تحميل رواية «مزرعة الدموع» PDF
بقلم مني سلامة
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
الفصل الاول داعبت النسمات الناعمة شعر "ياسمين" , كانت ملامحها الهادئة الساكنة تشير الى استغراقها فى النوم فلم تسمع والدتها "سمية" وهي تفتح نافذة حجرتها التي تسللت منها تلك النسمات فأخذت تداعب شعيراتها السوداء المتساقطة على جبينها فى رقة , اقتربت الأم من فراشها ونادتها بنبرة حانية: - "ياسمين" .. "ياسمين" قومى يا بنتى أبوكى نزل تململت "ياسمين" في فراشها وفتحت عينيها في بطء وارتسمت ابتسامة صغيرة على شفتيها ونظرت الى أمها قائلة : - ماما ... صباح الخير يا ست الكل - صباح الفل يا حبيبتى .. قومى أبوكى ن...
رواية مزرعة الدموع الفصل الثاني والثلاثون 32 - بقلم مني سلامة
الفصل الثاني والثلاثون من رواية مزرعة الدموع
سارت الأيام التاليه فى المزرعة فى هدوء وسكينة .. مازالت "ياسمين" تعبش مشاعر الحيرة والتخبط .. بين نداء قلبها و نصائح عقلها .. كانت تشعر أنها ممزقة بينهما .. كل منهما يجذبها فى اتجاه مختلف تماماً عن الآخر .. كانت تتمنى شئ واحد فقط .. وهو أن يتفق قلبها وعقلها على شئ واحد .. أى ان كان هذا الشئ .. أما "عمر" فكل ما كان يفكر فيه هو كيف يكسب ثقة "ياسمين" وكيف يفز بقلبها .. الذى أيقن الآن تماماً بأنه جوهره غاليه جداً تستحق التعب للحصول عليها .. منذ أن رحت "ثريا" و "ايناس" من المزرعة لم تحاولان الاتصال .. ولم يحاول "نور" وزوجته مهاتفتها .. فضلوا ترك الأمور لتهدأ لبعض الوقت .. قبل فتح جلسة للعتاب والمصارحه ..
فى بيت المزرعة .. التفت الأسرة على طاولة الطعام .. عندما قالت "كريمه" :
- ازى أحوالك انت و "ياسمين"
نظر اليها "عمر" قائلاً :
- مفيش جديد
- هى لسه رفضاك ؟
فكر "عمر" قليلاً ثم قال :
- مش رفضانى .. ومش قبلانى
ابتسم أبوه قائلاً :
- فزورة دى
قال "عمر" فى شرود :
- لأ مش فزورة .. بس هى لحد دلوقتى موثقتش فيا .. أنا اللى مش قادر أفهمه هو ليه هى مش قادرة تثق فيا .. يعني مش قادر أفهم تحددياً ايه اللى مخوفها منى
نظرت اليه أمه قائله بخبث :
- ما يفهمش الست الا الست
قال "عمر" بإستغراب :
- يعني ايه ؟
ابتسمت "كريمه" قائله :
- يعني لو أنا اتكلمت معاها ممكن أقدر أفهم أسباب رفضها
ظهرت علامات السعادة على وجع "عمر" وابتسم قائلاً :
- بجد يا ماما .. هتتكلمى معاها
- أيوة يا حبيبى
قال "عمر" بحماس :
- تماما أوى .. أنا هعزمهم عندنا هنا هى وأختها وأبوها .. وفرصه الكل يتعرف ببعضه
قالت أمه بهدوء :
- أفضل ان أول مقابله تكون بيني أنا و"ياسمين" بس .. وبعد كده نبقى نعزمهم هنا
قال "عمر" بحيره :
- بس ما أعتقدش انها ممكن توافق تيجي هنا لوحدها
ابتسمت أمه قائله :
- خلاص مفيش مشكلة .. أروحلها مكتبها .. وكمان عشان أعتذرلها عن اللى "ثريا" و "ايناس" عملوه .. ده الواجب يا "عمر" عشان البنت تعرف ان كرامتها مصانه عندنا
قام "عمر" من فوره وتوجه الى أمه عانقها وهى جالسه وقبل رأسها قائلاً :
- بجد يا ماما ربنا ميحرمنيش منك .. فعلا ده اللى كان نفسي فيه بس خفت أطلب منك كده ترفضى .. "ياسمين" فعلاً لازم تحس اننا بنحافظ على كرامتها .. وان اللى حصل ده تصرف فردى من فرد واحد فى العيله لكن انتى وبابا حاجه تانيه .. وأنا فهمتها الكلام ده وقولتلها ان ميهمنيش رأى حد غيركوا انتوا الاتنين
قال "نور" :
- متقلقش ان شاء الله الموضوع هيتحل على خير
ثم التفت الى زوجته مبتسماً :
- طالما "كريمه" بنفسها دخلت فى الموضوع يبقى اعرف انه هيتحل ان شاء الله
نظرت اليهما "كريمة" قائله :
- ربنا يخليكوا ليا انتوا الاتنين
*********************
طلب "كرم" من "ريهام" الحضور الى مكتبه .. ذهبت اليه فأعطاها بعض التعليمات .. وقبل أن تغادر قال لها :
- استنى يا آنسه "ريهام"
توقفت .. فوقت ودار حول المكتب ليقف فى مواجهتها ..ظل ينظر اليها بصمت .. انتظرته أن يتحدث فلم يفعل .. شعرت بالخجل من نظراته فهربت بعينيها لتنظر الى شئ آخر .. فقال لها بهدوء :
- أنا كنت عايز أقولك خبر .. يعني بما انك سكرتيرتى .. وبقالنا فترة شغالين مع بعض يبأه أكيد هتفرحيلى
نظزرت اليه قائله بإهتمام :
- خير يا بشمهندس "كرم"
تفرس فيها لحظة ثم قال :
- أنا هخطب قريب
شعرت بقلبها يرتجف بين ضلوعها لكنها حاولت التماسك .. أكمل قائلاً وهو يتأملها :
- واحدة كنت أعرفها فى القاهرة
وقع قلبها أرضاً .. شعرت بغضه فى حلقها .. حاولت قدر الإمكان التماسك .. قالت بسرعة قبل أن تظهر العبرات فى عينينها :
ألف مبروك بعد اذنك
خرجت لتغادر المكتب .. ذهبت الى مكتبها .. جلست وهى تحاول استجماع شتاتها .. شعرت بالألم يغزو قلبها .. لم تدرى بنفسها إلا وهى تحمل حقيبتها وتغادر المكتب من فورها
عادت "ياسمين" من عملها لتجد "ريهام" جالسه على سريرها فى حالة يرثى لها .. اقتربت منها وجلست بجوارها قائله :
- مالك يا "ريهام" ايه اللى حصل ؟
أجهشت "ريهام" فى البكاء وألقت بنفسها فى حضن أختها قائله :
- كرم هيخطب يا "ياسمين"
قالت "ياسمين" وهى تربت على ظهرها :
- وانتى بتعيطى ليه ؟
رفعت "ريهام" رأسها لتنظر الى أختها .. نظرت "ياسمين" الى وجهها المبلل بالدموع ثم أدركت ما يعتمل فى قلب أختها .. قالت "ريهام" بأسى ودموعها تتساقط على وجنتيها :
- أنا بحبه يا "ياسمين" .. بحب "كرم"
نظرت اليها "ياسمين" بأسى قائله :
- الله يهديكي يا "ريهام" .. ليه تعلقى نفسك كده وتتعبى قلبك .. أكيد كان اليوم ده هيجيى .. ما هو لازم يخطب مش هيفضل كده على طول .. انتى ليه تعلقى نفسك بواحد .. اديكي انتى اللى تعبتى فى الاخر
قالت لها "ريهام" بحزن :
- مش بإيدي والله .. أنا معرفش اتعلقت بيه ازاى
ثم قالت بحزم :
- أنا مش هروح المكتب تانى .. خلاص كفايه كدة .. مش عايزة أشوفه بعد كدة
تنهدت "ياسمين" بحسره ونظرت الى "ريهام" قائله :
- ده فعلاً أحسن حل .. لان أكيد كل ما هتشوفيه هتتعبى
عانقتها "ياسمين" قائله :
- ربنا يريح قلبك يا "ريهام"
*********************
كانت "ريهام" متوجهه الى المكتب لتأخذ متعلقاتها وتخبر "كرم" برغبتها فى ترك العمل .. عندما وجدت "هانى" قبالتها ..تظاهرت انها لا تراه لكنه أوقفها قائلاً :
- لو سمحتى ثوانى
توقفت ونظرت اليه بنفاذ صير
فقال "هانى" ببرود :
- انتى وأختك اتعاملتوا معايا بإسلوب غريب جدا .. أكنى واحد جاى أشحت مش جاى أتقدم
ثم قال بترفع :
- أنا بس حبيت أقولك انى صرفت نظر عن الموضوع
قبل أن تفتح فمها للرد وجدت "كرم" خلفها يقول ل "هانى" بحنق :
- يلا يا ابنى من هنا معندناش بنات للجواز
نظر اليه كل من "ريهام" و "هانى" بإندهاش .. فاقت "ريهام" من دهشتها لتقول لـ "كرم" :
- وحضرتك ايه دخلك فى الموضوع ده
نظر "هانى " الى "كرم" قائلاً :
- أحب أعرفك يا بشمهندس "كرم" ان ده أخر يوم ليا فى المزرعة بصراحة مش حابب آجى هنا تانى بعد كل المعاملة اللى شوفتها منكوا هنا
قال "كرم" بحبور :
- والله يا ابنى تبقى ريحتنا وريحت نفسك .. بس اوعى تقطع الجوابات .. ولا أقولك اقطعها أحسن
رحل "هانى" وهو يتمتم فى غضب .. نظرت "ريهام" الى "كرم" بغضب قائله :
- ايه اللى حضرتك عملته ده .. ازاى تدخل كده فى حاجه تخصنى وتقوله معندناش بنات للجواز ؟
نظر اليها "كرم" قائلاً :
- هو عاجبك ؟
صمتت ولم تجب .. ظهرت علامات الجديه على وجه ونظر اليها مكرراً سؤاله مرة أخرى :
- الواد ده عاجبك ؟
نظرت اليه قائله وهى تحاول التماسك :
- ده شئ ميخصكش
نظر اليها بطريقة لم تعتادها منه .. احتارت فى تفسير معناها .. لكنها شعرت وكأن عينيه تحتويانها فى صمت .. كرر السؤال للمرة الثالثه .. لكن هذه المرة بصوت أقرب الى الهمس :
- الواد دع عجبك ؟ .. عايزاه ؟
كانت ترغب فى عدم الرد عليه وتتركه وتذهب .. لكنها لا تدرى لما قالت :
- لأ
ظهر المرح فى عين "كرم" وسألها قائلاً :
- لأ ايه
أجابت وهى تحاول التحدث بجديه :
- لأ مش عاجبنى .. ولأ مش عايزاه
ابتسم "كرم" ابتسامه ذاب لها قلبها وقال بمرح :
- أصلاً لو كنتى قولتى غير كده كنت قطمت رقبتك
شعرت بقلبها يخفق بقوة .. حاولت التحدث بحده قائله :
- وانت مالك انت يعجبنى ولا ميعجبنيش .. وايه قطمت رقبتك دى
قال وهو محتفظاً بابتسامته :
- لسه مفهمتيش ؟
شعرت بأنفاسها وقد بدأت بالتسارع .. ترى هل ما تظنه صحيح .. هل "كرم" على وشك .... هل هذا صحيح .. همت بأنه تتركه وتنصرف لكنه قال لها فجأه :
- أنا بحبك يا "ريهام"
نظرت اليه فى دهشة .. قلبها يخفق .. عقلها يدور .. بل الدنيا من حولها تدور .. لم تستوعب .. لم تصدق .. قال لها بابتسامته المرحه :
- بصراحة من أول يوم شوفتك فيه فى المكتب وانتى لفتى انتباهى بشكل كبير .. وكل يوم بعرفك بتعلق بيكي اكتر وبحترمك أكتر .. مكنتش متخيل انى ممكن ألاقى واحده زيي وشبههى .. أنا حاسس اننا متشابهيين فى حاجات كتير جدا ..
صمتت ولم تتحدث فأكمل قائلاً :
- كانت بس المشكلة اللى شاغله بالى هو فرق السن اللى بينى وبينك .. يعني خايف انك تشوفى دى حاجه تضايقك .. خاصه بعد الواد الغتت ده ما اتقدملك .. خفت بجد انك تختاريه ومبقتش طايق أشوف وشه فى المزرعة دى وعايز أمشيه منها بأى طريقه
كانت "ريهام" تشعر بسعادة غامرة وهى تسمع تلك الكلمات من كرم" الذى حلمت به وهى تعلم أنه حلم صعب المنال .. ظهرت تلك السعادة على وجهها لم تستطع مداراتها .. أكمل مبتسماً :
- حركة الخطوبة دى كنت بس حابب أعرف رد فعلك .. كنت عايز أعرف حاجه زى كده تضايقك ولا لاء .. كان وشك فعلا باين عليكي انك مضايقه ولما دخلت مكتبك ولقيتك مش موجوده بصراحة فرحت أوى .. وده اللى شجعنى انى أتكلم معاكى دلوقتى
ثم نظر اليها وقال بقلق :
- انا مش غلطان .. صح .. يعني .. انتى كمان .... صح ؟
تماسكت "ريهام" وأخفت بصعوبة ابتسامة الفرحة التى كادت أن تقفز الى شفتيها وقالت :
- بعد اذنك أنا مضطرة أمشى
قال "كرم" بلوعه :
- بتهرجى يا "ريهام" .. لأ بقولك ايه أنا مبحبش التوتر والقلق ده .. جاوبى على سؤالى .. أنا حسيت صح مش كده ؟ .. يعني انتى كمان حسه بحاجه نحيتى .. صح ؟
قالت له بجديه :
- لا والله .. عايزنى أقولك ايه يعني
قال بمرح :
- .. طيب بلاش سؤال مباشر طالما صعب .. هسألك سؤال تانى خالص ملوش علاقه بالسؤال الأول .. ها .. ملوش علاقة
نظرت اليه مترقبه .. فقال وعيناه تلمع فى مرح وابتسامه خبيثه على شفتيه :
- هو عم "عبد الحميد" فاضى اروح أتكلم معاه كلمتين كده ؟
احمرت وجنتاها وقد فهمت معنى سؤاله لكنها تظاهرت بالجديه وقالت :
- معرفش روح اسأله
- يعني انتى شايفه هو فاضى ولا مشغول ؟
ظهرت ابتسامه خفيفه على شفتيها وقالت وهى تتحاشى النظر اليه :
- أظن فاضى
اتسعت ابتسامة "كرم" قائلاً :
- لأ أنا مش عايز أظن دى .. انا عايز رد أكيد .. فاضى ولا مشغول ؟
اتسعت ابتسامتها قائله :
- فاضى
ثم تركته وغادرت مسرعة .. دخلت الى غرفتها أغلقت الباب ووقفت خلفه تتذكر ما قيل منذ قليل .. لا تصدق أن "كرم" اعترف أخيراُ بحبه لها .. ويرغب أيضاً فى الزواج منها .. شعرت بسعادة طاغية فى قلبها .. أخرجت هاتفها واتصلت بـ "ياسمين" قائله وهى تقفز فرحاً :
- "ياسمين" .. "كرم" قالى بحبك
صاحت "ياسمين" بدهشة :
- ايه .. بتقولى ايه
ضحكت "ريهام" قائله :
- بقولك "كرم" قالى بحبك
- بتهزرى .. هو مش هيخطب
- لأ طلع ابن اللذين بيعمل فيلم عليا .. "ياسمين" أنا فرحانه فرحانه فرحانه .. "كرم" قالى بحبك .. قالى "بحبك" يا "ياسمين"
ضحكت "ياسمين" قائله :
- برافو يا "كرم" أصلا البنت كان فى عقلها برج واحد سليم ودلوقتى جيت حضرتك قضيت عليه
قالت "ريهام" بمرح :
- أقولك خبر كمان ..قالى انه هيتقدم ويطلبنى من بابا .. هو مقلهاش صراحة بس معنى كلامه كده
صاحت "ياسمين" بفرح :
-بجد .. بجد يا "ريهام" .. فرحتيني .. أنا مش مصدقه
- أمال أنا اقول ايه .. بجد حسه انى بحلم .."كرم" قالى بحبك .. كرم قالى "بحبك" .. ومش بس كده ده كمان هيتقدملى
صمتت قليلا ثم صرخت بفرح :
- "ياسمين" "كرم" قالى بحبك وهيتقدملى
- "ريهام" صوتك واصل من الأوضة لعندى هنا .. اهدى شوية .. الله يسامحك يا "كرم"
- "ياسمين" عشان خاطرى خلصى بسرعة وتعالى عايزة أتكلم معاكى كتير .. عشان خاطرى متتأخريش
- طيب يا حبيبتى هخلص وأجيلك على طول
كانت "ياسمين" سعيدة للغاية من أجل اختها ... كانت جالسه فى مكتبها عندما رأت امرأة تتقدم وتدخل الغرفة .. نظرت "ياسمين" لهذه المرأة الأنيقة بملابس محتشمة وابتسامتها على ثغرها .. فابتسمت لها "ياسمين" قائله :
- أهلا بحضرتك اتفضلى
دخلت فوقفت "ياسمين" أمامها .. قالت "كريمه" :
- انتى اسمك ايه ؟
ابتسمت "ياسمين" قائله :
- أنا اسمى "ياسمين"
أومأت "كريمة" برأسها قائله :
- وأنا كريمه والدة "عمر"
اضطربت "ياسمين" من المفاجأة .. ولم تدرى ماذا تقول .. بعد برهه قالت "ياسمين" :
- اتفضلى حضرتك
جلست "كريمه" على أحد المقاعد .. وجلست "ياسمين" على المقعد المجاور لها .. نظرت اليها "كريمه" متفحصه .. شعرت "ياسمين" بالخجل فأطرقت برأسها .. ابتسمت "كريه" قائله :
- بصراحة أنا مصدومة شوية
خفق قلب "ياسمين" فهى ليست مستعدة أبداً لتكرار تجربتها مع عمته .. فقالت "كريمه" :
- أولاً "عمر" ما قاليش سنك فعشان كده كنت متخيلاكى أكبر من كده .. بس انتى شكلك بنوته صغيره .. ده غير ان باين عليكي هادية وخجوله .. يعنى بصراحة صورة غير اللى كنت رسماها فى خيالى
شعرت "ياسمين" بالضيق فهى لا تعرف هل هذا مدح أم ذم .. فقالت لها :
- اظاهر ان كل اللى بيشوفونى من عيلة البشمهندس "عمر" بيتصدموا
قالت "كريمة" وقد أنتبهت الى أن الفتاة مجروحه مما قالته "ثريا" سابقاً .. فقالت لها :
- أنا فضلت ان أنا اللى آجى ..لانى شايفه ان لازم حد مننا يعتذرلك عن الكلام والاساءه اللى اتوجهت ليكي
نظرت اليها "ياسمين" بإستغراب فأكملت "كريمه قالئه :
- بصى يا بنتى .. أنا أهم حاجه عندى ان ابنى يكون مبسوط ومرتاح .. وانه يختار بنت تعرف تحافظ عليه .. "عمر" ابنى ده أنا بحبه حب مش قادرة أوصفهولك .. لانى مخلفتش غيره .. فهو عندى بالدنيا .. ومفيش عندى حاجه أحب من انى أجوزه وأشوف ولاده بيتنططوا حواليا
ابتسمت "ياسمين" وقد شعرت بحنان و أمومة تلك المرأة الجالسه بجوارها .. أكملت "كريمه" قائله :
- وأنا شايفه ان ابنى متعلق بيكي أوى .. صحيح معرفكيش من فترة كبيرة .. بس أنا أول مرة أشوف "عمر" متعلق بواحده كده
شعرت "ياسمين" بالسعادة تغمر قربها لكلمات "كريمه" .. أكملت "كريمه" قائله :
- الحاجه الوحيدة اللى "عمر" بيتمناها دلوقتى هو انك تكونى زوجة ليه .. وأنا عرفت انك رفضيته .. فحابه اننا نتكلم مع بعض .. زى أم وبنتها .. ده لو طبعاً تحبي تعتبريني زى ماما
شعرت "ياسمين" بحنان تلك المرأة يغمرها .. وشعرت بالفعل بأن قلبها مال اليها فقالت لها بصدق :
- بجد كلام حضرتك وكون ان حضرتك تجيلى هنا دى حاجه كبيرة أوى عندى .. وأنا طبعا يشرفنر انى أتكلم مع حضرتك كلام أم وبنتها
ابتسمت "كريمه" قائله :
- اتفقنا .. يباه قوليلى بأه وبصراحة شديدة انتى ليه رافضه "عمر" .. هل لكلام "ثريا" ولا فى أسباب تانيه ؟
صمتت "ياسمين" قليلا ثم نظرت اليها قائله :
- أعتقد البشمهندس "عمر" قال لحضرتك عن ظروفى
أومأت "كريمه" برأسها فأكملت "باسمين" قائله :
- أنا حسه ان فى فروق كتير بينى وبينه وده مخوفنى .. خايفه منقدرش نتفاهم مع بعض .. خايفة ان الخلافات تكون جوهرية لدرجة انها تصدمنا بعد كده .. أنا مريت بتجربة قاسية أوى .. وخايفه بجد انى أختار غلط مرة تانيه .. مش عايزة أتجرح .. أنا بطبعى مش متردده .. وببقى عارفه أنا عايزة ايه .. بس يمكن التجربة اللى مريت بيها خلتنى خايفه .. خاصة وأنا شايفه الفروق اللى بينه وبين البشمهندس "عمر" .. مش بتكلم عن الفروق المادية بس .. لكن فى الطباع .. وفى الجو اللى كل واحد فينا اتربي فيه .. خايفه يحصل صدام بينا فى يوم من الأيام .. وعشان كده أنا متردده أوى
استمعت "كريمه" اليها .. ثم قالت :
- أولا أان بحترم فيكي انك واحدة عاقلة مش متسرعة .. يعني بنات كتير غيرك كانوا شافوا "عمر" فرصه بالنسبة لهم .. وما كانوش اترددوا أبدا .. بس ترددك ده دليل على انك انسانه جاده وعاقلة وفاهمة الجواز صح ..وأنا معاكى ان ممكن كيون فى فعلا فروق بينكوا .. أما هل الفروق دى ممكن تسبب صدام بينكوا ولا لاء دى حاجه انتوا الاتنين اللى تقدروا تقرروا مع بعض .. مش انتى لوحدك .. ومش هو لوحده .. لازم تعدوا تتكلموا مع بعض ونحطوا النقط فوق الحروف .. تعرفيه ايه اللى انتى خايفه منه .. وهو كمان اكيد عنده مخاوف يتكلم معاكى فيها .. وتحلوا الموضوع سوا .. وتقرروا اذا كنتوا مناسبين لبعض فعلا ولا لاء .. لكن الرفض بدون محاولة لفهم الشخص اللي أدامك ده أكبر غلط .. لانك ممكن بكده تضيعى على نفسك فرصه انك تكونى سعيدة معاه
صمتت "ياسمين" وهى تستمع الى لكلمات "كريمه"الى اخترقت علقها واستقرت به .. اكملت "كريمه" قائله :
- اللى أنا أقترحه عليكي .. وليكي طبعا حرية الموافقة او الرفض .. هو ان تتتعمل خطوبة .. وفترة الخطوبة اصلا معمولة عشان الاتنين يعرفوا بعض ويدرسوا شخصية بعض .. ويقرروا هل كل واحد شايف التانى شريك حياته المناسب ولا لاء .. فرأيي انكوا تاخدوا خطوة الخطوبة .. وبعدين تقرروا انتوا عايزين ايه
ابتسمت لها "ياسمين" قائله :
- بجد كلام حضرتك ريحنى كتير .. حسيت انك فهمانى فعلاً
ابتسمت "كريمه" فى حنان :
- وأنا عايزة أقولك انى ارتحتلك أوى .. وحسه ان "عمر" المرة دى اختار صح .. وأحبك أطمنك .. مش عشان أنا أمه .. بس "عمر" بجد راجل مش هتلاقى زيه .. وانتى بنفسك هتكتشفى ده
قامت "كريمه" .. فوقفت "ياسمين" هى الأخرى .. قبلتها "كريمه" على وجنتيها قائله :
- ربنا يقدملكوا اللى فيه الخير يا بنتى .. أستأذن أنا
كان لتلك المقابلة أثر السحر على نفس "ياسمين" شعرت بالراحة الشديدة لكلام "كريمه" وتفهمها لموقفها .. شعرت بالراحة والسكينة فى قلبها
***************************
عادت "كريمة" لتجد "عمر" فى استقبالها وعلامات اللهفة على وجهه قائلاً :
- ها .. ايه الأخبار
قالت "كريمه" بخبث :
- الحمد لله .. يلا أسيبك بأه عشان هطلع أنام شوية
وقف "عمر" أمامها قائلاً بمرح :
- لا ميدخلش عليا الكلام ده .. قرى واعترفى يا ماما باللى حصل بالتفصيل الممل
ضحكت "كريمه" قائله :
- طيب ممكن على الأقل أعد
أفسح "عمر" الطريق أمامها ومد يده بطريقة مسرحية قائلاً :
- طبعاً اتفضلى يا ست الكل
جلست "كريمة" على الأريكة وجلس "عمر" بجانبها قائلا بإهتمام :
- ها رأيك فيها ايه ؟
ابتسمت "كريمه" :
- بصراحة عجبتنى
ابتسم "عمر" وظهرت علامات السعادة على وجهها :
- مش قولتلك هتحبيها .. ها اتكلمتوا فى ايه .. وصلتوا لايه .. قالتلك كل الأسباب اللى مخلياها ترفض ؟
قالت "كريمة" بجديه :
- بصى يا "عمر" أنا شافيه ان البنت معاها حق تخاف وترفض .. البنت عايشة فى مستوى غير اللى انت عايش فيها .. وانت بالنسبة لها واحد غريب عليها متعرفش لا أخلاقه ولا طباعه .. ده غير تجربتها اللى زودت خوفها ده
فكر "عمر" قليلاُ ثم قال :
- طيب ما أنا حابب انى أقرب منها أكتر وأطمنها من نحيتى
- وده اللى أنا قولتهولها .. اقترحت انكوا تعملوا خطوبة .. وتحاولوا تفهموا بعض أكتر .. وتتكلموا مع بعض بصراحة
قال "عمر" بلهفه :
- ووافقت ؟
ابتسمت "كريمة" قائله :
- أنا سبتها تفكر .. بس احساسى بيقولى انها هتوافق .. الى حسيته يا "عمر" ان البنت دى بتحبك .. هى بس محتاجه انها تطمنلك
عانق "عمر" أمه قائلاً :
- ربنا يخليكي ليا يا أمى .. بجد ريحتى قلبي
نظرت اليه "كريمه" وقالت:
- بس ايه ده يا "عمر" .. يعني اختيار غير "نانسي" تماما ..بصراحة لما شوفتها اتصدمت شوية
قال "عمر" بجديه :
- وده اللى جذبنى ليها .. حاسسها مختلفة .. محافظة على نفسها جداً .. تصورى حتى مبتسلمش عليا بايدها .. لا أنا ولا غيري .. مبتسمحش لحد انه يتجاوز حدوده معاها .... وبتحط خطوط حمرا للى أدمها ومش مسموحله أبدا انه يعديها .. مبتسمحش لأى راجل انه يقرب منها مهما كان هو مين .. وده مخليني هتجنن عليها
- ربنا يجعلها من نصيبك يا "عمر"
- أيوة يا أمى ادعيلى الدعوة دى
**********************
رن جرس الهاتف .. اخرجه "مصطفى" من جيبه ليجد رقماً غريباً رد فأتاه صوت فتاة قائله :
- البشمهندس مصطفى معايا ؟
- أيوة أنا مين معايا
أنا واحدة متعرفهاش
ابتسم "مصطفى" قائلاً :
- وعايزة ايه ياللى معرفكيش
- اسمعنى للاخر وانت تعرف أنا عايزه ايه
- قولى يا موزه
- أنا أعرف طليقتك "ياسمين" وأهلها .. وأعرف هما أعدين فين دلوقتى
قال "مصطفى" بدهشة :
- انتى عرفتى رقمى منين
- باباها راجل غلبان أوى .. ومش صعب تاخد منه اى معلومة انت عايزها .. عرفت منه اسمك واسم الشركة اللى بتشتغل فيها .. كلمتهم فى الفرع الرئيسي وطلبت رقم فرع البحر الاحمر .. واتصلت بالموقع عندك ورد عليا واحد من حسن حظى انه صاحبك وادانى رقم موبايلك
- وايه اللفه الطويلة دى ؟
- اسمعنى للاخر وانت تعرف .. طليقتك اللى كانت مراتك .. طلبت الطلاق عشان يخللها الجو مع الراجل اللى بتحبه .. ولما انت ضربتها هاخدتها حجة عشان تعرف ترفع القضية وتطلق منك
قطب "مصطفى" جبينه قائلا :
- انتى بتقولى ايه ؟
- بقول انها كانت بتحب واحد وخباها فى بيته هو واهلها وشغلهم كمان .. ودلوقتى هيتجوزوا بعد ما "ياسمين" اديتك أكبر قلم وضحكت عليك
صاح بغضب :
- أنا مفيش حد يقدر يضحك عليا ده أنا تييييييييييييييييت هى وأهلها
- أيوة تعجبنى وانت حمش كده .. لو فعلا عايز تنتقم منها ومن عشيقها ده .. ومش بس كده تكسب انت كمان فأنا عندى خطة متخرش الميه
سألها بشك :
- وانتى هستتفادى ايه لما تساعديني ؟
- هاخد بتارى منهم هما الاتنين .. وكمان هبقى كسبتلى قرشين
- انتى عايزانى اعمل ايه بالظبط .. ومكسب ايه اللى هيكون ليا وليكي ؟
- فلوس .. ملايين بمعنى اصح
قال "مصطفى" بسخريه :
- انتى شكلك واحدة فاضية وبتهرجى
- لأ مش بهرج اسمعنى للآخر وانت تعرف انى جد .. وجد أوى كمان .. بس الموضوع محتاج راجل بجد .. يا ترى انت راجل بجد يا "مصطفى"
صاح قائلاً :
- ده انا أرجل من أرجل راجل عرفتيه .. قولىوسمعيني الكلام اللى عندك
**********************
- بصراحة يا "سماح" كلام مامته ريحنى أوى .. حستها فهمانى
ابتسمت "سماح" قائله :
- أنا فرحانه اوى بالتطورات دى .. كون أصلاً انها تجيلك لحد عندك وتعتذرلك عن اللى عمته عملته دى حاجه كويسة أوى .. وكمان كلامها مقنع .. انا كمان رأيي من رأيها ..وافقى على الخطوبة يا "ياسمين"
تنهدت "ياسمين" قائله :
عارفه يا "سماح" .. أنا عامله زى اللى عين فى الجنة وعين فى النار .. بجد حسه بحيرة وخوف كبير أوى جوايا .. عارفه ايه أكتر حاجه مخوفانى .. ان "عمر" ميكنش بالصورة الحلوة اللى أنا رسمهاله .. يعني بجد هتصدم أوى لو فى يوم قالى اقلعى حجابك .. أو لو قالى البسى زى ما بشوف البنات بتلبس .. بجد هحتقره أوى .. أنا مش قادرة أفهم لحد دلوقتى تفكيره .. انتى عارفه يا "ٍسماح" اننا اتربينا من صغرنا ان الحجاب ده جزء من البنت مينفعش تتخلى عنه أو تفرط فيه .. حاجه مهمة أوى فى حياتها .. خايفه أتصدم فى "عمر" .. وتكون الحاجة دى بالنسبة له مش مهمة ومحصله بعضها .. خايفه كل اللى أنا أكون شايفاه خطوط حمرا هو يشوفها خضرا ..ده غير اسلوبه مع البنات .. مستحيل أقبل ان جوزى يسلم بالايد على بنت عمته او على اى واحده ويسبها تبوسه وتحضنه كمان .. مش ممكن أقبل ده أبداً .. خايفة يحصل صدام بينى وبينه .. ويقولى أنا كده واتربيت كده وعيشتى كده .. لان أنا مش ممكن هقبل كده .. خايفة يكون بعيد عن ربنا أوى .. أنا حساه فعلا بعيد .. بس خايفه يكون بعيد اوى .. بعيد البعد اللى أفشل فى انى أقربه ..أنا لحد دلوقتى مش عارفه أفهمه .. خايفه يا "سماح" لو قررت فى يوم انى اسلم على صحابه وقرايبه الرجاله بايدي ألاقى ان ده عادى عنده ومش فارق .. خايفه لو قولتله فى يوم انى عايزة ألبس لبس مفتوح او ضيق يفرح بكده او يقولى عادى ومش فارقه .. خايفه محسش انه راجل وخايف عليا وبيغير عليا .. خايفه ميحسسنيش انه غيران عليا يا "سماح" .. خايفه أكون جذبه انتباهه بس عشان انا حاجه جديدة فى حياته .. بس بعد فترة يتعود عليها ويمل منها .. ويحن للبنات اللى يعرفهم .. خايفة أسيب قلبي يحبه ويتعلق بيه والآخر ألاقيه هو اللى سبنى .. خايفة أوى يا "سماح"
كانت "سماح" تنظر اليها وتستمع فى صمت .. أكملت "ياسمين" قائله :
- وفى نفس الوقت شوفت منه حاجات مطمنانى .. يعني مثلا عارف حدودى كويس ومش بيحاول يتعداها معايا .. ولما برفض حاجه بيبقى فاهم سبب رفضى .. شوفت اللى عمله مع العامل اللى اتصاب .. كان شجاع أوى وهو بيحاول ينقذ ايده .. ولما ساعد الست الغلبانة اللى طردوها .. ولما كان معايا وأنا بولد المهره .. وهو بيلبس الجلبيه الفلاحى .. حسيته أد ايه طيب ومش مغرور وحنين وقريب منى ومن طباعى
قالت "ياسمين" مبتسمه :
- تعرفى ان بابا لما راح المستشفى اللى فيها العامل هو و "ريهام" أهل العامل قالوله ان "عمر" دفع كل مصاريف علاجه وكمان مرتبه قالهم هيوصلهم كل شهر
- مكنتش أعرف .. "أيمن" ما قاليش
بجد متتصوريش اللى عمله ده خلانى حسه بايه .. بجد عجبنى أوى اللى عمله .. واحد غيره كان قال وأنا مالى .. بس هو كان فى الموقف ده راجل بجد .. حنيته دى بتجننى يا "سماح" .. أنا بحب أوى الراجل الحنين
ابتسمت "سماح" لصديقها فأكملت "ياسمين" بسعادة :
- أنا حسه انى بدأت أتعلق بيه أوى يا "سماح" .. وعشان كده نفسي فعلا أعرفه أكتر عشان أقدر أقرر صح .. أنا فعلا حسه ان كلام مامته صح .. وان المفروض نعمل خطوبة .. عشان نقدر نفهم بعض
هتفت "سماح" بفرح :
- يعني وافقتى ؟
أوقفتها "ياسمين" بيدها قائله :
- لأ استنى ما قولتش انى وافقت .. أنا قولت انى حسه ان ده المفروض يحصل .. بس لسه ما قولتش أيوة
صاحت "سماح" :
- يا ستى قولى أيوة بأه
ضحكت "ياسمين" قائله بدلع :
- هستخير الأول .. وبعدها هقول رأيي
رفعت "سماح" كفيها هاتفه :
- يارب يبقى أيوة يارب
***************************
عادت "ياسمين" من عند "سماح" ودخلت بوابة المزرعة لتسمع خلفها صوت سيارة "عمر" .. التفتت .. خفق قلبها لرؤيته أكملت طريها .. سار بسيارته مسرعاً وأوقفها أمام بيت المزرعة ثم نزل والتفت ينتظرها .. كادت أن تكمل طريقها لكنه أوقفها قائلاً:
- ازيك يا "ياسمين"
قالت بصوت خافت :
- الحمد لله
ابتسم قائلاً :
- كنتى فين ؟
- كنت عند "سماح"
اتسعت ابتسامته ونظر اليها بخبث قائلاً :
- شكلى هبتدى أغير من "سماح"
احمرت وجنتاها ومشيت خطوتين قبل أن يناديها قائلاً :
- "ياسمين" أستنى
التفتت اليه وقلبها يخفق بشده .. سألها بإهتمام :
- فكرتى فى اللى ماما قالتهولك ؟
أومأت برأسها .. فقال :
- وقررتى ايه ؟ .. موافقه ؟
شعرت بالارتباك لكنها نظرت اليه قائله :
- هستخير وبعدين أقول قرارى
نظر فى عينيها بحنان قائلاً بصوت شجى :
- وأنا هستنى قرارك .. بس متتأخريش عليا .. مبقتش مستحمل بعدك ده .. كفايه تعذيب بأه .. نفسي أحس انك ليا بجد .. وايدك دي يبأه فيها دبلتى .. والكل هنا يعرف انك بتاعت "عمر" .. بتاعته هو وبس.
شعرت بحنان عينيه يغمر قلبها .. وبكلماته تخترق أعماق روحها لتستقر بها .. أومأت برأسها .. ثم التفتت لتغادر وعلى ثغرها ابتسامه عذبه ..
رواية مزرعة الدموع الفصل الرابع والثلاثون 34 - بقلم مني سلامة
الفصل الرابع والثلاثون من رواية مزرعة الدموع
قامت "ريهام" وغادرت مع "عبد الحميد" الى غرفتهما .. وغادر "أيمن" و "كرم" للبحث مرة أخرى فى المزرعة .. لحظات ووجد "عمر" هاتفه يرن .. وجد رقماً غريب رد ليجد رجلاً يقول جملة واحدة :
- "ياسمين" عندى لو شميت ريحة البوليس فى الموضوع هقتلها وأبعتلك جثتها هدية لحد عندك .. استنى منى تليفون بعد يومين
قال ذلك ثم أغلق وترك "عمر" فى حالة من الخوف والرعب والفزع .. والحيرة
هب "عمر" واقفاً وحاول الاتصال بالرقم مرة أخرى .. رد عليه رجل فقال له "عمر" على الفور :
- انت مين؟
فقال له الرجل :
- انت اللى مين
انفعل عليه "عمر" قائلاً :
- بقولك انت مين ؟ .. ورقم مين ده ؟
صاح الرجل فى غضب :
- ما تحترم نفسك يا جدع انت بتزعق كده ليه .. موبايل محطوط فى المكتبة عندى الزباين بيتصلوا منه
هدأ "عمر" قليلا ثا قال :
- مين الراجل اللى اتصل دلوقتى من الموبايل
صاح الرجل فى غضب :
- أنا عارفلك أهو واحد جه خد الموبايل يتصل أقوله هاتلى بتاقتك أعرف انت مين .. حاجه غريبه يا جدع
وأغلق الهاتف فى وجه "عمر" .. قال له والده :
- خير يا ابنى
نظر "عمر" اليه وهو مشتت الفكر قائلاً :
- واحد اتصل بيا وقالى ان "ياسمين" عنده ومبلغش البوليس .. وهيكلمنى كمان يومين
أكمل "عمر" بصوت مرتجف :
- قالى لو بلغت البوليس هيقتلها ويبعتلى جثتها
شهقت "كريمه" وغطت فمها بيدها .. صاح "عمر" فى غضب :
- ابن التييييييييييييييييت .. مين اللى يعمل حاجه زى كده .. واشمعنى "ياسمين" .. وعايز ايه منها
قال والده :
- اهدى يا "عمر"
التفت الى والده قائلاً :
- اهدى ازاى يا بابا بقولك خطفوها وهددونى يقتلوها
ثم قال بحيره وألم :
- أنا مش فاهم هو عايز منها ايه
قال والده بجديه :
- هو مش عايز منها هى .. هو عايز منك
التفت اليه "عمر" قائلاً :
- ازاى يعني .. مش فاهم
- يعني ايه اللي يخلى واحد يخطف بنت بسيطة زى "ياسمين" وأصلا مش من البلد دى ومتعرفش حد هنا .. وكمان اللى خطفها يكلمك انت .. مش يكلم أهلها .. اللي خطفها عارف كويس هو بيعمل ايه وبيتعامل مع مين .. عارف ان أهلها ناس غلابه مش هيقدروا يدفعوا فديه عشان يرجعوها .. لكن الراجل اللى بيحبها غنى ويقدر يدفعلهم
قال "كريمه" بحيره :
- ومين اللى يعرف ان "عمر" بيحب "ياسمين" أو ان فى حاجه بينهم
قال "نور" :
- أنا واثق ان اللي عمل كده حد بيراقبنا كويس أوى .. وعارف كل حاجه عننا .. يعني مش ضربة حظ .. والدليل انهم اتصلوا ب "عمر"
قال "عمر" بلهفه :
- طيب أنا أعمل ايه دلوقتى .. مش هقدر أستنى يومين .. و"ياسمين" مخطوفه وتحت رحمتهم
سأله والده :
- عايز تبلغ البوليس
مسح "عمر" بيده على شعره قائلاً :
- لأ مش هقدر أخاطر .. خايف يعملوا فيها حاجه .. و لاد التيييييييييييت دول
اقتربت منه أمه قائله :
- هدى نفسك يا "عمر"
أخرج "عمر" هاتفه واتصل بالأستاذ "شوقى" وقص عليه ما حدث .. نصحه الأستاذ "شوفى" بتنفيذ مطالبهم وعدم الإتصال بالشرطة خوفة من أن يصيب "ياسمين" الأذى .. عاد "كرم" و "أيمن" من الخارج وصدموا عندما علموا بأن "ياسمين" مخطوفة وبأن خاطفها تحدث الى "عمر" وهدده بقتلها
مرت الليلة صعبة للغاية على "عمر" .. كان يشعر بألم غائر فى قلبه .. ألم تمكن منه حتى كاد أن يخنقه .. لم ينم طيلة الليل ظل ساهراً على مقعد فى مكتبه .. لاح نور الصباح .. نهض وتوجه الى حيث تختلى "ياسمين" بنفسها .. جلس على الجذع الذى تجلس عليه دائماً .. تحسسه بيده وهو لا يصدق أن حبيبته مفقودة .. ومعرضة للخطر .. وهو لا يستطيع أن يفعل شيئاً .. سوى الإنتظار .. أغمض عينيه لتتساقط عبره منهما .. عبره اختلطت بتراب المزرعة الذى سبق واختلط بعبرات "ياسمين" وفى نفس المكان ..
