رواية ندبة الجزء الرابع 4 بقلم رحمة محسن ندبةرواية ندبة الحلقة الرابعة حين أصبح الصمت اعترافًا في بعض العلاقات، لا تُقال كلمة “أحبك” أبدًا، ومع ذلك يكون الحب حاضرًا في كل تفصيلة؛ في الانتظار، في الاهتمام، في الخوف من الفقد، وفي ذلك الصمت الذي يقول أكثر مما تقوله الكلمات كانت يارا تشعر أن شيئًا ما يتغير بداخلها
لم تعد رسائل يامن مجرد كلمات عابرة تظهر على شاشة هاتفها ثم تختفي، بل أصبحت جزءًا ثابتًا من يومها، وملاذًا صغيرًا تهرب إليه كلما أثقلتها الحياة، وكلما شعرت أن العالم يضيق حولها كانت تستيقظ أحيانًا قبل موعد استيقاظها المعتاد، لا لشيء سوى لتتفقد هاتفها، فتبتسم حين تجد منه رسالة قصيرة: “صباح الخير… أتمنى أن يكون يومك أخف من الأمس.” رسالة بسيطة، لكنها كانت كفيلة بأن تجعل قلبها أكثر طمأنينة
وفي المساء، حين يهدأ البيت وينام الجميع، كانت تجلس قرب نافذتها، تفتح محادثته، وتشعر كأنها تعود إلى مكان تعرفه جيدًا، رغم أنها لم ترَ صاحبه يومًا أما يامن، فكان يزداد تعلقًا بها يومًا بعد يوم كان يقرأ ما بين سطورها، ويفهم ارتجاف كلماتها، ويشعر بحزنها حتى حين تكتب له: “أنا بخير.” وكان يعرف أنها ليست كذلك في إحدى الليالي، تأخرت يارا في الرد عليه، مرت ساعة، ثم أخرى، ولم تظهر منها أي رسالة
حاول أن يقنع نفسه بأنها منشغلة، لكن القلق تسلل إليه على نحو لم يتوقعه وحين ظهرت أخيرًا وكتبت: “آسفة… لم أكن بخير اليوم.” شعر براحة غريبة لم يعهدها من قبل كتب لها فورًا: “لا تعتذري أبدًا عن حزنك. أنا هنا، حتى لو لم ترغبي في الكلام.” قرأت رسالته، وشعرت بدفءٍ غامر يحيط بقلبها أحيانًا، لا يحتاج الإنسان إلى حلول، بل إلى شخص يخبره فقط أنه لن يتركه وحيدًا.
في تلك الليلة، تحدثا طويلًا عن الأحلام المؤجلة، عن الأشياء التي تمنيناها ولم تحدث، وعن الطرق التي غيّرتنا الحياة بها دون أن نستأذن قال لها يامن: —أشعر وكأنني أعرفك منذ زمن بعيد ابتسمت يارا رغم الدموع التي كانت تتجمع في عينيها، ثم كتبت: —ربما لأن الأرواح تتعارف قبل أن تلتقي. ظل يامن ينظر إلى الشاشة لثوانٍ طويلة كان يشعر أن الكلمات لم تعد تكفي لوصف ما يحدث بداخله تردد كثيرًا قبل أن يكتب: —أخشى أن أحبك أكثر مما ينبغي.
