلم فى مرة فسمعت صوته وعرفته
سألها الظابط :
- اتكلم قالك ايه ؟
توترت أكثر ثم قالت بصوت خافت :
- شتمنى
- ليه ؟
صمتت قليلاً وهى تتجنب النظر الى "عمر" الذى يراقبها بإهتمام .. ثم قالت :
- عشان زقيته برجلى ووجعته
قال الظابط :
- ليه هو حاول يتهجم عليكي ؟
أومأت برأسها وهى تنظر الى أسفل .. انفجرت الدماء فى وجه "عمر" واشتعل غضباً .. فأكمل الظابط قائلاً :
- على العموم احنا مسكنا شريكه .. وجارى البحث عن طليقك .. وكمان جبنا اللى اسمها الدكتورة "مها" أنكرت كل حاجه فى الأول خاصة ان الخط اللى كلمتك منه مش خطها ومش بإسمها .. بس لما شدينا عليها اعترفت خاصه لما أوهمناها ان عندنا أدلة ضدها .. وان شاء الله قريب هنمسك طليقك هو كمان
أومأت برأسها فى صمت .. أعطاها المحضر لتمضى عليه هى و"عمر" .. انصرف الظابط ومن بصحبته .. فالتفت اليها "عمر" قائلاً بحزم :
- متقلقيش لو معرفوش يوصلوله أنا هلاقيه وأخليه يندم على اليوم اللى اتولد فيه
نظر والى التصميم على وجهه .. فأكمل قائلاً :
- أنا هعرفه ازاى يتعرض لمراتى
خفق قلبها لكلمته .. نظرت اليه مندهشة فوجدته ينظر اليها بحنان مبتسماً :
- أيوة مراتى
دخلت "ريهام" وأعقبها والدهما .. بعد فترة جاءت "كريمه" و "نور" و "سماح" لزيارتها والإطمئنان عليها .. سعدت "ياسمين" للغاية بتلك الزيارة وبإلتفاف كل من تحبهم حولها .
***************************
فى نهاية اليوم سمحت الطبيبة لـ "ياسمين" بالمغادرة .. عاد الجميع الى المزرعة .. بقيت "سماح" مع صديقتها فى غرفتها في حين كان "أيمن" و "كرم" فى منزل "عمر" .. جلست "سماح" بجوار "ياسمين"على السرير قائله :
- قلقتينى عليكى .. كنت حسه انى هموت من الرعب
ابتسمت "ياسمين" فقالت "ريهام" :
- كنت حسه انى عايشة فيلم رعب .. أختى مخطوفه واللى خطفها طالب فديه .. حاجه ولا فى الأحلام .. دايماً بقرأ الحوادث دى فى الجرايد بس عمرى ما تخيلت انها تحصل معانا
قالت "ياسمين" :
- الحمد لله انها جت على أد كده
قامت "ريهام" قائله :
- هروح أطمن على بابا .. اليومين اللى فاتوا الضغط على عليه أوى
شعرت "ياسمين" بالأسف .. لأنها سبب تعب والدها .. نظرت اليها "سماح" قائله :
- أكيد التجربة كانت صعبة عليكي أوى
تنهدت "ياسمين" بأسى قائله :
- جداً .. كنت مرعوبة .. مكنتش فى الأول عارفه هما عايزين منى ايه .. ولا هما مين .. وبعد ما عرفت اترعبت أكتر
ثم قالت بألم :
- أكتر حاجه ألمتنى .. لما اكتشفت ان "مصطفى" واحد منهم .. بجد مكنتش متخيله ان الانسان ده جواه السواد ده كله
قالت "سماح" بتقزز :
- بجد حسبي الله ونعم الوكيل فيه .. ربنا ينتقملك منه
قالت "ياسمين" بصوت متألم :
- تخيلى لو كنت لسه مراته لحد دلوقتى .. كان زمانى كرهت نفسي .. الحمد لله انى خلصت منه
- الحمد لله .. فعلاً ربنا خلصك منه
ساد الصمت قليلا .. ثم قالت "سماح" مبتسمه :
- "أيمن" قالى ان "عمر" كان هيموت من خوفه عليكي .. أول ما طلبوا الفدية مترددش انه يدفعها .. كان أهم حاجه عنده انك ترجعى سليمه
ابتسمت "ياسمين" فى خجل قائله :
- عمرى ما هنسى اللى عمله معايا .. كان خايف عليا أكتر من خوفه على نفسه .. كان شجاع جداً وهو بيواجههم وواقف أدامى يحميني ..لما سمعت صوته فى الأوضه أول ما دخلوه اطمنت أوى .. حسيت ان مجرد صوته بيطمنى .. ولما خدونى عشان يقتلونى .. كنت حسه انى خايفه عليه .. وأعدت أفكر هيأذوه ولا لأ
ثم استطردت قائله بتأثر :
- تعرفى يا "سماح" انه لما لقى هدومى اتقطعت و شعرى مكشوف قلع الجاكيت والقميص بتوعه وغطى جسمي وشعرى بيهم
ابتسمت "سماح" .. فأكملت "ياسمين" :
- متتصوريش أنا كنت حسه بإيه .. فاكرة أخر مرة كنت عندك لما قولتلك انى مش عارفه طباعه وخايفه يخليني اقلع الحجاب او يلبسنى مكشوف او ميغرش عليا .. لما عمل كده حسيت ان مخاوفى دى راحت .. أنا عارفه انه عمل كده غيره .. يعني مش عشان حلال وحرام .. بس الغيره اللى عنده دى بتديني أمل ان جواه حاجه كويسه .. هو بس ملقاش اللى يوجهه .. عارفه مخلاش حتى "كرم" يقرب منى ويشوفنى وأنا فى الحالة دى
أكملت مبتسمه :
- تعرفى ان الممرضة اللى كانت معايا قالتلى خطيبك ده بيحبك أوى وبيغيرعليكي أوى .. استغربت .. لقيتها بتقولى انه مرضاش يخلى الدكتور يكشف عليا وأصر انهم يجيبولى دكتورة .. وقالهم لو مجبتولهاش دكتورة أنا هخدها مستشفى تانيه .. متتصوريش لما قالتلى كده أنا حسيت بإيه .. بجد على فى نظرى أوى أوى .. وحسيته راجل بجد
صمتت قليلاً ثم قالت وابتسامة جميلة فى عينيها وعلى شفتيها :
- أنا بحبه أوى يا "سماح"
ضحكت "سماح" قائله :
- الله أكبر .. بركاتك يا "عمر" .. كان لازم تتخطفى يعني عشان نسمع الإعتراف ده
ضحكت "ياسمين" فى خجل قائله :
- أنا كنت شكه بس خلاص دلوقتى اتأكدت .. أنا فعلاً بحبه يا "سماح" .. واللى حصل ده كله خلانى أشوفه راجل بجد .. وحسه انه بشوية توجيه ممكن حاجات كتير فى حياته تتغير
ابتسمت "سماح" قائله بخبث :
- طبعاً عشانك يا قمر ممكن كل حاجه فى حياته تتغير
عادت "ريهام" لتنظر اليهما قائله فى مرح :
- ايه مش تضحكونا معاكوا .. والا الاكتئاب والعياط لـ "ريهام" .. والابتسامه اللى من الودن للودن لـ "سماح"
قالت "سماح" بمرح :
- أخيراً أختك اعترفت وقالت : بحبه يا "سماح"
زغرطت "ريهام" قائله :
- أخيراً .. يا فرحة قلبك يا "عمر" يا ابن طنط "كريمة" .. أخيراً نلت الرضا السامى و "ياسمين" بذات نفسها قالت انها بتحبك
قالت "ياسمين" بدلع :
- بصراحة بعد اللى عمله دخل مزاجى
قالت "ريهام" فى مرح :
- دخل مزاجك بس .. ده المفروض يدخل عقلك وقلبك وشرايينك وكل حته فيكي .. يعني المفروض لو عملنالك تحليل شامل نلاقى "عمر" جواكى عمال ينتشر وتوغل ويتسرب ويستمر ويستمر ويستمر
ضحكت "سماح" .. نظرت اليهما "ياسمين" مبتسمه :
- انتوا في ايه مالكوا .. ياريتنى مكنتش فتحت بقى أنا غلطانه أصلاً
"ريهام" بمرح :
- لأ أبوس ايدك .. احنا طلعت عنينا عشان ناخد منك الإعتراف ده .. اوعى ترجعى فى كلامك .. خلى الدنيا تمشى حلو بأه .. ونعمل خطوبتى وخطوبتك فى يوم واحد
ابتسمت "سماح" وقالت :
- حد كان يصدق ان احنا التلاته ناخد 3 صحاب
ابتسمت "ياسمين" :
- لأ بصراحة عمرى ما كنت أتخيل
"ريهام" مبتسمه :
- ولا أنا .. سبحان الله
ثم نظرت الى "ياسمين" قائله :
- أنا من أول يوم وأنا بقولك انى حسه انى البلد دى وشها حلو علينا وهنطلع منها بفردتين .. ادينا خدنا أحلى فردتين فى البلد
لم تتمالك "سماح" و "ياسمين" نفسهما من الضحك .. قالت "سماح" :
- آه لو يسمع "كرم" موضوع الفردتين دول مكنش عتقك يا "ريهام"
نظرت "سماح" اليهما قائله :
- احم احم فى خبر كده عايزة أقولكوا عليه
نظر اليها كل من "ريهام" و "ياسمين" .. فإبتسمت قائله :
- أنا حامل
صاحت الفتاتان فى فرح .. قالت "ياسمين" :
- بجد يا "سماح" .. ألف ألف مبروك
قالت "ريهام" فى سعادة :
- مبروك يا "سماح" ربنا يتمم حملك على خير يارب
قالت ضاحكة :
- الله يبارك فيكوا .. أنا عرفت فى اليوم اللى "ياسمين" اتخطفت فيه .. والحمد لله أهى رجعت وسطينا تانى قولت أبشركوا بالخبر ده
قالت "ياسمين" بسعادة :
- بجد ده أحلى خبر سمعته .. ياه بقالى فترة طويلة مفرحتش كده .. يعني هبقى أخيراً خالتو
عانقتها "سماح" قائله :
- طبعاً يا "ياسمين" انتى أكتر من أختى
***************************
صاح "كرم" بمرح :
- وأخيراً هنشوف ابن واحد مننا .. أنا كنت بدأت افقد الأمل خلاص
قال "عمر" لـ "أيمن" بسعاده :
- ألف ألف مبروك يا "أيمن" .. بجد فرحتلك أوى
قال "أيمن" مبتسماً :
- ربنا يكرمك يا "عمر" .. يلا اتجدعنوا انتوا كمان خلونا نفرح بيكوا بأه بدل أعدتكوا كده .. بأه شكلكوا وحش
ضحك "عمر" .. صمت قليلاً ثم قال :
- أنا عايز أكلم أبوها تانى .. بس خايف يفتكر انى بستغل الموقف
قال "أيمن" :
- لأ الموضوع مفيهوش استغلال فرص ولا حاجه .. يعني ده جواز
قال "عمر" بقلق :
- خايف يفتكر انى بضغط عليهم عشان يعني اللى عملته مع "ياسمين"
قال "كرم" مؤكداً :
- لأ محدش هيظن كده .. المهم "ياسمين" نفسها انت مالى ايدك منها المرة دى ولا هترفض زى المرة اللى فاتت
فكر "عمر" قليلاً ثم قال :
- بصراحة مش مالى ايدي أوى
ثم ابتسم بخبث قائلاً :
- بس برده ايدي مش فاضيه
قال "كرم" بمرح :
- يبأه على خيرة الله .. توكل على الله وكلم أبوها تانى
ابتسم "عمر" قائلاً :
- بس المرة دى أنا مش هتكلم فى خطوبة
صاح "كرم" قائلاً :
- الله .. اشمعنى انت .. أنا كمان مش عايز خطوبة
قال "أيمن" بمرح :
- الله الله أهو هو ده الكلام .. يلا عشان نخلص منكوا انتوا الجوز مرة واحدة
اتصل "أيمن" بـ "سماح" ونزلت من عند صديقتها ليعودا الى منزلهما .. سألته عن تطورات التحقيقات فأجابها قائلاً :
- "بسطويسي" و "مها" اتقبض عليهم .. والبوليس بيدور على "مصطفى" متخفيش أيام ويتقبض عليه ان شاء الله
قالت "سماح" بحنق :
- ربنا ينتقم من اللى اسمه "مصطفى" ده .. ده هيكون عبرة ان شاء الله ولسه عقابه عند ربنا .. ده بجد انسان ظالم أوى
نامت "ريهام" .. وظلت "ياسمين" ساهره .. تفكر فى كل ما حدث لها .. وفيما قاسته منذ وفاة والدتها رحمها الله .. ثم وصلت بتفكيرها الى "عمر" .. عندما تذكرته ابتسمت .. نعم لقد أحبته .. دخل قلبها رغم الأسوار العالية التى بنتها حوله .. ملك مشاعرها وكل كيانها .. برجولته وغيرته وخوفه عليها .. التفتت الى هاتفها لتراه يضئ فى صمت .. نظرت فوجدت رقماً لا تعرفه .. تعجبت من الذى يتصل بها فى هذا الوقت .. ظنت بأنه ربما يكون "مصطفى" .. شعرت بالخوف .. لم ترد .. اتصلمرة أخرى .. غلبها الفضول ففتحت الخط دون أن ترد .. ولدهشتها سمعت صوت "عمر" يقول :
- ازيك يا "ياسمين"
صمتت ولم تجب .. كانت مندهشة من اتصاله بها .. أكمل "عمر" بصوت حانى :
- كنت قلقان عليكي وحبيب بس أسمع صوتك
صمت قليلاً ثم قال :
- وحشتيني أوى
خرجت "ياسمين" من صمتها قائله :
- أنا آسفة مضطرة أقفل
قال بصوت دافئ :
- ماشي .. أنا بس كنت حابب أسمع صوتك .. ممكن أطلب منك طلب
صمتت .. فأكمل قائلاً :
- أنا واقف تحت البلكونه .. ممكن بس تبصيلي .. وحشتيني الساعتين دول .. عايز بس أشوفك
شعرت بسعادة غامرة .. لكنها قالت بخفوت :
- أنا أسفه مش هينفع
طال صمته ثم تنهد قائلاً :
- طيب خلى بالك من نفسك .. لو احتجتى أى حاجه ده رقمى سيفيه عندك .. تصبحى على خير يا حبيبتى
خفق قلبها بشدة عندما سمعت منه "حبيبتى" .. أغلقت .. وقامت تفتح باب الشرفة بهدوء .. وقفت خلف الستارة .. رأته بالفعل .. كان ينظر بإتجاه الشرفة .. وقف قليلاً ثم انصرف عائداً الى بيته .. تابعته "ياسمين" بعينيها والإبتسامه على شفتيها
فى اليوم التالى ظلت "ياسمين" حبيسة غرفتها .. التزمت بتعليمات الطبيبة براحة وعدم ارهاق نفسها .. فى منتصف النهار .. رن هاتفها لتجد رسالة من "عمر" فتحتها لتجد مكتوب فيها :
وحشتينى .. على قدر ما فى المنام تأتينى
وحشتينى .. على قدر ما فى الأحلام تزورينى
وحشتينى .. على قدر الحب الذى بيه وهبتينى
ومنه حرمتينى .. واليه ارجعتينى .. وحشتينى
حبيبتى .... ببعدك لا تزيدينى .. فأنتِ بداخلى وفى تكويني .
شعرت بسعادة لذيذة تجتاح كل كيانها .. تسللت الابتسامه الى شفتيها .. ضمت هاتفها الى صدرها تعانقه .. نظرت الى كلماته مرة أخرى .. قرأتها مرات ومرات .. والابتسامه لا تفارق شفتيها .. وقلبها لا تهدأ سرعة ضرباته .
بعد المغرب .. قال "نور" لـ "كريمة" و "عمر" :
- ما تيجوا يا جماعة نخرج شوية .. نتعشى بره فى أى مكان
قالت "كريمه" بسعادة :
- والله فكرة .. حتى تغيير جو .. قولت ايه يا "عمر"
فكر "عمر" قليلاً ثم قال :
- لأ روحوا انتوا يا ماما
قالت "كريمه" تحثه :
- وتعد لوحدك فى البيت ليه تعالى معانا تغير جو .. الواحد أعصابه تعبت اليومين اللى فاتوا
- لأ معلش يا ماما روحوا انتوا .. وكمان عندى شغل كتير متراكم عليا .. الأيام اللى فاتت انتوا عارفين أنا مكنتش بهتم بالشغل خالص ..وفى حاجه كتير لازم تخلص
- خلاص يا حبيبتى ربنا يعينك .. على العموم لو غيرت رأيك كلمنا
خرج والداه وركبا السيارة وانطلقا الى المنصورة .. ذهب "عمر" الى مكتبه .. ليبدأ عمله .. كان ينظر الى هاتفه كل فتره .. وكأنه ينتظر اتصالاً أو رسالة منها .. يعلم بأنها لن تفعل ذلك .. لكنه بقى متأملاً
شعرت "ياسمين" بالملل .. فنزلت لتتمشى قليلاً فى المزرعة .. ظلت تمشى لساعات وسط الطبيعه الخلابه .. لم تجرب السير فى المزرعة ليلاً .. وجدت له مذاقاً خاصاً .. والنسمات المنعشة أفادتها كثيراً .. أخذتها قدماها قرب بيت "عمر" ألقت نظرة على البيت وابتسمت .. أخرجت هاتفها وأعادت قراءة الرسالة مرة أخرى .. ثم أكملت طريقها .. عندما همت بالعودة .. نظرت لتجد قرب البوابة عند الأسلاك الشائكة .. رجل يحاول اقتحام المكان والتسلل من بين الأسلاك .. دب الخوف فى أوصالها .. شعرت الرعب .. خافت أن تتقدم أكثر فيراها الرجل .. دققت النظر تحت ضوء القمر .. لتجد أن للرجل هيئة كهيئة "مصطفى" .. لم تستطع رؤية ملامح وجهه جيداً بسبب الظلام .. لكن كان نفس الهئية والجسم .. كان قد اقترب بالفعل من الدخول من بين الأسلاك .. فزعت .. خافت أن تجرى فى اتجاه حجرة الغفير فيراها "مصطفى" ويسرع بالإمساك بها .. شعرت بأن تفكيرها قد شُل من الخوف .. جرت فى الإتجاه الآخر .. ثم وجدت نفسها تلقائياً تصعد الدرجات الى بيت المزرعة .. أخذت تطرق الباب بسرعة منادية :
- "عمر" .. "عمر"
تجمعت الدموع فى عينيها وهى تطرق الباب بقوة .. وتنظر يميناً ويساراً خشية من أن يلحق "مصطفى" بها .. ويمسكها وينتقم منها .. فهى الشاهدة الوحيدة عليه .. "عمر" لم يرى وجهه .. ولم يتعرف صوته أحد غيرها .. وهى تعلم أنه لن يتردد لحظة فى قتلها اذا سنحت له الفرصه .. لينقذ نفسه من السجن .. طرقت الباب بهلع وأخيراً فتح "عمر" .. نظر اليها بلهفة قائلاً :
- "ياسمين" مالك فى ايه ؟
قالت "ياسمين" بصوت مرتجف وبأنفاس متقطعه :
- "مصطفى"
سألها بهلع :
- هو فين ؟ .. عملك حاجه ؟
ابتلعت ريقها وقالت بأعين دامعه :
- شوفته بيحاول يدخل من السلك اللى جمب البوابة
جذبها "عمر" من ذراعها بقوة وأدخلها البيت وقال بحزم :
- خليكي هنا واقفلى الباب كويس من جوه ومتفتحيش لحد غيرى
أغلق الباب خلفه .. فتأكدت من غلقه جيداً .. ثم توجهت الى احدى النوافذ القريبه تستطلع الأمر منها .. رأت "عمر" يسير بإتجاه البوابة .. خافت عليه بشدة .. خافت أن يهاجمه "مصطفى" .. خافت أن يكون "مصطفى" حاملاً للسلاح ويتهور ويطلق النار على "عمر" .. شعرت بالخوف والفزع .. ليتها لم تأتى اليه .. ليتها لم تأتى اليه .. ليتها لم تقحمه فى الأمر وجرت بإتجاه البوابة الى حيث غرفة الغفير .. وقفت فى نافذة أخرى فلم ترى شيئاً .. اختفى "عمر" من أمام ناظريها وأعاقتها الأشجار عن متابعة ما يحدث .. تساقطت العبرات على وجنتيها .. هى آمنه فى الداخل .. وهو فى الخارج تحت رحمة هذا المجرم .. أخرجت هاتفها وحاولت أن تتصل به .. رن الهاتف ثم سمعت طرقات على الباب .. انتفضت .. أغلقت الهاتف وتوجهت الى الباب .. سمعت الطرقات مرة أخرى .. قالت بصوت مرتجف :
- مين ؟
أتاها صوته :
- افتحى يا "ياسمين" أنا "عمر"
شعرت بالخوف .. ماذا لو كان "مصطفى" معه .. ماذا لو كان يهدده .. قالت بشك بصوت مضطرب :
- انت لوحدك ولا "مصطفى" معاك ؟
صمت قليلاً ثم أتاها صوته فى حنان :
- متخفيش أنا لوحدى .. "مصطفى" مش موجود متخفيش
مازالت تشعر بالخوف .. قالت له فى حيرة وألم :
- طيب ما ممكن يكون "مصطفى" بيهددك بالسلاح دلوقتى عشان تقولى انه مش معاك وأفتح الباب وهو يدخل
طال صمته .. ثم أتاها صوته الدافئ وهو يقول :
- لو فعلاً ده حصل و "مصطفى" أو غيره هددنى عشان أديكي الأمان وتفتحى الباب .. فأنا أفضل انه يقتلنى ولا انه يطول شعره منك .. مش ممكن أسمح لحد انه يأذيكي يا "ياسمين" .. حتى لو فيها موتى أنا
شعرت بكلماته الصادقة تخترق قلبها وتستقر به .. فتحت الباب ببطء .. ابتسم ونظر اليها وعينيه تغمرانها بحنانه .. لكم تحب تلك العينين والرسائل التى ترسلانها اليها .. رسائل حب وعشق صامته ..
سألته بقلق :
- لقيت "مصطفى" ؟
طمأنها قائلاً :
- متخفيش مش هو
قالت بإستغراب :
- أمال مين
- ده عامل شغال هنا فى المزرعة فضل يخبط على البوابة بس الغفير نام ومسمعوش .. فحاول يدخل من بين الأسلاك
أومأت "ياسمين" برأسها وشعرت بالحمق لأنها أزعجته بدون داعى .. تقدمت لتخرج فوجدت وقف أمام الباب ليمنع خروجها .. نظرت اليه بدهشه .. فنظر اليها بخبث قائلاً :
- تعملى ايه لو حبستك هنا
شعرت بالخجل فخفضت بصرها وقالت :
- لو سمحت عديني
قال بمرح وعينا تلمعان بخبث :
- لأ مش هعديكي .. وهحبسك هنا لحد ما تستسلمى تماماً
وفجأة دخلت سيارة والده الى المزرعة .. اضطربت "ياسمين" بشدة ونظرت الى "عمر" بعتاب فلو كان سمح لها بالذهاب لما كانت ستتعرض لهذا الموقف .. ابتسم لها "عمر" وهو يراقب علامات الارتباك على وجهها .. نزل والده ووالدته من السيارة ليروا "عمر" واقف على باب المنزل من الخارج و "ياسمين" واقفة على الباب من الدخل ..شعرت بالخجل الشديد من هذا المأذق الذى وجدت نفسها فيه .. اقتربت "كريمه" منها قائله بإبتسامه :
- ازيك يا "ياسمين" حمدالله على سلامتك يا حبيبتى
قالت "ياسمين" بتوتر :
- الله يسلمك
تقدم والد "عمر" وسلم عليها هو الآخر .. كانت تتمنى أن تنشق الأرض وتبلعها أصحاب البيت واقفون على الباب من الخارج وهى تقف من الداخل .. لا تدرى كيف تشرح ما حدث .. أنقذها "عمر" قائلاً :
- "ياسمين" كانت بتتمشى واتخضت لما شافت راجل بيحاول يدخل من الأسلاك اللى جمب البوابة جتلى عشان أشوف مين اللى بيحاول يدخل ودخلتها البيت لحد ما أرجع
قالت له أمه بإهتمام :
- وطلع مين ؟
- عامل من اللى ساكنين فى سكن العمال .. الغفير كان نام ومسمعش خبطه على البوابه
قال "نور" موجهاً حديثه الى "ياسمين" :
- متخفيش يا "ياسمين" محدش يقدر يدخل المزرعة هنا .. أكيد طليقك هيخاف ييجى هنا
شعر "عمر" بالحنق عندما سمع لفظ "طليقك" .. كان يحاول قدر الإمكان تناسى بأنها متزوجه من قبل .. لأن هذا الأمر .. يؤلمه أشد ألم .. أفسحت "ياسمين" الطريق ليمر والداه .. دخلوا الى المنزل .. حاولت الخروج فسد "عمر" الباب بجسده مرة أخرى وابتسم بخبث .. صاحت بضيق :
- لو سمحت مينفعش كده .. كفايه اللى حصل .. لو كنت خلتنى أمشى مكنش زمانى اتحطيت فى الموقف ده .. لو سمحت عديني
قال "عمر" بمرح دون أن يتخلى عن ابتسامته :
- فعلاً معاكى حق شكلنا بأه بايخ أوى .. وكمان أنا ليا سمعه لازم أحافظ عليها
اقترب برأسه منها ونظر فى عينيها قائلاً:
- لازم تصلحى غلطتك وتتجوزيني
حاولت كتم ابتسامتها بصعوبة وقالت بجديه :
- لو سمحت عديني
هتف وهو يتظاهر بالجديه :
- وسمعتى اللى ضاعت على اديكي .. وأهلى اللى شافونى واقف معاكى على عتبة بيتنا .. خلاص كده مفيش بنت هترضى تبص فى وشى .. لازم تتجوزيني وتسترى عليا يا "ياسمين"
لاحت ابتسامه صغيره على شفتيها لكنها أخفتها سريعاً وهتفت بجديه :
- خليني أمشى يا إما هنادى لطنط "كريمه" وأقولها انك مش راضى تعديني
قال بتحدى :
- نادى طنط "كريمه" بتاعتك وأنا أقولها على اللى عملتيه في العربية
قالت بدهشة :
- انا .. عملت ايه ؟
نظر اليها بخبث وهو يقول :
- كل ما أحاول أبعدك عنى .. تقوليلى لا يا "عمر" متسبنيش وفضلتى لازقه فى حضنى طول الطريق مش عارف أتحرك منك
احمرت جنتاها بشدة وهتفت قائله :
- والله ما حصل .. أنا معملتش كده
قال بتحدى :
- لأ عملتى كدة و "كرم" شاهد كمان
صاحت بضيق :
- بطل تهريج أنا معملتش كده .. صحيح أنا مش فاكرة اللى حصل بس أكيد معملتش اللى انت بتقوله ده
قال وهو يتظاهر بجديه :
- بصى يا بنت الناس .. يا توعديني انك تصلحى غلطتك وتتجوزيني يا اما مش هطلعك من البيت وهجيب المأذن وأكتب عليكي بالعافية .. ها قولتلى ايه .. تختارى ايه ؟
قالت بجديه :
- عديني لو سمحت
قال بتحدى :
- خلاص انتى حرة انتى اللى اخترتى
ثم هم بالدخول فإبتعدت .. كاد أن يغلق الباب فقالت بسرعة :
- خلاص .. خرجنى
لمعت عيناه وابتسم قائلاً :
- يعني خلاص هتتجوزيني ؟
تحاشت النظر فى عينيه وتضرجت وجنتاها خجلاً .. فحثها قائلاً :
- ها .. مش هفضل مستنى كده كتير .. هتتجوزيني ؟
ابتسمت دون أن تنظر اليه .. فنظر اليه بحب قائلاً بهمس :
- كفاية الإبتسامه الحلوة دى .. هعتبرها بدل كلمة موافقة
قالت بصوت خافت وهى لا تستطيع أن ترفع عينيها فى عينيه :
- ممكن لو سمحت تعديني
أومأ برأسه قائلاً وعيناه تغوصان فى بحر عينيها :
- ماشى هعديكي بس عايزك تعرفى حاجه .. مش هسيبك سمعانى .. أنا خلاص لا عاد ينفعنى خطوبة ولا كتب كتاب .. أنا هكلم باباكى ونحدد معاد الفرح .. لأنى مش هقدر أصبر أكتر من كده .. عايزك فى حضني فى أقرب وقت .. عايز أفتح عيني كل يوم عليكي وأغمضها عليكي .. انتى حته منى وبعدك عنى تاعبنى .. ومعدتش قادر أستحمل بعدك ده .. لازم نبقى مع بعض بأه .. أنا تعبان من غيرك يا حبيبتى .. حبيبك محتاجلك أوى .. ومشتاقلك أوى .. وبيتعذب من غيرك .. حسي بيه .. ومتبقيش قاسيه عليه
ازداد احمرار وجهها .. لم تستطع حتى النظر اليه .. أفسح لها الطريق .. فخرجت مسرعه .. وعيناه تتابعانها .. تحسست وجنتاها لتجد الحرارة تنبعث منهما .. عادت الى غرفتها وعلى شفتيها ابتسامة تشى بسعادة لم تشعر بها من قبل .. وقلبها قد جن وأخذ يخفق فى جنون .. وضعت يجها على صدرها لعلها تبطئ من سرعة دقاته .. ها هى أحلامها أوشكت أن تصبح حقيقـــة.
فى اليوم التالى تحدث "عمر" ووالداه و "كرم" الى "عبد الحميد" واتفقوا جميعاً على كتب كتاب الأختين بعد ثلاثة أيـــام فى نفــس اليــوم .. كانت سعادة الرجليــن غامرة .. وكذلك الفتاتيـــن .