***********************
باتت "ياسمين" ليلتها على الأرض الباردة .. تبكى .. دون حتى أن تستطيع اخراج صوتها بسبب فمها المكمم .. ظلت تبكى حتى تعبت وانهارت .. ظلت تدعو ربها بقلبها بدعاء ذى النون " لا إله الا أنت سبحانك انى كنت من الظالمين " .. الدعاء الذى أنقذها من "مصطفى" عندما تهجم عليها فى منزلهما .. ظلت تدعو وتستغفر .. ودت فقط لو علمت .. من الذى خطفها .. ولماذا خطفها .. وماذا ينوى أن يفعل بها .. كانت تشعر بأنهم أكثر من رجل .. كانت تسمع الخطوات حولها .. دون أن يتحدثا أمامها .. فجأة سمعت صوت الباب يُفتح شعرت بالذعر .. قامت لتجلس فى مكانها .. كانت كل حواسها منتبهه .. وجدت من يقترب منها .. صرخت صرخة مكتومة وحاولت أن تبعد جسدها عن يديه .. فك الرجل وثاق الرابط على فمها .. حاولت أن تصرخ فكمم فمها بيد واقترب من أذنها قائلاً :
- لو سمعت صوتك تانى متلوميش الا نفسك
كانت لهجته باردة مرعبة .. فامتثلت لكلامه .. خشت أن يقتلها .. أو يفعل ما هو أسوأ من القتل
قالت بصوت مرتجف :
- انت مين وعايز منى ايه ؟
سمعته يضحك ضحكة ساخرة قائلاً :
- متخافيش مش هنعملك حاجه .. احنا بس مستضيفينك عندنا يومين لحد ما ناخد فلوسنا
قالت بدهشة :
- فلوس ايه ؟
ثم فهمت الأمر .. انه خطف مقابل فديه .. فقالت فى ألم :
- لو فاكر انى واحدة غنية واقدر أدفعلك فلوس بتقى غلطان .. وأهلى كمان ميقدروش يدفعوا فلوس عشان يخلصونى
قال بسخريه :
- عارف يا حلوة .. بس حبيب القلب معاه ويقدر يدفع
قالت بدهشة :
- حبيب القلب مين ؟
- "عمر" باشا "الألفى" .. مش برده هو حبيب القلب
امتقع وجه "ياسمين" .. اقترب الرجل منها حتى استنشقت رائحه أنفاسه الخبيثه فالتصقت بالحائط أكثر وبدأت فى البكاء .. قال لها :
- متخفيش لو حبيبك متهورش احنا كمان مش هنتهور
هم بالإنصراف ..فأوقفته قائله :
- لو سمحت
قال بصوت خشن :
- أفندم
قالت "ياسمين" بحرج :
- ممكن لو سمحت .. يعني ... أدخل الحمام
ضحك بسخرية قائلاً :
- وماله
أمسكها من ذراعها ليوقفها مشت معها ..شعرت بأنه يدخلها غرفة فى داخل الغرفة التى كانت فيها .. ثم قال لها :
- اتفضلى
صاحت بحنق :
- أتفضل ازاى يعني وايدي مربوطة ورجلى مربوطة وعيني مربوطة
ضحك ضحكة عايله أثارت حنقها ثم اقترب وفك وثاق يديها وعينيها .. التفتت لتنظر اليه فوجدته يضع قناعاً على وجهه .. اذن فهو ليس هاو .. ويعرف جيداً ماذا يفعل .. وجدت نفسها فى حمام صغير كل شئ ملون باللون الاسود ورماد ملقى على الأرض .. صاح الرجل فى غلظة :
- يلا خلصيني
التفت اليه قائله :
- اخرج الأول
خرج وأغلق الباب .. تأكدت "ياسمين" من الباب المغلق .. ثم التفتت لتتفحص ما حولها .. كل شئ محترق .. وكأن النار اندلعت فى هذا المكان من قبل .. لا يوجد شئ على الجدران .. ولا يوجد شئ على الأرض سوى الرماد .. شعرت بالدهشة .. ما هذا المكان الغريب .. هل هى قريبه من المزرعة .. أم يعيدة عنها .. ماذا يفعل والدها الآن .. و "ريهام" .. بالتأكيد هم قلقون للغاية عليها فقد باتت ليلتها خارج المنزل ولا يعلمون مكانها .. و "عمر" ماذا يفعل الآن .. هل يبحث عنها ؟ .. هل يشعر بالخوف عليها ؟ .. تنهدت فى حسرة .. انتهت من قضاء حاجتها وحاولت فتح الباب .. دخل الرجل ووقف خلفها ليعيد ربط يديها خلف ظهرها ألقت نظرة على الغرفة التى باتت ليلتها فيها .. نفس الشئ جدران محترقه .. رماد على الأرض .. سرير ودولاب محترق .. ولا شئ آخر فى الغرفة
انتهى من ربط يديها خلف ظهرها وأعاد العصبة على عينيها مرة أخرى .. ودفعها .. حاولت قدر الإمكان تلاشى الاحتكاك به .. أمسك بذراعها وأجلسها فى نفس المكان الذى باتت فيه ليلتها .. خرج من المكان ودخل الى السيارة التى يجلس فيها "مصطفى" .. فنظر له "مصطفى" بشك قائلاً :
- اتأخرت كده ليه
نظر اليه "بسطويسي" ضاحكاً ثم قال :
- متخفش مكلتش التورتة لوحدى
ثم انفجر فى الضحك مرة أخرى .. قال له "مصطفى" :
- أصلا هى متهمنيش فى حاجه .. بس مش عايز مشاكل أنا عايز الفلوس مش أكتر من كده
قال له "بسطويسي" :
- أنا مش غبي يا هندسة .. حاجة زى كدة تسيب دليل وأنا أحب الشغل على نضافه .. يعني ما أسبش أى دليل ورايا .. فاهم
أومأ "مصطفى" برأسه وقال بحنق :
- كان لازم تقوله يومين .. كنا طلبنا الفلوس دلوقتى وخلصنا
قال "بسطويسي" شارحاً :
- خليه يستوى على الآخر .. اليومين دول هيجننوه ويشعللوه .. ده لو هيا فعلا تهمه زى ما قولتلى
قال "مصطفى" بثقه :
- أيوة تهمه .. ده خباها منى لحد ما تطلق .. يبأه أكيد تهمه
- قشطة يا معلم
ثم أخرج لفتين من جيبه وأعطى احداها ل "مصطفى" قائلاً :
- خد بأه اضرب دى وادعيلى
صاح "مصطفى" بحنق :
- الله يخربيتك حشيش
لكمه "بسطويسي" فى كتفه قائلاً :
- خد ومتبقاش خرع .. خلى قلبك ميت .. وبعدين الحشيش ده مش مخدرات
- يا سلام أمال ايه
- ده أعشااااب .. أعشاب طبيعيه .. زى العلاج الطبيعي كده
قال "مصطفى" بسخريه :
- والله انت دماغك لسعه .. وشكلك هتودينا فى ستين داهية .. ايه علاقة المخدرات بالأعشاب بالعلاج الطبيعي .. التلاته ملهمش علاقة ببعض
قال "بسطويسي" بضيق :
- ده انت صحيح راجل تقل المزاج
فتح باب السيارة فسأله "مصطفى"قائلاً :
- رايح فين
- هروح أشربها فى مكان تانى بدل كلامك اللى يقلب الدماغ ده
مشى أمامه فزفر "مصطفى" بضيق قائلاً :
- على آخر الزمن أتعامل مع الأشكال التيييييييييييت دى
***************************
مر اليومين على الجميع بشكل صعب للغاية .. كانت "ريهام" لا تتوقف عن البكاء .. أما "عبد الحميد" فكان يمضى وقته فى الصلاة والدعاء وعيناه تتضرع الى الله عز وجل بأن يحفظ له ابنته ويردها اليه سالمه .. أما "عمر" فكان حاله يرثى لها .. كان ينام فى مكانه ليستيقظ فزعاً من أقل صوت منادياً اياها .. ظلت الكوابيس تراوه كلما أغمض عيناه .. كاد أن يجن .. لم يترك شبراً الا وبحث فيه عنها .. نزل الى المنصورة وأمضى الساعات فى البحث عن "ياسمين" فى شوارعها .. دون جدوى .. كان يعلم أن ما يفعله لن يثمر عن شئ .. فلابد أن مختطفيها يخفونها فى مكان مغلق .. لكنه لم يستطع أن يجلش هكذا مكتف اليدين .. شعر بالشوق والحنين اليها .. افتقد حبيبته القريبة البعيدة .. ها هو لا يعرف مكانها .. لا يعرفه ما يفعله هذا الرجل بها .. هل أذاها .. هل لحق بها سوء .. كاد أن يجن ويفقد عقله من كثرة التفكير .. وفى المساء كان الجميع جالس فى منزل "عمر" وكأن على رؤسهم الطير .. فى انتظار اتصال ذلك الرجل .. رن هاتف "عمر" قفز "عبد الحميد" من مكانه ووضعت "ريهام" يدها على قلبها فى خوف .. تعلقت أعين الجميع بـ "عمر" الذى رد قائلاً :
- ألو
قال الصوت :
- 3 مليون جنيه تحطهم فى 3 شنط هاند باج .. كل شنطه فيها مليون جنيه .. وهتصل بيك بكرة الصبح أقولك على مكان التسليم
قال "عمر" قبل أن يغلق الرجل الخط :
- عايز أتكلم مع "ياسمين"
صمت الرجل قليلا ثم قال :
- دقيقة وهتصل تانى
أغلق "بسطويسي" وتوجه الى "ياسمين" شعرت بالخوف لاقترابه منها فك وثاق فمها .. ثم اتصل بـ "عمر" ووضع الهاتف على أذن "ياسمين" .. قال "عمر" :
- ألو
عرفته "ياسمين" .. فأجهشت فى البكاء .. صاح "عمر" بلوعه :
- "ياسمين"
صاح "عبدالحميد" :
- "ياسمين" بنتى
قال "عمر" بلهفة :
- "ياسمين" ردى عليا .. انتى كويسة ؟
قالت من بين شهقاتها :
- أنا خايفة
سحب "بسطويسي" الهاتف وأعاد تكميم فمها .. ظل "عمر" يردد :
- ألو .. "ياسمين" .. ردى عليا .. ألو
خرج "بسطويسي" وأغلق الباب وقال ل "عمر" :
- سمعتها ؟
صاح "عمر" بصوت هادر وكأن بحرغاضب ثائر :
- لو لمستها هقتلك وأشرب من دمك
قال "بسطويسي" بغلظة :
- نفذ اللى أنا بقولك عليه وأنا أرجعهالك صاغ سليم .. أدامك لحد بكرة تكون جهزت الفلوس .. واستنى اتصال منى
قال ذلك ثم حطم الهاتف تحت قدميه وأخرج الشريحه وحطمها هى الأخرى
***************************
تعلقت أعين الجميع بـ "عمر" الذى قال بصوت مرتجف :
- كلمتنى .. قالتى انها خايفه
صاح "عبد الحميد" :
- ربنا ينتقم منهم .. حسبي الله ونعم الوكيل
قالت "كريمه" بلهفه :
- وقالولك عايزين ايه يا "عمر"
قال بهدوء :
- 3 مليون
أجهشت "ريهام" فى البكاء فهى تعلم جيداً أن والدها لا يستطيع تأمين ألف واحد من هذا المبلغ
نظر اليها "كرم" واقترب منها قائلاً :
- متعيطيش يا "ريهام" .. ان شاء الله هترجع
قال له والده :
- وهتعمل ايه لوقتى ؟
نظر اليه "عمر" بجديه قائلاً :
- هدفعهم طبعاً ..حتى لو طلب أكتر من كده انا مستعد ادفعهم
أقبل "عبد الحميد" عليه وهو يبكى قائلاً :
- الهى ربنا يكرمك يا ابنى وما يوقعك فى ضيقه أبداً
ربت "عمر" على كتفه قائلاً :
- متقلقش يا عم "عبد الحميد" .. ان شاء الله "ياسمين" هترجع سليمة
ثم خرج مسرعاً وهو يقول :
- لازم أرتب المبلغ وأجهزه .. لانه هيتصل بيا بكرة عشان يقولى مكان التسليم
*******************************
كان "مصطفى" يجلس واجماً داخل السيارة .. دخل "بسطويسي" وجلس بجواره .. وقال اليه :
- ايه مالك يا هندسه .. خايف ولا ايه
قال "مصطفى" بشرود :
- لأ مش كده .. بس بفكر
- فى ايه ؟
التفت الى "بسطويسي" قائلاً :
- الراجل مستعد يدفع 3 مليون عشان خاطر البنت اللى أعده جوه دى
- مش فاهم
قال "مصطفى" بإستغراب :
- يعني ده واحد قدامه نسوان أشكال وألوان .. والبت دى مفيهاش أى حاجه مميزة .. بت عادية زى أى واحدة .. ايه اللى يخليه يدفع فيها مبلغ زى ده
ابتسم بخسريه قائلاً :
- البت مش وحشة برده .. وبعدين كل واحد ومزاجه
- أنا ما قولتش وحشة .. قولت عاديه .. يعني ميدفعش فيها مبلغ زى ده .. ده لو جوزها كنا قولنا ماشى .. لكن ده واحد مبيربطهوش بيها أى حاجه
قال "بسطويسي" بمزاح :
- شكله كده واقع لشوشته
هتف "مصطفى" قائلاً :
- ما هو ده اللى أنا مستغربله .. ايه اللى عجبه فيها
صمت قليلاً ثم قال :
- بنت التيييييييييييت كانت عاملة نفسها الخاضرة الشريفة .. وأهى دلوقتى عايشة مع الراجل ده فى الحرام
صاح "بسطويسي" :
- يا ابنى النسوان كلهم تيييييييييييت وعايزين تيييييييييييييت و تيييييييييييييييييت و تيييييييييييييييييت
ضحك "مصطفى" قائلاً :
- والله معاك حق يا "بسطويسي" .. تصدق انت راجل بتفهم
ضحك "بسطويسي" قائلاً :
- مش قولتلك مش بالشهادات يا هندسه .. بده
وأشار الى عقله
صمت "مصطفى" قليلاً ثم قال :
- طيب مش هنأكلها .. من ساعة ما جت هنا واحنا مدينهاش أى أكل ولا حتى مايه
قال "بسطويسي" بحده :
- ايه قلبك رق .. محدش بيموت من الجوع يا هندسه .. وبعدين كده أحسن زمانها دلوقتى مهبطه ومش قادرة حتى تتحرك من مكانها بدل ما تتعافى علينا ونضطر كل شوية نخدرها .. وبعدين اهو كلها يوم وترجع تانى لأهلها
جهز "عمر" المبلغ المطلوب بالمواصفات المطلوبة .. كانت هذه هى الليلة الثالثه التى تنامها "ياسمين" عند هذا الرجل .. كان عقل "عمر" يعمل دون توقف .. كان قلبه يحترق ألماً .. وخوفاً .. ولوعة .. حبيبة فى قبضة هذا المجرم .. تذكر صوتها وهى تبكى قائله (أنا خايفة) .. شعر بغضب رهيب بداخله .. شعر بأنه كالعاجز لا يستطيع أن يأخذها بين ذراعيه ويطمأنها .. لا يستطيع أن يبث الأمل فيها ويقول .. لا تخافى حبيبتى انا هنا ولن أتخلى عنكِ مهما حدث .. ظلت تراوده أفكاراً كثيره سوداء .. شعر بأنه جالس على جمر من نار .. وبداخلة حمم بركانيه تحرق روحه وتعذبها .. كان يتمنى شئ واحد .. أن يراها الآن ويأخذها بين ذراعيه ولا يتركها أبداً .. مهما طلبت منه أن يتركها .. لن يتركهاً أبداً .. أيقن الآن أنه لن يستطيع العيش دونها .. حى حبه الأول والأخير .. هى امرأة أحلامه .. هى التى يتمنى أن يعيش معها حاضره ومستقبله .. ما ان يراها حتى يدخلها سجنه .. السجن الذى صنع قضبانه من ضلوعه .. ولن يخرجها منه أبداً .. ستظل حبيسه قلبه .. سيعلمها كيف تحبه .. وتهواه .. وتعشقه كما يعشقها .. سيجعلها تدمنه كما أدمنها .
حانت اللحظة الحاسمة .. اتصل الرجل ب "عمر" قائلاً :
- هتيجي لوحدك بعربيتك ومعاك ال 3 شنط .. وتقف فى المكان اللى هقولك عليه .. الساعة 8 بالليل .. تيجي لوحدك .. ولو لقينا حد معاك انت عارف اللى ممكن نعمله فيك وفيها
أعطاه عنوان لمنطقة شديدة الزحام فى المنصورة .. وأغلق الهاتف ثم حطمه كالعادة .. وأخرج من جيبه صورة ل "عمر" مقصوصة من أحد المجلات وظل يتأمل فيها ويطبع وجهه فى ذاكرته
فى ساعة الصفر توجه "عمر" الى سيارته .. وجد "كرم" و"أيمن" يلحقان به فهتف بهما :
- خليكوا عندكوا .. قالى أروح لوحدى
صاح "أيمن" :
- بس يا "عمر" نضمن منين انه مايعملش فيك حاجه
قال "عمر" بحزم :
- قولتلكوا هروح لوحدى .. مش هخاطر انه يعمل حاجه فى "ياسمين"
ركب السيارة ووضع الحقائب فى الخلف وانطلق فى طريقه .. اتفت "كرم" الى "أيمن" قائلا :
- اركب بسرعة
ركبا سيارة "كرم" الذى انطلق خلف سيارة "عمر" .. قال "كرم" :
- مجنون لو فكر اننا ممكن نسيبه يروح لوحده
قال "أيمن" بقلق :
- بس أنا خايف المجرم ده ياخد باله
هتفت "كرم" بحده :
- أصلا الغبي ده اختار منطقة زحمة جدا يعني لو فى مليون عربية ورا "عمر" هو مش هياخد باله انهم تبعه
حافظ "كرم" على مسافة بينه وبين "عمر" حتى لا ينتبه له .. وصل "عمر" الى المكان .. وجد مكان صغير فركن به و انتظر .. وفجأة وجدت من يركب بجوار وهو يضع قناعاً على وجهه ويامره بأن يدخل فى شارع ضيق .. امتثل "عمر" لأوامره ودخل الشارع .. أمره الرجل بالنزول .. نزل "عمر" من السيارة .. حرك "بسطويسي" لسيارة ووضعها بعرض الشارع ثم حمل الحقائب الثلاث بسرعة ودفع "عمر" الى احدى الدراجات النارية وارتدى الخوذة فوق القناع وانطلق فى طريقه .. دخل "كرم" الشارع ليجد سيارة "عمر" موضوعة بالعرض وتسد الطريق فصال بغضب :
- ابن التييييييييييييييت
قال "أيمن" بضيق شديد :
- واضح انه واحد عارف هو بيعمل ايه بالظبط
طلب "بسطويسي" من "عمر" هاتفته فأعطاه اياه فألقاه "بسطويسي" وهو يسير بالدراجة النارية بسرعة واحتراف بين السيارات
وصلوا الى منطقة مهجورة فأوقف "بسطويسي" الدراجة والتفت الى عمر ووضع عصبه على عينيه وألبسه خوذة أخرى .. ثم انطلق فى طريقه .. كان "عمر" مغمض العينين لا يدرى الى أين يأخذه هذا الرجل .. لكنه متأكد من شئ واحد .. أنه ذاهب الآن حيث توجد "ياسمين" .. ولا شئ يريده غير ذلك ..
كانت "ياسمين" جالسه فى مكانها تدعو ربها أن ينقذها مما هى فيه .. سمعت صوت الباب يُفتح ويُغلق .. سمعت وقع أقدام تقترب منها .. شعرت بالخوف .. التصقت أكثر بالحائط خلفها .. شعرت بشخص يقترب منها بشدة .. حاولت ابعاد وجهها عنه .. وجدته يتحسس ذراعها فأجهشت فى البكاء والصراخ المكتوم بسبب فمها المكمم .. ظلت تصرخ وتصرخ .. وهو يحاول الاقتراب منها أكثر وتلمس جسدها .. دفعته بقدمها بقوة فصرخ قائلاً :
- يا بنت التييييييييييت
توقفت "ياسمين" عن الصراخ وعن الحركة
هذا الصوت .. انها تعرفه جيداً .. تعرفه تمام المعرفة .. وقف "مصطفى" وأخذ ينظر اليها .. تباً لقد عرفته .. بالتأكيد عرفته .. شعر بالتوتر .. والإضطراب .. لم يدرى ماذا يفعل .. حرر فمها .. كانت صامته .. ثم صاحت بصوت متقطع مبحوح من كثرة البكاء :
- "مصطفى"
تباً لذلك .. ماذا يفعل الآن .. عرفت من يكون .. بالتأكيد ستبلغ الشرطة عنه .. لن يتركوه .. سيمسكون به .. سيدخل السجن .. سيضيع مستقبله .. سمع صوت الدراجة النارية بالخارج .. فأسرع يغارد المكان ويغلق الباب .. وصل "بسطويسي" مع "عمر" على الدراحة النارية .. أشار له "مصطفى" بأنه يريد أن يتحدث معه .. أخذ "بسطويسي" .. فى تقييد يدا "عمر" وقدماه .. وقال له بصوت هادر :
- لو عملت أى حركة هنقتلك انت والمزه بتاعتك
فتح "بسطويسي" الباب ليدخله فى المكان الموجود به "ياسمين" .. شعرت "ياسمين" بالخوف من أصوات الأقدام حولها .. انزوت فى مكانها أكثر .. قام "بسطويسي" بتقييد "عمر" بسلسلة وربطه بحلقه موضوعه على الأرض ثم تركه وانصرف
كانا كلاهما معصوب العينين .. سمع "عمر" صوت شهقات بكائها فصاح قائلاً :
- "ياسمين"
سمعت "ياسمين" صوته .. فتوقفت عن البكاء .. صاح "عمر" بلهفه :
- "ياسمين" .. "ياسمين" ردى عليا
كانت "ياسمين" مكممه الفم لم تستطع الرد عليه إلا بالبكاء .. ازداد صوت بكائها
شعر وكأن روحه رودت اليه مرة أخرى .. لأنه أصبح قريباً منها .. خفق قلبه بشدة .. حاول التحرك فى اتجاه صوتها لكن السلسلة قيدته الى الأرض .. فقال بلهفه :
- انتى كويسه .. عمل فيكي حاجه ؟
أجهشت "ياسمين" فى البكاء .. فشعر وكأن صوت بكائها هو طعان توجه الى قلبه المكلوم .. أعاد سؤاله مرة أخرى :
- بالله عليكي طمنينى .. عمل فيكي حاجه ؟
استمرت فى بكائها .. كانت مفزوعة خائفة .. خشت أن يعاود "مصطفى" الكره .. لم تستطع أن تخبره بأنها مككمه الفم .. وهو لا يستطيع أن يراها
فى الخارج كانا الرجلين قد دخلا فى شجار حامي .. قال "بسطويسي" بغضب :
- انت أصلا تيييييييييييييت .. قولتلك متخليهاش تعرفك .. لا تشوفك ولا تسمع صوتك .. أعمل فيك ايه دلوقتى
قال "مصطفى" وقد أصابه خوف شديد :
- والحل دلوقتى يا "بسطويسي" .. أعمل ايه .. أكيد هتبلغ عنى
- أنا أصلا مليش شغل مع العالم التييييييييييييت اللى زيك
صاح "مصطفى" وقد نفذ صبره :
- هتفضل تشتم كده كتير .. قولى على حل
صمت "بسطويسي" قليلا وأخذ يفكر ثم قال بحزم :
- مفيش الا حل واحد
قال "مصطفى" بلهفه :
- ايه هو ؟
- البت دى لازام نخلص عليها
ساد الصمت لحظات .. ثم قال "مصطفى" :
-ايه .. يعني ايه .. نقتلها
قال بقسوة:
- مفيش حل تانى .. هى خلاص عرفتك وهتبلغ عنك .. ولو بلغت عنك ورجلك جت فى الموضوع أنا كمان رجلى هتيجى فى الموضوع .. لأنك راجل تييييييييت ومع أول قلم هتعترف .. يعني مفيش أدامى الا حل من اتنين .. يا أقتلك يا أقتلها
بلع "مصطفى" ريقه بصعوبة .. فصاح "بسطويسي" :
- ها .. قولت ايه ؟ .. أقتلك ولا أقتلها ؟
نظر ايله "مصطفى" وقد أسقط ما بيده .. فبالتأكيد هو لن يضحى بنفسه من أجل "ياسمين"
دخل "بسطويسي" وجذب "ياسمين" الذى تعالت صرخاتها المكتومة فصرخ "عمر" :
- انت بتعمل ايه ؟ .. سيبها متلمسهاش
قال له "بسطويسي" :
- معلش بأه يا هندسة كان نفسي أسملهالك سليمة .. بس الظروف حكمت
ثم قال لـ "ياسمين" التى حاولت الافلات من قبضته :
-لا خليكي حلوة عشان مزعلش منك
خرج وهو يدفعها بيده .. و"عمر" يصيح :
- والله لقتلك وأشرب من دمك لو عملت فيها حاجه .. سمعنى .. "ياسمين" .. "ياسمين"
سار الرجلان معها يدفعها "بسطويسي" بيده .. ساروا بين الأشجار والزرع لا يخترق سكون الليل الا صوت شهقات "ياسمين" .. ظلت تردد الشهادتين بقلبها وهى تعلم أن الموت قادم لا محاله .. ظلت تستغفر وتدعو ربها ألا تتألم .. ظلت تفكر فى الموت .. كيف ستشعر به بعد لحظات .. كيف تفارق روحها جسدها .. هل ستتألم .. هل ستصرخ .. هل ستقوى على الصراخ .. أين سيكون مصيرها بعد الموت .. الجنة أم النار .. ظلت تسترجع شريط ذكرياتها .. وأعمالها .. وأخطائها .. تمنت العودة للوراء .. لإصلاح تلك الأخطاء .. لكن .. الوقت أزف .. ولا عودة الى الوراء .. بعد دقائق .. وربما لحظات .. ستلقى ربها وتقف بين يديه .. كان مرعوبة خائفه .. تُرى سيف ستكون ضمة قبرها التى لن ينجو منها أحد .. هل ستكون ضمة حانية كضمة الأم لوليدها .. أم ضمه تهشم معها جسدها وتختلط فيها عظامها .. شعرت بالخوف .. بل بالرعب .. بل بالفزع .. ما مصير "عمر" .. هل سيلقى نفس مصيرها .. هل سيقتلوه مثلها .. خافت عليه .. أين سيكون مصيره .. جنة أم نار .. الى أن ستوصله أعماله .. كانت خائفه عليه .. وعلى نفسهــا .
حاول "عمر" تحرير نفسه .. كادت يده أن تتمزق .. بل تمزق رسغه بالفعل وسال دمه .. كان يجاهد ليخرج يده من قيدها .. لينقذ "ياسمين" .. حبيبته .. ونور عينه ..استطاع تحرير يده والدماء تنزف منها ..أزاح عصبة عينه .. وأخذ يحاول تحرير قدمه كانت السلسلة مثبته بحلقة الى الأرض .. لن يستطع نزعها .. نظر حوله .. لا يوجد شئ .. الا الرماد .. ما هذا .. هذا المكان .. انه يتذكره جيداً .. هذا المنزل القديم المحترق .. هذا المكان .. دخله من قبل .. يعرفه .. تلك الغرفة الصغيرة .. هذا الفراش المحترق .. نعم انه يعرفه .. نعم هو نفسه .. أسرع وأخرج هاتفاً صغيراً كان قد أخفاه فى حذائه .. فتحه واتصل بـ "كرم" قائلاً بلهفه :
- أيوة يا "كرم" أنا "عمر"
- "عمر" انت فين وايه اللى حصل
قال "عمر" بنفاذ صبر :
- اسمعنى كويس .. أنا فى مكان جمب المزرعة هوصفلك توصله ازاى .. اطلب البوليس وتعلالى على هناك بسرعة
أعطاه "عمر" وصف المكان .. ومن حسن حظه أن "كرم" و "أيمن" كانا قد عادا الى المزرعة بعدما فقداه فى المنصورة .. ما هى الا دقائق .. ودخل "كرم" البيت المحترق .. استطاع الاثنان تحرير "عمر" الذى قال بلهفه :
- اطلبوا البوليس بسرعة .. وكل واحد فيكوا يدور فى جهه .. الراجل اللى خطف "ياسمين" خدها عشان يقتلها
انطلق "عمر" فى اتجاه الأشجار والذى ظن أنه الاتجاه الذى ذهب فيه الرجلان حيث الأرض الشاسعة التى تخلو من البشر فى مثل هذا الوقت .. ظل يرقض وينادى بعلو صوته :
- "ياسمين" .. " ياسمين"
نظر ليجد على بعد أمتار وتحت ضوء القمر رجلين أحدهما يقوم بالحفر فى الأرض والآخر يقف بجوار فتاة منهارة على الأرض .. شعر بقلبه يهوى .. أخذ يلف ويدور فى المكان حتى أمسك شيئاً حاداً .. وتوجه الى حيث الرجل الذى يقف بجوار "ياسمين" وجده يوجه اليها مسدساً صغيراً .. التف حوله ببطء وحاول أن يلفت انتباهه .. وساعده على ذلك الأشجار التى تحيط بالمكان .. وفجأة هوى بما يمسك بيده على رأسه لتنفجر الدماء من رأس "بسطويسي" ويسقط أرضاً .. صرخت "ياسمين" وهى ترى دماء الرجل المنهار بجوارها .. أسرع " عمر" وأمسك المسدس الذى سقط من الرجل على الأرض واقترب من "ياسمين" التى نهضت مسرعة ووقف أمامها وصوب المسدس الى الرجلين .. كان "عمر" يجهل طريقة استخدام المسدس .. لذلك لم يستطع اطلاق النار .. لكنه وقف مهدداً اياهم قائلا :
- اللى هيقرب منى أو منها هموته
سُمعت صوت سرينة سيارات الشرطة قريبة من المكان .. شعر "مصطفى" بالفزع وقد أيقن هلاكه .. لكن "بسطويسي" الجالس على الأرض قلب الموازين عندما أمسك فجأة حجراً وألقى به فى اتجاه "عمر" ..فأصابه فى ذراعه التى تحمل المسدس .. تأوى "عمر" من الألم .. وصاحت "ياسمين" بلوعه :
- عمررررررررررر
أسرع الرجلين بالهرب من بين الأشجار .. يجريان خوفاً من لحاق الشرطة بهما .. لم تستطع "ياسمين" تحمل بكاء وعذاب وارهاق الثلاث أيام .. فهوت جالسه على الأرض تستند الى صخره .. كان "عمر" حائرا أيجرى خلف الرجلين أم يبقى معها .. قرر البقاء معها ..نظر الى ملابسها الممزقة .. لم تعد تجد فى نفسها القدرة على البكاء .. كانت تشعر الإنهيار التام .. اقترب منها وعلامات الألم على وجهه .. جثا بجوارها ونظر اليها قائلاً :
- "ياسمين" .. انتى كويسة
لم تجيبه أغلقت عينها وهى تسند برأسها الى الصخرة .. لم تجد فى نفسها القدرة على الكلام
تلألأت العبرات فى عين "عمر" ومسح بيده على شعرها .. فتحت عينيها والتفتت اليه تحاول ابعاد رأسها فى ضعف .. مسح بأصابعه على وجنتها قائلاً :
- حبيبتى انتى كويسه .. حد فيهم عملك حاجه
نظرت اليه لتتأمل تلك اللهفة على وجهه .. حركت رأسها مرة أخرى لابعاد وجهها عن أصابعه .. اقترب بوجهه منها ومسح على شعرها .. قائلاً بألم :
- حبيبتى ردى عليا .. "ياسمين" حد فيهم عملك حاجه
هزت رأسها نفياً .. فما كان منه إلا أن هوى بشفتيه على جبينها بث فيها كل خوفه وهلعه واشتياقه وخوفه ولهفته وفرحته بنجاتها وعثورة عليها .. كانت تشعر بوهن فى جسدها كله .. حاولت أن تبتعد عنه .. فنظر اليها بحنان وعيناه تحتويان عينيها .. وقال بدفء :
- عارف انك عايزانى أبعد .. بس أنا مش قادر أبعد
جذبها بين ذراعيه .. يضمها الى صدره فى قوه ممزوجه بالحنان .. لف ذراعيه حولها ودفن وجهه فى شعرها يستنشق عبيره .. حاولت دفعه عنها .. لكنها كانت الريشه التى تحاول ازاحة جبل من مكانه .. قال لها بصوت خافت :
- وحشتينى أوى .. كنت هموت من خوفى عليكي
لحظات وسمع صوت "كرم" آتى فى اتجاههما .. قام "عمر" من فوره .. وأسرع ليلاقيه قائلاً :
- "كرم" خليك مكانك متجيش هنا
سأله "كرم" :
- ليه ؟ .. لقيتها
أومأ "عمر" برأسه قائلاً :
- أيوة لقيتها .. بس خليك مكانك ثوانى
كانت "ياسمين" جالسه خلف الصخرة التى تستند عليها فلم يراها "كرم" .. عاد "عمر" اليها .. فنظرت اليه بأعين مندهشه وهو يخلع الجاكت الذى يرتديه ثم جثا على ركبتيه ليلبسها اياه فى رقه كأنها طفل صغير .. لم يظهر من جسدها الا بعض من ذراعها بسبب ذراع بلوزتها الممزق .. لكنه أخفى تلك الرقعات الصغيرة بالجاكيت الذى ألبسها اياه وأغلقه .. ثم ولدهشتها وجدته يخلع قميصه ثم يمسح على شعرها بيده يرتبه الى الخلف ويضعه بداخل الجاكيت الذى ترتديه ثم يطوى قميصه نصفين ويضعه على شعرها المنساب ليخفيه تماما .. نظر فى عينيها برقه أذابت قلبها .. وانتقل الدفء من عينيه الى جسدها كله .. ابتسم لها ابتسامه عذبه وهمس قائلاً :
- بغير عليكي
ساعدها على النهوض .. حاولت قدر الإمكان أن تبتعد عنه وتسير بمفردها .. لكنها شعرت بدوار شديد فتهاوت .. كانت لا تستطيع حتى الوقوف على قدميها .. حاول أن يحملها فقالت بوهن وبصوت مبحوح من كثيرة الصراخ والبكاء :
- لأ
قال "عمر" بحزم :
- انتى مش عارفه حتى تقفى على رجلك
حملها بين ذراعيه دون أى يأبى لاعتراضها .. وسار بها وهو ينظر اليها .. أسندت رأسها على كتفه فى وهن .. كانت تشعر بجوع شديد مزق أحشائها وألم فى كل عظام جسدها الضعيف وبدوار يعصف برأسها .. لكن وسط كل تلك الآلام شعرت بالراحة وهى بين ذراعيه .. شعرت بالأمان وهو بجوارها وهى تعلم أنه لن يسمح لأحد بأن يؤذيها .. حاولت أن تقاوم وتبقى عينيها مفتوحتين .. لكنها لم تستطع كانت طيلة الأيام الماضية تخشى النوم .. فيصيبها أحد الرجلين بمكروه .. لكنها الآن لا تخشاه .. لأنها بين يدين تعرف أنهما ستحميانها .. أغمضت عينيها لتغرق فى سبات عميق أقرب الى غيبوبة
نظر اليها "عمر" فى حنان وهو سائر بها .. شعر بأنه يحمل قلبه بين ذراعيه .. كان سعيداً ورأسها موضوع فوق قلبه .. وهى سليمه .. لم يصبها سوء .. وعادت اليه .. ولن يتركها تفلت منه أبداً .. أدخلها سيارة "كرم" وجلس بجوارها .. انطلق "كرم" بالسيارة فى طريقه الى المستشفى .. نظر "كرم" اليهما فى المرآه قائلا :
- هى كويسه ؟
أومأ "عمر" برأسه .. وأخذ ينظر الى وجه حبيبته النائمه فى حضنه .. قائلاً بقلق :
- أنا مش عارف هى نايمة ولا أغمى عليها .. بس هى بتتنفس
قال "كرم" :
- ربع ساعة بالكتير وهتكون فى المستشفى .. متقلقش هو أكيد ده بسبب تعب اليومين اللى فاتوا كفايه الرعب اللى شافته
نظر اليها "عمر" مرة أخرى فى حنان .. لف ذراعيه جيداً حولها وكأنه لا يريد قيد شعره أن تفصله عنها .. أزاح قميصه قليلا عن شعرها ليطبع عليه قلبه حانيه هامساً :
- حبيبتى .. مش هسمحلك تبعدى عنى أبداً
أغمض عينيه عن كل ما يراه ليشعر فقط بحبيبته التى بين أحضانه .. بأنفاسها الساخنه التى تلفح وجنته .. وصوت تنفسها المنتظم .. ودقات قلبها التى يشعر بها على صدره.
رواية مزرعة الدموع الفصل الخامس والثلاثون 35 - بقلم مني سلامة
▼
الفصل الخامس والثلاثون من رواية مزرعة الدموع
أوقف "كرم" سيارته أمام احدى المستشفيات الخاصة .. نزل "عمر" من السيارة وهو يحمل "ياسمين" ويلقى نظرة عليها بين لحظة وأخرى .. توجه الى مكتب الإستقبال فأدخلوهم أحد الغرف .. وضعها "عمر" على السرير برفق .. اقتربت منها الممرضة فتراجع "عمر" قليلاً للخلف ينظر الى "ياسمين" بقلق .. قامت الممرضة بتمديدها وتغطيتها وقالت :
- ثوانى هروح أنادى للدكتور
التفت "عمر" الى "كرم" قائلاً :
- روح انت يا "كرم" اتصل بـ "أيمن" وشوف وصل لايه مع البوليس .. وروح هات والدها وأختها من المزرعة ..
أومأ "كرم" برأسه وهم بالخروج .. لكن "عمر" أوقفه قائلاً :
- معلش يا "كرم" عارف انى تاعبك معايا وشاغلك بمشاكلى
قال "كرم" بسرعة :
- عيب عليك يا "عمر" هو احنا مش اخوات ولا ايه .. أنا لو كنت مكانك عارف انك هتعمل عشاني أكتر من اللى أنا بعمله
ربت "عمر" على كتفه شاكراً اياه .. خرج "كرم" فإلتفت "عمر" الى "ياسمين" الممده على الفراش ..اقترب منها ومسح بظهر أصابعه على وجنتها .. لحظات وعادت الممرضة بصحبة الطبيب .. وقف الطبيب مكان "عمر" الذى رجع قليلا الى الوراء وهو يتابع ما يحدث ..التفت الطبيب الى "عمر" قائلاً :
- ايه اللى حصلها بالظبط
قال "عمر" بحزن :
- كانت مخطوفه التلات أيام اللى فاتوا .. ولما لاقيتها كانت كويسه .. وفجأة نامت .. أنا معرفش هى نامت ولا هى أغمى عليها .. جبتها وجيت بها على هنا على طول
أومأ الطبيب برأسه .. ثم التفت الى "ياسمين" .. فتح سوسته الجاكيت الذى ألبسها اياه "عمر" ثم شرع فى فك أزرار بلوزتها حتى يدخل سماعته الطبيه لتفحص تنفسها .. شعر "عمر" بالإختناق وبالنيران تشتعل بداخله وهو يرى أصابع الطبيب تفتح أزرار ملابسها واحد تلو الآخر .. اقترب منه فجأة وأمسكه ذراعه بحزم قائلاً :
- لو سمحت .. مفيش دكتورة فى المستشفى دى ؟
التفت اليه الطبيب قائلاً بدهشة :
- أيوة فى
قال "عمر" بحزم :
- طيب لو سمحت خلى الدكتورة هى اللى تفحصها
نظر اليه الطبيب بحده قائلاً :
- وايه المشكلة يعني لو كشفت عليها أنا
قال "عمر" ببرود :
- لأ .. عايز دكتورة .. يا إما هاخدها مستشفى تانيه
نظر اليه الطبيب بحنق .. ثم أمر الممرضة بإحضار الطبيبة المناوبة وغادر الغرفة .. اقترب "عمر" منها مرة أخرى .. مسح بأصابعه حبات العرق التى تكونت على جبينها وهو ينظر اليها فى حنان .. لحظات وحضرتك الطبيبة .. رجع "عمر" للخلف ليفسح لها المجال .. أشاح "عمر" بعينيه عما كشفته الطبيبة من جسدها .. أنهت الطبيبة فحصها ثم التفتت الى الممرضة وطلبت تعليق محلول لها .. وأعطتها بعض التعليمات الأخرى .. نظر "عمر" الى الطبيبة قائلاً بقلق :
- هى كويسه ؟
أومأت الطبيبة برأسها قائله :
- أيوة متقلقش .. هى بس واضح انها مرهقة أوى .. وكمان عندها هبوط وضغطها واطى .. متقلقش هنعلقلها محاليل وهتبقى كويسة ان شاء الله .. هى محتاجه راحه مش أكتر
قال "عمر" بلهفه :
- يعني هتفوق امتى
ابتسمت قائله :
- انت جوزها
هز "عمر" رأسه نفياً :
- لأ خطيبها
- متقلقش زى ما قولتلك هى محتاجه راحه .. وهتفوق امتى على حسب .. هى من الواضح انها محتاجه للنوم أكتر من أى حاجه تانية .. ممكن تفوق على بكرة وتبقى كويسه ان شاء الله
شكر "عمر" الطبيبة التى غادرت بعد أن أعادت التعليمات على الممرضة مرة أخرى .. أنهت الممرضة تعليق المحلول .. وحقنت به الأدوية التى وصفتها الطبيبه .. وأزاحت قميص "عمر" من على رأسها وأعطته اياه فإرتداه .. ثم خرجت من الغرفة وأغلقت الباب خلفها .. اقترب "عمر" من فراشها وجلس بجوارها .. يتأملها وهى نائمة .. شعر بحنان جارف تجاهها .. أرادها أن تستيقظ وتفتح عينيها ليطمئن أنها بخير .. لكم اشتاق لرؤية عينيها .. أمسك كفها الموضوع به الكانيولا ووضعه بين كفيه .. تحسس بأصابع يده الأخرى العروق التى ظهرت حول الكانيولا .. كان يبدو عليها الضعف الشديد .. رق قلبه لها .. لكم قاست وتعذبت فى الأيام الماضية .. بل وقبل ذلك أيضاً .. أراد أن يعوضها عن كل ما قاست .. وكل ما عانته من قبل .. ظل يتحسس كفها ويتأملها حتى سمع طرقات على الباب نهض وما كاد يصل الى الباب حتى فتح والدها الباب وبصحبته "ريهام" .. أقبل الاثنان عليها فى لهفة .. قال والدها فى هلع :
- بنتى حبيبتى .. "ياسمين" .. ايه اللى حصلها؟
طمأنه "عمر" :
- متقلقش هى كويسه .. الدكتورة قالت انها نايمه من التعب وممكن تصحى على بكرة
جلست "ريهام" بجوارها تبكى فى صمت .. ثم خرجت من الغرفة .. التفت "عبد الحميد" الى "عمر" قائلاً :
- ايه اللى حصل بالظبط
تنهد "عمر" فى حسرة قائلاً :
- لسه معرفش أنا خدتها وجيت على هنا على طول .. وسبت "أيمن" هناك مع البوليس
عادت "ريهام" حاملة معها بونيه للرأس .. ألبستها اياه لتخفى شعرها المنساب .. نظر "عمر" الى "ريهام" مبتسماً .. ثم خرج من الغرفة ليجد كل من "كرم" و "أيمن" .. اتجه اليه "أيمن" قائلاً :
- ها ايه الأخبار ؟
أومأ "عمر" برأسه وقال بوهن :
- كويسه الحمد لله .. قولى انت عملت ايه
قال "أيمن" :
- قبضوا على واحد من الاتنين .. والتانى هرب بس بيدوروا عليه
سأله "عمر" :
- عرفوا هما مين ؟
هز "أيمن" برأسه نفياً ثم قال :
- لا لسه هما خدوه على القسم عشان يبدأوا التحقيق .. وعلى فكرة الفلوس معايا فى العربية .. وكمان جهز نفسك عشان تروح القسم لأن أكيد هيطلبوا أقوالك .. وكمان أقوال "ياسمين"
قال "عمر" :
- بكرة ان شاء الله هروح القسم .. لكن النهاردة مش هقدر أمشى من المستشفى واسيبها .. وكمان هتصل بالأستاذ "شوقى" يجيلى الصبح ان شاء الله .. لازم اللى عمل كده ياخد جزاءه .. مش هرتاح الا لما يتسجنوا هما الاتنين
قال "كرم" مطمئناً اياه :
- متخفش ان شاء الله هيتسجنوا .. القضية لبساهم لبساهم
رن هاتف "عمر" فرد قائلاً :
- أيوة يا ماما
قالت "كريمه" بلهفه :
- أيوة يا "عمر" طمنى على "ياسمين"
- بخير يا ماما الحمد لله .. هى نايمه دلوقتى والدكتورة طمنتنى عليها
قالت بإرتياح :
- الحمد لله .. بكرة ان شاء الله أنا وباباك هنيجى نزورها
- ان شاء الله يا ماما
- هتبات عندك ولا هترجع
- لأ هبات مش هقدر أسيبها فى المستشفى وآجى
- باباها وأختها عندك مش كده ؟
- أيوة
- طيب يا حبيبى لو احتجت حاجه كلمنى .. وعلى فكرة حسابي معاك بعدين عشان روحت لوحدك لمجرم زى ده من غير ما تعرفنى
- ماما نتكلم بعدين فى الموضوع ده
- ماشي يا "عمر" .. وخلى بالك من نفسك .. وابقى طمنى عليها
- ماشى يا ماما مع السلامة
- مع السلامة
قضت "ريهام" ليلتها بجوار أختها .. أما "عبد الحميد" و "عمر" جلسا على مقاعد الإنتظار خارج الغرفة .. كان "عمر" على تواصل طيلة الليل مع "كرم" و "أيمن" اللذان يحضران التحقيقات بقسم الشرطة و بالمكان الذى تم اختطافها فيه
فى الصباح .. ذهب "عبد الحميد" لإحضار قهوة له ولـ "عمر" .. فجأة فتحت "ريهام" باب الغرفة ونظرت الى "عمر" قائله :
- بابا فين ؟
قال "عمر" بلهفه :
- ثوانى وراجع .. هى فاقت ؟
أومأت برأسها ايجاباً وقالت :
- أيوة .. هروح أنادى للدكتوره
دخل "عمر" ليجد "ياسمين" وقد فتحت عينيها تنظر من نافذة الغرفة .. اقترب منها .. أحست بوجوده .. نظرت اليه .. تلاقت نظراتهما فى صمت .. كان "عمر" ينظر اليها بشوق ولهفه وحنان و .. حــب .. أما هى فكانت تتذكر ما فعله من أجلها الليلة الماضية .. كيف خاطر بحياته .. كيف قدم ماله .. كيف حماها .. كيف أنقذها .. شعرت بقلبها يخفق لهذا الرجل الواقف أمامها ..وجدته يقترب أكثر .. جلس بجوارها .. فانتبهت وأشاحت بوجهها قائله بحرج بصوت خافت ومبحوح من أثر تعب الليلة الماضية :
- لو سمحت مينفعش كده
تجاهل ما قالت .. نظر اليها بحنان قائلاً :
- انتى كويسه .. كنتى خايف عليكي أوى
أعادت ما قالت بحرج أكبر وهى تحاول أن تبتعد عنه :
- لو سمحت بجد مينفعش كده
قام من مكانه ووقف بجوارها ونظر اليها وابتسم بخبث قائلاً :
- ايه المشكلة يعني ما انتى كنتى فى حضنى امبارح
احمرت وجنتاها بشدة ونظرت اليه نظرة صارمه .. ضحك "عمر" قائلاً :
- لأ كده اطمنت عليكي .. الدم رجع ينور وشك تانى
صمت برهه ثم قال وهو ينظر اليها نظرة متوعده :
- اعملى حسابك .. أنا مش هقدر أستحمل الوضع ده كتير .. أنا سبتك تدلعى بما فيه الكفايه .. بس خلاص صبرى نفذ
نظرت اليه بإستغراب قائله :
- يعني ايه ؟
لمعت عيناه بشوق قائلاً بإبتسامه عذبه:
- يعني خلاص معدتش قادر أبعد عنك لحظة .. لولا انك تعبانه والظروف اللى انتى فيها أنا كنت جبت المأذون وكتبت عليكي حالاً
خفضت عيناها وتلون وجهها مرة أخرى .. تأملها مبتسماً .. لحظات ودخل "عبد الحميد" واقترب منها قائلاً :
- "ياسمين" .. عامله ايه دلوقتى
ابتسمت له قائله :
- الحمد لله يا بابا .. اطمن
مسح على رأسها وجلس بجوارها مردداً :
- الحمد لله والشكر لله .. الحمد لله والشكر لله
حضرت الطبيبة وطمأنتهم على حالها ثم دعت لها بالشفاء وخرجت .. حضرت "ريهام" ومعها طرحه وساعدت "ياسمين" على ارتدائها .. سألها "عمر" بإهتمام :
- احكيلى اللى حصل بالظبط يا "ياسمين"
تنهدت "ياسمين" ثم قصت عليهم كل شئ بدءاً من مكالمة "مها" .. وحتى وجدها "عمر" .. صاح "عمر" بحنق :
- يعني اللى اسمه "مصطفى" ده كان واحد من اللى خطفوكى
أومأت برأسها وقالت بمراره :
- أيوة .. وعشان كده كانوا عايزين يقتلونى ..لانى عرفته من صوته
قل "عبد الحميد" بغضب :
- لا حول ولا قوة الا بالله .. ده طلع بجد شيطان .. يارب يقبضوا عليه ويعدموه عشان نخلص منه
نظر "عمر" الى علامات الألم على وجهها ..احتار فى تفسيرها .. جاءت الشرطة لأخذ أقوالها وأقوال "عمر" .. خرج عم "عبد الحميد" و "ريهام" واستمع الظابط لرواية "ياسمين" .. كانت تقص عليه ما حدث بالتفصيل وهو يقاطعها بالأسئله .. حتى سألها :
- وازاى عرفتى انه طليقك .. انتى قولتى انهم كانوا مغميين عنيكي ومكنش حد فيهم بيتكلم أدامك
قالت بإرتباك :
- هو اتكلم فى مرة فسمعت صوته وعرفته
سألها الظابط :
- اتكلم قالك ايه ؟
توترت أكثر ثم قالت بصوت خافت :
- شتمنى
- ليه ؟
صمتت قليلاً وهى تتجنب النظر الى "عمر" الذى يراقبها بإهتمام .. ثم قالت :
- عشان زقيته برجلى ووجعته
قال الظابط :
- ليه هو حاول يتهجم عليكي ؟
أومأت برأسها وهى تنظر الى أسفل .. انفجرت الدماء فى وجه "عمر" واشتعل غضباً .. فأكمل الظابط قائلاً :
- على العموم احنا مسكنا شريكه .. وجارى البحث عن طليقك .. وكمان جبنا اللى اسمها الدكتورة "مها" أنكرت كل حاجه فى الأول خاصة ان الخط اللى كلمتك منه مش خطها ومش بإسمها .. بس لما شدينا عليها اعترفت خاصه لما أوهمناها ان عندنا أدلة ضدها .. وان شاء الله قريب هنمسك طليقك هو كمان
أومأت برأسها فى صمت .. أعطاها المحضر لتمضى عليه هى و"عمر" .. انصرف الظابط ومن بصحبته .. فالتفت اليها "عمر" قائلاً بحزم :
- متقلقيش لو معرفوش يوصلوله أنا هلاقيه وأخليه يندم على اليوم اللى اتولد فيه
نظر والى التصميم على وجهه .. فأكمل قائلاً :
- أنا هعرفه ازاى يتعرض لمراتى
خفق قلبها لكلمته .. نظرت اليه مندهشة فوجدته ينظر اليها بحنان مبتسماً :
- أيوة مراتى
دخلت "ريهام" وأعقبها والدهما .. بعد فترة جاءت "كريمه" و "نور" و "سماح" لزيارتها والإطمئنان عليها .. سعدت "ياسمين" للغاية بتلك الزيارة وبإلتفاف كل من تحبهم حولها .
