ـ أخيرا يا “ناردين”! أنتِ فين؟
اعتذرت منها، كان لازم أقفل موبايلي علشان الدرس، قلت بقلق:
ـ أنتم اللي فين؟ مفيش حد في الشقة ليه؟
ـ “سارة” يا ستي، كانت بتلعب على السلم راحت أخدته شقلبة وكسرت رجلها، احنا في المستشفى دلوقتي، هاخدها وهنرجع، بس هاتي فلوس وتعالي علشان اللي معانا مش هيكمل المواصلات.
ـ استنوني أنا جاية لكم.
قلت كدا وأخدت شنطة كتفي من تاني وطلعت، حطيت فيها الموبايل ورحت المستشفى، كانت “سارة” موجودة على سرير وأول ما وصلت لها ضربتها على كتفها بضيق:
ـ قالقاني عليكِ طول الطريق، قاعدة زي العيال بتلعبي على السلم؟ شفتِ آخرتها ايه؟
كانت عارفة إنها غلطانة فقالت باستنكار:
ـ معلش بقى، بعدين دا بدل ما تقولي لي جات سليمة؟
ابتسمت بدون وعي وضربتها على كتفها بخفة تاني:
ـ طبعا فداكِ كل حاجة، هو احنا عندنا كام “سارة” يعني؟
ـ آه آه.. جسمي كله بيوجعني، ماتلمسينيش تاني.
حركت راسي بيأس وبعدين أخدتها أنا و”آلاء” علشان نروّح.
بعد ما وصلنا الشقة دخلناها الأوضة، وأنا ما صدقت.. غيرت هدومي من التراب، من الصبح وأنا عمالة بلفّ لخد ما رجلي وِرمت.
نمت.. وأنا مستعدة ليوم جديد!
رحت الكافيه خلصت شغلي، وبعد كدا على الامتحان، بشكر ربنا إني بذاكر كتير فالمراجعة بقت بالنسبة لي سهلة!
وبعد خروجي من الامتخان كانت وجهتي التانية.. “بسملة”.. وباباها اللي نسيت اسمُه! كان موجود على الإيميل.
فتحت موبايلي أشوف اسمه، كان مكتوب بالإنجليزي، “موسى”، الاسم كان لطيف، وبالفعل بحسّ شخصيته قوية برغم هدوءه.
صرفت نظري عنه ووصلت الشقة بتاعتهم، خبطت راحت فتحت لي أم عاطف وبعد ما سلمت عليها وقعدت قالت:
ـ الأستاذ “موسى” راح على شغله بدري النهاردة، ادخلي هناك “بسملة” في أوضتها.
دخلت لـ”بسملة”، كانت قاعدة زي امبارح بتقرأ في كتاب ومشغولة، ضحكت وحطيت إيدي على كتفها علشان تنتبه لي، اتفزعت فجأة.. لفت لي وهي بتضحك لما شافتني رُحت غمزت لها.. كتبت لها على الورقة:
ـ عاوزة تتعلمي ايه النهاردة؟
ماصدقتش نفسي لما لقيتها مطلعة ورقة فيها قايمة الحاجات اللي عاوزة تتعلمها، وأول كلمة في القايمة:
ـ ماما؟
ابتسمت لها، وكتبت لها:
ـ قعدتِ طول الليل تكتبي فيهم؟
حركت راسها بالإيجاب، وبعدين كتبت لي بفضول:
ـ وأنتِ قرأتِ الرواية؟
ابتسمت بخبث، نقطة تانية ممكن أكسبها لصالحي، كتبت لها:
ـ قرأت شوية، تيجي نتناقش فيها بلغة الإشارة؟
كتبت لي بعدم فهم:
ـ بس أنا مابفهمش فيها كتير!
رحت رديت عليها:
ـ علشان كدا هنتناقش فيها ونمارس اللغة شوية، يلا هبدأ، وأنتِ خمني اللي قلته من الكتاب اللي جبته لك.