رواية مزرعة الدموع الفصل السادس 6 - بقلم مني سلامة
الفصل السادس والثلاثون من رواية مزرعة الدموع
عمت أجواء البهجة فى المزرعة بعدما تم اعلان يوم كتب كتاب كل من "عمر" و "كرم" .. كان الجميع فرح لهذين الرجلين وهاتين الفتاتين .. فالجميع مشهود له الطيبة وحسن الخلق .. وان وجد داخل البعض مزيج من الغيرة والحسد .. فالكل يعلم ان الفتاتين تعملان فى المزرعة وأنهما من أسرة بسيطة .. ولا يميزهن جمال صارخ .. يخطف عقول الرجال .. فأثار ذلك بعض مشاعر الغيره والحسد لدى الفتيات العاملات بالمزرعة .. كانت "ياسمين" فى منتهى السعادة تعد مع أختها ومع "كريمه" و "سماح" ترتيبات هذا اليوم .. قرروا أن يتم الإحتفال بهذا اليوم فى المزرعة .. التى شهدت ميلاد حبهم .. كان "عمر" يكاد لا يصدق نفسه من فرط السعادة .. فهاهى أخيراً حبيبته ستصبح زوجته .. وكذلك "كرم" و "ريهام" كانا سعيدين للغاية .. قام "نور" بدعوة أخته "ثريا" وابنها "علاء" و ابنتها "ايناس" ..
لكنها رفضت الحضور بعدما حدث فى آخر زيارة لها فى المزرعة .. فمازالت غاضبة من "عمر" لأنه وقف أمامها من أجل حبيبته وأهلها .. كان "عمر" يشعر بالإرتياح لعدم حضور عمته .. لأنه كان يخشى أن تفعل هى أو ابنتها ما يعكر صفو هذا اليوم .. ذهبت الفتاتان مع "كريمه" و "سماح" لاختيار الفساتين لهذه المناسبه .. أما الرجلين فإهتما مع "أيمن" و "نور" و "عبد الحميد" .. بتنظيم كل شئ .. ليخرج اليوم فى أبهى صورة ..قرروا أن تكون الحفلة صغيرة عائلية . على أن يعقبها العرس بفترة صغيرة ويكون احتفالاً كبيراً فى القاهرة ..
قالت "ريهام" ل "ياسمين" فى غرفتهما :
- الحمد لله اطمنت ان أنا وانتى هنعيش مع بعض في القاهرة .. كنت خايفة "كرم" يقرر نعيش فى القاهرة و "عمر" يقرر انكوا تعيشوا هنا
ابتسمت "ياسمين" قائلاً :
- "عمر" قال ان مكاننا الأساسى هتكون فيلة أهله فى القاهرة .. بس ده ميمنعش اننا هنيجي هنا المزرعة وقت ما نحب .. بصراحة أنا بحب المكان ده أوى ومتعلقة بيه اوى .. أصلا مش عارفه ممكن أعيش ازاى فى مكان تانى غير هنا
ابتسمت "ريهام" قائله :
- أما أنا بأه لازم أرجع لان خلاص امتحاناتى على الأبواب
ضحكت "ياسمين" قائلاً :
- حلو أوى يعني هتقضى شهر العسل فى المذاكرة والإمتحانات
قالت "ريهام" بمرح :
- آه بس لازم "كرم" يعوضنى ونسافر زيك انتى و "عمر" .. صحيح ما قولتيش هتسافروا فين ؟
قالت "ياسمين" بسعادة :
- مش عارفه مامته ما قالتليش .. قالتلى انه عملهالى مفاجأة
- ان شاء الله تبقى أحلى مفاجأة
قالت "ياسمين" بشئ من الحزن :
- صعبان عليا بابا هنسيبه هنا لوحده
- نعمل ايه يا "ياسمين" هو اللى مش راضى يرجع معانا .. حب الشغل هنا والعيشة هنا وبأه له صحاب هنا .. ومش حابب يبعد عن المزرعة
طمأنتها "ريهام" قائله :
- وبعدين زى ما انتى قولتى اكيد هتيجى هنا انتى و"عمر" .. وهنبقى نيجى معاكوا أنا و "كرم"
أومأت "ياسمين" برأسها قائله :
- ان شاء الله
صفقت "ريهام" بمرح :
- بصى بأه احنا مش عايزين نفكر فى أى حاجه تضايقنا .. عايزين نفكر فى الحفلة وبس .. وان بعد أقل من 3 أيام هبقى أنا مدام "ريهام" .. وانتى مدام "ياسمين"
قالت "ياسمين" بنبرة حزينه :
- أنا أصلاً مدام .. ولا نسيتي
ضحكت "ريهام" وقالت بخبث :
- لا مش مدام .. أنا وانتى عارفين اللى فيها .. مش متخيله صدمة "عمر" لما يعرف .. أكيد هتبقى أحلى صدمه فى حياته
ابتسمت "ياسمين" بسعادة .. فأكملت "ريهام" :
- الراجل هيتجنن عليكي وهو فاكر انك اتجوزتى .. أمال لو عرف هيعمل ايه ..
أطلقت "ياسمين" ضحكات مرحة اشتاقت لمساع صداها فى أذنيها طويلاً
************************
فى الصباح ذهبت "ياسمين" و "ريهام" مع "كريمه" فى السيارة لشراء بعض الأغراض .. وعند عودتهم توقفت السيارة أمام بيت المزرعة .. أصرت "كريمة" على الفتاتين الدخول معها والجلوس قليلاً .. دخلت الفتاتين .. فرأت "ياسمين" بيت المزرعة لأول مرة .. فالمرة السابقة كانت فى حالة خوف ولم تراه جيداً .. كان بيتاً مريحاً له طابع كلاسيكي .. ولكنه يتميز أيضاَ بالبساطه .. بعث فى نفسها الراحه .. وأحبته .. كما أحبت المزرعة .. رأت على أحد الجدران صوراً معلقة لرجال ونساء .. تضايقت "ياسمين" قليلاً فهى تعلم أن الملائكة لا تدخل بيتاً به صوراً .. وقفت أمام احدى الصورة .. كانت صورة لرجل له هيبه لا تخطئها العين .. كانت شاردة عندما اقتربت منها "كريمه" قائله :
- ده والد زوجى .. جد "عمر" .. كانت روحه فى "عمر" .. هو اللى حببه فى المزرعة وفى الزراعة .. عشان كده "عمر" قرر انه يدخل كلية الزراعة .. وحضر فيها وخد الماجستير والدكتوراه كمان
نظرت اليها "ياسمين" بدهشة .. فهذه هى المرة الأولى التى تسمع فيها تلك المعلومات عن "عمر" .. شعرت بأنها مازالت لا تعرف ذلك الرجل جيداً ..الرجل الذى ستصبح زوجته .. بعد أقل من يومين .. جلس ثلاثتهم يحتسون أقداح من الشاى الساخن ..
جلست "كريمه" بجوار "ياسمين" وابتسمت :
- حبيبتى أنا مبسوطه أوى انك أخيراً قدرتى تاخدى قرارك .. صدقيني "عمر" ابنى مفيش زيه .. مش عشان هو ابنى .. بس بجد عمرك ما هتلاقى حد يخاف عليكي ويبقى حنين عليكي زيه .. أكتر صفة بعشها فى جوزى هى حنيته .. و"عمر" ورث حنية أبوه .. ربنا يسعدكوا انتوا الاتنين لان انتى كمان باين عليكي طيبه وحنينه
ابتسمت "ياسمين" قائله :
- بجد أنا فرحانه ان بينى وبين حضرتك علاقة كويسة .. كنت دايماً بتمنى ان أنا وحماتى نكون متفقين مع بعض
اتسعت ابتسامه "كريمة" قائلاً :
- أنا بأه مش عايزة أكون حماتك .. عايزاكى تعتبريني مكان ماما الله يرحمها .. ينفع ؟
اغروقت عينا "ياسمين" بالدموع ونظرت اليها قائله :
- أكيد طبعاً
- خلاص يبقى من النهاردة انتى و "ريهام" تقولولى يا ماما "كريمه" .. لانى بعتبر "كرم" كمان ابنى
ابتسمت "ريهام" قائله :
- أكيد .. دى حاجة تفرحنى
نظرت اليهما "كريمة" قائلاً :
- أنا كان نفسي أخلف بنات بس ربنا ما أردش .. بعد ما ولدت "عمر" ربنا ما أرادليش الخلفة مرة تانية وأنا اكتفيت بيه وحمدت ربنا على النعمة اللى رزقنى بيها مع انى كان نفسي أخلف كمان بنت .. بس الحمد لله ربنا عوضنى بيكوا انتوا الاتنين
فجأة دخل "عمر" الى المنزل ليجد "ياسمين" و "ريهام" .. اتسعت ابتسامته .. واقترب منها قائلاً :
- ازيك يا "ياسمين" .. ايه النور ده
ابتسمت بخجل قائلاً :
- الحمد لله
ثم نظر الى "ريهام" قائلاً :
- ازيك يا "ريهام" أخبارك ايه
- الحمد لله
قالت "كريمه" :
- مكنوش راضيين يدخلوا .. مع ان خلاص احنا بقينا عيلة واحدة
نظر "عمر" الى "ياسمين" بتحدى قائلاً بإبتسامه :
- هى مش هتقتنع إلا لما القسيمة تبقى فى ايدى .. هانت كلها يومين .. وكل حاجه بعد كدة هتبقى زى ما أنا عايز
صمتت قليلا ثم نظرت اليه قائله :
- شغل سي السيد وأمينه يعنى
انفجر "عمر" ضاحكاً .. ثم نظر اليها قائلاً :
- متخفيش أنا مش ديكتاتور .. لو كنت عايز أأمر ومراتى تنفذ وخلاص .. كنت اتجوزت أى واحدة مكنتش هتفرق .. لكن أنا عايز واحدة تشاركنى حياتى وأشاركها حياتها .. زى الطيارة .. ليها كابتن ومساعد كابتن .. لا ينفع الكابتن من غير المساعد ولا ينفع المساعد من غير الكابتن
ثم نظر اليها بحنان قائلاً بمرح :
- ماشى يا مساعد ؟
قالت بخفوت مطرقه برأسها والابتسامه على ثغرها :
- ماشى يا كابتن
اتسعت ابتسامته .. والتمعت عيناه بنظره حب وشوق .. فهربت بعينيها الى "ريهام" و "كريمة" اللاتان تتابعانهما بإبتسامه صامته .. فشعرت بالخجل .. وقف "عمر" أمامها ليحجب عنها الرؤية .. رفعت نظرها اليه مندهشة فقال لها :
- جهزى نفسك النهاردة انتى و "ريهام" عشان هنروح كلما نجيب شبكتكوا انتو الاتنين .. احنا اتفقنا مع عم "عبد الحميد" .. وان شاء الله كلنا هنروح سوا ..
أومأت برأسها فى خجل .. ظل واقف أمامها يراقب تعبيرات وجهها والحمرة التى تملأه .. ضحكت أمه ونظرت اليه قائله :
- بطل غلاسه هى بتتكسف
قال لأمه فى مرح :
- انا عملت حاجه أنا ببصلها بس
ازداد خجل "ياسمين" .. فقالت أمه :
- "عمر" بجد .. متضايقهاش
نهضت "ياسمين" وتحاشت الاقتراب منه .. وقالت لـ "كريمه" :
- احنا هنمشى بأه عشان ورانا حاجات كتير بنجهزها ..
قامت "ريهام" من فورها .. وقالت "كريمه" مبتسمه :
- خلاص يا حبيبتى أشوفكوا بالليل ان شاء الله
خرجت "ياسمين" و "ريهام" من المنزل .. لحظات وخرج "عمر" ورائها منادياً اياها :
- "ياسمين"
توقفت .. أقبل عليها ووقف أمامها قائلاً :
- استنى عايز أقولك حاجه
ثم نظر لـ "ريهام" قائلاً :
- "ريهام" ممكن ثوانى
ابتعدت "ريهام" قليلاً .. نظرت اليه "ياسمين" بحرج قائله :
- خير ؟
نظر اليها وأخرج من جيبه علبة قطيفة صغيرة .. نظرت اليه بإستغراب .. فتحها لتجد سلسلة صغيرة بها قلادة على شكل قلب وبداخل القلب محفور اسمه "عمر" .. نظر اليها قائلاً بحنان :
- السلسلة دى تلبسيها ومش عايزك تقلعيها أبداً مهما حصل
ثم أخرج ميداليه وأراها القلب الصغير الذى يشبه القلب فى السلسلة لكن القلب الذى معه يحمل اسمها "ياسمين" .. ابتسم لها قائلاً :
- انا كمان مش هشيل القلب ده مهما حصل .. انتى معاكى قلبي وأنا معايا قلبك .. اتفقنا
أومأت برأسها وأخذت منه العلبة .. قبل أن تغادر همس لها بشغف قائلاً :
- كلها يومين وتبقى بتاعتى بجد .. ومعدتيش هتعرفى تهربي مني
صعدت الفتاتان الى غرفتهما .. أخذت "ياسمين" تتفحص القلب مبتسمه .. ثم التفتت الى "ريهام" قائله :
- أنا خايفه يا "ريهام" أوى
- خايفه ليه
قالت "ياسمين" بوجوم :
- خايفه الحب اللى أنا شيفاه من "عمر" ده يتغير بعد الجواز
هتفت "ريهام" :
- يا ستى هتقدرى البلا قبل وقوعه ليه .. ما الراجل لذيذ وزى الفل أهو
قالت "ياسمين" بلهفه :
- أنا مش عايزاه يتغير يا "ريهام"
- ده فى ايدك على فكرة
قالت "ياسمين" بثقه :
- صح معاكى حق .. أنا طول عمرى بقول ان ده فى ايد الزوجة .. هى اللى تقدر تخلى زوجها متعلق بيها .. وبيحبها .. وميقدرش يستغنى عنها
ثم ابتسمت قائله :
- بحبه أوى يا "ريهام" .. ومش قادرة أصدق ان أخيراً الدنيا هتمشى زى ما أنا عايزة
فى المساء ذهب الجميع لاختيار الشبكة .. "عمر" ووالداه .. "كرم" .. "أيمن" .. "سماح" .. "عبد الحميد" .. "ريهام" .. "ياسمين" .. كانت سعادتهم غامرة بتلك المناسبة .. وأكثر من دمعت عيناه فرحاً هو "عبد الحميد" الذى لم يصدق زواج ابنتاه وفى يوم واحد .. من رجلين تتمناهما الكثير من الفتيات .. شعر بأن الله أهداه بهدية كبيرة جداً .. سجد شكراً لله بعد عودته .. وظل يحمده ويشكره على ما أعطاه هو وبناته .. فى اليوم التالى .. وجدت "ياسمين" .. "ولاء" تتصل بها لتخبرها بوجود رجل يسأل عنها فى مكان عملها .. استغربت "ياسمين" بشدة .. قالت "ولاء" :
- راجل كبير فلاح .. من القرية بتاعتنا .. مصر جداً انه يتكلم معاكى .. ولما قولتله اتكلم مع البشمهندس "عمر" اتخض وقالى أبوس ايديكى متجيبيلهوش سيرة .. أنا عايز الست"ياسمين"
قالت "ياسمين" بدهشة :
- عايز ايه ده أنا مش فاهمة
- بقولك معرفش مش راضى يقولى وآعد جوه فى المكتب .. شوفى أقوله ايه أمشيه ولا ايه ؟
صمتت "ياسمين" قليلاً ثم فكرت بصوت عالى :
- يمكن واحد شاف حادثة الخطف بتاعتى وعارف مكان "مصطفى"
ثم قالت :
- استنى يا "ولاء" أنا نازلاله خليه آعد فى المكتب
ارتدت "ياسمين" ملابسها وهى تدعو الله أن يرشدها الرجل الى مكان "مصطفى" الذى مازال هارباً حتى الآن .. دخلت المكتب لتجد رجلاً كما وصفته "ولاء" .. كبير فى السن .. فلاح بسيط .. خرجت من المكتب مرة أخرى وذهبت الى "ولاء" قائله :
- "ولاء" تعالى معايا مش عايزة أعد معاه فى المكتب لوحدى
ذهبت معها "ولاء" دخلت الفتاتان فقالت "ولاء" للرجل :
- هى دى الدكتورة "ياسمين" يا حاج
قام الرجل وهو ينظر الى "ياسمين" بشك ثم قال :
- انتى الدكتورة "ياسمين" اللى هتتجوز البشمهندس "عمر"
قالت "ياسمين" بترقب :
- أيوة أنا
نظر الرجل الى "ولاء" ثم الى "ياسمين" قائلاً :
- عايز أكلمك على انفراد يا ست الدكتورة
قالت "ياسمين" بحزم :
- آسفة .. حضرتك قول اللى عايز تقولهولى .. الدكتورة "ولاء" مش هتمشى
ظهر على الرجل التردد ثم سألها :
- يعني انتى واثقه فيها ؟
تبادلت الفتاتان نظرات الحيرة ثم نظرت اليه "ياسمين" قائله :
- أيوة واثقة فيها .. اتفضل اتكلم .. خير عايزينى فى ايه ؟
صمت الرجل قليلاً ثم قال :
- بصى يا دكتورة .. أنا راجل غلبان وبجرى على أكل عيشي .. وعندى بنات فى سنك كدة .. واللى مرضهوش لبناتى مرضهوش لبنات الناس
كانت "ياسمين" و "ولاء" يستمعان اليه فى اهتمام فأكمل قائلاً :
- الراجل اللى انتى هتتجوزيه ده واحد عايش فى الحرام
بهتت "ياسمين" وفتحت فمها فى دهشة .. كيف يجرؤ هذا الرجل على أن يتحدث عن "عمر" بهذا الشكل .. كانت "ولاء" تنظر اليه بإهتمام وقالت :
- يعني ايه وضح كلامك
تنهد الرجل قائلاً :
- من كام شهر كان فى المزرعة غفير اسمه "عويس" كان شغال هنا هو والجماعه بتوعه
تبادلت "ياسمين" نظرة مع "ولاء" وقد تذكرت تلك الإشاعة التى أخبرتها بها "ولاء" من قبل .. فأكمل الرجل :
- "عويس" والجماعة بتوعه اختفوا ومحدش يعرف هما راحوا فين ولا ايه اللى مشاهم
صمت قليلاً ثم قال :
- بس أنا عارف هما مشوا ليه
كان التوتر قد وصل الى ذروته فى نفس "ياسمين" فقالت له بحده :
- قول اللى انت عايز تقوله مرة واحدة لو سمحت
أكمل الرجل :
- فى يوم وأنا ماشى فى البلد وراجع بيتي متأخر .. اليوم ده فاكره كويس لأنه يوم فرح ابن أخويا فى القرية اللى جمبنا .. قابلت "عويس" واخد فى وشه وطالع يجرى حاولت أوقفه وأنادى عليه لكن مرضيش يقف وفضل يجرى .. مشيت فى طريقي لقيت نار قايده فى بيت مهجور فى القرية .. البيت ده مطرف ومفيش حواليه غير الشجر .. وأنا بيتي قريب منه .. جريت أشوف النار اللى قايده .. لقيت جوه البيت راجل وست .. واقفين على الباب ومش عارفين يخرجوا والنار واكله البيت كله .. لقيت جردل على الأرض فضلت أملاه مايه من الترعة وأحاول أطفى بيها النار اللى ماسكه فى الباب عشان يعرفوا يخرجوا .. الوقت كان متأخر والمنطقة مكنش فيها صريخ ابن يومين .. محدش ساعدهم غيري .. الراجل نط وسط النار اللى قايده فى الباب وشد الست معاه وطلعها .. أول ما الست خرجت عرفتها على طول .. "صفية" مرات "عويس" .. ولما بصيت للراجل عرفته هو كمان
صمت الرجل فسألته "ياسمين" :
- مين الراجل ؟
قال الرجل بتردد :
- البشمهندس "عمر"
نظرت اليه "ياسمين" بدهشة .. تحاول استيعاب ما قال .. صمتت ثم قالت بحده :
- وايه يعني اللي انت بتقوله .. ما يمكن كان هو وهى فى البيت لأى سبب تانى .. و"عويس" كان معاهم .. و"عمر" بعته مشوار .. أى حاجه يعني ليه ظنيت فيهم ظن وحش ؟
قال الرجل بثقه :
- اسمعيني وبعدين احكمى يا دكتورة
أكمل الرجل قائلاً :
- لما عرفت "صفية" قولتلها ايه اللى حصل يا "صفية" وايه اللى ولع فى البيت وليه "عويس" كان بيجرى كأن حد بيجرى وراه .. ساعتها بصتلى "صفية" وهى مرعوبة وقالتى هو "عويس" كان هنا .. قولتلها أيوة شوفته بيجرى وحاولت أوقفه مسمعليش .. لقيتها أعدت على الأرض وفضلت تلطم على وشها وتقول "جوزى عرف انى بخونه وهيفضحنى ويفضح أهلى يبأه هو اللى ولع فى البيت " .. وفضلت تلطم وتندب لحد ما البشمهندس "عمر" قالها "خلاص بطلى عياط عشان نعرف نشوف حل فى المصيبة دى" .. ولقيته بيبصلى ويقولى "اللى حصل ده مش عايز أى حد يسمع عنه كلمه" وخرج فلوس من جيبه وادهالى وأكد عليا انى أستر على اللى حصل ومجبش سيرة لحد عشان الفضايح اللى هتحصل لو حد عرف بالموضوع خاصة ان أهل "صفية" لو عرفوا هيقتلوها ومش هيسبوها .. وجت المطافى بعد ما البشمهندس "عمر" كلمهم وطفوا الحريقة اللى كانت فى البيت وكمان البشمهندس طلب عربية اسعاف لانه مكنش هيعرف يروح المستشفى لوحده كانت ايدي مكسورة والايد التانيه طالتها النار
قفز قلب "ياسمين" من مكانه وهى تتذكر الحرق الموجود على يد "عمر" .. أكمل الرجل :
- يعد ما كل حاجه هديت .. بأت الناس تسأل فين "عويس" و "صفية" .. بس لحد دلوقتى محدش يعرف عنهم حاجه .. وآخر مرة شوفت "صفية" كان لما ركبت عربية الاسعاف مع البشمهندس "عمر" بعد كدة مشفتهاش لا هى ولا جوزها
كانت "ياسمين" تحت تأثير صدمة شديدة لا تعرف كيف تشعر أو ماذا تقول أو ماذا تصدق .. قال الرجل :
- أنا يا بنتى فضلت محافظ على السر ..مش عشان الفلوس اللى خدتها .. لا .. عشان أستر على أهل الوليه دى .. رغم انها بنت تييييييييت ومتستاهلش .. بس لو الكلام انتشر أهلها معدوش هيرفعوا عينهم فى وش حد من البلد .. عشان كدة فضلت ساكت .. لكن لما عرفت انه هيتجوز .. وسمعنا عنك كل خير .. مرضتش أفضل ساكت كده .. لانى زى ما قولتلك يا بنتى عندى بنات فى سنك .. وربنا يستر عليهم وعليكي
قال الرجل قبل أن يغادر :
- ياريت متجبيش لحد سيرة يا بنتى خاصة البشمهندس "عمر" .. أنا عملت فيكي خير ما تقابليهوش انتى بالشر .. أنا مضمنش ممكن يتصرف ازاى معايا لو عرف انى فضحت سره
غادر الرجل .. ليترك "ياسمين" واقفة جامدة .. لا تنطق .. لا تتحرك .. لا تفكر .. لا تشعر .. تقف كالتمثال .. نظرت اليها "ولاء" فى أسى .. لحظات وبدأت العبرات تتجمع في عيني "ياسمين" .. وتتساقط على وجنتيها فى صمت .. جذبتها "ولاء" وأجلستها على الأريكة .. ثم ذهبت وأحضرت كوب ماء وأغلقت الباب عليهما .. قدمته ل "ياسمين" التى شربت منه قليلاً :
نظرت اليها "ولاء" بقلق قائله :
- "ياسمين" .. انتى كويسة
قالت "ياسمين" ودموعها تتساقط وعيينها تتحركان بحيره وألم :
- قوليلى ان الراجل ده بيكدب .. قوليلى انه بيكدب
تنهدت "ولاء" قائله :
- مش عارفه أقولك ايه
نظرت اليها "ياسمين" بألم قائله :
- مش قادرة أصدق ان "عمر" يعمل كده .. مش قادرة أصدق .. بس الراجل ايه مصلحته يكدب عليا
فكرت "ولاء" قليلاً ثم قالت :
- لازم نتأكد من اللى قاله
سألتها "ياسمين" بأسى :
- هو فى تأكيد أكتر من حرق ايده .. ومن الغفير ومراته اللى اختفوا .. فى دليل أكتر من كده
قالت "ولاء" :
- أيوة لازم نتأكد ان هو اللى كان معاها جوه البيت .. مش يمكن واحد تانى والراجل غلط وافتكره "عمر"
قالت "ياسمين" بهلفه :
- أيوة صح .. ممكن ميكنش "عمر" .. أكيد مش "عمر" صح ؟
- الله أعلم يا "ياسمين" .. أنا بقول يمكن الراجل اختلط عليه الأمر .. وشاف واحد شبه "عمر" وافتكره هو
مسحت "ياسمين" دموعها قائله :
- طيب ونتأكد ازاى انه شاف "عمر" فعلاً مش واحد شبهه ؟
فكرت "ولاء" طويلاً ثم قالت :
- الراجل بيقول ان الاسعاف جت خدتهم هما الاتنين صح ؟
أومأت برأسها قائله :
- أيوة صح
أكملت "ولاء" بحماس :
- يبأه أكيد أخدوهم على قسم الطوارئ فى المستشفى .. لو وصلنا لسجلات المستشفى فى اليوم ده هنقدر نعرف اسم الاتنين اللى جم فى حادثة حرق البيت
صمتت "ياسمين" لتفكر فى كلام "ولاء" ثم قالت :
- بس يا "ولاء" احنا ازاى هنعرف الاسعاف أخدتهم على انهى مستشفى ؟ .. المستشفيات كتير
قالت "ولاء" شارحه :
- انتى مش عارفه نظام المستشفيات فى المنصورة .. بصى يا ستى نظام الطوارئ عندنا ماشى بجدول .. يعني معروف يوم السبت فى مستشفى كذا ويوم الأحد فى مستشفى كذا هكذا طول أيام الاسبوع .. والراجل اللى كان هنا من شويه قال انه فاكر اليوم كويس لانه يوم جواز ابن أخوه .. احنا نعرف منه اليوم ونشوف فى الجدول بتاع المستشفيات .. الطوارئ فى اليوم ده كانت فى انهى مستشفى .. وأنا أعرف دكاترة كتير فى مستشفيات كتير فى المنصورة يارب تطلع مستشفى أكون عارفه حد فيها ونقدر نوصل لسجلات الاستقبال فى اليوم ده
قالت "ياسمين" بلهفه :
- بس الراجل مشى هنوصله تانى ازاى
قالت "ولاء" :
- متقلقيش انتى ناسيه ان أنا كمان من نفس البلد الراجل ده انا عارفاه وعارفه بيته
قالت "ياسمين" بإهتمام :
- طالما عارفه بيته يبأه أكيد تعرفى البيت اللى بيتكلم عنه مش كده ؟ .. لأنه قال انه قريب من بيته
أومأت "ولاء" برأسها قائله :
- أيوة عارفه البيت اللى يقصده
قامت "ياسمين" قائله :
- طيب يلا بينا نروح من الراجل نعرف منه تاريخ الحادثة وبالمرة نعدى على البيت ده عايزة أشوفه
خرجت "ولاء" مع "ياسمين" وذهبتا الى منزل الرجل وعرفتا منه تاريخ تلك الواقعة .. صدمت "ياسمين" بعدما رأت المنزل المحترق .. تعرفته .. هو نفس البيت الذى أختطفت فيه .. يا الله .. هل لـ "عمر" علاقة بخطفها .. نفضت تلك الفكرة السخيفه من رأسها .. وأخذت تستغفر ربها حتى لا يتملك الشيطان منها ويسمم أفكارها .. التفتت الى "ولاء" قائله :
- "ولاء" أنا هستنى الأخبار على نار .. بكرة كتب كتابى يا "ولاء" لازم أعرف الحقيقة النهاردة .. أو بكرة بالكتير
طمأنتها "ولاء" قائله :
- متخفيش أنا هنزل حالاً على المنصورة وهتابعك بالتليفون
قالت "ياسمين" بأسى :
- منتظره اتصالك .