***************************
فى نهاية اليوم سمحت الطبيبة لـ "ياسمين" بالمغادرة .. عاد الجميع الى المزرعة .. بقيت "سماح" مع صديقتها فى غرفتها في حين كان "أيمن" و "كرم" فى منزل "عمر" .. جلست "سماح" بجوار "ياسمين"على السرير قائله :
- قلقتينى عليكى .. كنت حسه انى هموت من الرعب
ابتسمت "ياسمين" فقالت "ريهام" :
- كنت حسه انى عايشة فيلم رعب .. أختى مخطوفه واللى خطفها طالب فديه .. حاجه ولا فى الأحلام .. دايماً بقرأ الحوادث دى فى الجرايد بس عمرى ما تخيلت انها تحصل معانا
قالت "ياسمين" :
- الحمد لله انها جت على أد كده
قامت "ريهام" قائله :
- هروح أطمن على بابا .. اليومين اللى فاتوا الضغط على عليه أوى
شعرت "ياسمين" بالأسف .. لأنها سبب تعب والدها .. نظرت اليها "سماح" قائله :
- أكيد التجربة كانت صعبة عليكي أوى
تنهدت "ياسمين" بأسى قائله :
- جداً .. كنت مرعوبة .. مكنتش فى الأول عارفه هما عايزين منى ايه .. ولا هما مين .. وبعد ما عرفت اترعبت أكتر
ثم قالت بألم :
- أكتر حاجه ألمتنى .. لما اكتشفت ان "مصطفى" واحد منهم .. بجد مكنتش متخيله ان الانسان ده جواه السواد ده كله
قالت "سماح" بتقزز :
- بجد حسبي الله ونعم الوكيل فيه .. ربنا ينتقملك منه
قالت "ياسمين" بصوت متألم :
- تخيلى لو كنت لسه مراته لحد دلوقتى .. كان زمانى كرهت نفسي .. الحمد لله انى خلصت منه
- الحمد لله .. فعلاً ربنا خلصك منه
ساد الصمت قليلا .. ثم قالت "سماح" مبتسمه :
- "أيمن" قالى ان "عمر" كان هيموت من خوفه عليكي .. أول ما طلبوا الفدية مترددش انه يدفعها .. كان أهم حاجه عنده انك ترجعى سليمه
ابتسمت "ياسمين" فى خجل قائله :
- عمرى ما هنسى اللى عمله معايا .. كان خايف عليا أكتر من خوفه على نفسه .. كان شجاع جداً وهو بيواجههم وواقف أدامى يحميني ..لما سمعت صوته فى الأوضه أول ما دخلوه اطمنت أوى .. حسيت ان مجرد صوته بيطمنى .. ولما خدونى عشان يقتلونى .. كنت حسه انى خايفه عليه .. وأعدت أفكر هيأذوه ولا لأ
ثم استطردت قائله بتأثر :
- تعرفى يا "سماح" انه لما لقى هدومى اتقطعت و شعرى مكشوف قلع الجاكيت والقميص بتوعه وغطى جسمي وشعرى بيهم
ابتسمت "سماح" .. فأكملت "ياسمين" :
- متتصوريش أنا كنت حسه بإيه .. فاكرة أخر مرة كنت عندك لما قولتلك انى مش عارفه طباعه وخايفه يخليني اقلع الحجاب او يلبسنى مكشوف او ميغرش عليا .. لما عمل كده حسيت ان مخاوفى دى راحت .. أنا عارفه انه عمل كده غيره .. يعني مش عشان حلال وحرام .. بس الغيره اللى عنده دى بتديني أمل ان جواه حاجه كويسه .. هو بس ملقاش اللى يوجهه .. عارفه مخلاش حتى "كرم" يقرب منى ويشوفنى وأنا فى الحالة دى
أكملت مبتسمه :
- تعرفى ان الممرضة اللى كانت معايا قالتلى خطيبك ده بيحبك أوى وبيغيرعليكي أوى .. استغربت .. لقيتها بتقولى انه مرضاش يخلى الدكتور يكشف عليا وأصر انهم يجيبولى دكتورة .. وقالهم لو مجبتولهاش دكتورة أنا هخدها مستشفى تانيه .. متتصوريش لما قالتلى كده أنا حسيت بإيه .. بجد على فى نظرى أوى أوى .. وحسيته راجل بجد
صمتت قليلاً ثم قالت وابتسامة جميلة فى عينيها وعلى شفتيها :
- أنا بحبه أوى يا "سماح"
ضحكت "سماح" قائله :
- الله أكبر .. بركاتك يا "عمر" .. كان لازم تتخطفى يعني عشان نسمع الإعتراف ده
ضحكت "ياسمين" فى خجل قائله :
- أنا كنت شكه بس خلاص دلوقتى اتأكدت .. أنا فعلاً بحبه يا "سماح" .. واللى حصل ده كله خلانى أشوفه راجل بجد .. وحسه انه بشوية توجيه ممكن حاجات كتير فى حياته تتغير
ابتسمت "سماح" قائله بخبث :
- طبعاً عشانك يا قمر ممكن كل حاجه فى حياته تتغير
عادت "ريهام" لتنظر اليهما قائله فى مرح :
- ايه مش تضحكونا معاكوا .. والا الاكتئاب والعياط لـ "ريهام" .. والابتسامه اللى من الودن للودن لـ "سماح"
قالت "سماح" بمرح :
- أخيراً أختك اعترفت وقالت : بحبه يا "سماح"
زغرطت "ريهام" قائله :
- أخيراً .. يا فرحة قلبك يا "عمر" يا ابن طنط "كريمة" .. أخيراً نلت الرضا السامى و "ياسمين" بذات نفسها قالت انها بتحبك
قالت "ياسمين" بدلع :
- بصراحة بعد اللى عمله دخل مزاجى
قالت "ريهام" فى مرح :
- دخل مزاجك بس .. ده المفروض يدخل عقلك وقلبك وشرايينك وكل حته فيكي .. يعني المفروض لو عملنالك تحليل شامل نلاقى "عمر" جواكى عمال ينتشر وتوغل ويتسرب ويستمر ويستمر ويستمر
ضحكت "سماح" .. نظرت اليهما "ياسمين" مبتسمه :
- انتوا في ايه مالكوا .. ياريتنى مكنتش فتحت بقى أنا غلطانه أصلاً
"ريهام" بمرح :
- لأ أبوس ايدك .. احنا طلعت عنينا عشان ناخد منك الإعتراف ده .. اوعى ترجعى فى كلامك .. خلى الدنيا تمشى حلو بأه .. ونعمل خطوبتى وخطوبتك فى يوم واحد
ابتسمت "سماح" وقالت :
- حد كان يصدق ان احنا التلاته ناخد 3 صحاب
ابتسمت "ياسمين" :
- لأ بصراحة عمرى ما كنت أتخيل
"ريهام" مبتسمه :
- ولا أنا .. سبحان الله
ثم نظرت الى "ياسمين" قائله :
- أنا من أول يوم وأنا بقولك انى حسه انى البلد دى وشها حلو علينا وهنطلع منها بفردتين .. ادينا خدنا أحلى فردتين فى البلد
لم تتمالك "سماح" و "ياسمين" نفسهما من الضحك .. قالت "سماح" :
- آه لو يسمع "كرم" موضوع الفردتين دول مكنش عتقك يا "ريهام"
نظرت "سماح" اليهما قائله :
- احم احم فى خبر كده عايزة أقولكوا عليه
نظر اليها كل من "ريهام" و "ياسمين" .. فإبتسمت قائله :
- أنا حامل
صاحت الفتاتان فى فرح .. قالت "ياسمين" :
- بجد يا "سماح" .. ألف ألف مبروك
قالت "ريهام" فى سعادة :
- مبروك يا "سماح" ربنا يتمم حملك على خير يارب
قالت ضاحكة :
- الله يبارك فيكوا .. أنا عرفت فى اليوم اللى "ياسمين" اتخطفت فيه .. والحمد لله أهى رجعت وسطينا تانى قولت أبشركوا بالخبر ده
قالت "ياسمين" بسعادة :
- بجد ده أحلى خبر سمعته .. ياه بقالى فترة طويلة مفرحتش كده .. يعني هبقى أخيراً خالتو
عانقتها "سماح" قائله :
- طبعاً يا "ياسمين" انتى أكتر من أختى
***************************
صاح "كرم" بمرح :
- وأخيراً هنشوف ابن واحد مننا .. أنا كنت بدأت افقد الأمل خلاص
قال "عمر" لـ "أيمن" بسعاده :
- ألف ألف مبروك يا "أيمن" .. بجد فرحتلك أوى
قال "أيمن" مبتسماً :
- ربنا يكرمك يا "عمر" .. يلا اتجدعنوا انتوا كمان خلونا نفرح بيكوا بأه بدل أعدتكوا كده .. بأه شكلكوا وحش
ضحك "عمر" .. صمت قليلاً ثم قال :
- أنا عايز أكلم أبوها تانى .. بس خايف يفتكر انى بستغل الموقف
قال "أيمن" :
- لأ الموضوع مفيهوش استغلال فرص ولا حاجه .. يعني ده جواز
قال "عمر" بقلق :
- خايف يفتكر انى بضغط عليهم عشان يعني اللى عملته مع "ياسمين"
قال "كرم" مؤكداً :
- لأ محدش هيظن كده .. المهم "ياسمين" نفسها انت مالى ايدك منها المرة دى ولا هترفض زى المرة اللى فاتت
فكر "عمر" قليلاً ثم قال :
- بصراحة مش مالى ايدي أوى
ثم ابتسم بخبث قائلاً :
- بس برده ايدي مش فاضيه
قال "كرم" بمرح :
- يبأه على خيرة الله .. توكل على الله وكلم أبوها تانى
ابتسم "عمر" قائلاً :
- بس المرة دى أنا مش هتكلم فى خطوبة
صاح "كرم" قائلاً :
- الله .. اشمعنى انت .. أنا كمان مش عايز خطوبة
قال "أيمن" بمرح :
- الله الله أهو هو ده الكلام .. يلا عشان نخلص منكوا انتوا الجوز مرة واحدة
اتصل "أيمن" بـ "سماح" ونزلت من عند صديقتها ليعودا الى منزلهما .. سألته عن تطورات التحقيقات فأجابها قائلاً :
- "بسطويسي" و "مها" اتقبض عليهم .. والبوليس بيدور على "مصطفى" متخفيش أيام ويتقبض عليه ان شاء الله
قالت "سماح" بحنق :
- ربنا ينتقم من اللى اسمه "مصطفى" ده .. ده هيكون عبرة ان شاء الله ولسه عقابه عند ربنا .. ده بجد انسان ظالم أوى
نامت "ريهام" .. وظلت "ياسمين" ساهره .. تفكر فى كل ما حدث لها .. وفيما قاسته منذ وفاة والدتها رحمها الله .. ثم وصلت بتفكيرها الى "عمر" .. عندما تذكرته ابتسمت .. نعم لقد أحبته .. دخل قلبها رغم الأسوار العالية التى بنتها حوله .. ملك مشاعرها وكل كيانها .. برجولته وغيرته وخوفه عليها .. التفتت الى هاتفها لتراه يضئ فى صمت .. نظرت فوجدت رقماً لا تعرفه .. تعجبت من الذى يتصل بها فى هذا الوقت .. ظنت بأنه ربما يكون "مصطفى" .. شعرت بالخوف .. لم ترد .. اتصلمرة أخرى .. غلبها الفضول ففتحت الخط دون أن ترد .. ولدهشتها سمعت صوت "عمر" يقول :
- ازيك يا "ياسمين"
صمتت ولم تجب .. كانت مندهشة من اتصاله بها .. أكمل "عمر" بصوت حانى :
- كنت قلقان عليكي وحبيب بس أسمع صوتك
صمت قليلاً ثم قال :
- وحشتيني أوى
خرجت "ياسمين" من صمتها قائله :
- أنا آسفة مضطرة أقفل
قال بصوت دافئ :
- ماشي .. أنا بس كنت حابب أسمع صوتك .. ممكن أطلب منك طلب
صمتت .. فأكمل قائلاً :
- أنا واقف تحت البلكونه .. ممكن بس تبصيلي .. وحشتيني الساعتين دول .. عايز بس أشوفك
شعرت بسعادة غامرة .. لكنها قالت بخفوت :
- أنا أسفه مش هينفع
طال صمته ثم تنهد قائلاً :
- طيب خلى بالك من نفسك .. لو احتجتى أى حاجه ده رقمى سيفيه عندك .. تصبحى على خير يا حبيبتى
خفق قلبها بشدة عندما سمعت منه "حبيبتى" .. أغلقت .. وقامت تفتح باب الشرفة بهدوء .. وقفت خلف الستارة .. رأته بالفعل .. كان ينظر بإتجاه الشرفة .. وقف قليلاً ثم انصرف عائداً الى بيته .. تابعته "ياسمين" بعينيها والإبتسامه على شفتيها
فى اليوم التالى ظلت "ياسمين" حبيسة غرفتها .. التزمت بتعليمات الطبيبة براحة وعدم ارهاق نفسها .. فى منتصف النهار .. رن هاتفها لتجد رسالة من "عمر" فتحتها لتجد مكتوب فيها :
وحشتينى .. على قدر ما فى المنام تأتينى
وحشتينى .. على قدر ما فى الأحلام تزورينى
وحشتينى .. على قدر الحب الذى بيه وهبتينى
ومنه حرمتينى .. واليه ارجعتينى .. وحشتينى
حبيبتى .... ببعدك لا تزيدينى .. فأنتِ بداخلى وفى تكويني .
شعرت بسعادة لذيذة تجتاح كل كيانها .. تسللت الابتسامه الى شفتيها .. ضمت هاتفها الى صدرها تعانقه .. نظرت الى كلماته مرة أخرى .. قرأتها مرات ومرات .. والابتسامه لا تفارق شفتيها .. وقلبها لا تهدأ سرعة ضرباته .
بعد المغرب .. قال "نور" لـ "كريمة" و "عمر" :
- ما تيجوا يا جماعة نخرج شوية .. نتعشى بره فى أى مكان
قالت "كريمه" بسعادة :
- والله فكرة .. حتى تغيير جو .. قولت ايه يا "عمر"
فكر "عمر" قليلاً ثم قال :
- لأ روحوا انتوا يا ماما
قالت "كريمه" تحثه :
- وتعد لوحدك فى البيت ليه تعالى معانا تغير جو .. الواحد أعصابه تعبت اليومين اللى فاتوا
- لأ معلش يا ماما روحوا انتوا .. وكمان عندى شغل كتير متراكم عليا .. الأيام اللى فاتت انتوا عارفين أنا مكنتش بهتم بالشغل خالص ..وفى حاجه كتير لازم تخلص
- خلاص يا حبيبتى ربنا يعينك .. على العموم لو غيرت رأيك كلمنا
خرج والداه وركبا السيارة وانطلقا الى المنصورة .. ذهب "عمر" الى مكتبه .. ليبدأ عمله .. كان ينظر الى هاتفه كل فتره .. وكأنه ينتظر اتصالاً أو رسالة منها .. يعلم بأنها لن تفعل ذلك .. لكنه بقى متأملاً
شعرت "ياسمين" بالملل .. فنزلت لتتمشى قليلاً فى المزرعة .. ظلت تمشى لساعات وسط الطبيعه الخلابه .. لم تجرب السير فى المزرعة ليلاً .. وجدت له مذاقاً خاصاً .. والنسمات المنعشة أفادتها كثيراً .. أخذتها قدماها قرب بيت "عمر" ألقت نظرة على البيت وابتسمت .. أخرجت هاتفها وأعادت قراءة الرسالة مرة أخرى .. ثم أكملت طريقها .. عندما همت بالعودة .. نظرت لتجد قرب البوابة عند الأسلاك الشائكة .. رجل يحاول اقتحام المكان والتسلل من بين الأسلاك .. دب الخوف فى أوصالها .. شعرت الرعب .. خافت أن تتقدم أكثر فيراها الرجل .. دققت النظر تحت ضوء القمر .. لتجد أن للرجل هيئة كهيئة "مصطفى" .. لم تستطع رؤية ملامح وجهه جيداً بسبب الظلام .. لكن كان نفس الهئية والجسم .. كان قد اقترب بالفعل من الدخول من بين الأسلاك .. فزعت .. خافت أن تجرى فى اتجاه حجرة الغفير فيراها "مصطفى" ويسرع بالإمساك بها .. شعرت بأن تفكيرها قد شُل من الخوف .. جرت فى الإتجاه الآخر .. ثم وجدت نفسها تلقائياً تصعد الدرجات الى بيت المزرعة .. أخذت تطرق الباب بسرعة منادية :
- "عمر" .. "عمر"
تجمعت الدموع فى عينيها وهى تطرق الباب بقوة .. وتنظر يميناً ويساراً خشية من أن يلحق "مصطفى" بها .. ويمسكها وينتقم منها .. فهى الشاهدة الوحيدة عليه .. "عمر" لم يرى وجهه .. ولم يتعرف صوته أحد غيرها .. وهى تعلم أنه لن يتردد لحظة فى قتلها اذا سنحت له الفرصه .. لينقذ نفسه من السجن .. طرقت الباب بهلع وأخيراً فتح "عمر" .. نظر اليها بلهفة قائلاً :
- "ياسمين" مالك فى ايه ؟
قالت "ياسمين" بصوت مرتجف وبأنفاس متقطعه :
- "مصطفى"
سألها بهلع :
- هو فين ؟ .. عملك حاجه ؟
ابتلعت ريقها وقالت بأعين دامعه :
- شوفته بيحاول يدخل من السلك اللى جمب البوابة
جذبها "عمر" من ذراعها بقوة وأدخلها البيت وقال بحزم :
- خليكي هنا واقفلى الباب كويس من جوه ومتفتحيش لحد غيرى
أغلق الباب خلفه .. فتأكدت من غلقه جيداً .. ثم توجهت الى احدى النوافذ القريبه تستطلع الأمر منها .. رأت "عمر" يسير بإتجاه البوابة .. خافت عليه بشدة .. خافت أن يهاجمه "مصطفى" .. خافت أن يكون "مصطفى" حاملاً للسلاح ويتهور ويطلق النار على "عمر" .. شعرت بالخوف والفزع .. ليتها لم تأتى اليه .. ليتها لم تأتى اليه .. ليتها لم تقحمه فى الأمر وجرت بإتجاه البوابة الى حيث غرفة الغفير .. وقفت فى نافذة أخرى فلم ترى شيئاً .. اختفى "عمر" من أمام ناظريها وأعاقتها الأشجار عن متابعة ما يحدث .. تساقطت العبرات على وجنتيها .. هى آمنه فى الداخل .. وهو فى الخارج تحت رحمة هذا المجرم .. أخرجت هاتفها وحاولت أن تتصل به .. رن الهاتف ثم سمعت طرقات على الباب .. انتفضت .. أغلقت الهاتف وتوجهت الى الباب .. سمعت الطرقات مرة أخرى .. قالت بصوت مرتجف :
- مين ؟
أتاها صوته :
- افتحى يا "ياسمين" أنا "عمر"
شعرت بالخوف .. ماذا لو كان "مصطفى" معه .. ماذا لو كان يهدده .. قالت بشك بصوت مضطرب :
- انت لوحدك ولا "مصطفى" معاك ؟
صمت قليلاً ثم أتاها صوته فى حنان :
- متخفيش أنا لوحدى .. "مصطفى" مش موجود متخفيش
مازالت تشعر بالخوف .. قالت له فى حيرة وألم :
- طيب ما ممكن يكون "مصطفى" بيهددك بالسلاح دلوقتى عشان تقولى انه مش معاك وأفتح الباب وهو يدخل
طال صمته .. ثم أتاها صوته الدافئ وهو يقول :
- لو فعلاً ده حصل و "مصطفى" أو غيره هددنى عشان أديكي الأمان وتفتحى الباب .. فأنا أفضل انه يقتلنى ولا انه يطول شعره منك .. مش ممكن أسمح لحد انه يأذيكي يا "ياسمين" .. حتى لو فيها موتى أنا
شعرت بكلماته الصادقة تخترق قلبها وتستقر به .. فتحت الباب ببطء .. ابتسم ونظر اليها وعينيه تغمرانها بحنانه .. لكم تحب تلك العينين والرسائل التى ترسلانها اليها .. رسائل حب وعشق صامته ..
سألته بقلق :
- لقيت "مصطفى" ؟
طمأنها قائلاً :
- متخفيش مش هو
قالت بإستغراب :
- أمال مين
- ده عامل شغال هنا فى المزرعة فضل يخبط على البوابة بس الغفير نام ومسمعوش .. فحاول يدخل من بين الأسلاك
أومأت "ياسمين" برأسها وشعرت بالحمق لأنها أزعجته بدون داعى .. تقدمت لتخرج فوجدت وقف أمام الباب ليمنع خروجها .. نظرت اليه بدهشه .. فنظر اليها بخبث قائلاً :
- تعملى ايه لو حبستك هنا
شعرت بالخجل فخفضت بصرها وقالت :
- لو سمحت عديني
قال بمرح وعينا تلمعان بخبث :
- لأ مش هعديكي .. وهحبسك هنا لحد ما تستسلمى تماماً
وفجأة دخلت سيارة والده الى المزرعة .. اضطربت "ياسمين" بشدة ونظرت الى "عمر" بعتاب فلو كان سمح لها بالذهاب لما كانت ستتعرض لهذا الموقف .. ابتسم لها "عمر" وهو يراقب علامات الارتباك على وجهها .. نزل والده ووالدته من السيارة ليروا "عمر" واقف على باب المنزل من الخارج و "ياسمين" واقفة على الباب من الدخل ..شعرت بالخجل الشديد من هذا المأذق الذى وجدت نفسها فيه .. اقتربت "كريمه" منها قائله بإبتسامه :
- ازيك يا "ياسمين" حمدالله على سلامتك يا حبيبتى
قالت "ياسمين" بتوتر :
- الله يسلمك
تقدم والد "عمر" وسلم عليها هو الآخر .. كانت تتمنى أن تنشق الأرض وتبلعها أصحاب البيت واقفون على الباب من الخارج وهى تقف من الداخل .. لا تدرى كيف تشرح ما حدث .. أنقذها "عمر" قائلاً :
- "ياسمين" كانت بتتمشى واتخضت لما شافت راجل بيحاول يدخل من الأسلاك اللى جمب البوابة جتلى عشان أشوف مين اللى بيحاول يدخل ودخلتها البيت لحد ما أرجع
قالت له أمه بإهتمام :
- وطلع مين ؟
- عامل من اللى ساكنين فى سكن العمال .. الغفير كان نام ومسمعش خبطه على البوابه
قال "نور" موجهاً حديثه الى "ياسمين" :
- متخفيش يا "ياسمين" محدش يقدر يدخل المزرعة هنا .. أكيد طليقك هيخاف ييجى هنا
شعر "عمر" بالحنق عندما سمع لفظ "طليقك" .. كان يحاول قدر الإمكان تناسى بأنها متزوجه من قبل .. لأن هذا الأمر .. يؤلمه أشد ألم .. أفسحت "ياسمين" الطريق ليمر والداه .. دخلوا الى المنزل .. حاولت الخروج فسد "عمر" الباب بجسده مرة أخرى وابتسم بخبث .. صاحت بضيق :
- لو سمحت مينفعش كده .. كفايه اللى حصل .. لو كنت خلتنى أمشى مكنش زمانى اتحطيت فى الموقف ده .. لو سمحت عديني
قال "عمر" بمرح دون أن يتخلى عن ابتسامته :
- فعلاً معاكى حق شكلنا بأه بايخ أوى .. وكمان أنا ليا سمعه لازم أحافظ عليها
اقترب برأسه منها ونظر فى عينيها قائلاً:
- لازم تصلحى غلطتك وتتجوزيني
حاولت كتم ابتسامتها بصعوبة وقالت بجديه :
- لو سمحت عديني
هتف وهو يتظاهر بالجديه :
- وسمعتى اللى ضاعت على اديكي .. وأهلى اللى شافونى واقف معاكى على عتبة بيتنا .. خلاص كده مفيش بنت هترضى تبص فى وشى .. لازم تتجوزيني وتسترى عليا يا "ياسمين"
لاحت ابتسامه صغيره على شفتيها لكنها أخفتها سريعاً وهتفت بجديه :
- خليني أمشى يا إما هنادى لطنط "كريمه" وأقولها انك مش راضى تعديني
قال بتحدى :
- نادى طنط "كريمه" بتاعتك وأنا أقولها على اللى عملتيه في العربية
قالت بدهشة :
- انا .. عملت ايه ؟
نظر اليها بخبث وهو يقول :
- كل ما أحاول أبعدك عنى .. تقوليلى لا يا "عمر" متسبنيش وفضلتى لازقه فى حضنى طول الطريق مش عارف أتحرك منك
احمرت جنتاها بشدة وهتفت قائله :
- والله ما حصل .. أنا معملتش كده
قال بتحدى :
- لأ عملتى كدة و "كرم" شاهد كمان
صاحت بضيق :
- بطل تهريج أنا معملتش كده .. صحيح أنا مش فاكرة اللى حصل بس أكيد معملتش اللى انت بتقوله ده
قال وهو يتظاهر بجديه :
- بصى يا بنت الناس .. يا توعديني انك تصلحى غلطتك وتتجوزيني يا اما مش هطلعك من البيت وهجيب المأذن وأكتب عليكي بالعافية .. ها قولتلى ايه .. تختارى ايه ؟
قالت بجديه :
- عديني لو سمحت
قال بتحدى :
- خلاص انتى حرة انتى اللى اخترتى
ثم هم بالدخول فإبتعدت .. كاد أن يغلق الباب فقالت بسرعة :
- خلاص .. خرجنى
لمعت عيناه وابتسم قائلاً :
- يعني خلاص هتتجوزيني ؟
تحاشت النظر فى عينيه وتضرجت وجنتاها خجلاً .. فحثها قائلاً :
- ها .. مش هفضل مستنى كده كتير .. هتتجوزيني ؟
ابتسمت دون أن تنظر اليه .. فنظر اليه بحب قائلاً بهمس :
- كفاية الإبتسامه الحلوة دى .. هعتبرها بدل كلمة موافقة
قالت بصوت خافت وهى لا تستطيع أن ترفع عينيها فى عينيه :
- ممكن لو سمحت تعديني
أومأ برأسه قائلاً وعيناه تغوصان فى بحر عينيها :
- ماشى هعديكي بس عايزك تعرفى حاجه .. مش هسيبك سمعانى .. أنا خلاص لا عاد ينفعنى خطوبة ولا كتب كتاب .. أنا هكلم باباكى ونحدد معاد الفرح .. لأنى مش هقدر أصبر أكتر من كده .. عايزك فى حضني فى أقرب وقت .. عايز أفتح عيني كل يوم عليكي وأغمضها عليكي .. انتى حته منى وبعدك عنى تاعبنى .. ومعدتش قادر أستحمل بعدك ده .. لازم نبقى مع بعض بأه .. أنا تعبان من غيرك يا حبيبتى .. حبيبك محتاجلك أوى .. ومشتاقلك أوى .. وبيتعذب من غيرك .. حسي بيه .. ومتبقيش قاسيه عليه
ازداد احمرار وجهها .. لم تستطع حتى النظر اليه .. أفسح لها الطريق .. فخرجت مسرعه .. وعيناه تتابعانها .. تحسست وجنتاها لتجد الحرارة تنبعث منهما .. عادت الى غرفتها وعلى شفتيها ابتسامة تشى بسعادة لم تشعر بها من قبل .. وقلبها قد جن وأخذ يخفق فى جنون .. وضعت يجها على صدرها لعلها تبطئ من سرعة دقاته .. ها هى أحلامها أوشكت أن تصبح حقيقـــة.
فى اليوم التالى تحدث "عمر" ووالداه و "كرم" الى "عبد الحميد" واتفقوا جميعاً على كتب كتاب الأختين بعد ثلاثة أيـــام فى نفــس اليــوم .. كانت سعادة الرجليــن غامرة .. وكذلك الفتاتيـــن .
رواية مزرعة الدموع الفصل السادس والثلاثون 36 - بقلم مني سلامة
الفصل السادس والثلاثون من رواية مزرعة الدموع
عمت أجواء البهجة فى المزرعة بعدما تم اعلان يوم كتب كتاب كل من "عمر" و "كرم" .. كان الجميع فرح لهذين الرجلين وهاتين الفتاتين .. فالجميع مشهود له الطيبة وحسن الخلق .. وان وجد داخل البعض مزيج من الغيرة والحسد .. فالكل يعلم ان الفتاتين تعملان فى المزرعة وأنهما من أسرة بسيطة .. ولا يميزهن جمال صارخ .. يخطف عقول الرجال .. فأثار ذلك بعض مشاعر الغيره والحسد لدى الفتيات العاملات بالمزرعة .. كانت "ياسمين" فى منتهى السعادة تعد مع أختها ومع "كريمه" و "سماح" ترتيبات هذا اليوم .. قرروا أن يتم الإحتفال بهذا اليوم فى المزرعة .. التى شهدت ميلاد حبهم .. كان "عمر" يكاد لا يصدق نفسه من فرط السعادة .. فهاهى أخيراً حبيبته ستصبح زوجته .. وكذلك "كرم" و "ريهام" كانا سعيدين للغاية .. قام "نور" بدعوة أخته "ثريا" وابنها "علاء" و ابنتها "ايناس" ..
لكنها رفضت الحضور بعدما حدث فى آخر زيارة لها فى المزرعة .. فمازالت غاضبة من "عمر" لأنه وقف أمامها من أجل حبيبته وأهلها .. كان "عمر" يشعر بالإرتياح لعدم حضور عمته .. لأنه كان يخشى أن تفعل هى أو ابنتها ما يعكر صفو هذا اليوم .. ذهبت الفتاتان مع "كريمه" و "سماح" لاختيار الفساتين لهذه المناسبه .. أما الرجلين فإهتما مع "أيمن" و "نور" و "عبد الحميد" .. بتنظيم كل شئ .. ليخرج اليوم فى أبهى صورة ..قرروا أن تكون الحفلة صغيرة عائلية . على أن يعقبها العرس بفترة صغيرة ويكون احتفالاً كبيراً فى القاهرة ..
قالت "ريهام" ل "ياسمين" فى غرفتهما :
- الحمد لله اطمنت ان أنا وانتى هنعيش مع بعض في القاهرة .. كنت خايفة "كرم" يقرر نعيش فى القاهرة و "عمر" يقرر انكوا تعيشوا هنا
ابتسمت "ياسمين" قائلاً :
- "عمر" قال ان مكاننا الأساسى هتكون فيلة أهله فى القاهرة .. بس ده ميمنعش اننا هنيجي هنا المزرعة وقت ما نحب .. بصراحة أنا بحب المكان ده أوى ومتعلقة بيه اوى .. أصلا مش عارفه ممكن أعيش ازاى فى مكان تانى غير هنا
ابتسمت "ريهام" قائله :
- أما أنا بأه لازم أرجع لان خلاص امتحاناتى على الأبواب
ضحكت "ياسمين" قائلاً :
- حلو أوى يعني هتقضى شهر العسل فى المذاكرة والإمتحانات
قالت "ريهام" بمرح :
- آه بس لازم "كرم" يعوضنى ونسافر زيك انتى و "عمر" .. صحيح ما قولتيش هتسافروا فين ؟
قالت "ياسمين" بسعادة :
- مش عارفه مامته ما قالتليش .. قالتلى انه عملهالى مفاجأة
- ان شاء الله تبقى أحلى مفاجأة
قالت "ياسمين" بشئ من الحزن :
- صعبان عليا بابا هنسيبه هنا لوحده
- نعمل ايه يا "ياسمين" هو اللى مش راضى يرجع معانا .. حب الشغل هنا والعيشة هنا وبأه له صحاب هنا .. ومش حابب يبعد عن المزرعة
طمأنتها "ريهام" قائله :
- وبعدين زى ما انتى قولتى اكيد هتيجى هنا انتى و"عمر" .. وهنبقى نيجى معاكوا أنا و "كرم"
أومأت "ياسمين" برأسها قائله :
- ان شاء الله
صفقت "ريهام" بمرح :
- بصى بأه احنا مش عايزين نفكر فى أى حاجه تضايقنا .. عايزين نفكر فى الحفلة وبس .. وان بعد أقل من 3 أيام هبقى أنا مدام "ريهام" .. وانتى مدام "ياسمين"
قالت "ياسمين" بنبرة حزينه :
- أنا أصلاً مدام .. ولا نسيتي
ضحكت "ريهام" وقالت بخبث :
- لا مش مدام .. أنا وانتى عارفين اللى فيها .. مش متخيله صدمة "عمر" لما يعرف .. أكيد هتبقى أحلى صدمه فى حياته
ابتسمت "ياسمين" بسعادة .. فأكملت "ريهام" :
- الراجل هيتجنن عليكي وهو فاكر انك اتجوزتى .. أمال لو عرف هيعمل ايه ..
أطلقت "ياسمين" ضحكات مرحة اشتاقت لمساع صداها فى أذنيها طويلاً
************************
فى الصباح ذهبت "ياسمين" و "ريهام" مع "كريمه" فى السيارة لشراء بعض الأغراض .. وعند عودتهم توقفت السيارة أمام بيت المزرعة .. أصرت "كريمة" على الفتاتين الدخول معها والجلوس قليلاً .. دخلت الفتاتين .. فرأت "ياسمين" بيت المزرعة لأول مرة .. فالمرة السابقة كانت فى حالة خوف ولم تراه جيداً .. كان بيتاً مريحاً له طابع كلاسيكي .. ولكنه يتميز أيضاَ بالبساطه .. بعث فى نفسها الراحه .. وأحبته .. كما أحبت المزرعة .. رأت على أحد الجدران صوراً معلقة لرجال ونساء .. تضايقت "ياسمين" قليلاً فهى تعلم أن الملائكة لا تدخل بيتاً به صوراً .. وقفت أمام احدى الصورة .. كانت صورة لرجل له هيبه لا تخطئها العين .. كانت شاردة عندما اقتربت منها "كريمه" قائله :
- ده والد زوجى .. جد "عمر" .. كانت روحه فى "عمر" .. هو اللى حببه فى المزرعة وفى الزراعة .. عشان كده "عمر" قرر انه يدخل كلية الزراعة .. وحضر فيها وخد الماجستير والدكتوراه كمان
نظرت اليها "ياسمين" بدهشة .. فهذه هى المرة الأولى التى تسمع فيها تلك المعلومات عن "عمر" .. شعرت بأنها مازالت لا تعرف ذلك الرجل جيداً ..الرجل الذى ستصبح زوجته .. بعد أقل من يومين .. جلس ثلاثتهم يحتسون أقداح من الشاى الساخن ..
جلست "كريمه" بجوار "ياسمين" وابتسمت :
- حبيبتى أنا مبسوطه أوى انك أخيراً قدرتى تاخدى قرارك .. صدقيني "عمر" ابنى مفيش زيه .. مش عشان هو ابنى .. بس بجد عمرك ما هتلاقى حد يخاف عليكي ويبقى حنين عليكي زيه .. أكتر صفة بعشها فى جوزى هى حنيته .. و"عمر" ورث حنية أبوه .. ربنا يسعدكوا انتوا الاتنين لان انتى كمان باين عليكي طيبه وحنينه
ابتسمت "ياسمين" قائله :
- بجد أنا فرحانه ان بينى وبين حضرتك علاقة كويسة .. كنت دايماً بتمنى ان أنا وحماتى نكون متفقين مع بعض
اتسعت ابتسامه "كريمة" قائلاً :
- أنا بأه مش عايزة أكون حماتك .. عايزاكى تعتبريني مكان ماما الله يرحمها .. ينفع ؟
اغروقت عينا "ياسمين" بالدموع ونظرت اليها قائله :
- أكيد طبعاً
- خلاص يبقى من النهاردة انتى و "ريهام" تقولولى يا ماما "كريمه" .. لانى بعتبر "كرم" كمان ابنى
ابتسمت "ريهام" قائله :
- أكيد .. دى حاجة تفرحنى
نظرت اليهما "كريمة" قائلاً :
- أنا كان نفسي أخلف بنات بس ربنا ما أردش .. بعد ما ولدت "عمر" ربنا ما أرادليش الخلفة مرة تانية وأنا اكتفيت بيه وحمدت ربنا على النعمة اللى رزقنى بيها مع انى كان نفسي أخلف كمان بنت .. بس الحمد لله ربنا عوضنى بيكوا انتوا الاتنين
فجأة دخل "عمر" الى المنزل ليجد "ياسمين" و "ريهام" .. اتسعت ابتسامته .. واقترب منها قائلاً :
- ازيك يا "ياسمين" .. ايه النور ده
ابتسمت بخجل قائلاً :
- الحمد لله
ثم نظر الى "ريهام" قائلاً :
- ازيك يا "ريهام" أخبارك ايه
- الحمد لله
قالت "كريمه" :
- مكنوش راضيين يدخلوا .. مع ان خلاص احنا بقينا عيلة واحدة
نظر "عمر" الى "ياسمين" بتحدى قائلاً بإبتسامه :
- هى مش هتقتنع إلا لما القسيمة تبقى فى ايدى .. هانت كلها يومين .. وكل حاجه بعد كدة هتبقى زى ما أنا عايز
صمتت قليلا ثم نظرت اليه قائله :
- شغل سي السيد وأمينه يعنى
انفجر "عمر" ضاحكاً .. ثم نظر اليها قائلاً :
- متخفيش أنا مش ديكتاتور .. لو كنت عايز أأمر ومراتى تنفذ وخلاص .. كنت اتجوزت أى واحدة مكنتش هتفرق .. لكن أنا عايز واحدة تشاركنى حياتى وأشاركها حياتها .. زى الطيارة .. ليها كابتن ومساعد كابتن .. لا ينفع الكابتن من غير المساعد ولا ينفع المساعد من غير الكابتن
ثم نظر اليها بحنان قائلاً بمرح :
- ماشى يا مساعد ؟
قالت بخفوت مطرقه برأسها والابتسامه على ثغرها :
- ماشى يا كابتن
اتسعت ابتسامته .. والتمعت عيناه بنظره حب وشوق .. فهربت بعينيها الى "ريهام" و "كريمة" اللاتان تتابعانهما بإبتسامه صامته .. فشعرت بالخجل .. وقف "عمر" أمامها ليحجب عنها الرؤية .. رفعت نظرها اليه مندهشة فقال لها :
- جهزى نفسك النهاردة انتى و "ريهام" عشان هنروح كلما نجيب شبكتكوا انتو الاتنين .. احنا اتفقنا مع عم "عبد الحميد" .. وان شاء الله كلنا هنروح سوا ..
أومأت برأسها فى خجل .. ظل واقف أمامها يراقب تعبيرات وجهها والحمرة التى تملأه .. ضحكت أمه ونظرت اليه قائله :
- بطل غلاسه هى بتتكسف
قال لأمه فى مرح :
- انا عملت حاجه أنا ببصلها بس
ازداد خجل "ياسمين" .. فقالت أمه :
- "عمر" بجد .. متضايقهاش
نهضت "ياسمين" وتحاشت الاقتراب منه .. وقالت لـ "كريمه" :
- احنا هنمشى بأه عشان ورانا حاجات كتير بنجهزها ..