كنت جايبة لها كتاب فيه كل حركة تخص لغة الإشارة، وهي فتحته بفضول وبصت فيه، ولاحظت إنه سرق عينيها وعمّالة تتعلم منه.
وقفت قدامها وبدأت أحرك ايدي بحركات معينة، وهي بتبص للكتاب وبعدين بتقلدني، حاولت تفهم المعنى بس مش قادرة تجيب كل الحركات من الكتاب.. رحت كتبت لها المعنى على الورقة:
ـ البداية كانت مشوقة، رغم إني مش من محبِّي الروايات الخيالية.
بصيت له بضحكة انتصار إن الرواية عجبتني، وقعدنا نتكلم عنها وهي تحرق لي في أحداثها، وعلمتها كل كلمة كانت في قايمتها.
عدِّت أيام كتير يمكن وصلنا لعشرة أيام من بداية الدرس، في اليوم دا كانت أم عاطف قاعدة معانا وهي بتتعلم بعض الحركات، علشان تتواصل مع “بسملة” بعد كدا بيها.
معداش وقت كتير لقينا الأستاذ “موسى” داخل علينا، وقفنا كلنا وهو سلّم علينا، بعد كدا بص لأم عاطف:
ـ أنا جبت العَشاء من برة النهاردة علشان ماتعبكيش، هتلاقيه في المطبخ.
قالت له وهي بتمثل الضيق:
ـ شكلك زهقت من أكلي يا أستاذ “موسى” ولا ايه؟
ابتسم لها وقال:
ـ لا عاش ولا كان اللي يزهق من أكلك، أنا عملت كدا علشان راحتك بس يا ست الكل.
اتثبتت بالكلمتين وطلعت وهي بتضحك، وهو قعد جنب بنته “بسملة”، كتب لها:
ـ عاملة ايه النهاردة؟
بدل ما ترد عليه في الورقة حرَّكت إيديها وهي بتكلمه بلغة الإشارة، وهو مافهمش، بس يتمنى إنه يفهم، ساعتها ابتسمت وقلت له:
ـ لو عاوز تتواصل معاها يبقى لازم برضه تتعلم اللغة، تحب أقول لك هي قالت ايه؟
استغرب وسأل:
ـ قالت ايه؟
كتمت ضحكتي لما لقيتها عمّالة تحرّك إيديها بضيق وبتكلمه وقلت وأنا بكتم ضحكتي قدامه:
ـ الأحسن حضرتك ماتعرفش.
بص لها وهو بيقول بيمثل الاستياء:
ـ اوعي تكوني بتشتميني ولا حاجة من دي!
في اللحظة دي قمت لما لقيتها بتضحك معاه، وقلت بهدوء وأنا بلمّ حاجتي:
ـ للأسف هضطر أمشي دلوقتي، علشان ورايا مشوار طويل.
حركت إيدي لـ”بسملة” علشان تفهمني، فلقيتها قربت بسرعة وهي ماسكاني وبتقول لي ماتمشيش، وهو لقيته بيقول بهدوء:
ـ أنا مقدّر كل اللي عملتيه لحد اللحظة دي وممتن جدا إنك بتعلميها، وعلى الأقل اقعدي اتعشي معانا النهاردة، يمكن أردّ شوية من الجميل.
نفيت بكل قوتي:
ـ مستحيل دا مش جميل ولا حاجة، أنا حبيت صحبتها واتآنست بيها، بس آسفة مش هقدر أفضل أكتر من كدا، لازم ألحق المواصلات.
حرّك حراجبه باستفهام وقال وهو بيضيق عينيه:
ـ أنتِ عايشة فين؟
قلت له المكان فراح قال بهدوء وهو بيبتسم:
ـ خلاص هنبقى أنا و”بسملة” نوصلك بعد العَشاء.