عادت "ياسمين" الى المزرعة وهى تشعر بأن الأرض تميد بها .. تهالكت فوق سريرها .. ألقت برأسها على وسادتها .. أغمضت عينيها لتسقط منهما عبره حائرة .. أخذت تدعو الله أن يكون الرجل مخطئاً .. وأنه رآى شخصاً يشبه "عمر" .. دعت الله أن يكون الأمر قد اختلط عليه .. لا يمكن أن تُصدم فى حبيبها .. ثانى رجل يدخل حياتها .. لا يمكن أن تُصدم فيه هو الآخر .. ظلت تفكر فى "عمر" .. أخلاقه .. مواقفه معها .. نعم هو شخص جرئ .. بل جرئ للغاية .. لكن هل من المعقول أن يصل به الأمر لـ ... لم تستطع حتى أن تردد تلك الكلمة حتى مع نفسها .. نفضت تلك الأفكار من رأسها .. قالت لنفسها .. لن أظلمه .. سأنتظر حتى أتأكد .. انا واثقه أن الرجل مخطئ .. الوقت كان ليلاً .. لقد رآى مع المرأة رجلاً آخر غير "عمر" .. قامت وتوضأت وصلت .. وأمسكت مصحفها .. بيد مرتجفة .. وقلب قلق .. أخذت تقرأ فى كتاب الله لعلها تُهدئ من نفسها .. مدت يدها الى رقبتها وأمسكت بيدها القلب .. الذى يحمل اسم "عمر" .. ضمته بقوة بين أصابعها .. ظلت تقرأ فى المصحف بأعين دامعه .. لم تترك القلب لحظة من يدها .. رن الهاتف فردت فى وجل :
- أيوة يا "ولاء"
- أيوة يا "ياسمين"
- وصلتى لحاجه
- أيوة .. عرفت المستشفى اللى كانت فيها الطوارئ يوم الحادثة .. والحمد لله طلعت أعرف 3 دكاترة هناك .. أكيد حد فيهم هيساعدنى .. أنا كلمت واحدة منهم ولسه اتنين
قالت "ياسمين" بلهفه :
- "ولاء" لازم أعرف قبل بكرة
- متقلقيش والله .. أنا بحاول أوصل للورق ده بأقصى سرعة .. متقلقيش لما أوصل لحاجه هكلمك .. بس صعب أوى أوصل لحاجة النهاردة .. بس بكرة الصبح ان شاء الله هرجع تانى على المستشفى وهطمنك متقلقيش
************************
فى صباح اليوم التالى لم تتحمل "ياسمين" التوتر الذى كانت تشعر به .. نزلت تتمشى فى المزرعة .. أما "ريهام" فكانت فى غرفتها ترتب أغراض هذا اليوم .. عندما رن هاتفها .. رقم لا تعرفه ردت قائله :
- السلام عليكم
- وعليكم السلام
عرفت صوته على الفور .. قال "كرم" :
- ازيك يا "ريهام"
قالت بصوت خافت :
- الحمدلله .. جبت رفمى منين
ضحك قائلاً :
- ايه مش عايزانى أعرف رقم مراتى ولا ايه
قالت بخجل :
- لسه مبقتش مراتك .. أنا هقفل .. سلام
قال بلهفه :
- استنى بس .. ما خلاص كلها ساعات ونكتب كتابنا
ابتسمت بخبث قائله :
- لما نبقى نكتبه .. انا هقفل
- طيب يارب صبرنى .. طيب مش هتقوليلى أى كلمة حلوة تصبرنى الكام ساعة دول
ابتسمت قائله :
- أنا هقفل يا "كرم"
- ماشى بس عايز أعرفك انى كلمت باباكى واتفقت معاه اننا بعد ما نكتب الكتاب هنعد نحتفل معاهم شوية وبعدها نخرج نحتفل لوحدنا عشان أعرف استفرد بيكي .. قصدى عشان أعرف اتكلم معاكى .. أتكلم بس .. اوعى تفهميني صح
كتمت "ريهام" ضحكتها بيدها قائله :
- مع السلامه يا "كرم"
**************************
أخذت "ياسمين" تتمشى فى المزرعة .. رن هاتفها أخرجته فى لهفه .. لكنها تضايقت عندما وجدت "ريهام" المتصله :
- السلام عليكم أيوة يا "ريهام"
- وعليكم السلام .. انتى فين يا عروسة ؟
قالت "ياسمين" بتوتر :
- مفيش بتمشى شوية
قالت "ريهام" بحده :
- ده وقت تمشيه .. خلاص الكوافيرة جايه فى الطريق ولازم عند ماما "كريمه" انتى عارفه ان الكوافيرة هتجيلنا عندها
قالت "ياسمين" بنفاذ صبر :
- روحى انتى وأنا هحصلك يا "ريهام"
قالت "ريهام" بقلق :
- فى حاجه يا "ياسمين" ؟ شوفتك مش عاجبنى
- لأ مفيش حاجه .. روحى انتى وأنا هحصلك .. يلا سلام
أغلقت قبل أن تتحدث "ريهام" مرة أخرى .. لحظات ووجدت "ولاء" تتصل بها ..ردت بلهفه :
- أيوة يا "ولاء"
- أيوة يا "ياسمين"
- وصلتى لحاجه
- أيوة .. عرفت المستشفى اللى كانت فيها الطوارئ يوم الحادثة .. والحمد لله طلعت أعرف 3 دكاترة هناك .. أكيد حد فيهم هيساعدنى .. أنا كلمت واحدة منهم ولسه اتنين
قالت "ياسمين" بلهفه :
- "ولاء" لازم أعرف قبل بكرة
- متقلقيش والله .. أنا بحاول أوصل للورق ده بأقصى سرعة .. متقلقيش لما أوصل لحاجه هكلمك .. بس صعب أوى أوصل لحاجة النهاردة .. بس بكرة الصبح ان شاء الله هرجع تانى على المستشفى وهطمنك متقلقيش
************************
فى صباح اليوم التالى لم تتحمل "ياسمين" التوتر الذى كانت تشعر به .. نزلت تتمشى فى المزرعة .. أما "ريهام" فكانت فى غرفتها ترتب أغراض هذا اليوم .. عندما رن هاتفها .. رقم لا تعرفه ردت قائله :
- السلام عليكم
- وعليكم السلام
عرفت صوته على الفور .. قال "كرم" :
- ازيك يا "ريهام"
قالت بصوت خافت :
- الحمدلله .. جبت رفمى منين
ضحك قائلاً :
- ايه مش عايزانى أعرف رقم مراتى ولا ايه
قالت بخجل :
- لسه مبقتش مراتك .. أنا هقفل .. سلام
قال بلهفه :
- استنى بس .. ما خلاص كلها ساعات ونكتب كتابنا
ابتسمت بخبث قائله :
- لما نبقى نكتبه .. انا هقفل
- طيب يارب صبرنى .. طيب مش هتقوليلى أى كلمة حلوة تصبرنى الكام ساعة دول
ابتسمت قائله :
- أنا هقفل يا "كرم"
- ماشى بس عايز أعرفك انى كلمت باباكى واتفقت معاه اننا بعد ما نكتب الكتاب هنعد نحتفل معاهم شوية وبعدها نخرج نحتفل لوحدنا عشان أعرف استفرد بيكي .. قصدى عشان أعرف اتكلم معاكى .. أتكلم بس .. اوعى تفهميني صح
كتمت "ريهام" ضحكتها بيدها قائله :
- مع السلامه يا "كرم"
**************************
أخذت "ياسمين" تتمشى فى المزرعة .. رن هاتفها أخرجته فى لهفه .. لكنها تضايقت عندما وجدت "ريهام" المتصله :
- السلام عليكم أيوة يا "ريهام"
- وعليكم السلام .. انتى فين يا عروسة ؟
قالت "ياسمين" بتوتر :
- مفيش بتمشى شوية
قالت "ريهام" بحده :
- ده وقت تمشيه .. خلاص الكوافيرة جايه فى الطريق ولازم عند ماما "كريمه" انتى عارفه ان الكوافيرة هتجيلنا عندها
قالت "ياسمين" بنفاذ صبر :
- روحى انتى وأنا هحصلك يا "ريهام"
قالت "ريهام" بقلق :
- فى حاجه يا "ياسمين" ؟ شوفتك مش عاجبنى
- لأ مفيش حاجه .. روحى انتى وأنا هحصلك .. يلا سلام
أغلقت قبل أن تتحدث "ريهام" مرة أخرى .. لحظات ووجدت "ولاء" تتصل بها ..ردت بلهفه :
- أيوة يا "ولاء" .. بتصل بيكي موبايلك مقفول
- لا دى شبكة يا "ياسمين" .. أنا على الطريق راجعه على المزرعة
- عملتى ايه فى المستشفى .. وصلتى لحاجه ؟
- استنيني فى المكتب هجيلك على هناك
- طيب طمنينى يا "ولاء"
- عشر دقايق وهكون عندك يا "ياسمين" استنيني فى المكتب
أسرعت "ياسمين" بالذهاب الى مكتب .. جلست على الأريكة فى توتر .. أخرجت السلسة .. نظرت اسم اسم "عمر" المنقوش على القلب .. وحضنته بين أصابعها .. أغمضت عينيها وظلت تدعو ربها .. وتستغفر .. فتحت "ولاء" الباب وأغلقته خلفها .. هبت "ياسمين" واقفه وقالت بلهفه :
- خير طمنيني وصلتى لحاجه
رأت نظرت الأسى فى أعين "ولاء" .. فقالت بحده :
- "ولاء" ردى عليا
تنهدت "ولاء" وأخرجت من حقيبتها ورقتين أعطتهما الى "ياسمين" قائله :
- دى بيانات الحالات اللى استقبلتها المستشفى اللى كان فيها قسم الطوارئ شغال فى اليوم ده
أخذت "ياسمين" الورق بيد مرتجفة .. نظرت الى "ولاء" بأعين دامعه وقالت بصوت مرتجف :
- موجود فيها اسمه ؟ ... موجود اسم "عمر" ؟
نظرت اليها "ولاء" دون أن تجيب .. فتحت "ياسمين" الورق وقرأت بيانات الحالتين الوحيديتين فى هذا اليوم .. "صفية الدمرداش" .. و ... "عمر الألفى" .. سقطت منهارة على الأريكة تنظر الى الورقة غير مصدقة فقالت "ولاء" شارحه :
- تقرير الحالتين هتلاقيهم مكتوب عندك .. جم المستشفى مصابين بحروق .. الست كان فى حروق متفرقه فى ايديها ورجليها وباقى جسمها حروق من الدرجة التانية .. وأعدت اسبوع فى المستشفى وبعدها كتبولها على خروج ..
ثم قالت بتردد :
- الحالة التانية حالة "عمر" وجه معاها فى نفس الحادثة وفى نفس التوقيت واصابته كانت حرق فى ايده اليمين ومشى فى نفس اليوم
تساقطت العبرات من أعين "ياسمين" وهى مازالت ممسكة بالورق فى يدها تنظر اليها بأعين دامعه .. صمتت .. طال صمتها .. ثم قالت :
- يعني "عمر" فعلا اللي كان مع الست دى فى البيت .. والراجل مغلطش .. هو فعلاً اللى كان معاها
ثم نظرت الى "ولاء" قائله :
- يعني "عمر" .. و الست دى .. كانوا .....
لم تستطع اكمال جملتها وانفجرت باكية .. جلست "ولاء" بجوارها وأخذتها فى حضنها وتنهدت قائله :
- حبيبتى احمدى ربنا انك اكتشفتى الموضوع ده قبل كتب الكتاب .. أنا عارفه انه صعب عليكي .. معلش ربنا يصبرك ويبرد نارك
هبت "ياسمين" واقفة وقالت من بين شهقاتها :
- لو سمحتى يا "ولاء" مش عايزة حد يعرف حاجه عن الموضوع ده
وقت "ولاء" قائله :
- أكيد .. متخافيش
خرجت "ياسمين" .. لا تدرى أين تذهب .. كانت تشعر بالإختناق .. وكأن شيئاً يجثم فوق صدرها .. ذهبت الى حيث شجرتها .. جلست على الجذع .. انفجرت فى بكاء مرير لم تستطع السيطرة عليه .. شعرت بأن قلبها هو الذى يبكى .. هو الذى ينزف .. تساقطت عبراتها لتختلط بتراب المزرعة .. تذكرت أول مرة جلست فيها على هذا الجذع .. كانت تشعر الفرحة .. والراحة .. والسكينة .. في هذا المكان .. لكن الآن .. ضاقت الأرض بها .. لم تعد تحتمل البقاء هنا .. لم تعد تشعر بالراحة .. أو السكينة .. بل تشعر بالخيانة .. والغدر .. والألم .. تشعر بأن قلبها قد تمزق أشلاءاً من شدة الألم .. تشعر بأن عقلها قد شُل من كثرة الصدمات التى تعرضت لها .. لماذا يحدث لها ذلك .. لماذا لا تتم لها فرحة .. وكأن الحياة تستكثر عليها فرحتها .. بكت ألمها .. بكت حبها .. الذى فقدته قبل أن تحصل عليه .. تعبت عينيها من كثرة البكاء .. تعب قلبها كثرا وامتلأ ألماً
ناجت ربها .. الى متى يا رب .. الى متى .. لم أعد أستطيع التحمل .. تعبت .. متى سأرتاح .. صبرت الى أن تعب الصبر من صبري .. لا أعترض على قضاءك .. لكنى تعبت .. أشعر بأن نفسي ممزقه لأشلاء .. أشعر بطعنات الألم منغرسه فى كل جوارحى .. لن أتحمل العيش معه .. لن أقبل العيش مع رجل زانى .. هو كمصطفى .. لا فرق بينهما .. كلاهما زانى .. كلاهما ارتكب أكبر الفواحش .. كلاهما ينتهك حرماتك .. كلاهما لا يبالى بغضبك .. كلاهما يعصيك .. ويتباهى بعصيانك .. لن أعيش معه .. حبه فى قلبي انقلب الى كره واحتقار .. لن أقبل العيش مع زانى .. حتى لو كنت أحبـــه .. لأن من خانك يومـاً .. سيخوننى ألـف يــوم .. شعرت بالقشعريرة تسرى فى جسدها عندما تذكرت أنها كانت ستصبح زوجته اليوم .. حمدت الله أن أنجاها منه
رن هاتفها .. كانت "سماح" وصلت الى بيت المزرعة ولم تجدها .. وصفت لها "ياسمين" مكانها عند الشجرة .. أتت "سماح" لتجد صديقتها فى أسوأ حال .. قالت بهلع :
- "ياسمين" .. مالك .. بتعيطى ليه
بدأت "ياسمين" فى البكاء مرة أخرى وألقت نفسها فى حضن صديقتها التى ربتت على ظهرها قائله :
- حبيبتى قوليلى مالك .. ايه اللى حصل .. "مصطفى" كلمك ؟
رفعت "ياسمين" رأسها ونظرت الى "سماح" قائله :
- لأ
قالت "سماح" بلهفه :
- أمال ايه اللى حصل بتعيطي ليه
قالت "ياسمين" من بين شهقاتها :
- "عمر" زنى بواحدة متجوزة
هتفت "سماح" فى عدم تصديق :
- ايه .. بتقولى ايه ؟
قالت "ياسمين" بصوت مرتجف :
- أنا متأكده .. اتأكدت بنفسي .. اتكلمت مع الشاهد الى شافه واتعرف عليه واللى عمر دفعله رشوة عشان ميتكلمش .. وشوفت الدليل بعيني .. مش دليل واحد دول اتنين .. "عمر" زنى بواحدة متجوزة
قصت عليها "ياسمين" كل ما حدث بالتفصيل .. ساد الصمت طويلاً .. ثم قالت "سماح" :
- أنا مكنتش أتوقع كده منه أبداً .. أيوة عارفه ان فى حياته تجاوزات كتير .. وكان فيه حاجات غلط كتير جداً بينه وبين خطيبته .. بس متصورتش انه ممكن يعمل حاجه زى كده
قالت "ياسمين" بمرارة :
- قولتلك قبل كده .. اللى يعمل الغلطة الصغيرة بدون ذرة ندم .. يعمل الغلطة الكبيرة
نظرت اليها "سماح" بأسى قائله :
- هتعملى ايه دلوقتى ؟
قالت "ياسمين" بإحتقار وهى تمسح دموعها بأصابعها :
- هرجعله شبكته .. أنا مش ممكن أتجوز راجل زانى
دمعت عيناها مرة أخرى وهى تقول بألم :
- ده أسوأ من "مصطفى" يا "سماح" .. الست كانت متجوزة .. وهو عارف انها متجوزة
جهشت فى البكاء مرة أخرى .. حاولت "سماح" تهدئتها .. مضى الوقت .. حتى هدأت واستعادت رباطة جأشها .. ثم همت بالانصراف .. قالت لها "سماح" :
- على فين ؟
ردت "ياسمين" بحزم :
- راحة أخلص منه وأمسحه تماماً من حياتى
مشت بسرعة فى طريقها الى بيت المزرعة .. اتصلت بـ "عمر" الذى رد عليها قائلاً بصوت حانى :
- حبيبتى .. كأنك حسه بيا .. كان نفسي أسمع صوتك
قالت بحزم :
- انت فين ؟
ضحك "عمر" قائلاً :
- ايه هنبتدى من أولها .. مش بدرى شويه على السؤال ده .. عامة أنا فى مكتبى اللى فى البيت .. حبيبتى فين بأه ؟
ردت بحدة :
- أنا جيالك
ثم أغلقت .. شعر "عمر" بالقلق .. نهض من مكانه ليستقبلها على الباب .. نظر الى وجهها و عيونها الباكية .. ثم قال بلهفه :
- حبيبتى انتى كنتى بتعيطى
وقفت "ياسمين" تنظر الى عينيه وهى تقول فى نفسها .. ازاى قدرت تخدعنى .. ازاى مكنتش شايفه السواد اللى جواك .. بالظبط زى ما "مصطفى" خدعنى .. ومكنتش قادرة أشوف السواد اللى جواه .. بكرهكوا انتوا الاتنين .. انتوا الاتنين زى بعض .. كرر "عمر" سؤاله بإهتمام :
- حبيبتى .. مالك .. ايه اللى مضايقك
نظرت اليه بحده قائله بصوت هادر :
- أنا آسفة غيرت رأيى .. مش هقدر أتجوزك
نظر اليها بدهشة قائلاًً:
- بتقولى ايه ؟
"ياسمين" بقسوة :
- مش عايزاك
صمت "عمر" وهو يحاول استيعاب ما تقول .. ثم قال :
- بتقولى ايه ؟
"ياسمين" بنفس القسوة :
- بقولك مش عايزاك .. مش عايزاك
"عمر" بحده :
- ليه هو كان لعب عيال .. كتب كتابنا النهاردة
قالت "ياسمين" ببرود :
- مفيش كتب كتاب .. ومفيش جواز
شعر "عمر" بالغضب يزداد بداخله .. فما كان منه إلا أن مسك كلتا ذراعيها وقربها منه بشدة ونظر اليها قائلاً بغضب :
- انتى بتلعبى بيا يا "ياسمين" .. يعني ايه مش عايزاك ؟
حاولت أن تفلت نفسها منه لكنه كان يطبق على ذراعيها بشدة .. حاولت أن تبتعد عنه فلم تستطع .. هتف بحده :
- انطقى يعني ايه اللى انتى بتقوليه ده
قربها منه للغاية .. فتلامس جسدهما .. شهقت "ياسمين" بالبكاء والعبرات الساخنه تتساقط من عينيها ونظرت له قائله :
- عشان أنا وانت مننفعش لبعض .. انت واحد كل حياتك حرام .. كل تصرفاتك حرام .. قربك منى بالشكل ده حرام .. مسكك ليا بالطريقة دى حرام .. لمسك ليا كده حرام .. بس انت واحد ما بيفرقش معاك الحرام
ثم أغمضت عينيها وأخفضت رأسها فى ألم وهى مازالت تبكى .. نظر "عمر" اليها .. يحاول فهم ما تقول .. يحاول استيعاب ما يحدث .. أبعدها عنه قليلاً .. وترك ذراعيها .. فابتعدت عنه ورجعت للخلف بسرعة .. أخذت تمسح بكفيها على ذراعيها وكأنها لا تطيق لمسته .. شعرت اتجاهه بالاحتقار .. شعرت بالقشعريرة من مجرد لمسه اياه .. ولقربها منه.. لكم تتمنى أن تبتعد عنه .. أكبر مسافة ممكنه .. لا تريد أن تراه .. أو تقترب منه بعد اليوم .. تريد أن بتتعد عنه بأقصى سرعة .. بقدر ما أحبته .. بقدر ما سقط من نظرها الآن .. هم "عمر" بالتحدث معها مرة أخرى .. وفجأة قاطعه دخول والده قائلاً :
- الحق يا "عمر" .. عم "عبد الحميد" وقع فجأة وحاولت أفوقه مش راضى يفوق ..
صرخت "ياسمين" :
- بابا
هرع "عمر" ووالده و "ياسمين" الى الخارج حيث "عبد الحميد" ملفى على الأرض .. أخذت "ياسمين" تحاول تحسس نبضه وهى تبكى :
- بابا .. بابا مالك .. بابا رد عليا
حمل "عمر" ووالده .. "عبد الحميد" الى السيارة وركبت معهم "ياسمين" وانطلقوا الى المستشفى .. كانت "ياسمين" منهارة على الكرسى بجوار الغرفة والأطباء يفحصونه فى الداخل .. وقف "عمر" أمامها بأسى :
لا يدرى ماذا حدث لها وكيف انقلبت عليه فى لحظات .. كان يريد أن يأخذها فى حضنه ويخفف عنها ولكنه يعلم بأنها بالتأكيد سترفض ذلك .. خرج الطبيب .. وأنبأهم بأن حالته الصحيه حرجه .. بسبب ارتفاع ضغط الدم لديه .. بالإضافه الى مشاكل فى عضلة القلب .. انهارت "ياسمين" مرة أخرى باكيه وظلت تردد " اللهم اجرنى فى مصيبتى واخلف لى خيراً منها " .. منع الطبيب الزيارة الى أن تستقر حالته الصحية .. بعد قرابة الساعة أتت "ريهام" الى المستشفى بصحبة "كرم" و "أيمن" و "سماح" و "كريمه" .. تعانقت الأختان واختلطت دموعهما .. انتظروا حتى المساء ومازال الطبيب يمنع الزيارة .. عاد الجميع الى منازلهم فيما عدا "ياسمين" و "ريهام" .. وبالطبع "عمر" و "كرم" ..
كانت الفتاتان فى حالة انهيار تام .. حاولت "ياسمين" التماسك من أجل أختها .. لكن خوفها على أبيها ملأ قلبها .. ظل "عمر" يراقبها والألم يعتصر قلبه .. اقتبر منها وجلس بجوارها قائلاً بحنان :
- "ياسمين" هدى نفسك شوية .. ان شاء الله هيبقى كويس
نظرت اليه "ياسمين" بنظرة حادة .. ثم قامت ووقفت بجوار باب غرفة والدها وأسندت رأسها عليه وأغمضت عينيها لتسقط منها عبرة حزينه مكلومه
فى اليوم التالى .. سمح الطبيب بزيارة خفيفة نظراً لخطورة حالته الصحية وعدم استقرارها .. دخلت الفتاتان .. حاولت "ياسمين" تمالك نفسها قدر الإمكان حتى تبث الطمأنينه فى نفس والدها وقفت بجوار سريره مبتسمه بصعوبه ومسحت على رأسه قائلاً :
- بابا حبيبى عامل ايه دلوقتى
قال بصوت أجش :
- الحمد لله .. نعمه وفضل من ربنا
سقطت عبره من عين "ريهام" فنظرت اليها "ياسمين" نظره محذره .. قالت "ريهام" وهى تقف على الجانب الآخر من الفراش :
- حمدالله على سلامتك يا بابا
قالت "ياسمين" وهى تحاول رسم ابتسامه على شفتيها :
- الدكتور طمنا عليك وقالى يومين وهتبقى كويس أوى وهتخرج من هنا على طول
أغمض "عبد الحميد" عينيه للحظة ثم قال بصوت خافت :
- انا حاسس ان خلاص نهايتي قربت
بكت "ياسمين" قائله :
- بابا متقولش كده .. ان شاء الله هتبقى كويس .. أنا و "ريهام" محتاجينك .. بابا أنا محتجاك أوى
نظر اليها قائلاً :
- أنا عايز أطمن عليكوا يا بنتى قبل ما أموت .. ياريت كان حصلى اللى حصل ده بعد كتب كتابك انتى وأختك .. لكن ربنا أكيد له حكمة ان ده يحصل قبل كتب الكتاب .. الحمد لله على كل حال .. انت يارب عارف اللى فيه الصالح
نظرت اليه "ريهام" بأعين دامعة وقالت :
- ان شاء الله يا بابا هتقوملنا بالسلامة .. هو بس شوية تعب وهتبقى كويس
أمسك "عبد الحميد" كف "ياسمين" بيد .. و كف "ريهام" فى يده الأخرى وقال :
- لو فعلاً عايزين تريحوا قلب أبوكوا .. نادولى "عمر" و "كرم" ووافقوا على اللى أنا هقوله ليهم ..
نظرت "ياسمين" و "ريهام" الى بعضهما البعض .. قالت "ياسمين" :
- نوافق على ايه يا بابا؟
قال "عبدالحميد" وهو مازال ممسكاً بكفهما ويجاهد ليخرج صوته المتعب :
- بتحبونى وعايزين تريحوا قلبي ولا لأ
-أكيد يا بابا
- طبعاً يا بابا
نظر الى "ريهام" قائلاً :
- روحى نادى لـ "عمر" و "كرم"
ذهبت "ريهام" وفعلت كما طلب والدها .. ثم عادت الى مكانها ممسكه كف والدها .. وقف "عمر" و "كرم" بجوار "ياسمين" .. نظرت "ياسمين" لتجد "عمر" بجانبها .. شعرت بالقشعريرة تسرى مرة أخرى فى جسدها .. يالله .. لكم تكره قربه منها .. انزوت بجسدها مبتعدة عنه .. وكأنه مرض خبيث تخشى أن يصيبها بلمسه منه .. نظر "عبد الحميد" الى الرجلين قائلاً :
- أنا خلاص .. حاسس ان دى نهايتي .. وكل أملى فى الدنيا دى انى أطمن على بناتى قبل ما أموت .. وأسيب كل واحدة فيهم فى عصمة راجل يحميها ويكون جمبها طول العمر
بكت الفتاتان فى صمت .. قال "كرم" :
- ربنا يديك الصحة يا عم "عبد الحميد" وتعيش وتجوز بناتك
نظر الى "كرم" قائلاً :
- انت شارى بنتى "ريهام" يا بشمهندس "كرم"
نظر "كرم" الى "ريهام" ثم قال فى دهشة :
- طبعاً يا عم "عبد الحميد" انت عندك شك فى كدة
ثم نظر "عبد الحميد اللى "عمر" قائلاً:
- وانت يا بشمهندس "عمر" شارى بنتى "ياسمين" ؟
التفت "عمر" الى "ياسمين" الواقفة بجواره .. صمت .. طال صمته .. ثم قال بصوت خافت :
- أيوة شاريها
قال "عبد الحميد" وهو ينظر الى الأعين المتعلقة به :
- يبقى تجيبوا المأذون وتكتبوا الكتاب دلوقتى حالاً
نظرت اليه "ياسمين" بدهشة قائله :
- بابا حضرتك بتقول ايه
صاحت "ريهام" :
- بابا ازاى يعني .. وحضرتك تعبان كده
سعل "عبد الحميد" بشدة .. أتت الممرضة وطلبت من الجميع الخروج .. شد "عبد الحميد" كفيه على كفى بداته قائلاً بصوت خرج بصعوبة :
- محدش هيخرج من هنا .. وانتوا لو بتحبونى وعايزين تريحوا قلبي هتنفذوا اللى أنا طلبته
التفت الى "عمر" و"كرم" قائلاً :
- قولتوا ايه .. شاريين بناتى ولا لأ
قال "كرم" :
- أكيد طبعاً ومعنديش مانع أبداً انى أكتب الكتاب هنا لو ده هيريحك يا عم "عبد الحميد"
نظر "عبد الحميد" الى "عمر" منتظراً رأيه .. قال "عمر" بثقه :
- وأنا كمان شاريها وشاريها أوى .. ومعنديش مانع انى أكتب عليها هنا .. دلوقتى
وقفت "ياسمين" تتابع ما يحدث وكأنها تمثال .. بدون أن تُظهر أى تعبيرات على وجهها .. بدون أى رد فعل .. ذهبت "ريهام" بصحبة "كرم" و "عمر" لاحضار الأوراق المطلوبة والتى كان قد تم تحضيرها بالفعل .. وقفت "ياسمين" بجوار والدها .. كالتمثال .. عينيها تسبح فى فضاء الغرفة .. شعرت بأنه تفكيرها قد شُل .. ومشاعرها قد تجمدت .. لم تشعر الا بشئ واحد .. كف والدها التى تمسك بيدها فى اصرار .. دخل الطبيب لفحص "عبد الحميد" مرة أخرى .. ثم نظر الى "ياسمين" بشئ من الأسف وخرج من الغرفة .. بعد ساعة حضر الجميع .. تابعت "ياسمين" ما يحدث بأعين لا ترى .. وبأذن لا تسمع .. تشعر بأنها ترى مشهداً مكرراً .. شعرت بأنها عاشت هذا المشهد من قبل .. لكن أين .. ومتى .. وكيف .. أفاقت على كلمة واحدة نطق بها "عمر" :
- قبلتً زواجهــا
عندها تذكرت أين ومتى عاشت هذا المشهد .. انه هو نفس المشهد .. ونفس الإحساس .. ونفس نبضة قلبها الحزينه .. للمــرة الثانيــة .. تتــزوج برجــل لا تريــــده .
بعد ساعتين خرج الطبيب من الغرفة ونظر للجميع بأسف قائلاً : البقـــاء لله.
رواية مزرعة الدموع الفصل السابع 7 - بقلم مني سلامة
الفصل السابع والثلاثون من رواية مزرعة الدموع
خيم الحزن على المزرعــة .. التى أصبحت مرتعاً للأحزان .. افتقدت الفتاتان أباهما بشدة .. ساعد الجميع فى اجراءات الجنازة والدفن .. دُفن فى القاهرة فى المقابر التى دُفنت فيها زوجته .. مرت الأيام على الفتاتان ببطء شديد .. وكأن عقارب الساعة قد أصابها عطل ..فتوقفت أو كادت .. كانت "كريمه" تشفق على حالهما كثيراً .. كانت تزورهما فى غرفتهما .. التى أصرا على المكوث فيها .. وترسل لهما الطعام مع الخادمة كل يوم .. وقف "كرم" بجوار "ريهام" فى محنتها .. كان دائم الإتصال بها والإطمئنان على حالها .. أما "عمر" فلم تتوقف اتصالاته لـ "ياسمين"التى لم تجب على أى منها .. حتى أضطرت الى غلق هاتفها ..