قامت "ريهام" من فورها .. وقالت "كريمه" مبتسمه :
- خلاص يا حبيبتى أشوفكوا بالليل ان شاء الله
خرجت "ياسمين" و "ريهام" من المنزل .. لحظات وخرج "عمر" ورائها منادياً اياها :
- "ياسمين"
توقفت .. أقبل عليها ووقف أمامها قائلاً :
- استنى عايز أقولك حاجه
ثم نظر لـ "ريهام" قائلاً :
- "ريهام" ممكن ثوانى
ابتعدت "ريهام" قليلاً .. نظرت اليه "ياسمين" بحرج قائله :
- خير ؟
نظر اليها وأخرج من جيبه علبة قطيفة صغيرة .. نظرت اليه بإستغراب .. فتحها لتجد سلسلة صغيرة بها قلادة على شكل قلب وبداخل القلب محفور اسمه "عمر" .. نظر اليها قائلاً بحنان :
- السلسلة دى تلبسيها ومش عايزك تقلعيها أبداً مهما حصل
ثم أخرج ميداليه وأراها القلب الصغير الذى يشبه القلب فى السلسلة لكن القلب الذى معه يحمل اسمها "ياسمين" .. ابتسم لها قائلاً :
- انا كمان مش هشيل القلب ده مهما حصل .. انتى معاكى قلبي وأنا معايا قلبك .. اتفقنا
أومأت برأسها وأخذت منه العلبة .. قبل أن تغادر همس لها بشغف قائلاً :
- كلها يومين وتبقى بتاعتى بجد .. ومعدتيش هتعرفى تهربي مني
صعدت الفتاتان الى غرفتهما .. أخذت "ياسمين" تتفحص القلب مبتسمه .. ثم التفتت الى "ريهام" قائله :
- أنا خايفه يا "ريهام" أوى
- خايفه ليه
قالت "ياسمين" بوجوم :
- خايفه الحب اللى أنا شيفاه من "عمر" ده يتغير بعد الجواز
هتفت "ريهام" :
- يا ستى هتقدرى البلا قبل وقوعه ليه .. ما الراجل لذيذ وزى الفل أهو
قالت "ياسمين" بلهفه :
- أنا مش عايزاه يتغير يا "ريهام"
- ده فى ايدك على فكرة
قالت "ياسمين" بثقه :
- صح معاكى حق .. أنا طول عمرى بقول ان ده فى ايد الزوجة .. هى اللى تقدر تخلى زوجها متعلق بيها .. وبيحبها .. وميقدرش يستغنى عنها
ثم ابتسمت قائله :
- بحبه أوى يا "ريهام" .. ومش قادرة أصدق ان أخيراً الدنيا هتمشى زى ما أنا عايزة
فى المساء ذهب الجميع لاختيار الشبكة .. "عمر" ووالداه .. "كرم" .. "أيمن" .. "سماح" .. "عبد الحميد" .. "ريهام" .. "ياسمين" .. كانت سعادتهم غامرة بتلك المناسبة .. وأكثر من دمعت عيناه فرحاً هو "عبد الحميد" الذى لم يصدق زواج ابنتاه وفى يوم واحد .. من رجلين تتمناهما الكثير من الفتيات .. شعر بأن الله أهداه بهدية كبيرة جداً .. سجد شكراً لله بعد عودته .. وظل يحمده ويشكره على ما أعطاه هو وبناته .. فى اليوم التالى .. وجدت "ياسمين" .. "ولاء" تتصل بها لتخبرها بوجود رجل يسأل عنها فى مكان عملها .. استغربت "ياسمين" بشدة .. قالت "ولاء" :
- راجل كبير فلاح .. من القرية بتاعتنا .. مصر جداً انه يتكلم معاكى .. ولما قولتله اتكلم مع البشمهندس "عمر" اتخض وقالى أبوس ايديكى متجيبيلهوش سيرة .. أنا عايز الست"ياسمين"
قالت "ياسمين" بدهشة :
- عايز ايه ده أنا مش فاهمة
- بقولك معرفش مش راضى يقولى وآعد جوه فى المكتب .. شوفى أقوله ايه أمشيه ولا ايه ؟
صمتت "ياسمين" قليلاً ثم فكرت بصوت عالى :
- يمكن واحد شاف حادثة الخطف بتاعتى وعارف مكان "مصطفى"
ثم قالت :
- استنى يا "ولاء" أنا نازلاله خليه آعد فى المكتب
ارتدت "ياسمين" ملابسها وهى تدعو الله أن يرشدها الرجل الى مكان "مصطفى" الذى مازال هارباً حتى الآن .. دخلت المكتب لتجد رجلاً كما وصفته "ولاء" .. كبير فى السن .. فلاح بسيط .. خرجت من المكتب مرة أخرى وذهبت الى "ولاء" قائله :
- "ولاء" تعالى معايا مش عايزة أعد معاه فى المكتب لوحدى
ذهبت معها "ولاء" دخلت الفتاتان فقالت "ولاء" للرجل :
- هى دى الدكتورة "ياسمين" يا حاج
قام الرجل وهو ينظر الى "ياسمين" بشك ثم قال :
- انتى الدكتورة "ياسمين" اللى هتتجوز البشمهندس "عمر"
قالت "ياسمين" بترقب :
- أيوة أنا
نظر الرجل الى "ولاء" ثم الى "ياسمين" قائلاً :
- عايز أكلمك على انفراد يا ست الدكتورة
قالت "ياسمين" بحزم :
- آسفة .. حضرتك قول اللى عايز تقولهولى .. الدكتورة "ولاء" مش هتمشى
ظهر على الرجل التردد ثم سألها :
- يعني انتى واثقه فيها ؟
تبادلت الفتاتان نظرات الحيرة ثم نظرت اليه "ياسمين" قائله :
- أيوة واثقة فيها .. اتفضل اتكلم .. خير عايزينى فى ايه ؟
صمت الرجل قليلاً ثم قال :
- بصى يا دكتورة .. أنا راجل غلبان وبجرى على أكل عيشي .. وعندى بنات فى سنك كدة .. واللى مرضهوش لبناتى مرضهوش لبنات الناس
كانت "ياسمين" و "ولاء" يستمعان اليه فى اهتمام فأكمل قائلاً :
- الراجل اللى انتى هتتجوزيه ده واحد عايش فى الحرام
بهتت "ياسمين" وفتحت فمها فى دهشة .. كيف يجرؤ هذا الرجل على أن يتحدث عن "عمر" بهذا الشكل .. كانت "ولاء" تنظر اليه بإهتمام وقالت :
- يعني ايه وضح كلامك
تنهد الرجل قائلاً :
- من كام شهر كان فى المزرعة غفير اسمه "عويس" كان شغال هنا هو والجماعه بتوعه
تبادلت "ياسمين" نظرة مع "ولاء" وقد تذكرت تلك الإشاعة التى أخبرتها بها "ولاء" من قبل .. فأكمل الرجل :
- "عويس" والجماعة بتوعه اختفوا ومحدش يعرف هما راحوا فين ولا ايه اللى مشاهم
صمت قليلاً ثم قال :
- بس أنا عارف هما مشوا ليه
كان التوتر قد وصل الى ذروته فى نفس "ياسمين" فقالت له بحده :
- قول اللى انت عايز تقوله مرة واحدة لو سمحت
أكمل الرجل :
- فى يوم وأنا ماشى فى البلد وراجع بيتي متأخر .. اليوم ده فاكره كويس لأنه يوم فرح ابن أخويا فى القرية اللى جمبنا .. قابلت "عويس" واخد فى وشه وطالع يجرى حاولت أوقفه وأنادى عليه لكن مرضيش يقف وفضل يجرى .. مشيت فى طريقي لقيت نار قايده فى بيت مهجور فى القرية .. البيت ده مطرف ومفيش حواليه غير الشجر .. وأنا بيتي قريب منه .. جريت أشوف النار اللى قايده .. لقيت جوه البيت راجل وست .. واقفين على الباب ومش عارفين يخرجوا والنار واكله البيت كله .. لقيت جردل على الأرض فضلت أملاه مايه من الترعة وأحاول أطفى بيها النار اللى ماسكه فى الباب عشان يعرفوا يخرجوا .. الوقت كان متأخر والمنطقة مكنش فيها صريخ ابن يومين .. محدش ساعدهم غيري .. الراجل نط وسط النار اللى قايده فى الباب وشد الست معاه وطلعها .. أول ما الست خرجت عرفتها على طول .. "صفية" مرات "عويس" .. ولما بصيت للراجل عرفته هو كمان
صمت الرجل فسألته "ياسمين" :
- مين الراجل ؟
قال الرجل بتردد :
- البشمهندس "عمر"
نظرت اليه "ياسمين" بدهشة .. تحاول استيعاب ما قال .. صمتت ثم قالت بحده :
- وايه يعني اللي انت بتقوله .. ما يمكن كان هو وهى فى البيت لأى سبب تانى .. و"عويس" كان معاهم .. و"عمر" بعته مشوار .. أى حاجه يعني ليه ظنيت فيهم ظن وحش ؟
قال الرجل بثقه :
- اسمعيني وبعدين احكمى يا دكتورة
أكمل الرجل قائلاً :
- لما عرفت "صفية" قولتلها ايه اللى حصل يا "صفية" وايه اللى ولع فى البيت وليه "عويس" كان بيجرى كأن حد بيجرى وراه .. ساعتها بصتلى "صفية" وهى مرعوبة وقالتى هو "عويس" كان هنا .. قولتلها أيوة شوفته بيجرى وحاولت أوقفه مسمعليش .. لقيتها أعدت على الأرض وفضلت تلطم على وشها وتقول "جوزى عرف انى بخونه وهيفضحنى ويفضح أهلى يبأه هو اللى ولع فى البيت " .. وفضلت تلطم وتندب لحد ما البشمهندس "عمر" قالها "خلاص بطلى عياط عشان نعرف نشوف حل فى المصيبة دى" .. ولقيته بيبصلى ويقولى "اللى حصل ده مش عايز أى حد يسمع عنه كلمه" وخرج فلوس من جيبه وادهالى وأكد عليا انى أستر على اللى حصل ومجبش سيرة لحد عشان الفضايح اللى هتحصل لو حد عرف بالموضوع خاصة ان أهل "صفية" لو عرفوا هيقتلوها ومش هيسبوها .. وجت المطافى بعد ما البشمهندس "عمر" كلمهم وطفوا الحريقة اللى كانت فى البيت وكمان البشمهندس طلب عربية اسعاف لانه مكنش هيعرف يروح المستشفى لوحده كانت ايدي مكسورة والايد التانيه طالتها النار
قفز قلب "ياسمين" من مكانه وهى تتذكر الحرق الموجود على يد "عمر" .. أكمل الرجل :
- يعد ما كل حاجه هديت .. بأت الناس تسأل فين "عويس" و "صفية" .. بس لحد دلوقتى محدش يعرف عنهم حاجه .. وآخر مرة شوفت "صفية" كان لما ركبت عربية الاسعاف مع البشمهندس "عمر" بعد كدة مشفتهاش لا هى ولا جوزها
كانت "ياسمين" تحت تأثير صدمة شديدة لا تعرف كيف تشعر أو ماذا تقول أو ماذا تصدق .. قال الرجل :
- أنا يا بنتى فضلت محافظ على السر ..مش عشان الفلوس اللى خدتها .. لا .. عشان أستر على أهل الوليه دى .. رغم انها بنت تييييييييت ومتستاهلش .. بس لو الكلام انتشر أهلها معدوش هيرفعوا عينهم فى وش حد من البلد .. عشان كدة فضلت ساكت .. لكن لما عرفت انه هيتجوز .. وسمعنا عنك كل خير .. مرضتش أفضل ساكت كده .. لانى زى ما قولتلك يا بنتى عندى بنات فى سنك .. وربنا يستر عليهم وعليكي
قال الرجل قبل أن يغادر :
- ياريت متجبيش لحد سيرة يا بنتى خاصة البشمهندس "عمر" .. أنا عملت فيكي خير ما تقابليهوش انتى بالشر .. أنا مضمنش ممكن يتصرف ازاى معايا لو عرف انى فضحت سره
غادر الرجل .. ليترك "ياسمين" واقفة جامدة .. لا تنطق .. لا تتحرك .. لا تفكر .. لا تشعر .. تقف كالتمثال .. نظرت اليها "ولاء" فى أسى .. لحظات وبدأت العبرات تتجمع في عيني "ياسمين" .. وتتساقط على وجنتيها فى صمت .. جذبتها "ولاء" وأجلستها على الأريكة .. ثم ذهبت وأحضرت كوب ماء وأغلقت الباب عليهما .. قدمته ل "ياسمين" التى شربت منه قليلاً :
نظرت اليها "ولاء" بقلق قائله :
- "ياسمين" .. انتى كويسة
قالت "ياسمين" ودموعها تتساقط وعيينها تتحركان بحيره وألم :
- قوليلى ان الراجل ده بيكدب .. قوليلى انه بيكدب
تنهدت "ولاء" قائله :
- مش عارفه أقولك ايه
نظرت اليها "ياسمين" بألم قائله :
- مش قادرة أصدق ان "عمر" يعمل كده .. مش قادرة أصدق .. بس الراجل ايه مصلحته يكدب عليا
فكرت "ولاء" قليلاً ثم قالت :
- لازم نتأكد من اللى قاله
سألتها "ياسمين" بأسى :
- هو فى تأكيد أكتر من حرق ايده .. ومن الغفير ومراته اللى اختفوا .. فى دليل أكتر من كده
قالت "ولاء" :
- أيوة لازم نتأكد ان هو اللى كان معاها جوه البيت .. مش يمكن واحد تانى والراجل غلط وافتكره "عمر"
قالت "ياسمين" بهلفه :
- أيوة صح .. ممكن ميكنش "عمر" .. أكيد مش "عمر" صح ؟
- الله أعلم يا "ياسمين" .. أنا بقول يمكن الراجل اختلط عليه الأمر .. وشاف واحد شبه "عمر" وافتكره هو
مسحت "ياسمين" دموعها قائله :
- طيب ونتأكد ازاى انه شاف "عمر" فعلاً مش واحد شبهه ؟
فكرت "ولاء" طويلاً ثم قالت :
- الراجل بيقول ان الاسعاف جت خدتهم هما الاتنين صح ؟
أومأت برأسها قائله :
- أيوة صح
أكملت "ولاء" بحماس :
- يبأه أكيد أخدوهم على قسم الطوارئ فى المستشفى .. لو وصلنا لسجلات المستشفى فى اليوم ده هنقدر نعرف اسم الاتنين اللى جم فى حادثة حرق البيت
صمتت "ياسمين" لتفكر فى كلام "ولاء" ثم قالت :
- بس يا "ولاء" احنا ازاى هنعرف الاسعاف أخدتهم على انهى مستشفى ؟ .. المستشفيات كتير
قالت "ولاء" شارحه :
- انتى مش عارفه نظام المستشفيات فى المنصورة .. بصى يا ستى نظام الطوارئ عندنا ماشى بجدول .. يعني معروف يوم السبت فى مستشفى كذا ويوم الأحد فى مستشفى كذا هكذا طول أيام الاسبوع .. والراجل اللى كان هنا من شويه قال انه فاكر اليوم كويس لانه يوم جواز ابن أخوه .. احنا نعرف منه اليوم ونشوف فى الجدول بتاع المستشفيات .. الطوارئ فى اليوم ده كانت فى انهى مستشفى .. وأنا أعرف دكاترة كتير فى مستشفيات كتير فى المنصورة يارب تطلع مستشفى أكون عارفه حد فيها ونقدر نوصل لسجلات الاستقبال فى اليوم ده
قالت "ياسمين" بلهفه :
- بس الراجل مشى هنوصله تانى ازاى
قالت "ولاء" :
- متقلقيش انتى ناسيه ان أنا كمان من نفس البلد الراجل ده انا عارفاه وعارفه بيته
قالت "ياسمين" بإهتمام :
- طالما عارفه بيته يبأه أكيد تعرفى البيت اللى بيتكلم عنه مش كده ؟ .. لأنه قال انه قريب من بيته
أومأت "ولاء" برأسها قائله :
- أيوة عارفه البيت اللى يقصده
قامت "ياسمين" قائله :
- طيب يلا بينا نروح من الراجل نعرف منه تاريخ الحادثة وبالمرة نعدى على البيت ده عايزة أشوفه
خرجت "ولاء" مع "ياسمين" وذهبتا الى منزل الرجل وعرفتا منه تاريخ تلك الواقعة .. صدمت "ياسمين" بعدما رأت المنزل المحترق .. تعرفته .. هو نفس البيت الذى أختطفت فيه .. يا الله .. هل لـ "عمر" علاقة بخطفها .. نفضت تلك الفكرة السخيفه من رأسها .. وأخذت تستغفر ربها حتى لا يتملك الشيطان منها ويسمم أفكارها .. التفتت الى "ولاء" قائله :
- "ولاء" أنا هستنى الأخبار على نار .. بكرة كتب كتابى يا "ولاء" لازم أعرف الحقيقة النهاردة .. أو بكرة بالكتير
طمأنتها "ولاء" قائله :
- متخفيش أنا هنزل حالاً على المنصورة وهتابعك بالتليفون
قالت "ياسمين" بأسى :
- منتظره اتصالك .
عادت "ياسمين" الى المزرعة وهى تشعر بأن الأرض تميد بها .. تهالكت فوق سريرها .. ألقت برأسها على وسادتها .. أغمضت عينيها لتسقط منهما عبره حائرة .. أخذت تدعو الله أن يكون الرجل مخطئاً .. وأنه رآى شخصاً يشبه "عمر" .. دعت الله أن يكون الأمر قد اختلط عليه .. لا يمكن أن تُصدم فى حبيبها .. ثانى رجل يدخل حياتها .. لا يمكن أن تُصدم فيه هو الآخر .. ظلت تفكر فى "عمر" .. أخلاقه .. مواقفه معها .. نعم هو شخص جرئ .. بل جرئ للغاية .. لكن هل من المعقول أن يصل به الأمر لـ ... لم تستطع حتى أن تردد تلك الكلمة حتى مع نفسها .. نفضت تلك الأفكار من رأسها .. قالت لنفسها .. لن أظلمه .. سأنتظر حتى أتأكد .. انا واثقه أن الرجل مخطئ .. الوقت كان ليلاً .. لقد رآى مع المرأة رجلاً آخر غير "عمر" .. قامت وتوضأت وصلت .. وأمسكت مصحفها .. بيد مرتجفة .. وقلب قلق .. أخذت تقرأ فى كتاب الله لعلها تُهدئ من نفسها .. مدت يدها الى رقبتها وأمسكت بيدها القلب .. الذى يحمل اسم "عمر" .. ضمته بقوة بين أصابعها .. ظلت تقرأ فى المصحف بأعين دامعه .. لم تترك القلب لحظة من يدها .. رن الهاتف فردت فى وجل :
- أيوة يا "ولاء"
- أيوة يا "ياسمين"
- وصلتى لحاجه
- أيوة .. عرفت المستشفى اللى كانت فيها الطوارئ يوم الحادثة .. والحمد لله طلعت أعرف 3 دكاترة هناك .. أكيد حد فيهم هيساعدنى .. أنا كلمت واحدة منهم ولسه اتنين
قالت "ياسمين" بلهفه :
- "ولاء" لازم أعرف قبل بكرة
- متقلقيش والله .. أنا بحاول أوصل للورق ده بأقصى سرعة .. متقلقيش لما أوصل لحاجه هكلمك .. بس صعب أوى أوصل لحاجة النهاردة .. بس بكرة الصبح ان شاء الله هرجع تانى على المستشفى وهطمنك متقلقيش
************************
فى صباح اليوم التالى لم تتحمل "ياسمين" التوتر الذى كانت تشعر به .. نزلت تتمشى فى المزرعة .. أما "ريهام" فكانت فى غرفتها ترتب أغراض هذا اليوم .. عندما رن هاتفها .. رقم لا تعرفه ردت قائله :
- السلام عليكم
- وعليكم السلام
عرفت صوته على الفور .. قال "كرم" :
- ازيك يا "ريهام"
قالت بصوت خافت :
- الحمدلله .. جبت رفمى منين
ضحك قائلاً :
- ايه مش عايزانى أعرف رقم مراتى ولا ايه
قالت بخجل :
- لسه مبقتش مراتك .. أنا هقفل .. سلام
قال بلهفه :
- استنى بس .. ما خلاص كلها ساعات ونكتب كتابنا
ابتسمت بخبث قائله :
- لما نبقى نكتبه .. انا هقفل
- طيب يارب صبرنى .. طيب مش هتقوليلى أى كلمة حلوة تصبرنى الكام ساعة دول
ابتسمت قائله :
- أنا هقفل يا "كرم"
- ماشى بس عايز أعرفك انى كلمت باباكى واتفقت معاه اننا بعد ما نكتب الكتاب هنعد نحتفل معاهم شوية وبعدها نخرج نحتفل لوحدنا عشان أعرف استفرد بيكي .. قصدى عشان أعرف اتكلم معاكى .. أتكلم بس .. اوعى تفهميني صح
كتمت "ريهام" ضحكتها بيدها قائله :
- مع السلامه يا "كرم"
**************************
أخذت "ياسمين" تتمشى فى المزرعة .. رن هاتفها أخرجته فى لهفه .. لكنها تضايقت عندما وجدت "ريهام" المتصله :
- السلام عليكم أيوة يا "ريهام"
- وعليكم السلام .. انتى فين يا عروسة ؟
قالت "ياسمين" بتوتر :
- مفيش بتمشى شوية
قالت "ريهام" بحده :
- ده وقت تمشيه .. خلاص الكوافيرة جايه فى الطريق ولازم عند ماما "كريمه" انتى عارفه ان الكوافيرة هتجيلنا عندها
قالت "ياسمين" بنفاذ صبر :
- روحى انتى وأنا هحصلك يا "ريهام"
قالت "ريهام" بقلق :
- فى حاجه يا "ياسمين" ؟ شوفتك مش عاجبنى
- لأ مفيش حاجه .. روحى انتى وأنا هحصلك .. يلا سلام
أغلقت قبل أن تتحدث "ريهام" مرة أخرى .. لحظات ووجدت "ولاء" تتصل بها ..ردت بلهفه :
- أيوة يا "ولاء"
- أيوة يا "ياسمين"
- وصلتى لحاجه
- أيوة .. عرفت المستشفى اللى كانت فيها الطوارئ يوم الحادثة .. والحمد لله طلعت أعرف 3 دكاترة هناك .. أكيد حد فيهم هيساعدنى .. أنا كلمت واحدة منهم ولسه اتنين
قالت "ياسمين" بلهفه :
- "ولاء" لازم أعرف قبل بكرة
- متقلقيش والله .. أنا بحاول أوصل للورق ده بأقصى سرعة .. متقلقيش لما أوصل لحاجه هكلمك .. بس صعب أوى أوصل لحاجة النهاردة .. بس بكرة الصبح ان شاء الله هرجع تانى على المستشفى وهطمنك متقلقيش
************************
فى صباح اليوم التالى لم تتحمل "ياسمين" التوتر الذى كانت تشعر به .. نزلت تتمشى فى المزرعة .. أما "ريهام" فكانت فى غرفتها ترتب أغراض هذا اليوم .. عندما رن هاتفها .. رقم لا تعرفه ردت قائله :
- السلام عليكم
- وعليكم السلام
عرفت صوته على الفور .. قال "كرم" :
- ازيك يا "ريهام"
قالت بصوت خافت :
- الحمدلله .. جبت رفمى منين
ضحك قائلاً :
- ايه مش عايزانى أعرف رقم مراتى ولا ايه
قالت بخجل :
- لسه مبقتش مراتك .. أنا هقفل .. سلام
قال بلهفه :
- استنى بس .. ما خلاص كلها ساعات ونكتب كتابنا
ابتسمت بخبث قائله :
- لما نبقى نكتبه .. انا هقفل
- طيب يارب صبرنى .. طيب مش هتقوليلى أى كلمة حلوة تصبرنى الكام ساعة دول
ابتسمت قائله :
- أنا هقفل يا "كرم"
- ماشى بس عايز أعرفك انى كلمت باباكى واتفقت معاه اننا بعد ما نكتب الكتاب هنعد نحتفل معاهم شوية وبعدها نخرج نحتفل لوحدنا عشان أعرف استفرد بيكي .. قصدى عشان أعرف اتكلم معاكى .. أتكلم بس .. اوعى تفهميني صح
كتمت "ريهام" ضحكتها بيدها قائله :
- مع السلامه يا "كرم"
**************************
أخذت "ياسمين" تتمشى فى المزرعة .. رن هاتفها أخرجته فى لهفه .. لكنها تضايقت عندما وجدت "ريهام" المتصله :
- السلام عليكم أيوة يا "ريهام"
- وعليكم السلام .. انتى فين يا عروسة ؟
قالت "ياسمين" بتوتر :
- مفيش بتمشى شوية
قالت "ريهام" بحده :
- ده وقت تمشيه .. خلاص الكوافيرة جايه فى الطريق ولازم عند ماما "كريمه" انتى عارفه ان الكوافيرة هتجيلنا عندها
قالت "ياسمين" بنفاذ صبر :
- روحى انتى وأنا هحصلك يا "ريهام"
قالت "ريهام" بقلق :
- فى حاجه يا "ياسمين" ؟ شوفتك مش عاجبنى
- لأ مفيش حاجه .. روحى انتى وأنا هحصلك .. يلا سلام
أغلقت قبل أن تتحدث "ريهام" مرة أخرى .. لحظات ووجدت "ولاء" تتصل بها ..ردت بلهفه :
- أيوة يا "ولاء" .. بتصل بيكي موبايلك مقفول
- لا دى شبكة يا "ياسمين" .. أنا على الطريق راجعه على المزرعة
- عملتى ايه فى المستشفى .. وصلتى لحاجه ؟
- استنيني فى المكتب هجيلك على هناك
- طيب طمنينى يا "ولاء"
- عشر دقايق وهكون عندك يا "ياسمين" استنيني فى المكتب
أسرعت "ياسمين" بالذهاب الى مكتب .. جلست على الأريكة فى توتر .. أخرجت السلسة .. نظرت اسم اسم "عمر" المنقوش على القلب .. وحضنته بين أصابعها .. أغمضت عينيها وظلت تدعو ربها .. وتستغفر .. فتحت "ولاء" الباب وأغلقته خلفها .. هبت "ياسمين" واقفه وقالت بلهفه :
- خير طمنيني وصلتى لحاجه
رأت نظرت الأسى فى أعين "ولاء" .. فقالت بحده :
- "ولاء" ردى عليا
تنهدت "ولاء" وأخرجت من حقيبتها ورقتين أعطتهما الى "ياسمين" قائله :
- دى بيانات الحالات اللى استقبلتها المستشفى اللى كان فيها قسم الطوارئ شغال فى اليوم ده
أخذت "ياسمين" الورق بيد مرتجفة .. نظرت الى "ولاء" بأعين دامعه وقالت بصوت مرتجف :
- موجود فيها اسمه ؟ ... موجود اسم "عمر" ؟
نظرت اليها "ولاء" دون أن تجيب .. فتحت "ياسمين" الورق وقرأت بيانات الحالتين الوحيديتين فى هذا اليوم .. "صفية الدمرداش" .. و ... "عمر الألفى" .. سقطت منهارة على الأريكة تنظر الى الورقة غير مصدقة فقالت "ولاء" شارحه :
- تقرير الحالتين هتلاقيهم مكتوب عندك .. جم المستشفى مصابين بحروق .. الست كان فى حروق متفرقه فى ايديها ورجليها وباقى جسمها حروق من الدرجة التانية .. وأعدت اسبوع فى المستشفى وبعدها كتبولها على خروج ..
ثم قالت بتردد :
- الحالة التانية حالة "عمر" وجه معاها فى نفس الحادثة وفى نفس التوقيت واصابته كانت حرق فى ايده اليمين ومشى فى نفس اليوم
تساقطت العبرات من أعين "ياسمين" وهى مازالت ممسكة بالورق فى يدها تنظر اليها بأعين دامعه .. صمتت .. طال صمتها .. ثم قالت :
- يعني "عمر" فعلا اللي كان مع الست دى فى البيت .. والراجل مغلطش .. هو فعلاً اللى كان معاها
ثم نظرت الى "ولاء" قائله :
- يعني "عمر" .. و الست دى .. كانوا .....
لم تستطع اكمال جملتها وانفجرت باكية .. جلست "ولاء" بجوارها وأخذتها فى حضنها وتنهدت قائله :
- حبيبتى احمدى ربنا انك اكتشفتى الموضوع ده قبل كتب الكتاب .. أنا عارفه انه صعب عليكي .. معلش ربنا يصبرك ويبرد نارك
هبت "ياسمين" واقفة وقالت من بين شهقاتها :
- لو سمحتى يا "ولاء" مش عايزة حد يعرف حاجه عن الموضوع ده
وقت "ولاء" قائله :
- أكيد .. متخافيش
خرجت "ياسمين" .. لا تدرى أين تذهب .. كانت تشعر بالإختناق .. وكأن شيئاً يجثم فوق صدرها .. ذهبت الى حيث شجرتها .. جلست على الجذع .. انفجرت فى بكاء مرير لم تستطع السيطرة عليه .. شعرت بأن قلبها هو الذى يبكى .. هو الذى ينزف .. تساقطت عبراتها لتختلط بتراب المزرعة .. تذكرت أول مرة جلست فيها على هذا الجذع .. كانت تشعر الفرحة .. والراحة .. والسكينة .. في هذا المكان .. لكن الآن .. ضاقت الأرض بها .. لم تعد تحتمل البقاء هنا .. لم تعد تشعر بالراحة .. أو السكينة .. بل تشعر بالخيانة .. والغدر .. والألم .. تشعر بأن قلبها قد تمزق أشلاءاً من شدة الألم .. تشعر بأن عقلها قد شُل من كثرة الصدمات التى تعرضت لها .. لماذا يحدث لها ذلك .. لماذا لا تتم لها فرحة .. وكأن الحياة تستكثر عليها فرحتها .. بكت ألمها .. بكت حبها .. الذى فقدته قبل أن تحصل عليه .. تعبت عينيها من كثرة البكاء .. تعب قلبها كثرا وامتلأ ألماً
ناجت ربها .. الى متى يا رب .. الى متى .. لم أعد أستطيع التحمل .. تعبت .. متى سأرتاح .. صبرت الى أن تعب الصبر من صبري .. لا أعترض على قضاءك .. لكنى تعبت .. أشعر بأن نفسي ممزقه لأشلاء .. أشعر بطعنات الألم منغرسه فى كل جوارحى .. لن أتحمل العيش معه .. لن أقبل العيش مع رجل زانى .. هو كمصطفى .. لا فرق بينهما .. كلاهما زانى .. كلاهما ارتكب أكبر الفواحش .. كلاهما ينتهك حرماتك .. كلاهما لا يبالى بغضبك .. كلاهما يعصيك .. ويتباهى بعصيانك .. لن أعيش معه .. حبه فى قلبي انقلب الى كره واحتقار .. لن أقبل العيش مع زانى .. حتى لو كنت أحبـــه .. لأن من خانك يومـاً .. سيخوننى ألـف يــوم .. شعرت بالقشعريرة تسرى فى جسدها عندما تذكرت أنها كانت ستصبح زوجته اليوم .. حمدت الله أن أنجاها منه
رن هاتفها .. كانت "سماح" وصلت الى بيت المزرعة ولم تجدها .. وصفت لها "ياسمين" مكانها عند الشجرة .. أتت "سماح" لتجد صديقتها فى أسوأ حال .. قالت بهلع :
- "ياسمين" .. مالك .. بتعيطى ليه
بدأت "ياسمين" فى البكاء مرة أخرى وألقت نفسها فى حضن صديقتها التى ربتت على ظهرها قائله :
- حبيبتى قوليلى مالك .. ايه اللى حصل .. "مصطفى" كلمك ؟
رفعت "ياسمين" رأسها ونظرت الى "سماح" قائله :
- لأ
قالت "سماح" بلهفه :
- أمال ايه اللى حصل بتعيطي ليه
قالت "ياسمين" من بين شهقاتها :
- "عمر" زنى بواحدة متجوزة
هتفت "سماح" فى عدم تصديق :
- ايه .. بتقولى ايه ؟
قالت "ياسمين" بصوت مرتجف :
- أنا متأكده .. اتأكدت بنفسي .. اتكلمت مع الشاهد الى شافه واتعرف عليه واللى عمر دفعله رشوة عشان ميتكلمش .. وشوفت الدليل بعيني .. مش دليل واحد دول اتنين .. "عمر" زنى بواحدة متجوزة
قصت عليها "ياسمين" كل ما حدث بالتفصيل .. ساد الصمت طويلاً .. ثم قالت "سماح" :
- أنا مكنتش أتوقع كده منه أبداً .. أيوة عارفه ان فى حياته تجاوزات كتير .. وكان فيه حاجات غلط كتير جداً بينه وبين خطيبته .. بس متصورتش انه ممكن يعمل حاجه زى كده
قالت "ياسمين" بمرارة :
- قولتلك قبل كده .. اللى يعمل الغلطة الصغيرة بدون ذرة ندم .. يعمل الغلطة الكبيرة
نظرت اليها "سماح" بأسى قائله :
- هتعملى ايه دلوقتى ؟
قالت "ياسمين" بإحتقار وهى تمسح دموعها بأصابعها :
- هرجعله شبكته .. أنا مش ممكن أتجوز راجل زانى
دمعت عيناها مرة أخرى وهى تقول بألم :
- ده أسوأ من "مصطفى" يا "سماح" .. الست كانت متجوزة .. وهو عارف انها متجوزة
جهشت فى البكاء مرة أخرى .. حاولت "سماح" تهدئتها .. مضى الوقت .. حتى هدأت واستعادت رباطة جأشها .. ثم همت بالانصراف .. قالت لها "سماح" :
- على فين ؟
ردت "ياسمين" بحزم :
- راحة أخلص منه وأمسحه تماماً من حياتى
مشت بسرعة فى طريقها الى بيت المزرعة .. اتصلت بـ "عمر" الذى رد عليها قائلاً بصوت حانى :
- حبيبتى .. كأنك حسه بيا .. كان نفسي أسمع صوتك
قالت بحزم :
- انت فين ؟
ضحك "عمر" قائلاً :
- ايه هنبتدى من أولها .. مش بدرى شويه على السؤال ده .. عامة أنا فى مكتبى اللى فى البيت .. حبيبتى فين بأه ؟
ردت بحدة :
- أنا جيالك
ثم أغلقت .. شعر "عمر" بالقلق .. نهض من مكانه ليستقبلها على الباب .. نظر الى وجهها و عيونها الباكية .. ثم قال بلهفه :
- حبيبتى انتى كنتى بتعيطى
وقفت "ياسمين" تنظر الى عينيه وهى تقول فى نفسها .. ازاى قدرت تخدعنى .. ازاى مكنتش شايفه السواد اللى جواك .. بالظبط زى ما "مصطفى" خدعنى .. ومكنتش قادرة أشوف السواد اللى جواه .. بكرهكوا انتوا الاتنين .. انتوا الاتنين زى بعض .. كرر "عمر" سؤاله بإهتمام :
- حبيبتى .. مالك .. ايه اللى مضايقك
نظرت اليه بحده قائله بصوت هادر :
- أنا آسفة غيرت رأيى .. مش هقدر أتجوزك
نظر اليها بدهشة قائلاًً:
- بتقولى ايه ؟
"ياسمين" بقسوة :
- مش عايزاك
صمت "عمر" وهو يحاول استيعاب ما تقول .. ثم قال :
- بتقولى ايه ؟
"ياسمين" بنفس القسوة :
- بقولك مش عايزاك .. مش عايزاك
"عمر" بحده :
- ليه هو كان لعب عيال .. كتب كتابنا النهاردة
قالت "ياسمين" ببرود :
- مفيش كتب كتاب .. ومفيش جواز
شعر "عمر" بالغضب يزداد بداخله .. فما كان منه إلا أن مسك كلتا ذراعيها وقربها منه بشدة ونظر اليها قائلاً بغضب :
- انتى بتلعبى بيا يا "ياسمين" .. يعني ايه مش عايزاك ؟
حاولت أن تفلت نفسها منه لكنه كان يطبق على ذراعيها بشدة .. حاولت أن تبتعد عنه فلم تستطع .. هتف بحده :
- انطقى يعني ايه اللى انتى بتقوليه ده
قربها منه للغاية .. فتلامس جسدهما .. شهقت "ياسمين" بالبكاء والعبرات الساخنه تتساقط من عينيها ونظرت له قائله :
- عشان أنا وانت مننفعش لبعض .. انت واحد كل حياتك حرام .. كل تصرفاتك حرام .. قربك منى بالشكل ده حرام .. مسكك ليا بالطريقة دى حرام .. لمسك ليا كده حرام .. بس انت واحد ما بيفرقش معاك الحرام
ثم أغمضت عينيها وأخفضت رأسها فى ألم وهى مازالت تبكى .. نظر "عمر" اليها .. يحاول فهم ما تقول .. يحاول استيعاب ما يحدث .. أبعدها عنه قليلاً .. وترك ذراعيها .. فابتعدت عنه ورجعت للخلف بسرعة .. أخذت تمسح بكفيها على ذراعيها وكأنها لا تطيق لمسته .. شعرت اتجاهه بالاحتقار .. شعرت بالقشعريرة من مجرد لمسه اياه .. ولقربها منه.. لكم تتمنى أن تبتعد عنه .. أكبر مسافة ممكنه .. لا تريد أن تراه .. أو تقترب منه بعد اليوم .. تريد أن بتتعد عنه بأقصى سرعة .. بقدر ما أحبته .. بقدر ما سقط من نظرها الآن .. هم "عمر" بالتحدث معها مرة أخرى .. وفجأة قاطعه دخول والده قائلاً :
- الحق يا "عمر" .. عم "عبد الحميد" وقع فجأة وحاولت أفوقه مش راضى يفوق ..
صرخت "ياسمين" :
- بابا
هرع "عمر" ووالده و "ياسمين" الى الخارج حيث "عبد الحميد" ملفى على الأرض .. أخذت "ياسمين" تحاول تحسس نبضه وهى تبكى :
- بابا .. بابا مالك .. بابا رد عليا
حمل "عمر" ووالده .. "عبد الحميد" الى السيارة وركبت معهم "ياسمين" وانطلقوا الى المستشفى .. كانت "ياسمين" منهارة على الكرسى بجوار الغرفة والأطباء يفحصونه فى الداخل .. وقف "عمر" أمامها بأسى :
لا يدرى ماذا حدث لها وكيف انقلبت عليه فى لحظات .. كان يريد أن يأخذها فى حضنه ويخفف عنها ولكنه يعلم بأنها بالتأكيد سترفض ذلك .. خرج الطبيب .. وأنبأهم بأن حالته الصحيه حرجه .. بسبب ارتفاع ضغط الدم لديه .. بالإضافه الى مشاكل فى عضلة القلب .. انهارت "ياسمين" مرة أخرى باكيه وظلت تردد " اللهم اجرنى فى مصيبتى واخلف لى خيراً منها " .. منع الطبيب الزيارة الى أن تستقر حالته الصحية .. بعد قرابة الساعة أتت "ريهام" الى المستشفى بصحبة "كرم" و "أيمن" و "سماح" و "كريمه" .. تعانقت الأختان واختلطت دموعهما .. انتظروا حتى المساء ومازال الطبيب يمنع الزيارة .. عاد الجميع الى منازلهم فيما عدا "ياسمين" و "ريهام" .. وبالطبع "عمر" و "كرم" ..
كانت الفتاتان فى حالة انهيار تام .. حاولت "ياسمين" التماسك من أجل أختها .. لكن خوفها على أبيها ملأ قلبها .. ظل "عمر" يراقبها والألم يعتصر قلبه .. اقتبر منها وجلس بجوارها قائلاً بحنان :
- "ياسمين" هدى نفسك شوية .. ان شاء الله هيبقى كويس
نظرت اليه "ياسمين" بنظرة حادة .. ثم قامت ووقفت بجوار باب غرفة والدها وأسندت رأسها عليه وأغمضت عينيها لتسقط منها عبرة حزينه مكلومه
فى اليوم التالى .. سمح الطبيب بزيارة خفيفة نظراً لخطورة حالته الصحية وعدم استقرارها .. دخلت الفتاتان .. حاولت "ياسمين" تمالك نفسها قدر الإمكان حتى تبث الطمأنينه فى نفس والدها وقفت بجوار سريره مبتسمه بصعوبه ومسحت على رأسه قائلاً :
- بابا حبيبى عامل ايه دلوقتى
قال بصوت أجش :
- الحمد لله .. نعمه وفضل من ربنا
سقطت عبره من عين "ريهام" فنظرت اليها "ياسمين" نظره محذره .. قالت "ريهام" وهى تقف على الجانب الآخر من الفراش :
- حمدالله على سلامتك يا بابا
قالت "ياسمين" وهى تحاول رسم ابتسامه على شفتيها :
- الدكتور طمنا عليك وقالى يومين وهتبقى كويس أوى وهتخرج من هنا على طول
أغمض "عبد الحميد" عينيه للحظة ثم قال بصوت خافت :
- انا حاسس ان خلاص نهايتي قربت
بكت "ياسمين" قائله :
- بابا متقولش كده .. ان شاء الله هتبقى كويس .. أنا و "ريهام" محتاجينك .. بابا أنا محتجاك أوى
نظر اليها قائلاً :
- أنا عايز أطمن عليكوا يا بنتى قبل ما أموت .. ياريت كان حصلى اللى حصل ده بعد كتب كتابك انتى وأختك .. لكن ربنا أكيد له حكمة ان ده يحصل قبل كتب الكتاب .. الحمد لله على كل حال .. انت يارب عارف اللى فيه الصالح
نظرت اليه "ريهام" بأعين دامعة وقالت :
- ان شاء الله يا بابا هتقوملنا بالسلامة .. هو بس شوية تعب وهتبقى كويس
أمسك "عبد الحميد" كف "ياسمين" بيد .. و كف "ريهام" فى يده الأخرى وقال :
- لو فعلاً عايزين تريحوا قلب أبوكوا .. نادولى "عمر" و "كرم" ووافقوا على اللى أنا هقوله ليهم ..
نظرت "ياسمين" و "ريهام" الى بعضهما البعض .. قالت "ياسمين" :
- نوافق على ايه يا بابا؟
قال "عبدالحميد" وهو مازال ممسكاً بكفهما ويجاهد ليخرج صوته المتعب :
- بتحبونى وعايزين تريحوا قلبي ولا لأ
-أكيد يا بابا
- طبعاً يا بابا
نظر الى "ريهام" قائلاً :
- روحى نادى لـ "عمر" و "كرم"
ذهبت "ريهام" وفعلت كما طلب والدها .. ثم عادت الى مكانها ممسكه كف والدها .. وقف "عمر" و "كرم" بجوار "ياسمين" .. نظرت "ياسمين" لتجد "عمر" بجانبها .. شعرت بالقشعريرة تسرى مرة أخرى فى جسدها .. يالله .. لكم تكره قربه منها .. انزوت بجسدها مبتعدة عنه .. وكأنه مرض خبيث تخشى أن يصيبها بلمسه منه .. نظر "عبد الحميد" الى الرجلين قائلاً :
- أنا خلاص .. حاسس ان دى نهايتي .. وكل أملى فى الدنيا دى انى أطمن على بناتى قبل ما أموت .. وأسيب كل واحدة فيهم فى عصمة راجل يحميها ويكون جمبها طول العمر
بكت الفتاتان فى صمت .. قال "كرم" :
- ربنا يديك الصحة يا عم "عبد الحميد" وتعيش وتجوز بناتك
نظر الى "كرم" قائلاً :
- انت شارى بنتى "ريهام" يا بشمهندس "كرم"
نظر "كرم" الى "ريهام" ثم قال فى دهشة :
- طبعاً يا عم "عبد الحميد" انت عندك شك فى كدة
ثم نظر "عبد الحميد اللى "عمر" قائلاً:
- وانت يا بشمهندس "عمر" شارى بنتى "ياسمين" ؟
التفت "عمر" الى "ياسمين" الواقفة بجواره .. صمت .. طال صمته .. ثم قال بصوت خافت :
- أيوة شاريها
قال "عبد الحميد" وهو ينظر الى الأعين المتعلقة به :
- يبقى تجيبوا المأذون وتكتبوا الكتاب دلوقتى حالاً
نظرت اليه "ياسمين" بدهشة قائله :
- بابا حضرتك بتقول ايه
صاحت "ريهام" :
- بابا ازاى يعني .. وحضرتك تعبان كده
سعل "عبد الحميد" بشدة .. أتت الممرضة وطلبت من الجميع الخروج .. شد "عبد الحميد" كفيه على كفى بداته قائلاً بصوت خرج بصعوبة :
- محدش هيخرج من هنا .. وانتوا لو بتحبونى وعايزين تريحوا قلبي هتنفذوا اللى أنا طلبته
التفت الى "عمر" و"كرم" قائلاً :
- قولتوا ايه .. شاريين بناتى ولا لأ
قال "كرم" :
- أكيد طبعاً ومعنديش مانع أبداً انى أكتب الكتاب هنا لو ده هيريحك يا عم "عبد الحميد"
نظر "عبد الحميد" الى "عمر" منتظراً رأيه .. قال "عمر" بثقه :
- وأنا كمان شاريها وشاريها أوى .. ومعنديش مانع انى أكتب عليها هنا .. دلوقتى
وقفت "ياسمين" تتابع ما يحدث وكأنها تمثال .. بدون أن تُظهر أى تعبيرات على وجهها .. بدون أى رد فعل .. ذهبت "ريهام" بصحبة "كرم" و "عمر" لاحضار الأوراق المطلوبة والتى كان قد تم تحضيرها بالفعل .. وقفت "ياسمين" بجوار والدها .. كالتمثال .. عينيها تسبح فى فضاء الغرفة .. شعرت بأنه تفكيرها قد شُل .. ومشاعرها قد تجمدت .. لم تشعر الا بشئ واحد .. كف والدها التى تمسك بيدها فى اصرار .. دخل الطبيب لفحص "عبد الحميد" مرة أخرى .. ثم نظر الى "ياسمين" بشئ من الأسف وخرج من الغرفة .. بعد ساعة حضر الجميع .. تابعت "ياسمين" ما يحدث بأعين لا ترى .. وبأذن لا تسمع .. تشعر بأنها ترى مشهداً مكرراً .. شعرت بأنها عاشت هذا المشهد من قبل .. لكن أين .. ومتى .. وكيف .. أفاقت على كلمة واحدة نطق بها "عمر" :
- قبلتً زواجهــا
عندها تذكرت أين ومتى عاشت هذا المشهد .. انه هو نفس المشهد .. ونفس الإحساس .. ونفس نبضة قلبها الحزينه .. للمــرة الثانيــة .. تتــزوج برجــل لا تريــــده .
بعد ساعتين خرج الطبيب من الغرفة ونظر للجميع بأسف قائلاً : البقـــاء لله.
رواية مزرعة الدموع الفصل السابع والثلاثون 37 - بقلم مني سلامة
الفصل السابع والثلاثون من رواية مزرعة الدموع
خيم الحزن على المزرعــة .. التى أصبحت مرتعاً للأحزان .. افتقدت الفتاتان أباهما بشدة .. ساعد الجميع فى اجراءات الجنازة والدفن .. دُفن فى القاهرة فى المقابر التى دُفنت فيها زوجته .. مرت الأيام على الفتاتان ببطء شديد .. وكأن عقارب الساعة قد أصابها عطل ..فتوقفت أو كادت .. كانت "كريمه" تشفق على حالهما كثيراً .. كانت تزورهما فى غرفتهما .. التى أصرا على المكوث فيها .. وترسل لهما الطعام مع الخادمة كل يوم .. وقف "كرم" بجوار "ريهام" فى محنتها .. كان دائم الإتصال بها والإطمئنان على حالها .. أما "عمر" فلم تتوقف اتصالاته لـ "ياسمين"التى لم تجب على أى منها .. حتى أضطرت الى غلق هاتفها ..
كان "عمر" يشعر بالحيرة .. لماذا انقلبت عليه فجأة .. هل هو التوتر الذى يسبق الزواج .. هل عادت الى مخافها مرة أخرى .. لماذا لا تعطيه وتعطى لنفسها فرصة .. هل تجربتها المريرة ستظل تقف حائلاً بينهما .. كاد أن يجن من كثرة التفكير .. لم يجد حلاً إلا فى التحدث مع والدته .. علها تريح قلبه .. قال "عمر" :
- أنا بس نفسي أعرف ليه هى قالتلى كده .. كلمتها وجعتنى أوى .. عارفه يعني ايه حبيبتى ويم كتب كتابنا تقولى (مش عايزاك) .. وكده بدون أسباب
استمعت أمه الى حديثه كاملاً .. وعن تفاصيل آخر لقاء له مع "ياسمين" صبيحة يوم كتب الكتاب .. ثم قالت فى هدوء :
- بص يا "عمر" .. كتير بنات بتخاف لما الموضوع بيدخل فى الجد .. يعني بتخاف انها تكون اختارت غلط .. بتخاف انها لسه مش عارفه كويس الراجل اللى هى هتبقى مراته .. تعرف آخر مرة كانت "ياسمين" عندنا هنا .. قبل كتب الكتاب بيومين .. جت سيرة الماجستير والدكتوراه بتوعك .. لقيتها مندهشة .. يعني حتى مكنتش تعرف عنك المعلومة البسيطة دى .. هى فعلاً يا "عمر" لسه البنت متعرفش حاجات كتير عنك .. وده أكيد مخوفها .. دى مخاوف أى بنت عادية .. ما بالك بأه بواحدة مطلقة .. وكانت متجوزة واحد أستغفر الله زى طليقها ده راجل معندوش ضمير .. متخيل حجم المخاوف اللي جواها عاملة ازاى .. خاصة ان والدها قال ان طليقها ده مكنش باين عليه كل اللى عمله ده وكان باين عليه واحد محترم وابن ناس .. اللى عايزة أقوله ان رغم انى مش معاها فى انها تهرب زى ما بتهرب دايماً .. ولازم تواجه كل اللى مخاوفها .. بس برده مقدرة ان البنت ممكن تكون مخاوفها سيطرت عليها لدرجة خلت تفكيرها يتشل .. لدرجة خلتها مترددة وبتفكر فى الحاجة ألف مرة .. وكتر التفكير بيفتح مجال للشيطان انه يدخل ويوسوس براحته
تنهد "عمر" قائلاً :
- يعني أنا أعمل ايه دلوقتى ؟
- بص يا حبيبى .. دلوقتى هى بتمر بحالة نفسية صعبة بسبب موت والدها .. وبسبب جوازها المفاجئ بعد ما جتلك وقالتك ان الجواز ملغى .. فكل اللى مطلبو منك هو انك تفضل جمبها فى أزمتها .. وتتحملها لحد ما تخرج منها .. على فكرة يا "عمر" الست بتقدر أوى الراجل اللى يقف جمبها وتحسن انه سند ليها .. الست لما بتلاقى راجل بيحبها وخايف عليها وواقف جمبها حتى وقت الخلاف بينهم لازم غصب عنها تعشق التراب اللى بيمشى عليه .. "ياسمين" خلاص بأت مراتك .. وانت جوزها .. وكمان البنت ملهاش أى حد غير أختها الأصغر منها .. يعني انت كل عيلتها دلوقتى يا "عمر"
أومأ "عمر" برأسه وقد شعر بالراحة للحديث مع أمه .. فقد أجابت على الأسئلة التى كانت تعتمل داخل عقله وقلبه .. قرر أن يقف بجوار حبيبته فى محنتها .. ولن يتخلى عنها أبــداً .