اتفاجئت وماعرفتش أقول ايه، حاولت أرفض وأمشي بس كان مُصرّ على رأيه، وأنا كنت مرتبكة، ماقعدتش في وجوده طول الوقت دا، ودايما عندي خوف من الرجالة بعد كل اللي شوفته وأنا بروح كل يوم بالليل، ناس كتير اتكلمت عني وحش.. ولا زالوا.
فضلت معاهم على العَشاء، خلصت بسرعة وقمت، وهو خلص وقام هو و”بسملة” اللي لبست هدوم الخروج، وبدأنا نتحرك لبرة.
مش هكدب لو قلت إن عربيته فخمة، شبه اللي كنت شايفاها مع “سارة” و”آلاء” عند المطعم قبل كدا، بصيت لرقم العربية.. اتفاجئت لما لقتها هي نفسها، بس سكتت بعد ما هو ركب.
ركبت أنا و”بسملة” ورَا وهو فضل قدام، مش هنكر إني خايفة دلوقتي، بس واثقة شوية علشان “بسملة” موجودة.
اتحركنا وعدّينا على طريق النيل، فضلت أبصّ للمراكب اللي معدّية واليخت اللي مضوّي بلون دهبي سرق قلبي، فضلت باصة لجمال النيل، واتمنيت إني أعيش هنا بعد ما أبني نَفسي وذاتي، وأبني.. عيلة.
في وسط ما احنا كنا ماشيين وهو كان سايق بإيده الشمال، وكانت العربية حديثة فإيده الشمال كانت تكفيه، على الأقلّ اتولد غني، ماكانش ينفع يعاني وإيده اليمين مش جنبه.
لاحظ من المراية إني ببص لإيده، راح بدأ الكلام فجأة وقال:
ـ خسرت إيدي في الحادثة اللي حصلت وكانت “بسملة” فيها، كانت حادثة عربيّة والنار في كل حتة، خسرت إيد.. بس كسبت بنتي.
يعني هو عمل
كدا علشان بنته؟ ضحى بنفسه ودخل وسط النار علشان يطلع بيها؟ تخيلت المشهد وقد ايه الموضوع فزعني، كنت هعمل نفس الشيء في سبيل إني أنقذ حد من عيلتي، حتى ولو كنت ماعرفهمش لحد الآن.
اتنهدت بضيق لما فكرت في الموضوع دا وحاولت أهدأ، أنا تأقلمت مع الوضع دا من زمن، فليه بفتح الجراح دلوقتي بالتفكير فيه؟
سمعت صوت ضرب فجأة، “موسى” وقف العربية بسرعة، ونزل يشوف ايه اللي حصل وهو بيتنفس بسرعة من القلق، نزلت جنبه أشوف فيه ايه، كانت بنت حدفت نفسها قدام العربية، قامت على رجليها بالعافية من ضربة العربية وهي بتقول بخوف وعمّالة تكرر:
ـ أخويا الحقوه، هيغرق ومش قادرة أرفعه!
“موسى” ماوقفش وراح وراها، كنت هروح وراهم بس لقيته بيقول بحزم:
ـ خليكِ جنب “بسملة” ماتسيبيهاش لوحدها.
فضلت واقفة جنب العربية وأنا هموت من الرعب، ازاي “موسى” بإيده الوحيدة هيقدر يرفعه؟ لوحده!
عدّت دقايق ماسمعتش فيها خبر، قلقت وأخدت مفاتيح العربية وقفلتها على “بسملة” اللي كانت نايمة، اتحركت للمكان اللي راحوا له.. وكانت صدمتي لما شفتهم بيحدفوه من المياه وفي ايديهم حاجته.. موبايله ومحفظته بكل حاجة.
دا.. دا بإيد واحدة!: هيقدر يعوم؟؟ والمكان اللي احنا فيه شبه مهجور! لما رحت عليهم بغضب لقيتهم هربوا، ماقدرتش أجري وراهم علشان كان هو بيعافر في المياه ومش عارف يطلع لحد ما اتجرف لتحت!!!
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!