كان "عمر" يشعر بالحيرة .. لماذا انقلبت عليه فجأة .. هل هو التوتر الذى يسبق الزواج .. هل عادت الى مخافها مرة أخرى .. لماذا لا تعطيه وتعطى لنفسها فرصة .. هل تجربتها المريرة ستظل تقف حائلاً بينهما .. كاد أن يجن من كثرة التفكير .. لم يجد حلاً إلا فى التحدث مع والدته .. علها تريح قلبه .. قال "عمر" :
- أنا بس نفسي أعرف ليه هى قالتلى كده .. كلمتها وجعتنى أوى .. عارفه يعني ايه حبيبتى ويم كتب كتابنا تقولى (مش عايزاك) .. وكده بدون أسباب
استمعت أمه الى حديثه كاملاً .. وعن تفاصيل آخر لقاء له مع "ياسمين" صبيحة يوم كتب الكتاب .. ثم قالت فى هدوء :
- بص يا "عمر" .. كتير بنات بتخاف لما الموضوع بيدخل فى الجد .. يعني بتخاف انها تكون اختارت غلط .. بتخاف انها لسه مش عارفه كويس الراجل اللى هى هتبقى مراته .. تعرف آخر مرة كانت "ياسمين" عندنا هنا .. قبل كتب الكتاب بيومين .. جت سيرة الماجستير والدكتوراه بتوعك .. لقيتها مندهشة .. يعني حتى مكنتش تعرف عنك المعلومة البسيطة دى .. هى فعلاً يا "عمر" لسه البنت متعرفش حاجات كتير عنك .. وده أكيد مخوفها .. دى مخاوف أى بنت عادية .. ما بالك بأه بواحدة مطلقة .. وكانت متجوزة واحد أستغفر الله زى طليقها ده راجل معندوش ضمير .. متخيل حجم المخاوف اللي جواها عاملة ازاى .. خاصة ان والدها قال ان طليقها ده مكنش باين عليه كل اللى عمله ده وكان باين عليه واحد محترم وابن ناس .. اللى عايزة أقوله ان رغم انى مش معاها فى انها تهرب زى ما بتهرب دايماً .. ولازم تواجه كل اللى مخاوفها .. بس برده مقدرة ان البنت ممكن تكون مخاوفها سيطرت عليها لدرجة خلت تفكيرها يتشل .. لدرجة خلتها مترددة وبتفكر فى الحاجة ألف مرة .. وكتر التفكير بيفتح مجال للشيطان انه يدخل ويوسوس براحته
تنهد "عمر" قائلاً :
- يعني أنا أعمل ايه دلوقتى ؟
- بص يا حبيبى .. دلوقتى هى بتمر بحالة نفسية صعبة بسبب موت والدها .. وبسبب جوازها المفاجئ بعد ما جتلك وقالتك ان الجواز ملغى .. فكل اللى مطلبو منك هو انك تفضل جمبها فى أزمتها .. وتتحملها لحد ما تخرج منها .. على فكرة يا "عمر" الست بتقدر أوى الراجل اللى يقف جمبها وتحسن انه سند ليها .. الست لما بتلاقى راجل بيحبها وخايف عليها وواقف جمبها حتى وقت الخلاف بينهم لازم غصب عنها تعشق التراب اللى بيمشى عليه .. "ياسمين" خلاص بأت مراتك .. وانت جوزها .. وكمان البنت ملهاش أى حد غير أختها الأصغر منها .. يعني انت كل عيلتها دلوقتى يا "عمر"
أومأ "عمر" برأسه وقد شعر بالراحة للحديث مع أمه .. فقد أجابت على الأسئلة التى كانت تعتمل داخل عقله وقلبه .. قرر أن يقف بجوار حبيبته فى محنتها .. ولن يتخلى عنها أبــداً .
حاول أن يتصل بـ "ياسمين" مرة أخرى .. لكن هاتفها مازال مغلقاً .. فخرج من منزله وتوجه الى غرفتها فى سكن العمال .. طرق الباب .. بعد فترة .. فتحت "ريهام" مرتدية اسدال الصلاة .. نظرت اليه بإستغربا .. فقال لها :
- ازيك يا "ريهام" أخبارك ايه ؟
- كويسه الحمد لله
-"ياسمين" موجودة ؟
أومأت برأسا .. فقال :
- طيب لو سمحتى قوليلها انى عايزها
دخلت "ريهام" .. دقيقتين وخرجت "ياسمين" مرتدية اسدال الصلاة هى الأخرى .. نظر اليها يملى عينيه برؤياها التى حُرم منها لأيام .. كانت ضعيفة ذابله .. دامعة العينين .. رق قلبه لحالها .. اقترب منها قائلاً بحنان :
- حبيبتى انتى كويسه ؟
أومأت برأسها وتحاشت النظر اليه .. رفع يده ليمرر ظهر أصابعه على وجنتها قائلاً :
- أفله تليفونك ليه .. وليه مبترديش عليا
أبعدت وجهها عن أصابعه ..فسحب يده وظل ينظر اليها فى صمت .. وهى مازالت تتحاشا النظر الى وجهه .. طال الصمت بينهما .. نظر اليها قائلاً :
- ماشى هسيبك براحتك .. بس لو سمحتى افتحى تليفونك عشان لما أحب أطمن عليكي .. بدل ما كل شوية تلاقيني جايلك هنا .. أنا سبتك الكام يوم اللى فاتوا برحتك .. بس قدرى انى قلقان عليكي وحابب أسمع صوتك وأطمن عليكي
صمت برهه ثم قال :
- ماشى يا "ياسمين"
أومأت برأسها .. فقال :
- لو احتجتى حاجه كلمينى
غادر "عمر" وعادت الى سريرها تلقى بنفسها عليه .. اعطت "ريهام" ظهرها حتى لا ترى العبرات التى تتساقط من عينيها فى صمت .. سألت دموعها .. لماذا تسقطين يا دموعى .. أبسبب موت أبي .. الرجل الوحيد الذى أثق به فى هذه الدنيا .. أم تسقطين بسبب حالى وما يحدث لى .. كفى يا دموعى عن السقوط .. لم أعد أحتمل حرارتك على وجهى .. ألا تجفين أبداً .. لماذا تذكرينني دائماً بطعمك المالح فى فمى .. أريد أن أنسى طعمك يا دموعى .. لماذا تذكريني بكِ دائماً وتخرجين من عيناى بكل اصرار وكأنك تتحديني .. وكأنك تتعندين أن تؤلميني .. لماذا يا دموعى لا ترحميني ..!
اقتربت منها "ريهام" وجلست بجوارها على الفراش .. التفتت "ياسمين" اليها وجلست .. قالت "ريهام" بأسى :
- وحشنى أوى يا "ياسمين"
اغرورقت عينا "ياسمين" بالدموع قائله :
- وأنا كمان وحشنى أوى
ثم قالت :
- عايزين نعمل صدقة جارية ليه
أومأت "ريهام" برأسها قائله :
- زى ايه ؟
- مش عارفه لسه بفكر .. بس عايزين نعمله أكتر من حاجه عشان ثوابه يكون أكبر
ثم تساقطت عبرة من عينيها وهى تقول بصوت مرتجف :
- الانسان لما بيموت .. الحاجة الوحيدة اللى بيستمر ياخد عليها ثواب هى ان ولاده يدعوله ويعملوله صدقة جاريه .. وعايزين نعمل لماما كمان
أومأت "ريهام" برأسها وأسندتها على كتف أختها قائله :
- ماشى أنا هديكي كل الفلوس اللى أنا محوشاها من مرتبي وانتى شوفى هتعملى بيها ايه
قالت "ياسمين" :
- لأ مش هاخدهم كلهم .. احنا لسه منعرفش احنا هنعيش ازاى .. خلاص كدة معاش بابا الله يرحمه اتقطع عننا لاننا اتجوزنا .. يعني ملناش أى مصدر رزق نعيش منه الا شغلنا هنا .. وأمورنا دلوقتى اتلخبطت
رفعت "ريهام" رأسها ونظرت اليها قائله :
- ايه اللى هيحصل دلوقتى يا "ياسمين" .. أقصد بعد ما كل واحدة فينا اتكتب كتابها .. وبعدين .. ايه اللى هيحصل .. طبعاً الفرح لازم يتأجل .. بس هل هنفضل نشتغل عندهم زى ما احنا .. ولا لأ .. ولو مشتغلناش هنصرف على نفسنا منين
نظرت "ياسمين" الى "ريهام" قائله :
- ربنا موجوده .. مش هيسبنا .. اطمنى يا "ريهام" .. ربنا قادر يبعتلنا الحل لكل مشاكلنا
فتحت "ياسمين" أحد الأدراج بجانبها وأخرجت مصحفاً وفتحته وأسندت ظهرها الى الوسادة خلفها وبدأت فى القراءه .. رجعت "ريهام" بظهرها للخلف وأسندت رأسها على كتف أختها تستمع الى تلاوتهــا .
***************************
فى اليوم التالى .. خرجت "ريهام" من الحمام لتجد أختها ترتدى ملابسها فسألتها :
- انتى خارجه ؟
قالت "ياسمن" شارحه :
- أيوة .. هروح أشوف موضوع الصدقة الجارية اللى اتكلمنا عنه امبارح
- آجى معاكى
- لا يا حبيبتى مفيش داعى خليكي
خرجت "ياسمين" .. توجهت الى الطريق المؤدى للبوابة .. كان "عمر" يقف أمام البوابة يتحدث الى رجل داخل سيارته .. نظر الى "ياسمين" فتجاهلت نظراته .. أنهى "عمر" كلامه مع الرجل الذى انطلق بسيارته خارج المزرعة ثم توجه اليها يقطع طريقها قائلاً :
- "ياسمين" .. راحه فين؟
نظرت اليه .. يالله .. لكم تؤلمنى رؤيته .. وتذكرنى بكل ما أريد نسيانه .. أعاده سؤاله :
- راحه فين يا "ياسمين" .. قالت بهدوء :
- نازله المنصورة
- تعملى ايه فى المنصورة
قالت بشئ من نفاذ الصبر :
- هشترى شوية حاجات
قال وهو يهم بالإنصراف :
- طيب ثوانى هجيب العربية وآجى
قالت بسرعة :
- مفيش داعى .. أنا هروح لوحدى
نظر اليها بحنان قائلاً :
- ازاى يعني أسيب مراتــى تركب فى المواصلات وأنا موجود
خفق قلبه عندما سمعت منه كلمـة (مراتــى) .. تلك الكلمة التى تحاول أن تتناساها .. لكنها واقع .. وأمر مفروغ منه .. لم تعد تستطيع الهــرب .. عاد "عمر" و أحضر سيارته أوقفها أمام "ياسمين" وفتح لها الباب .. شعرت بإحساس غريب .. هو مزيج من خوف وحيرة وتردد .. للمرة الأولى تركب سيارة رجل غريب بمفردها .. ذكرت نفسها .. ليس غريباً يا "ياسمين" .. بل هو زوجــك .. زوجك الذى فُرض عليكِ فرضاً .. زوجك رغــم أنفــك .. اهربي منه فى عقلك كما تريدين .. لكنك لن تستطيعي الهرب من الواقــع أبــداً .
ترددت لحظات فى الركوب .. نظر اليها "عمر" يراقب ملامح التردد على وجهها .. ركبت بجواره .. بجوار زوجهــا .. شعرت بالرهبة .. تنهدت وحاولت السيطرة على خفقات قلبها .. هى حتى لا تعلم مما هى خائفه .. سار "عمر" فى طريقه الى المنصورة .. يلقى نظرة عليها كل فترة .. نظر اليها قائلاً :
- عايزه تروحى فين ؟
صمتت لتفكر .. ثم قالت :
- عايزة أروح أى مكتبة اسلامية
قال بإستغراب :
- مكتبة اسلامية
أومأت برأسها فقال :
- ليه ؟
قالت بهدوء :
- عايزة أشترى مصاحب عشان أحطها فى المسجد اللى فى القرية .. صدقة جارية لبابا وماما الله يرحمهم
شعر "عمر" بحنان جارف تجاهها .. لاحت ابتسامه على شفتيه .. ونظر الى يدها الموضوعة بجانبها على المقعد .. مد يده ليحتضن كفها .. فنزعت يدها بسرعة .. وكتفت ذراعيها أمام صدرها .. تضايق "عمر" .. لكنه أخفى ضيقه .. مراعاة لمشاعرها وللظروف التى تمر بها .. توقف أمام المكتبة .. نزل معها .. وواختارت ما تريد .. وعندما همت بفتح حقيبتها وجدت "عمر" يسبقها ويخرج محفظته .. فقالت بسرعة :
- لأ أنا اللى هدفع
نظر اليها "عمر" نظرة محذرة .. نظرة صارمة .. دون أن يتكلم .. كم اخافتها نظرته فألجمت لسانها .. يا لهاتين العينين .. هما قادرتان على غمرها بالحنان تارة .. وعلى اخافتها تارة أخرى .. دفع "عمر" المبلغ للرجل وحمل المصاحف ووضعها فى صندوق السيارة .. وتوجه الى باب "ياسمين" وفتحه لها .. ركبت "ياسمين" .. وركب "عمر" وانطلق فى طريقه .. ساد الصمت .. قطعته "ياسمين" وهى تخرج .. المال من حقيبتها وتعده .. ثم تعطيه له فى حده قائله بحزم :
- اتفضل
ألقى "عمر" نظرة على المال ثم عليها .. صمت للحظات بدون رد فعل .. ومازالت يدها ممدودة بالمال .. ثــم .. أخذه منها ووضعه بإهمال على تابلوه السيارة .. نظرت أمامها .. قال "عمر" بهدوء لكن بحزم :
- تانى مرة لما أكون معاكى فى مكان .. أوعى تفتحى شنطتك وتحاولى انك تحاسبي .. أنا راجل مش قفص جوافة
قالت "بهدوء :
- الحاجة دى بتاعتى وأنا اللي لازم أدفع تمنها
قال بحزم دون أن ينظر اليها :
- ده يبقى بينى وبينك .. مش أدام الناس
ثم نظر اليها قائلاً :
- اتفقنا ؟
نظر اليه .. تلاقت نظراتهما .. هى تحاول قراءة عينيه وهو يحاول قراءة عينيها .. أومأت برأسها ثم عادت لتنظر أمامها فسألها :
- عايزة تروحى مكان تانى ؟
قالت بتردد :
- لو مش هعطلك .. عايزه أروح أى دار أيتام هنا
فكر "عمر" قليلً ثم قال :
- ماشى
ثم نظر اليها وابتسم ابتسامه عذبه قائلاً :
- حبيبتى تأمر وأنا أنفذ
اختلج قلبها لابتسامته الجذابه .. وكلماته الرقيقة .. فأشاحت بوجهها .. وذكرت نفسها بكل ما علمته عنه .. وبكل ما تكرهه فيــه .
**************************
سمعت "ريهام" طرقات على الباب فقامت لتفتح ظناً منها أنها "ياسمين" .. لكنها وجدت "كرم" أمامها .. ابتسم لها قائلاً :
- وحشتيني جيت أشوفك
ابتسمت "ريهام" بخجل وقالت :
- احنا كنا لسه أفلين مع بعض من شوية
قال فى مرح :
- انتى فاكرة ان صوتك كفاية يعني .. ده أنا لما بتكلم معاكى فى التليفون بحس انك بتوحشيني أكتر
سألها بخفوت :
- "ياسمين" جوه ؟
- لأ .. خرجت راحت المنصورة
ابتسم "كرم" قائلاً :
- كويس
ولدهشتها وجدته يدفعها ويدخل ويغلق الباب .. قالت بدهشة :
- "كرم" انت بتعمل ايه
قال بجديه :
- عايز أتكلم مع مراتى .. ايه فيها حاجه
أشارت الى الباب المغلق قائله :
- بس مش كدة .. مينفعش كده
ضحك قائلاً :
- يا بنتى انتى مراتى
جذبها من ذراعيه ليضمها الى صدره .. فدفعته عنها قائله بخجل :
- انت بتهرج على فكرة
ابتسم قائلاً :
- أموت فيك وانت مكسوف كده .. طيب أنا بس عايز أتكلم معاكى فى موضوع
قالت بتوتر :
- طيب اتكلم بسرعة
نظر اليها بجديه قائلاً :
- حبه جد بأه عشان فى موضوع مهم فعلاً عايز أكلمك فيه
رأت ملامح الجدية على وجهه فشعرت بالقلق وقالت :
- خير ؟
قال "كرم" بجديه :
- أنا خلاص معدش ينفع أستنى هنا أكتر من كده .. الشغل كتير فى القاهرة وفى حاجات لازم أعملها بنفسي .. يعني لازم أرجع القاهرة فى أقرب وقت
صمتت "ريهام" قليلاً لا تدرى ما تقول فأكمل "كرم" :
- لازم تيجي معايا القاهرة يا "ريهام" .. يعني أقصد تعيشي معايا .. تبقى دخله يعني
نظرت اليه وقالت بدهشة :
- انت بتقول ايه يا "كرم" .. ازاى أعمل فرح وأبويا لسه ميت ؟
قال "كرم" بسرعة :
- مش لازم نعمل فرح .. بس أنا مضطر أرجع القاهرة ومش عايز أسيبك هنا .. عايزك معايا يا حبيبتى .. وبعدين انتى ناسية الإمتحانات بتاعتك .. انتى نفسك لازم ترجعى القاهرة عشان امتحاناتك
فكرت "ريهام" بتمعن ثم قالت :
- وازاى أسيب "ياسمين" لوحدها ؟
- "ياسمين" مش لوحدها .. جوزها هنا .. "عمر" .. وكمان طنط "كريمه" هنا
أخذت تفكر .. ثم قالت له فى حيرة :
- مش هقدر أمشى من هنا يا "كرم" إلا بعد ما أطمن ان "ياسمين" هى كمان هتبقى مع "عمر" فى بيته .. ومش هتعد هنا لوحدها
قال "كرم" مطمئناً :
- متقلقيش أنا واثق ان "عمر" هو كمان هيعجل بموضوع الدخله .. عشان الوضع كدة مش مظبوط .. يعني مينفعش تعدوا انتوا الاتنين لوحدكوا .. وفى سكن عمال طالعه نازله .. وكل واحدة متجوزة راجل يسد عين الشمس
نظرت اليه قائله :
- خلاص .. شوف انت "عمر" ناوى على ايه .. بس أنا مش همشى من هنا طول ما "ياسمين" أعده .. مش ممكن هسيب أختى لوحدها .. وفى ظروفنا دى .. احنا خلاص بقينا لوحدنا وملناش الا بعض
اقترب منها "كرم" ومسحها على وجنتها فى حنان قائلاً :
- وأنا روحت فين .. انتى مش لوحدك يا "ريهام" .. أنا معاكى .. ومش عايز تقلقى من حاجه طول ما أنا معاكى
ابتسمت بخجل وقالت :
- عارفه يا "كرم" .. تعرف انت اللى كنت بتصبرنى الأيام اللى فاتت .. كنت بفرح لما كنت بتكلمنى كل شوية وبتطمن عليا .. خلتنى أحس ان مش لوحدى
ابتسم قائلاً :
- طبعاً مش لوحدك
حاولت جذبها من ذرعيها مرة أخرى الى حضنه .. فدفعته عنها بخجل .. تركها قائلاً بمرح :
- ماشى برحتك .. بكرة تبقى فى بيتى يا جميل .. أنا وانت وتالتنا الشيطان
ضحكت "ريهام" وقالت وهى تكتم ضحكاتها :
- "كرم" اطلع بره
ابتسم قائلاً :
- ماشى .. هطلع .. ليك يوم يا جميل
ثم نظر اليها بفرحه قائلاً :
- بس عارفه كويس انى جيت .. على الأقل شوفت ضحكتك الحلوة دى
نظرت اليه بحب وقالت مبتسمه :
- ربنا يخليك ليا يا "كرم"
نظر اليها بحنان .. ثم فتح الباب وقبل أن يخرج .. التفت بسرعة ليطبع قبلة سريعه على وجنتها ثم خرج مسرعاً وهو يضحك .. قالت "ريهام" بغيظ بصوت منخفض :
- ماشى يا "كرم"
*************************
دخلت "ياسمين" الى دار الأيتام بصحبة "عمر" .. توجهوا الى مكتب المديرة وتبرعت "ياسمين" بمبلغ لمساعدة الأطفال .. كصدقة جارية لوالدها ووالدتها رحمهما الله .. كان "عمر" يراقبها بعينين حنونتين وهى تتحدث مع المديرة .. رق قلبه لتلك الفتاة التى أمامه والتى كلما رآها شعر بقلبه كعصفور صغير يرفرف بجناحيه داخل صدره .. شعر بسعادة غريبة تسري فى كيانه كله وهو ينظر اليها والى أفعالها الطيبة .. حانت التفاته منها وتلاقت أعينهما .. كانت نظرته شغوفه حنونه تشى بحب واضح لا يمكن أن تخطئ فى تفسيره .. أشاحت بوجهها فى خجل .. أخذتهم المديرة الى حجرة بعض الأطفال وأخذت تتحدث عن المجهودات التى تبذلها الدار لعلاج أولئك الأطفال الذين فقدوا زويهم .. نظرت "ياسمين" الى الأطفال البريئة التى تلعب فى مرح .. ترقرقت عيناها بالعبرات .. حمدت ربها أن أمد فى عمر أبويها حتى ربوها وكبورها هى و أختها
أما هؤلاء الأطفال المساكين معظم لم يروا زويهم .. وتربوا بدونهم .. وسيكبرون بدونهم .. شعرت بالعبرات تندفع من عينيها كالشلال وهى تنقل بصرها من طفل لآخر وضعت كفها على فمها لتكتم شهقات صغيرة كادت أن تفلت منها .. نظر اليها "عمر" و خفق قلبه .. رفع ذراعه وأحاط كتفيها وقربها منه .. و .. قبل رأسها .. انتبهت "ياسمين" لقربها منه .. فرفعت عينيها الدامعتين اليه فى خجل لتصطدم بنظرة حنان فى عينيه .. ثم تبتعد عنه .. مسحت دموعها .. اقترب "عمر" من أحد الأطفال .. كان طفلاً صغيراً فى الثالثه من عمره .. يمسك لعبة مكونه من جزءين فشل فى تركيبهما فأخذ يبكى .. أمسك "عمر" منه اللعبة وركبها و ابتسم الى الصغير وأعطاه اياها ومسح على شعره .. وقف مرة أخرى بجوار "ياسمين" ينظر للطفل الذى يلعب بلعبته فى مرح .. نظرت اليه "ياسمين" قائله :
- تعرف انك خدت ثواب كبير أوى باللى انت عملته ده
التفت اليها بدهشة قائله :
- عملت ايه ؟
قالت شارحه :
- مسحت على راس طفل يتيم .. اللمسه دى ثوابها كبير
نظر اليها بشغف قائلاً بصوت هامس :
- كويس يعني معايا كنز حسنات .. مش هشيل ايدي من عليه أبداً
احمرت وجنتاها وتحاشت النظر اليه .. قبل انصرافهم توقف "عمر" وأخرج دفتر شيكاته وكتب شيكاً وأعطاه الى مديرة الدار .. لم تعرف "ياسمين" الرقم المكتوب لكنها رأت علامات الفرحة على وجه المرأة ونظرت اليه قائله :
- ربنا يباركلك يا ابنى ويحفظك من كل سوء .. ده أكبر مبلغ حد يتبرع بيه من يوم ما فتحنا الدار ..
أخذت "ياسمين" تنظر اليه وهى تتسائل فى نفسها .. تــُرى أفعل هذا لينال أجــراً .. أم ليفكر عن ذنبـــاً .. التفت "عمر" اليها فوجدها تنظر اليه نظرة غريبه أخفتها سريعاً .. انهوا زيارتهم و ركبوا السيارة .. نظر "عمر" اليها مبتسماً :
- تحبي تروحى فين تانى ؟
- شكراً .. أنا كده خلصت اللى كنت عايزه أعمله .. لو راجع المزرعة وصلنى فى طريقك لو سمحت
رفع حاجبيه بتحدى قائلاً :
- ولو مش راجع ؟
قالت بإرتباك :
- مفيش مشكلة ممكن توصلنى الموقف وأنا هركب عربية توصلنى المزرعة
نظر الى ساعته قائلاً :
- فى الوقت ده .. الساعة 9 .. تركبي عربية لوحدك وتمشى على طريق سفر
ازداد ارتباكها وقالت :
- أنا مش هكون لوحدى فى العربية .. معايا ركاب .. وكمان أنا مضطرة يعني مفيش أدامى حل تانى
أمسك وجهها بكفه وجعلها تلتفت اليه .. اقترب منها لتتلاقا نظراتهما .. قال لها :
- "ياسمين" أنا جوزك .. فاهمة .. جوزك .. متتعمليش معايا كأنى راجل غريب .. انتى دلوقتى مراتى ومسؤله منى .. ياريت تفهمى ده كويس
صمتت .. وأبعدت وجهها عن يده .. اعتدل فى مقعده وانطلق فى طريقه .. توقف أمام احدى المطاعم والتفت اليها قائلاً بإبتسامه :
- أنا جعت .. ممكن ننزل ناكل مع بعض وبعدين نرجع المزرعة
اعتذرت قائله :
- معلش أنا أسفه أنا عايزة أرجع المزرعة عشان سايبه "ريهام" لوحدها
صمت .. وانطلق فى طريقه الى المزرعــة .. أوقف السيارة أمام سكن العمال .. التفتت اليه "ياسمين" قائله :
- ممكن لو سمحت تفتحلى الشنطة عشان آخد المصاحف
قال لها "عمر" :
- لأ خليهم فى العربيه وبكرة هوصلهم بنفسي لمسجد القرية
علمت أنها لو اعترضت لن تجدى منه رجا .. فإستسلمت ونزلت من السيارة .. نزل "عمر" هو الآخر والتف حول السيارة .. نظرت اليه قائله :
- شكراً
همت بالإنصراف فوقف أمامها .. نظر اليها قائلاً :
- على فكرة الوضع ده مش هينفع يستمر كتير
نظرت اليه بعدم فهم .. قائله :
- يعني ايه ؟
قال بهدوء :
- يعني مش هسيب مراتى عايشه لوحدها فى سكن العمال
قالت له بحده :
- أنا مش لوحدى أنا معايا "ريهام"
- "ريهام" هتسافر القاهرة مع جوزها يا "ياسمين"
نظرت اليه بدهشة فأكمل قائلاً :
- "كرم" مضطر يرجع القاهرة عشان الشغل .. وقالى انه عايز مراته معاه
ثم نظر اليها نظرة ذات معنى :
- زى ما أنا عايز مراتى معايا
كانت "ياسمين" تشعر بالغضب يشتغل بداخلها .. غضب وحنق و قلة حيله .. أهذه هى نهاية المطاف .. ستصبح زوجة فعليه لهذا ...... لهذا الزانــى .. ارتجف قلبها عندما ترددت الكلمة بداخلها .. يا لها من كلمة بغيضة مقززه .. لا تحتمل النطق بها .. فكيف ستحتمل من قام بها .. نظرت اليه وقالت بحزم :
- مفيش مشكلة "ريهام" تسافر مع "كرم" وأنا أفضل هنا فى السكن
قال "عمر" بحده :
- قولتلك مش هسيب مراتى عايشة لوحدها فى سكن العمال يا "ياسمين" .. الوضع ده غير مقبول بالنسبه لى .. لازم تعرفى انك دلوقتى مراتى .. وليا حقوق عليكي
شعرت بغصة فى حلقها .. شعرت وكأنها تختنق .. تجمعت العبرات فى عينيها .. صاحت وعيناها تشتعلان غضباً وكرهاً :
- انت ايه معندكش احساس .. على الأقل استنى لحد ما أفوق من صدمتى فى موت أبويا وبعدين ابقى اطلب منى حقوقك
صمت "عمر" .. طال صمته وهو يتطلع اليها .. الى تعبيرات وجهها الغاضبة .. الى الألم والدموع فى عينيها .. ثم اقترب منها .. رجعت الى الخلف محاولة الابتعاد عنه لتصطدم بالسيارة خلفها .. اقترب أكثر وقال بصرامة وقوة :
- انا لما قولت حقوقى .. قصدك حقى فى ان مراتى تكون جمبي .. وتعيش معايا فى نفس البيت .. ما قصدتش غير كده
غزت حمرة الخجل وجهها .. فأكمل "عمر" وفى عينيه نظرة حاده :
- انا مش "مصطفى" يا "ياسمين"
ارتجف قلبها .. أكمل بغضب مكتوم :
- أنا مش حيوان زيه
أخفضت نظرها وقد شعرت بالخجل لأنها أخطأت تفسير كلماته .. زفر "عمر" ليهدئ من نفسه .. نظرت اليه "ياسمين" قائله :
- أنا آسفه
نظر اليها "عمر" قائلاً بهدوء :
- أنا عذرك لأنك لسه معرفتنيش يا "ياسمين" .. بس صدقيني أنا مش ممكن أبداً أعمل حاجه تجرحك
رأيت "ياسمين" الصدق فى عينيه .. وسمعته فى صوته .. ابتسم لها .. ابتسمت له فى خجل .. خفضت بصرها .. لترتطم نظراتها بالحرق على يده .. شعرت بغصه فى حلقها .. رفعت نظرها اليه .. حائرة .. مترددة .. متألمة .. ابتلعت ريقها وقالت بصوت حاولت أن يبدو طبيعياً :
- الحرق اللى فى ايدك ده من ايه ؟
شعر "عمر" بالسعادة .. فهذه هى المرة الأولى التى تسأله عن شئ يخصه .. قال لها :
- شكله مضايقك ؟
قالت بإرتباك :
- لأ .. مش كده .. أنا .. أنا بس بسأل عادى .. من زمان الحرق ده ؟
ظهر الضيق على وجه .. ثم قال :
- لأ مش من زمان أوى .. وموضوع مش حابب أفتكره
خفق قلبها بشدة .. قالت تحاول معرفة اجابه لسؤالها :
- حصل هنا فى المزرعة ؟ .. ولا فى القاهرة ؟
نظرت اليه تراقب تعبيرات وجهه .. نظر اليها ..بدا متردداً .. ثم قال :
- حقيقى يا "ياسمين" مش حابب أتكلم فى الموضوع ده
اقترب منها وأمسك يدها قائلاً :
- خلينا نتكلم عننا أحسن
سحبت "ياسمين" يدها من يده وقالت ببرود :
- أنا اتأخرت على "ريهام" .. بعد اذنك
ثــم غادرت الى غرفتهــا .. استقبلتها "ريهام" قائله :
- عملتى ايه
قالت "ياسمين" وهى شارده :
- كويس
- هو ايه اللى كويس .. عملتى ايه اشتريتي ايه للصدقه بتاعة بابا و ماما
التفتت "ياسمين" اليها وقالت بنفاذ صبر :
- "ريهام" أرجوكى سبيني دلوقتى .. مش قادرة أتكلم فى أى حاجة
دخلت "ياسمين" الحمام ووقفت تنظر الى نفسها فى المرآة .. لماذا تهرب من اجابة سؤالها .. لماذا ظهرت علامات الضيق على وجهه عندما ذكرت ذلك الحرق .. كل الشواهد تؤكد ما توصلت اليه بنفسها .. نعم هو مذنب .. نظرت الى نفهسا بسخريه .. ماذا توقعتى أن يجيبك .. أيقول لكِ لقد أرتكبت جريمة شنعاء وكان جزائي أن أصيبت يدي .. أكنتى تظنين بأنه سيعترف لكِ بماضيه .. هذا الماضى الأسود الذى بنى بينك وبينه آلاف الأسوار العالية .. بالتأكيد سيكذب .. بالتأكيد سينكر .. من يرتكب جريمة بشعة مثل الزنــى .. سيكون الكذب لعبة سهله بالنسبه له .. أغمضت عيناها فى ألم .. انتظرتها "ريهام" حتى خرجت .. ثم قالت :
- "ياسمين" .. "كرم" جالى النهاردة .. وقالى انه مضطر يسافر القاهرة عشان شغله .. و ...