حاول أن يتصل بـ "ياسمين" مرة أخرى .. لكن هاتفها مازال مغلقاً .. فخرج من منزله وتوجه الى غرفتها فى سكن العمال .. طرق الباب .. بعد فترة .. فتحت "ريهام" مرتدية اسدال الصلاة .. نظرت اليه بإستغربا .. فقال لها :
- ازيك يا "ريهام" أخبارك ايه ؟
- كويسه الحمد لله
-"ياسمين" موجودة ؟
أومأت برأسا .. فقال :
- طيب لو سمحتى قوليلها انى عايزها
دخلت "ريهام" .. دقيقتين وخرجت "ياسمين" مرتدية اسدال الصلاة هى الأخرى .. نظر اليها يملى عينيه برؤياها التى حُرم منها لأيام .. كانت ضعيفة ذابله .. دامعة العينين .. رق قلبه لحالها .. اقترب منها قائلاً بحنان :
- حبيبتى انتى كويسه ؟
أومأت برأسها وتحاشت النظر اليه .. رفع يده ليمرر ظهر أصابعه على وجنتها قائلاً :
- أفله تليفونك ليه .. وليه مبترديش عليا
أبعدت وجهها عن أصابعه ..فسحب يده وظل ينظر اليها فى صمت .. وهى مازالت تتحاشا النظر الى وجهه .. طال الصمت بينهما .. نظر اليها قائلاً :
- ماشى هسيبك براحتك .. بس لو سمحتى افتحى تليفونك عشان لما أحب أطمن عليكي .. بدل ما كل شوية تلاقيني جايلك هنا .. أنا سبتك الكام يوم اللى فاتوا برحتك .. بس قدرى انى قلقان عليكي وحابب أسمع صوتك وأطمن عليكي
صمت برهه ثم قال :
- ماشى يا "ياسمين"
أومأت برأسها .. فقال :
- لو احتجتى حاجه كلمينى
غادر "عمر" وعادت الى سريرها تلقى بنفسها عليه .. اعطت "ريهام" ظهرها حتى لا ترى العبرات التى تتساقط من عينيها فى صمت .. سألت دموعها .. لماذا تسقطين يا دموعى .. أبسبب موت أبي .. الرجل الوحيد الذى أثق به فى هذه الدنيا .. أم تسقطين بسبب حالى وما يحدث لى .. كفى يا دموعى عن السقوط .. لم أعد أحتمل حرارتك على وجهى .. ألا تجفين أبداً .. لماذا تذكرينني دائماً بطعمك المالح فى فمى .. أريد أن أنسى طعمك يا دموعى .. لماذا تذكريني بكِ دائماً وتخرجين من عيناى بكل اصرار وكأنك تتحديني .. وكأنك تتعندين أن تؤلميني .. لماذا يا دموعى لا ترحميني ..!
اقتربت منها "ريهام" وجلست بجوارها على الفراش .. التفتت "ياسمين" اليها وجلست .. قالت "ريهام" بأسى :
- وحشنى أوى يا "ياسمين"
اغرورقت عينا "ياسمين" بالدموع قائله :
- وأنا كمان وحشنى أوى
ثم قالت :
- عايزين نعمل صدقة جارية ليه
أومأت "ريهام" برأسها قائله :
- زى ايه ؟
- مش عارفه لسه بفكر .. بس عايزين نعمله أكتر من حاجه عشان ثوابه يكون أكبر
ثم تساقطت عبرة من عينيها وهى تقول بصوت مرتجف :
- الانسان لما بيموت .. الحاجة الوحيدة اللى بيستمر ياخد عليها ثواب هى ان ولاده يدعوله ويعملوله صدقة جاريه .. وعايزين نعمل لماما كمان
أومأت "ريهام" برأسها وأسندتها على كتف أختها قائله :
- ماشى أنا هديكي كل الفلوس اللى أنا محوشاها من مرتبي وانتى شوفى هتعملى بيها ايه
قالت "ياسمين" :
- لأ مش هاخدهم كلهم .. احنا لسه منعرفش احنا هنعيش ازاى .. خلاص كدة معاش بابا الله يرحمه اتقطع عننا لاننا اتجوزنا .. يعني ملناش أى مصدر رزق نعيش منه الا شغلنا هنا .. وأمورنا دلوقتى اتلخبطت
رفعت "ريهام" رأسها ونظرت اليها قائله :
- ايه اللى هيحصل دلوقتى يا "ياسمين" .. أقصد بعد ما كل واحدة فينا اتكتب كتابها .. وبعدين .. ايه اللى هيحصل .. طبعاً الفرح لازم يتأجل .. بس هل هنفضل نشتغل عندهم زى ما احنا .. ولا لأ .. ولو مشتغلناش هنصرف على نفسنا منين
نظرت "ياسمين" الى "ريهام" قائله :
- ربنا موجوده .. مش هيسبنا .. اطمنى يا "ريهام" .. ربنا قادر يبعتلنا الحل لكل مشاكلنا
فتحت "ياسمين" أحد الأدراج بجانبها وأخرجت مصحفاً وفتحته وأسندت ظهرها الى الوسادة خلفها وبدأت فى القراءه .. رجعت "ريهام" بظهرها للخلف وأسندت رأسها على كتف أختها تستمع الى تلاوتهــا .
***************************
فى اليوم التالى .. خرجت "ريهام" من الحمام لتجد أختها ترتدى ملابسها فسألتها :
- انتى خارجه ؟
قالت "ياسمن" شارحه :
- أيوة .. هروح أشوف موضوع الصدقة الجارية اللى اتكلمنا عنه امبارح
- آجى معاكى
- لا يا حبيبتى مفيش داعى خليكي
خرجت "ياسمين" .. توجهت الى الطريق المؤدى للبوابة .. كان "عمر" يقف أمام البوابة يتحدث الى رجل داخل سيارته .. نظر الى "ياسمين" فتجاهلت نظراته .. أنهى "عمر" كلامه مع الرجل الذى انطلق بسيارته خارج المزرعة ثم توجه اليها يقطع طريقها قائلاً :
- "ياسمين" .. راحه فين؟
نظرت اليه .. يالله .. لكم تؤلمنى رؤيته .. وتذكرنى بكل ما أريد نسيانه .. أعاده سؤاله :
- راحه فين يا "ياسمين" .. قالت بهدوء :
- نازله المنصورة
- تعملى ايه فى المنصورة
قالت بشئ من نفاذ الصبر :
- هشترى شوية حاجات
قال وهو يهم بالإنصراف :
- طيب ثوانى هجيب العربية وآجى
قالت بسرعة :
- مفيش داعى .. أنا هروح لوحدى
نظر اليها بحنان قائلاً :
- ازاى يعني أسيب مراتــى تركب فى المواصلات وأنا موجود
خفق قلبه عندما سمعت منه كلمـة (مراتــى) .. تلك الكلمة التى تحاول أن تتناساها .. لكنها واقع .. وأمر مفروغ منه .. لم تعد تستطيع الهــرب .. عاد "عمر" و أحضر سيارته أوقفها أمام "ياسمين" وفتح لها الباب .. شعرت بإحساس غريب .. هو مزيج من خوف وحيرة وتردد .. للمرة الأولى تركب سيارة رجل غريب بمفردها .. ذكرت نفسها .. ليس غريباً يا "ياسمين" .. بل هو زوجــك .. زوجك الذى فُرض عليكِ فرضاً .. زوجك رغــم أنفــك .. اهربي منه فى عقلك كما تريدين .. لكنك لن تستطيعي الهرب من الواقــع أبــداً .
ترددت لحظات فى الركوب .. نظر اليها "عمر" يراقب ملامح التردد على وجهها .. ركبت بجواره .. بجوار زوجهــا .. شعرت بالرهبة .. تنهدت وحاولت السيطرة على خفقات قلبها .. هى حتى لا تعلم مما هى خائفه .. سار "عمر" فى طريقه الى المنصورة .. يلقى نظرة عليها كل فترة .. نظر اليها قائلاً :
- عايزه تروحى فين ؟
صمتت لتفكر .. ثم قالت :
- عايزة أروح أى مكتبة اسلامية
قال بإستغراب :
- مكتبة اسلامية
أومأت برأسها فقال :
- ليه ؟
قالت بهدوء :
- عايزة أشترى مصاحب عشان أحطها فى المسجد اللى فى القرية .. صدقة جارية لبابا وماما الله يرحمهم
شعر "عمر" بحنان جارف تجاهها .. لاحت ابتسامه على شفتيه .. ونظر الى يدها الموضوعة بجانبها على المقعد .. مد يده ليحتضن كفها .. فنزعت يدها بسرعة .. وكتفت ذراعيها أمام صدرها .. تضايق "عمر" .. لكنه أخفى ضيقه .. مراعاة لمشاعرها وللظروف التى تمر بها .. توقف أمام المكتبة .. نزل معها .. وواختارت ما تريد .. وعندما همت بفتح حقيبتها وجدت "عمر" يسبقها ويخرج محفظته .. فقالت بسرعة :
- لأ أنا اللى هدفع
نظر اليها "عمر" نظرة محذرة .. نظرة صارمة .. دون أن يتكلم .. كم اخافتها نظرته فألجمت لسانها .. يا لهاتين العينين .. هما قادرتان على غمرها بالحنان تارة .. وعلى اخافتها تارة أخرى .. دفع "عمر" المبلغ للرجل وحمل المصاحف ووضعها فى صندوق السيارة .. وتوجه الى باب "ياسمين" وفتحه لها .. ركبت "ياسمين" .. وركب "عمر" وانطلق فى طريقه .. ساد الصمت .. قطعته "ياسمين" وهى تخرج .. المال من حقيبتها وتعده .. ثم تعطيه له فى حده قائله بحزم :
- اتفضل
ألقى "عمر" نظرة على المال ثم عليها .. صمت للحظات بدون رد فعل .. ومازالت يدها ممدودة بالمال .. ثــم .. أخذه منها ووضعه بإهمال على تابلوه السيارة .. نظرت أمامها .. قال "عمر" بهدوء لكن بحزم :
- تانى مرة لما أكون معاكى فى مكان .. أوعى تفتحى شنطتك وتحاولى انك تحاسبي .. أنا راجل مش قفص جوافة
قالت "بهدوء :
- الحاجة دى بتاعتى وأنا اللي لازم أدفع تمنها
قال بحزم دون أن ينظر اليها :
- ده يبقى بينى وبينك .. مش أدام الناس
ثم نظر اليها قائلاً :
- اتفقنا ؟
نظر اليه .. تلاقت نظراتهما .. هى تحاول قراءة عينيه وهو يحاول قراءة عينيها .. أومأت برأسها ثم عادت لتنظر أمامها فسألها :
- عايزة تروحى مكان تانى ؟
قالت بتردد :
- لو مش هعطلك .. عايزه أروح أى دار أيتام هنا
فكر "عمر" قليلً ثم قال :
- ماشى
ثم نظر اليها وابتسم ابتسامه عذبه قائلاً :
- حبيبتى تأمر وأنا أنفذ
اختلج قلبها لابتسامته الجذابه .. وكلماته الرقيقة .. فأشاحت بوجهها .. وذكرت نفسها بكل ما علمته عنه .. وبكل ما تكرهه فيــه .
**************************
سمعت "ريهام" طرقات على الباب فقامت لتفتح ظناً منها أنها "ياسمين" .. لكنها وجدت "كرم" أمامها .. ابتسم لها قائلاً :
- وحشتيني جيت أشوفك
ابتسمت "ريهام" بخجل وقالت :
- احنا كنا لسه أفلين مع بعض من شوية
قال فى مرح :
- انتى فاكرة ان صوتك كفاية يعني .. ده أنا لما بتكلم معاكى فى التليفون بحس انك بتوحشيني أكتر
سألها بخفوت :
- "ياسمين" جوه ؟
- لأ .. خرجت راحت المنصورة
ابتسم "كرم" قائلاً :
- كويس
ولدهشتها وجدته يدفعها ويدخل ويغلق الباب .. قالت بدهشة :
- "كرم" انت بتعمل ايه
قال بجديه :
- عايز أتكلم مع مراتى .. ايه فيها حاجه
أشارت الى الباب المغلق قائله :
- بس مش كدة .. مينفعش كده
ضحك قائلاً :
- يا بنتى انتى مراتى
جذبها من ذراعيه ليضمها الى صدره .. فدفعته عنها قائله بخجل :
- انت بتهرج على فكرة
ابتسم قائلاً :
- أموت فيك وانت مكسوف كده .. طيب أنا بس عايز أتكلم معاكى فى موضوع
قالت بتوتر :
- طيب اتكلم بسرعة
نظر اليها بجديه قائلاً :
- حبه جد بأه عشان فى موضوع مهم فعلاً عايز أكلمك فيه
رأت ملامح الجدية على وجهه فشعرت بالقلق وقالت :
- خير ؟
قال "كرم" بجديه :
- أنا خلاص معدش ينفع أستنى هنا أكتر من كده .. الشغل كتير فى القاهرة وفى حاجات لازم أعملها بنفسي .. يعني لازم أرجع القاهرة فى أقرب وقت
صمتت "ريهام" قليلاً لا تدرى ما تقول فأكمل "كرم" :
- لازم تيجي معايا القاهرة يا "ريهام" .. يعني أقصد تعيشي معايا .. تبقى دخله يعني
نظرت اليه وقالت بدهشة :
- انت بتقول ايه يا "كرم" .. ازاى أعمل فرح وأبويا لسه ميت ؟
قال "كرم" بسرعة :
- مش لازم نعمل فرح .. بس أنا مضطر أرجع القاهرة ومش عايز أسيبك هنا .. عايزك معايا يا حبيبتى .. وبعدين انتى ناسية الإمتحانات بتاعتك .. انتى نفسك لازم ترجعى القاهرة عشان امتحاناتك
فكرت "ريهام" بتمعن ثم قالت :
- وازاى أسيب "ياسمين" لوحدها ؟
- "ياسمين" مش لوحدها .. جوزها هنا .. "عمر" .. وكمان طنط "كريمه" هنا
أخذت تفكر .. ثم قالت له فى حيرة :
- مش هقدر أمشى من هنا يا "كرم" إلا بعد ما أطمن ان "ياسمين" هى كمان هتبقى مع "عمر" فى بيته .. ومش هتعد هنا لوحدها
قال "كرم" مطمئناً :
- متقلقيش أنا واثق ان "عمر" هو كمان هيعجل بموضوع الدخله .. عشان الوضع كدة مش مظبوط .. يعني مينفعش تعدوا انتوا الاتنين لوحدكوا .. وفى سكن عمال طالعه نازله .. وكل واحدة متجوزة راجل يسد عين الشمس
نظرت اليه قائله :
- خلاص .. شوف انت "عمر" ناوى على ايه .. بس أنا مش همشى من هنا طول ما "ياسمين" أعده .. مش ممكن هسيب أختى لوحدها .. وفى ظروفنا دى .. احنا خلاص بقينا لوحدنا وملناش الا بعض
اقترب منها "كرم" ومسحها على وجنتها فى حنان قائلاً :
- وأنا روحت فين .. انتى مش لوحدك يا "ريهام" .. أنا معاكى .. ومش عايز تقلقى من حاجه طول ما أنا معاكى
ابتسمت بخجل وقالت :
- عارفه يا "كرم" .. تعرف انت اللى كنت بتصبرنى الأيام اللى فاتت .. كنت بفرح لما كنت بتكلمنى كل شوية وبتطمن عليا .. خلتنى أحس ان مش لوحدى
ابتسم قائلاً :
- طبعاً مش لوحدك
حاولت جذبها من ذرعيها مرة أخرى الى حضنه .. فدفعته عنها بخجل .. تركها قائلاً بمرح :
- ماشى برحتك .. بكرة تبقى فى بيتى يا جميل .. أنا وانت وتالتنا الشيطان
ضحكت "ريهام" وقالت وهى تكتم ضحكاتها :
- "كرم" اطلع بره
ابتسم قائلاً :
- ماشى .. هطلع .. ليك يوم يا جميل
ثم نظر اليها بفرحه قائلاً :
- بس عارفه كويس انى جيت .. على الأقل شوفت ضحكتك الحلوة دى
نظرت اليه بحب وقالت مبتسمه :
- ربنا يخليك ليا يا "كرم"
نظر اليها بحنان .. ثم فتح الباب وقبل أن يخرج .. التفت بسرعة ليطبع قبلة سريعه على وجنتها ثم خرج مسرعاً وهو يضحك .. قالت "ريهام" بغيظ بصوت منخفض :
- ماشى يا "كرم"
*************************
دخلت "ياسمين" الى دار الأيتام بصحبة "عمر" .. توجهوا الى مكتب المديرة وتبرعت "ياسمين" بمبلغ لمساعدة الأطفال .. كصدقة جارية لوالدها ووالدتها رحمهما الله .. كان "عمر" يراقبها بعينين حنونتين وهى تتحدث مع المديرة .. رق قلبه لتلك الفتاة التى أمامه والتى كلما رآها شعر بقلبه كعصفور صغير يرفرف بجناحيه داخل صدره .. شعر بسعادة غريبة تسري فى كيانه كله وهو ينظر اليها والى أفعالها الطيبة .. حانت التفاته منها وتلاقت أعينهما .. كانت نظرته شغوفه حنونه تشى بحب واضح لا يمكن أن تخطئ فى تفسيره .. أشاحت بوجهها فى خجل .. أخذتهم المديرة الى حجرة بعض الأطفال وأخذت تتحدث عن المجهودات التى تبذلها الدار لعلاج أولئك الأطفال الذين فقدوا زويهم .. نظرت "ياسمين" الى الأطفال البريئة التى تلعب فى مرح .. ترقرقت عيناها بالعبرات .. حمدت ربها أن أمد فى عمر أبويها حتى ربوها وكبورها هى و أختها
أما هؤلاء الأطفال المساكين معظم لم يروا زويهم .. وتربوا بدونهم .. وسيكبرون بدونهم .. شعرت بالعبرات تندفع من عينيها كالشلال وهى تنقل بصرها من طفل لآخر وضعت كفها على فمها لتكتم شهقات صغيرة كادت أن تفلت منها .. نظر اليها "عمر" و خفق قلبه .. رفع ذراعه وأحاط كتفيها وقربها منه .. و .. قبل رأسها .. انتبهت "ياسمين" لقربها منه .. فرفعت عينيها الدامعتين اليه فى خجل لتصطدم بنظرة حنان فى عينيه .. ثم تبتعد عنه .. مسحت دموعها .. اقترب "عمر" من أحد الأطفال .. كان طفلاً صغيراً فى الثالثه من عمره .. يمسك لعبة مكونه من جزءين فشل فى تركيبهما فأخذ يبكى .. أمسك "عمر" منه اللعبة وركبها و ابتسم الى الصغير وأعطاه اياها ومسح على شعره .. وقف مرة أخرى بجوار "ياسمين" ينظر للطفل الذى يلعب بلعبته فى مرح .. نظرت اليه "ياسمين" قائله :
- تعرف انك خدت ثواب كبير أوى باللى انت عملته ده
التفت اليها بدهشة قائله :
- عملت ايه ؟
قالت شارحه :
- مسحت على راس طفل يتيم .. اللمسه دى ثوابها كبير
نظر اليها بشغف قائلاً بصوت هامس :
- كويس يعني معايا كنز حسنات .. مش هشيل ايدي من عليه أبداً
احمرت وجنتاها وتحاشت النظر اليه .. قبل انصرافهم توقف "عمر" وأخرج دفتر شيكاته وكتب شيكاً وأعطاه الى مديرة الدار .. لم تعرف "ياسمين" الرقم المكتوب لكنها رأت علامات الفرحة على وجه المرأة ونظرت اليه قائله :
- ربنا يباركلك يا ابنى ويحفظك من كل سوء .. ده أكبر مبلغ حد يتبرع بيه من يوم ما فتحنا الدار ..
أخذت "ياسمين" تنظر اليه وهى تتسائل فى نفسها .. تــُرى أفعل هذا لينال أجــراً .. أم ليفكر عن ذنبـــاً .. التفت "عمر" اليها فوجدها تنظر اليه نظرة غريبه أخفتها سريعاً .. انهوا زيارتهم و ركبوا السيارة .. نظر "عمر" اليها مبتسماً :
- تحبي تروحى فين تانى ؟
- شكراً .. أنا كده خلصت اللى كنت عايزه أعمله .. لو راجع المزرعة وصلنى فى طريقك لو سمحت
رفع حاجبيه بتحدى قائلاً :
- ولو مش راجع ؟
قالت بإرتباك :
- مفيش مشكلة ممكن توصلنى الموقف وأنا هركب عربية توصلنى المزرعة
نظر الى ساعته قائلاً :
- فى الوقت ده .. الساعة 9 .. تركبي عربية لوحدك وتمشى على طريق سفر
ازداد ارتباكها وقالت :
- أنا مش هكون لوحدى فى العربية .. معايا ركاب .. وكمان أنا مضطرة يعني مفيش أدامى حل تانى
أمسك وجهها بكفه وجعلها تلتفت اليه .. اقترب منها لتتلاقا نظراتهما .. قال لها :
- "ياسمين" أنا جوزك .. فاهمة .. جوزك .. متتعمليش معايا كأنى راجل غريب .. انتى دلوقتى مراتى ومسؤله منى .. ياريت تفهمى ده كويس
صمتت .. وأبعدت وجهها عن يده .. اعتدل فى مقعده وانطلق فى طريقه .. توقف أمام احدى المطاعم والتفت اليها قائلاً بإبتسامه :
- أنا جعت .. ممكن ننزل ناكل مع بعض وبعدين نرجع المزرعة
اعتذرت قائله :
- معلش أنا أسفه أنا عايزة أرجع المزرعة عشان سايبه "ريهام" لوحدها
صمت .. وانطلق فى طريقه الى المزرعــة .. أوقف السيارة أمام سكن العمال .. التفتت اليه "ياسمين" قائله :
- ممكن لو سمحت تفتحلى الشنطة عشان آخد المصاحف
قال لها "عمر" :
- لأ خليهم فى العربيه وبكرة هوصلهم بنفسي لمسجد القرية
علمت أنها لو اعترضت لن تجدى منه رجا .. فإستسلمت ونزلت من السيارة .. نزل "عمر" هو الآخر والتف حول السيارة .. نظرت اليه قائله :
- شكراً
همت بالإنصراف فوقف أمامها .. نظر اليها قائلاً :
- على فكرة الوضع ده مش هينفع يستمر كتير
نظرت اليه بعدم فهم .. قائله :
- يعني ايه ؟
قال بهدوء :
- يعني مش هسيب مراتى عايشه لوحدها فى سكن العمال
قالت له بحده :
- أنا مش لوحدى أنا معايا "ريهام"
- "ريهام" هتسافر القاهرة مع جوزها يا "ياسمين"
نظرت اليه بدهشة فأكمل قائلاً :
- "كرم" مضطر يرجع القاهرة عشان الشغل .. وقالى انه عايز مراته معاه
ثم نظر اليها نظرة ذات معنى :
- زى ما أنا عايز مراتى معايا
كانت "ياسمين" تشعر بالغضب يشتغل بداخلها .. غضب وحنق و قلة حيله .. أهذه هى نهاية المطاف .. ستصبح زوجة فعليه لهذا ...... لهذا الزانــى .. ارتجف قلبها عندما ترددت الكلمة بداخلها .. يا لها من كلمة بغيضة مقززه .. لا تحتمل النطق بها .. فكيف ستحتمل من قام بها .. نظرت اليه وقالت بحزم :
- مفيش مشكلة "ريهام" تسافر مع "كرم" وأنا أفضل هنا فى السكن
قال "عمر" بحده :
- قولتلك مش هسيب مراتى عايشة لوحدها فى سكن العمال يا "ياسمين" .. الوضع ده غير مقبول بالنسبه لى .. لازم تعرفى انك دلوقتى مراتى .. وليا حقوق عليكي
شعرت بغصة فى حلقها .. شعرت وكأنها تختنق .. تجمعت العبرات فى عينيها .. صاحت وعيناها تشتعلان غضباً وكرهاً :
- انت ايه معندكش احساس .. على الأقل استنى لحد ما أفوق من صدمتى فى موت أبويا وبعدين ابقى اطلب منى حقوقك
صمت "عمر" .. طال صمته وهو يتطلع اليها .. الى تعبيرات وجهها الغاضبة .. الى الألم والدموع فى عينيها .. ثم اقترب منها .. رجعت الى الخلف محاولة الابتعاد عنه لتصطدم بالسيارة خلفها .. اقترب أكثر وقال بصرامة وقوة :
- انا لما قولت حقوقى .. قصدك حقى فى ان مراتى تكون جمبي .. وتعيش معايا فى نفس البيت .. ما قصدتش غير كده
غزت حمرة الخجل وجهها .. فأكمل "عمر" وفى عينيه نظرة حاده :
- انا مش "مصطفى" يا "ياسمين"
ارتجف قلبها .. أكمل بغضب مكتوم :
- أنا مش حيوان زيه
أخفضت نظرها وقد شعرت بالخجل لأنها أخطأت تفسير كلماته .. زفر "عمر" ليهدئ من نفسه .. نظرت اليه "ياسمين" قائله :
- أنا آسفه
نظر اليها "عمر" قائلاً بهدوء :
- أنا عذرك لأنك لسه معرفتنيش يا "ياسمين" .. بس صدقيني أنا مش ممكن أبداً أعمل حاجه تجرحك
رأيت "ياسمين" الصدق فى عينيه .. وسمعته فى صوته .. ابتسم لها .. ابتسمت له فى خجل .. خفضت بصرها .. لترتطم نظراتها بالحرق على يده .. شعرت بغصه فى حلقها .. رفعت نظرها اليه .. حائرة .. مترددة .. متألمة .. ابتلعت ريقها وقالت بصوت حاولت أن يبدو طبيعياً :
- الحرق اللى فى ايدك ده من ايه ؟
شعر "عمر" بالسعادة .. فهذه هى المرة الأولى التى تسأله عن شئ يخصه .. قال لها :
- شكله مضايقك ؟
قالت بإرتباك :
- لأ .. مش كده .. أنا .. أنا بس بسأل عادى .. من زمان الحرق ده ؟
ظهر الضيق على وجه .. ثم قال :
- لأ مش من زمان أوى .. وموضوع مش حابب أفتكره
خفق قلبها بشدة .. قالت تحاول معرفة اجابه لسؤالها :
- حصل هنا فى المزرعة ؟ .. ولا فى القاهرة ؟
نظرت اليه تراقب تعبيرات وجهه .. نظر اليها ..بدا متردداً .. ثم قال :
- حقيقى يا "ياسمين" مش حابب أتكلم فى الموضوع ده
اقترب منها وأمسك يدها قائلاً :
- خلينا نتكلم عننا أحسن
سحبت "ياسمين" يدها من يده وقالت ببرود :
- أنا اتأخرت على "ريهام" .. بعد اذنك
ثــم غادرت الى غرفتهــا .. استقبلتها "ريهام" قائله :
- عملتى ايه
قالت "ياسمين" وهى شارده :
- كويس
- هو ايه اللى كويس .. عملتى ايه اشتريتي ايه للصدقه بتاعة بابا و ماما
التفتت "ياسمين" اليها وقالت بنفاذ صبر :
- "ريهام" أرجوكى سبيني دلوقتى .. مش قادرة أتكلم فى أى حاجة
دخلت "ياسمين" الحمام ووقفت تنظر الى نفسها فى المرآة .. لماذا تهرب من اجابة سؤالها .. لماذا ظهرت علامات الضيق على وجهه عندما ذكرت ذلك الحرق .. كل الشواهد تؤكد ما توصلت اليه بنفسها .. نعم هو مذنب .. نظرت الى نفهسا بسخريه .. ماذا توقعتى أن يجيبك .. أيقول لكِ لقد أرتكبت جريمة شنعاء وكان جزائي أن أصيبت يدي .. أكنتى تظنين بأنه سيعترف لكِ بماضيه .. هذا الماضى الأسود الذى بنى بينك وبينه آلاف الأسوار العالية .. بالتأكيد سيكذب .. بالتأكيد سينكر .. من يرتكب جريمة بشعة مثل الزنــى .. سيكون الكذب لعبة سهله بالنسبه له .. أغمضت عيناها فى ألم .. انتظرتها "ريهام" حتى خرجت .. ثم قالت :
- "ياسمين" .. "كرم" جالى النهاردة .. وقالى انه مضطر يسافر القاهرة عشان شغله .. و ...
صمتت قليلاً ثم قالت :
- وعايزنى أسافر معاه .. يعني طبعا مش هنعمل فرح عشان بابا الله يرحمه .. بس هو عايز خلاص نتجوز ونعيش مع بعض
صمتت "ياسمين" ولم تجب .. فأكملت "ريهام" :
- أنا قولتله مش هينفع .. إلا بعد ما أطمن على "ياسمين"
قالت "ياسمين" بدهشة :
- تطمنى عليا ازاى يعني
- يعني نشوف "عمر" ناوى على ايه .. هو مكلمكيش فى حاجه
زفرت "ياسمين" بضيق .. ثم قالت :
- "ريهام" ملكيش دعوة بيا .. سافرى مع "كرم" .. وأنا مش صغيرة عشان معرفش أعيش لوحدى
قالت "ريهام" بحزم :
- مستحيل .. مش هسافر مع "كرم" إلا لما انتى تروحى بيتك
قالت "ياسمين" بأسى :
- بيتى ؟
أومأت "ريهام" برأسها قائله :
- أيوة بيتك .. بيت "عمر"
قالت "ياسمين" بضيق وهى تتوجه الى فراشها :
- خلينا نتكلم بكرة يا "ريهام" .. أنا تعبانه دلوقتى وعايزة أنام
قضت "ياسمين" ليلتها والكوابيس تؤرق مضجعها .. أفاقت على احدى كوابيسها تصرخ .. استيقظت "ريهام" على صوتها .. ذهبت وجلست بجوارها لتجد "ياسمين" جالسه تبكى .. قالت "ريهام" بلهفه :
- "ياسمين" ايه اللى حصل .. حلمتى حلم وحش ؟
قالت "ياسمين" من بين شهقاتها :
- مش طيقاه .. مش طايقه أشوفه .. ولا طايقه أسمع صوته .. ولا طايقه انه يلمسنى
قالت "ريهام" بدهشة :
- مين ؟ .. "عمر" .. ؟
- أيوة
- ليه يا "ياسمين" .. ايه اللى حصل بينكوا .. انتوا اتخانقتوا
قالت "ياسمين" بألم :
- من غير ما يحصل حاجه .. أنا مش طايقاه وخلاص
أخذتها "ريهام" فى حضنها لتهدئها .. فى الصباح ذهبت "ريهام" الى مكتب "كرم" .. دخلت وأغلقت الباب خلفها .. قام فوراً واتجه اليها قائلاً بمرح :
- والله وبقينا نقفل الباب
ابتسمت "ريهام" قائله بلؤم :
- لو عايزنى أفتحه معنديش مانع
ابتسم قائلاً :
- لأ خليه مقفول أحسن نستهوى
قالت "ريهام" بجديه :
- "كرم" .. مش هينفع أسافر معاك .. أنا اتكلمت مع "ياسمين" وهى مش حبه تروح بيت "عمر" دلوقتى
قال "كرم" بإستغراب :
- ليه مش حبه
هتفت بحده :
- ايه اللى ليه مش حبه .. مش حبه وخلاص انا ايش عرفنى
قال "كرم" بضيق :
- يعني هسافر لوحدى .. أنا فى بلد ومراتى فى بلد
نظرت اليه "ريهام" بأسف قائله :
- معلش يا "كرم" مش بإيدي ..بس مقدرش أسيب أختى لوحدها
تنهد "كرم" قائلاً :
- خلاص بس مش هنعدوا فى سكن العمال .. هأجر شقة فى المنصورة وتعدوا فيها انتوا الاتنين .. لحد ما نشوف الموضوع هيرسى على ايه
قالت "ريهام" :
- معلش يا "كرم" عارفه انك مضايق .. بس قدر ان دى أختى ومينفعش أسيبها
أومأ "كرم" برأسه قائلاً :
- مقدر يا حبيبتى .. ولا يهمك .. وعامة أنا واثق ان "عمر" مش هيتحمل الوضع ده كتير .. "عمر" غيور جداً ومش هيسيبها عايشة فى المنصورة لوحدها بعد ما بقت مراته
صمت قليلاً ثم قال :
- وامتحاناتك هتعملى فيها ايه
قالت شارحه :
- ما أنا هفضل هنا لحد معاد امتحاناتى .. ويارب ساعتها تكون "ياسمين" فى بيتها .. عشان أعرف أسافر وأنا مطمنه
************************
- انتى بتهرجى يا "ريهام"
قالت "ريهام" بجديه :
- لأ مش بهرج ده اللى حصل واللى اتفقت عليه مع "كرم"
قالت "ياسمين" بغضب :
- يا بنتى وانتى مالك ومالى .. سافرى ما جوزك وعيشي حياتك بأه .. وملكيش دعوة بيا
- ازاى يعني مليش دعوة بيكى .. ما هو انتى لو تريحيني وتقوليلي ليه مش عايزة الدخله دلوقتى كنت ارتحت .. انتى عارفه ان وضعنا صعب .. ومفيش حل غير كده
شعرت "ياسمين" بالإختناق .. أخذت نفساً عميقاً .. بدت متردده .. ثم قالت :
- خلاص
- خلاص ايه ؟
قالت بشئ من الأسى :
- خلاص موافقه .. كدة كدة التأجيل مش هيفيد بحاجه
قالت "ريهام" بقلق :
- نفسي أفهم ايه اللى تاعبك .. ليه مش مبسوطه
اغرورقت عيناها بالدموع وقالت :
- مفيش .. بس لسه ما فوقتش من صدمة وفاة بابا الله يرحمه
قالت "ريهام" بأسى :
- الله يرحمه هو و ماما
- اللهم آميــن
اتفق الجميع على اليوم الموعــود .. ستسافر "ريهام" مع "كرم" .. وتنتقل "ياسمين" الى بيت المزرعة .. وأصرت "كريمه" و "نور" على العودة الى القاهرة مع العروسين .. ليتابع "نور" أعماله التى تراكمت من بعد عطلته الطويلة فى المزرعة .. أتــى اليــوم الموعــود .. كانت "ريهام" تستعد فى غرفتها وتجهز حقائبها عندما سمعت طرقات على الباب .. فتحت لتجد "كرم" .. ابتسم لها فى سعادة قائلاً :
- ممكن الجميل يسمحلى أدخل
ابتسمت وأفسحت لها الطريق .. دهشت عندما وجدته يعطيها باقى ورد كان يخفيها خلف ظهره .. أخذتها منه مبتسمه .. قال لها فى رقه :
- أحلى ورد لأحلى وردة فى المزرعة
ابتسمت "ريهام" فى سعادة .. ولدهشتها وجدتها يحمل حقيبة كبيرة من الأرض كان قد وضعها بجوار الباب .. ثم دخل ووضعها على السرير .. نظرت اليه فى دهشة وهى تغلق الباب .. ثم اقتربت قائله :
- ايه ده
فتح "كرم" سوستة الحقيبة وأخرج منها فستان زفاف فائق الروعة والجمال .. نظرت اليه "ريهام" بإنبهار .. ثم نظرت الى "كرم" قائله :
- ايه ده
ابتسم "كرم" قائلاً :
- احنا اتفقنا ان مفيش فرح .. بس مش معنى كدة ان مفيش فستان فرح
اغرورقت عيناها بدموع السعادة واقتربت لتتلمس الفستان والتطريز فى فرحه .. سألها "كرم" :
- عجبك ؟
قالت بحماس :
- جداً يا "كرم" .. جداً .. شكله حلو أوى
اتسعت ابتسامة "كرم" وهى ينظر الى سعادتها البادية على وجهها .. قالت "ريهام" بلهفة :
- بس خايفة ميطلعش مقاسى
ضحك "كرم" قائلاً :
- لأ متخفيش هيطلع مظبوط عليكي بالمللى
- ازاى يعني .. وانت عرفت مقاسى منين
غمز بعينيه قائلاً :
- استعنت بصديق .. أختك جبتلى فستان من دولابك وخلتهم يعملوا الفستان بنفس المقاسات .. يعني ان شاء الله هيطلع مظبوط عليكي
ترك الفستان على السرير واقترب منها وقبل جبينها قائلاً :
- مبروك عليكي يا أحلى عروسة
ابتسمت "ريهام" فى سعادة
أخرج "كرم" من الحقيبة علبة الشبكة وألبسها اياها قطعة قطعة واستغرق وقتاً طويلاً حتى قالت "ريهام" :
- "كرم" كل ده بتلبسنى السلسلة ؟
- بحب الاتقان يا "ريهام"
ضحكت وهى تنظر اليه قائله :
- مش وقت اتقان يا "كرم" الكوافيرة على وصول
أدارها "كرم" وألبسها دبلتها وألبسته دبلته .. أمسك كفها ورفعها ليقبله قائلاً :
- مبروك يا أحلى عروسة فى الدنيا
ابتسمت بخجل قائله :
- الله يبارك فيك
قال بخبث :
- بقولك ايه متلغى معاد الكوافيرة وتعالى ألبسك السلسلة تانى
دفعته بإتجاه الباب قائله :
- يلا يا "كرم" من غير مطرود
خرج وابتسم لها وأرسل قبله فى الهواء .. فضحكت ولوحت له بيدها ثم أغلقت الباب .. خرجت "ريهام" فى أبهى حله بفستانها الأبيض وحجابها الأبيض .. وقفت "ياسمين" أمامها تنظر اليها قائله :
- انا حسه انى فرحانه أوى .. طالعه زى القمر يا "ريهام" .. ما شاء الله
التفتت اليها "ريهام" :
- حبيبتى يا "ياسمين" .. كان نفسي أوى بابا و ماما يكونوا معانا اليوم ده
كادت العبرات أن تتدافع الى عين "ياسمين" لكنها سيطرت على عواطفها قائله بصوت مرتجف :
- ربنا يجمعنا بيهم فى الجنة
خرجت "ريهام" ونزلت ليستقبلها عريسها .. وهمس لها :
- زى القمـر .. ممكن أبوس
قالت بجدية وهى تنظر للناس حولها :
- لو عملت كدة هتبقى ليلتك مش فايته يا "كرم"
ضحك "كرم" قائلاً :
- لا الطيب أحسن
عانق "كرم" صديقيه يودعهما قائلاً :
- فى أقرب وقت تجولى القاهرة ان شاء الله ونتجمع كلنا مع بعض .. اتفقنا
قالت "عمر" مبتسماً :
- اتفقنا
قال "أيمن" بسعادة :
- ألف مليون مبروك يا "كرم"
عانقت "ياسمين" "ريهام" عناق طويل .. كانت هذه هى المرة الأولى التى تفترق فيه الفتاتان عن بعضهما البعض .. غرورقت عيناهما بالدموع .. قالت "سماح" :
- "ريهام" بطلى عياط بأه
قالت "ريهام" بتأثر :
- هتوحشينى أوى يا "ياسمين" .. وانتى يا "سماح" هتوحشونى أوى
اقتربت منهم "كريمه" قائله :
- حبيبتى متقلقيش كلها فترة صغيرة و "ياسمين" و "عمر" هينزلوا القاهرة ان شاء الله
شعرت "ياسمين" بالإضطراب .. كانت طيلة الأيام الماضية تتجاهل وضعها .. صممت على ألا تفكر فى شئ إلا فى أختها ومستقبلها .. أما الآن فهى مضطرة أن تواجه كل ما كانت تهرب منه .. رحل العروسان وخلفهما سيارة "نور" و "كريمة" .. وعاد "أيمن" و "سماح" أدراجهما فى اتجاه بيتهما .. لتبقى "ياسمين" واقفه مع "عمر" أمام بوابـة المزرعــة
طال الصمت بينهما .. شعرت بالتوتر .. نظر اليها قائلاً :
- متقلقيش .. "كرم" أخويا وصاحبي .. مش هتلاقى أحسن منه لـ "ريهام" .. انا واثق انه بيحبها و هيحافظ عليها
أخطأ "عمر" فى تفسير سبب قلقها وتوترها .. لم تكن "ياسمين" قلقه على "ريهام" بل قلقه على نفسها .. أمسكها "عمر" من ذراعها ونظر اليها بحب قائلاً :
- مش يلا احنا كمان على بيتنا
خفق قلبها لكلمة (بيتنا) .. تساءلت فى نفسها .. تُرى أهو بيتى حقاً .. هل من الممكن أن أعتبره يوماً بيتي .. هل من الممكن يوماً أن أتقبل وضعى كزوجة لهذا الرجل .. قالت بتوتر :
- هروح الأوضة الأول ألم حاجتى فى الشنطة
ابتسم قائلاً :
- تحبي أساعدك
- لأ
- طيب تحبي أبعت معاكى واحدة تساعدك
- لأ .. أنا أصلا حاجتى مش كتير
أسرعت لتهرب من أمامه وعادت الى غرفتها .. أغلقت الباب وجلست على فراشها .. لكم تتمنى أن تستيقظ الآن فتجد أن كل هذا مجرد حلم وسينتهى .. لا .. يكفى هروباً هذا ليس بحلم .. افيقي يا "ياسمين" .. واجهى واقعــك .. جمعت كل أغراضها .. وجلست على فراشها .. لا تعرف ماذا تنتظر .. وماذا تنوى أن تفعل .. اتصلت "سماح" .. ردت "ياسمين" بلهفه :
- "سماح"
- "ياسمين" انتى كويسه
- أيوة كويسة
- شكلك مكنش مظبوط النهاردة
- "سماح" انتى قولتى لـ "أيمن" حاجه
- لأ طبعا انتى حلفتيني ما أقولش
تنهدت "ياسمين" قائله :
- أيوة متقوليش
ثم قالت بأسى :
- "سماح" أنا تعبانه أوى .. ومحتارة أوى .. أنا تعبانه أوى يا "سماح"
قالت "سماح" بحسرة :
- "ياسمين" لو مش عايزة تتجوزيه ......
قاطعتها "ياسمين" بمراراه :
- انا خلاص اتجوزته يا "سماح" .. عايزانى أطلق للمرة التانية .. وبعدين .. هعمل ايه .. هروح فين .. وبعدين أنا خايفه أوى .. لانى عارفه انى لو طلبت الطلاق من غير سبب قوى دى حاجه عقابها كبير أوى عند ربنا .. عقابها ان الجنة تتحرم عليا .. وأنا مش عارفه هل السبب اللى عندى ده كافى انى أطلق ولا لأ .. مش عارفه محتارة وحسه انى ضايعه .. حسه انى حتى مش عارفه أحس .. كل اللى حساه .. ان جوايا ألم وخوف .. أنا مش قادرة أتعامل معاه كزوج .. مش قادره أتخيل ده
صمتت قليلا ثم قالت :
- ساعات بحس انى بحبه .. وبحس انى مطمنة أوى وأنا معاه .. وبحس انى مش عايزة أبعد عنه .. بس لما بفتكر اللى عمله بحس انى مش طايقاه .. بحس انى خايفه منه .. بحس انى قرفانه منه .. بحس انى عايزة أبعد عنه .. حسه انى مش ممكن أبداً هقدر أسامحه .. مش ممكن أبداً أتقبل جوازى من واحد عمل جريمة بشعة كده .. مش ممكن أفضل أحافظ على نفسي طول عمرى عشان فى الآخر أتجوز واحد زانــى .. أنا حسه بحاجتين عكس بعض والحاجتين دول بيدمرونى كل حاجه فيهم بتشدنى نحيتها .. لحد ما حسه انى خلاص بتقطع من جوه
قالت "سماح" :
- احنا محتاجين نعد ما بعض يا "ياسمين" مش هينفع كلام فى التليفون ولازم الموضوع ده نعرف أصله وفصله .. ومحتاجه أسمع منك كل التفاصيل عشان نقدر نفكر مع بعض
قالت "ياسمين" بإستسلام :
- ماشى وأنا فى أقرب وقت هجيلك .. لانى فعلا محتاجه أتكلم معاكى
أغلقت "ياسمين" مع صديقتها وتمددت على سريرها .. تركت لعبراتها العنان .. تلك العبرات التى كانت تحبسهم منذ أيام .. حتى لا تتأثر "ريهام" بها وبحالها .. قالت فى نفسها .. يارب الحاجه الوحيدة اللى مصبرانى .. هى انى عارفه ان كل حاجه فى حياتى هى من اختيارك انت .. يارب انت عالم الخير فين .. وأنا فعلاً محتارة .. يارب ساعدنى .. يارب ريح قلبي .. يارب خرجنى من حيرتى .. وقويني على نفسي .. يارب أنا بحسن الظن بيك .. يارب أنا واثقة انك هتختارلى الخير .. أنا راضية بكل اللى انتى تختاره .. يارب ريح قلبي .. أنا حسه انى ضعيفة أوى .. حسه انى وحيدة أوى .. مليش غيرك يارب ..
