الفصل 3 | من 7 فصل

الفصل الثالث

المشاهدات
12
كلمة
855
وقت القراءة
5 د
التقدم في الرواية 43%
حجم الخط: 18

رواية ندبة الجزء الثالث 3 بقلم رحمة محسن ندبةرواية ندبة الحلقة الثالثة بين قلبين مرّت الأيام، وأصبحت رسائل يامن جزءًا ثابتًا من تفاصيل حياة يارا، كأنها عادة صغيرة لم تعد تستطيع الاستغناء عنها، تستيقظ صباحًا فتجد رسالة منه تتمنى لها يومًا هادئًا، وتنام ليلًا على كلماته التي تتسلل إلى قلبها برفقٍ لم تعتده

لم يكن بينهما لقاء، ولا صور كثيرة، ولا وعود واضحة، ومع ذلك كان شيء خفي ينمو بصمت بينهما، كزهرة شقت طريقها وسط أرضٍ أنهكها الجفاف طويلًا كانت يارا تندهش من أثره عليها، كيف لشخص لم تره وجهًا لوجه أن يصبح قريبًا إلى هذا الحد؟ وكيف لرسالة قصيرة منه أن تبدد ثقل يومٍ كامل؟ كان يامن مختلفًا عن الجميع..

لم يحاول أن يقتحم حياتها، ولم يضغط عليها لتكشف ما لا تريد قوله كان حاضرًا فقط، بهدوئه، باهتمامه، بطريقته التي تجعلها تشعر أنه ينصت إلى ما وراء الكلمات كان يسألها عن يومها، عن الكتب التي تقرأها، عن الأشياء التي تحبها وتخافها. وحين تصمت، لم يكن يلحّ، بل يترك لها مساحة تتنفس فيها وفي المقابل، كانت يارا تجد نفسها تتعلق به أكثر مما ينبغي

أصبحت تنتظر ظهوره كما ينتظر العطشان قطرة ماء. كلما أضاءت شاشة هاتفها باسمه، ارتسمت على شفتيها ابتسامة لا إرادية، ثم تعود فتعاتب نفسها بصمت كيف لقلبٍ أنهكه الألم أن يصدق أن الطمأنينة ما زالت ممكنة؟ في إحدى الأمسيات، انقطعت الكهرباء عن المنزل، وغرقت الغرفة في سكونٍ دافئ لا يقطعه سوى ضوء الهاتف الصغير بين يديها وصلتها رسالة من يامن: —هل تؤمنين أن بعض الأشخاص يشبهون الوطن؟ قرأت السؤال أكثر من مرة.

كان سؤالًا بسيطًا في ظاهره، لكنه لمس شيئًا عميقًا بداخلها فكرت طويلًا قبل أن تكتب: —نعم… لكن المشكلة أن الوطن أحيانًا لا يكون من نصيبنا. على الطرف الآخر، ظل يامن محدقًا في ردها لوقتٍ أطول مما ينبغي شعر أن كلماتها لم تكن مجرد إجابة، بل اعتراف مبطن بكل ما تخشاه ثم كتب: —ولو أخبرتك أنك أصبحتِ المكان الوحيد الذي أشعر فيه بالراحة؟ تسمرت أناملها فوق شاشة الهاتف. شعرت بدقات قلبها تتسارع، وبشيء دافئ ينتشر في أعماقها

كانت هذه الكلمات قادرة على أن تهدم كل الجدران التي بنتها حول قلبها لسنوات لكنها كانت تعرف أيضًا أن الواقع لا يعترف دائمًا بما نشعر به وضعت الهاتف جانبًا للحظات، وأسندت رأسها إلى الحائط، تحاول أن تستوعب ما يحدث. للمرة الأولى منذ زمن طويل، شعرت بأنها ليست وحيدة في الأيام التالية، أصبحت أحاديثهما أكثر قربًا حدثها يامن عن طفولته، عن مخاوفه، وعن ذلك الفراغ الذي كان يلازمه رغم كل ما حققه قال لها ذات مرة:

—هناك أشياء لا ينقصها شيء، ومع ذلك نشعر بأنها ناقصة أجابته: —ربما لأن بعض الأرواح لا تكتمل إلا حين تجد من يفهمها. قرأ رسالتها وابتسم طويلًا أما يارا، فقد بدأت تسمح لنفسها بأن تحلم، ولو قليلًا تخيلت كيف سيكون اللقاء الأول. كيف يبدو صوته حين لا يفصل بينهما هاتف هل ستشعر بالأمان نفسه وهي تنظر في عينيه؟ ثم كانت تستيقظ من أحلامها على حقيقة واحدة مؤلمة: موعد خطبتها يقترب…

كان البيت يمتلئ هذه الأيام بأحاديث لا ترغب في سماعها أمها تتحدث عن العريس بحماس، وعن استقرار المستقبل، وعن ضرورة ألا تضيع فرصة كهذه الجارات يباركن مقدمًا، وينظرن إليها بابتسامات تجعلها تشعر وكأن القرار قد اتُخذ بالفعل. أما هي، فكانت تبتسم بصمت، بينما قلبها يزداد تعلقًا بشخص لا تعرف إن كان القدر سيجمعها به أم لا في كل مرة كانت ترى فيها أمها سعيدة، كانت تشعر بالذنب وفي كل مرة كانت تتحدث مع يامن، كانت تشعر بالخوف

خوف من أن تكمل طريقًا لم تختره وخوف أكبر من أن تفقد الشخص الوحيد الذي جعل قلبها يشعر بالحياة مرة أخرى في إحدى الليالي، جلست أمام نافذتها المعتادة، والقمر معلق في السماء كأنه شاهد صامت على ارتباكها. أمسكت هاتفها بعد تردد طويل، ثم كتبت ليامن: —أخشى أن أتعلق بك أكثر، ثم أفقدك كما فقدت كل شيء أحببته. أرسلت الرسالة، وشعرت كأنها كشفت له أضعف ما فيها مرت دقائق بدت لها أطول من ساعات ثم جاء رده:

—حتى لو فرّقتنا الظروف يومًا، يكفيني أنني كنت يومًا سببًا في ابتسامتك. توقفت أنفاسها للحظة أعادت قراءة الرسالة مرة، ثم مرتين، ثم مرات لا تُحصى كانت كلماته حانية على نحو موجع، كأنها تطمئنها وتودعها في الوقت نفسه في تلك الليلة، لم تستطع النوم ظلت تتقلب في فراشها، وتفكر في ذلك الشعور الذي يتسلل إلى قلبها بهدوء، لكنه يغيّر كل شيء

أدركت أنها تقع في حب رجل لا تعرف إن كان القدر سيمنحهما فرصة اللقاء، أم سيكتفي بأن يجعله أجمل ما لم يحدث أغمضت عينيها، ووضعت الهاتف قرب قلبها، كأنها تخشى أن تبتعد عنه حتى المسافة الصغيرة بين الوسادة ويديها وفي أعماقها، كانت تعرف أن بعض المشاعر لا تحتاج إلى اعتراف. يكفي أنها تسكن القلب بكل هذا الصدق

لكنها لم تكن تعلم أن الأيام القادمة ستضع هذا الصدق أمام أول اختبار حقيقي، وأن الحب الذي بدأ برسالة، قد يصبح قريبًا أكثر ألمًا مما تخيلته يومًا. ​ماذا تفعل حين يكون الشخص الوحيد الذي يشعرك بالحياة، هو أبعدهم عن واقعك؟ يارا ويامن.. حكاية حب نمت خلف الشاشات، كزهرة شقت طريقها في أرض جافة ولكن، هل يكفي الحب وحده عندما يدق الواقع الأبواب معلناً اقتراب نهاية لم تكن في الحسبان؟ لقراءة الفصل التالي : لقراءة

الرواية كاملة اضغط على : (رواية ندبة) مدونة كامومنذ 4 أيام 0 3 دقائق

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...