صمتت قليلاً ثم قالت :
- وعايزنى أسافر معاه .. يعني طبعا مش هنعمل فرح عشان بابا الله يرحمه .. بس هو عايز خلاص نتجوز ونعيش مع بعض
صمتت "ياسمين" ولم تجب .. فأكملت "ريهام" :
- أنا قولتله مش هينفع .. إلا بعد ما أطمن على "ياسمين"
قالت "ياسمين" بدهشة :
- تطمنى عليا ازاى يعني
- يعني نشوف "عمر" ناوى على ايه .. هو مكلمكيش فى حاجه
زفرت "ياسمين" بضيق .. ثم قالت :
- "ريهام" ملكيش دعوة بيا .. سافرى مع "كرم" .. وأنا مش صغيرة عشان معرفش أعيش لوحدى
قالت "ريهام" بحزم :
- مستحيل .. مش هسافر مع "كرم" إلا لما انتى تروحى بيتك
قالت "ياسمين" بأسى :
- بيتى ؟
أومأت "ريهام" برأسها قائله :
- أيوة بيتك .. بيت "عمر"
قالت "ياسمين" بضيق وهى تتوجه الى فراشها :
- خلينا نتكلم بكرة يا "ريهام" .. أنا تعبانه دلوقتى وعايزة أنام
قضت "ياسمين" ليلتها والكوابيس تؤرق مضجعها .. أفاقت على احدى كوابيسها تصرخ .. استيقظت "ريهام" على صوتها .. ذهبت وجلست بجوارها لتجد "ياسمين" جالسه تبكى .. قالت "ريهام" بلهفه :
- "ياسمين" ايه اللى حصل .. حلمتى حلم وحش ؟
قالت "ياسمين" من بين شهقاتها :
- مش طيقاه .. مش طايقه أشوفه .. ولا طايقه أسمع صوته .. ولا طايقه انه يلمسنى
قالت "ريهام" بدهشة :
- مين ؟ .. "عمر" .. ؟
- أيوة
- ليه يا "ياسمين" .. ايه اللى حصل بينكوا .. انتوا اتخانقتوا
قالت "ياسمين" بألم :
- من غير ما يحصل حاجه .. أنا مش طايقاه وخلاص
أخذتها "ريهام" فى حضنها لتهدئها .. فى الصباح ذهبت "ريهام" الى مكتب "كرم" .. دخلت وأغلقت الباب خلفها .. قام فوراً واتجه اليها قائلاً بمرح :
- والله وبقينا نقفل الباب
ابتسمت "ريهام" قائله بلؤم :
- لو عايزنى أفتحه معنديش مانع
ابتسم قائلاً :
- لأ خليه مقفول أحسن نستهوى
قالت "ريهام" بجديه :
- "كرم" .. مش هينفع أسافر معاك .. أنا اتكلمت مع "ياسمين" وهى مش حبه تروح بيت "عمر" دلوقتى
قال "كرم" بإستغراب :
- ليه مش حبه
هتفت بحده :
- ايه اللى ليه مش حبه .. مش حبه وخلاص انا ايش عرفنى
قال "كرم" بضيق :
- يعني هسافر لوحدى .. أنا فى بلد ومراتى فى بلد
نظرت اليه "ريهام" بأسف قائله :
- معلش يا "كرم" مش بإيدي ..بس مقدرش أسيب أختى لوحدها
تنهد "كرم" قائلاً :
- خلاص بس مش هنعدوا فى سكن العمال .. هأجر شقة فى المنصورة وتعدوا فيها انتوا الاتنين .. لحد ما نشوف الموضوع هيرسى على ايه
قالت "ريهام" :
- معلش يا "كرم" عارفه انك مضايق .. بس قدر ان دى أختى ومينفعش أسيبها
أومأ "كرم" برأسه قائلاً :
- مقدر يا حبيبتى .. ولا يهمك .. وعامة أنا واثق ان "عمر" مش هيتحمل الوضع ده كتير .. "عمر" غيور جداً ومش هيسيبها عايشة فى المنصورة لوحدها بعد ما بقت مراته
صمت قليلاً ثم قال :
- وامتحاناتك هتعملى فيها ايه
قالت شارحه :
- ما أنا هفضل هنا لحد معاد امتحاناتى .. ويارب ساعتها تكون "ياسمين" فى بيتها .. عشان أعرف أسافر وأنا مطمنه
************************
- انتى بتهرجى يا "ريهام"
قالت "ريهام" بجديه :
- لأ مش بهرج ده اللى حصل واللى اتفقت عليه مع "كرم"
قالت "ياسمين" بغضب :
- يا بنتى وانتى مالك ومالى .. سافرى ما جوزك وعيشي حياتك بأه .. وملكيش دعوة بيا
- ازاى يعني مليش دعوة بيكى .. ما هو انتى لو تريحيني وتقوليلي ليه مش عايزة الدخله دلوقتى كنت ارتحت .. انتى عارفه ان وضعنا صعب .. ومفيش حل غير كده
شعرت "ياسمين" بالإختناق .. أخذت نفساً عميقاً .. بدت متردده .. ثم قالت :
- خلاص
- خلاص ايه ؟
قالت بشئ من الأسى :
- خلاص موافقه .. كدة كدة التأجيل مش هيفيد بحاجه
قالت "ريهام" بقلق :
- نفسي أفهم ايه اللى تاعبك .. ليه مش مبسوطه
اغرورقت عيناها بالدموع وقالت :
- مفيش .. بس لسه ما فوقتش من صدمة وفاة بابا الله يرحمه
قالت "ريهام" بأسى :
- الله يرحمه هو و ماما
- اللهم آميــن
اتفق الجميع على اليوم الموعــود .. ستسافر "ريهام" مع "كرم" .. وتنتقل "ياسمين" الى بيت المزرعة .. وأصرت "كريمه" و "نور" على العودة الى القاهرة مع العروسين .. ليتابع "نور" أعماله التى تراكمت من بعد عطلته الطويلة فى المزرعة .. أتــى اليــوم الموعــود .. كانت "ريهام" تستعد فى غرفتها وتجهز حقائبها عندما سمعت طرقات على الباب .. فتحت لتجد "كرم" .. ابتسم لها فى سعادة قائلاً :
- ممكن الجميل يسمحلى أدخل
ابتسمت وأفسحت لها الطريق .. دهشت عندما وجدته يعطيها باقى ورد كان يخفيها خلف ظهره .. أخذتها منه مبتسمه .. قال لها فى رقه :
- أحلى ورد لأحلى وردة فى المزرعة
ابتسمت "ريهام" فى سعادة .. ولدهشتها وجدتها يحمل حقيبة كبيرة من الأرض كان قد وضعها بجوار الباب .. ثم دخل ووضعها على السرير .. نظرت اليه فى دهشة وهى تغلق الباب .. ثم اقتربت قائله :
- ايه ده
فتح "كرم" سوستة الحقيبة وأخرج منها فستان زفاف فائق الروعة والجمال .. نظرت اليه "ريهام" بإنبهار .. ثم نظرت الى "كرم" قائله :
- ايه ده
ابتسم "كرم" قائلاً :
- احنا اتفقنا ان مفيش فرح .. بس مش معنى كدة ان مفيش فستان فرح
اغرورقت عيناها بدموع السعادة واقتربت لتتلمس الفستان والتطريز فى فرحه .. سألها "كرم" :
- عجبك ؟
قالت بحماس :
- جداً يا "كرم" .. جداً .. شكله حلو أوى
اتسعت ابتسامة "كرم" وهى ينظر الى سعادتها البادية على وجهها .. قالت "ريهام" بلهفة :
- بس خايفة ميطلعش مقاسى
ضحك "كرم" قائلاً :
- لأ متخفيش هيطلع مظبوط عليكي بالمللى
- ازاى يعني .. وانت عرفت مقاسى منين
غمز بعينيه قائلاً :
- استعنت بصديق .. أختك جبتلى فستان من دولابك وخلتهم يعملوا الفستان بنفس المقاسات .. يعني ان شاء الله هيطلع مظبوط عليكي
ترك الفستان على السرير واقترب منها وقبل جبينها قائلاً :
- مبروك عليكي يا أحلى عروسة
ابتسمت "ريهام" فى سعادة
أخرج "كرم" من الحقيبة علبة الشبكة وألبسها اياها قطعة قطعة واستغرق وقتاً طويلاً حتى قالت "ريهام" :
- "كرم" كل ده بتلبسنى السلسلة ؟
- بحب الاتقان يا "ريهام"
ضحكت وهى تنظر اليه قائله :
- مش وقت اتقان يا "كرم" الكوافيرة على وصول
أدارها "كرم" وألبسها دبلتها وألبسته دبلته .. أمسك كفها ورفعها ليقبله قائلاً :
- مبروك يا أحلى عروسة فى الدنيا
ابتسمت بخجل قائله :
- الله يبارك فيك
قال بخبث :
- بقولك ايه متلغى معاد الكوافيرة وتعالى ألبسك السلسلة تانى
دفعته بإتجاه الباب قائله :
- يلا يا "كرم" من غير مطرود
خرج وابتسم لها وأرسل قبله فى الهواء .. فضحكت ولوحت له بيدها ثم أغلقت الباب .. خرجت "ريهام" فى أبهى حله بفستانها الأبيض وحجابها الأبيض .. وقفت "ياسمين" أمامها تنظر اليها قائله :
- انا حسه انى فرحانه أوى .. طالعه زى القمر يا "ريهام" .. ما شاء الله
التفتت اليها "ريهام" :
- حبيبتى يا "ياسمين" .. كان نفسي أوى بابا و ماما يكونوا معانا اليوم ده
كادت العبرات أن تتدافع الى عين "ياسمين" لكنها سيطرت على عواطفها قائله بصوت مرتجف :
- ربنا يجمعنا بيهم فى الجنة
خرجت "ريهام" ونزلت ليستقبلها عريسها .. وهمس لها :
- زى القمـر .. ممكن أبوس
قالت بجدية وهى تنظر للناس حولها :
- لو عملت كدة هتبقى ليلتك مش فايته يا "كرم"
ضحك "كرم" قائلاً :
- لا الطيب أحسن
عانق "كرم" صديقيه يودعهما قائلاً :
- فى أقرب وقت تجولى القاهرة ان شاء الله ونتجمع كلنا مع بعض .. اتفقنا
قالت "عمر" مبتسماً :
- اتفقنا
قال "أيمن" بسعادة :
- ألف مليون مبروك يا "كرم"
عانقت "ياسمين" "ريهام" عناق طويل .. كانت هذه هى المرة الأولى التى تفترق فيه الفتاتان عن بعضهما البعض .. غرورقت عيناهما بالدموع .. قالت "سماح" :
- "ريهام" بطلى عياط بأه
قالت "ريهام" بتأثر :
- هتوحشينى أوى يا "ياسمين" .. وانتى يا "سماح" هتوحشونى أوى
اقتربت منهم "كريمه" قائله :
- حبيبتى متقلقيش كلها فترة صغيرة و "ياسمين" و "عمر" هينزلوا القاهرة ان شاء الله
شعرت "ياسمين" بالإضطراب .. كانت طيلة الأيام الماضية تتجاهل وضعها .. صممت على ألا تفكر فى شئ إلا فى أختها ومستقبلها .. أما الآن فهى مضطرة أن تواجه كل ما كانت تهرب منه .. رحل العروسان وخلفهما سيارة "نور" و "كريمة" .. وعاد "أيمن" و "سماح" أدراجهما فى اتجاه بيتهما .. لتبقى "ياسمين" واقفه مع "عمر" أمام بوابـة المزرعــة
طال الصمت بينهما .. شعرت بالتوتر .. نظر اليها قائلاً :
- متقلقيش .. "كرم" أخويا وصاحبي .. مش هتلاقى أحسن منه لـ "ريهام" .. انا واثق انه بيحبها و هيحافظ عليها
أخطأ "عمر" فى تفسير سبب قلقها وتوترها .. لم تكن "ياسمين" قلقه على "ريهام" بل قلقه على نفسها .. أمسكها "عمر" من ذراعها ونظر اليها بحب قائلاً :
- مش يلا احنا كمان على بيتنا
خفق قلبها لكلمة (بيتنا) .. تساءلت فى نفسها .. تُرى أهو بيتى حقاً .. هل من الممكن أن أعتبره يوماً بيتي .. هل من الممكن يوماً أن أتقبل وضعى كزوجة لهذا الرجل .. قالت بتوتر :
- هروح الأوضة الأول ألم حاجتى فى الشنطة
ابتسم قائلاً :
- تحبي أساعدك
- لأ
- طيب تحبي أبعت معاكى واحدة تساعدك
- لأ .. أنا أصلا حاجتى مش كتير
أسرعت لتهرب من أمامه وعادت الى غرفتها .. أغلقت الباب وجلست على فراشها .. لكم تتمنى أن تستيقظ الآن فتجد أن كل هذا مجرد حلم وسينتهى .. لا .. يكفى هروباً هذا ليس بحلم .. افيقي يا "ياسمين" .. واجهى واقعــك .. جمعت كل أغراضها .. وجلست على فراشها .. لا تعرف ماذا تنتظر .. وماذا تنوى أن تفعل .. اتصلت "سماح" .. ردت "ياسمين" بلهفه :
- "سماح"
- "ياسمين" انتى كويسه
- أيوة كويسة
- شكلك مكنش مظبوط النهاردة
- "سماح" انتى قولتى لـ "أيمن" حاجه
- لأ طبعا انتى حلفتيني ما أقولش
تنهدت "ياسمين" قائله :
- أيوة متقوليش
ثم قالت بأسى :
- "سماح" أنا تعبانه أوى .. ومحتارة أوى .. أنا تعبانه أوى يا "سماح"
قالت "سماح" بحسرة :
- "ياسمين" لو مش عايزة تتجوزيه ......
قاطعتها "ياسمين" بمراراه :
- انا خلاص اتجوزته يا "سماح" .. عايزانى أطلق للمرة التانية .. وبعدين .. هعمل ايه .. هروح فين .. وبعدين أنا خايفه أوى .. لانى عارفه انى لو طلبت الطلاق من غير سبب قوى دى حاجه عقابها كبير أوى عند ربنا .. عقابها ان الجنة تتحرم عليا .. وأنا مش عارفه هل السبب اللى عندى ده كافى انى أطلق ولا لأ .. مش عارفه محتارة وحسه انى ضايعه .. حسه انى حتى مش عارفه أحس .. كل اللى حساه .. ان جوايا ألم وخوف .. أنا مش قادرة أتعامل معاه كزوج .. مش قادره أتخيل ده
صمتت قليلا ثم قالت :
- ساعات بحس انى بحبه .. وبحس انى مطمنة أوى وأنا معاه .. وبحس انى مش عايزة أبعد عنه .. بس لما بفتكر اللى عمله بحس انى مش طايقاه .. بحس انى خايفه منه .. بحس انى قرفانه منه .. بحس انى عايزة أبعد عنه .. حسه انى مش ممكن أبداً هقدر أسامحه .. مش ممكن أبداً أتقبل جوازى من واحد عمل جريمة بشعة كده .. مش ممكن أفضل أحافظ على نفسي طول عمرى عشان فى الآخر أتجوز واحد زانــى .. أنا حسه بحاجتين عكس بعض والحاجتين دول بيدمرونى كل حاجه فيهم بتشدنى نحيتها .. لحد ما حسه انى خلاص بتقطع من جوه
قالت "سماح" :
- احنا محتاجين نعد ما بعض يا "ياسمين" مش هينفع كلام فى التليفون ولازم الموضوع ده نعرف أصله وفصله .. ومحتاجه أسمع منك كل التفاصيل عشان نقدر نفكر مع بعض
قالت "ياسمين" بإستسلام :
- ماشى وأنا فى أقرب وقت هجيلك .. لانى فعلا محتاجه أتكلم معاكى
أغلقت "ياسمين" مع صديقتها وتمددت على سريرها .. تركت لعبراتها العنان .. تلك العبرات التى كانت تحبسهم منذ أيام .. حتى لا تتأثر "ريهام" بها وبحالها .. قالت فى نفسها .. يارب الحاجه الوحيدة اللى مصبرانى .. هى انى عارفه ان كل حاجه فى حياتى هى من اختيارك انت .. يارب انت عالم الخير فين .. وأنا فعلاً محتارة .. يارب ساعدنى .. يارب ريح قلبي .. يارب خرجنى من حيرتى .. وقويني على نفسي .. يارب أنا بحسن الظن بيك .. يارب أنا واثقة انك هتختارلى الخير .. أنا راضية بكل اللى انتى تختاره .. يارب ريح قلبي .. أنا حسه انى ضعيفة أوى .. حسه انى وحيدة أوى .. مليش غيرك يارب ..
لم تشعر بالوقت وهى نائمة ممده على فراشها .. غفلت .. استيقظت على طرقات الباب .. نهضت مفزوعه .. قامت لتفتح .. وجدت "عمر" امامها .. قال لها بحنان :
- كنت واثق انك نمتى .. كان باين عليكي الارهاق النهاردة
حاولت استجماع أفكارها ثم قالت :
- معلش نمت غصب عنى
ابتسم لها قائلاً :
- ولا يهمك يا حبيبتى .. عارف انك عايزة تنامى ..بس مش حابب انك تنامى هنا لوحدك وبيتك على بعد خطوتين منك
شعرت بالإضطراب .. دخل "عمر" دون دعوة وأمسك بحقيبها قائلاً :
- ليكي حاجه تانيه هنا
- لأ
- طيب يلا
نزلت "ياسمين" معه تسير فى اتجاه بيت المزرعة وهى تشعر بأن الشئ الوحيد الذى تتمناه الآن هو .. الهــرب .
دخلت "ريهام" بيتها الجديد .. وقفت تنظر اليه فى بهجة .. التفتت تنظر الى "كرم" .. الى زوجهــا الذى يبتسم لها فى سعادة .. نظرت اليه نظره بثت فيها سعادتها وفرحها وشوقها وخجلها ...
دخلت "ياسمين" الى بيتها الجديد .. البيت الذى دخلته مرات قليله من قبل .. وها هو وقد أصبح بيتها .. استدارت لتنظر الى الرجل الواقف خلفها بعدما أغلق عليهما باب بيتهمــا .. تبــاً لتلك المشاهد التى تتكرر بإستمرار .. نفس المشهد .. نفس الاحساس .. نفس خفقات قلبها المتسارعة .. نفس الحزن .. نفس التوتر .. نفس الرغبة فى الهــرب .. نفس الإحساس بالضيـــاع .. لكن شئ واحد هو المختلف .. نظـراتهـــا .. لم تكن هذه المـرة تنظر الى زوجها بنظرات تحمل الخــوف فقط .. بــل حملت نظراتهــا أيضــاً الكثيــر من الألـــــــم.
.
رواية مزرعة الدموع الفصل الثامن 8 - بقلم مني سلامة
الفصل الثامن والثلاثون من رواية مزرعة الدموع
دخلت "ياسمين" الى بيتها الجديد .. البيت الذى دخلته مرات قليله من قبل .. وها هو وقد أصبح بيتها .. استدارت لتنظر الى الرجل الواقف خلفها بعدما أغلق عليهما باب بيتهمــا .. تبــاً لتلك المشاهد التى تتكرر بإستمرار .. نفس المشهد .. نفس الاحساس .. نفس خفقات قلبها المتسارعة .. نفس الحزن .. نفس التوتر .. نفس الرغبة فى الهــرب .. نفس الإحساس بالضيـــاع .. لكن شئ واحد هو المختلف .. نظـراتهـــا .. لم تكن هذه المـرة تنظر الى زوجها بنظرات تحمل الخــوف فقط .. بــل حملت نظراتهــا أيضــاً الكثيــر من الألـــــــم.
اقترب منها "عمر" ببطء .. كانت تشعر بشعور مختلط .. كانت متوترة .. شاردة .. اقترب منها ووقف أمامها .. ابتسم لها .. لم تبادله الابتسام .. نظرت الى الباب خلفه تود الهرب .. لكنها تعلم ألا مجال للهرب .. كان "عمر" يراقب الانفعالات على وجهها .. ونظرات عينيها الفارغة .. توترها .. اضطرابها .. والأهم حزنهــا .. ابتسم لها قائلاً :
- نورتى بيتك
لم تجب .. بدا عليها التعب والإرهاق .. كانت كعصفور صغير كُسر جناحيه .. فلم يعد يقوى على الطيران .. أمسك يدها بيده فأجفلت .. واضطربت .. صعد بها السلالم وتوقف امام احدى الغرف .. شعرت يقلبها يدق بشدة .. فتح الباب ..لم تدخل ولم تنظر حتى الى الغرفة .. أشاحت بوجهها .. وهى تحاول اخفاء تعبيرات الألم الموجودة على وجهها .. يارب ماذا أفعل .. هل أرضى بالأمر الواقع .. وأنا يتيمة وحيدة ضعيفة .. أم أثور على هذه الزيجة التى أرفضها .. ماذا أفعل .. تأملها "عمر" قائلاً :
- ياه .. كل ده جواكى
نظرت اليه فى دهشة .. مستفهمه عن معنى ما قال .. فقال برقه :
- انتى ليه خايفه منى ؟ .. ايه غيرك من نحيتي ؟ .. نظراتك بقت غريبة .. أكنى جرحتك .. أو هجرحك .. ليه بتبصيلي كده .. ليه مش مبسوطه انك معايا ؟
صمتت "ياسمين" ولم تجب .. فأكمل :
- أنا عارف ان ممكن يكون موت والدك مأثر عليكي .. وكمان عارف انك شوفتى فى حياتك كتير .. بس مش عايزك تخافى طول ما انتى معايا .. لانى بحبك أوى يا "ياسمين" ومش ممكن أسمح لاى حاجه انها تضايقك أو تأذيكي
نظرت اليه .. التمست الصدق فى كلامه .. ليس لديها ذرة شك فى حبه لها .. هى تعلم أنه يحبها .. بل يعشقها .. لكن مشاعرها هى المضطربة .. غير مستقرة .. اقترب منها فجفلت .. أمسك برأسها وقبل جبينها قائلاً :
- يلا ادخلى
شعرت بالخوف .. نظرت الى غرفة النوم فى وجل .. حبست أنفاسها .. اقترب منها مرة أخرى وقبلها فى جبينها وقال بحنان :
- دى أوضتك انتى
رفعت عينيها اليه فى دهشة وقالت :
- أوضتى أنا ؟
ابتسم وأشار الى الغرفة المجاورة قائلاً :
- ودى أوضتى
لم تصدق "ياسمين" ما تسمع .. ماذا يقصد .. أخرجها من حيرتها وهو ينظر الى عينيها المندهشه بحنان وقال :
- أنا مقدر كل اللى انتى فيه .. ومستعد استناكى الوقت اللى تحبيه .. أنا عارف ان جوازنا جه بسرعة بالنسبة لك
نظرت اليه غير مصدقه ما تسمعه .. فقال لها بحنان :
- أنا بحبك جداً يا "ياسمين" .. و قولتلك قبل كده مش ممكن أجبرك على حاجة واضح جداً عليكي انك مش عايزاها
نظرت اليه "ياسمين" وكأنها تتعرف عليه لأول مرة .. ابتسم لها .. فبادلته ابتسامه خجوله .. استغربت .. كيف نجح فى ازاله التوتر بداخلها .. كيف أشعرها بالراحة وبالأمان .. أشار الى الغرفة برأسه قائلاً بحنان :
- يلا ادخلى .. غيري هدومك وانزلى عشان نتعشى سوا
قالت بحرج :
- معلش أنا اسفه بس بجد تعبانه ومحتاجه أنام
قال "عمر" بإهتمام :
- طيب أجبلك الأكل فى اوضتك
قالت بسرعة :
- لأ ..شكراً .. بس أنا بجد جعانه نوم
تأمل "عمر" وجهها المتعب ثم قال بحنان :
- ماشى يا حبيبتى ولا يهمك .. ادخلى نامى .. تصبحى على خير
ثم انحنى ليطبع قبله دافئه على وجنتها التى احمرت من الخجل .. دخلت الغرفة .. كانت غرفة جميلة .. جيدة الأثاث .. لها طابع كلاسيكى كما هو الحال فى الأسفل .. أخذت دشاً وتوضأت وصلت .. وارتدت بيجامتها ثم دخلت الى فراشها واستسلمت للنوم ..
***********************
بعد عدة ساعات من النوم شعرت "ياسمين" بحركة غريبه فتحت عينيها فجأة لتجد "عمر" واقف بجوارها .. شعرت بالفرع .. طمأنها قائلاً :
- متخفيش أنا دخلت بس أطمن عليكي .. لقيتك مش متغطية كويس فعدلت الغطا
نظرت الى الغطاء الملتف حولها جيداً .. همت بالجلوس لكنه أوقفها قائلاً :
- لأ متقوميش .. كملى نوم .. أنا خارج
نظرت الى الساعة بجوارها قائله بصوت ناعس :
- أنا كده كده لازم أصحى عشان باقى نص ساعة على الفجر
نظر اليها بحنان قائلاً :
- مش مهم .. صليه لما تقومى الصبح
رمقته "ياسمين" بنظرة حاده .. وشعرت بإنقباض فى قلبها .. ثم قالت دون أن تنظر اليه :
- لأ هصلى الفجر فى معاده
صمت "عمر" .. ظلت جالسه فى الفراش .. تتمنى انصرافه حتى تستطيع النهوض .. خجلت أن يراها بالبيجاما .. استدار "عمر" وفتح الباب وانصرف ..كانت تشعر بالضيق لهذه البداية الغير موفقه بينهما .. فهى لم تترك صلاة الفجر يوماً .. إلا فى حالات مرضها الشديد .. لكنها ظلت ومنذ نعومة أظافرها معتادة على أداء الصلاة فى وقتها وهذا شأن البيت كله .. وكانت تشعر بالبركة فى يومها عندما تستيقظ وتصلى الفجر وتظل تدعو الله و تقرأ وردها وأذكارها حتى الشروق .. نظرت الى نفسها فى المرآة وابتسمت بسخرية قائله .. وماذا توقعتى غير ذلك منه يا "ياسمين" .. هل توقعتى أن يهتم بالمحافظة على الصلوات فى وقتها !
توضأت وصلت و أنهت أذكارها .. لم ترغب فى النوم مرة أخرى .. وعندما أشرق نور الصباح خرجت الى شرفة غرفتها تستنشق تلك النسمات المنعشه .. كانت غرفتها تطل على الحديقة الخلفيه والتى اقل ما يقال عنها أنها رائعة .. تسلل عبير الأزهار المنعش اليها .. فأغمضت عينيها لتستمتع بتلك الرائحة الخلابه .. سمعت طرقات على باب غرفتها دخلت وفتحت الباب لتجد "عمر" واقفاً أمامها .. ابتسم قائلا :
- لمحت النور من تحت بابك عرفت انك صاحيه وفاتحه البلكونه .. يلا عشان نفطر سوا
همت بالخروج فاعترض طريقها وأشار الى الاسدال الذى ترتديه قائلا :
- هتفطرى كده
نظرت الى الاسدال ثم قالت :
- أنا كنت لابساه لانى كنت واقفه فى البلكونه
ابتسم قائلاً :
- متخفيش أنا ادينك أوضه بتطل على الجنينه اللى ورا ودى محدش بيدخلها مفتاحها معايا
أومأت برأسها .. فقال :
- هستناكى تحت
خلعت اسدالها .. وارتدت عباءة للبيت محتشمة .. جمعت شعرها للخلف .. كانت تشعر بالخجل من رؤياه اياها بدون حجاب .. ثم تذكرت أنه بالفعل رآها هكذا من قبل .. ابتسمت وهى تتذكر حنانه ورقته ولهفته عليها يوم أن خطفت .. هى تعلم جيداً بانه يحبها .. لا تشك لحظة فى ذلك .. فتحت باب الغرفة .. وشعرت وكأنها غريباً يتلمس طريقه فى مكان يجهله .. نزلت الدرج .. وبمجرد أن وصلت لنهايته وجدت "عمر" يخرج من احدى الغرف ثم يمسك يدها ويجذبها .. أجلسها على طاولة الطعام وجلس بجوارها .. نظرت الى كل الطعام المعد بدهشة قائله :
- ايه ده كله
ابتسم قائلاً :
- أول مرة ناكل مع بعض .. وبعدين انتى متعشتيش امبارح
ابتسمت قائله :
- على أساس انى هاكل كل الأكل ده يعني .. أنا أصلا أكلتى ضعيفه أوى
وضع كفه على كفها الموضوع على الطاولة .. فإضطربت .. وسحبت يدها .. لم يعر ذلك انتباها وأكمل مبتسماً :
- لا .. لازم تهتمى بأكلك .. وتبطلى أكل العصافير بتاعك
شرعا فى تناول الطعام .. كانت "ياسمين" تنظر لما حولها تتعرف على المكان .. وقع نظرها على الحرق فى يده .. فأشاحت وجهها عن يده .. حاولت أن تتناسى الأمر لكن هيهات .. لاحظ "عمر" اضطرابها وتوقفها عن الأكل فقال :
- فى حاجه .. الأكل مش عاجبك
قالت بسرعة :
- لأ بالعكس ..