لم تشعر بالوقت وهى نائمة ممده على فراشها .. غفلت .. استيقظت على طرقات الباب .. نهضت مفزوعه .. قامت لتفتح .. وجدت "عمر" امامها .. قال لها بحنان :
- كنت واثق انك نمتى .. كان باين عليكي الارهاق النهاردة
حاولت استجماع أفكارها ثم قالت :
- معلش نمت غصب عنى
ابتسم لها قائلاً :
- ولا يهمك يا حبيبتى .. عارف انك عايزة تنامى ..بس مش حابب انك تنامى هنا لوحدك وبيتك على بعد خطوتين منك
شعرت بالإضطراب .. دخل "عمر" دون دعوة وأمسك بحقيبها قائلاً :
- ليكي حاجه تانيه هنا
- لأ
- طيب يلا
نزلت "ياسمين" معه تسير فى اتجاه بيت المزرعة وهى تشعر بأن الشئ الوحيد الذى تتمناه الآن هو .. الهــرب .
دخلت "ريهام" بيتها الجديد .. وقفت تنظر اليه فى بهجة .. التفتت تنظر الى "كرم" .. الى زوجهــا الذى يبتسم لها فى سعادة .. نظرت اليه نظره بثت فيها سعادتها وفرحها وشوقها وخجلها ...
دخلت "ياسمين" الى بيتها الجديد .. البيت الذى دخلته مرات قليله من قبل .. وها هو وقد أصبح بيتها .. استدارت لتنظر الى الرجل الواقف خلفها بعدما أغلق عليهما باب بيتهمــا .. تبــاً لتلك المشاهد التى تتكرر بإستمرار .. نفس المشهد .. نفس الاحساس .. نفس خفقات قلبها المتسارعة .. نفس الحزن .. نفس التوتر .. نفس الرغبة فى الهــرب .. نفس الإحساس بالضيـــاع .. لكن شئ واحد هو المختلف .. نظـراتهـــا .. لم تكن هذه المـرة تنظر الى زوجها بنظرات تحمل الخــوف فقط .. بــل حملت نظراتهــا أيضــاً الكثيــر من الألـــــــم.
.
رواية مزرعة الدموع الفصل الثامن والثلاثون 38 - بقلم مني سلامة
الفصل الثامن والثلاثون من رواية مزرعة الدموع
دخلت "ياسمين" الى بيتها الجديد .. البيت الذى دخلته مرات قليله من قبل .. وها هو وقد أصبح بيتها .. استدارت لتنظر الى الرجل الواقف خلفها بعدما أغلق عليهما باب بيتهمــا .. تبــاً لتلك المشاهد التى تتكرر بإستمرار .. نفس المشهد .. نفس الاحساس .. نفس خفقات قلبها المتسارعة .. نفس الحزن .. نفس التوتر .. نفس الرغبة فى الهــرب .. نفس الإحساس بالضيـــاع .. لكن شئ واحد هو المختلف .. نظـراتهـــا .. لم تكن هذه المـرة تنظر الى زوجها بنظرات تحمل الخــوف فقط .. بــل حملت نظراتهــا أيضــاً الكثيــر من الألـــــــم.
اقترب منها "عمر" ببطء .. كانت تشعر بشعور مختلط .. كانت متوترة .. شاردة .. اقترب منها ووقف أمامها .. ابتسم لها .. لم تبادله الابتسام .. نظرت الى الباب خلفه تود الهرب .. لكنها تعلم ألا مجال للهرب .. كان "عمر" يراقب الانفعالات على وجهها .. ونظرات عينيها الفارغة .. توترها .. اضطرابها .. والأهم حزنهــا .. ابتسم لها قائلاً :
- نورتى بيتك
لم تجب .. بدا عليها التعب والإرهاق .. كانت كعصفور صغير كُسر جناحيه .. فلم يعد يقوى على الطيران .. أمسك يدها بيده فأجفلت .. واضطربت .. صعد بها السلالم وتوقف امام احدى الغرف .. شعرت يقلبها يدق بشدة .. فتح الباب ..لم تدخل ولم تنظر حتى الى الغرفة .. أشاحت بوجهها .. وهى تحاول اخفاء تعبيرات الألم الموجودة على وجهها .. يارب ماذا أفعل .. هل أرضى بالأمر الواقع .. وأنا يتيمة وحيدة ضعيفة .. أم أثور على هذه الزيجة التى أرفضها .. ماذا أفعل .. تأملها "عمر" قائلاً :
- ياه .. كل ده جواكى
نظرت اليه فى دهشة .. مستفهمه عن معنى ما قال .. فقال برقه :
- انتى ليه خايفه منى ؟ .. ايه غيرك من نحيتي ؟ .. نظراتك بقت غريبة .. أكنى جرحتك .. أو هجرحك .. ليه بتبصيلي كده .. ليه مش مبسوطه انك معايا ؟
صمتت "ياسمين" ولم تجب .. فأكمل :
- أنا عارف ان ممكن يكون موت والدك مأثر عليكي .. وكمان عارف انك شوفتى فى حياتك كتير .. بس مش عايزك تخافى طول ما انتى معايا .. لانى بحبك أوى يا "ياسمين" ومش ممكن أسمح لاى حاجه انها تضايقك أو تأذيكي
نظرت اليه .. التمست الصدق فى كلامه .. ليس لديها ذرة شك فى حبه لها .. هى تعلم أنه يحبها .. بل يعشقها .. لكن مشاعرها هى المضطربة .. غير مستقرة .. اقترب منها فجفلت .. أمسك برأسها وقبل جبينها قائلاً :
- يلا ادخلى
شعرت بالخوف .. نظرت الى غرفة النوم فى وجل .. حبست أنفاسها .. اقترب منها مرة أخرى وقبلها فى جبينها وقال بحنان :
- دى أوضتك انتى
رفعت عينيها اليه فى دهشة وقالت :
- أوضتى أنا ؟
ابتسم وأشار الى الغرفة المجاورة قائلاً :
- ودى أوضتى
لم تصدق "ياسمين" ما تسمع .. ماذا يقصد .. أخرجها من حيرتها وهو ينظر الى عينيها المندهشه بحنان وقال :
- أنا مقدر كل اللى انتى فيه .. ومستعد استناكى الوقت اللى تحبيه .. أنا عارف ان جوازنا جه بسرعة بالنسبة لك
نظرت اليه غير مصدقه ما تسمعه .. فقال لها بحنان :
- أنا بحبك جداً يا "ياسمين" .. و قولتلك قبل كده مش ممكن أجبرك على حاجة واضح جداً عليكي انك مش عايزاها
نظرت اليه "ياسمين" وكأنها تتعرف عليه لأول مرة .. ابتسم لها .. فبادلته ابتسامه خجوله .. استغربت .. كيف نجح فى ازاله التوتر بداخلها .. كيف أشعرها بالراحة وبالأمان .. أشار الى الغرفة برأسه قائلاً بحنان :
- يلا ادخلى .. غيري هدومك وانزلى عشان نتعشى سوا
قالت بحرج :
- معلش أنا اسفه بس بجد تعبانه ومحتاجه أنام
قال "عمر" بإهتمام :
- طيب أجبلك الأكل فى اوضتك
قالت بسرعة :
- لأ ..شكراً .. بس أنا بجد جعانه نوم
تأمل "عمر" وجهها المتعب ثم قال بحنان :
- ماشى يا حبيبتى ولا يهمك .. ادخلى نامى .. تصبحى على خير
ثم انحنى ليطبع قبله دافئه على وجنتها التى احمرت من الخجل .. دخلت الغرفة .. كانت غرفة جميلة .. جيدة الأثاث .. لها طابع كلاسيكى كما هو الحال فى الأسفل .. أخذت دشاً وتوضأت وصلت .. وارتدت بيجامتها ثم دخلت الى فراشها واستسلمت للنوم ..
***********************
بعد عدة ساعات من النوم شعرت "ياسمين" بحركة غريبه فتحت عينيها فجأة لتجد "عمر" واقف بجوارها .. شعرت بالفرع .. طمأنها قائلاً :
- متخفيش أنا دخلت بس أطمن عليكي .. لقيتك مش متغطية كويس فعدلت الغطا
نظرت الى الغطاء الملتف حولها جيداً .. همت بالجلوس لكنه أوقفها قائلاً :
- لأ متقوميش .. كملى نوم .. أنا خارج
نظرت الى الساعة بجوارها قائله بصوت ناعس :
- أنا كده كده لازم أصحى عشان باقى نص ساعة على الفجر
نظر اليها بحنان قائلاً :
- مش مهم .. صليه لما تقومى الصبح
رمقته "ياسمين" بنظرة حاده .. وشعرت بإنقباض فى قلبها .. ثم قالت دون أن تنظر اليه :
- لأ هصلى الفجر فى معاده
صمت "عمر" .. ظلت جالسه فى الفراش .. تتمنى انصرافه حتى تستطيع النهوض .. خجلت أن يراها بالبيجاما .. استدار "عمر" وفتح الباب وانصرف ..كانت تشعر بالضيق لهذه البداية الغير موفقه بينهما .. فهى لم تترك صلاة الفجر يوماً .. إلا فى حالات مرضها الشديد .. لكنها ظلت ومنذ نعومة أظافرها معتادة على أداء الصلاة فى وقتها وهذا شأن البيت كله .. وكانت تشعر بالبركة فى يومها عندما تستيقظ وتصلى الفجر وتظل تدعو الله و تقرأ وردها وأذكارها حتى الشروق .. نظرت الى نفسها فى المرآة وابتسمت بسخرية قائله .. وماذا توقعتى غير ذلك منه يا "ياسمين" .. هل توقعتى أن يهتم بالمحافظة على الصلوات فى وقتها !
توضأت وصلت و أنهت أذكارها .. لم ترغب فى النوم مرة أخرى .. وعندما أشرق نور الصباح خرجت الى شرفة غرفتها تستنشق تلك النسمات المنعشه .. كانت غرفتها تطل على الحديقة الخلفيه والتى اقل ما يقال عنها أنها رائعة .. تسلل عبير الأزهار المنعش اليها .. فأغمضت عينيها لتستمتع بتلك الرائحة الخلابه .. سمعت طرقات على باب غرفتها دخلت وفتحت الباب لتجد "عمر" واقفاً أمامها .. ابتسم قائلا :
- لمحت النور من تحت بابك عرفت انك صاحيه وفاتحه البلكونه .. يلا عشان نفطر سوا
همت بالخروج فاعترض طريقها وأشار الى الاسدال الذى ترتديه قائلا :
- هتفطرى كده
نظرت الى الاسدال ثم قالت :
- أنا كنت لابساه لانى كنت واقفه فى البلكونه
ابتسم قائلاً :
- متخفيش أنا ادينك أوضه بتطل على الجنينه اللى ورا ودى محدش بيدخلها مفتاحها معايا
أومأت برأسها .. فقال :
- هستناكى تحت
خلعت اسدالها .. وارتدت عباءة للبيت محتشمة .. جمعت شعرها للخلف .. كانت تشعر بالخجل من رؤياه اياها بدون حجاب .. ثم تذكرت أنه بالفعل رآها هكذا من قبل .. ابتسمت وهى تتذكر حنانه ورقته ولهفته عليها يوم أن خطفت .. هى تعلم جيداً بانه يحبها .. لا تشك لحظة فى ذلك .. فتحت باب الغرفة .. وشعرت وكأنها غريباً يتلمس طريقه فى مكان يجهله .. نزلت الدرج .. وبمجرد أن وصلت لنهايته وجدت "عمر" يخرج من احدى الغرف ثم يمسك يدها ويجذبها .. أجلسها على طاولة الطعام وجلس بجوارها .. نظرت الى كل الطعام المعد بدهشة قائله :
- ايه ده كله
ابتسم قائلاً :
- أول مرة ناكل مع بعض .. وبعدين انتى متعشتيش امبارح
ابتسمت قائله :
- على أساس انى هاكل كل الأكل ده يعني .. أنا أصلا أكلتى ضعيفه أوى
وضع كفه على كفها الموضوع على الطاولة .. فإضطربت .. وسحبت يدها .. لم يعر ذلك انتباها وأكمل مبتسماً :
- لا .. لازم تهتمى بأكلك .. وتبطلى أكل العصافير بتاعك
شرعا فى تناول الطعام .. كانت "ياسمين" تنظر لما حولها تتعرف على المكان .. وقع نظرها على الحرق فى يده .. فأشاحت وجهها عن يده .. حاولت أن تتناسى الأمر لكن هيهات .. لاحظ "عمر" اضطرابها وتوقفها عن الأكل فقال :
- فى حاجه .. الأكل مش عاجبك
قالت بسرعة :
- لأ بالعكس ..
هنا حضرت الخادمة لتضع أمامهم ابريق الماء .. نظرت اليها "ياسمين" من رأسها على أغمص قدميها .. كانت فتاه جميلة ذو ملامح هادئة ترتدى جلباب فلاحى وعصبه على رأسها .. نظرت الى "عمر" مبتسمه وقالت :
- تؤمر بحاجة تانى يا بشمهندس
هز "عمر" رأسه دون أن ينظر اليها وقال :
- لا شكراً
خرجت الخادمة .. وظلت "ياسمين" ساهمه .. نظرت الى "عمر" قائله :
- هى البنت دى بتشتغل هنا ؟
- أيوة
بدا عليها التردد .. كان "عمر" يرد بلامبالاة وكأن الأمر لا يمثل له أى أهمية .. فنظرت اليه وقالت :
- يعني انت وهى عايشين فى البيت ده لوحدكوا ؟
نظر اليها "عمر" وبدا مستغرباً سؤالها ثم قال :
- أيوة
ترددت قليلاً ثم قالت :
- هى جديدة هنا ؟
- لأ شغاله هنا من شهور
- كان فى واحدة شغاله قبلها ؟
بدا شارداً ثم قال بضيق :
- أيوة كان فى قبلها "صفية"
شعرت "ياسمين" بالغضب يتصاعد بداخلها .. وتوقفت عن الأكل .. نظر اليها "عمر" بدهشه قائلاً :
- مالك .. مش بتاكلى ليه
حاولت تمالك أعصابها وقالت بهدوء :
- مفيش شبعت
تفرس فى وجهها .. ثم قال :
- شكلك مضايق .. ايه اللى ضايقك
نظرة اليه نظرة حادة .. ثم قالت وهى تنهض :
- بعد اذنك أنا طالعه أوضتى
تركته .. ودخلت غرفتها .. جلست على السرير وعينيها تشعان بغضب مكتوم .. بحثت عن هاتفها واتصلت بـ "سماح" التى قالت بدهشة :
- فى عروسة تتصل بصحبتها يوم صباحيتها على الصبح كده
قالت "ياسمين" بحده :
- لا أنا عروسة .. ولا دى صبحيتي
قالت "سماح" مستفهمه :
- ايه اللى حصل شديتوا مع بعض
قالت "ياسمين" بحزن :
- أنا كنت واثقة اننا مننفعش لبعض .. كان قلبي حاسس .. احنا عمرنا أبداً ما هنقدر نفهم بعض .. ولا نعيش بإسلوب بعض
- طيب اهدى وفهميني اللى حصل
صمتت "ياسمين" قليلاً .. كادت أن تقص عليها أمر الخادمة التى تبيت ليلها فى نفس البيت مع "عمر" بمفردهما .. وهو لا يرى بأساً فى ذلك .. ويرى الأمر عادى جداً .. لكنها أحجمت وقالت بصوت خافت :
- مش هقدر أحكيلك يا "سماح" .. مهما كان هو جوزى دلوقتى .. ومينفعش اتكلم عنه وحش مع حد
قالت "سماح" :
- خلاص براحتك .. طيب نتكلم فى المشكلة القديمة اللى أنا عارفاها .. موضوع الحريق ومرات الغفير .. انتى حسه بإيه دلوقتى بخصوص الموضوع ده
قالت "ياسمين" بحيرة :
- مش عارفه
قالت "سماح" :
- "ياسمين" ليه متحطيش احتمال ان البنت اللى اسمها "ولاء" دى بتحاول توقع بينك وبين "عمر" عشان تمنع جوازتكوا
قالت "ياسمين" بحيره :
- وهى ايه مصلحتها فى كده .. هتستفاد ايه لما تمنع جوازنا
- تستفاد انها تخرب عليكي يا "ياسمين" .. مش هى كانت بتحب "عمر" .. ممكن أوى تكون غارت منك وعملت الفيلم ده عليكي عشان متتجوزيش حبيبها .. "ياسمين" مش كل الناس طيبة زيك .. فى ناس مؤذية جداً وعايشة على أذية الناس .. زى "مصطفى" .. وزى اللى اسمه "بسطويسي" ده .. وزى "مها" .. مش كل الناس طيبة وتعرف ربنا يا "ياسمين"
صمتت "ياسمين" تفكر قليلاً ثم قالت :
- والورق اللى جابتهولى من المستشفى والراجل اللى شهد
قالت "سماح" :
- سهل أوى لو ليها حد معرفة فى المستشفى تخليه يضربلها الورق أو هى بنفسها تاخد منه ورقة فاضية وتضرب التقرير .. مش هى دكتورة يعني تعرف كويس عن اصابات الحروق .. وتكتب تقرير مية مية وتديهولك على انه التقرير اللى جابته من الاستقبال .. أما بالنسبة للراجل .. ممكن يكون اتلخبط بين "عمر" وبين واحد تانى .. أو هى قالتله انه يقول ان الراجل اللى كان مع مرات الغفير يبقى "عمر" .. لكن "عمر" ملوش علاقة بالموضوع أصلاً
قالت "ياسمين" :
- طيب والحرق اللى فى ايده .. واللى مرضاش يقولى سببه ؟
- ممكن يكون اتحرق من أى حاجه مش شرط نفس الحريقة دى .. يعني ممكن اصلا يكون الحرق ده فى ايده من قبل موضوع حرق البيت .. و"لاء" استغلت الحرق اللى فى ايده عشان تقنعك انه له دور فى حكاية مرات الغفير
فكرت "ياسمين" فى كلام "سماح" قليلاً ثم قالت :
- لازم أتأكد بنفسي
- ازاى ؟
قالت "ياسمين" فجأة :
- متعرفيش محامى كويس هنا ؟
- محامى ؟! .. عايزاه ليه
- تعرفى بس ولا متعرفيش
- أعرف محامية كويسة .. مرات صاحب "أيمن" عرفنى عليها وهى ست كويسة أوى وشاطرة
قالت "ياسمين" بلهفة :
- كويس أوى .. أنا عايزاكى تخلى المحامية دى تحاول توصل للورق اللى فى المستشفى وأنا هديكي اسم المستشفى واليوم اللى حصلت فيه الحريقه .. وهى محامية يعني أكيد لها طرق توصل بيها للورق ده كمستندات أكيد بتحتاجها فى القضايا بتاعتها .. وشوفى أتعابها وأنا هدفعهالها
قالت "سماح" بشك :
- مش عارفه .. طيب ما تواجهى "عمر"
قالت "ياسمين" بيأس وسخرية :
- أواجهه أقوله ايه ؟ .. أقوله انت زنيت بمرات الغفير اللى كان بيشتغل عندك .. وهو طبعاً هيقولى أيوة .. ويخرب بيته بإيده .. ويهد جوازه بنفسه .. وهو عارف وواثق انى لو عرفت حاجه زى كدة مستحيل أكمل معاه !! .. أكيد طبعاً هينكر يا "سماح" .. انتى مشفتيش "مصطفى" لما والدى كان بيواجهه بخيانته .. فضل يحلف بالله انه مظلوم وان البنت بتفترى عليه .. لحد ما بابا قاله على المحادثة اللى شوفتها بينه وبين البنت دى ساعتها مقدرش ينكر .. لان كان فى معايا دليل.. أنا لو روحت واجهت "عمر" وكان فعلاً هو مذنب .. أكيد هينكر .. ومش بعيد يخفى الشاهد زى ما خفى مرات الغفير .. وساعتها عمرى ما هعرف أوصل للحقيقة أبداً .. وهعيش طول عمرى شاكه فيه
قالت "سماح" :
- طيب خلاص هكلم المحامية
- بس خليها تعجل الموضوع يا "سماح" عايزة أعرف فى أقرب وقت الورق اللى نسخته معايا ده حقيقى ولا مزور
- حاضر .. بس أنا واثقة انه مزور
قالت "ياسمين" بلهفه :
- ياريت يا "سماح" .. ياريت يكون مزور
سمعت طرقات على الباب فأنهت الاتصال مع "سماح" .. فتحت لتجد "عمر" .. قال لها بهدوء :
- ممكن أدخل
ترددت .. لكنها أفسحت لها الطريق .. دخل وأغلق الباب خلفه .. جذبها من يدها وأجلسها بجواره على السرير .. شعرت بالتوتر .. رفع وجهها لتنظر اليه ثم قال :
- بصى يا "ياسمين" .. ده أول يوم جواز لينا وعايزين نتفق على حاجات معينه .. عشان لسه أدامنا طريق طويل مع بعض
استمعت له "ياسمين" بكل حواسها .. أكمل :
- انتى فى حاجه ضايقتك واحنا بنفطر .. ولما سألتك اتهربتى .. وطلعتى أوضتك .. اللى عايزين نتفق عليه .. هو ان اللى يضايق من التانى فى حاجه لازم يصارحه بيها .. لكنه لو سكت وكتم فى قلبه الأمور هتتعقد مش هتتصلح .. لازم يكون فى بينا وضوح .. بيوت كتير بتتخرب بسبب كده .. يعني كل واحد شايل من التانى فى نفسه وساكت .. مع انه لو اتكلم ممكن أوى المشكلة تتحل بسهولة
صمت قليلاً ثم قال :
- اتفقنا .. اللى هيضايق من التانى فى حاجه يصارحه بيها على طول ؟
أومأت برأسها .. فسألها :
- ايه اللى ضايقك واحنا بنفطر ؟
طال صمتها وهى تحاول تخير الكلمات المناسبة .. وهو لم يتعجلها .. بل انتظر ردها .. وأخيراً قالت :
-أعادك فى البيت لواحدك مع واحدة حتى لو كانت الخدامة .. مش شايف ان دى حاجه غلط ؟
بدا وكأنه يفكر فى كلامها .. ثم قال :
- أنا معظم اليوم بره البيت .. وهى مبشوفهاش الا وقت ما بتحطلى الأكل .. أو وقت ما بكون عايز أطلب منها حاجه .. البنت دى غلبانه ويتيمه .. وملهاش حد فى البلد وعشان كدة خليتها تعد فى أوضة جمب المطبخ ..
قالت "ياسمين" بهدوء :
- حتى لو كان الوضع زى ما انت بتقول .. مينفعش تعيش معاك فى البيت وانت لوحدك
ابتسم قائلاً :
- خلاص مبقتش لوحدى
لم تبتسم .. فقال بجديه :
- أنا مكنتش شايف الموضوع زى ما انتى شيفاه .. أنا اتعاملت مع الأمر ده بطريقة عمليه .. مش أكتر من كده
ثم اقترب منها وقال بخبث:
- هو حبيبى بيغير عليا ولا ايه ؟
شعرت بالخجل لإقترابه منها فوقفت .. فوقف هو الآخر وقال :
- لو تحبي أمشيها وأجيب بدالها واحدة كبيرة فى السن مفيش مشكلة
نظرت اليه قائله :
- مش عايزة اكون السبب فى قطع عيشها
طمأنها قائلاً :
- مش هتكونى السبب فى قطع عيشها ولا حاجه .. هخليها تشتغل مع البنات اللى بيشتغلوا فى الأرض و أديها أوضة فى سكن العمال
سعدت "ياسمين" لهذا الإقتراح .. وسعدت أكتر لأنه اهتم بما يضايقها .. ابتسمت له .. فقال بمرح :
- أخيراً الدنيا نورت .. كنتى مضلماها عليا على الصبح
قالت بخجل :
- معلش أنا لسه مش متعودة على الوضع الجديد .. وفى حاجات كتير أنا مستغرباها ومش متعودة عليها
اقترب منها وأمسك كتفيها .. لم تبتعد هذه المرة .. نظر الى عينيها بحب قائلاً :
- وأنا نفسي تتعودى بسرعة على وضعك الجديد
أفلتت نفسها من يده فإبتسم .. ثم قال بتحدى :
- طيب لو قولتلك دلوقتى أنا مش حابب الوضع ده وعايزك معايا فى أوضتى وجوزنا يبقى حقيقي هتعملى ايه
قالت "ياسمين" دون تردد ودون أن تنظر اليه :
- انت دلوقتى جوزى وأنا مضطرة أعمل اللى انت عايزه
سألها "عمر" :
- حتى لو كان الى أنا عايزه انتى مش عايزاه ؟
فقالت بجديه :
- أيوة لان انت دلوقتى جنتى ونارى .. والمفروض انى أطيعك طالما مش بتطلب منى حاجة تغضب ربنا
ابتسم يطمئنها قائلاً :
- وأنا مش هعمل حاجه انتى مش عايزاها
ثم قال:
- طيب ممكن ننزل بأه نكمل فطارنا
نزلا معاً وتناولت معه الفطار هذه المرة وهى تشعر بإرتياح أكبر.
بعد الفطار أخذها "عمر" ليريها أرجاء المنزل .. واتفق مع الخادمة أمامها على عملها الجديد .. كانت "ياسمين" سعيدة و هى ترى زوجها يفعل ذلك لإرضائها .. انبهرت بكل شئ فى البيت الكبير .. وحكا لها "عمر" قليلاً عن تاريخ عائلته .. وعن جدوده .. وكيف وصلوا من الحضيض الى القمة .. كانت "ياسمين" مبهورة بما تسمع وأعجبت للغاية بتاريخ كفاح جدوده .. وبدا "عمر" معتزاً بجدوده وهو يتحدث عنهم .. لمست جانباً جديداً فى زوجها .. وفرحت أن الحديث قربها منه خطوة أخرى
دخلت غرفتها تلك الليلة وهى تشعر براحة أكبر من الليلة الماضية .. رأت حقيبتها التى مازالت لم تفرغها موضوعه على الأرض بجوار السرير .. فحملتها ووضعتها على السرير وفتحتها .. أخرجت ملابسها وفتحت الدولاب لتضعه فيه لكنها شهقت فى دهشة .. وجدت فستان عرس أبيض اللون .. مرصع ومطرز .. كان شكله يخطف الأبصار .. تركت ما بيدها وتلمسته كان ناعماً للغاية .. أخرجته من الدولاب ونظرت اليه فى دهشة .. كم حلمت بإرتداء هذا الفستان الذى حرمت نفسها منه فى زواجها الأولى .. لأنها لم تكن تشعر ببهجة العرس .. وضعته مرة أخرى فى الدولاب وأنهت افراغ حقيبتها ثم استسلمت للنوم وابتسامة صغيرة مرسومة على ثغرها
***********************
فى اليوم التالى اتصلت "كريمه" بـ "عمر" الذى استيقظ من نومه على صوت جرس الهاتف قالت :
- مبروك يا حبيبي عليك انت وعروستك
- الله يبارك فيكي يا ماما
- فين "ياسمين" اديهالى أكلمها
توتر قليلا ثم قال :
- هى مش جمبي دلوقتى .. شوية وهخليها تكلمك
- طيب يا حبيبى .. أنا بس كنت عايزة أقولك اعملوا حسابكوا انى هعملكوا حفلة كبيرة هعزم فيها صحابنا وحبايبنا .. شوفوا انتوا المعاد اللى يناسبكوا
قال "عمر" بدهشة :
- حفلة ليه
- ايه اللى حفلة ليه ؟ .. انت تسمع اللى أن بقولك عليه مش كفاية جوزت ابنى الوحيد سكيتي
- خلاص يا ماما زى ما تحبي .. بس مش دلوقتى يعني سبينا شوية كده
- أنا قولت ان انتوا اللى هتحددوا المعاد اللى يناسبكوا .. بس متتأخروش عايزينها بسرعة عشان كل اللى يعرف انك اتجوز يزعل مننا .. ويفتكر اننا عملنا فرح ومعزمنهوش
- حاضر يا ماما هشوف "ياسمين" ونحدد معاد
خرج "عمر" من غرفته واتجه الى غرفة "ياسمين" .. طرق الباب كثيراً ولم تجب .. فتح الباب فلم يجدها فى غرفتها .. نزل لم يجدها فى المنزل .. أخبرته الخادمة الجديدة والتى كانت سيدة فى العقد الخامس من العمر أنها قالت انها تتمشى قليلا فى المزرعة .. صعد "عمر" وارتدى ملابسه وخرج .. علم أنه سيجدها هناك .. عند شجرته .. وكان مصيباً .. رأته فابتسمت .. اقترب منها بإبتسامه قائلاً :
- عرفت انى هلاقيكي هنا
أشارت الى الشجرة قائله :
- دى خلاص بقت شجرتى
قال بمرح :
- نعم ؟ .. دى شجرتى أنا .. شجرتك منين
قالت بمرح ممثال :
- أيوة شجرتى عندك شجر كتير فى المزرعة .. لكن دى حبيتها من أول ما جيت المزرعة ومش بحب أعد الا فى ضلها
جلس بجوارها على الجذع وقال :
- على فكرة بأه أنا اللى زرعت الشجرة دى
قالت بعدم تصديق :
- يا سلام .. بجد؟
- أيوة والله أنا اللى زرعتها .. اتأكدتى بأه انها بتاعتى ؟
قالت بعند مازحه :
- مليش دعوة برده دى شجرتى
- طيب وأنا مستعد أخليكي تشاركيني فيها .. زى ما بتشاركيني حياتى
ابتسمت ونظرت اليه قائله :
- انا شوفت فى دولابي فستان .. فستان فرح
- أيوة ده فستانك ..
ابتسمت قائله :
- وعرفت مقاسي منين ؟
- من فستان "ريهام" اللى اديتيه ل "كرم" .. انتى وأختك نفس الطول ونفس الوزن تقريباً .. لو مش مظبوط عليكى قوليلى وأنا أجيب واحدة تعدلهولك
قالت بصوت خافت :
- ما قستوش
قال بهمس :
- وأنا مشتاق أوى انك تلبسيه وأشوفه عليكي
أكمل هامساً :
- أنا بحبك أوى
تسارعت ضربات قلبها مرة أخرى .. اقترب منها أكثر .. فجأة رن جرس هاتفها ليقطع سحر تلك اللحظة .. نهضت من على الجذع والاحمرار يغزو وجهها وقالت بسرعة دون أن تنظر اليه :
- دى "ريهام" هروح أكلمها من البيت
مشت فى اتجاه المنزل وهى تحاول تنظيم ضربات قلبها .. ردت على أختها :
- "سمسمة" حبيبتى صباح الخير
- صباح النور يا "ريهام"
- ايه أخبارك النهاردة
- تمام الحمد لله
- مال صوتك .. متوترة كدة ليه .. اخانقتوا ولا حاجه
ابتسمت "ياسمين" قائله بصوت مضطرب :
- لأ .. لأ .. متخانقناش .. عادى يعني
ضحكت "ريهام" قائله :
- عيني عليكي بارده
- "ريهام" بطلى
- طيب أنا حبيت أطمن بس مكنتش أعرف انى بتصل فى وقت مش مناسب
"ياسمين" بغضب :
- "ريهام" لو مبطلتيش هقفل
استمرت "ريهام" فى الضحك قائله :
- أنا اللى هقفل أنا مش فضيالك .. يلا سلام
توجهت "ياسمين" الى المطبخ .. لتعد مع الخادمة طعام الغداء .. أرادت أن تطبخ بيدها .. لترى رأسه فى طعامها .. عاد "عمر" ليجدها فى المطبخ نظر اليها بخبث وغمز يعينه .. احمرت وجنتاها مرة أخرى وتجاهلت النظر اليه .. فقال :
- بتعملى ايه
- بحضر الغدا
اقترب منه مبتسماً :
- يعني هتأكليني من ايدك النهاردة
أومأت برأسها مبتسمه .. فابتسمت الخادمة وخرجت من المطبخ .. فنظر اليها "عمر" وهى تغادر ثم التفت الى "ياسمين" قائلاً بمرح :
- ست ذووووق مفيش بعد كده
سألته :
- ليه ؟
طبع قلبه على وجنتها قائلاً :
- عشان سابتنى أستفرد بيكي براحتى فى المطبخ
حاول معانقتها فهربت منه وقالت :
- لو سمحت اطلع بره .. خليني أركز
- هو انا يعني مشتت تركيزك
- أيوة مشتت تركيزى
- طيب هخرج .. ماما هناك وانتى هنا .. وأنا اللي كنت بتريق على بابا لما ماما تطرده من المطبخ .. طلعت مراتى زى أمى
ابتسمت قائله بتحدى :
- بره لو سمحت
قال بلهجة مسرحيه :
- أوامر معاليك يا باشا
خرج .. عادت الخادمة .. فشعرت "ياسمين" بالخجل من نظراتها .. فتمتمت :
- ربنا يخليكوا لبعض .. ويحببكوا فى بعض كمان وكمان
وجدت نفسها تردد بقلبــها : آميــن
*****************************
- يعني ابن أخويا يتجوز وأنا آخر من يعلم
هتفت "ثريا" بتلك العبارة بغضب فقال "نور" يهدئها :
- الموضوع جه بسرعة يا "ثريا" .. ووالد البنت توفى يعنى مكنش ينفع يتعمل فرح
أكملت "ثريا" بغضب وكأنها لم ستتمع اليه :
- يعني عشان هى مطلقة ما يتعملش فرح .. طيب ذنبه ايه "عمر" ودى أول مرة يتجوز فيها .. ذنبه ايه يتجوز من غير فرح
قالت "كريمه" :
- أنا قولتله اننا هنعمله حفلة كبيرة لما يرحعوا ان شاء الله ونعزم الناس كلها
قالت "ثريا" بحده :
- بعد ما دخلوا خلاص هنعمل حفلة .. ما كان من الأول .. ولا الهانم كانت متسربعه على الجواز .. ايه مش قادرة تستنى لما دمعتها على باباها تنشف .. ايه ملها ملهوفة على الجواز كده
قال "نور" بنفاذ صبر :
- يا "ثريا" قولتلك 100 مرة ان "عمر" هو اللى أصر على الدخله وان مراته تبقى فى بيته
ثم نهض قائلاً :
- انا قايم اشوف شغلى عن اذنكوا
كان يعلم بأن الحوار مع أخته وهى غاضبه هو ضرب من العبث .. قالت "ايناس" بحقد :
- بكرة يزهق منها ويعرف انه عمل أكبر غلطه فى حياته .. ويطلقها زى ما اللى قبله طلقها
****************************
أصرت "ياسمين" على أن تعد طاولة الطعام بنفسها .. أنهت اعدادها وطرقت باب المكتب .. كانت تنتظر أن يأذن لها "عمر" بالدخول لكنها وجدته يفتح الباب بنفسه مبتسماً .. ابتسمت له قائلاً :
- السفرة جاهزة
توجها الى غرفة الطعام وجلسا معاً .. نظرت اليه لتراقب تعبيات وجهه .. نظر بسعادة الى كل ما أعدته وقال بدهشة :
- انتى ساعدتى فى كل الأكل ده
قالت بمرح :
- قصدك هى اللى ساعدتنى
نظر اليها بإعجاب قائلاً :
- ده طلعت مراتى شاطرة أوى و أنا معرفش .. أنا قولت أخرك صنية المكرونة بالبشاميل
ضحكت قائله :
- آه اللى خدتها من بيت صاحبك وانت نازل
ضحك قائلاً :
- على فكرة ماما كلت منها معايا وعجبتها جداً ..رغم ان ماما مبيعجبهاش بسهوله أكل حد
ابتسمت بسعادة وقالت :
- كويس يعني ماما "كريمه" عجبها أكلى
قال وقد تذكر فجأة:
- صحيح كلمتك النهاردة وسألت عنك .. بس كنت لسه صاحى من النوم وقولتلها انك هتكلميها
- خلاص بعد الغدا هكلمها ان شاء الله
قال "عمر" بلهفه :
- طيب يلا لانى واقع من الجوع وريحة الأكل فتحت نفسى على الآخر
راقبته "ياسمين" بسعادة وهو يأكل من طعامها بنهم ويشيد به
استيقظت "ياسمين" فى اليوم التالى قبل أذان الفجر كالعادة .. توضأت وصلت قيام وانتظرت الفجر .. وقفت فى الشرفه .. تراقب الحديقة فى الليل .. ابتسمت وهى تتذكر مداعبات "عمر" ومرحه معها .. بعد الفطار جلسا يحتسيان الشاى فى الشرفة .. كانت "ياسمين" شارده فسألها "عمر" :
- بتفكرى فى ايه
انتبهت من شرودها على سؤاله فقالت بتأثر :
- "ريهام" وحشتنى أوى .. طول عمرنا واحنا مع بعض وعمرنا ما افترقنا أبداً
راقب "عمر"تعبيرات وجهها الحزينه ثم قال فجأة :
- تحبي نروح لـ "سماح" و "أيمن" النهاردة
نظرت اليه فى دهشة غير مصدقه وقالت :
- بجد ؟ .. ينفع نروحلهم النهاردة
ابتسم وقرب كرسيه منها قائلاً :
- أيوة طبعا ينفع .. أنا عارف ان "سماح" هى أقرب صاحبه ليكي .. وانك بتعتبريها زى "ريهام" أختك .. أكيد لما تشوفيها هتخفف عنك شويه بعد "ريهام"
نظرت اليه "ياسمين" بنظرة امتنان وسعادة ممزوجة بـ .. الحـــب .. بادلها نظرتها قائلاً بلهفه :
- لو كنت أعرف ان اقتراحى هيخليكي تبصيلى كده .. كنت اقترحته عليكي من زمان
انتبهت "ياسمين" فأشاحت بوجهها بخجل .. فقال "عمر" مؤنباً نفسه بمرح :
- ياريتنى مكنتش اتكلمت .. أهو دايماً كده أقطع اللحظة الحلوة بالكلام اللى ملوش لازمه ده
نظرت اليه ضاحكة .. كانت تشعر بأنها استطاعت فى اليومين الماضيين أن تقترب منه أكثر .. وتتآلف معه أكثر .. وهذا الأمر أسعدها للغاية .. كانت تشعر بالراحة والسكينة وهى معه .. كان قلبها يخفق بجنون كلما اقترب منها .. نظرت اليه وهو يتحدث الى هاتفه وهى تبتسم بسعادة وتشعر بان قلبها سار ينبض بحبه
ارتدت ملابسها وخرجت مع "عمر" .. وتوجها الى بيت "أيمن" و "سماح" .. توقف بالسيارة أما البيت وقبل أن تنزل أمسك يدها قائلاً :
- "ياسمين" .. مش عايزين نطول أوى .. ماشى .. عشان حابب نخرج سوا ونتعشى بره
ابتسمت له وأومأت برأسها .. جلست الفتاتان فى غرفة أغلقت "سماح" الباب ثم نظرت لعلامات السعادة على وجه صديقتها وقالت بسعاده :
- ايه اللى أنا شيفاه ده .. عيني عليكي بارده
ضحكت "ياسمين" قائله :
- انتى هتعملى زى "ريهام"
ابتسمت "سماح" .. ثم اختفت ابتسامتها وكأنها تذكرت شيئاً .. قالت "ياسمين" :
- ايه مالك ؟
قالت "سماح" محاولة الاتباسم مرة أخرى :
- لأ مفيش حاجة
قالت "ياسمين" بقلق :
- النونو كويس ؟
مسحت "سماح" على بطنها وابتسمت قائله :
- اها كويس الحمد لله
- امال مالك .. وشك اتغير فجأة
بدا على "سماح" بعض التردد ثم قالت :
- لأ متاخديش فى بالك
تفرست "ياسمين" فى صديقتها ثم قالت :
- "سماح" أنا عارفاكى كويس أوى .. فى حاجه انتى مخبياها عنى
تنهدت "سماح" وقالت :
- يا بنتى متوهميش نفسك .. أنا بس حسيت بالتعب شوية
قالت "ياسمين" فجأة :
- كلمتى المحامية
نظرت "سماح" الى صديقتها وصمتت .. حثتها "ياسمين" قائله :
- "سماح" ردى عليا .. كلمتى المحامية صحبتك
قالت "سماح" بإستسلام :
- أيوة
- ووصلت لحاجة ؟
بدا عليها التردد مرة أخرى ثم قالت :
- أيوة
قالت "ياسمين" بحده :
- "سماح" قوليلى بلاش تعب الأعصاب ده
قامت "سماح" وخرجت .. ثم عادت بورقتين وأعطتهم لـ "ياسمين" .. نظرت "ياسمين" الى الورق فى يدها .. هو نفسه الورق الذى أعطتها "ولاء" نسخه منه
قالت "سماح" :
- قالتلى ان الورق موجود فعلا فى ملفات المستشفى وجبتلى النسخة دى .. وكمان ورق متابعة الحالتين شافته بنفسها
كانت "ياسمين" تنظر الى الورق بأعين متجمده .. أكملت "سماح" بأسى :
- أنا كنت ناويه اتصل بيكي وأقولك على الله وصلتله .. بس لما شوفتك داخله عليا فرحانه وباين عليكي انك مبسوطه اترددت أقولك
نظرت اليها "ياسمين" وهى تغالب دموعها قائله :
- ليه اترددتى تقوليلى ..
نظرت "ياسمين" الى الورق الذى بيدها .. وقد تجمعت الدموع بعينيها وقالت بصوت مرتجف :
- الورق ده ميثبتش حاجه .. يعني .. عادى .. "عمر" كان ماشى .. ولقى الحريقه .. وحاول يساعد الست انها تخرج .. والراجل شافه وافتكره كان معاها فى البيت .. لكن "عمر" ملوش دعوة بالبيت ده .. وملوش دعوة بالقصة دى
ثم اكملت بلحماس وبشفتين مرتجفتين :
- "عمر" بيحب يساعد الناس ..انتى ناسيه اللى عمله مع العامل اللى ايده اتحشرت فى الماكنة .. هو على طول بيحب يساعد الناس .. هو حاول يساعدها .. بس مش أكتر من كده
ثم نظرت الى "سماح" بعينين دامعتين قائله :
- صح ؟
نظرت "سماح" الى نظرة الرجاء فى عين صديقتها والتى ترجوها الى موافقتها على كلامها حتى لو بالكذب .. ورغم الشك الذى كان يساور "سماح" الى أنها استجابت للرجاء فى أعين صديقتها الدامعه وقالت :
- صح .. أكيد الموضوع زى ما انتى قولتى
أومأت "ياسمين" برأسها وهى تحاول أن تغالب دموعها ونظرت الى الورق ثم مزقته .. ثم نظرت الى صديقتها قائله بحزم :
- خلاص الموضوع ده اتقفل ومش هيتفتح تانى
- ماشى
حاولت "سماح" التحدث فى أمور مختلفة مع "ياسمين" التى جاهدت بدورها للإندماج مع "سماح" وتناسى الموضوع تماماً
خرجت "ياسمين" مع "عمر" وركبا السيارة .. نظر اليها يراقب انفعالاتها قائلاً :
- حبيبتى فى حاجه ضايقتك
رسمت ابتسامة على شفتيها ونظرت ايه قائله :
- لا أبداً
- كنت فاكرك هتكونى مبسوطة لما تشوفى "سماح"
- أنا فعلاً مبسوطة .. مبسوطة أوى
ابتسم قائلاً :
- حبيبتى تحب تروح فين ؟
قالت مبتسمة :
- انا معرفش أماكن فى المنصورة .. ومخرجتش فيها قبل كده .. يدوبك باجى لـ "سماح" بس
أوقف "عمر" سيارته على النيل ونزل الإثنان معاً ينعمان بنسمات الليل المنعشة .. ابتسمت "ياسمين" تراقب القمر فوقهما .. شعرت بالخجل عندما ارتطمت بنظرات "عمر" المتفحصة وقالت :
- انت على طول بتبصلى كده
- أيوة وهفضل أبصلك كده
قالت بمرح :
- عادى كل الرجالة بتقول كدة فى الأول وبعد فترة من الجواز بيتحولوا للنسخة المصريه المعتمده للزوج المصري
ضحك "عمر" حتى دمعت عيناه وقال :
- والله ده فى ايد حضرتك .. لو متحولتيش للنسخة المصريه المعتمده للزوجة المصرية فأنا أكيد مش هتحول
ابتسمت قائله :
- قصدك ايه بأه يا بشمهندس بالنسخة المعتمدة للزوجة المصرية
قال بمرح :
- قصدى بأه انك تتحولى لكائن هلامى غير معلوم تفاصيله وتضاريسه بوضوح
ضحكت "ياسمين" بشدة فأكمل قائلاً :
- وأفتح باب البيت ألاقى بتصرخي صرخة طرزان وبتجرى ورا الولاد
ازدادت ضحكاتها فأكمل :
- والكبيرة بأه ألاقيكي ناسيه اسمى وبتندهيلى وتقوليلى بابا زى ما الولاد هيقولولى .. ساعتها هروح شايلك انتى وهما و ........