توقفت أنفاسها. حدقت في الرسالة كأنها تخشى أن تختفي إذا أغمضت عينيها كانت تلك أول مرة يقترب فيها يامن من الاعتراف بما يحمله قلبه شعرت بدقات قلبها تتسارع، وبكل الجدران التي بنتها حول نفسها ترتجف وضعت الهاتف جانبًا للحظة، وأسندت رأسها إلى الوسادة، تحاول أن تهدئ ارتباكها كانت تعرف أن هذه الكلمات قادرة على أن تغيّر كل شيء لكنها كانت تعرف أيضًا أن الواقع أقسى من المشاعر بعد تردد طويل، أمسكت الهاتف من جديد وكتبت:
—وأنا أخشى أن أحبك في الوقت الخطأ. قرأ يامن رسالتها مرة، ثم أعاد قراءتها مرات عديدة ابتسم بحزن كان في كلماتها اعتراف كامل، ووجع كامل أيضًا لقد أحبته، لكنه جاء في توقيت لا يرحم منذ تلك الليلة، لم يعد الصمت بينهما عاديًا أصبح كل “كيف حالك؟ ” يحمل خلفه ألف معني وكل “اعتني بنفسك” يخفي خوفًا من الفقد وكل رسالة قصيرة كانت تبدو كأنها وعد غير معلن بأن أحدهما ما زال هنا من أجل الآخر كانت يارا تشعر بوجوده في أدق تفاصيل يومها
حين ترى شيئًا جميلًا، تتمنى لو تخبره حين تضيق بها الدنيا، تبحث عن اسمه تلقائيًا وحين تتأخر رسالته، تشعر بفراغ لا تعرف كيف تفسره أما يامن، فقد صار ينتظر حديثها كما ينتظر المرء لحظة سلام نادرة وسط ضجيج الحياة كان وجودها يخفف عنه أشياء كثيرة لم يستطع البوح بها لأحد. لكن الأيام لا تمنحنا دائمًا ما نتمنى في صباح اليوم التالي، قررت يارا أن تتحدث مع أمها وجدتها ترتب بعض الملابس الجديدة التي اشترتها استعدادًا للخطبة
وقفت أمامها في صمت للحظات، ثم قالت بصوت خافت: —يا أمي… أنا لا أريد هذا الزواج توقفت الأم عن الحركة رفعت رأسها ببطء، وحدقت في ابنتها وكأنها كانت تخشى سماع هذه الكلمات منذ البداية ساد الصمت بينهما للحظات ثقيلة. ثم جلست الأم على طرف السرير وقالت بصوت متعب: —أحيانًا يا ابنتي، لا نختار ما نحب… بل نختار ما يحمينا. اقتربت يارا منها، وجلست على الأرض عند قدميها كما كانت تفعل في طفولتها قالت والدموع تلمع في عينيها:
—وماذا لو كان ما يحمينا لا يجعلنا سعداء؟ تنهدت الأم، وربتت على شعرها بحنان —السعادة ليست مضمونة يا يارا، لكنني أريد فقط أن أطمئن عليكِ قبل أن أغادر هذه الدنيا كانت كلماتها صادقة إلى حدٍ موجع شعرت يارا أن قلبها ينقسم إلى نصفين: نصف يريد أن يركض نحو يامن دون أن يلتفت إلى شيء ونصف آخر لا يحتمل أن يكسر قلب أمها التي لم تتمنَّ لها يومًا سوى الأما في تلك الليلة، لم تتحدث كثيرًا مع يامن
اكتفت برسائل قصيرة، تخفي خلفها عاصفة من المشاعر ثم أغلقت الهاتف، وفتحت دفترها القديم ظلت تحدق في الصفحة البيضاء قبل أن تكتب: “أصعب أنواع الحب هو ذلك الذي يولد في قلبك كاملًا… بينما تعرف منذ البداية أنه قد لا يكتمل.” مررت أصابعها فوق الكلمات، كأنها تتحسس حقيقة لا تريد الاعتراف بها أغلقت الدفتر، وأطفأت المصباح، وأسندت رأسها إلى الوسادة كانت الغرفة مظلمة، لكن أفكارها أكثر صخبًا من أي وقت مضى
وللمرة الأولى، سألت نفسها بصدقٍ مؤلم: هل يستطيع الحب أن ينتصر على ما قرره القدر؟ أم أن بعض القلوب خُلقت فقط لتُحب… ثم تفترق؟ ولم تكن تعلم أن الإجابة ستأتيها قريبًا، على هيئة قرار سيغيّر حياتها كلها. فهل يملك الحب حقًا القوة الكافية لمواجهة الواقع؟ أم أن بعض النهايات تُكتب قبل أن تبدأ الحكاية أصلًا؟!! لقراءة الفصل التالي : لقراءة الرواية كاملة اضغط على : (رواية ندبة) مدونة كامومنذ 7 أيام 0 4 دقائق
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!