هنا حضرت الخادمة لتضع أمامهم ابريق الماء .. نظرت اليها "ياسمين" من رأسها على أغمص قدميها .. كانت فتاه جميلة ذو ملامح هادئة ترتدى جلباب فلاحى وعصبه على رأسها .. نظرت الى "عمر" مبتسمه وقالت :
- تؤمر بحاجة تانى يا بشمهندس
هز "عمر" رأسه دون أن ينظر اليها وقال :
- لا شكراً
خرجت الخادمة .. وظلت "ياسمين" ساهمه .. نظرت الى "عمر" قائله :
- هى البنت دى بتشتغل هنا ؟
- أيوة
بدا عليها التردد .. كان "عمر" يرد بلامبالاة وكأن الأمر لا يمثل له أى أهمية .. فنظرت اليه وقالت :
- يعني انت وهى عايشين فى البيت ده لوحدكوا ؟
نظر اليها "عمر" وبدا مستغرباً سؤالها ثم قال :
- أيوة
ترددت قليلاً ثم قالت :
- هى جديدة هنا ؟
- لأ شغاله هنا من شهور
- كان فى واحدة شغاله قبلها ؟
بدا شارداً ثم قال بضيق :
- أيوة كان فى قبلها "صفية"
شعرت "ياسمين" بالغضب يتصاعد بداخلها .. وتوقفت عن الأكل .. نظر اليها "عمر" بدهشه قائلاً :
- مالك .. مش بتاكلى ليه
حاولت تمالك أعصابها وقالت بهدوء :
- مفيش شبعت
تفرس فى وجهها .. ثم قال :
- شكلك مضايق .. ايه اللى ضايقك
نظرة اليه نظرة حادة .. ثم قالت وهى تنهض :
- بعد اذنك أنا طالعه أوضتى
تركته .. ودخلت غرفتها .. جلست على السرير وعينيها تشعان بغضب مكتوم .. بحثت عن هاتفها واتصلت بـ "سماح" التى قالت بدهشة :
- فى عروسة تتصل بصحبتها يوم صباحيتها على الصبح كده
قالت "ياسمين" بحده :
- لا أنا عروسة .. ولا دى صبحيتي
قالت "سماح" مستفهمه :
- ايه اللى حصل شديتوا مع بعض
قالت "ياسمين" بحزن :
- أنا كنت واثقة اننا مننفعش لبعض .. كان قلبي حاسس .. احنا عمرنا أبداً ما هنقدر نفهم بعض .. ولا نعيش بإسلوب بعض
- طيب اهدى وفهميني اللى حصل
صمتت "ياسمين" قليلاً .. كادت أن تقص عليها أمر الخادمة التى تبيت ليلها فى نفس البيت مع "عمر" بمفردهما .. وهو لا يرى بأساً فى ذلك .. ويرى الأمر عادى جداً .. لكنها أحجمت وقالت بصوت خافت :
- مش هقدر أحكيلك يا "سماح" .. مهما كان هو جوزى دلوقتى .. ومينفعش اتكلم عنه وحش مع حد
قالت "سماح" :
- خلاص براحتك .. طيب نتكلم فى المشكلة القديمة اللى أنا عارفاها .. موضوع الحريق ومرات الغفير .. انتى حسه بإيه دلوقتى بخصوص الموضوع ده
قالت "ياسمين" بحيرة :
- مش عارفه
قالت "سماح" :
- "ياسمين" ليه متحطيش احتمال ان البنت اللى اسمها "ولاء" دى بتحاول توقع بينك وبين "عمر" عشان تمنع جوازتكوا
قالت "ياسمين" بحيره :
- وهى ايه مصلحتها فى كده .. هتستفاد ايه لما تمنع جوازنا
- تستفاد انها تخرب عليكي يا "ياسمين" .. مش هى كانت بتحب "عمر" .. ممكن أوى تكون غارت منك وعملت الفيلم ده عليكي عشان متتجوزيش حبيبها .. "ياسمين" مش كل الناس طيبة زيك .. فى ناس مؤذية جداً وعايشة على أذية الناس .. زى "مصطفى" .. وزى اللى اسمه "بسطويسي" ده .. وزى "مها" .. مش كل الناس طيبة وتعرف ربنا يا "ياسمين"
صمتت "ياسمين" تفكر قليلاً ثم قالت :
- والورق اللى جابتهولى من المستشفى والراجل اللى شهد
قالت "سماح" :
- سهل أوى لو ليها حد معرفة فى المستشفى تخليه يضربلها الورق أو هى بنفسها تاخد منه ورقة فاضية وتضرب التقرير .. مش هى دكتورة يعني تعرف كويس عن اصابات الحروق .. وتكتب تقرير مية مية وتديهولك على انه التقرير اللى جابته من الاستقبال .. أما بالنسبة للراجل .. ممكن يكون اتلخبط بين "عمر" وبين واحد تانى .. أو هى قالتله انه يقول ان الراجل اللى كان مع مرات الغفير يبقى "عمر" .. لكن "عمر" ملوش علاقة بالموضوع أصلاً
قالت "ياسمين" :
- طيب والحرق اللى فى ايده .. واللى مرضاش يقولى سببه ؟
- ممكن يكون اتحرق من أى حاجه مش شرط نفس الحريقة دى .. يعني ممكن اصلا يكون الحرق ده فى ايده من قبل موضوع حرق البيت .. و"لاء" استغلت الحرق اللى فى ايده عشان تقنعك انه له دور فى حكاية مرات الغفير
فكرت "ياسمين" فى كلام "سماح" قليلاً ثم قالت :
- لازم أتأكد بنفسي
- ازاى ؟
قالت "ياسمين" فجأة :
- متعرفيش محامى كويس هنا ؟
- محامى ؟! .. عايزاه ليه
- تعرفى بس ولا متعرفيش
- أعرف محامية كويسة .. مرات صاحب "أيمن" عرفنى عليها وهى ست كويسة أوى وشاطرة
قالت "ياسمين" بلهفة :
- كويس أوى .. أنا عايزاكى تخلى المحامية دى تحاول توصل للورق اللى فى المستشفى وأنا هديكي اسم المستشفى واليوم اللى حصلت فيه الحريقه .. وهى محامية يعني أكيد لها طرق توصل بيها للورق ده كمستندات أكيد بتحتاجها فى القضايا بتاعتها .. وشوفى أتعابها وأنا هدفعهالها
قالت "سماح" بشك :
- مش عارفه .. طيب ما تواجهى "عمر"
قالت "ياسمين" بيأس وسخرية :
- أواجهه أقوله ايه ؟ .. أقوله انت زنيت بمرات الغفير اللى كان بيشتغل عندك .. وهو طبعاً هيقولى أيوة .. ويخرب بيته بإيده .. ويهد جوازه بنفسه .. وهو عارف وواثق انى لو عرفت حاجه زى كدة مستحيل أكمل معاه !! .. أكيد طبعاً هينكر يا "سماح" .. انتى مشفتيش "مصطفى" لما والدى كان بيواجهه بخيانته .. فضل يحلف بالله انه مظلوم وان البنت بتفترى عليه .. لحد ما بابا قاله على المحادثة اللى شوفتها بينه وبين البنت دى ساعتها مقدرش ينكر .. لان كان فى معايا دليل.. أنا لو روحت واجهت "عمر" وكان فعلاً هو مذنب .. أكيد هينكر .. ومش بعيد يخفى الشاهد زى ما خفى مرات الغفير .. وساعتها عمرى ما هعرف أوصل للحقيقة أبداً .. وهعيش طول عمرى شاكه فيه
قالت "سماح" :
- طيب خلاص هكلم المحامية
- بس خليها تعجل الموضوع يا "سماح" عايزة أعرف فى أقرب وقت الورق اللى نسخته معايا ده حقيقى ولا مزور
- حاضر .. بس أنا واثقة انه مزور
قالت "ياسمين" بلهفه :
- ياريت يا "سماح" .. ياريت يكون مزور
سمعت طرقات على الباب فأنهت الاتصال مع "سماح" .. فتحت لتجد "عمر" .. قال لها بهدوء :
- ممكن أدخل
ترددت .. لكنها أفسحت لها الطريق .. دخل وأغلق الباب خلفه .. جذبها من يدها وأجلسها بجواره على السرير .. شعرت بالتوتر .. رفع وجهها لتنظر اليه ثم قال :
- بصى يا "ياسمين" .. ده أول يوم جواز لينا وعايزين نتفق على حاجات معينه .. عشان لسه أدامنا طريق طويل مع بعض
استمعت له "ياسمين" بكل حواسها .. أكمل :
- انتى فى حاجه ضايقتك واحنا بنفطر .. ولما سألتك اتهربتى .. وطلعتى أوضتك .. اللى عايزين نتفق عليه .. هو ان اللى يضايق من التانى فى حاجه لازم يصارحه بيها .. لكنه لو سكت وكتم فى قلبه الأمور هتتعقد مش هتتصلح .. لازم يكون فى بينا وضوح .. بيوت كتير بتتخرب بسبب كده .. يعني كل واحد شايل من التانى فى نفسه وساكت .. مع انه لو اتكلم ممكن أوى المشكلة تتحل بسهولة
صمت قليلاً ثم قال :
- اتفقنا .. اللى هيضايق من التانى فى حاجه يصارحه بيها على طول ؟
أومأت برأسها .. فسألها :
- ايه اللى ضايقك واحنا بنفطر ؟
طال صمتها وهى تحاول تخير الكلمات المناسبة .. وهو لم يتعجلها .. بل انتظر ردها .. وأخيراً قالت :
-أعادك فى البيت لواحدك مع واحدة حتى لو كانت الخدامة .. مش شايف ان دى حاجه غلط ؟
بدا وكأنه يفكر فى كلامها .. ثم قال :
- أنا معظم اليوم بره البيت .. وهى مبشوفهاش الا وقت ما بتحطلى الأكل .. أو وقت ما بكون عايز أطلب منها حاجه .. البنت دى غلبانه ويتيمه .. وملهاش حد فى البلد وعشان كدة خليتها تعد فى أوضة جمب المطبخ ..
قالت "ياسمين" بهدوء :
- حتى لو كان الوضع زى ما انت بتقول .. مينفعش تعيش معاك فى البيت وانت لوحدك
ابتسم قائلاً :
- خلاص مبقتش لوحدى
لم تبتسم .. فقال بجديه :
- أنا مكنتش شايف الموضوع زى ما انتى شيفاه .. أنا اتعاملت مع الأمر ده بطريقة عمليه .. مش أكتر من كده
ثم اقترب منها وقال بخبث:
- هو حبيبى بيغير عليا ولا ايه ؟
شعرت بالخجل لإقترابه منها فوقفت .. فوقف هو الآخر وقال :
- لو تحبي أمشيها وأجيب بدالها واحدة كبيرة فى السن مفيش مشكلة
نظرت اليه قائله :
- مش عايزة اكون السبب فى قطع عيشها
طمأنها قائلاً :
- مش هتكونى السبب فى قطع عيشها ولا حاجه .. هخليها تشتغل مع البنات اللى بيشتغلوا فى الأرض و أديها أوضة فى سكن العمال
سعدت "ياسمين" لهذا الإقتراح .. وسعدت أكتر لأنه اهتم بما يضايقها .. ابتسمت له .. فقال بمرح :
- أخيراً الدنيا نورت .. كنتى مضلماها عليا على الصبح
قالت بخجل :
- معلش أنا لسه مش متعودة على الوضع الجديد .. وفى حاجات كتير أنا مستغرباها ومش متعودة عليها
اقترب منها وأمسك كتفيها .. لم تبتعد هذه المرة .. نظر الى عينيها بحب قائلاً :
- وأنا نفسي تتعودى بسرعة على وضعك الجديد
أفلتت نفسها من يده فإبتسم .. ثم قال بتحدى :
- طيب لو قولتلك دلوقتى أنا مش حابب الوضع ده وعايزك معايا فى أوضتى وجوزنا يبقى حقيقي هتعملى ايه
قالت "ياسمين" دون تردد ودون أن تنظر اليه :
- انت دلوقتى جوزى وأنا مضطرة أعمل اللى انت عايزه
سألها "عمر" :
- حتى لو كان الى أنا عايزه انتى مش عايزاه ؟
فقالت بجديه :
- أيوة لان انت دلوقتى جنتى ونارى .. والمفروض انى أطيعك طالما مش بتطلب منى حاجة تغضب ربنا
ابتسم يطمئنها قائلاً :
- وأنا مش هعمل حاجه انتى مش عايزاها
ثم قال:
- طيب ممكن ننزل بأه نكمل فطارنا
نزلا معاً وتناولت معه الفطار هذه المرة وهى تشعر بإرتياح أكبر.
بعد الفطار أخذها "عمر" ليريها أرجاء المنزل .. واتفق مع الخادمة أمامها على عملها الجديد .. كانت "ياسمين" سعيدة و هى ترى زوجها يفعل ذلك لإرضائها .. انبهرت بكل شئ فى البيت الكبير .. وحكا لها "عمر" قليلاً عن تاريخ عائلته .. وعن جدوده .. وكيف وصلوا من الحضيض الى القمة .. كانت "ياسمين" مبهورة بما تسمع وأعجبت للغاية بتاريخ كفاح جدوده .. وبدا "عمر" معتزاً بجدوده وهو يتحدث عنهم .. لمست جانباً جديداً فى زوجها .. وفرحت أن الحديث قربها منه خطوة أخرى
دخلت غرفتها تلك الليلة وهى تشعر براحة أكبر من الليلة الماضية .. رأت حقيبتها التى مازالت لم تفرغها موضوعه على الأرض بجوار السرير .. فحملتها ووضعتها على السرير وفتحتها .. أخرجت ملابسها وفتحت الدولاب لتضعه فيه لكنها شهقت فى دهشة .. وجدت فستان عرس أبيض اللون .. مرصع ومطرز .. كان شكله يخطف الأبصار .. تركت ما بيدها وتلمسته كان ناعماً للغاية .. أخرجته من الدولاب ونظرت اليه فى دهشة .. كم حلمت بإرتداء هذا الفستان الذى حرمت نفسها منه فى زواجها الأولى .. لأنها لم تكن تشعر ببهجة العرس .. وضعته مرة أخرى فى الدولاب وأنهت افراغ حقيبتها ثم استسلمت للنوم وابتسامة صغيرة مرسومة على ثغرها
***********************
فى اليوم التالى اتصلت "كريمه" بـ "عمر" الذى استيقظ من نومه على صوت جرس الهاتف قالت :
- مبروك يا حبيبي عليك انت وعروستك
- الله يبارك فيكي يا ماما
- فين "ياسمين" اديهالى أكلمها
توتر قليلا ثم قال :
- هى مش جمبي دلوقتى .. شوية وهخليها تكلمك
- طيب يا حبيبى .. أنا بس كنت عايزة أقولك اعملوا حسابكوا انى هعملكوا حفلة كبيرة هعزم فيها صحابنا وحبايبنا .. شوفوا انتوا المعاد اللى يناسبكوا
قال "عمر" بدهشة :
- حفلة ليه
- ايه اللى حفلة ليه ؟ .. انت تسمع اللى أن بقولك عليه مش كفاية جوزت ابنى الوحيد سكيتي
- خلاص يا ماما زى ما تحبي .. بس مش دلوقتى يعني سبينا شوية كده
- أنا قولت ان انتوا اللى هتحددوا المعاد اللى يناسبكوا .. بس متتأخروش عايزينها بسرعة عشان كل اللى يعرف انك اتجوز يزعل مننا .. ويفتكر اننا عملنا فرح ومعزمنهوش
- حاضر يا ماما هشوف "ياسمين" ونحدد معاد
خرج "عمر" من غرفته واتجه الى غرفة "ياسمين" .. طرق الباب كثيراً ولم تجب .. فتح الباب فلم يجدها فى غرفتها .. نزل لم يجدها فى المنزل .. أخبرته الخادمة الجديدة والتى كانت سيدة فى العقد الخامس من العمر أنها قالت انها تتمشى قليلا فى المزرعة .. صعد "عمر" وارتدى ملابسه وخرج .. علم أنه سيجدها هناك .. عند شجرته .. وكان مصيباً .. رأته فابتسمت .. اقترب منها بإبتسامه قائلاً :
- عرفت انى هلاقيكي هنا
أشارت الى الشجرة قائله :
- دى خلاص بقت شجرتى
قال بمرح :
- نعم ؟ .. دى شجرتى أنا .. شجرتك منين
قالت بمرح ممثال :
- أيوة شجرتى عندك شجر كتير فى المزرعة .. لكن دى حبيتها من أول ما جيت المزرعة ومش بحب أعد الا فى ضلها
جلس بجوارها على الجذع وقال :
- على فكرة بأه أنا اللى زرعت الشجرة دى
قالت بعدم تصديق :
- يا سلام .. بجد؟
- أيوة والله أنا اللى زرعتها .. اتأكدتى بأه انها بتاعتى ؟
قالت بعند مازحه :
- مليش دعوة برده دى شجرتى
- طيب وأنا مستعد أخليكي تشاركيني فيها .. زى ما بتشاركيني حياتى
ابتسمت ونظرت اليه قائله :
- انا شوفت فى دولابي فستان .. فستان فرح
- أيوة ده فستانك ..
ابتسمت قائله :
- وعرفت مقاسي منين ؟
- من فستان "ريهام" اللى اديتيه ل "كرم" .. انتى وأختك نفس الطول ونفس الوزن تقريباً .. لو مش مظبوط عليكى قوليلى وأنا أجيب واحدة تعدلهولك
قالت بصوت خافت :
- ما قستوش
قال بهمس :
- وأنا مشتاق أوى انك تلبسيه وأشوفه عليكي
أكمل هامساً :
- أنا بحبك أوى
تسارعت ضربات قلبها مرة أخرى .. اقترب منها أكثر .. فجأة رن جرس هاتفها ليقطع سحر تلك اللحظة .. نهضت من على الجذع والاحمرار يغزو وجهها وقالت بسرعة دون أن تنظر اليه :
- دى "ريهام" هروح أكلمها من البيت
مشت فى اتجاه المنزل وهى تحاول تنظيم ضربات قلبها .. ردت على أختها :
- "سمسمة" حبيبتى صباح الخير
- صباح النور يا "ريهام"
- ايه أخبارك النهاردة
- تمام الحمد لله
- مال صوتك .. متوترة كدة ليه .. اخانقتوا ولا حاجه
ابتسمت "ياسمين" قائله بصوت مضطرب :
- لأ .. لأ .. متخانقناش .. عادى يعني
ضحكت "ريهام" قائله :
- عيني عليكي بارده
- "ريهام" بطلى
- طيب أنا حبيت أطمن بس مكنتش أعرف انى بتصل فى وقت مش مناسب
"ياسمين" بغضب :
- "ريهام" لو مبطلتيش هقفل
استمرت "ريهام" فى الضحك قائله :
- أنا اللى هقفل أنا مش فضيالك .. يلا سلام
توجهت "ياسمين" الى المطبخ .. لتعد مع الخادمة طعام الغداء .. أرادت أن تطبخ بيدها .. لترى رأسه فى طعامها .. عاد "عمر" ليجدها فى المطبخ نظر اليها بخبث وغمز يعينه .. احمرت وجنتاها مرة أخرى وتجاهلت النظر اليه .. فقال :
- بتعملى ايه
- بحضر الغدا
اقترب منه مبتسماً :
- يعني هتأكليني من ايدك النهاردة
أومأت برأسها مبتسمه .. فابتسمت الخادمة وخرجت من المطبخ .. فنظر اليها "عمر" وهى تغادر ثم التفت الى "ياسمين" قائلاً بمرح :
- ست ذووووق مفيش بعد كده
سألته :
- ليه ؟
طبع قلبه على وجنتها قائلاً :
- عشان سابتنى أستفرد بيكي براحتى فى المطبخ
حاول معانقتها فهربت منه وقالت :
- لو سمحت اطلع بره .. خليني أركز
- هو انا يعني مشتت تركيزك
- أيوة مشتت تركيزى
- طيب هخرج .. ماما هناك وانتى هنا .. وأنا اللي كنت بتريق على بابا لما ماما تطرده من المطبخ .. طلعت مراتى زى أمى
ابتسمت قائله بتحدى :
- بره لو سمحت
قال بلهجة مسرحيه :
- أوامر معاليك يا باشا
خرج .. عادت الخادمة .. فشعرت "ياسمين" بالخجل من نظراتها .. فتمتمت :
- ربنا يخليكوا لبعض .. ويحببكوا فى بعض كمان وكمان
وجدت نفسها تردد بقلبــها : آميــن
*****************************
- يعني ابن أخويا يتجوز وأنا آخر من يعلم
هتفت "ثريا" بتلك العبارة بغضب فقال "نور" يهدئها :
- الموضوع جه بسرعة يا "ثريا" .. ووالد البنت توفى يعنى مكنش ينفع يتعمل فرح
أكملت "ثريا" بغضب وكأنها لم ستتمع اليه :
- يعني عشان هى مطلقة ما يتعملش فرح .. طيب ذنبه ايه "عمر" ودى أول مرة يتجوز فيها .. ذنبه ايه يتجوز من غير فرح
قالت "كريمه" :
- أنا قولتله اننا هنعمله حفلة كبيرة لما يرحعوا ان شاء الله ونعزم الناس كلها
قالت "ثريا" بحده :
- بعد ما دخلوا خلاص هنعمل حفلة .. ما كان من الأول .. ولا الهانم كانت متسربعه على الجواز .. ايه مش قادرة تستنى لما دمعتها على باباها تنشف .. ايه ملها ملهوفة على الجواز كده
قال "نور" بنفاذ صبر :
- يا "ثريا" قولتلك 100 مرة ان "عمر" هو اللى أصر على الدخله وان مراته تبقى فى بيته
ثم نهض قائلاً :
- انا قايم اشوف شغلى عن اذنكوا
كان يعلم بأن الحوار مع أخته وهى غاضبه هو ضرب من العبث .. قالت "ايناس" بحقد :
- بكرة يزهق منها ويعرف انه عمل أكبر غلطه فى حياته .. ويطلقها زى ما اللى قبله طلقها
****************************
أصرت "ياسمين" على أن تعد طاولة الطعام بنفسها .. أنهت اعدادها وطرقت باب المكتب .. كانت تنتظر أن يأذن لها "عمر" بالدخول لكنها وجدته يفتح الباب بنفسه مبتسماً .. ابتسمت له قائلاً :
- السفرة جاهزة
توجها الى غرفة الطعام وجلسا معاً .. نظرت اليه لتراقب تعبيات وجهه .. نظر بسعادة الى كل ما أعدته وقال بدهشة :
- انتى ساعدتى فى كل الأكل ده
قالت بمرح :
- قصدك هى اللى ساعدتنى
نظر اليها بإعجاب قائلاً :
- ده طلعت مراتى شاطرة أوى و أنا معرفش .. أنا قولت أخرك صنية المكرونة بالبشاميل
ضحكت قائله :
- آه اللى خدتها من بيت صاحبك وانت نازل
ضحك قائلاً :
- على فكرة ماما كلت منها معايا وعجبتها جداً ..رغم ان ماما مبيعجبهاش بسهوله أكل حد
ابتسمت بسعادة وقالت :
- كويس يعني ماما "كريمه" عجبها أكلى
قال وقد تذكر فجأة:
- صحيح كلمتك النهاردة وسألت عنك .. بس كنت لسه صاحى من النوم وقولتلها انك هتكلميها
- خلاص بعد الغدا هكلمها ان شاء الله
قال "عمر" بلهفه :
- طيب يلا لانى واقع من الجوع وريحة الأكل فتحت نفسى على الآخر
راقبته "ياسمين" بسعادة وهو يأكل من طعامها بنهم ويشيد به
استيقظت "ياسمين" فى اليوم التالى قبل أذان الفجر كالعادة .. توضأت وصلت قيام وانتظرت الفجر .. وقفت فى الشرفه .. تراقب الحديقة فى الليل .. ابتسمت وهى تتذكر مداعبات "عمر" ومرحه معها .. بعد الفطار جلسا يحتسيان الشاى فى الشرفة .. كانت "ياسمين" شارده فسألها "عمر" :
- بتفكرى فى ايه
انتبهت من شرودها على سؤاله فقالت بتأثر :
- "ريهام" وحشتنى أوى .. طول عمرنا واحنا مع بعض وعمرنا ما افترقنا أبداً
راقب "عمر"تعبيرات وجهها الحزينه ثم قال فجأة :
- تحبي نروح لـ "سماح" و "أيمن" النهاردة
نظرت اليه فى دهشة غير مصدقه وقالت :
- بجد ؟ .. ينفع نروحلهم النهاردة
ابتسم وقرب كرسيه منها قائلاً :
- أيوة طبعا ينفع .. أنا عارف ان "سماح" هى أقرب صاحبه ليكي .. وانك بتعتبريها زى "ريهام" أختك .. أكيد لما تشوفيها هتخفف عنك شويه بعد "ريهام"
نظرت اليه "ياسمين" بنظرة امتنان وسعادة ممزوجة بـ .. الحـــب .. بادلها نظرتها قائلاً بلهفه :
- لو كنت أعرف ان اقتراحى هيخليكي تبصيلى كده .. كنت اقترحته عليكي من زمان
انتبهت "ياسمين" فأشاحت بوجهها بخجل .. فقال "عمر" مؤنباً نفسه بمرح :
- ياريتنى مكنتش اتكلمت .. أهو دايماً كده أقطع اللحظة الحلوة بالكلام اللى ملوش لازمه ده
نظرت اليه ضاحكة .. كانت تشعر بأنها استطاعت فى اليومين الماضيين أن تقترب منه أكثر .. وتتآلف معه أكثر .. وهذا الأمر أسعدها للغاية .. كانت تشعر بالراحة والسكينة وهى معه .. كان قلبها يخفق بجنون كلما اقترب منها .. نظرت اليه وهو يتحدث الى هاتفه وهى تبتسم بسعادة وتشعر بان قلبها سار ينبض بحبه
ارتدت ملابسها وخرجت مع "عمر" .. وتوجها الى بيت "أيمن" و "سماح" .. توقف بالسيارة أما البيت وقبل أن تنزل أمسك يدها قائلاً :
- "ياسمين" .. مش عايزين نطول أوى .. ماشى .. عشان حابب نخرج سوا ونتعشى بره
ابتسمت له وأومأت برأسها .. جلست الفتاتان فى غرفة أغلقت "سماح" الباب ثم نظرت لعلامات السعادة على وجه صديقتها وقالت بسعاده :
- ايه اللى أنا شيفاه ده .. عيني عليكي بارده
ضحكت "ياسمين" قائله :
- انتى هتعملى زى "ريهام"
ابتسمت "سماح" .. ثم اختفت ابتسامتها وكأنها تذكرت شيئاً .. قالت "ياسمين" :
- ايه مالك ؟
قالت "سماح" محاولة الاتباسم مرة أخرى :
- لأ مفيش حاجة
قالت "ياسمين" بقلق :
- النونو كويس ؟
مسحت "سماح" على بطنها وابتسمت قائله :
- اها كويس الحمد لله
- امال مالك .. وشك اتغير فجأة
بدا على "سماح" بعض التردد ثم قالت :
- لأ متاخديش فى بالك
تفرست "ياسمين" فى صديقتها ثم قالت :
- "سماح" أنا عارفاكى كويس أوى .. فى حاجه انتى مخبياها عنى
تنهدت "سماح" وقالت :
- يا بنتى متوهميش نفسك .. أنا بس حسيت بالتعب شوية
قالت "ياسمين" فجأة :
- كلمتى المحامية
نظرت "سماح" الى صديقتها وصمتت .. حثتها "ياسمين" قائله :
- "سماح" ردى عليا .. كلمتى المحامية صحبتك
قالت "سماح" بإستسلام :
- أيوة
- ووصلت لحاجة ؟
بدا عليها التردد مرة أخرى ثم قالت :
- أيوة
قالت "ياسمين" بحده :
- "سماح" قوليلى بلاش تعب الأعصاب ده
قامت "سماح" وخرجت .. ثم عادت بورقتين وأعطتهم لـ "ياسمين" .. نظرت "ياسمين" الى الورق فى يدها .. هو نفسه الورق الذى أعطتها "ولاء" نسخه منه
قالت "سماح" :
- قالتلى ان الورق موجود فعلا فى ملفات المستشفى وجبتلى النسخة دى .. وكمان ورق متابعة الحالتين شافته بنفسها
كانت "ياسمين" تنظر الى الورق بأعين متجمده .. أكملت "سماح" بأسى :
- أنا كنت ناويه اتصل بيكي وأقولك على الله وصلتله .. بس لما شوفتك داخله عليا فرحانه وباين عليكي انك مبسوطه اترددت أقولك
نظرت اليها "ياسمين" وهى تغالب دموعها قائله :
- ليه اترددتى تقوليلى ..