نظرت اليه بتحدى .. فإبتسم وأشار لقلبه قائلاً :
- وأحطكوا جوه قلبي
قالت متظاهره بالجديه :
- خلاص وأنا موافقة .. أنا مش هتحول مقابل ان انت كمان متتحولش
اقترب بوجهه منها بشدة قائلاً :
- اتفقنا
ذهبا معاً لتناول الطعام فى أحد المطاعم الهادئة المطلة على النيل .. كانت "ياسمين" تشعر بسعادة بالغة وهى جالسه بجوار زوجها .. ترك هاتفه و ميدالية مفاتيحه على الطاولة وذهب الى حمام .. أمسكت الميداليه وتفحصتها .. ابتسمت عندما وجدت القلب الذى يحمل اسمها .. نظرت حولها وأعادت الميداليه مكانها بسرعة قبل أن يعود .. عاد "عمر" ليجدها مبتسمه و احد الرجال على الطاولة المجاورة ينظر اليها .. شعر بغيرة شديده .. تابعته "ياسمين" بدهشة وهو يذهب ويقف أمام الرجل قائلاً :
- فى حاجه ؟
التفت الرجل اليه قائلاً :
- فى ايه حضرتك
ارتفع صوت "عمر" قليلا وقال بغضب :
- أصلك بتبص لمراتى أوى .. فحبيت أعرف يعنى فى حاجه ؟
شعر الرجل بالحرج وقال :
- انا مبصتلهاش
كانت أعين "عمر" تشعان غضباً ورمق الرجل بنظره صارمة ثم توجه الى طاولتهم وجذب "ياسمين" من يدها وجلسوا على طاولة أخرى بعيدة عن هذا الرجل .. طال الصمت بينهما .. ثم فتح "عمر" المنيو قائلاً بهدوء :
- تحبي تاكلى ايه
نظرت اليه تحاول معرفة ما يفكر فيه .. وجدت نفسها تقول بتلقائيه :
- أنا مبصتهلوش على فكرة .. ومكنتش واخده بالى انه بيبصلى أصلاً
نظر "عمر" اليها لتتلاقى نظراتهما .. مرت لحظات .. ثم أمسك كفيها بين كفيه قائلاً بهدوء :
- هو انا قولت انك بصتيله
قالت شارحه :
- لأ بس أنا خفت تكون افتكرت كده
ابتسم قائلاً :
- "ياسمين" انا عارف كويس أنا متجوز مين
زاد من ضغط كفيه على كفها فابتسمت له فى خجل وقد أسعدها ثقته بها .. طلبا الطعام .. ظلا يتحدثان معاً .. حتى أخذهم الحديث حول قضية الاختطاف .. قال "عمر" بضيق :
- مش هرتاح إلا لما يمسكوه
أكدت "ياسمين" قائله :
- أكيد هيمسكوه ان شاء الله
ثم قالت بقلق :
- بس خايفة ميقدروش يثبتوا التهمة عليهم
قال "عمر" بثقه :
- لأ هيقدروا يثبتوها ان شاء الله .. وأصلاً هما أغبية جداً كانوا مكممينك ومغميين عينيكى على أساس متتعرفيش عليهم .. لكن كانوا بيتعاملوا من غير جوانتى .. يعني بصماتهم ماليه البيت
قالت "ياسمين" وهى تفكر :
- بس مش ممكن يوصلوا للبيت ده ويمسحوا بصماتهم
قال "عمر" شارحاً :
- البويس رفع البصمات خلاص .. يعنى حتى لو مسحوها هى خلاص اتثبتت فى المحضر .. وكمان البيت أنا أفلته كويس وغيرت الباب لباب حديد يعني محدش يقدر يدخله
انتبهت "ياسمين" لكلماته وقالت بإستغراب :
- ازاى يعني غيرت الباب وأفلت البيت .. وصحاب البيت لما يرجعوا أكيد هيعملولك مشاكل عشان غيرت باب بيتهم
قال "عمر" وهو يكمل طعامه :
- لأ محدش هيعملى مشاكل
بلعت ريقها وقالت بقلق :
- ازاى تضمن انهم مش هيعملولك مشاكل
صمت قليلاً .. وبدا وكأنه يفكر .. ثم نظر اليها ليفجر قنبلة فى وجهها :
- لأن انا صاحب البيت
شعرت بقلبها وقد توقف عن الخفقان .. وبرئتها وقد شلت على الحركة .. لحظات .. ثم عادت أجهزتها للعمل مرة أخرى لكن بصورة جنونيه .. قالت بصوت حاولت أن يبدو طبيعياً :
- يعني البيت ده بتاعك ؟ .. ملكك ؟
رد بهدوء وهو يبدو شارداً :
- أيوة ملكى .. بس مبروحوش كتير .. روحته كام مرة بس
راقبت وجهه لترى عليه تعبيرات غريبة كمن يتذكر شيئاً يضايقه .. ثم هذ رأسه وكأنه يحاول نفض تلك الذكرى من رأسه .. استأذنت لتذهب الى الحمام .. دخلت الى الحمام وهى ترتعش .. وقفت أمام المرآه تنظر الى وجهها المضطرب .. ونظراتها الشاردة المتوترة .. بيته .. ملكه .. هو صاحب البيت .. البيت الذى زنت فيه زوجة الغفير مع رجل .. ظنت أن "عمر" ليس له علاقة بالبيت وما حدث فيه .. لكنه صاحب البيت .. ومالكه .. لماذا يشترى رجلاً مثله مثل هذا البيت الموجود على أطراف القرية والذى لا يحتوى إلا على فراش ودولاب وبضع الأوانى البسيطة .. ماذا يفعل رجلاً مثله فى هذا البيت الذى قال انه زاره مرات .. لم يذهب اليه الا لسبب واحد .. لكى يلتقى فيه بعشيقته بعيداً عن أعين زوجها .. وبعيداً عن أعين الخدم .. لكم تمنت أن يكون برئياً .. لكم حاولت تناسى تلك الحادثة وتجاهلها وكأنها شيئاً لم يكن .. لكنه أثبت لها .. أنه هو نفسه الرجل الذى زنى بزوجة الغفير فى هذا البيت المحترق .. نظرت الى نفسها فى المرآه لتقسط من عينيهــا دمعــة حزينــة .. يعقبها شلالاً من الدمـــوع الصامتـــة .
رواية مزرعة الدموع الفصل الأربعون 40 - بقلم مني سلامة
قبل الاخيرة
الفصل الأربعون من رواية مزرعة الدموع
نظر اليها "عمر" نظره صارمة باردة خاليه من أى شعور وقال بصوت هادر :
- احنا لازم نتطلق يا "ياسمين"
صدمت عندما سمعت تلك الكلمة التى فكرت فيها مراراً .. لكن عندما خرجت من فمه علمت كم هى كلمة مريرة .. تجمعت الدموع فى عينيها وهى تنظر اليه بحسرة وألــم .
*******************
( فلاش باك قبل يومين )
فى الصباح تقابل الاثنان على طاولة الطعام .. جاءه اتصال من "كريمه" قائله :
- اعمل حسابك اننا منتظرينكوا النهاردة .. "علاء" جه من السفر .. وعمتك زعلانه منك جداً عشان مستقبلتوش
قال "عمر" بنفاذ صبر :
- هى عمتو مش عارفه ان أنا عريس ولا ايه
قالت "كريمه" بهدوء :
- ما هنا بيتكوا برده يا "عمر" وانتوا ليكوا فى الفيلا جناح خاص بيكوا يعني أكنكوا عايشين لوحدكوا برده .. ومتنساش انك اتجوزت من غير ما هى تكون موجودة .. معلش يا حبيبى تعالى بس طيب خاطرها بكلمتين ولو عايزين تسافروا تانى سافروا ..بس بعد الحفلة اللى هنعملهالكوا ان شاء الله
- امتى الحفلة دى
- بعد 10 أيام بالظبط ان شاء الله
- ماشى خلاص هتكلم مع "ياسمين" وان شاء الله هكلمك أأكد عليكي يا ماما
أنهى "عمر" مكالمته والتفت الى "ياسمين" قائلاً :
- ماما عيزانا ننزل القاهرة عشان عمتو وكمان ابن عمتو جه من السفر .. ده غير الحفلة اللى قولتلك انها عايزه تعملهالنا .. ايه رأيك ؟
قالت "ياسمين" :
- مفيش مشكلة .. نسافر النهاردة لو تحب
ابتسم قائلاً :
- حابب كمان أوريكى المكان اللى هنعيش فيه .. وبعدين ممكن بعد الحفلة نسافر أى مكان انتى تختاريه .. قولتى ايه
ابتسمت قائله :
- تمام .. اتفقنا
أنهيا طعامهما وأخذها "عمر" الى المنصورة .. لشراء ملابس جديدة وبعض الأغراض لها .. رغم اعتراضها لكنه أصر توقف بسيارته أمام احد المولات قائلاً :
- مش عايزك تعملى فرق بينى وبينك دلوقتى انتى مراتى وملزمة منى .. بلاش الحساسية الزايدة دى يا "ياسمين" لو سمحتى
قالت بحرج :
- مش حساسية ولا حاجه بس أنا عندى لبس كتير
- وايه المشكلة .. وبعدين انتى عروسة .. ولازم تلبسي جديد
قالت بحرج وضيق :
- المفروض انا اللى أشترى لنفسي .. وبعدين أنا عندى هدوم كتير بتاعة جهازى سيباها فى القاهرة لما نروح هناك ....
ققاطعها "عمر" بغضب مكبوت :
- الهدوم دى تولعى فيها .. ترميها .. تتبرعى بيها .. لكن مش عايزك تلبسيها أبداً
نظرت اليه وقد فهمت سبب غضبه .. غيرته .. فقالت :
- خلاص مفيش مشكلة هتبرع بيهم
قال وقد هدأ قليلا :
- طيب يلا عشان نخلص بسرعة ونرجع نجهز الشنط عشان منسافرش متأخر
****************************
ركبت "ياسمين" فى السيارة وانتظرت "عمر" الذى يحضر الشنط من البيت .. التفتت فوجدته وقد أحضر شيئاً يبدو كفستان طويل مغلف .. ركب بجوارها فقالت له :
- ايه اللى انتى حطيته فى الشنطة دة ؟
ابتسم وقال :
- فستان فرحك
قالت بدهشة :
- بس يا "عمر" الفستان مكشوف خالص مستحيل ألبسه أدام حد ولا حتى هعرف ألبسه أدام ستات
نظر فى عينيها واقترب منها قائلاً :
- مش هتلبسيه أدام حد .. هتلبسيه ليا أنا
ابتسم كل منهما للآخر وانطلق فى طريقه الى القاهرة .. ذكرته "ياسمين" قائله :
- متنساش تقول دعاء السفر
صمت "عمر" قليلا ثم نظر اليها قائلاً :
- انتى حفظاه ؟
- أيوة
- طيب قوليه وأنا هقوله وراكى
وصلا الى القاهرة بعد ثلاث ساعات .. عبر "عمر" بسيارته بوابة الفيلا .. شعرت "ياسمين" بالإنبهار .. نعم كانت تعلم مدى ثراء زوجها وأهله .. لكن الأمر فاق تصورها .. شعرت بالإضطراب والرهبة .. ألقت نظرة على زوجها الذى يقود بهدوء لا يدرى شيئاً عما يدور بداخلها .. نزلت من السيارة لتلقى نظرة على الفيلا من الخارج وعلى الحديقة المحيطة بها .. قطبت جبينها وهى تشعر بمشاعر كثيرة مختلطه .. أمسك "عمر" بيدها وتفرس فيها قائلاً :
- فى حاجة ضايقتك
قالت بسرعة :
- لا أبداُ
- أمال مكشرة ليه ؟
حاولت الابتسام :
- لأ مش مكشرة ولا حاجه .. يمكن بس تعبت شوية من السفر
قال بحنان :
- متقلقيش هنسلم عليهم ونطلع أوضتنا ترتاحى شويه
دخلا الفيلا .. فإزداد انبهارها واضطرابها .. كانت رائعة التصميم .. شعرت بضآلتها وسط كل هذا الترف .. وهذا الشعور ضايقها للغاية .. حاولت ازالة تعبير الضيق من وجهها .. استقبلتهما "كريمه" بالترحاب قائله :
- حمدالله على السلامة نورتوا القاهرة
عانقتها "ياسمين" .. كم تحب هذه المرأة الطيبة .. كانت تشعر معها بالراحة وكأنها تعرفها منذ زمن .. قالت "ياسمين" :
- الله يسلمك يا ماما .. أخبار حضرتك ايه
- بخير يا حبيبتى الحمد لله .. يلا يا "عمر" خد مراتك تغيروا هدومكوا وترتاحوا شوية على ما باباك وعملتك ييجوا ونجهز السفرة
صعدت "ياسمين" مع "عمر" وهى تنظر الى كل ما حولها برهبة .. أمسك "عمر" بيدها فإطمئنت قليلاً .. التفت اليها قائلاً بحنان :
- الجناح بتاعنا ده محدش هيدخله غيرنا يعني تقدرى تعتبريه مملكتك الصغيرة .. مملكتى أنا وانتى وبس
أدخلها "عمر" وتركها تتفحص ما حولها بعينيها ثم سألها قائلاً:
- ها عجبك ؟
أومأت برأسها قائله :
- طبعا عجبنى
خطرت فى بالها سؤال فقالت :
- انت جهزت كل دة امتى
صمت قليلاً وبدا متردداً ثم قال :
- أنا كنت مجهز كل حاجه من زمان .. يعنى ....
صمت .. ففهمت .. جهزه من أجل خطيبته الأولى .. شعرت ببعض الضيق ..لاحظ "عمر" ذلك فقال بسرعة :
- لو تحبي نغير كل الأثاث وكل الديكور معنديش مشكلة .. أحنا جوازنا جه بسرعة وملحقتش آجى هنا وأغيرلك كل حاجه
قالت له بصوت خافت :
- انت اللى اخترت الديكور والعفش ولا اخترتوه سوا ؟
قال بسرعة :
- لأ أنا اللى اخترته .. حتى هى مشافتوش
شعرت بالارتياح فإبتسمت له قائله :
- خلاص طالما ذوقك مفيش مشكلة
- متأكدة
- أيوة متأكدة
أخذت "ياسمين" دشاً وارتدت ملابسها .. واستعدت مع "عمر" للنزول للأسفل .. نزلا ليجدا مدام "ثريا" قد وصلت بصحبة ابنها "علاء" و ابنتها "ايناس" .. كان الترحيب بها بارداً جافاً .. وهى أيضاً لم تظهر الحماس فى السلام عليهم .. لكنها فوجئت بإيناس تندفع اتجاه "عمر" قائلاً :
- "عمر" حبيبى وحشتنى أوى
أشاحت "ياسمين" بوجهها وهى ترى تلك المرأة مقبلة الى أحضان زوجها .. لكنها دهشت عندما سمعت "عمر" يقول :
- ميصحش كده يا "ايناس"
التفتت "ياسمين" لتجده ممسكاً بذراعيها يبعدها عنه
وقفت "ايناس" قائله بغيظ :
- ما طول عمرنا بنسلم على بعض كده
قال بحزم :
- معدش ينفع
ألقت "ايناس" نظرة حقد على "ياسمين" فتجاهلتها "ياسمين" تماما
جلس الجميع الى طاولة الطعام .. ضايقها جلوس "علاء" فى مواجهتها .. وذلك بسبب تفرسه فيها .. وشعرت بالحرج من أن تطلب من "عمر" تغيير مكان جلوسها .. فالجميع يراقب حركاتها وسكناتها .. لم تستطع تناول شئ أمام نظرات هذا الرجل المتفصحه .. لم تشترك معهم فى الحديث لكنها كانت تجيب اذا ما وجه اليها "نور" أو "كريمه" سؤالاً .. قال "علاء" فجأة :
- انت مكلتيش حاجه من ساعة ما أعدتى .. عماله بس تلعبى بالمعلقة فى طبقك
شعرت بالضيق من كلماته التى تشى بمراقبته لها كما كانت تشعر .. شعر "عمر" كذلك بالضيق .. أكمل "علاء" موجهاً كلامه اليها :
- على فكرة احنا زمايل مهنة واحدة .. أنا كمان دكتور بيطرى .. بس مليش فى شغل الفيلد زيك
لم تتكلم .. ولم تنظر اليه .. قالت "ايناس" بخبث وحقد وهى ترمقها بنظرات غير مريحه :
- شتان ما بينك وبين "نانسى" يا "ياسمين" .. انتى مشوفتيش "نانسي" قبل كده صح ؟ .. كانت مزه وزى القمر
نظر اليها "عمر" بصرامة .. شعرت "ياسمين" بالتوتر والضيق .. قال "عمر" بحزم :
- ايه لزمة الكلام ده يا "ايناس" ؟
قالت ببرود :
- عادى يا "عمر"
قال بغضب :
- لأ مش عادى .. السيرة دى مش عايزها تتفتح تانى
شعرت "ياسمين" بمزيج من الغضب والحرج .. وما زاد الطين بله .. أن "علاء" نظر اليها بجرأة وقال :
- هو "عمر" اختياره المره دى مختلف .. بس بصراحه يدخل المزاج
هنا هب "عمر" واقفاً وأزاح الكرسي بعنف .. كان "علاء" لا يترك فرصة إلا ويستفز فيها "عمر" .. بسبب شعوره تجاهه بالغيره منذ الصغر .. وكان قد فعل بالمثل مع "نانسي" التى أعجبها اطراءه .. أما "ياسمين" فرد فعلها كان مختلفاً .. ظهر على وجهها علامات الغضب والضيق .. التفت "عمر" الى "علاء" قائلاً :
- لما تبقى تعرف تتكلم بإحترام مع مراتى هبقى أعد معاك على سفرة واحدة
وأمسك "ياسمين" من يدها وجذبها وصعدا الى غرفتهما .. قال "علاء" بغرور :
- ماله ده حد جه جمبه
قال "نور" بغضب :
- انت مش شايف ان اللى انت عملته ده ميصحش يا "علاء" .. يعني ايه تقولها كده .. وانت عارف ابن خالك غيور أد ايه
قالت "علاء" بحنق :
- هو اللى معقد زيادة عن اللزوم .. أنا قولت كلمة عادية ومكنش قصدى بيها حاجه
نهضت "كريمة" وذهب المطبخ لتطلب من الخدم ارسال الطعام الى "عمر" و "ياسمين" بالأعلى .. نظرت "ياسمين" الى "عمر" الغاضب .. اقتربت منه وحاولت امتصاص غضبه قائله :
- متضايقش نفسك يا "عمر"
نظر اليها وجذبها من يدها وأجلسها بجواره على الأريكة وقبل جبينها قائلاً :
- انا اللى آسف انى عرضتك لكلامه ده .. وانتى أعدتك أدامه على السفرة .. معلش غلطة ومش هتتكرر
اقتربت أكثر من زوجها وابتسمت وقالت :
- عارف .. أنا بحب غيرتك دى أوى
التفت اليها وقد اختفت علامات الغضب من وجهه لتحل محلها نظرات حب وشغف فى عينيه وقال :
- يعني غيرتى دى مش بتضايقك ولا بتخنقك
قالت مؤكدة :
- بالعكس .. أنا أحب ان جوزى يبقى غيور عليا كدة
أوشك على تقبيلها عندما سمع طرقات على الباب .. وجد الخادمة وقد أحضرت الطاعم .. التفت الى "ياسمين" قائلاً :
- حماتك مهنش عليها ننام جعنين
قالت بمرح :
- ماما "كريمه" دى مفيش زيها
سألها بإهتمام :
- يعني حبيتيها
قالت بحماس :
- جداً .. بجد حبيتها أوى .. بحس انها طيبة أوى وحنينه .. بحس فيها كتير من ماما الله يرحمها
- الله يرحمها .. يعني مش مضايقه اننا هنعيش معاها هنا
قالت "ياسمين" بثقه :
- لأ طبعا .. انت بتعمل كده عشان تبر أهلك ودى حاجه تفرحنى جدا .. وكمان أنا وماما "كريمه" متفاهمين مع بعض جدا وان شاء الله مش هتحصل بينا أى مشاكل .. وأكيد ست زيها أنا هتعلم منها كتير
نظر اليها بتقدير واعجاب وقبل جبينها .. تناولا طعامهما ودخلت الحمام لتجهز نفسها للنوم .. احتارت فيما ترتدى .. وفى النهاية اختارت بيجاما وردية اللون .. خرجت لتتبعها نظرات "عمر" النائم على فراشه .. حاولت تجنب نظراته واقتربت من الفراش ووقفت أمامه متوترة .. فضحك "عمر" قائلاً بخبث :
- هنا مفيش الا أوضة واحدة لينا احنا الاتنين
ابتسمت بخجل وأزاحت "ياسمين" الغطاء ونامت على الطرف وأولته ظهرها .. اقترب منها وقبل وجنتها وهمس فى أذنها :
- تصبحى على خير يا حبيبتى
- وانت من أهل الخير
استيقظت على آذان الفجر .. والتفتت الى "عمر" توقظه بهدوء :
- "عمر" اصحى .. الفجر أذن
قال وهو يغالب النعاس :
- سبيني النهاردة يا "ياسمين" مش هقدر أقوم
التفتت اليه وأزاحت الغطاء وقالت بعند :
- لأ مش هسيبك .. قوم يلا بلاش كسل
فتح عينيه بصعوبة قائلاً :
- هصليه لما أصحى
قالت بحزم :
- لما تصحى هيبقى اسمه صبح مش فجر
قام متكاسلاً ثم نظر اليها وقال :
- ده انتى لحوحه
قامت وقالت مبتسمه :
- يلا الصلاة
توضأ الاثنان وصليا معاً .. أنهى "عمر" صلاته وعاد الى فراشه .. أما "ياسمين" فأحضرت مصحفها وجلست على سجادة الصلاة تقرأ وردها .. نداها "عمر" :
- "ياسمين"
قطعت القراءة قائله :
- أيوة يا "عمر"
- بتعملى ايه
- بقرا فى المصحف
- طيب تعالى اقرى هنا
قامت ودخلت الى الفراش وجلست تقرأ فى مصحفها .. ظل "عمر" ينظر اليها وهى تقرأ بشفتيها .. قاطعها قائلاً :
- انتى متعودة تقرى كل يوم ؟
التفتت قائله :
- أيوة بقرأ وردى .. بحدد كل يوم جزء وبقراه قبل ما أنام أو بعد ما أصلى الفجر
عادت لتكمل القراءه .. ظل ينظر اليها .. قاطعها مرة أخرى قائلاً :
- ممكن تقرى بصوت عالى
نظرت اليه واستغربت طلبه .. لكنها فعلت وقرأت بصوت شجى للغاية .. بل تكن قرائتها عذبه فقط بل كانت مجودة أيضاً .. فأضافت القراءة الصحيحة للحروف الى صوتها المزيد من العذوبه .. اقترب "عمر" منها وأسند رأسه الى ذراعها ونظر معها الى المصحف وهو يستمع اليها حتى انتهت .. نظر اليها قائلاً :
- انتى بتقرى حلو أوى .. وصوتك كمان حلو أوى
ابتسمت لاطراؤه .. فسألها بإهتمام :
- انتى ازاى بتقرى كده
- أنا كنت بروح المسجد من وأنا صغيرة واتعلمت التجويد وعشان كده بعرف أقرا فى المصحف صح
نظر اليها فى اعجاب قائلاً :
- سهل ولا صعب ؟ يعني اقصد سهل انك تشرحيه لحد ولا لازم حد متخصص يشرحه
قالت بحماس :
- أكيد الأفضل ان حد متخصص يشرحه .. بس أنا عارفه كل الأحكام ودرستها
صمتت تراقب وجهه ثم قالت :
- تحب أشرحهالك
ابتسم وقال :
- تقدرى تخليني أقرا زيك
قالت بحماس :
- ايوة طبعا اقدر .. ايه رايك كل يوم اشرحلك حاجة ونطبقها سوا
قال بحماس مماثل :
- اتفقنا
تبادلا الابتسام .. فقال بحنان :
- بكرة عايز أشوفك بالفستان الأبيض .. اتفقنا
قالت مبتسمه :
- اتفقنا
************************
فى الصباح استيقظت "ياسمين" متأخره على غير عادتها .. لم تجد "عمر" بجوارها .. نهضت وأخذت دشاً وارتدت ملابسها وحجابها ونزلت كانت تبدو الفيلا فارغة .. وقفت فى منتصف الردهة الواسعة بالأسفل وهى تنظر الى ما حولها برهبه .. مازلت لا تستطيع استيعاب أن هذا المكان هو منزلها وبيتها .. شعرت بالتوتر والاضطراب .. حتى أنها لا تتذكر مكان غرفة الطعام أو غرفة المعيشة .. كانت تبدو كالضائعة .. أتاها صوت "كريمه" من خلفها قائلاً:
- أنا كمان أول مرة آجى فيها الفيلا دى كنت حسه زيك كده
التفتت "ياسمين" لتبتسم لها .. فأكملت "كريمه" :
- تعالى معايا المطبخ لو ده مش هيضايقك .. أنا كمان لسه مفطرتش تعالى نفطر سوا وأقولك بعض أسرارى المطبخيه
ابتسمت "ياسمين" وتبعتها .. كانت تبدو كإمرأة بسيطة .. تعاملت فى المطبخ و كأنها تدخله آلاف المرات .. لم تكن تراها كإمرأة من طبقة ارستقراطية .. كما قالت من قبل تشعر بأنها أقرب الى والدتها .. لاحظت "كريمه" نظراتها فقالت لها :
- على فكرة فى حاجه متعرفيهاش عنى .. والحاجه دى هى اللى مخليه "ثريا" مبتحبنيش .. يعني عشان لو لاحظتى أى خلاف بينا تكونى فاهمة السبب .. وأنا من جهتى بحاول على أد ما أقدر محتكش بيها او أعمل حاجه تضايقها
جلست بجوارها على الطاولة وقالت :
- أنا زيك يا "ياسمين" من أسرة بسيطة .. مش مولوده وفى بقى معلقة دهب يعني
شعرت "ياسمين" بالدهشة من هذا التصريح فأكملت "كريمه" :
- بس انا كانت ظروفى أصعب منك شوية .. أنا كنت عايشة فى القرية اللى فيها المزرعة .. ومكنش ليا غير أب مات وسبنى فى الدنيا دى لوحدى .. اشتغلت فى بيت المزرعة ...
صمت قليلاً ثم قالت :
- كنت بشتغل خدامه
اتسعت عينا "ياسمين" من الدهشة .. فلم تتخيل أن تلك المرأة الجميلة والأنيقة التى تجلس بجوارها كانت خادمة فى بيت المزرعة .. اكملت "كريمه" :
- كنت بشتغل عند جد "عمر" وجدته .. ومن هنا اتعرفت على "نور" جوزى .. ماتعرفيش ايه اللى حصل .. بس هو النصيب انه اختارنى دون عن أى بنت تانية .. حبينا بعض جداً .. واتجوزنا .. ومش هقولك على المشاكل اللى واجهتنا فى الأول من معاملة أهله السيئة .. بس بعد ولادة "عمر" كل شئ اتغير وحمايا اللى هو جد "عمر" حبه جداً ورضى أخيرا عنه وعنى وعن ابنه .. وكمان حماتى قلبها رق
صمتت قليلاً ثم اكملت :
- مفيش الا "ثريا" هى اللى مكنتش متقبله جوازى من أخوها .. وعشان كدة كانت بتحارب جوازك من "عمر" .. انتى صحيح وضعك أحسن منى بكتير .. بس هى دايماً بتحب المظاهر .. وعشان كدة مش قادرة تفهم انك زوجة ممتازة لـ "عمر" .. وانه اختار صح
سعدت "ياسمين" للغاية لهذا الإطراء الذى سمعته من أم زوجها .. أكملت "كريمه" :
- أنا عارفه انك حسه دلوقتى انك غريبه بس متقلقيش بكرة تتعودى على عيشتنا وتحسى انه بيتك
ابتسمت "ياسمين" وقالت بتأثر :
- بجد حضرتك طيبة أوى .. حسه انك فهمانى وحسه بيا .. وده من أول يوم اتكلمنا فيه مع بعض لما حضرتك جتيلى المكتب .. من يومها وأنا حسه بكده
قالت "كريمه" مبتسمه :
- وأنا كمان من اليوم ده وأنا حبيتك أوى .. معرفش يمكن عشان شوفت نفسي فيكي
صمت برهه ثم قالت بتردد :
- بصراحة الحاجة الوحيدة اللى كانت مضايقانى هى موضوع جوازك الأولانى .. يعني أى أم تتمنى ان ابنها يتجوز بنوته مسبقلهاش الجواز .. بس تمسك "عمر" بيكي و اعجابي بشخصيتك .. خلونى اتغاضى عن الأمر ده
صمتت "ياسمين" .. بدا عليها التفكير .. فقالت "كريمه" :
- اوعى يكون كلامى ضايقك .. أنا بس حسيت اننا قربنا من بعض فحبيت أفتحلك قلبي ونتكلم بصراحة
نظرت "ياسمين" اليها قائله بشئ من الخجل :
- لأ مضايقتش وأنا حبه ان أنا وحضرتك العلاقة بينا تكون كويسة كدة .. وأنا حسه فعلاً ان حضرتك طيبة وحنينة ومعوضانى عن ماما الله يرحمها .. بس فى حاجه بس أحب أقولهالك عشان أطمنك شوية
- خير يا حبيبتى
قالت بتوتر :
- يعني بخصوص جوازى الأولانى .. يعني .. أنا متجوزتش .. يعني هو ملمسنيش
نظرت اليها "كريمة" بدهشة ثم قالت :
- ازاى .. "عمر" قال انكوا اتجوزتوا شهر تقريباً
- أيوة .. هو أعد معايا خمس أيام بس وبعدين سافر .. وأنا كنت ... يعني.. المعاد مكنش مناسب ليا
اتسعت ابتسامة "كريمة" ووقفت تأخذها فى حضنها وقالت بحماس :
- حبيبتى .. متتصوريش أنا فرحت ازاى بكلامك ده .. وفرحت أكتر عشان "عمر"
ابتسمت "ياسمين" للسعادة البادية على وجه "كريمه" وحمدت الله أن وفق بينها وبين أم زوجها .. جلست المرأتان مرة أخرى وتناولا الفطار معاً وهما منسجمتان فى الحديث .. حتى قالت "ياسمين" :
- ممكن أسأل حضرتك سؤال يا ماما
-اسألى يا حبيبتى
- هو الحرق اللى فى ايد "عمر" ده قديم ولا جديد
قالت "كريمه" وهى شارده :
- لأ جديد من يوم ما سافر المزرعة آخر مرة .. سألته عليه بس كان رده غريب أوى
قالت "ياسمين" بإهتمام :
- رد قال ايه ؟
ردت "كريمه" بإستغراب :
- رد وقالى انه عقاب من ربنا
لاح الحزن على وجه "ياسمين" فأكملت "كريمه" :
- معرفش كان يقصد ايه .. وساعتها انشغلنا بالأحداث اللى حصلت فى المزرعة ومسألتوش تانى
نظرت "كريمه" الى "ياسمين" التى شردت وقالت بإهتمام :
- ليه فى حاجه ؟
قالت "ياسمين" بسرعة :
- لا أبداً أنا بسأل بس .. فضول مش أكتر
تنهدت "ياسمين" وهى تحاول طرد الأفكار السوداء من رأسها .
****************************
كانت "ياسمين" تتمشى فى الحديثة أثناء انشغال "عمر" فى الحديث مع والده فى المكتب عندما اقترب منها "علاء" .. فجفلت لرؤيته همت بمغادرة المكان لكنه أوقفها قائلاً :
- ايه رايحه فين .. خليكي نتكلم شوية
قالت دون أن تنظر اليه :
- عن اذنك
همت بأن تنصرف فإعترض طريقها مرة أخرى قائلاً :
- شكلك خايفه من "عمر" .. معلش هو ابن خالى كده معقد وبيعقدها على الناس اللى حواليه
شعرت "ياسمين" بالغضب لتحدثه بهذه الطريقة عن "عمر" فقالت له :
- لأ جوزى مش معقد ولو سمحت عديني
أفسح لها الطريق وقال بلهجة ساخرة :
- اتفضلى
مشت فى طريقها بسرعة فالتقت بـ "عمر" الذى أقبل اتجاهها وقفت أمامه .. ألقى نظرة على "علاء" الذى يغادر .. ثم عليها وقال :
- فى حاجه يا "ياسمين"
قالت بتوتر :
- لأ مفيش حاجه
ألقى على "علاء" نظرة أخرى ثم قال :
- حد ضايقك
نظرت لها قائله :
- لأ محدش ضايقني يا "عمر" .. متقلقش
تنهد "عمر" وقال بضيق :
- "ياسمين" .. لو "علاء" حاول يكلمك مترديش عليه .. هو كدة طول عمره يشوف ايه اللى بيضايقني ويعمله .. وهو عارف انى بغير عليكي وعشان كده بيتعمد يستظرف ويستخف دمه
ابتسمت ونظرت له بحب قائله :
- متقلقش مش هديله فرصة يتكلم معايا
كانت تشعر بالسعادة كلما لمست غيرة "عمر" عليها
جاءت "كريمه" وجهت حديثها اليهما قائله :
- يلا بينا عشان نعد مع بعض ونتكلم فى تفاصيل الحفلة
بعد الغداء صعدت "ياسمين" الى غرفتها لتغير ملابسها .. فتحت دولابها ونظرت الى فستان العرس بسعادة .. ذلك الفستان الذى تنوى ارتدائه تلك الليلة .. ارتدت ملابسها وحجابها كم تمنت رحيل "علاء" لتسطيع الجلوس معهم بدون حجاب .. أثناء اتمامها على ملابسها وجدت "عمر" يدخل الغرفة فالتفتت اليه قائله بمرح :
- جيت أغير هدومى ونازلة لماما "كريمه" فى المطبخ قالتلى هتعلمنى طريقه أكله انت بتحبها
بدا "عمر" واجماً .. فاختفت ابتسامتها واقتربت منها قائله :
- فى حاجه يا "عمر"
قطب جبينه قائلاً :
- انتى سألتى ماما عن الحرق اللى فى ايدي ؟
اختلج قلبها وقالت بصوت خافت :
- أيوة
- ليه ؟ .. ليه مصرة تسألى عن سبب الحرق
بلعت ريقها وقالت :
- هى ماما قالتلك ايه
- قالتلى الحرق اللى فى ايدك من ايه .. قولتلها اشمعنى ايه اللى فكرك بيه دلوقتى .. قالتلى "ياسمين" سألتنى عنه النهارده
كانت "ياسمين" تهرب من تلك المواجهه .. بل لا تريدها على الإطلاق .. لم تكن تريد لزوجها أن يعلم بما عرفته عنه .. حتى يظل متأكداً من أن صورته لم تتغير فى عينيها .. لكن ها هى المواجهه حانت ولا مفر .. كانت تلك الذكرى تؤلمها .. ولا تعرف كيف تتخير كلماتها .. سألها "عمر" :
- انتى ليه مهتمة بموضوع الحرق يا "ياسمين"
أخذت نفس "عميق" وتحاشت النظر الى عينيه ووجه وقالت :
- أنا عرفت كل حاجه عن البيت المحروق وعن علاقتك بصفية مرات الغفير
ساد الصمت طويلاً بينهما .. كانت تتحاشى النظر الى وجهه .. لكن الصمت طال .. فرفعت نظرها اليه لترتطم بتعبيرات وجهه المتجمده .. سألها بصوت رخيم :
- عرفتي ايه بالظبط ؟
شعرت بغصة فى حلقها وبنار فى قلبها .. قطبت جبينها وقالت بصوت لا يكاد يسمع :
- عرفت انك كنت على علاقه بيها وجوزها عرف وحرق البيت وانت وهى جواه .. وان الراجل اللى انقذكوا اديته فلوس عشان يتستر عليكوا ..
نظرت اليه مرة أخرى .. مازال وجهه خالى من أى تعبير .. سألها بهدوء :
- عرفتى منين كل ده
- الراجل جالى قبل كتبت الكتاب بيوم وقالى الكلام ده .. وأنا اتاكدت ان اسمك واسمها موجود فى ملفات المستشفى فى يوم الحادثة
قال ببرود :
- عشان كده قولتيلى يوم كتب الكتاب انك مش عايزانى
أومأت برأسها ايجاباً .. ساد الصمت مرة أخرى .. رفعت رأسها تنظر اليه قائله بصوت مرتجف :
- أنا سامحتك يا "عمر" .. وبحاول أنسى اللى انت عملته .. لانى حسه انك اتغيرت .. وانك بقيت انسان كويس .. أنا سامحتك
صمت .. لم يتحدث .. لم يتحرك .. اقتربت منه لتلمس ذراعه قائله :
-"عمر"
ولدهشتها نفض ذراعه ليبعده عن يدها .. وأخيراً ظهرت تغيرت تعبريات وجهه المتجمدة .. ولكن لدهشتها تحولت الى غضب هادر .. لم ترى عينيه تشعان بهذا الغضب من قبل .. قال بصوت هادر :
- يعني طول الوقت ده وانتى عايشه معايا وفاكرة انى واحد سافل
نظرت الى غضبه بدهشة وحيرة .. فأكمل بغضب :
- عايشة معايا فى بيت واحد وانتى فاكرة انى كنت على علاقة بواحدة متجوزة .. ومش كده وبس .. جوزها بيشتغل عندى .. وكمان دفعت رشوى عشان أتستر على علاقتى بيها
اقترب منها وامسك بذراعها بقوة حتى ألمتها قائلاً :
- مش كده يا "ياسمين" .. هى دى الصورة اللى انتى راسماها ليا .. ان أنا واحد منحط وحقير بالشكل ده .. هه ردى
كانت قبضة يده تؤلمها بشدة قالت بألم :
- "عمر" دراعى
انتبه لقبضته فترك ذراعها .. فركت ذراعها بيدها وهى تنظر اليه نظرة حيرة ودهشة .. كانت مازالت نظراته غاضبة نارية .. صاحت قائله :
- انا عارفه كويس اللى حصل يا "عمر" وأنا اتاكدت بنفسى من سجلات المستشفى .. ومن كلامك انت شخصياً .. من اجاباتك على كل اللى بيسألك عن الحرق ده .. وانا قولتلك انى سمحتك .. فمفيش داعى تكدب عليا وتفهمنى انك برئ
بدا وكأن غضبه تضاعف وازداد احمرار وجهه غضباً قال بصرامة وحزم :
- اللى حصل كالتالى عايزة تصدقى صدقى مش عايزة انتى حره .. الست دى فعلا كان بتخون جوزها بس مش معايا .. مع مهندس كان شغال فى المزرعة قبل "أيمن" .. واستمرت علاقتهم حتى بعد ما مشى من المزرعة وكانوا بيتقابلوا فى البيت القديم
هتفت بغضب :
- البيت اللى هو ملكك
- أيوة ملكى .. وهو معنى انه ملكى يبأه أنا اللى كنت معاها فيه
رفعت حاجبيها وقالت بصرامة :
- ايه اللى يخلى واحد زيك يشترى بيت قديم زى ده .. بيت مهجور .. ومبهدل .. ومفيش فيه اى حاجه تصلح ان الواحد يعيش فيه .. ايه اللى يخليك تشتريه
قال بصرمة ببرود :
- عشان أمى
نظرت اليه بدهشة فأكمل قائلاً :
- ده بيت أمى القديم اللى كانت عايشة فيه مع أهلها .. لما اهلها ماتوا باعت البيت وجت عاشت فى بيت المزرعة واشتغلت فيه .. كان البيت ده بيمثل ليها ذكريات جميلة مع اهلها وكان نفسها تحتفظ بيه بس مكانش صحابه الجداد راضيين يبيعوه لحد من 6 شهور جالى صاحب البيت وباعهولى واشتريته عشانها
نظرت اليه "ياسمين" بأعين متحجرة وشلت الصدمة لسانها
أكمل بقسوة وبصوت هادر :
- مش انا اللى كنت معاها فى البيت يا مدام .. انا كنت راجع من عند "أيمن" من المنصورة وشوفت النار قايده فى البيت .. وقفت العربية على الطريق وجريت نحية البيت لقيتها جوه ومش عارفه تخرج .. بعد ما الراجل اللى كان معاها سبها وهرب .. دخلت أحاول اخرجها بس كانت ايدي متجبسه وقتها معرفتش أشيلها وهى كانت خايفة تخرج فى النار لان النار كانت محاوطه البيت كله .. لحد ما الراجل اللى جالك .. شفنا وجه يساعدنا .. وهى لما عرفت ان الراجل شاف جوزها انهارت وعرفت انه عرف بخيانتها وانه هو اللى حرق البيت .. اول ما سمعتها بتقول كده ادام الراجل طلعت فلوس واديتهاله عشان يتستر عليها هيا مش عليا انا
شعرت وكأن قلبها قد توقف عن الخفقان .. أكمل بنفس القسوة :
- ولما روحنا المستشفى حكتلى على كل حاجة وعن علاقتها بالبشمهندس "محمد" .. خرجت من المستشفى فى نفس اليوم وروحت لـ "محمد" بيته .. واتخانقت معاه .. واترجانى انى اتستر عليه عشان مراته وولاده لان مراته لو عرفت والخبر وصلها أكيد هتطلق منه.. وعيط أدامى وأقسملى انها غلطة ومش هتتكرر وان هى اللى أغوته وخلانى أقسمله انى متكلمش فى الموضوع مع حد .. وعشان كده مجبتش سيره لحد
تجمعت الدموع فى عينيها وهى تشعر بدوار بسبب صدمتها مما تسمع .. فأكمل بغضب مكتوم :
- بعد ما صفية طلعت من المستشفى خافت ترجع لاهلها عشان جوزها ميعرفش انها لسه عايشه ويرجع يقتلها .. اديتلها فلوس وقولتلها تسافر اى بلد تانية تعيش فيها
قالت بصوت مرتجف مضطرب مبحوح وبأعين حائرة :
- ليه قولتلى انى لو عرفت سبب الحرق هبعد عنك وليه قولت لمامتك انه عقاب ربنا
زفر بقوة ثم قال بغضب :
- لانى كنت عارف انها مش مظبوطه .. وكانت تصرفاتها مش عجبانى ومع ذلك سكت وسبتها .. لو كنت من الاول مشتها هى وجوزها مكنتش قدرت توصل ل "محمد" ومكنتش علاقتها بيه استمرت لحد دلوقتى .. ومكنش حصل ده كله
ألجمها بكلامه .. لم تستطع أن تتحدث .. نظرت اليه واقتربت منه .. لكنه ابتعد عنها ورجع الى الخلف وفى عينيه نظرة قاسية وقال :
- من أول يوم جواز قولتلك لازم نبقى صرحا مع بعض .. واللي مضايق من التانى فى حاجه يقولها
نظرت الى الأرض وقطبت جبينها وقد شعرت بحجم ذنبها .. فأكمل قائلاً :
- لكن انتى عمرك ما كنتى صريحه معايا .. وعمرك ما وثقتى فيا .. وعمرك ما عرفتيني صح
ثم قال :
- وعمرك ما حبتيني
نظرت اليه فى ألم .... نظر اليها "عمر" نظره صارمة باردة خاليه من أى شعور وقال بصوت هادر :
- احنا لازم نتطلق يا "ياسمين"
صدمت عندما سمعت تلك الكلمة التى فكرت فيها مراراً .. لكن عندما خرجت من فمه علمت كم هى كلمة مريرة .. تجمعت الدموع مرة أخرى فى عينيها وهى تنظر اليه بحسرة وألــم .
تجمدت فى مكانها وأخذت العبرات تتساقط من عينيها .. بدت نظراته وقد لانت للحظة .. لكنه عاد ونظر بصرامه وقال :
- هنستنى لحد ما الحفلة تخلص ونرجع المزرعة وبعدين ننفصل
قال ذلك وتركها وحدها فى الغرفة تكاد قدماها تحملانها بصعوبة من هول الصدمة.
رواية مزرعة الدموع الفصل الحادي والأربعون 41 - بقلم مني سلامة
الفصل الحادى والأربعون (( الأخير )) من رواية مزرعة الدموع
نزلت "ياسمين" بعد ساعة .. تبحث عن "عمر" .. لم تجد له أثراً فى الفيلا .. فقالت لها "كريمه":
- قالى انه هيخرج وهيرجع متأخر ما أستناهوش على العشا .. هو ما قالكيش رايح فين ؟
قالت "ياسمين" بسرعة :
- أصل هو خرج من الأوضة قبل ما نتكلم مع بعض .. أنا كنت طالعه أغير هدومى
خرجت "ياسمين" لتتمشى فى الحديقة .. اختلت بنفسها على أحد المقاعد وتركت لعبراتها العنان .. كانت تشعر بندم كبير بداخلها .. ندمت لأنها ظلمته .. وندمت لانها لم تثق به .. وندمت لانها لم تواجهه من البداية بما تعرف .. ندمت لأنها تركت شكوكها ووساوسها تتلاعب بها وتتحكم بها .. ندمت لأنه أشعرها بأنها لا تحبه ..
أجهشت فى بكاء صامت .. كيف يقول بأنها لا تحبه .. فحبه متغلل داخل قلبها .. أخرجت هاتفها من جيبها ومسحت عبراتها بظهر يدها واتصلت به .. لم يرد .. أعادت اتصالها عشرات المرت .. ونفس النتيجة لم يرد .. شعرت بأنها قد أضاعته من يدها .. أخذت تتساءل هل سيطلقها فعلاً .. هل كرهها .. هل سيهون عليه فراقها .. ألن يسامحها يوماً .. كيف ستحتمل العيش بدونه .. لن تستطع التحمل .. حل المساء .. ظلت ساهرة فى غرفتها .. واقفة فى الشرفة .. تنتظر حضوره .. حتى رأت سيارته تقف أمام الباب .. انتظرته ان يصعد الى الغرفة لكنه لم يصعد .. طال وقت انتظارها .. حتى فتح باب الغرفة أخيراً وجدها واقفه أمام باب الشرفة فى انتظاره .. غلق الباب وفتح الدولاب يبحث عن بيجامه يرتديها .. اقتربت منه قائله :
- "عمر"
لم يجب .. دخل الحمام .. جلست على طرف فراشها تنتظر خروجه .. خرج وتوجه الى الفراش وحمل أحد المخدات و أحد الأغطية وفرشه على الأرض بجوار السرير ونام عليه وأولاها ظهره .. فهمت بأن الخطب جلل .. صعدت الى الفراش وتدثرت بالغطاء وظلت تنظر الى زوجها النائم بجوارها على الأرض والذى يوليها ظهره .. تساقطت العبرات من عينيها وبللت وسادتها .. لكم تشتاق الى حضنه الدافئ وكلماته الحانية .. ظلت العبرات تبلل وسادتها فى صمت وعيونها معلقة به .. تقلبت فى فراشها وكأنها تنام على جمر .. جلست وهى تنظر اليه فى أسى .. حتى غلبها النعاس .
استيقظت على آذان الفجر .. نظرت الى مكان زوجها النائم توجهت اليه ونادته بهدوء :
- "عمر" .. "عمر" .. اصحى
استيقظ ونظر اليها فقالت مبتسمه :
- يلا عشان تصلى الفجر
نهض وتوضأ وعاد ليجدها فى انتظاره لتصلى معه جماعة مثل كل يوم .. صلى بها .. حاولت التحدث معه :
- "عمر" .. ممكن نتكلم
قال بخشونه :
- لأ
ثم توجه الى مكان نومه ونام .. ونامت هى وعيونها معلقه به .. فى الصباح استيقظت على صوت غلق الدولاب .. وجدته وقد ارتدى ملابسه .. اعتدلت بسرعة فى فراشها قائله :
- "عمر"
لم يجيبها توجه الى باب الغرفة فأسرعت ونهضت من فراشها وأمسكت ذراعه قائله بأسى :
- استنى .. "عمر" .. أنا آسفة .. أنا آسفة أوى .. أنا عارفه انى ظلمتك أوى .. "عمر" مش هقدر أعيش بعيد عنك
لم ينظر اليها .. فأكملت بألم وبصوت مرتجف وعينين دامعتين :
- لو انت عايز تطلقنى عشان تعاقبنى .. أنا موافقة يا "عمر ".. عاقبنى .. وطلقنى ..
تساقطت عبراتها وهى ترجوه :
- بس ردنى تانى يا "عمر" .. عشان خاطرى ردنى تانى
صمت ولم يجب .. بل ولم يلتفت اليها .. وفتح باب الغرفة وخرج .. وقفت لا تدرى ماذا تفعل وعلامات الألم مرسومة على وجهها .. رن جرس هاتفها .. فأتاها صوت "ريهام" قائله :
- حبيبتى يا "ياسمين" .. احنا جاينلكوا النهاردة أنا و "كرم" .. حماتك اتصلت الصبح وعزمتنا على الغدا
قالت "ياسمين" بوجوم :
- لو انتى مكنتيش جيتي النهاردة كنت انا هجيلك لانك وحشانى اوى اوى
- مش اكتر منى يا "ياسمين" .. احنا قولنا نسيبكوا ترتاحوا اليومين اللى فاتوا .. بس خلاص كدة لازم أشوفك
- خلاص يا حبيبتى منتظراكى ان شاء الله
تناول الجميع طعام الافطار معاً .. وقالت "كريمه" :
- على فكرة "ثريا" كمان هتيجيى النهاردة .. وكمان "ايناس" و "علاء"
تضايقت "ياسمين" عندما سمعت بإسمها .. وتذكرت ما قالته المرة الماضية عن الفرق بينها وبين خطيبة "عمر" القديمة .. وعندما قالت انها حب "عمر" فى الطفولة والمراهقة .. شعرت بنيران الغيرة تشتغل فى قلبها .. نظرت الى زوجها الجالس بجوارها دون أن يعيرها أدنى اهتمام .. كانت حزينه واجمه فسألها "نور" :
- مالك يا "ياسمين" فى حاجه مضايقاكى
قالت بسرعة :
- لا يا عمو .. يمكن بس متأثره شوية انى هشوف "ريهام" لانها وحشتنى أوى
ابتسمت "كريمه" قائله :
- ربنا يخليكوا لبعض
*****************************
جلست "نادين" فى حديقة فيلتها تحتسى كوباً من الشاى .. التفتت فرأت "نانسي" وهى توقف سيرتها وتنزل منها فنادتها قائلاً :
- "نانسي" تعالى شوية
جاءت "نانسي" وقالت :
- خير
- تعالى اعدى
- لا قولى اللى عايزاه بسرعة عشان عايزة أنام
صاحت "نادين" بغضب :
- طبعا رجعه الضهر من بره وطول الليل سهرانه كالعادة
قالت بتأفف :
- أوف انتى ناديتيلى عشان تسمعينى المحاضرة دى .. فكك .. أنا مصدعة وعايزة أنام
التفتت لترحل فقالت "نادين" :
- عرفتى ان "عمر" هنا هو مراته
التفتت الى أمها بحده قائله :
- انتى عايزة تحرقي دمى يعني
ابتسمت أمها بتشفى وقالت :
- عرفت الفلاحه تخطفه منك وتتجوزه
قالت "نانسي" بحده :
- عرفتى منين انهم هنا
- "جيهان" ما انتى عارفه انها صاحبة "ثريا" عرفت منها
ثم قالت بسخرية :
- لأ وايه .. حاجه كدة لوكل .. تصورى مرضتش تخلى "عمر" يسلم على "ايناس"
- ازاى يعني
- الهانم بتغير باين .. ولا ده عبط متعرفيش
رفعت "نانسي" حاجبها بخبث وقالت بحقد :
- بتغير .. جميل
التفتت لتدخل الفيلا فقالت "نادين" بحده :
- انت لحد امتى هتفضلى سارحه مع اللى اسمه " عماد" ده .. يا بنتى طول ما انتى مدوقاه العسل ومقدماله كل حاجه على طبق من فضه عمره ما هيفكر يتجوزك
صاحت "نانسي" بغضب :
- ملكيش دعوة بيا حياتى وأنا حرة فيها .. متركزيش معايا .. ركزى مع جوزك النسوانجى أحسن
تركتها لتدخل الفيلا .. وملامح "نادين" تختلط فيها الحســرة بالألـــم.
*************************
التف لجميع حول طاولة الطعام .. "نور" .. "كريمة" .. "ثريا" .. "علاء" .. "ايناس" .. "عمر" .. "ياسمين" .. "كرم" .. "ريهام" .. اندمج الجميع فى الضحك والمزاح ماعدا اثنان بدا عليهما الوجود .. "عمر" بدا وكأنه غير مهتم بالحديث الدائر .. أما "ياسمين" فبدت حزينه تتطلع الى "عمر" بين الحين والآخر وتراقب تعبيرات وجهه لتتبين فيما يفكر .. لم يوجه اليها حرفاً واحداً .. كان يمسك الملعقة بيد .. ويده الأخرى وضعها على قدمه .. نظرت الى الجميع لتجدهم مشغولون بالحديث .. و .. مدت يدها ولمست كف يده .. توقف "عمر" عن تناول الطعام ونظر الى يدها التى تمسك بيده .. ثم أبعد يده عنها ووضعها فوق المائدة .. شعرت "ياسمين" بالألم يغزو قلبها .. نهضت واعتذرت من الجميع متعلله بصداع أصابها .. كادت أن تتوجه الى غرفتها لكنها شعرت بالإختناق وارادت السير فى الهواء الطلق .. خرجت من الفيلا وتمشت فى الحديقه .. تبعتها "ريهام" قائله :
- "ياسمين" قومتى ليه
حاولت "ياسمين" الابتسام قائله :
- مفيش حسيت انى مصدعة شوية .. وكمان شبعت
-فى حاجه مضايقاكى
- لا أبداً .. بس لسه مش متعودة على الوضع هنا
عانقتها "ريهام" قائله :
- حبيبتى يا "ياسمين" وحشتينى اوى .. أنتى الحاجة الوحيدة اللى بتصبرنى على فراق ماما وبابا الله يرحمهم
تأثرت "ياسمين" بكلامها وبكت . قالت "ريهام" وهى دامعة العينين :
- أنا كمان وحشونى أوى .. بس ان شاء الله ربنا يجمعنا بيهم فى الجنة .. ربنا يخليكي ليا يا "ياسمين"
قالت لها "ياسمين" بعينين دامعتين :
- ويخليكي ليا يا "ريهام"
انتهى اليوم ورحلت "ريهام" و "كرم" .. وبقيت "ثريا" وأبنائها لاكمال السهرة .. استأذنتهم "ياسمين" وصعدت الى غرفتها .. كانت تشعر بألم حاد فى بطنها .. دخلت الحمام لتخرج متأففه :
- ده وقته
ارتدت ملابسها وصعدت الى الفراش وتدثرت وهى تتلوى من الألم .. شعرت بالحرج من الذهاب الى "كريمه" لتبحث لها عن دواء .. كما أنها لم تكن تقوى على الحركة .. بعد قرابة النصف ساعة .. وجدت "عمر" يفتح باب الغرفة .. أرادت أن تقوم للتحدث معه .. لكنها لم تستطع من الألم ..نظر "عمر" اليها ليجدها مغمضة العينين مقطبة الجبين وتضم الغطاء بقوة الى صدرها ويبدو على ملامحها الألم .. اقترب منها قائلا:
- انتى كويسه ؟
فتحت عينيها وهى لا تصدق أنه اخيراً تحدث معها .. ودت لو قامت تتحدث معه لكنها لم تستطع .. قالت بصعوبة :
- أيوة كويسة
تركها وخرجه .. نظرت الى الباب المغلق بحسرة وألم .. لكم تشتاق الى وجوده معها والى حديثها معه .. دقائق ووجدته يدخل مرة أخرى حاملاً كوب تتصاعد منه الأخبرة وحبة دواء .. نظرت اليه بإستغراب .. مد يده بالحبة .. فجلست وأخذتها .. ثم أعطاها الكوب قائلاً:
- اشربي ده .. ولو لسه حسه بالألم قوليلى وأنا أجبلك حباية تانية
شعرت بالحرج الشديد أخذت منه الحبة والكوب دون أن تنظر الى وجهه .. تمنت ان يرحل لكنه ظل واقفاً ينظر اليها .. أرادت أن تتحدث لكنه أوقفها بيده قائلاً بحزم :
- اشربي ونامى
ثم تركها وخرج ..
بعد عدة ساعات سمعت صوت الباب يفتح .. فتظاهرت بالنوم .. شعرت به وهو يغير ملابسه ثم يقترب منها ويمسح حبات العرق على جبينها بظهر يده ..يلفها بالغطاء جيداً .. ثم .. يحمل وسادته وغطائه ويفرشهم على الأرض وينام
استيقظت على آذان الفجر .. وقامت لتوقظه لكنه لم تجده نائماً .. بل وجدته واقفاً يصلى .. تابعته بعيناها حتى أنهى صلاته وتوجه الى مكانه على الأرض ونام .. شعرت بالحنق والضيق .. نظرت اليه لتجده يغط فى سبات عميق .. كانت تتألم من هذا البعد .. لم تعتد على بعده عنها بهذا الشكل .. قامت على فور وحملت وسادتها وغطائها وفرشتهم على الأرض بجواره .. ونامت وهى تتطلع الى وجهه
فى الصباح شعرت بيده توقظها .. فتحت عينيها فوجدته نيظر اليها بحزم قائلاً :
- ايه اللى منيمك على الأرض هنا
قالت بضعف :
- كده عشان انت نايم هنا
أمرها بحزم :
- الارض ساقعه وانتى تعبانه قومى اطلعى نامى على السرير
امتثلت لأوامره .. وهى تشعر بالحنق والضيق .. قام وغير ملابسه ثم خرج دون ان يتفوه بكلمه
***********************
بعد عدة أيام كانت "ياسمين" جالسه مع "كريمة" فى الحديقه
قالت "كريمه" :
- "نور" سافر النهاردة الصبح
قالت "ياسمين" :
- هيرجع امتى ؟
- كمان يومين سافر فى شغل مهم .. و"علاء" كمان مش هيكون موجود النهاردة لانه مسافر .. بس ناوية أعمل سهرة حلوة فى الجنينة
شردت "ياسمين" قليلاً ثم قالت :
- يعني مش هيكون فى رجالة موجودة النهاردة
- أيوة .. "عمر" بس
- كويس
- اشمعنى
قالت بثقه :
- عشان أرد القلم
قالت "كريمه" بإستغراب :
- مش فاهمة قلم ايه
ابتسمت "ياسمين" :
- هتعرفى النهاردة
****************************
فى المساء .. أخرجت "ياسمين" أحد الفساتين الذى أصر "عمر" على شراءه يوم أن كانا معاً فى المول لشراء ملابسها .. كان رقيقاً للغاية ومتناسقاً مع بشرتها الخمرية .. ارتدت حذاء ذو كعب وصففت شعرها لأعلى وتركت بعض الشعيرات التى تتساقط على وجهها برقة .. كانت قد تعلمت الكثير من "سماح" عن وضع المكياج فإستعانت بخبرتها وبأدوات الزينة التى تزين التسريحة فى غرفة نومها .. كان مكياجها يتسم بالرقة والبساطة .. كانت راضية تماماً عن شكلها .. كانت تشعر بالخجل من الظهور بهذا المظهر أمام الجميع وخاصة "عمر" .. لكنها تشجعت ونزلت الدرج بعدما رأتهم من شرفة غرفتها وقد تجمعوا معاً فى الحديقه استعداداً لتمضية الأمسية بها .. خرجت الى الحديقة وقلبها يرتجف .. لكنها حاولت رفع رأسها والسير بإتزان دون أن يبدو عليها التوتر .. أول من لمحتها هى "كريمه" التى هتفت بدهشة :
- "ياسمين" !
ازدادت ضربات قلبها عندما وجدت أنظار الجميع تلتفت اليها .. لمحت نظرات التعالى فى عين "ثريا" وهى تفحصها من رأسها الى أخمص قدميها .. أما "ايناس" فكانت نظراتها تتسم بالحقد والغيرة .. كانت "ايناس" متحررة فى ملبسها .. وفى وضع الزينة .. لكن "ياسمين" تفوقت عليها بحسن اختيارها لما يناسب لون بشرتها وطبيعة جسدها .. فلم تفعل مثل "ايناس" وتحاول تغيير لون بشرتها بإضافة المزيد من مستحضرات التجميل والتى جعلتها تبدو كتمثال صب من الشمع فبدت مصطنعه الى حد كبير .. بل زينت ماهى عليه بالفعل .. فبدت أكثر رقة وأكثر شفافية وأكثر جمالاً ..
أما نظرات "كريمه" فكانت تتسم بالفرح والاعجاب والحنان .. لكم تعشق تلك المرأة الحنون الطيبة .. جلست ثم .. التفتت لتتطلع الى "عمر" .. خفق قلبها بجنون عندما ارتطمت بنظراته الشغوفة التى تتأملها بصمت .. شعرت بقلبها وكأنه سيقفز من مكانه .. ودت لو نهضت وارتمت بين ذراعيه
شعرت بالسعادة تسرى بداخلها وقد أيقنت بأنها أصابت عصفورين بحجر واحد ..
تعمد "عمر" طوال السهرة ألا ينظر اليها وألا يوليها أى انتباه .. ظلت تراقبه بطرف خفى .. اقترحت "كريمه" فجأة :
- "عمر" قوم ارقص مع "ياسمين"
توترت "ياسمين" .. لم ترد احراج "كريمه" .. لكنها قالت بخفوت :
- معلش يا ماما بس مش بسمع موسيقى
فقالت "ثريا" بحده :
- ليه بأه ان شاء الله .. رجز من عمل الشيطان
لم تجاريها "ياسمين" .. لأنها شعرت بأن المرأة تبغى شجاراً .. نهض "عمر" ومد يده الى "ياسمين" بصمت .. نظرت اليه أسلمت كفها له ونهضت معه .. سار بها قليلاً فقالت بصوت مضطرب :
- أنا مش بسمع موسيقى يا "عمر"
قال ببرود :
- محدش قال ان أنا هشغل موسيقى
أوقفها أمامه فقالت بدهشة :
- هنرقص من غير موسيقى ازاى
قال ببرود :
- نحاول .. أحسن من الحرب اللى كانت هتحصل من شوية بينك وبين عمتو
أخذ يتحرك بها يرقصان بحركات يتقنها "عمر" جيداً .. كان صوت نبضات قلبها عالياً يصم آذانها .. شعرت بالسعادة لقربها منه .. ظلت تنظر اليه .. لكنه بدا بعيداً عنها
نهضت "كريمه" بصحبه "ثريا" الى الداخل .. اقتربت منهما "ايناس" ووضعت يدها على ذراع "عمر" قائله :
- "عمر" تعالى نرقص سوا
شعرت "ياسمين" بالغضب والحنق والضيق ونظرت الى يدها الموضوعه على ذراع زوجها بنظرات نارية .. أبعد "عمر" ذراعه عن يدها قائلاً بهدوء :
- مش هينفع يا "ايناس"
شعرت "ايناس" بالضيق .. وعادت مرة أخرى الى مقعدها وهى تشتعل غضباً
نظرت له "ياسمين" هامسه :
- "عمر"
لم يجبها .. ولم يلتفت اليها
تطلعت اليه بعينين حزينتين قائله :
- طيب أعمل ايه عشان تسامحنى .. قولى أعمل ايه وأنا أعمل
ظل متمسكاً بصمته .. فشعرت بالألم يغزو قلبها .. التفتت لتجد "ايناس" تنظر اليها بشماته .. وقد بدأت "ايناس" تشعر بوجود خلاف بينها وبين "عمر" .. وانتبهت للوجوم البادى على وجه كل منهما .. تلاقت نظرات المرأتين فى تحدى صارخ .. تبادلتا نظرات نارية .. نظرات "ايناس" تقول : لن تملكيه أبداً لن يكون لكِ .. ونظرات "ياسمين" تقول : هو ملكى بالفعل وهو لى وحدى .. اشتعلت نظرات التحدى بينهما .. وفجـــأة .. لا تعلم "ياسمين" كيف أتتها الجرأة لتفعل ذلك .. لكنهــا .. نظرت الى "عمر" ألقت براسها فوق صدره .. أمام عيني "ايناس" التى ضاقت من الغضب .. وقامت فى عصبية لتغادر المكان
قال "عمر" بصوت خافت :
- ايه اللى انتى عملتيه ده
رفعت رأسها وقالت له بعند وثقه :
- انت بتاعى يا "عمر" .. مش هسمحلك تبعد عنى
قالت له هامسه :
- أنا اسفه .. سامحنى بأه
لم يقطعهما سوى صوت "كريمه" الآتى من الفيلا وهى تنادى على "عمر" .. همس اليها "عمر" وهو يوصب تجاهها نظرات حنونه :
- خليكي هنا .. هشوف ماما عايزة ايه وأرجعلك
ابتسمت له و أومأت برأسها .. بدا وكأنه لا يريد مفارقتها .. وقفت "ياسمين" تنتظره وقد وضعت يدها على قلبها وارتسمت ابتسامه على ثغرها .. فجأة شعرت بمن يطوقها بذراعه من الخلف ويضع كفه على فمها .. حاولت التخلص منه فلم تستطع .. حاولت الصراخ .. فجاء صراخها مكتوما .. شعرت بأنه يجرها فى اتجاه سور الحديقه التفتت اليه وهى تحاول التخلص منه لتفاجأ بوجه "مصطفى" .. نظر اليها بعينين تشعان كرهاً وقال :
- حياتى قصاد حياتك يا ياسمين .. انتى اللى عملتى كده فى نفسك .. لو مكنتيش هربتى منى مكنش ده كله حصل
حاولت التحرر منه لكنه كان يطبق عليها بقوة .. فجأة صرخ من الألم عندما تمكنت من عض يده التى تكمم فمها حتى سال الدم منها .. أفلتت منه وأخذت تجرى فى اتجاه الفيلا وهى تصرخ :
- "عمر" .. "عمر" الحقنى
جرى "عمر" فى اتجاهها وتلقاها بين ذراعيه باكيه وهى تشير الى اتجاه السور وتقول :
- "مصطفى" .. "مصطفى" هنا
جرى "عمر" فى الاتجاه الذى أشارت منه "ياسمين" .. أسرع "مصطفى" بالجرى وتسلق سور الفيلا وقفز من فوقه الى الجانب الآخر بسرعة .. لم ينتبه الى تلك الدراجة النارية التى أتت فى اتجاهه وتسير بسرعة جنونية .. ارتطمت به لتدفعه بقوة عدة أمتار قبل أن يسقط على الأرض والدماء تنفجر من رأسه التى ارتطمت بالأرض بشدة .. ليسقط جثة هامدة.
*******************************
رحلت الشرطة بعدما أخذوا أقوال "ياسمين" التى بدت مضطربة للغاية .. جلست "ياسمين" على احدى الأرائك وهى مازالت لا تستطيع ايقاف رجفة جسدها .. جلس "عمر" بجوارها ولف ذراعيه حولها وقبل رأسها .. قالت "كريمه" بأسى :
- آدى آخرة الظلم .. ضيع حياته على الفاضى .. هيقابل ربنا يقوله ايه دلوقتى
قالت "ثريا" بضيق :
- كان ملنا ومال المشاكل دى .. ما كنا فى حالنا
نظر اليها "عمر" بحده .. وجذب "ياسمين" من يدها واستأذن من الجميع وصعدا الى غرفتهما .. ألقت "ياسمين" بنفسها فى حضنه وطوقت رقبته بذراعيها بشدة .. أحاطتها بذراعيه وطمأنها قائلاً :
- خلاص يا "ياسمين" .. متخفيش
قالت بصوت مرتجف :
- خفت أوى لما شوفته .. ولما كتفنى .. معرفش كان ناوى يموتنى ولا كان ناوى يعمل ايه
قال "عمر" بحنان :
- خلاص انسى متفكريش فى الموضوع ده تانى .. خلاص مات ومعدش هيقدر يأذيكي تانى
جذبها "عمر" قائلاً :
- يلا نامى انتى .. وأنا هروح أشوف الثغرة اللى فى السور اللى عرف يدخل منها .. عشان أأمنها وميحصلش حاجة زى كده تانى
قالت بلهفه :
- لازم تروح دلوقتى
- أيوة معلش .. عشان أبقى مطمن
أومأت برأسها ..خرج .. دخلت الى الفراش وقد شعرت بأنها مرهقة للغاية .. حاولت السهر لتنتظره لكنها لشدة تعبها استسلمت لنوم عميق
***********************
فى اليوم التالى زارتها أختها للإطمئنان عليها .. كانت "ياسمين" أفضل حالاً .. قالت "ريهام" :
- سبحان الله فى ناس كده بتعيش مؤذية وتموت مؤذية
قالت "ياسمين" بخفوت :
- ربنا يرحمه بأه ويغفرله
- الحمد لله ان ربنا حماكى امبارح ونجاكى منه
- الحمد لله
رحلت "ريهام" بعدما اطمئنت على أختها .. جاءت الخادمة لتخبر "ياسمين" أن هناك من يتصل بها على تليفون المنزل .. استغربت بشدة .. فمن يعرفها سيقوم باللإتصال بها على الموبايل مباشرة .. كمان أنها لم تعطى أحداً تليفون المنزل بل هى نفسها لا تعرفه .. أخذت الهاتف من الخادمة .. كانت تقف فى الردهة الواسعة بالأسفل .. قالت بإستغراب :
- السلام عليكم
أتاها صوت انثوى :
- هاى .. انتى "ياسمين"
- أيوة أنا .. مين حضرتك
- أنا "نانسي" .. خطيبة "عمر"
شعرت "ياسمين" بمزيج من الدهشة والغيظ .. فهى ليست خطيبته بل خطيبته السابقة .. قالت "ياسمين" ببرود :
- أفندم .. حضرتك عايزانى فى ايه
قالت "نانسي" بغِل :
- عايزة بس أقولك حاجه يا مدام "ياسمين" .. اذا كنتى فاكره ان "عمر" نسانى تبقى غلطانه .. عمر مستحيل ينسانى انتى متعرفيش ايه اللى حصل بينى وبينه فى بيت المزرعة
صمتت "ياسمين" للحظة ثم قالت بغضب :
- مسمحلكيش تتكلمى عن جوزى بالطريقة دى
حاولت "نانسي" بث سمومها مرة أخرى فقالت :
- حتى لو قولتلك انى عندى دليل على اللى أنا بقوله
قالت "ياسمين" بثقه وبدون تردد :
- أنا واثقة فى جوزى جداً وفى أخلاقه .. وميهمنيش الدليل اللى بتقولى انه معاكى لانى مستحيل أصدقك .. حتى لو "عمر" قالى الكلام ده بنفسه مش هصدقه .. لو سمحتى متتصليش ببيتي تانى .. يا إما هعملك مشاكل انتى مش قدها
قالت ذلك وأنهت المكالمة وهى تشعر بالحنق .. وقفت تستعيد هدوءها للحظات .. ثــم .. التفتت لتجد "عمر" فى مواجهتها .. تبادلا نظرة طويلة صامته .. كانت ملامحه خاليه من أى تعبير ولم تستطع فهم نظرته .. قال:
- مين اللى كان بيتكلم
قالت بصوت خافت :
- "نانسي"
- قالتلك ايه
ابتلعت ريقها قائله :
- كانت بتحاول تقنعنى ان فى حاجه حصلت بينكم فى بيت المزرعة
نظر اليها قليلاً .. ولكن بصمت .. ثــم تركها ودخل مكتبه حيث كان ينتظره والده فى الداخل .. اندمجا معاً فى العمل .. وقضت "ياسمين" يومها بصحبة "كريمة" .. كانت "ياسمين" تفكر فى مشكلتها مع "عمر" .. ترى هل سيسامحها يوماً .. هل سيلغى فكرة الطلاق من رأسه أم مازال مصر عليها .. كانت حائرة مشتتة .. لكنها لم تخبر "كريمة" أو أختها أو حتى "سماح" لوجود مشكلة بينها وبين "عمر" .. فى المساء بعد العشاء استأذنت "ياسمين" وقالت أنها متعبة وتريد النوم .. قالت "كريمة" :
- هتنامى بدرى كده .. مش عادتك
قال "نور" بإهتمام :
- تعبانه ولا حاجه يا "ياسمين"
قالت بسرعة :
- لا يا عمو أنا كويسة بس حسه انى عايزة أريح شويه
قالت "كريمه" بحنان :
- طيب يا حبيبتى تصبحى على خير
- تصبحى على خير
قبل أن تغادر ألقت نظرة على "عمر" الجالس فى مكانه والذى بدا عليه الضيق لكنه لم يعيرها أى انتباه .. بعد ساعتين .. صعد "عمر" الى غرفتهما .. لم يجدها بالداخل وسمع صوتاُ فى الحمام .. توجه الى الشرفة وفتحها ووقف فيها .. فجأة شعر بحركة خلفه .. استدار لتتسع عيناه من الدهشة .. أسند ظهره الى السور .. كانت "ياسمين" ترتدى فستان زفافها .. وهى بكامل زينتها .. كانت تبدور كأميرة .. بل كملكة متوجة .. أحسنت وضع زينتها .. فكانت فى أبهى صورة .. وقفت على باب الشرفة .. تطلع اليها "عمر" وعيناه تلمعان اعجاباً وانبهاراً .. لكنه بقى صامتاً كما هو ... لم يوجه اليها كلمة .. ولم يقترب منها .. أتعبها هذا الصمت الذى طال .. فإقتربت وقفت على بعد خطوتين منه .. قطعت هذا الصمت وهى تتطلع اليه قائله :
- أنا آسفة يا "عمر" .. عارفه انك زعلان منى أوى .. بس أنا آسفة
قطع صمته وقال بهدوء :
- أنا مش زعلان منك يا "ياسمين" .. أنا مجروح منك
نظرت اليه برجاء وقالت :
- انت قولتلى انى مكنتش صريحة معاك وده صح فعلا .. وقولتلى انى مكنتش واثقة فيك وده صح فعلا انا مكنتش بثق فيك زى ما أنا بثق دلوقتى .. بس انت قولتلى انى محبتكش .. انت غلطان يا "عمر" ..
ثم قالت بصوت متهدج :
- انا بحبك أوى يا "عمر" .. ازاى مش حاسس بيا
قال بهدوء وهو مازال بعيداً عنها :
- انا مشفتش منك حاجه تدل على الحب ده يا "ياسمين" .. أنا اللى كنت طول الوقت بقربلك وانتى اللى كنتى بتبعدى
نظرت اليه بألم وقالت :
- آسفة بجد .. اتصرفت غلط .. سامحنى بأه يا "عمر"
اقتربت منه خطوة ونظرت الى فستانها وتطلعت الى عينيه قائله بهمس :
- "عمر" .. أنا أول مرة ألبس فستان فرح .. أنا لابساه عشانك انت .. عشان انا عروستك
قال بدهشة :
- يعنى ملبستيش فستان فرح قبل كده
- لأ
- ليه ؟
- مكنتش حسه انى عايزة ألبسه
لانت ملامحه قليلاً وهو يتطلع اليها .. فعلمت أنها حققت هدفاً .. اقتربت منه أكثر وتطلعت اليه بحب قائله :
- متقنعنيش انك معدتش بتحبني لانى مش ممكن أصدق
لم يستطع الاستمرار فى غضبه منها .. والذى تبدد بالفعل .. ارتسمت ابتسامه واسعه على شفتيه .. فابتسمت له بسعادة وهى تتطلع الى عينيه التى لم تفارق عينيها لحظه
بدأ حياتهما وقد تعاهدا على المصارحة فى كل امور حياتهما
______________________________
فى صباح اليوم التالى أيقظها "عمر" بطريقته الخاصه .. ثم تركها وفتح الدولاب وأخرج منه علبة قطيفه وعاد الى جوارها .. ألبسها شبكتها ودبلها وألبسته دبلته .. ضحكت قائله :
- أول مرة فى حياتى أشوف عروسة بتلبس شبكتها فى السرير
- الحفلة بعد تلت أيام ان شاء الله .. لو تحبي ألبسهالك تانى فى الحفلة مفيش مشكلة
ابتسمت قائله :
- لأ هتكسف تلبسهالى أدام الناس دى كلها .. وبعدين انت خلاص لبستهالى
لمس السلسلة التى لا تخلعها من رقبتها أبداً وقال :
- أيوة كده خليكي لبساها على طول .. مش عايزك تقلعيها خالص
قالت بدلال :
- حاضر يا حبيبى
مسح بيده على شعرها وهو ينظر اليها بحنان قائلاً :
- ليه ما قولتليش
نظرت اليه وقد فهمت ما يرمى اليه فابتسمت .. فضمها الى صدره فى حنان
**************************
حضرت عمته .. فنزل "عمر" و "ياسمين" التى كانت تبدو مختلفة .. فرحة سعيدة .. مبتهجة .. كانا يشبكان أصابعهما ببعضها البعض .. ألقت عليهما "ايناس" نظرة حقود ثم أشاحت بوجهها فى عصبيه .. أيضاً "ثريا" كانت ترمقهما بنظرات غير مريحة .. قالت "ثريا" ساخرة :
- ايه عروستك وخداك مننا ولا ايه
تنهدت "ياسمين" فى ضيق فقال "عمر" :
- ايه لزمته الكلام ده يا عمتو .. ما انا معاكوا أهو
التفتت اليها "ثريا" وقالت بنبرة ساخرة :
- اللى يشوف كدة يقول عروسه جديده
احمرت وجنتاها خجلاً وغضباً فى آن واحد .. قال "عمر" بتحدى :
- هى فعلاً عروسة جديدة
نظرت اليه "ثريا" قائله :
- آه عروسه فرز تانى
كادت "ياسمين" أن تغادر .. لكن "عمر" أوقفها ولف ذراعيه حولها وقربها منه .. ثم نظر الى عمته قائلاً بتحدى :
- يعني ايه فرز تانى
- يعني يا حبيبى كانت متجوزة قبل كده ..
قال "عمر" بحزم :
- لأ مكنتش متجوزة قبل كده
رفعت "ياسمين" نظرها الى "عمر" قائله :
- "عمر" خلاص
حاولت التحرر من بين ذراعيه لكنه أطبق عليها بشدة وقال لعمته :
- الأولانى ده ملمسهاش .. يعني "ياسمين" كانت بكر لما اتجوزتها
نظرت اليه عمته بدهشة وقد ألجم لسانها .. أما "ايناس" فقد شعرت بحقد فوق حقد .. فأكمل "عمر" بصوت هادر :
- يعني مفيش داعى لكلامك وتلميحاتك كل شوية .. هى متفرقش حاجه عن أى بنت تانية بتتجوز لأول مرة .. لأ مش بس كده .. هى أفضل من بنات كتير أوى بتتجوز لأول مرة .. مراتى مش زى أى بنت .. هى بنت غالية أوى وعالية أوى وقيمتها عندى كبيرة أوى .. لانها عاشت طول عمرها تحافظ على نفسها من مجرد لمسة ايد ممكن تغضب ربنا .. عاشت وهى بتبص للحلال والحرام وتميز بينهم .. حافظت على نفسها لجوزها وبس .. وأنا معرفتش ان ربنا بيحبنى الا بعد ما رزقنى بيها .. لان الطيبون للطيبات .. ومش عايز الموضوع ده يتفتح تانى أبداً
ابتسمت "كريمه" التى كانت تشفق على "ياسمين" من معاملة "ثريا" .. شعرت "ياسمين" بالسعادة ودمعت عيناها فرحاً وهى ترى زوجها .. يرفع من شأنها أمام أهله .. ويتحدث عنها بتلك الطريقة .. لم تبالى بنظرات أحد وألقت برأسها على صدره .. قبل "عمر" رأسها ومسح على شعرها .. فقامت "ايناس" لتغادر مع "ثريا" التى تعللت بأن لديها بعض الأعمال الهامة .. وما هى الا حجه بعدما أفلست وألجم لسانها ولم تجد ما تقوله من كلمات
**************************
أتى يوم الحفل .. فى صباح اليوم .. بدا الجميع مهتماً بتفاصيل اعداد الحفل .. كانت "ياسمين" مع "ثريا" و "ريهام" فى غرفة المعيشة يتناقشون حول بعض تفاصيل الحفل .. عندما أتى "عمر" قائلاً :
- "ياسمين" .. فين البدلة بتاعتى ؟
التفتت اليه قائله :
- فى الدولاب يا "عمر"
- لأ .. تعالى شوفيها
قالت بدهشة :
- أنا واثقه انها فى الدولاب
قال بإصرار :
- طيب تعالى شوفيهالى
صعدا معاً الى غرفتهما وكادت أن تتجه الى الدولاب لكنها أوقفها وأطبق ذراعيه حولها قائلاً :
- وحشتيني
ابتسمت قائله :
- كنت بتستدرجنى يعني
ابتسم بخبث ومرح وقال :
- أيوة الله ينور عليكي .. كنت بستدرجك .. ودلوقتى انتى وقعتى أسيرة فى ايدي
ابتسمت بسعاده ... و ... بعده فترة .. قالت :
- ممكن ننزل بأه ماما "كريمه" على أعصابها من امبارح
ابتسم وقبلها قائلاً :
- ماشى يلا ننزل .. أنا عارف ماما وقت ما بيكون فى حفلة .. طول عمرها دقيقة وبتحب كل حاجة تكون مظبوطه
بعد ساعة خرجا معاً الى غرفتها وهما ينزلان على الدرج أوقفها قائلاً :
- بقولك ايه متيجي نهرب من الحفلة دى .. وأخدك ونطلع على المزرعة
قالت بجديه وهى تحاول أن تبتعد عنه :
- "عمر" ماما "كريمه" زمانها على نار .. اتصلت بينا أكتر من مرة يلا انزل
تركها على مضض قائلاً :
- يلا انزلى روحى لماما "كريمه" بتاعتك ابقى خليها تنفعك
قالت "كريمه" وهى تصعد الدرج :
- آه ما شاء الله انتوا الاتنين واقفين تتسايروا مع بعض .. وأنا ملبوخه لوحدى تحت .. يلا يا "عمر" شوف الناس اللى بيظبطوا الترابيزات والزينه بره .. وانتى يا "ياسمين" يلا تعالى معايا عايزاكى
نزلت "ياسمين" معها واندمج كل فى عمله .. فى المساء خرج الحفل بشكل رائع .. حضر جميع أصدقاء ومعارف العائله .. وتعرفت عليهم "ياسمين" .. أحبت البعض وتحفظت تجاه البعض .. وشعرت بسعادة غامرة عندما رفض "عمر" بأدب أن يسلم على النساء فى الحفل بيده .. وأجاب بطريقه مرحه :
- معلش أصل المدام بتغير
كانت واقفه تتحدث الى احدى السيدات .. عندما اقترب منها "عمر" فابتسمت المرأة وقالت لـ "عمر" :
- ازيك يا "عمر" .. ألف ألف مبروك عروستك عسوله أوى
ابتسم "عمر" قائلاً :
- الله يبارك فى حضرتك
استأذن "عمر" وجذب "ياسمين" من يدها .. قال وهو ينظر ليها بحنان :
- أنا النهارده حاسس بفرحه غير عاديه
ابتسمت قائله :
- اشمعنى النهاردة
قال وهو ينظر اليها بحب :
- عشان ايدي فى ايد مراتى أدام الناس كلها
توقف قائلاً بحنان :
- انا بحبك أوى يا "ياسمين" .. انتى غيرتى فيا حاجات كتير .. غيرتيها للأحسن .. أنا بجد كنت محتاج لوجودك فى حياتى أوى
ابتسمت قائله :
- أنا كمان كنت محتاجة وجودك فى حياتى أوى يا "عمر"
نظرا بحب وشوق الى بعضهما البعض وابتسما وكل منهما يشبك أصابعه بأصابع الآخر.. وكأنه لا يريد أن يفارقه أبداً.
*************************
بعد سبعة أشهر ...
استيقظت "ياسمين" وأيقظت "عمر" قائله :
- "عمر" الحقنى .. "عمر"
استيقظ فرعاً وقال :
- فى ايه
قالت وهى تتألم :
- بسرعة يا "عمر" شكلى بولد
هب "عمر" واقفاً وأحضر ملابسها سريعا وصراخها يتعالى .. ألبسها بسرعة وقال :
- متخفيش يا حبيبتى متخفيش
قالت وهى تتألم بشدة :
- مش قادرة يا "عمر" .. مش قادرة
حملها وخرج بها مسرعاً وقال :
- قولتلك بلاش نروح المزرعة دلوقتى انتى اللى اصريتي
قالت وهى وسط صرخاتها المتألمه :
- وأنا كنت أعرف يعني انى هولد فى السابع
جرى "بها "عمر" وأدخلها السيارة وانطلق بها الى المستشفى .. تعالت صرخاتها فقالت الطبيبة بعد فحصها :
- لسه شوية
فقال "عمر" وهو ينظر الى زوجته بأسى :
- مينفعش تديها حاجه تخفف الألم شوية
التفتت له قائله ببرود :
- متقلقش كل ده طبيعى وأنا أفضل انها متاخدش حاجه
قالت "ياسمين" بغيظ وهى تصرخ :
- أنا أفضل آخد .. هو أنا اللى هولد ولا انتى
خرجت الطبيبة وهى تعطى تعليماتها للمرضة .. التفتت "ياسمين" الى "عمر" قائله بغضب :
- انت السبب .. انت اللى عملت فيا كده
ضحك قائلاً :
- هو انا غصبتك على حاجه ما كله كان برضاكى يا "ياسمين"
ضحكت الممرضة مرة أخرى .. فنظرت اليها "ياسمين" نظرة قاتله فخرجت فوراً من الغرفة .. اقترب "عمر" منها وجلس بجوارها وأمسك بيدها .. ووضعه يده الأخرى على رأسها وظل يقرأ ما حفظه فى الشهور الماضية من القرآن
بعد نصف ساعة فى غرفة العمليات سمع أصوات الرضيعه .. خرجت الممرضة تعطيها له وهى تلفها .. حملها بين ذراعيه ونظر اليها .. خفق قلبه بشدة واغرورقت عيناه بالدموع .. أمسك كفها الصغير بأصابعها الصغيره الرقيقة وطبع عدة قبلات حانيه عليها .. وأذن فى أذنها .. وقبل جبينها .. ثم التفت الى الممرضة وسألها بلهفه :
- "ياسمين" كويسة
ابتسمت تطمئنه :
- أيوة كويسة شوية وهتخرج
اجتمع الجميع فى المستشفى وحضرت "ريهام" و "كرم" .. و "سماح" و"أيمن" وابنهما الرضيع "مازن" .. و"كريمة" و "نور" .. كانت سعادة الجميع غامرة بتلك الصغيره التى تبادلوا حملها فى سعاده .. اقتربت "ريهام" من "ياسمين" قائله :
- "ياسمين" هى الولادة دى حاجه صعبه
نظرت "ياسمين" الى "سماح" قائله :
-اسألى "سماح"
ضحكت "سماح" وقالت :
- لا بلاش أنا بالذات .. أنا فضحت الدنيا يوم ولادتى
قالت "ريهام" بقلق :
- انتوا هتقلقونى ليه بأه
وضعت "سماح" يدهل على بطن "ريهام" المنتفخة قليلا وقالت :
- انتى لسه بدرى عليكي .. متقلقيش نفسك من دلوقتى
هتفت "ريهام" :
- ده انا هموت من القلق .. وانتوا بترعبونى اكتر
قالت "ياسمين" ضاحكة وهى تغمز لـ "سماح" :
- لأ متخافيش .. ده زى شكت الدبوس بالظبط
كتمت "سماح" ضحكتها وقالت :
- آه صح .. شكت دبوس
وقف الأصدقاء الثلاثة معاً فى الخارج .. قال "كرم" الذى يحمل الصغيرة :
- دى صغيره أوى يا "عمر" .. ده أنا حتى خايف أشيلها
ضحك "عمر" قائلاً :
- معلش بكرة تكبر يا "كرم"
ابتسم "أيمن" قائلاً :
- يلا عقبالك انت كمان .. ربنا يرزقك ببنوته زيها
هتف "كرم" :
- لا أنا مش عايز بنات .. كفايه عليا واحدة فى البيت .. اذا كان واحدة ومطلعة عيني .. مش هقدر انا على اتنين حريم فى البيت .. أنا عايز ولد عشان نبقى اغلبيه ساحقه و "ريهام" تحس انها أقليه
ضحك "أيمن" و "عمر" الذى قال :
- أغلبيه ايه واقليه ايه يا ابنى هو برلمان
قال "كرم" بمرح :
- ما انتوا متعرفوش اللى بيحصل فى صاحبكوا .. أنا قولت من الأول مالى ومال الجواز
قالت له "ريهام" الواقفه خلفه :
- بتقول حاجه يا "كرم"
التفت اليها بسرعة قائلاً :
- كنت بقول ل "عمر" و "أيمن" .. ما أحلى الجواااااز .. نعيم نعيم نعيم
رفعت حاجبها قائله :
- آه .. ماشى
رحل الجميع الى بيت المزرعة .. وعاد "أيمن" و "سماح" وابنهما الى بيتهم
دخل "كرم" و "ريهام" الى احدى الغرف ببيت المزرعة .. وقفت "ريهام" تغير ملابسها فاقترب منها "كرم" التفتت اليه قائله :
- مخصماك على فكرة
ابتسم قائلاً :
- ليه يا حبيبتى
قالت بدلع :
- عشان اللى قولته لصحابك فى المستشفى .. ماشى يا "كرم" مكنتش أعرف انك ندمان على جوازك منى بالشكل ده
لفها اليه ونظر فى عينيها قائلاً :
- انتى مجنونة .. أنا اندم انى اتجوزتك .. ده انتى حب حياتى .. ده انتى كل حاجة حلوة فى حياتى يا "ريهام"
ابتسمت قائله :
- بجد يا "كرم"
- بجد يا حبيبة قلب "كرم" "ريهام"
ابتسمت له وتلاقت أعينها فى سعادة .
جلس "عمر" بجوار "ياسمين" على السرير وابتسم وهو يراها ترضع الصغيره وقال :
- مش قادرة أصدق .. القمر دى تبقى بنتى
ابتسمت "ياسمين" قائله :
- أموره أوى صح .. وصغنونه أوى
أمسك "عمر" أصابعها الصغيره ولفهم على اصبعه وقبلها .. التفت الى "ياسمين" وقبل رأسها قائلاً :
- ربنا يخليكوا ليا انتوا الاتنين وتفضلوا منورين حياتى على طول
نظرت اليه "ياسمين" قائله :
- هنسميها ايه .. أنا احترت .. لسه ما استقرناش على اسم
قال "عمر" :
- لأ أنا خلاص اخترت اسمها
- ايه هو ؟
نظر اليها بشك قائلاً :
- خايف ميعجبكيش
ابتسمت وقالت :
- طالما انت اللى اخترته يا "عمر" أكيد هيعجبنى
نظر فى عينيها قائلاً :
- نفسي أسميها "عائشة"
نظرت اليه :
- اشمعنى "عائشة"
نظر الى الصغيرة وهو يمسح وجهها بأصابعه وقال :
- على اسم أم المؤمنين عائشة .. لما قرأت عنها حبيتها أوى .. وحبيت انى أسمى بنتي بإسمها
ثم نظر الى "ياسمين" وقال :
- عجبك ؟
انحن لتطبع قبلة على وجنته وقالت :
- طبعاً عجبنى
نظر "عمر" اليها قائلاً :
- انت عمرى يا "ياسمين" .. ربنا يقدرنى وأحافظ عليكوا انتوا الاتنين
قالت بحنان :
- بحبك أوى يا أحن "عمر" فى الدنيا
ابتسمت ونظرت الى زوجها وابنتها بسعادة .. لم تنسى أن تحمد الله على ما رزقها .. وعلى ما عوضها به عن كل ما قاست فى حياتها فكان جزاء صبرها تلك السعادة التى بين يديها .. ودعت لوالديها بالرحمة والمغفرة .. نظر "عمر" الى ابنته الصغيره والى زوجته .. وقبل جبين كل منهما ولف ذراعيه حولهما وهو يعاهد الله عز وجل على أن يحافظ على تلك الأمانة التى ائتمنه عليها .. تبادلا نظرات صامته تشى بحب كل منهما للآخر وتمسك كل منهما بالآخر .. ورغبة كل منهما فى اسعاد الآخر .. والتقت العيون لتمضى عهداً بالحب والمودة والرحمة والتسامح والمشاركة .. طــوال العمــــر