نظرت "ياسمين" الى الورق الذى بيدها .. وقد تجمعت الدموع بعينيها وقالت بصوت مرتجف :
- الورق ده ميثبتش حاجه .. يعني .. عادى .. "عمر" كان ماشى .. ولقى الحريقه .. وحاول يساعد الست انها تخرج .. والراجل شافه وافتكره كان معاها فى البيت .. لكن "عمر" ملوش دعوة بالبيت ده .. وملوش دعوة بالقصة دى
ثم اكملت بلحماس وبشفتين مرتجفتين :
- "عمر" بيحب يساعد الناس ..انتى ناسيه اللى عمله مع العامل اللى ايده اتحشرت فى الماكنة .. هو على طول بيحب يساعد الناس .. هو حاول يساعدها .. بس مش أكتر من كده
ثم نظرت الى "سماح" بعينين دامعتين قائله :
- صح ؟
نظرت "سماح" الى نظرة الرجاء فى عين صديقتها والتى ترجوها الى موافقتها على كلامها حتى لو بالكذب .. ورغم الشك الذى كان يساور "سماح" الى أنها استجابت للرجاء فى أعين صديقتها الدامعه وقالت :
- صح .. أكيد الموضوع زى ما انتى قولتى
أومأت "ياسمين" برأسها وهى تحاول أن تغالب دموعها ونظرت الى الورق ثم مزقته .. ثم نظرت الى صديقتها قائله بحزم :
- خلاص الموضوع ده اتقفل ومش هيتفتح تانى
- ماشى
حاولت "سماح" التحدث فى أمور مختلفة مع "ياسمين" التى جاهدت بدورها للإندماج مع "سماح" وتناسى الموضوع تماماً
خرجت "ياسمين" مع "عمر" وركبا السيارة .. نظر اليها يراقب انفعالاتها قائلاً :
- حبيبتى فى حاجه ضايقتك
رسمت ابتسامة على شفتيها ونظرت ايه قائله :
- لا أبداً
- كنت فاكرك هتكونى مبسوطة لما تشوفى "سماح"
- أنا فعلاً مبسوطة .. مبسوطة أوى
ابتسم قائلاً :
- حبيبتى تحب تروح فين ؟
قالت مبتسمة :
- انا معرفش أماكن فى المنصورة .. ومخرجتش فيها قبل كده .. يدوبك باجى لـ "سماح" بس
أوقف "عمر" سيارته على النيل ونزل الإثنان معاً ينعمان بنسمات الليل المنعشة .. ابتسمت "ياسمين" تراقب القمر فوقهما .. شعرت بالخجل عندما ارتطمت بنظرات "عمر" المتفحصة وقالت :
- انت على طول بتبصلى كده
- أيوة وهفضل أبصلك كده
قالت بمرح :
- عادى كل الرجالة بتقول كدة فى الأول وبعد فترة من الجواز بيتحولوا للنسخة المصريه المعتمده للزوج المصري
ضحك "عمر" حتى دمعت عيناه وقال :
- والله ده فى ايد حضرتك .. لو متحولتيش للنسخة المصريه المعتمده للزوجة المصرية فأنا أكيد مش هتحول
ابتسمت قائله :
- قصدك ايه بأه يا بشمهندس بالنسخة المعتمدة للزوجة المصرية
قال بمرح :
- قصدى بأه انك تتحولى لكائن هلامى غير معلوم تفاصيله وتضاريسه بوضوح
ضحكت "ياسمين" بشدة فأكمل قائلاً :
- وأفتح باب البيت ألاقى بتصرخي صرخة طرزان وبتجرى ورا الولاد
ازدادت ضحكاتها فأكمل :
- والكبيرة بأه ألاقيكي ناسيه اسمى وبتندهيلى وتقوليلى بابا زى ما الولاد هيقولولى .. ساعتها هروح شايلك انتى وهما و ........
نظرت اليه بتحدى .. فإبتسم وأشار لقلبه قائلاً :
- وأحطكوا جوه قلبي
قالت متظاهره بالجديه :
- خلاص وأنا موافقة .. أنا مش هتحول مقابل ان انت كمان متتحولش
اقترب بوجهه منها بشدة قائلاً :
- اتفقنا
ذهبا معاً لتناول الطعام فى أحد المطاعم الهادئة المطلة على النيل .. كانت "ياسمين" تشعر بسعادة بالغة وهى جالسه بجوار زوجها .. ترك هاتفه و ميدالية مفاتيحه على الطاولة وذهب الى حمام .. أمسكت الميداليه وتفحصتها .. ابتسمت عندما وجدت القلب الذى يحمل اسمها .. نظرت حولها وأعادت الميداليه مكانها بسرعة قبل أن يعود .. عاد "عمر" ليجدها مبتسمه و احد الرجال على الطاولة المجاورة ينظر اليها .. شعر بغيرة شديده .. تابعته "ياسمين" بدهشة وهو يذهب ويقف أمام الرجل قائلاً :
- فى حاجه ؟
التفت الرجل اليه قائلاً :
- فى ايه حضرتك
ارتفع صوت "عمر" قليلا وقال بغضب :
- أصلك بتبص لمراتى أوى .. فحبيت أعرف يعنى فى حاجه ؟
شعر الرجل بالحرج وقال :
- انا مبصتلهاش
كانت أعين "عمر" تشعان غضباً ورمق الرجل بنظره صارمة ثم توجه الى طاولتهم وجذب "ياسمين" من يدها وجلسوا على طاولة أخرى بعيدة عن هذا الرجل .. طال الصمت بينهما .. ثم فتح "عمر" المنيو قائلاً بهدوء :
- تحبي تاكلى ايه
نظرت اليه تحاول معرفة ما يفكر فيه .. وجدت نفسها تقول بتلقائيه :
- أنا مبصتهلوش على فكرة .. ومكنتش واخده بالى انه بيبصلى أصلاً
نظر "عمر" اليها لتتلاقى نظراتهما .. مرت لحظات .. ثم أمسك كفيها بين كفيه قائلاً بهدوء :
- هو انا قولت انك بصتيله
قالت شارحه :
- لأ بس أنا خفت تكون افتكرت كده
ابتسم قائلاً :
- "ياسمين" انا عارف كويس أنا متجوز مين
زاد من ضغط كفيه على كفها فابتسمت له فى خجل وقد أسعدها ثقته بها .. طلبا الطعام .. ظلا يتحدثان معاً .. حتى أخذهم الحديث حول قضية الاختطاف .. قال "عمر" بضيق :
- مش هرتاح إلا لما يمسكوه
أكدت "ياسمين" قائله :
- أكيد هيمسكوه ان شاء الله
ثم قالت بقلق :
- بس خايفة ميقدروش يثبتوا التهمة عليهم
قال "عمر" بثقه :
- لأ هيقدروا يثبتوها ان شاء الله .. وأصلاً هما أغبية جداً كانوا مكممينك ومغميين عينيكى على أساس متتعرفيش عليهم .. لكن كانوا بيتعاملوا من غير جوانتى .. يعني بصماتهم ماليه البيت
قالت "ياسمين" وهى تفكر :
- بس مش ممكن يوصلوا للبيت ده ويمسحوا بصماتهم
قال "عمر" شارحاً :
- البويس رفع البصمات خلاص .. يعنى حتى لو مسحوها هى خلاص اتثبتت فى المحضر .. وكمان البيت أنا أفلته كويس وغيرت الباب لباب حديد يعني محدش يقدر يدخله
انتبهت "ياسمين" لكلماته وقالت بإستغراب :
- ازاى يعني غيرت الباب وأفلت البيت .. وصحاب البيت لما يرجعوا أكيد هيعملولك مشاكل عشان غيرت باب بيتهم
قال "عمر" وهو يكمل طعامه :
- لأ محدش هيعملى مشاكل
بلعت ريقها وقالت بقلق :
- ازاى تضمن انهم مش هيعملولك مشاكل
صمت قليلاً .. وبدا وكأنه يفكر .. ثم نظر اليها ليفجر قنبلة فى وجهها :
- لأن انا صاحب البيت
شعرت بقلبها وقد توقف عن الخفقان .. وبرئتها وقد شلت على الحركة .. لحظات .. ثم عادت أجهزتها للعمل مرة أخرى لكن بصورة جنونيه .. قالت بصوت حاولت أن يبدو طبيعياً :
- يعني البيت ده بتاعك ؟ .. ملكك ؟
رد بهدوء وهو يبدو شارداً :
- أيوة ملكى .. بس مبروحوش كتير .. روحته كام مرة بس
راقبت وجهه لترى عليه تعبيرات غريبة كمن يتذكر شيئاً يضايقه .. ثم هذ رأسه وكأنه يحاول نفض تلك الذكرى من رأسه .. استأذنت لتذهب الى الحمام .. دخلت الى الحمام وهى ترتعش .. وقفت أمام المرآه تنظر الى وجهها المضطرب .. ونظراتها الشاردة المتوترة .. بيته .. ملكه .. هو صاحب البيت .. البيت الذى زنت فيه زوجة الغفير مع رجل .. ظنت أن "عمر" ليس له علاقة بالبيت وما حدث فيه .. لكنه صاحب البيت .. ومالكه .. لماذا يشترى رجلاً مثله مثل هذا البيت الموجود على أطراف القرية والذى لا يحتوى إلا على فراش ودولاب وبضع الأوانى البسيطة .. ماذا يفعل رجلاً مثله فى هذا البيت الذى قال انه زاره مرات .. لم يذهب اليه الا لسبب واحد .. لكى يلتقى فيه بعشيقته بعيداً عن أعين زوجها .. وبعيداً عن أعين الخدم .. لكم تمنت أن يكون برئياً .. لكم حاولت تناسى تلك الحادثة وتجاهلها وكأنها شيئاً لم يكن .. لكنه أثبت لها .. أنه هو نفسه الرجل الذى زنى بزوجة الغفير فى هذا البيت المحترق .. نظرت الى نفسها فى المرآه لتقسط من عينيهــا دمعــة حزينــة .. يعقبها شلالاً من الدمـــوع الصامتـــة .
رواية مزرعة الدموع الفصل التاسع 9 - بقلم مني سلامة
الفصل التاسع والثلاثون من رواية مزرعة الدموع
- أيوة ملكى .. بس مبروحوش كتير .. روحته كام مرة بس
راقبت وجهه لترى عليه تعبيرات غريبة كمن يتذكر شيئاً يضايقه .. ثم هذ رأسه وكأنه يحاول نفض تلك الذكرى من رأسه .. استأذنت لتذهب الى الحمام .. دخلت الى الحمام وهى ترتعش .. وقفت أمام المرآه تنظر الى وجهها المضطرب .. ونظراتها الشاردة المتوترة .. بيته .. ملكه .. هو صاحب البيت .. البيت الذى زنت فيه زوجة الغفير مع رجل .. ظنت أن "عمر" ليس له علاقة بالبيت وما حدث فيه .. لكنه صاحب البيت .. ومالكه .. لماذا يشترى رجلاً مثله مثل هذا البيت الموجود على أطراف القرية والذى لا يحتوى إلا على فراش ودولاب وبضع الأوانى البسيطة ..
ماذا يفعل رجلاً مثله فى هذا البيت الذى قال انه زاره مرات .. لم يذهب اليه الا لسبب واحد .. لكى يلتقى فيه بعشيقته بعيداً عن أعين زوجها .. وبعيداً عن أعين الخدم .. لكم تمنت أن يكون برئياً .. لكم حاولت تناسى تلك الحادثة وتجاهلها وكأنها شيئاً لم يكن .. لكنه أثبت لها .. أنه هو نفسه الرجل الذى زنى بزوجة الغفير فى هذا البيت المحترق .. نظرت الى نفسها فى المرآه لتقسط من عينيهــا دمعــة حزينــة .. يعقبها شلالاً من الدمـــوع الصامتـــة
شعرت "ياسمين" وكأن الدنيا قد توقفت من حولها ولا يوجد سوى تلك الحقيقة المره .. وقفت تنظر فى المرآه وهى متألمه مجروحه حائرة لا تدرى ماذا تفعل .. وكيف تتصرف .. أتواجهه .. أتسامحه .. أتبتعد عنه .. لا تدرى ماذا ستفعل .. ليست واثقه من أى شئ .. الشئ الوحيد الذى تثق به .. هو أن زوجها الجالس فى الخارج أجرم فى حقه نفسه وفى حقها وفى حق ربه بجريمة بشعة للغايه .. كفكفت دموعها وغسلت وجهها وعادت الى الطاوله .. تفرس فيها "عمر" .. ثم قال بإهتمام :
- مالك يا "ياسمين"
قالت بصوت مبحوح :
- مفيش
قال بحزم :
- لأ فى .. انتى كنتى بتعيطى صح ؟
لم تستطع التأكيد أو الانكار .. صمتت .. أمسك يدها بين يديه الاثنين واقترب منها قائلاً :
- حبيبتى ادعيله ربنا يرحمه هو وماما
نظرت اليه .. ليتك تعلم سبب دموعى يا "عمر" .. ليس أبي سببها .. بل أنت .. أنت من قهرنى وجرحنى .. قالت "ياسمين" وقد بدا عليها الضيق :
- معلش ممكن نمشى .. عايزة أروح
ركبا السيارة .. وظلت صامته طوال الطريق .. و"عمر" لم يحاول مضايقتها بالحديث .. لكنه ظل يلتفت اليها .. ويتفرس فيها وفى تعبيرات وجهها الحزين .. وصلا الى البيت صعدا معاّ .. توقفا أمام باب غرفتها .. اقترب منها "عمر" وقبل جبينها ثم قال :
- تصبحى على خير يا حبيبتى .. لو مجالكيش نوم واحتجتى تتكلمى أنا سهران فى المكتب
دخلت "ياسمين" غرفتها وألقت بنفسها على الفراش بملابسها وانفجرت فى بكاء صامت .. بكاء يبكى فيه قلبها قبل عينيها ..لم تدرى كم جلست تبكى .. لكنها لم تتوقف الا عندما لم يعد لديها القدرة على البكاء .. قامت بتثاقل وتوضأت وصلت .. بكت كثيراً فى سجودها وهى تتضرع الى الله عز وجل أن ينير لها طريقها .. ويلهمها حسن التصرف .. أنهت صلاتها وجلست على فراشها تفكر .. هى الآن تشعر بأن "عمر" بالفعل مذنب بهذا الجرم .. وأنه أخطأ مع تلك المرأة .. وترى "ياسمين" الآن انه ليس لديها الا طريقين اثنين لا ثالث لهما .. ويجب عليها أن تختار أحدهما .. الطريق الأول هو أن تواجهه ثم تنفصل عنه وتبتعد عنه تماماً .. الطريق الثاني أن تخفى ما عرفته .. وتسامحه .. وتغفر له ما فعل .. لكن السؤال الآن .. هل حبها له كافى لأن يغفر تلك الغلطة .. هل حبها له كافى لأن ترمى هذا الأمر خلف ظهرها وألا تفكر فيه مرة أخرى .. هل حبها له كافى لأن تساعده على التغيير للأفضل وتأخذ بيده وتجعله يسير معها فى طريقها .. أم أن حبها له أضعف من أن يتحمل تلك الغلطة التى سبقت معرفته بها .. وقلبها لن يستطيع أن يغفر له أبداً .. هى تعلم أن الحب كلمة لها معانى كثيرة .. من بين تلك المعانى .. التسامح .. وغفران الزلات .. وكلما كان الحب أكبر .. كلما كان التسامح أكبر .. وكلما كان الاحتواء أعمق .. فهل حبها بالفعل كبير ؟ وقوى .. ؟ .. حتى يقف فى وجه تلك العاصفه التى تحاصره من جميع الجهات .. ؟
مكثت فى غرفتها الى ما بعد الظهر .. كانت تحاول أن تتحاشي الاجتماع به .. خرجت من غرفتها ومرت بجوار باب غرفته المغلق فأسرعت السير حتى نزلت الدرج .. ليس من المعقول أن يظل "عمر" نائماً لهذا الوقت فليس هذا من عادته .. لكنها لا تجد أثراً له فى المنزل .. ذهبت الى الخادمة فى المطبخ وسألتها عنه فقالت انها لا تعرف مكانه .. حضرت له الفطار فى الصبح ولم يطلب منها شيئاً آخر .. على قدر ما كنت تشعر بالراحه لعدم رؤياه حتى لا تتذكر ألمها منه .. على قدر ما كانت تشعر بالقلق عليه .. غلبها قلقها .. اتصلت به .. رد عليها قائلاً :
- صباح الخير يا حبيبة قلبي
- السلام عليكم .. صباح النور
- وعليكم السلام
- انت فين .. صحيت لقيتك مش موجود
أتاها صوته الدافئ :
- وحشتك ؟
خفق قلبها .. وصمتت .. فقالت :
- مستخسره حتى تقوليهالى
لم ترد .. فاكمل :
- اما أنا فمش بستخسر فيكي حاجه .. وحشتيني .. وبتوحشيني على طول .. ولولا الشغل اللى فى ايدى كنت طرت لحد عندك
أغمضت عينيها وقد آلمتها كلماته .. آلمها حبه الكبير لها .. وهى لا تستطيع أن تبادله حباً بحب .. أرادت أن تسأله ان كان فى مكتبه أم خارج المزرعة .. لكنها وجدت نفسها تسأله سؤال آخر تماما :
- "عمر" .. انت بتحبنى بجد ؟
لم تمسع صوتاً .. بل انقطع الخط .. تركت الهاتف من يدها .. وأنبت نفسها على سؤالها .. تمنت أن يكون الخط قد انقطع قبل أن يستمع الى سؤالها .. والذى لا تعلم لماذا سألته أصلاً .. جلست تقرأ احدى المجلات عندما سمعت صوت الباب يُفتح وقفت لتجد "عمر" يدخل ويقف أمامها .. قالت بإستغراب :
- "عمر"
كانت نظراته تحمل كل معانى الحب والشوق واللهفة .. قال :
- جيت عشان أرد أرد على سؤالك
تبادلا النظرات لبرهه ثم جذبها الى حضنه .. استسلمت فترة لأحضانه .. ثم حاولت ابعاده عنها .. رفع رأسه ونظر اليها مبتسماً .. قال بصوت حانى :
- عرفتى اجابة سوالك ؟
احمرت وجنتاها وأخفضت بصرها .. حاول رفع وجهها بكفه .. فوقع نظرها على الحرق .. فشعرت بغصه فى حلقها .. سألته بصوت مضطرب قليلاً :
- من ايه الحرق ده؟
نظر "عمر" اليها يتفرس فيها قائلاً :
- دى تانى مرة تسأليني عنه
"ياسمين" وهى تحاول أن يبدو صوتها طبيعياً :
- فضول مش أكتر
قال "عمر" بحزم :
- مش هقولك
نظرت اليه قائله :
- ليه ؟
صمت .. طال صمته .. بدا عليه الضيق .. وأخيراً قال :
- لأنك بعيده عنى بما فيه الكفايه .. ولو عرفتى هتبعدى أكتر
ارتجف قلبها لكلماته التى تؤكد ما عرفته .. أومأت برأسها وحاولت رسم بسمه على شفتيها قائله :
- يلا عشان متتأخرش على شغلك .. وأنا هستناك على الغدا
سألها بإهتمام :
- فطرتى
- لأ لسه
قال بحزم :
- حالاً .. تفطرى حالاً
- حاضر
ابتسم قائلاً :
- قوليها تانى
- ايه هى ؟
- حاضر
ابتسمت قائله :
- حاضر
- مش هتأخر عليكي .. لو احتجتى حاجة كلميني
ابتسمت له حتى انصرف .. ثم اختفت الابتسامه من شفتيها لتحل محلها عبره فى عينيها.
************************
جلست "سماح" مع "أيمن" فى شرفة منزلهما .. بدا على "سماح" التفكير .. قالت لـ "أيمن" :
- "أيمن" عايزة أسألك سؤال
- خير
بدا عليها وكأنها تحاول تخير كلماتها بعنايه .. ثم سألته :
- هو الحرق اللي فى ايد "عمر" .. قديم ولا جديد
التفت اليها ورفع حاجبه قائلاً :
- نعم ؟ .. وانتى ايه دخلك بالموضوع ده
اضطربت قليلاً ثم قالت :
- عادى يعني .. فضول .. "ياسمين" كانت عايزة تعرف
نظر الى عينيها بحزم قائلاً :
- مراته عايزة تعرف يبقى تسأله .. لكن انتى متسأليش سؤال زى ده عن واحد صحبى
قالت تحاول تلطيف الجو :
- ده سؤال عادى يا "أيمن" يعني مش سؤال شخصى
قال بحزم :
- لأ مش عادى .. متسأليش اى حاجه عن أى راجل .. حتى لو كان صحبي .. انت ايه دخلك بالحرق الى فى ايده .. وكمان بتسأليني أنا
ابتسمت قائله :
- هو انت بتغير ؟
نظر اليها بعتاب قائلاً :
- يعني مش عارفه ان أنا بغير .. بغير من مجرد كلامك عن راجل تانى .. وسؤالك عن حاجه تخصه
ضحكت قائله :
- خلاص يا عم مكنش سؤال ده
*********************
فى المساء دخلت "ياسمين" الى غرفتها .. استأذنت من "عمر" لتنام مبكره عن كل يوم .. فى الحقيقة لم ترغب فى النوم .. بل كانت ترغب فى الإنفراد بنفسها .. والتفكير .. لم تصل حتى الآن الى قرار .. لا تعرف ماذا تختار .. لا تعرف سوى شئ وحد .. أنها كل يوم تزداد قرباً منه وتعلقاً به .. فإن كانت ستأخذ قرار الإنفصال عليها ان تأخذه الآن .. لأن كل يوم يمر عليها معه .. بل كل لحظه .. تربطها به أكثر .. سقطت عبره من عينيها .. لم تكن تلك العبرة حزينه كباقى العبرات .. بل عبرة شوق .. شوق لزوجها الذى لا يفصلها عنه سوى جدار .. لكم تتمنى ان تلقى بنفسها بين أحضانه .. وتخبره بكل ما يحزنها .. كان حنوناً للغاية .. وهذا جعلها متعطشه للمزيد من هذا الحنان .. دعت ربها أن يكون قد تاب بالفعل .. تمنت أن تشعر بذلك .. بتوبته .. وبصدقها .. ويعزمه على عدم تكرار ما فعل .. عندها ربما تتمكن من مسامحته .. ربما تتمكن من نسيان ما حدث .. تنهدت ونهضت لتغير ملابسها .. كانت شاردة .. تعاملت مع سوسته العباءة بعنف حتى كسرتها .. زفرت فى ضيق .. حاولت فتحها فلم تستطع كانت قوية للغاية .. نظرت للقطعة المقطوعة فى يدها بضيق .. خرجت ونزلت الدرج لتقابل "عمر" وهو صاعد الى غرفته .. قال لها :
- انتى لسه منمتيش
قالت بإرتباك :
- أيوة .. هنام دلوقتى
سألها بعتاب :
- طالما كنتى سهرانه مجبتيش أعدتى معايا ليه
صمتت لم تجد ما تقول .. قال بضيق :
- براحتك .. تصبحى على خير
صعد الى غرفته .. نزلت وذهبت الى المطبخ للبحث عن الخادمة .. لم تجدها .. نظرت الى باب غرفتها المغلق .. تُرى هل نامت أم لا .. كادت أن تطرق عليها الباب لكنها أشفقت عليها أن توقظها بعد يوم متعب من أجل سوسته العباءة .. صعدت فى ضيق الى غرفتها وظلت تحاول فتحها دون جدوى .. حاولت البحث عن مقص فلم تجد .. خرجت لتنزل للبحث عن مقص .. لم يكن أمامها حل الا قص العباءة .. قابلت "عمر" مرة أخرى وهو يدخل غرفته ويحمل كوب من الشاى .. قال بإستغراب :
- مالك فى ايه ؟
قالت بإضطراب :
- مفيش
همت بأن تنزل الدرج لكنها التفتت اليه لتقول :
- مفيش عندك مقص ؟
قال بإستغراب :
- اه عندى .. عايزاه ليه
قالت بنفاذ صبر :
- عايزاه وخلاص
ابتسم وقال :
- مش هجيهولك الا اذا قولتيلى عايزاه ليه
قالت بضيق :
- قولتلك عايزاه وخلاص
- كنت بهرج معاكى .. لا مفيش مقص
زفرت بضيق .. نظر اليها .. حزمت امرها وقالت بسرعة وكأنها تخشى أن تتراجع :
- "عمر" ممكن تفتحلى السوسته
لمعت عيناه بخبث .. فقالت بتوتر :
- اتكسرت وبقالى ساعة مش عارفه اغير هدومى .. نزلت لقيت الست اللى بتشتغل هنا نايمة وصعبت عليا أصحيها
قال بهدوء :
- وأنا روحت فين ؟
دخل غرفته وضع كوب الشاى ثم خرج والتف حولها .. التفتت تنظر اليه وقالت بجديه :
- افتحها فتحه صغيره وأنا هكملها
ضحك قائلاً :
- ماشى حاضر
رفع يده فالتفتت مرة أخرى تنظر اليه محذره :
- حته صغيره
كتم ضحكته بصعوبه وهتف :
- اللى يسمع كده يقول انك جايبه واحد من الشارع يفتحلك السوسته .. صبرنى يارب
طال انتظارها .. قالت :
- ها خلصت
- لأ لسه .. انتى قفلتيها ازاى .. قفلتيها على القماش .. وكمان قطمتيها
قالت بنفاذ صبر وهى تحاول ان تبتعد :
- خلاص مش مشكلة هقصها
لم يسمح لها بالابتعاد وقال :
- استنى هحاول تانى
أثناء محاولته .. وقع نظره على السلسله فى عنقها .. لمسها بيده وأخرجها .. التفتت تنظر اليه .. ابتسم عندما رآى القلب معلق فى نهاية السلسله .. نظر اليها بحب قائلاً :
- لبساها من يوم ما اديتهالك ؟
أومأت برسها قائله :
- أيوة
ظل ممسكاً بالقلب وهو ينظر اليها .. شعرت بالتوتر حاولت أن تبتعد .. لكنه كان يطبق على السلسلة بقوة .. نظرت اليه .. غاصت فى بحر عيناه اللاتان تحتويانها فى صمت .. اقترب منها أكثر .. ولدهشتها لم تعترض ..شجعه هدوئها على الاستمرار .. لاحت لها صورة أفزعتها .. صورة زوجها فى احضان امرأة أخرى .. وألقى الشيطان بأسئله مقزز فى عقلها .. تُرى هل كان يقبل تلك المرأة بالطريقة التى يقبلها بها .. هل كان شغوفاً بتلك المرأة مثلما تراه شغوفاً بها الآن .. كم استمرت علاقتهما .. هل كان يحبها أم كانت مجرد علاقة عابرة .. فتحت عينيها لعل تلك الصورة تختفى .. لكن هيهات .. فالصورة لم تكن فى عينيها .. بل فى عقلها .. شعرت بالقشعريرة تسرى فى جسدها وهى تتخيل زوجها فى أحضان اخرى .. أخرى متزوجه تخون زوجها معه .. أبى الشيطان الا وأن يبث سمومه فى قلبها .. انتفضت .. وانزوت بنفسها تحاول أن تبتعد عن يده .. انتفض قلبه لانتفاضتها.. نظر اليها نظر دهشة ممزوجة بالألم والغضب .. ثم قال :
- للدرجة دى مش طيقانى ؟
نظرت اليه بألم قائله :
- أنا أسفه
ابتعد عنها وقال فى غضب :
- قولى انك مش قادرة تنسيه .. مش قادرة تنسي "مصطفى"
شعرت بكلماته وكأنها خنجر يطعن قلبها المكلوم .. التفت ونزلت الدرج بسرعة .. وتوجه الى مكتبه ثم سمعت صوت الباب يغلق بقوة .. عادت الى غرفتها وجلست على فراشها .. كانت حزينه حائرة متألمة .. ترغب فى مسامحته .. لكن الأمر شاق عليها .. كيف تمنع عقلها من التفكير فيما فعل .. مضت أكثر من ساعة جالسه مستغرقة فى التفكير .. أكثر ما آلمها هو أنه غضب منها .. تعلم جيداً انها لا يجب أن تنام وزوجها غاضب عليها .. تعلم جيداً ان من تمنع نفسها عن زوجها بغير عذر تظل الملائكة تلعنها حتى تصبح .. ارتجفت لقساوة تلك الكلمات التى تعرفها جيداً
فتحت باب الغرفة وخرجت تبحث عنه .. لم يكن ما يحركها هو خوفها من لعن الملائكة فحسب .. بل حبها له .. وحزنها لأنها أغضبته .. نظرت الى باب غرفته المفتوح .. وكوب الشاى الذى برد .. علمت أنه فى المكتب لم يخرج .. نزلت ببطء .. طرقت باب المكتب بهدوء .. لم تسمع صوتاً يدعوها للدخول .. وقفت .. ترددت .. لكنها أخيراً عزمت أمرها وفتحت الباب .. أطلت برأسها لتجد "عمر" جالساً على احدى الأرائك وبيده ألبوم صور .. رفع رأسه ليلقى عليها نظرة لا مباليه وكأن وجودها لا يعنيه ثم عاد ليقلب صفحات الألبوم .. دخلت "ياسمين" وأغلقت الباب خلفها .. جلست على الأريكة التى يجلس عليها لكنها تركت بينهما مسافة .. لم تعرف ماذا تقول .. هرب منها الكلام .. كانت تشعر بأحاسيس كثيره متناقضة .. كان مازالت يطالع الألبوم فى يده .. قالت دون ان تنظر اليه :
- أنا مبفكرش أبداً فى "مصطفى"
نظر اليها بغضب وحده .. نظرت اليه وأكملت :
- أنا أصلا مكنتش بحبه يا "عمر" .. عمرى ما حبيته أبداً
رقت نظراته قليلاً فأكملت :
- أنا مكنتش أعرفه قبل الخطوبة .. هو شافنى واتقدملى .. كانت أول مرة أشوفه يوم ما اتقدملى .. واتخطبنا على طول .. واتجوزنا على طول
ترك الألبوم من يده واعتدل فى جلسته .. ساد الصمت لفترة .. ثم قطعه قائلاً :
- يعني عمرك ما حسيتى بحاجه ناحيته
هزت رأسها بقوة قائله :
- لأ
تفرس فيها قائلاً :
- ولا مرة ؟
قالت بثقه :
- ولا مرة
أكملت قائله :
- لما بفتكره مش بفتكره على انه جوزى خالص .. بفتكره على انه واحد غريب .. عمرى ما قدرت أفهمه .. ولا عايزه أفهمه
أومأ برأسه وقد فهم ما قالت .. قال بهدوء :
- أنا اسف على اللى قولته
قالت بأسى :
- وأنا اسفة على اللى عملته
نظر اليها بصمت فأكملت قائله :
- "عمر" .. أنا كنت طول عمرى فى حالى .. عمر ما كان ليا علاقات بحد .. حتى صحابي أيام الكلية كانوا معدودين على الصوابع .. لانى مش برضى أصاحب أى حد .. مبصحبش غير البنت اللى بثق فيها وبحس انها شبهى .. ومفيش منهم غير "سماح" هى اللى علاقتنا متقطعتش من أيام الجامعة ..
نظرت اليه بألم وحيرة قائله :
- يعني اللى عايزة أفهمهولك .. انى معنديش خبرة فى أى حاجه .. وحسه ان فى حاجات كتير أول مرة أتعرضلها .. ومش قادرة أحكم على مشاعرى صح .. حتى أفكارى حساها مشوشة
اقترب منها وجذبها الى حضنه .. ثم قال :
- أنا آسف انى اتسرعت
رفعت رأسها لتنظر الى عينيه قائله :
- لأ انت متسرعتش .. بس فى حاجات كتير جوايا محتاجه أظبطها الأول
أمسك كفيها بيده وقال :
- طيب ليه ما تتكلميش معايا فى الحاجات اللى جواكى دى .. ونظبطها سوا
ابتسمت قائله :
- اوعدك .. انى هحاول أعمل اللى انت بتقوله .. وانى فعلا أقولك على كل اللى جوايا .. أنا بس محتاجة وقت
تبللت عيناها بالدموع ونظرت اليه برجاء قائله بصوت أوشك على البكاء :
- المهم بس انت متزعلش منى .. أنا مش عايزاك تزعل منى يا "عمر" .. انا عارفه انى تعباك معايا .. بس حاول تفهمنى ومتزعلش منى
أمسك وجهها وقبل جبينها قائلاً بجديه :
- طيب ممكن تبطلى عياط .. مش عايز أشوف دموع فى عنيكي أبداً .. وأنا مش زعلان منك .. ومش ممكن أزعل منك .. الحاجة الوحيدة اللى تزعلنى منك هى بعدك عنى .. لكن طالما انتى معايا خلاص .. هصبر لحد ما انتى اللى تقوليلي أنا بحبك يا "عمر"
ابتسمت له .. وقالت وهى تنظر الى عينيه :
- انت حنين أوى على فكرة
ابتسم لها .. فأكملت :
- وطيب أوى .. ومريح أوى .. وراجل أوى .. وشهم أوى ..
اقترب برأسه منها حتى أسند رأسه على جبينها قائلاً :
- طيب اسكتى بأه بدل ما تشوفيني مجنون أوى
تلاقت أعينهما وابتسامتهما .. اعتدلت فى جلستها قائله :
- بما انها جلسه مصارحه فأحب أسألك سؤال
أجاب مبتسماً :
- اسألي
قالت بهدوء :
- يعني انا عارفه انك كنت خاطب قبل كده
صمتت لتراقب تعبيرات وجهه الساكنه .. ثم أكملت :
- يعني اللى سمعته انها كانت مختلفة عنى .. حتى ماما "كريمه" قالتلى كده
أومأ برأسه دون أن يتكلم .. فأكملت :
- ليه ؟
- ايه اللى ليه ؟
- ليه اخترتها ؟
صمت وبدا عليه التفكير .. ثم نظر اليها قائلاً :
- اخترتها لانى كنت فاكر انى ممكن أغيرها .. بس هى كانت بعيده أوى أوى عنى .. بعيده بعد صعب انى أقربه .. خطوبتى ليها كانت من اكتر الحاجات اللى ندمت عليها فى حياتي
تفرست "ياسمين" فى وجهه تراقب تعبيراته وقالت :
- فى حاجات كتير ندمت عليها ؟
بدا ليه التفكر ثم قال :
- مش كتير أوى .. بس أى انسان عنده غلطات قاتله أكيد بيندم عليها
شعرت بالألم يغزو قلبها .. اقتربت منه .. اندهش عندما وجدها تمسك يده بيدها .. نظر اليها فقالت بحنان :
- المهم اننا نندم فعلاً على الغلطة دى ونستغفر ربنا كتير عشان يغفرهالنا .. ومنكررش أبداً تانى مهما حصل
قال بهدوء :
- صح كلامك مظبوط
سألته بلهفه:
- يعني انت ندمت على الغلطات دى
أومأ برأسه :
- أيوة ندمت
ابتسمت .. شعرت بالراحة تسرى فى كيانها .. قالت له بحماس وبأعين دامعه :
- ان شاء الله ربنا هيغفرلك .. اللى بيتوب بجد ربنا بيغفرله ويمسح الذنب ده من صحيفته يوم القيامه
رق قلبه وهو يرى دموعها المتساقطه .. مسحها بأصابعه ونظر اليها بحنان جارف وقال بصوت مرتجف :
- انتى حبيبتى بجد .. أنا بحبك أوى .. عمرى ما تخيلت ان واحده تعيط من خوفها عليا بسبب ذنوبى .. انتى حنينه أوى يا "ياسمين" .. أنا بحبك أوى
***************************************
استيقظت "ياسمين" من نومها على صوت جرس الهاتف الذى تضبطه على صلاة الفجر .. نهضت لتجد نفسها فى غرفتها ومدثرة بغطائها .. كيف صعدت الى هنا .. ابتسمت وهى تتخيل نفسها محموله بين ذراعى "عمر" .. نهضت من فراشها وتوضأت .. ذهبت الى غرفته وطرقت الباب .. وقت طويلاً .. أخيراً فتح الباب وهو ناعس العينين قائلاً بمرح :
- فى واحدة محترمة تخبط على باب أوضة جوزها الفجر
ضحكت وقالت :
- أه عشان تصحيه يصلى الفجر
ابتسم وهو يفتح عينيه بصعوبه قائلاً :
- ماشى هعديها المرة دى ..
نظر الى ما كانت ترتديه ثم قال بخبث :
- هو انتى لسه مفتحتيش السوسته
ابتسمت بخجل قائله :
- لأ ولا لاقيه مقص
قال وكأنه يفكر :
- مممممم طيب وهنعمل ايه فى المشكلة دى
- عادى بكرة هسأل الست اللى بتشتغل هنا على مقص
نظر اليها قائلاً :
- طيب تعالى أحاول تانى
قالت بسرعة :
- لأ
ضحك بشدة قائلاً :
- يا بنتى هحاول أفتحتلك السوسته
قالت باسمه :
- لأ هتصرف أنا
قال بعند :
- طيب محدش فتحهالك غيري
اقترب منها ولفها .. دقيقه وكانت المشكلة قد حُلت .. فالتفتت بسرعة قائله :
- خلاص كفاية .. هكمل أنا
اتسعت ابتسامته ونظر اليها وعيناه تلمعان من البهجه .. قالت بإهتمام :
- متنساش تصلى قبل ما تنام .. تصبح على خير
تابعها بنظره قائله :
- وانتى من أهل الخير يا حبيبتى
دخلت وأغلقت الباب و ابتسمت بسعادة وقد أيقنت أنها أصبحت تحب زوجهــا بشــدة .. بـل تعشقه بجنــون ..
************************
فى الصباح سمعت طرقات على باب غرفتها .. نهضت وفتحت الباب لتجد الخادمة تخبرها بأن "عمر" ينتظرها فى الأسفل لتفطر معه
دخلت الحمام وأخذت دشاً .. احتارت فيما ترتدى .. هل ترتدى عباءة كما هى عادتها .. أم .. اختارت فستان طويل .. مثل الدريل .. بنصف كم .. لم تربط شعرها للخلف هذه المرة بل تركته حراً .. كان لديها شعر أسود اللون فاحماً .. ذو مظهر صحى جذاب .. به موجات تعطيه انسيابيه رائعه .. وضعت أيضاً حكلاً .. وبرفيوم تحبه .. نظرت الى نفسها فى المرآه .. ثم نزلت .. دخلت غرفة الطعام وهى تشعر بالخجل من التغيير الذى أحدثته فى نفسها .. نظر "عمر" اليها متأملا لا يرفع عيناه عنها حتى جلست قائله :
- صباح الخير
ابتسم وقال :
- صباح النور .. هو احنا ملنا حلوين أوى النهاردة كده
ابتسمت بخجل و قالت :
- يلا عشان نفطر عشان متتأخرش على شغلك
اقترب منها هامساً :
- انا مستعد ألغى الشغل خالص على فكرة
ضحكت .. سعد "عمر" للغاية من التغيير فى مظهرها أولا .. ومن ابتسامتها العذبة التى ظلت محتفظة بها طيلة جلوسها .. فى المساء انشغلت "ياسمين" بسقى الزرع فى الشرفة فى حجرة المعيشة .. اقترب منها "عمر" قائلاً :
- انا طالع انام .. هتسهرى
التفتت قائله :
- لأ .. هسقى الزرع ده بس وأطلع انام
قبل خدها قائلاً :
- تصبحى على خير
هم بالانصراف ثم التفت قائلاً :
- متنسيش تصحينى الفجر
ابتسمت له .. فصعد الى غرفته .. بعدما أنهت "ياسمين" عملها صعدت هى الأخرى الى غرفتها .. اقتربت من فراشها لتجد على وسادتها ورقة وزهرة ياسمين .. أمسكت الزهرة واستنشقت عبيرها المنعش .. وفتحت الورقة والابتسامه على ثغرها .. لتجد "عمر" كاتبً فيها :
كـم هي صعبـة تلـك الليالـي
التي أحـاول أن أصـل فيها إليــكِ
أصل إلى شرايينــك
إلى قلبــك
كـم هي شـاقـة تلـك الليالـي
كـم هي صعبـة تلـك اللحظـات
التي أبحـث فيهـا عن صـدركِ ليضـم رأسـي
خفق قلبها واضطربت نبضاته .. أشعرتها تلك الكلمات كم هى قاسيه على حبيبها .. على زوجها .. ارتجفت أصابعها التى تمسك بالورقة .. قرأتها مرة أخرى وقد تأثرت بها بشدة .. تركت الورقة والزهرة وتوجهت الى غرفته .. طرقت الباب .. لحظات قليله وفتحه .. نظر اليها .. وعلامات التأثر على وجهها .. قالت بصوت مضطرب :
- أنا آسفة
قبل جبينها قائلاً وبسمة حانية على ثغره:
- ولا يهمك يا حبيبتى
.
رواية مزرعة الدموع الفصل العاشر 10 - بقلم مني سلامة
▼
الفصل العاشر من رواية مزرعة الدموع
أنهى "عبد الحميد" صلاة العشاء وظل يسبح ربه ويستغفره , أقبلت زوجته من خلفه قائله :
- ربنا يتقبل منك يا سى "عبد الحميد"
نهض فأسرعت "سمية" بأخذ سجادة الصلاة من يده وطوتها ووضعتها على الكرسي
- الله يكرمك
اتجه "عبد الحميد" الى السرير , فأسرعت "سمية" بفرد الغطاء عليه , ووقفت بجوار الفراش ويبدو عليها علامات التردد , انتبه اليها قائلاً :
- خير فى حاجه ؟
- قالت بتردد : بصراحة فى موضوع كنت عايزه أكلمك فيه
- خير إن شاء الله ؟
- لأ خير .. خير إن شاء الله .. أصل .. يعني .. الموضوع بخصوص "ياسمين"
اعتدل "عبد الحميد" فى جلسته قائلاً :
- خير حصل حاجة بينها وبين خطيبها ؟
أسرعت "سمية" بإجابته :
- لأ .. لأ كفى الله الشر , ده الجدع بصراحة ما يتعيبش
- أمال في ايه ما تقولى وقعتى قلبي
- أصل بصراحة كدة "ياسمين" مضايقة ان معاد الفرح اتحدد بسرعة
قال وقد ظهرت عليه ملامح الغضب : بسرعة ايه وزفت ايه .. هو لعب عيال .. المعاد متحدد من يوم ما الجدع جه اتقدم
- آه يا أخويا ما قولناش حاجة .. بس هي يعني بتقول انها لسه معرفتهوش كويس وعايزة فترة الخطوبة تطول شوية عشان تفهم شخصيته
ازدادت حدته قائلاً : بلا داه بنات بلا مسخره .. قال تفهم شخصيته قال .. ما كلنا اتجوزنا وبعد الجواز فهمنا كل حاجة .. ده أنا خطبتك وأنا معرفش شكلك يا وليه
حاولت "سمية" امتصاص غضبه قائله : أيوة معاك حق يا أخويا .. هى بس عايزه ....
قاطعها فى غضب : لا عايزه ولا مش عايزه .. البت المتربيه كويس بتسمع كلام أبوها .. أنا مش هضرها الجدع ده مش هتلاقى زيه .. متربي ومتعلم وكفاية انه شايل الليله لوحده ومطلبش مننا أكتر من طاقتنا .. أما بقى تروح بيته تبقى تفهم شخصيته براحتها .. دلع مرئ
- خلاص متزعلش نفسك يا أخويا .. انت برده أبوها وأدرى بمصلحتها
- اطفى النور خلينا ننام .. ومش عايز كلام فى الموضوع ده تانى
****************************
تعالت أصوات الموسيقي وامتلأ البست برجال ونساء وقد أخذتهم حمى الرقص والميل مع نغمات تلك الموسيقي الصاخبة
قال "عماد" لـ "نانسي" الجالسة بجواره :
- يلا نقوم نرقص
قامت من فورها وهى تبتسم له , وشرعا اللإثنان فى الإنغماس والإندماج فى تلك الرقصة المحمومة , قال بصوت مرتفع لتستطيع سماعه :
- كنت خايف متجيش
- ليه بأه
- يعني .. قولت هتخافى من خطيبك
- أنا مبخفش من حد أنا أعمل اللى أنا عايزاه
- وربنا انت جامد
انتهت الرقصة فإقترب "عماد" منها ونظر الى عينيها قائلاً :
- وحشتيني على فكرة
- قالت له فى دلال : وانت كمان
- مين اللى وحشك .. "عماد" صحبك .. ولا "عماد" حبيبك ؟
ابتسمت وأخذت خصله من شعرها تتسلى بلفها حول صابعها وقالت:
- الاتنين
- لو كنت فارق معاكى مكنتيش اتخطبتى
- قال يعني لو مكنتش اتخطبت كنت انت هتخطبنى , أنا وانت عارفين كويس انك مش بتاع حواز
- بس ده ميمنعش انك تهميني أوى , ومش قادر أعيش من غيرك
- لا انت عايش وعايش أوى كمان
- دى حلاوة روح , أنا بموت من غيرك
- "عماد" أنا دلوقتى مخطوبة وهتجوز قريب
- بالسرعة دى ؟!
- أهاا
- انتى حكايتك ايه بالظبط .. خطوبة وبحاول أبلعها .. لكن جواز ومن واحد معقد زى ده .. أكيد فى ان فى الموضوع
تنهدت "نانسي" بحسره فجذبها من ذراعها وسار بها نحو طاولتهم قائلاً :
- أنا برده قولت كده .. تعالى قوليلى بأه حكايتك ايه بالظبط
***************************
كانت "ريهام" تقف مع زميلاتها خارج المدرج , كانت الكلية مزدحمة فى ذلك اليوم لوجود امتحان لطلاب الفرقة الرابعة , كانت تتحدث مع صديقتيها وتراجع اجابات ما جاء فى الإمتحان من أسئلة حينما اقترب منها "معتز" فجأة ووقف أمامها , نظرت اليه وقلبها يدق بشدة وقال فى نفسها (اتجنن ده ولا ايه) , رمقته بنظرات دهشة ممزوجة بالتوتر .. انتظرت أن يتحدث .. لكنها فوجئت به وقد أخرج سلسلة صغيرة ذهبية من جيبه وحركها أمام وجهها حيث كانت تحمل السلسلة فى نهايتها حرف
نقلت نظرتها من السلسلة الى "معتز" وهى مندهشة ولا تفهم ما يرمى اليه , قال بصوت مرتفع وقد ارتسمت على وجهه ابتسامة ساخرة :
- "ريهام" نسيتي دى معايا امبارح
خفق قلبها بشدة وقالت بإندهاش
- مش فاهمة
- قال لها وهو يرمقها بنظرات التشفى : وقعت منك لما كنتى معايا يا حبيبتى .. فجيت أرجعهالك
- قالت بصوت خافت مبحوح : دى مش بتاعتى
شعرت بأن الأرض تنهار تحت أقدامها , ونظرت حولها لتجد بعض زملائها وزميلاتها يتابعون ما يحدث ويتهامسون , وفجأة أظلمت الدنيا أمام عينيها.
*********************************
دخل "عمر" الى غرفة الطعام وقد ارتدى حلة أنيقة داكنة اللون , سار عبر الغرفة وتوجه الى والده الذى يجلس على رأى الطاولة ومندمجاً فى قرءة جريدته قائلاً:
- صباح الخير يا بابا
رفع والده رأسه ونظر اليه قائلاً :
- صباح الخير يا "عمر"
التفت الى أمه التى تجلس على يسار الأب وأمسك يدها وطبعا عليها قبلة صغيره وقال :
- صباح الخير يا أمى
- صباح الخير يا حبيبى .. يلا عشان نفطر سوا
جلس "عمر" فى مكانه على يمين الأب الذى ترك الجريده من يده وشرع ثلاثتهم فى تناول طعام الفطور , قالت "كريمة" موجهه حديقها الى "عمر" :
- ازى خطيبتك ؟
- الحمد لله يا ماما بتسلم عليكي كتير
- مش المفروض يا "عمر" نعزمها عندنا هى وأهلها ؟
نقل نظرة بين أمه وأبيه وقال :
- اللى تشوفوه .. أساساً كانت مدام "نادين" قالتلى انها هتعزمنا ملنا على الغدا عندهم فى الفيلا بس محددتش معاد
- مفيش مشكلة احنا أو هما واحد مش هتفرق .. بس احنا خلاص هنكون عيلة واحدة فلازم يكون بينا زيارات وود عشان نقرب من بعض أكتر
- معاكى حق يا ماما .. بابا ايه رأيك ؟
- طبعاً يا ابنى وأنا بنفسي هكلم باباها النهاردة وأعزمهم
- "كريمة" : وأنا هكلم "نادين"
- ابتسم "عمر" قائلاً : يا سلام هى جت عليا .. أنا كمان هكلم "نانسي" أعزمها
ضحك ثلاثتهم فى مرح .. وبدأت "كريمة" فى الاتفاق مع الخدم والأعداد لترتيبات تلك الزيارة.
************************************
وقفت "ياسمين" شارده فى شرفة حجرتها تتسلى بالنظر الى الناس فى الشارع .. كان عقلها يعمل بدون توقف .. لديها عشرات الأسئلة فى رأسها لا تجد لها اجابه .. ولديها الكثير من المخاوف .. كانت تفكر فى شكل حياتها الجديدة ومستقبلها مع "مصطفى" .. نــُرى ماذا تُخبئ لها الأيام ؟...
أفاقت من شرودها على جرس هاتفها .. ابتسمت وهى ترد :
- السلام عليكم .. "سماح" ازيك
أتاها صوت "سماح" عبر الهاتف وعلامات الحزن باديه عليه :
- وعليكم السلام .. ازيك انتى يا "ياسمين"
- ايه يا بنتى مال صوتك فى حاجة حصلت ؟
- عايزة أتكلم معاكى
- خير قلقتيني .. انتى كويسة .. و طنط وعمو كويسين
- آه يا بنتى ماتقلقيش بس فى موضوع يخصنى عايزة أتكلم معاكى فيه
- طيب اتكلمى سمعاكى
- لا مش هينفع فى التليفون .. يا تجيليى يا أجيلك .. بصراحة أفضل انى أجيلك عشان أعرف أتكلم معاكى براحتى
- انتى بتستأذنى يا "سماح" .. طبعا تعالى يا بنتى ده بيتك
- تسلمى يا حبيبتى .. طيب يناسبك بكرة الساعة 5 كده ؟
- لا خليها الضهر عشان نتغدا سوا
- غدا ايه بس مش وقت كدة خالص
- قالت "ياسمين" بإصرار : هستناكى الضهر .. ما تأوحيش
- قالت "سماح" فى استسلام : حاضر .. أشوفك بكرة ان شاء الله
- ان شاء الله يا حبيبتى .. منتظراكى
- سلام
- سلام
أغلقت "باسمين" وهى تحاول أن تخمن ما هو هذا الموضوع الذى يخص "سماح" وتريد أن تحدثها فيه ؟!
*****************************
نادت "نادين" خادمتها وسألتها قائلة :
- فين "نانسي" ؟
- قالت الخادمة : فوق حضرتك لسه مصحتش
- ايه ده لسه نايمة .. طيب روحى انتى
صعدت "نادين" لحجرة "نانسي" ونادتها قائلة :
- "نانسي" .. "نانسي" .. قومى عايزاكى بسرعة
لم تجد استجابة منها .. فاقتربت من فراشها وهزتها بيدها :
- "نانسي" قومى .. "نانسي"
تململت "نانسي" فى فراشها وهى لا تستطيع فتحت عينيها وانزاح الغطاء عنها قليلاً فرأت "نادين" فستان السهرة الذى مازالت ترتديه
- ايه ده ايه اللي انتى لابساه وانتى نايمه ده .. انتى خرجتى امبارح ؟
قالت وهى تجد صعوبة فى ابقاء عينيها مفتوحتين :
- آه خرجت
- خرجتى روحتى فين .. خرجتى مع "عمر" ؟
ضحكت "نانسي" بشدة قائلة :
- وانتى متصوره ان "عمر" ممكن يسبنى أخرج بالفستان ده .. انتى مش عارفه خطيب بنتك ولا ايه
- أمال خرجتى فين
قالت وهى تجلس بصعوبة على السرير :
- خرجت روحت الديسكو .. قابلت "عماد" وباقى الشلة هناك
شعرت "نادين" بالغضب صرخت فى وجهها قائله :
- ديسكو ؟ .. ديسكو يا "نانسي" .. افرضى "عمر" شافك .. افرضى حد شافك وقاله .. انتى مش عارفه انه منعك تماماً انك تروحى المكان ده
أزاحت "نانسي" الغطاء عنها وهبت واقفة :
- أوف أوف .. كل شوية "عمر" قال .. "عمر" عاد .. أنا اتخنقت أنا مش متعودة على كدة .. متعودة أعمل اللى أنا عايزاه وفى الوقت اللى أنا عايزاه
- انتى هتفضلى مدلعة لحد امتى .. لحد ما نضيع كلنا .. أنا مكنتش عايزة أقولك عشان ما أثرش على نفسيتك بس طالما انتى ما عندكيش احساس كدة هقولك .. البنك حجز على كل حاجة بنملكها .. مافضلش غير الفيلا دى وعربية أبوكى وعربيتي وعربيتك واللى قريب أوى هيضيعوا هما كمان
امتقع وجه "نانسي" بشدة .. كانت تعلم الظروف التى يمرون بها لكنها لم تتوقع أن تتدهور أمورهم الى هذه الدرجة وبهذه السرعة , ظلت واجمة لا تنطق بشئ .. اقتربت منها "نادين" قائله :
- فهمتى بأه ان الموضوع جد مش هزار .. وإن "عمر" هو آخر أمل لينا وان الوضع مش متحمل أبداً استهتارك ودلعك ده .. أنا كنت جايه أصحيكي عشان أقولك ان حماتك المستقبليه كلمتنى وعزمتنا كلنا بعد بكرة وهيكون موجود عمة "عمر" وولادها كمان .. مش عايزة غلطة يا "نانسي" خلى الموضوع يتم على خير .. انتى سامعه
قالت ذلك وتركتها وخرجت ...
******************************
أثناء انهماك "ياسمين" فى مساعدة والدتها فى تحضير طعام الغذاء سمعت باب الشقة يُفتح ثم يُغلق .. التفتت لوالدتها قائله :
- دى أكيد "ريهام" .. بابا لسه نازل من شوية
نادتها قائلة :
- "ريهام" .."ريهام"
سمعت باب حجرتما يُغلق بقوة .. فقالت لنفسه (مالها دى )
تركت ما بيدها وذهبت لترى أختها .. صدمت "ياسمين" عندما فتحت باب الغرفة ووجدت "ريهام" منهارة من البكاء .. أغلقت الباب بشرعة وتوجهت اليها قائله بلوعه :
- "ريهام" مالك فى ايه .. ايه اللى حصل .. قوليلى
كانت "ريهام" ترتجف من شدة البكاء فجلست "ياسمين" بجوارها وأخذتها فى حضنها قائله :
- بس يا حبيبتى .. بس متعيطيش .. فى ايه مالك .. طمنيني وقعتى قلبي
أزاحتها قليلاً لتنظر اليها ومسحت ما تساقط على وجهها من دمعات ثم قالت :
- حبيبتى استعيذى بالله من الشيطان الرجيم واحكيلى اللى حصل
استعاذت "ريهام" بالله وروت لأختها ما حدث بالتفصيل .. قم أردفت :
- اتفضحت يا "ياسمين" .. متخيلة الكلام اللى قالهولى يوحي بإيه .. والمصيبة ان صحابي كانوا واقفين .. ومش بس صحابي ده كمان زمايلي فى الدفعة .. هيقولوا عليا ايه دلوقتى
قالت ذلك ثم انفجرت فى البكاء مرة أخرى .. فقالت لها "ياسمين" :
- حسبي الله ونعم الوكيل .. بني آدم معندوش ريحة الضمير .. كويس انه ربنا كشفه بدرى عشان تعرفيه على حقيقته
- أنا خلاص معدتش راحه الكلية دي تانى .. معدش ينفع أورى وشى لحد
قالت لها "ياسمين" بصرامة :
- بتهرجى .. صح .. انتى ما غلطتيش عشان تستخبي من الناس .. هو اللى غلط وهو اللى المفروض يتكسف يورى وشه للناس .. اوعى تخلى واحد زى ده يكسرك .. انتى لسه صغيره وياما هتشوفى فى حياتك .. مينفعش تسمحى لحد انه يدوس عليكي بالشكل ده .. اوعى تدى لحد فرصة انه يجرحك أو يهينك .. انتى هتروحى الكلية بكرة وانتى رافعة راسك لأنك مغلطتيش وربنا عارف انك مغلطتيش وأكيد هيجبلك حقك منه .. لأنك مرضتيش تغضبى ربنا وعملتى الصح فأكيد ربنا مش هيسيبك وهيكون جمبك
- اوعى تقولى حاجة لبابا يا "ياسمين" لو بابا واجهه معرفش الولد ده ممكن يتبلى عليا ويقول ايه وانتى عارفه بابا صعب أد ايه وممكن يصدقه
- متخافيش بابا مش هيعرف .. بس الولد ده لازم يتربي .. لان لو محدش وقفله هيسوق ويتمادى فيها .. قالوا لفرعون ايه اللى فرعنك قال ملقتش حد يلمنى
- ازاى يعني هتعملى ايه ؟
- اسمها هنعمل .. بكرة هتشوفى
**************************
فى اليوم التالى وفى مكتب سكرتيرة عميد كلية التجارة بجامعة عين شمس وقفت "ياسمين" مع "ريهام" فى انتظار السماح لهما بالدخول , خرجت السكرتيرة من حجرة العميد ونظرت الى الفتاتان قائله:
- اتفضلوا
شعرت "ريهام" بالتوتر وكادت أن تتراجع فجذبتها "ياسمين" من يدها ودخلوا الى داخل الغرفة , قالت "ياسمين" :
- السلام عليكم يا دكتور
- قال العميد : وعليكم السلام .. اتفضلوا
جلست كل منهما على مقعد مواجهه للمكتب .. نظر اليهما العميد قائلاً :
- اتفضلوا .. ايه الموضوع المهم اللي عايزني فيه
روت له "ياسمين" تفاصيل ما حدث من "معتز" واهانته لـ "ريهام" أمام زملائها .. ثم أردفت قائله :
- أنا بعد اللى حصل فكرت نيجي ونتكلم مع حضرتك لأنك المسؤل الأول عن الكلية هنا وأنا عارفه ان حضرتك بمركز يُملى عليك تحمل مسؤلية الكلية كلها وأكيد كل البنات والولاد اللي هنا هما أبنائك وبناتك اللى لازم حضرتك تحافظ ليهم عشان كدة احنا جينا لحضرتك النهاردة يا دكتور لأن أكيد مترضاش ان حد يهين بنت من بناتك اللى مسؤلين منك طول وجودهم فى الكلية وتحت اشرافك
- رد العميد قائلاً : طبعاً .. أكيد اهانة بنت من البنات وان ولد يتعرضلها ويضايقها ده ما أسمحش بيه أبداً فى كليتي .. والولد اللى ذكرتى اسمه فعلاَ مشاغب وبيجيلى اسمه كتير
- ثم وجه حديثه الى "ريهام" قائلاً :
- ما تقلقيش .. محدش يقدر يتعرضلك ولا يتعرض لأى بنت داخل الكلية والولد ده لازم يتعاقب
- شكرته "ريهام" قائله : أنا متشكره جدا يا دكتور .. بجد ربنا يكرمك
وفى اليوم التالى كانت سعادة "ريهام" غامرة عندما قرأت التنويه الموضوع فى بهو الكلية (قررنا فصل الطالب معتز محمود صبحى لمدة اسبوعين عقاباً له على اهانته لزميلاته ومشاغبته فى الكلية)
حمدت الله عز وجل وأيقنت أن من يصدق الله يصدقه
*********************************
- يعني ايه الكلام ده ؟
نطق "عمر" بهذه العبارة فى غضب هادر وهو يتطلع الى الملف الموضوع أمامه على مكتبه بالشركة . قالت السكرتيرة :
- ده الفاكس اللي جلنا يا فندم
هب "عمر" واقفاً وقال فى غضب :
- أنا مشغل شوية ناس لا يعتمد عليهم .. يعني كدة الصفقة هتضيع علينا
حمل هاتفه وساعته والجاكت وتوجه الى البا قائلاً :
- الغي كل مواعيدي النهاردة وبكرة
قالت السكرتيرة بنبرة روتينيه :
- حاضر يا فندم
********************************
أقبل "عمر" على والدته التى تجلس فى حديقة الفيلا وقبلها على رأسها وجلس على المقعد المجاور لها .. رأت أمه علامات القلق والضيق باديه على محياه فسألته :
- خير يا حبيبى فى حاجة ؟
تنهد فى ضيق قائلاً :
- للأسف هنضطر نأجل عزومة "نانسي" وأهلها اللي كانت المفروض تكون بكرة
- ليه ايه حصل ؟
- فى مشكلة فى الشغل ولازم أسافر النهاردة ضرورى ومعرفش هغيب كام يوم
- ما ينفعش حد غيرك يقوم بالمهمة دى
- لا مينفعش لازم أروح بنفسي
سكت قليلاً ثم أردت قائلاً :
- لازم أسافر النهاردة على المزرعة.